شــرح دعـاء الـسحر
[37]
اللّهم إنّي أسئلك من بهائك بأبهاه، وكلّ بهائك بهيّ، اللّهم إنّي أسئلك ببهائك كلّه.
قول الداعي:(اللّهم) أصله يا أللّه. واعلم أن الإنسان هو الكون الجامع لجميع المراتب العينية والمثالية والحسية، منطوٍ فيه العوالم الغيبية والشهادية وما فيها، كما قال اللّه تعالى: وعلّم آدم الأسماء كلّها. وقال مولينا و مولى الموحدين صلوات اللَه عليه على ما نقل:
أتـزعـم أنّـك جــرم صـغيـر وفـيـك انـطـوى الـعـالـم الأكـبــر
فهو مع الملك ملك، ومع الملكوت ملكوت، ومع الجبروت جبروت. وروي عنه وعن الصادق عليهما السلام: إعلم أن الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صورة العالمين، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كل غائب، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير، والصراط الممدود بين الجنة والنار، انتهى. فهو خليفة الله على خلقه، مخلوق على صورته، متصرف في بلاده، مخلَع بخلع اسمائه وصفاته، نافذ في خزائن ملكه وملكوته، منفوخ فيه الروح من الحضرة الإلهيه، ظاهره نسخة الملك والملكوت وباطنه خزانة الحي الذي لا يموت. ولما كان جامعا لجميع الصور الكونيه الإلهيه كان مربى بالإسم الأعظم، المحيط لجميع الأسماء والصفات، الحاكم على جميع الرسوم والتعينات. فالحضرة الإلهيه ربّ الإنسان الجامع الكامل. وينبغي له أن يدعوُ ربّه بالإسم المناسب لمقامه والحافظ من منافراته. ولهذا أستعيذ باللَه من الشيطان الرجيم(قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ((الأعراف)) دون ساير الأسماء وصار مأموراً بالإستعاذه برب الناس في قوله تعالى: "قل أعوذ بربِ الناس" من شر الذي ينافر مرتبته وكمالاته، وهو الوسوسة في صدره من الموسوس القاطع لطريقه في سلوك المعرفه.
قال العارف الكامل كمال الدين عبدالرزاق الكاشاني: في تأويلاته. "الإنسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتب الوجود. فربّه الذي أوجده فأفاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع الأسماء بحسب البدايه المعبّر عنه بـ(اللّه)، ولهذا قال تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيَدَيَّ}(ص:75) بالمتقابلتين كاللطف والقهر والجلال والجمال الشاملين لجميعها" انتهى بعين ألفاظه.
فالمتكفل لعوده من أسفل السافلين واسترجاعه من الهاوية المظلمة إلى دار كرامته و


[38]
أمانه وإخراجه من الظلمات إلى النور، وحفظه من قُطاّع طريقه في السلوك هو اللّه، كما قال تعالى:{اللهُ وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}(البقرة:257). فالسالك في سلوكه بقدم المعرفة إلى الله بمنزلة مسافر يسافر في الطريق الموحش المظلم إلى حبيبه، والشيطان قاطع الطريق في هذا المسلك، واللّه تعالى هو الحافظ باسمه الجامع المحيط. فلا بد للداعي والسالك من التوسل والتضرع إلى حافظه ومربّيه بقوله: اللهم أو يا اللّه. وهذا سرّ تصدّر اكثر الأدعية به، وإن كان المتمسك بساير الأسماء الإلهيّة أيضاً حسن بنظر آخر، وهو استهلاك التعينات الأسمائية والصفاتية في أحدية الجمع على ما سيجيء في سرّ الرجوع عن إثبات الأفضلية في فقرات الدعاء إلى قوله "وكل بهائك بهيّ" إلى غير ذلك.
"إنّي" لم يكن هذا في الحقيقه إثبات الأنانيه، لأنّ الأنانيّه تنافي السؤال، والداعي يقول: إنّي أسئلك. وهذا نظير قوله تعالى:{أنتم الفقراء إلى اللّه} (فاطر:15)، مع أن أنتمية السوائيه مدار الإستغناء لا الفقر . فما كان منافياً لمقام السالك إلى اللّه تعالى إثبات الإستقلال والإستغناء كتسمية أنتم في قوله تعالى: "إن هِيَ إلاّ أسماء سَمّيتُموها أنْتُمْ". وأمّا إثبات الأنانيّة في مقام التذلّل وإظهار الفقر فليس مذموماً، بل ليس من إثبات الأنانيه . نظير أنتم في قوله: {يا أيُّها الناس أنتم الفقراء إلى اللّه}(فاطر:15). بل حفظ مقام المعبوديه والتوجّه إلى الفقر والفاقه إن كان في الصحو الثاني فهو من أتّم مراتب الإنسانيه. المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وآله على ما حكى " كان أخي موسى عليه السلام عينه اليمنى عمياء وأخي عيسى عينه اليسرى عمياء وأنا ذو العينين " فحفظ مقام الكثرة في الوحده في الكثرة لم يتيسّر لأحد من الأنبياء المرسلين إلاّ لخاتمهم بالأصاله وأوصيائه بالتبعيّه ، صلى اللّه عليهم أجمعين .
"أسئلك"، السؤال بلسان الإستعداد غير مردود و دعائه مقبول مستجاب ، لأن الفاعل تام وفوق التمام والفيض كامل وفوق الكمال ، وعدم ظهور الفيض و إفاضته من قبل نقصان الإستعداد . فإذا استعدّ القابل لقبوله فيفيض عليه من الخزائن التي لاتنتهي ولا تنفذ ومن المعادن التي لاتنتهي و لاتنقص. فينبغي للداعي أن يبالغ في تنزيه باطنه وتخلية قلبه من الأرجاس والملكات الرذيله يسري دعاء قالِه إلى حاله وحاله إلى استعداده وعلنه إلى سرّه ليستجاب دعاه ويصل إلى مناه . فاجتهد لأن يكون سرّك داعياً و باطنك طالباً حتى ينفتح على قلبك أبواب الملكوت. وينكشف على سرّك أسرار الجبروت. و يجري فُلك
[ 39 ]
عقلك في بحار الخير و البركات حتى يصل إلى ساحل النجاة، وينجي من ورطة الهلكات و يطير بجناحيه إلى عالم الأنوار عن هذه القرية الظلمانّية و دار البوار. وإيّـاك وأن تجعل الغاية لهذه الصفات الحسنى والأمثال العليا التي بها تقوم السموات والأرضون ، وبنورها تنوّرت العالمون الشهوات الدنيه الداثره الباليه والأغراض الحيوانيه و الكمالات البهيميه والسبُعيّه . وعليك بطلب الكرامات الإلهيه والأنوار العقليه والكمالات اللاّئقه بالإنسان بما هو الإنسان والجنات التي عرضها كعرض السماوات والأرض. وهذه أيضاً في بدو السلوك والسير، وإلاّ فحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين. فالعارف الكامل من جعل قلبه هيولي لكل صوره أورد عليه المحبوب فلا يطلب صوره و فعلية، وتجاوز عن الكونين وارتفع عن النشأتين ، كما قال العارف الشيرازي:
در ضمير ما نمى كَنجد به غير ازدوست كس هر دو عالم رابه دشمن ده كه مارا دوست بس
وقال في موضع آخر:
نيست در لوح دلـم جز الف قامت دوست جكنم حرف دكر ياد نداد اســتـادم
وهذا هو حقيقة الإخلاص الذي أشار إليه بقوله : " من أخلص للّه أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " .
وفي الكافي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: " أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول " طوبى لمن أخلص للّه العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر اللّه بما تسمع أذُناه ولم يحزن صدره بما أعطى غيره ".
