
رجع محمود إلى البيت وهو يحس بالصراع قائماً بين
عاملين في روحه ، فقد كان يشعر أن عليه أن يتحرر من
سعاد وأنه لن ينجح في حياته الجديدة ، إلا إذا تخلص من
سلطانها عليه ، وكان يقف فكره عند كل مرة ، يحدث فيها
نفسه عن حياته الجديدة ، ويتساءل في سره : هل حقاً أنه بدأ
حياة جديدة لا زيف فيها ولا خداع ... لا فسق فيها ولا
مجون ؟ هل حقاً أنه أخذ يستيقظ من سكرته الماضية ؟
وكيف ؟ ... وما هو السبب في هذا ؟ ... ولم يكن في كل
مرة يحصل من نفسه إلا على جواب واحد : كنت تكفر بوجود
الخير ، ولكنه وجد أمامك فآمنت به ... كنت تنكر أن للقيم
حقيقة فتجسدت أمامك ... فلم يسعك إلا أن تقر بها...
أنت خضت تجربة كانت فاشلة ، لكنها دلتك على طريق
النجاح . وكان أشد ما يعذبه هو موقفه من سعاد ، وكان يود
أن يعرف نوعية الحبل الذي يشده إليها ، وهل أن الحب هو
الذي يخضعه لها أو شيء آخر فيتردد ... أهو يحبها حقاً ؟
أيحق له أن يستبقيها بذريعة الحب ؟ أيسمي شعوره نحوها
( 184 )
حباً أم مجرد رغبة ورهبة ؟ أيجوز له أن يدعها تنبش ماضيه
وهو في طريقه لدفنه في طيات التوبة ؟ أيصح له أن يعيش مع
امرأة لا تتقيد بأي قيم انسانية ؟ ... إنه يقر بأنها كانت
ضرورة من ضرورات حياته السابقة ، أما الآن فقد أصبحت
ضرراً على حياته اللاحقة ... نعم ، إنه كان يهواها فيما
مضى ، ولكن الآن هل لا يزال يهواها أو هل يحبها حقاً ؟!.
( 185 )

مضت الايام على محمود وهو يعاني صراعاً عنيفاً بين قوى
الشر والخير ، وما أكثر ما أرق لياليه يتقلب بين مختلف
الأفكار ... وكانت سعاد تتجنبه طيلة هذه المدة ، ظناً منها أنه
عاشق مفتون مندفع وراء هواه ... وفي أحد الأيام خرجت
سعاد من البيت ، فرأت محمود يستعد لركوب السيارة ، وقد
حمل بين يديه حقيبة صغيرة ، فتوقفت وسألته متخابثة :

ـ إلى أين أنت مسافر يا محمود ؟

ـ أنا ذاهب لزيارة جدتي العجوز فقد علمت أنها مريضة...

ـ ومتى أصبحت طبيباً تداوي العجائز ؟

ـ أنا لست بطبيب ، ولكن علي أن أذهب لآتي لها
بطبيب ، فأنا كل ما تبقى لها في الوجود.

ـ ومنذ متى أصبحت تحس بهذه العواطف الانسانية ؟!.

ـ منذ أبصرت عيني نور الحياة
( 186 )

وظنت سعاد أنه يهزأ ، فأردفت تقول :

ـ وكم سيطول بقاؤك هناك ؟

ـ إلى الوقت الذي أطمأن فيه على صحتها.

ـ حتى ولو أسبوع ؟.

ـ أنا سوف أبقى أسبوعاً على كل حال ، فلم أزر جدتي
المسكينة هذه منذ سنوات ، مع أنها بعثت تسدعيني عشرات
المرات ، ولكن إذا أحوج الأمر فسوف أظل أكثر من أسبوع.

ـ إذهب مع السلامة يا محمود !.

واستقل محمود سيارته ، ومضى ينهب بها الشارع وكأنه
كان يريد الابتعاد عن سعاد بأسرع وقت ، وتابعته سعاد
بنظرها ، وردت في نفسها قائلة : أنت لن تذهب إلى جدتك
يا محمود ! ... فهنيئاً لنقاء بأسبوعها الحافل ... وليكن هذا
الأسبوع هو أسبوع الوداع ، فقد قربت عودة إبراهيم...