هذا ، فتبّاً لعبدٍ يدعي العبوديه ثم دعى سيده و مولاه بالأسماء والصفات التي قامت بها سماوات الأرواح وأراضي الأشباح ، وكان مسئوله الشهوات النفسانيه والرذايل الحيوانيه والظلمات التي بعضها فوق بعض والرياسات الباطله وبسط اليد في البلاد والتسلط على العباد.
تو را زكنكَره عرش مى زنند صفير ندانمت كه دراين دامكَه جه افتاده است ؟
وطوبى لعبد عبد الربّ له وأخلص للّه و لا ينظر إلاّ إليه و لا يكون مشترياً للشهوات الدنيوية أو للمقامات الاخروية .
غلام همت آنم كه زير جرخ كبود زهر جه رنكَ تعلق بذيرد آزاد اســت
[45]
"من بهائك بأبهاه وكل بهائك بهي اللّـهم إني أسألك ببهائك كله".
من بهائك متعلق بأبهاه ، وهو متعلق بأسئلك . أي أسئلك بأبهى من بهائك وكذلك ساير الفقرات .
واعلم أن السالك بقدم المعرفه إلى اللّه لا يصل إلى الغاية القصوى ولايستهلك في أحدية الجمع ولا يشاهد ربه المطلق إلاّ بعد تدرّجه في السير إلى منازل ومدارج ومراحل ومعارج من الخلق إلى الحق المقيّد، ويزيل القيد يسيراً يسيراً، وينتقل من نشأة إلى نشأة ومن منزل إلى منزل حتى ينتهي إلى الحق المطلق، كما هو المشار إليه في الكتاب الإلهي لطريقة شيخ الأنبياء عليه وعليهم الصلوة والسلام بقوله تعالى : {فَلَمّا جَنَّ عَلَيه الليلُ رَأى كَوْكباً قالَ هذا رَبّي. إلى قوله - وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذيْ فَطَرَ السمواتِ وَ الأرْضَ حَنيفاً مُسْلِماً و ما أنا مِنَ المُشْرِكينْ} (الأنعام 76-79). فتدرّج من ظلمات عالم الطبيعة متدرّجا مرتقياً إلى عالم الربوبيّة. فطلوع ربوبيّة النفس متجلّية بصورة الزهرة. فارتقى عنها فرأى الأفول والغروب لها، فانتقل من هذا المنزل إلى منزل القلب الطالع قمر القلب من أفق وجوده، فرأى ربوبيّته، فتدرّج عن هذا المقام إلى طلوع شمس الروح. فلمّا أفلت بسطوع نور الحق وطلوع الشمس الحقيقي نفى الربوبيّة فيها وتوجّه إلى فاطرها وخلص عن كل إسم ورسم وتعيّن و وسم، وأناخ راحلته عند الربّ المطلق. فالعبور عن منازل الحواسّ والتخيّلات والتعقّلات، والتجاوز عن دار الغرور إلى غاية الغايات، والتحقّق بنفي الصفات والرسوم والجهات عيناً و علماً لا يمكن إلا بعد التدرّج في الأوساط من البرازخ السافلة والعالية إلى عالم الآخره، ومنها إلى عالم الأسماء والصفات. من التي كانت أقلّ حيطة إلى أكثر حيطة، إلى الإلهيّة المطلقة، إلى أحديّة عين الجمع المستهلك فيها كلّ التجلّيات الخَلقيه والأسمائية والصفاتية الفانية فيها التعيّنات العلميه والعينية. وأشار المولوى إلى هذا التدرج بقوله:
از جمادى مردم و نامى شــدم وزنما مردم ز حيوان سر زدم
إلى قوله:
بس عدم كَردم عدم جون ارغـنون كَويدم كانّا اليــه راجعون
وهذا هو الظلوميّة المشار إليها بقوله تعالى:{إنّهُ كانَ ظَلوماً جَهولاً}. وهذا مقام " أو أدنى" أخيرة مقامات الإنسان. بل لم يكن هيهنا مقام ولا صاحب مقام. وهذا مقام الهيمان المشار إليه بقوله تعالى: {ن وَ القَلَم وما يَسْطُرُون}(ن: 1) على بعض الإحتمالات. فإذا بلغ
[46]
السالك إلى الحضره الإلهيّه ورأى بعين البصيره الحضره الواحديه وتجلّى له ربّه بالتجلّيات الأسمائيه والصفاتيه وتوجّه إلى محيطيّة بعض الأسماء والصفات ومحاطيّة بعضها وفضيلة بعضها وأفضلية الأخرى بعضها وأفضلية الأخرى يسأل ربّه باللسان المناسب لنشأته ويدعو بالدعاء اللائق بحضرته بأبهى الصفات وأجملها وأشرف الآيات وأكملها، فيسري من لسان حاله إلى قاله ومن سرّه إلى مقاله، فيقول :"أسئلك من بهائك بأبهاه" إلى غير ذلك. والسؤال في الحضره الإلهيّه بطور يخالف طور السؤال في الحضرة الغيب المقيّد، وهو يخالف السؤال في الشهاده، ومسؤلاتها أيضاً متفاوته بمناسبة النشئآت، كما سيجئ في قوله عليه السلام : "اللّهم إني أسئلك من مسائِلك بأحبّها إليك" هذا. وإذا تجاوزعن الحضرة الالهية إلى حضرة الأحدية الجمعيّة المستهلكة فيها الحضرات، الفانية فيها التعيّنات والتكثّرات وتجلّى عليه بالمالكية المطلقة. كما قال: {لِمَن الْمُلْك الْيَوم}(غافر:16) وحيث لم يكن في هذا اليوم خلق وأمر ولا إسم ورسم ورد أن لايجيبه إلا نفسه، فقال: {لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهَّار}(غافر 16). ففي هذا المقام لم يكن سؤال ولا مسؤول ولا سائل. وهو السكر الذي هو هيمان ودهشة واضطراب بمشاهدة جمال المحبوب فجأة. فإذا أفاق بتوفيقات محبوبه عن هذا الهيمان والدهش وصحى عن المحو أمكنه التميز والتفرقة لتمكن الشهود فيه واستقامته واستقراره وحفظه الحضرات الخمس يرى أن الصفات التي يراها في الصحو الأول بعضها أبهى وبعضها بهيّ وبعضها أكمل وبعضها كامل، كلّها من تجليات ذات أحديّ محض ولمعات جمال نور حقيقي بحت. فلا يرى في هذا المقام أفضلية و أشرفية، بل يرى كلّها شرف وبهاء وجمال وضياء، فيقول: "كلّ بهائك بهيّ وكلّ شرفك شريف" لم يكن أشرفية في البين، وتكون كلها أمواج بحر وجودك ولمعات نور ذاتك وكلها متحدة مع الكل وكلها مع الذات. فإثبات التفضيل في الصحو الأول ونفيها في الصحو بعد المحو مع ارجاع الكثرات إليه. هذا إذا كان النظر إلى التجليات الصفاتية والأسمائية. وأمّا إذا كان المنظور التجليات الخلقية والمظاهر الحسنى الفعلية فالعروج الى مقام التحقق بالمشية المطلقة المستهلكة فيها التعيّنات الفعلية لا يمكن الا التدرج في مراتب التعيّنات، فمن عالم الطبيعة يعرج الى عالم المثال والملكوت متدرجاً في مراتبها، ومنهما الى عالم الأرواح المقدسة بمراتبها، ومنه إلى مقام المشيّة التي استهلك في عينها جميع الموجودات الخاصة والتعينات الفعلية. وهذا هو مقام التدلي في قوله تعالى {دَنَى فَتَدَلَّى}(النجم:8). فالمتدلّي بذاته الذي لم
[47]
يكن حيثيّته إلا التدلّي ولم يكن ذاتاً يعرض لها التدلّي والفقر الذي هو الفقر المطلق، وهو المشية المطلقة المعبرّ عنها بالفيض المقدّس والرحمة الواسعة والاسم الأعظم والولاية المطلقة المحمّدية أو المقام العلوي، وهو اللواء التي آدم ومن دونه تحتها والمشار اليه بقوله: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين أو بين الجسد والروح"، أي لا روح ولا جسد. وهو العروة الوثقى والحبل الممدود بين سماء الإلهية وأراضي الخلقية.وفي دعاء الندبة قوله عليه السلام: "أين باب الله الذي منه يؤتى أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء. أين السبب المتّصل بين الأرض والسماء".
وفي الكافي عن المفضّل: "قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام : كيف كنتم حيث كنتم في الأظلّة فقال: يا مفضل، كنا عند ربّنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلّة خضراء نسبّحه ونقدّسه ونهللّه ونمجده. وما من ملك مقرّب ولا ذي روح غيرنا، حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم. ثم أنهى علم ذلك إلينا". والأخبار من طريق أهل البيت عليهم السلام بهذا المضمون كثيرة. فشهود هذا المقام أو التحقق به لا يتيسّر إلا بعد التدرج في مراقي التعيّنات فقبل الوصول إلى هذا المقام يرى السالك بعض الأسماء الإلهية أبهى من بعض، كالعقول المجردة والملائكة المهيمنة، فيسأل بأبهى وأجمل وأكمل. فإذا وصل إلى مقام القرب المطلق وشهد الرحمة الواسعة والوجود المطلق والظلّ المنبسط والوجه الباقي، الفاني فيه كلّ الوجودات والمستهلك فيه كلّ العوالم من الأجساد المظلمة والأرواح المنوّرة، يرى أن نسبة المشيّة الى كلّها على السواء فهي مع كلّ شيء {أيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْه اللَّه} (البفرة:115) {وَهُوَ مَعَكُم}(الحديد:4) {ونَحْنُ أَقْرَب إِلَيْه مِنكم}(الواقعة:85) {ونحن أقرب اليه من حبل الوريد}(ق:16). فعند ذلك ينفي الأفضلية ويقول:" كل بهائك بهيّ وكلّ جمالك جميل". وما ذكرنا مشترك بين جميع الفقرات وإن كان بعضها بالمقام الأول أنسب وبعضها بالثاني أليق.
وأما ما اختصت به هذه الفقرة: فالبهاء هو الحسن والحسن هو الوجود. فكل خير وبهاء وحسن وسناء فهي من بركات الوجود واظلاله حتى قالوا :" مسألة أنّ الوجود خير وبهاء بديهيّة".
فالوجود كلّه حسن وبهاء ونور وضياء. وكلّما كان الوجود أقوى كان البهاء أتّم
[48]
وأبهى. فالهيولى لخسّة وجودها ونقصان فعليّتها دار الوحشة والظلمة ومركز الشرور ومنبع الدناءة ويدور عليها رحى الذميمة والكدورة.فهي لنقصان وجودها وضعف نوريتها كالمرأة الذميمة المشفقة عن استعلان قبحها، كما قال الشيخ والدنيا لوقوعها في نعال الوجود وأخيرة تنزّلاته يدعى بأسفل السافلين وإن كانت بنظر أهلها بهيّة حسناء لذيذة، لأنّ كلّ حزب بما لديهم فرحون. فإذا ظهر سلطان الآخرة وانكشفت الحقيقة بارتفاع الحجب عن بصيرة القلب وتنبّهت الأعين عن نوم الغفلة وبعثت الأنفس عن مراقد الجهالة وعرفت حالها ومرجعها ومآلها وانكشفت ذميمتها وقبحها وظلمتها ووحشتها.
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يحشر بعض الناس على صور تحسن عندها القردة والخنازير". وهذا الكمال الحيواني والخير البهيمي والسّبُعي أيضا من بركات الوجود وخيراته ونوره وبهائه.
فكلّما خلص الوجود من شوب الاعدام والفقدانات واختلاط الجهل والظلمات يصير بمقدار خلوصه بهيّاً حسناً. فالعالم المثال أبهى من ظلمات الطبيعة، وعالم الروحانيات والمقرّبين من المجردات أبهى منهما، والعالم الربوبي أبهى من الكل، لخلوصه عن شوب النقص وتقدّسه عن اختلاط الأعدام وتنزّهه عن الماهيّة ولواحقها، بل لا بهاء إلاّ منه، ولا حُسن ولا ضياءَ إلا لديه، وهو كلّ البهاء وكلّه البهاء.
قال السيد المحقق الداماد قدّس سرّه في القبسات على ما نقل:"وهو تعالى كل الوجود وكلّه الوجود وكلّ البهاء والكمال وهو كلّه البهاء والكمال وما سواه على الاطلاق لمعات نوره ورشحات وجوده وظلال ذاته". انتهى .
فهو تعالى بهاء بلا شوب الظلمة، كمال بلاغبار النقيصة، سناء بلا اختلاط الكدورة، لكونه وجوداً بلا عدم وإنّيّة بلا مهية، والعالم باعتبار كونه علاقة ومنتسباً إليه وظلّه المنبسط على الهياكل الظلمانية والرحمة الواسعة على الأرض الهيولائية، بهاء ونور وإشراق وظهور، {قُلْ كُلٌ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه}(الإسراء:84)، وظلّ النور نور{ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدّ الظِّلَ}(الفرقان:45) وباعتبار نفسه هلاك وظلمة ووحشة ونفرة، {كُلّ شيءٍ هالِكٌ إلاّ وَجْهَه}(القصص:88). فالوجه الباقي بعد استهلاك التعيّنات وفناء المهيات، هو جهة الوجوب المتدلّية إليه التي لم تكن مستقلّة بالتقوُم والتحقّق ولا حكم لها بحيالها، فهي بهذا النظر هو. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله:
[49]
"لو دليتم الى الأرض السفلى لهبطتم على اللّه". فهو هو المطلق والبهاء التام لا هوية ولا بهاء لغيره والعالم بجهته السوائية لم يكن له البهاء والهوية ولا الوجود والحقيقة، فهو خيال في خيال والكليّ الطبيعي غير موجود. فإذا لم يكن موجوداً فكيف يكون له البهاء والنور والشرف والظهور، بل هو النقصان والقصور والهلاك والدثور.
[50]
إبـانــة
إِنّ من الصفات الإلهية ما لها الحيطة التامّة على سائر الصفات كالأئمة السبعة ومنها ما لم يكن كذلك وان كانت له المحيطيّة والمحاطيّة أيضاً. وبهذا يمكن تحصيل الفرق بين صفة البهاء والجمال، فإن البهاء هو الضياء المأخوذ فيه الظهور والبروز دون الجمال. فالصفات الثبوتية كلّها جمال وبعضها بهاء. والبهيّ من أسماء الذات باعتبار ومن أسماء الصفات بآخر ومن أسماء الأفعال باعتبار ثالث وإن كان بأسماء الصفات والأفعال أشبه. والجميل من أسماء الذات بوجه ومن أسماء الصفات بوجه دون أسماء الأفعال، وإن كان بأسماء الصفات أشبه وأنسب، وسيأتي ان شاء الله في شرح قوله (عليه السلام):"اللهم إنّي أسألك من قولك بأرضاه" ما يفيدك في هذا المقام أيضاً.



في ذكر كلام بعض المشايخ
" نقل وكشف "
قال بعض أعاظم المشايخ من أهل السير والمعرفة رضوان الله عليه في كتابه الموسوم بأسرار الصلاة في تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم بحسب أسرار الحروف بعد ذكر أخبار، منها ما روي في الكافي والتوحيد والمعاني عن العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام: الباء بهاء اللّه والسين سناء اللّه والميم مجد اللّه. والقمي عن الباقر والصادق والرضا عليهم السلام مثله، ولكن بدل مجد اللّه ملك اللّه بهذه العبارة .