أما محمود فقد كان صادقاً فيما قال ، وكانت جدته مريضة
حقاً ولكنها لم تشأ أن تستدعيه ، فقد يئست من استجابته لها
لكثرة ما استدعته فلم يجب ، وكتبت إليه فلم يرد عليها
بكلمة واحدة ، فأقامت على علتها ووحدتها تنتظر الأجل المحتوم.

ولم يتوقف محمود في الطريق ، فقد كان يخشى أن يتأخر
( 187 )
ساعة فيصل بعد فوات الأوان ، فهو يحس بعاطفة قوية تجيش
بصدره نحو هذه الجدة المسكينة ، وهو يتصورها على سرير
الموت ، تقلبها أيدي الأجانب والأغراب ، وود لو يلقاها حية
ليستغفرها عن عقوقه ويذرف بين يديها دموع التوبة
والندم... ووصل أخيراً إلى بيت جدته وطرق الباب ففتحه
له خادم شيخ استغرب قدومه ولم يتعرف عليه ، فسأله محمود في لهفة :

ـ كيف حال السيدة يا حاج ؟!.

فرد الخادم بصوت يشوبه الاستغراب لهذه اللهفة قائلاً :

ـ لا تزال كما هي يا أستاذ !..

ـ تقصد أنها لا تزال مريضة ؟.

ـ نعم فهي ما برحت تصارع الموت ولكن...

ولم يمهله محمود ليتم جملته بل اندفع نحو الداخل ، وهم
الخادم أن يمنعه من الدخول وهو يقول :

ـ إن الدخول ممنوع يا سيدي ! فحالها لايسمح بذلك.

ـ ولكني ابنها يا شيخ !.

ـ ابنها !؟.

ـ نعم أنا حفيدها الوحيد.
( 188 )

ـ أه ... أنت السيد محمود إذن ؟

ـ نعم.

ـ لقد كانت تذكرك كثيراً يا سيدي ! ... وطالما سكبت
لأجلك الدموع.

ودخل محمود على جدته فوجدها في غيبوبة وقد وقفت
عند رأسها خادمتها العجوز التي لازمتها منذ صباها
الأول ... ولهذا فقد عرفت محمود في الوهلة الأولى ، فقالت
بصوت تخنقه العبرات :

ـ هل أتيت أخيراً يا سيد محمود ! ... لقد كانت تحيى
بذكرك دائماً ولكنها الآن لا تتمكن أن تحس بوجودك.

وتساقط العرق بارداً على وجه محمود وردد في جزع
قائلاً :

ـ لعلها .. لعلها ...

ـ لا يا سيدي ! إنها لم تنته بعد ولكن نهايتها ليست ببعيدة.

ـ وكيف ؟ ألا يوجد طبيب هنا ؟!

ـ لقد رآها الطبيب منذ ساعة ، ولكنه قال : إنها لن تحتاج
إليه بعد الآن.
( 189 )
أنحنى محمود على الجسد المسجى ، ورفع اليد المعروفة
إلى فمه وطبع عليها قبلة طويلة ثم رفع رأسه وقد تبلل وجهه
بالدموع ، وظل واقفاً أمامها لا يريم ، وفجأة صدرت عن
صدر المريضة العجوز آهة أتبعتها بتململ قليل من رأسها ،
فانحنى عليها مرة أخرى وناداها بصوت خافت حنون :
جدتي ... جدتي العزيزة ! أنا محمود . جهد جبار فتحت
العجوز عينيها وابتهل محمود إلى ربه في سره قائلاً : ليتها
تعرفني يا رب ! وعرفته المسكينة ، فقد لاحت على وجهها
المغضن الشاحب شبح ابتسامة... فعاد محمود يقول :

ـ أنا محمود ، جئت إليك تائباً نادماً مستغفراً عما بدر
مني ، فهل تغفرين لابنك العاق ؟.

ورفعت المرأة العجوز عينها نحو السماء كأنها تريد أن
تدعو له بالغفران ، فانحنى مرة أخرى وقبل يدها بخشوع
وشعر بأناملها باردة متشنجة ، فلم يشأ أن يترك تلك اليد
الكريمة التي طالما هدهدته وداعبته فأبقى عليها بين يديه ،
واختجلت الأنامل في قبضته اختلاجة صغيرة ، وصدرت عن
الجسد المسجى أنة خافتة ، فنظر نحوها فزعاً ، وحاول أن
يناديها مرة أخرى ، ولكن الخادمة العجوز منعته من ذلك ،
وقالت وهي تذرف العبرات :

ـ دعها فقد أسلمت روحها إلى باريها راضية مرضية.