أقول: يعرف من هذه الأخبار وغيرها مما روي في الأبواب المختلفة أنّ عالم الحروف عالم في قِبال العوالم كلها، وترتيبها أيضاً مطابق مع ترتيبها. فالألف كأنه يدلّ على واجب الوجود، والباء على المخلوق الأوّل، وهو العقل الأوّل والنور الأوّل، وهوبعينه نور نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم. ولذا عبّر عنه ببهاء الله، لأنّ البهاء بمعنى الحسن والجمال. والمخلوق الأوّل إنّما هو ظهور جمال الحق، بل التدقيق في معنى البهاء أنّه عبارة عن النور مع هيبة ووقار، فهو المساوق لجامع الجمال والجلال انتهى ما رمناه من كلامه زيد في علو مقامه.
أقول: إنّ الصفات المتقابلة لاجتماعها في عين الوجود بنحو البساطة والتنزه عن الكثرة الكل مُنطو في الكل، وفي كل صفة جمال جلالٍ، وفي كل جلال جمال، إلاّ أن بعض الصفات ظهور الجمال وبطون الجلال وبعضها بالعكس. فكل صفةٍ كان الجمال فيها الظاهر فهي صفة الجمال وكل ما كان الجلال فيه الظاهر فهو صفة الجلال. والبهاء وإن كان النور مع هيبة ووقار وجامع للجمال والجلال إلا أنّ الهيبة فيه بمرتبة البطون والنور بمرتبة الظهور، فهو
[51]
من صفات الجمال الباطن فيه الجلال. ولمّا كان الجمال ما تعلق باللطف بلا اعتبار الظهور وعدمه فيه كان البهاء محاطاً به وهو محيط به. وما ذُكر جارٍ في مرتبة الفعل والتجلي العيني حذواً بالحذو. فالبهاء ظهور جمال الحق والجلال مختف فيه، والعقل ظهور جمال الحق، والشيطان ظهور جلاله، والجنة ومقاماتها ظهور الجمال وبطون الجلال، والنار ودركاتها بالعكس.
إن قلت: أليس قد ورد في بعض الأخبار من طريق أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم: بالباء ظهر الوجود وبالنقطة تحت الباء تميّز العابد عن المعبود. وظهور الوجود بالمشيئة فإنه الحق المخلوق به. وفي بعض الأخبار: خلق الله الأشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها. فما وجه جعل الباء البهاء عالم العقل.
قلت: هذا أيضاً صحيح بوجه، فإن العقل بوجه مقام المشيئة الإلهية لكونه ظهورها ومقام إجمال العوالم كما تحقق في محلّه أنّ شيئيّة الشيء بصورة تمامه وكماله.
[61]
"اللّهم إنّي أسئلك من جمالك بأجمله، وكلّ جمالك جميل، اللّهم إنّي أسئلك بجمالك كله.اللّهم إنّي أسئلك من جلالك بأجلّه، وكلّ جلالك جليل. اللّهم إنّي أسئلك بجلالك كله".
واعلم أنّ الوجود كلّما كان أبسط وبالوحده أقرب كان اشتماله على الكثرات أكثر، وحيطته على المتضادات أتمّ. والمتفرّقات في عالم الزمان مجتمعات في عالم الدهر، والمتضادّات في وعاء الخارج ملائمات في وعاء الذهن، والمختلفات في النشأة الأولى متّفقات في النشأة الآخرة. كلّ ذلك لأوسعيّة الأوعية وقربهنّ لعالم الوحدة والبساطة.
سمعت من أحد المشايخ من أرباب المعرفه رضوان اللّه عليه يقول: إنّ في الجنة شربة من الماء فيها كلّ اللّذات من المسموعات بفنونها من أنواع الموسيقى والألحان المختلفه، ومن المبصرات بأجمعها من أقسام اللّذات الأوجه الحسان وسايرها من الأشكال والألوان، ومن ساير الحواس على ذاك القياس حتى الوقاعات وساير الشهوات كل يمتاز عن الآخر.
وسمعت من أحد أهل النظر رحمه اللّه تعالى يقول: إنّ مقتضى تجسّم الملكات وبروزها في النشأة الآخرة أنّ بعض الناس يحشر على صور مختلفه، فيكون خنزيراً وفارة وكلباً إلى غير ذلك في آن واحد. ومعلوم أنّ ذلك لسعة الوعاء وقربها من عالم الوحدة والتجرّد وتنزّهها عن تزاحم عالم الطبيعة والهيولى.فحقيقة الوجود المجردة عن كافة التعلقات وعين الوحدة وصرف النورية لمّا كانت بسيطة الحقيقة وعين الوحدة وصرف النورية بلا شوب ظلمة العدم وكدورة النقص فهي كل الأشياء وليست بشيء منها.
فالصفات المتقابلة موجودة في حضرتها بوجود واحد مقدّس عن الكثرة العينية و العلمية منزّه عن التعيّن الخارجي والذهني. فهي تعالى في ظهورها بطون وفي بطونها ظهور، في رحمتها غضب وفي غضبها رحمة. فهي اللطيف القاهر الضارّ النافع. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: سبحان من اتّسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته واشتدّت نقمته لأعدائه في سعة رحمته.
فهو تعالى بحسب مقام الإلهية مستجمع للصفات المتقابلة، كالرحمة والغضب، والبطون والظهور، والأوّليَّة والآخريّة، والسخط والرضا، وخليفته لقربه اليه ودنّوه بعالم الوحدة والبساطة مخلوق بيديه اللطف والقهر، وهو مستجمع للصفات المتقابلة كحضرة المستخلف عنه. ولهذا اعترض على إبليس بقوله تعالى: {ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ


[62]
بِيَدَيّ}(ص:75). مع أنّك مخلوق بيد واحدة. فكل صفة متعلق باللطف فهي صفة الجمال، وكل ما يتعلق بالقهر فهو من صفة الجلال. فظهور العالم ونورانيّته وبهائه من الجمال وانقهاره تحت سطوع نوره وسلطة كبريائه من الجلال وظهور الجلال بالجمال واختفاء الجمال بالجلال.
جمالك في كل الحقايق ساير وليس له إلاّ جلالك ساتر
وكلُّ أُنس وخلوة وصحبة من الجمال، وكل دهش وهيبة ووحشة من الجلال، فإذا تجلّى على قلب السالك باللطف والمؤانسة تذكّر الجمال ويقول :"اللهم اني أسألك من جمالك بأجمله" إلى آخره.وإذا تجلى عليه بالقهر والعظمة والكبرياء والسلطنة تذكّر الجلال بقوله:"اللهم إني أسألك من جلالك بأجلّه" إلى آخره. فللأولياء والسالكين الى اللّه والمهاجرين إليه والمطيفين حول حريم كبريائه أحوال وأوقات وواردات ومشاهدات وخطورات واتصالات ومن محبوبهم ومعشوقهم تجلّيات وظهورات وألطاف وكرامات وإشارات وجذبات وجذوات، وفي كلّ وقت وحال تجلّى لهم محبوبهم بمناسبة حالهم. وقد تكون التجليات على خلاف التنسيق والترتيب، اللطف أوّلاً والقهر ثانياً واللطف ثالثاً. ولهذا وقعت الفقرات في الأدعية على خلاف الترتيب، فإن الظاهر عنوان الباطن والدنيا مربوطة بالآخرة.
لـمعــــه
في بيان اختلاف قلوب الأولياء
إن قلوب الأولياء والسالكين مرآت تجليات الحق ومحل ظهوره، كما قال تعالى:" يا موسى لا يسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن". إلاّ أنّ القلوب مختلفة في بروز التجليات فيها، فرُبّ قلب عشقي ذوقي تجلّى عليه ربّه بالجمال والحسن والبهاء، وقلب خوفي تجلى عليه بالجلال والعظمة والكبرياء والهيبة، وقلب ذو وجهتين تجلى عليه بالجلال والجمال والصفات المتقابلة أو تجلى عليه بالاسم الأعظم الجامع. وهذا المقام مختص بخاتم الأنبياء وأوصيائه عليهم السلام. ولهذا خصّ الشيخ الأعرابي حكمته بالفردية لانفراده بمقام الجمعية الإلهية دون ساير الأولياء. فإن كل واحد منهم تجلى عليه ربّه باسم مناسب بحاله: أما بصفة الجلال كشيخ الأنبياء والمرسلين صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين، فإنّه عليه السلام لاستغراقه في بحر عشقه تعالى وهيمانه في نور جماله تجلّى عليه ربّه بالجمال من وراء الجلال، ولهذا اختص بالخلّة وأصبحت حكمته مهيمنيّة، وكيحيى عليه السلام، فإنّ


[63]
قلبه كان خاضعاً خاشعاً منقبضاً. فتجلّى عليه ربه بصفة الجلال من العظمة والكبرياء والقهر والسلطنة. ولهذا خصّت حكمته بالجلالية. وإمّا تجلى عليه ربه بالجمال كعيسى عليه السلام، ولهذا قال في جواب يحيى عليه السلام حين اعترض عليه معاتباً حين رآه يضحك فقال:"كأنّك قد أمنت مكر اللّه وعذابه؟" بقوله عليه السلام:"كأنّك قد آيست من فضل الله ورحمته"، فأوحي إليهما: "أحبّكما إليّ أحسنكما ظنّاً بي"، فيحيى عليه السلام بمناسبة قلبه ونشأته تجلّى عليه ربّه بالقهر والسلطنة، فاعترض بما اعترض، وعيسى عليه السلام بمقتضى نشأته ومقامه تجلّى عليه باللطف والرحمة، فأجاب بما أجاب، ووحيه تعالى بأنّ أحبّكما إليّ أحسنكما ظناً بي بمناسبة سبق الرحمة على الغضب وظهور المحبة الإلهيّة في مظاهر الجمال أوّلاً كما ورد: يا من رحمته سبقت غضبه .
[68]
الّلهم إنّي أسئلك من عظمتك بأعظمها، وكلّ عظمتك عظيمة، الّلهم إنّي أسئلك بعظمتك كلّها.
ألم ينكشف على سرّ قلبك وبصيرة عقلك أنّ الموجودات بجملتها من سموات عوالم العقول والأرواح وأراضي سكنة الأجساد والأشباح من حضرة الرحموت التي وسعت كلّ شيء وأضائت بظلّها ظلمات عالم المهيات وأنارت ببسط نورها غواسق هياكل القابلات. ولا طاقة لواحد من عوالم العقول المجردة والأنوار الأسفهبدية والمُثُل النوريّة والطبيعة السافلة أنْ يشاهد نور العظمة والجلال وأن ينظر إلى حضرة الكبرياء المتعال، فإن تجلى الغفار عليها بنور العظمة والهيبة لاندكّت إنّيّات الكلّ في نور عظمته وقهره جلّ وعلا وتزلزلت أركان السموات العلى وخرّت الموجودات لعظمته صعقاً ويوم تجلّي نور العظمة يهلك الكل في سطوع نور عظمته. وذلك يوم الرجوع التام وبروز الأحدية والمالكية المطلقة، فيقول: {لمن الملك اليوم}(غافر:16) فلم يكن من مجيب يجيبه لسطوع نور الجلال وظهور السلطنة المطلقة، فأجاب نفسه بقوله: {لله الواحد القهار}(غافر:16). والتوصيف بالوحدانية والقهارية دون التوصيف بالرحمانية والرحيمية، وذلك اليوم يوم حكومتهما وسلطنتهما، فيوم الرحمة يوم بسط الوجود وإفاضته. ولهذا وصف اللّه نفسه عند انفتاع الباب وفاتحة الكتاب بالرحمن الرحيم. ويوم العظمة والقهارية يوم قبضه ونزعه يصفها بالوحدانية والقهارية، وبالمالكية في خاتمة الدفتر فقال: {مالك يوم الدين}(الفاتحة:3). ولا بد من يوم تجلي الرب بالعظمة والمالكية وبلغت دولتها، فإن لكل اسم دولة لا بد من ظهورها وظهور دولة المعيد والمالك وأمثالها من الأسماء يوم الرجوع التام والنزع المطلق. ولا يختص هذا بالعوالم النازلة، بل جار في عالم المجردات من العقول المقدّسة والملائكة المقرّبين. ولهذا ورد أنّ عزرائيل يصير بعد قبض أرواح جميع الموجودات مقبوضاً بيده تعالى وقال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ}(الأنبياء:21)، وقال تعالى: {يا أيتّها النْفسُ المُطْمَئِنةُ ارْجعِي إلى رَبِّكِ راضيةً مَرْضِيّة}(فجر:89)، وقال تعالى: {كَما بَدَئكُمْ تعودون}(الأعراف:7). إلى غير ذلك. والعظمة من صفات الجلال. وقد ذكرنا أن لكل صفة جلال جمالاً. ولولا أنّ العظمة والقهر مختف فيهما اللطف والرحمة لما أفاق موسى عليه السلام
[69]
من غشوته، ولمَا يتمكن قلب سالك شهودهما ولا عين عارف النظر إليهما، ولكن الرحمة وسعت كلّ شيء، وبعظمتك التي ملأت كل شيء. والعظيم من الأسماء الذاتيه باعتبار علوّه وكبريائه. ومعلوم أن لا قدر للموجودات بالنسبة الى عظمة قدره، بل لا شبيه له في عظمته، وتواضع لعظمته العظماء، وعظمة كلّ عظيم من عظمته ومن الأسماء الصفتية باعتبار قهره وسلطنته على ملكوت الأشياء وكون مفاتيح الغيب والشهادة بيده. فهو تعالى عظيم ذاتاً، عظيم صفةً، عظيم فعلاً. ومن عظمة فعله يعلم عظمة الاسم المربّي له، ومن عظمته يعلم عظمة الذات التي هو من تجلياته بقدر الإستطاعة، وكفى في عظمة فعله أنّه من المقرر أنّ عوالم الأشباح والأجساد بما فيها بالنسبة إلى الملكوت، كالآن في قبال الزمان، وهي بالنسبة إلى الجبروت كذلك، بل لانسبة بينهما. وما ثبت إلى الآن من النظام الشمسي يبلغ أربعة عشر مليوناً، كل كنظام شمسنا بأفلاكها وكرواتها السياره حولها التابعة لها أو أعظم بكثير. حتى أن نظامنا الشمسي سيارة حول واحد منها، مع أن كرة نبتون أبعد السيارات عن شمسنا حسب ما استكشف يبلغ بعده (27465 ) مليون ميل حسب الآراء الحديثه. ولعل مالم يستكشف أكثر بكثير مما استكشف إلى الآن.
قال السيد الكبير هبة الدين الشهرستاني دام عمره وتوفيقه في كتاب ((الهيئه و الإسلام)) في المسألة الرابعة عشر في تعدد العوالم والنظامات: وأما علماء الهيئة العصريه فقد ثبت لديهم أنّ سيارات شمسنا وأقمارها تكتسب الأنوار طرّاً من شمسنا، وأنّ سعة عالم شمسنا المحدود بمدار نبتون ألف وخمسمائة مليون فرسخاً، فترى شمسنا العظيمه عند نبتون كنجمة صغيرة، ومقتضى ذلك اضمحلال نورها فيما بعد نبتون، وعلى هذا يستحيل أن تكتسب الكواكب الثابته أنوارها من شمسنا، إذ هي في منتهى البعد البعيد عن نبتون. ألا ترى أنّ بعض المذنبات يبتعد عن شمسنا أكثر من بعد نبتون منها عشر مرة وهو مع ذلك مجذوب لشمسنا لا تغلب عليه جاذبة كوكب آخر لكثرة ما بقى من البعد بينه وبين الكواكب الأخر. وحسبك أن النظارات التي تكبر الزحل من بعده البعيد في منظرنا أضعاف ما يبصر بألف مرة ولا تتمكن من تكبير الثوابت بما ترى بالبصر غاية الأمر تجليها وتظهر خافيها لكثرة البعد. قال فانديك في "أرواء الظمأ" إن أقرب الثوابت إلى نظام شمسنا بعيد عنا أكثر من بعدنا عن شمسنا بتسع مئة ألف مرة. وفي مجلة الهلال المصرية صفحة 478 من سنة 1909: إن أقرب الثوابت إلى أرضنا (دلفا) وهي بعد الدقة الأكيدة تتخذ فرقاً في موقعها باختلاف المنظر السنوي بمقدار الثانية. فعلم أن بعدها عنا (000/000/000/000/20 ) ميلا أي عشرين مليون مليون ميلا وتوصل نورها إلينا في
[70]
ثلاث سنين والنور يسير في الثانية مائة وتسعين ألف ميل انتهى. فما تقول قي ثابتة يصل نورها إلينا في مائة وثلاثة وستين مثل بعد الشعرى فينتهي نوره إلينا في خمسة آلاف سنة، انتهى. أقول: فما ظنك بالنجم من القدر الثامن والعشرين" انتهى كلام السيد بطوله.
وإيراده مع طوله يجلب توجه الداعي إلى عظمة ملك اللّه وكلماته { قٌلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِداداً لِكَلِمات رَبّي لَنَفَدَ البَحْرُ قَبْلَ أن تَنْفَدْ كَلِماتُ ربّي ولَوْ جئْنا بمْثِلِهِ مَدَدَا}(الكهف:109) فإذا كان أسفل العوالم وأضيقها كذلك فكيف الحال في العوالم المتّسعه العظيمه الَّتي لم تكن العوالم الأجساد وما فيها بالنسبة إليها إلاّ كالقطرة بالنسبة إلى البحر المحيط بل لا نسبة بينهما وليست هذه العوالم في جنبها شيئاً مذكوراً.
[75]
اللّهم إنّي أسئلك من نورك بأنوره، وكلّ نورك نيّر، اللّهم إنّي أسئلك بنورك كلّه.
واعلم أنّ من أجلّ ما يرد على السالك بقدم المعرفة إلى اللّه من عالم الملكوت، وأعظم ما يفاض على المهاجر من القرية الظالم أهلها من حضرت الجبروت، وأكرم خلعة ألبست عليه بعد خلع نعل الناسوت من الوادي المقدس والبقعة المباركة، وأحلى ما يذوقه من الشجرة المباركة في الجنة الفردوس بعد قلع الشجرة الملعونة من عالم الطبيعة انشراح صدره لأرواح المعانى وبطونها وسرّ الحقايق ومكنونها وانفتاح قلبه على تجريدها عن قشور التعيّنات وبعثها عن قبور المهيات المظلمات ورفضها عن غبار عالم الطبيعة وإرجاعها عن الدنيا إلى الآخرة وخلاصها عن ظلمة التعين إلى نورانية الإرسال ومن دركات النقص إلى درجات الكمال ومن هذه الشجرة المباركة والعين الصافية انفتاح أبواب التأويل على قلوب السالكين والدخول في مدينة العلماء الراسخين والسفر من طريق الحسّ إلى منازل الكتاب الأبهى، فإن للقرآن منازل ومراحل وظواهر وبواطن أدناها ما يكون في قشور الألفاظ وقبور التعيّنات. كما ورد أن للقرآن ظهراً وبطناً وحدّاً ومطلعاً. وهذا المنزل الأدنى رزق المسجونين في ظلمات عالم الطبيعة، ولا يمسّ ساير مراتبة إلا المطهّرون عن أرجاس عالم الطبيعة وحَدَثه، والمتوضّئون بماء الحياة من العيون الصافية، والمتوسّلون بأذيال أهل بيت العصمة والطهارة والمتصلون بالشجرة المباركة الميمونة، والمتمسكون بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والحبل المتين الذي لا نقض له حتى لا يكون تأويله أو تفسيره بالرأي و من قبل نفسه، فإنه لا يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم. فإذا انشرح صدره للإسلام وصار على هدى ونور من ربه علم أنّ النورلم يكن محصوراً في هذه المصاديق المعرفية من الأعراض التي لا يظهر به إلا سطوح الأجسام الكثيفة ولا يُظْهِرها إلا على العضو البصري مع الشرايط المقررة دون ساير المدارك ولم يبق نفسه في آنين، بل يظهر له أن العلم أيضاً نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عباده. وحقيقة النور التي هي الظهور بذاتها والإظهار بغيرها متجلية فيه بالطريق الأتمّ والسبيل الأوضح والأقوم فنور العلم متجلّ في مجالى جميع المدارك بل من المرائي التي فوق المدارك من النفوس الكلية الإلهية والعقول المجرّدة القدسية والملائكة المنزّهة المقدّسة ويظهر به بواطن الأشياء كظواهرها وينفذ على تخوم الأرض وسحق السماء ويبقى نفسه مرّ الليالي والأيام. بل يحيط بعض مراتبه على الزمان والزمانيات، وينطوي لديه المكان والمكانيات بل بعض مراتبه واجب به وعمت الأراضي والسماوات وهو أحاط بكل شئ علماً. وعند ذلك قد ينكشف على
[76]
قلب السالك بفضل الله وموهبته أن النور هو الوجود، وليس في الدار غيره نور وظهور، يا منّور النور، يا جاعل الظلمات والنور، اللّه نور السماوات والأرض. ونورانية الأنوار العرفية والعلوم بمراتبها منه. وإلاّ فماهيّاتها ظلمات بعضها فوق بعض، وكدورات متراكمة بعضها في بعض، فنورانية عالم الملك والملكوت وظهور سرادقات القدس والجبروت بنوره، وهو النور المطلق والظهور الصرف بلا شوب ظلمة و كدورة، و ساير مراتب الأنوار من نوره. وفي دعاء كميل: "وبنور وجهك الذي أضاء له كل شئ".
وفي الكافي عن القمي عن حسين بن عبداللّه الصغير عن محمد بن إبراهيم جعفري عن أحمد بن علي بن محمد بن عبداللّه بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:"إن الله كان إذ لا كان، فخلق الكان والمكان، وخلق الأنوار، وخلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار، وهو النور الذي خلق منه محمداً وعلياً. فلم يزالا نورين (نيّرين) أوّلين. إذ لا شيء كوّن قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهّرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبدالله و أبي طالب.

في نقل الكلام المنسوب إلى الشيخ محيي الدين
(نور)
قد نسب داوود بن محمود القيصري شارح نصوص الحكم ومحمد بن حمزة بن الفناري شارح مفتاح غيب الجمع والوجود للمحقق العارف محمد بن اسحاق القونوي في شرحيهما إلى الشيخ الكبير محيي الدين العربي الأندلسي: إن النور من أسماء الذات وقد جعل الإسم الذي دلالته على الذات أظهر، من أسماء الذات والذي دلالته على الصفات أو الأفعال أظهر منهما. قال ابن الفناري قلت: الشيخ الكبير بعد ما ضبطها بهذا الجدول (ثم كتب الجدول وذكر في الأسماء الذات النور) قال: وهذه الأسماء الحسنى منها ما يدل على ذاته جل جلاله، وقد يدل مع ذلك على صفاته أو أفعاله أو معاً. فما كان دلالته على الذات أظهر جعلناه من أسماء الذات وهكذا فعلناه في أسماء الصفات وأسماء الأفعال من جهة الأظهر، لا أنه ليس له مدخل في غير جدولها كالرب، فإن معناه الثابت فهو للذات والمصلح فهو من أسماء الأفعال وبمعنى المالك فهو من أسماء الصفات.
وقال فيه أيضاً: واعلم أنا ما قصدنا بها (أي الأسماء المذكورة في الجدول) حصر الأسماء ولا إنه ليس ثمة غيرها، بل سبقنا هذا الترتيب بينها. فمتى رأيت إسماً من أسماء الحسنى فألحقه بالأظهر فيه إنتهى ما نسب إلى الشيخ.
أقول: كون النور من أسماء الصفات بل من أسماء الأفعال أظهر، لأنه في مفهومه مأخوذ مظهرية الغير، فإذا اعتبر في الغير الأسماء والصفات في الحضرة الإلهية كان من أسماء الصفات، وإذا اعتبر به مراتب الظهورات العينية كان من أسماء الأفعال، كما في قوله تعالى:{اللّه نور السماوات والأرض}(النور:35)، وقوله تعالى:{يهدي اللّه لنوره من يشاء}(النور:35). وقول سيد الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل: وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء، وفي دعاء السمات: وبنور وجهك الذي تجلّيت به للجبل فجعلته دكّا وخرّ موسى صعقاً. فهو تحت إسم الظاهر ورب الشهادة المطلقة أو الشهادة المقيدة، وكذلك الرب الذي عين الشيخ من أسماء الذات، فهو أيضا بأسماء الأفعال أشبه. ولأمثال هذه المقامات زيادة إيضاح وبيان لا يناسب وضع هذه الأوراق والصفحات مع ضيق المجال والأوقات وكثرة تهاجم البلايا وتراكم النقمات. اللهم أصلح العاقبة واقلع شجرة الظلمة.
[82]
اللّهم إنّى أسألك من رحمتك بأوسعها، وكلّ رحمتك واسعة، اللّهم إنّي أسألك برحمتك كلّها.
الرحمة الرحمانية : مقام بسط الوجود، والرحمة الرحيمية: مقام بسط كمال الوجود. فبالرحمة الرحمانية ظهر الوجود، وبالرحمة الرحيمية يصل كل إلى كماله المعنوي وهدايته الباطنية. ولهذا ورد: يارحمن الدنيا وحيم الآخرة، والرحمن بجميع خلقه والرحيم وبالمؤمنين خاصة. فبحقيقة الرحمانية أفاض الوجود على الماهية المعدومة والهياكل الهالكة وبحقيقته الرحيمية أفاض الكمال عليها وطلوع دولتها فى النشأة الآخرة أكثر. وفى بعض الآثار: يارحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما. وذلك باعتبار إيجاد العشق الطبيعي في كل موجود للسير إلى كماله والتدرّج إلى مقامه وفي النشأة الآخرة وبروز يوم الحصاد وإيصال كل إلى فعليته وكماله من النفوس الطاهرة الزكية وإيصالها إلى مقامات القرب والكرامات والجنات التي عرضها كعرض السماوات ومن النفوس المنكوسة السبعية والبهيمية والشيطانية وإيصالها إلى النيران ودركاتها وعقاربها وحياتها كل بحسب زرعه، فإن الوصول إلى هذه المراتب كمال بالنسبة إلى النفوس المنكوسة الشيطانية وإن كان نقصاً بالنسبة إلى النفوس الزكية المستقيمة الإنسانية.
هذا وعلى طريقة الشيخ محي الدين الأعرابى فالأمر فى رحيميته فى الدارين واضح، فإن أرحم الراحمين يشفع عند المنتقم ويصير الدولة دولته والمنتقم تحت سلطنته وحكمه، والرحمانية والرحيمية، إما فعلية أوذاتيّه. فهو تعالى ذو الرحمة الرحمانية والرحيمية الذاتيتين، وهى تجلى الذات على ذاته وظهور صفاته وأسمائه ولوازمها من الأعيان الثابته بالظهور العلمي والكشف التفصيلي فى عين العلم الإجمالي في الحضرة الواحدية، كما أنه تعالى ذوالرحمة الرحمانية والرحيمية الفعليتين، وهي تجلي الذات في ملابس الأفعال ببسط الفيض وكماله على الأعيان وإظهارها عيناً طبقاً للغاية الكاملة والنظام الأتم. وهذا أحد الوجوه في تكرار الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب التدويني للتطابق بينه وبين الكتاب التكويني، فإن الظاهر عنوان الباطن، واللفظ والعبارة عبارة عن تجلي المعنى والحقيقة في ملابس الأصوات والأشكال واكتسائه كسوة القشور والهيئات. فإن جعل الرحمن الرحيم في بسم الله صفةً للفظ الجلالة كانا إشارة إلى الرحمانية والرحيمية الذاتيتين وكانا اللذان بعدهما إشارة إلى الفعلي منهما، واللّه في الحمدللّه وهو الألوهيه الفعلية وجمع تفصيل الرحمن الرحيم الفعليين، والحمد عوالم المجردات والنفوس الاسفهبدية التي لم يكن حيثيته إلا الحمد وإظهار كمال
[83]
المنعم، ولم يكن في سلسلة الوجود ما كان حمداً بتمامه بلا حيثية كفران إلا تلك العوالم النورانية، فإنها إنّيات صرفه لا ماهية لها عند أهل الذوق والعرفان، والعالمون هي ما دون تلك العوالم. فيصير المعنى :
بسم اللّه الذى هو ذو الرحمة والرحمانية والرحيمية الذاتية إنفتح عوالم الحمد كلّه التى هي تَعيُّن الإلهية المطلقة في مقام الفعل، وهى ذوات الربوبية والتربية لساير مراتب الموجودات النازلة عن مقام المقدسين من الملائكة الروحانيّتن والصافات صفاً والمدبّرات أمراً، وذات الرحمة الرحمانية والرحيمية الفعلية، أي لها مقام بسط الوجود وبسط كماله عيناً في حضرة الشهادة وذات المالكية والقابضية في يوم رجوع الكل إليها، والرجوع إليها رجوع إلى الله، إذ ظهور الشيء ليس يباينه بل هو هو.
وإن جعل الرحمن الرحيم صفة بإسم في (البسملة) يصير الأمر بالعكس وصار بمعنى المشيئة للّه التي بها الرحمانية والرحيمية الفعليان، و اللّه في الحمد للّه هو الإلهية الذاتية، والرحمن الرحيم من صفاته الذاتية و كذا الرب والمالك. وسيأتي إشارة إلى تفسير الإسم حسب ما يستفاد من طريق أهل بيت العصمة والطهارة ومهابط الوحي والملائكة عند قوله إني أسئلك من أسمائك.
???

تنبيه و اعتراض
قال القيصري في مقدمات شرح الفصوص: وإذا أخذت (أي حقيقة الوجود) بشرط كليات الأشياء، فقط فهى مرتبة الإسم الرحمن رب العقل الأول المسمى بلوح القضاء وأم الكتاب والقلم الأعلى. وإذا أخذت بشرط أن يكون الكليات فيها جزئيات مفصلة ثابتة من غير احتجابها عن كلياتها، فهى مرتبة الإسم الرحيم رب النفس الكلية المسماة بلوح القدر وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين.
انتهى بعين ألفاظه .
أقول: هذا وإن كان صحيحاً بوجه إلا أن الأنسب جعل مرتبة الإسم الرحمن مرتبة بسط الوجود على جميع العوالم كليّاتها وجزئيّاتها، ومرتبة الإسم الرحيم مرتبة بسط كماله كذلك، فإن الرحمة الرحمانية والرحيمية وسعت كل شيء وأحاطت بكل العوالم فهما تعّين المشيئة، والعقل والنفس تعيّن فى تعيّن فالأولى أن يقال. وإذا أخذت بشرط بسط أصل الوجود فهى مرتبة الإسم الرحمن وإذا أخذت بشرط بسط كمال الوجود فهى مرتبة الاسم
[84]
الرحيم، ولهذا ورد فى الأدعية: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن للّه تعالى مائة رحمةً أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسّمها بين خلقه فبها يتعاطفون ويتراحمون وأخّر تسعاً وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة.
قال بعض المشايخ من أصحاب السلوك والمعرفة رضي اللّه تعالى عنه في أسرار الصلاة في تفسير سورة الفاتحة بعد ذكر هذا النبوي المقدم ذكره بهذه العبارة: فإطلاق الرحمن الرحيم للّه تعالى باعتبار خلقه الرحمة الرحمانية والرحيمية باعتبار قيامها بها قيام صدور لا قيام حلول فالرحمة الرحمانية إفاضة الوجود المنبسط فى جميع المخلوقات، فإيجاده رحمانيته والموجودات رحمته والرحمة الرحيمية إفاضة الهداية والكمال بعباده المؤمنين في الدنيا ومنه بالجزاء والثواب في الآخرة. فإيجاده عام للبَّر والفاجر-إلى أن قال- فمن نظر إلى العالم من حيث قيامه بإيجاد الحق تعالى، فكأنه نظر إلى رحمانيته، وكأنه لم ير في الخارج إلا الرحمن ورحمته ومن نظر إليه باعتبار ايجاده فكأنه لم ينظر إلا إلى الرحمن. انتهى كلامه رفع فى الخلد مقامه.
أقول : إن أراد من الوجود المنبسط ما شاع بين أهل المعرفة وهو مقام المشيئة والإلهية المطلقة ومقام الولاية المحمدية إلى غير ذلك من الألقاب بحسب الأنظار فهو غير مناسب لمقام الرحمانية المذكورة فى بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فإنهما تابعان للإسم اللّه ومن تعيّناته والظل المنبسط ظل اللّه لا ظلّ الرحمن، فإن حقيقته حقيقة الإنسان الكامل ورب الإنسان الكامل والكون الجامع هو الإسم الأعظم الإلهي وهو محيط بالرحمن الرحيم، ولهذا جُعِلَ في فاتحة الكتاب الإلهي أيضاً تابعين. إن أراد منه مقام بسط الوجود فهو مناسب للمقام وموافق للتدوين والتكوين ولكنه مخالف لظاهر كلامه، وما ذكره أيضاً صحيح باعتبار فناء المظهر فى الظاهر، فمقام الرحمانية هو مقام الإلهية بهذا النظر كما قال اللّه تعالى:{قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن أيّاًما تدعوا فله الأسماء الحسنى}(الرحمن:110)، وقال تعالى {الرّحْمَنْ علّم القرآنْ خَلَقَ الإنسان}(الرحمن:1-3)، وقال تعالى {هو اللّه الذى لا اله إلا هو .. الرحمن الرحيم}(الحشر:22).
???

تـذكـــرة:
اعلم أن تجلّيه تعالى بالتجلي الرحماني الذاتي فى عالم الأسماء والصفات وإن كان أبهى
[84]
وأجلى ورحمته في ذللك المقام الشامخ أوسع، فإن العالم الربوبي فسيح جداً، لكن الظاهر من فقرة الدعاء هو الرحمة الفعلية والفيض الناشيء من مقام الرحمانية الذاتية على المرحومات والغيث النازل من سماء الإلهية على الأراضي القاعة. وليعلم أنّ كل مرتبة من التعيّنات وكل موجود من الموجودات له وجهة إلى عالم الغيب والنور ووجهة إلى عالم الظلمة والقصور من أنفسها المكدرة وماهياتها المظلمة. فباعتبار الوجهة النورية إلى عالم الرحمة والمغفرة يكون مرتبة من مراتب الرحمة الإلهية، وبإعتبار الوجهة المنكسة إلى نفسه يكون مرحوماً. فكما أن للمرحومات تكثراً عَرْضِيًا بالذات وطولياً بالعرض كذلك للرحمة تكثر عرضي بالعرض وطولي بالذات، بعضها وسيع وبعضها أوسع، بعضها محيط وبعضها محاط، على ما تقرر في الحكمة المتعالية. ومعلوم أن المناسب لحال الداعي أن يسأل اللّه تعالى بالجهات المنتسبة إليه تعالى وهى جهات الرحمة والظل النوراني الباقي. فالمرحوم الفقير يسأل الرحيم الغني بالرحمة الواسعة الإلهية.

[92]
اللّهم إنّى أسئلك من كلماتك بأتمِّها، وكلّ كلماتك تامّة، اللّهم إنّى اسئلك بكلماتك كلّها.
لعلك بعد إنفتاح بصيرة قلبك وخروجك عن سجن طبيعتك والرجوع إلى ما سبق من الكلام في غنى عن حقيقة الكلمه والكلام وفهم روحهما وعلى بينة من ربك في تخريج لباب المعاني عن قشورها وبعثها عن قبورها، وقد تفطّنت ممّا تلى على أذن قلبك وأُملي على روحك وعقلك أن عوالم الوجود وإقليم الكون من الغيب والشهود كتاب وآيات وكلام وكلمات وله أبواب مبوّبه وفصول مفصّله ومفاتيح يفتتح بها الأبواب ومخاتيم يختتم بها الكتاب، ولكل مفتاح أبواب، ولكل باب فصول، ولكل فصل آيات، ولكل آية كلمات، ولكل كلمة حروف، ولكل حرف كلمة زُبُر وبينات.
ففاتحة الكتاب التكويني الإلهي الذي صنّفه تعالى جدّه بيد قدرته الكاملة التي فيها كل الكتاب بالوجود الجمعي الإلهي المنزّه عن الكثره المقدّس عن الشين والكدورة بوجه هو عالم العقول المجردة والروحانييّن من الملائكة والتعيّن الأول للمشيئة، وبوجهٍ عبارة عن نفس المشيئة، فإنها مفتاح غيب الوجود. وفي الزيارة الجامعة. بكم فتح اللّه. لتوافُق أفُقِهم عليهم السلام لأفق المشيئة. كما قال اللّه تعالى حكاية عن هذا المعنى {ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى}(النجم:8) وهم عليهم السلام من جهة الولاية متحدون. أوّلنا محمّد، أوسْطنا محمد، آخرنا محمد، كلّنا نور واحد. ولكون فاتحة الكتاب فيها كل الكتاب والفاتحة باعتبار الوجود الجمعى في بسم اللّه الرحمن الرحيم، وهو في باء بسم اللّه، وهو في نقطه تحت الباء. قال علي عليه السلام: أنا النقطة، وورد: بالباء ظهر الوجود وبالنقطة تميّز العابد عن المعبود. وفاتحة الكتاب الإلهي والتصنيف الرباني عالم الطبيعة وسجلّ الكون بحسب قوس النزول، وإلاّ فالختم والفتح واحد، فإنّ ما ينزل من سماء الإلهيّة يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ممّا تعدّون. وهذا وجه خاتميّة النبيّ المكرّم والرسول الهاشمي المعظّم الذي هو أوّل الوجود، كما ورد: نحن السابقون الآخرون. وبين فاتحة الكتاب وخاتمته سور وأبوابٍ وآياتٍ وفصول. فإن اعتبر الوجود المطلق والتصنيف الإلهي المنسّق بمراتبه ومنازله كتاباً واحداً يكون كـلّ عالم من العوالم الكلية باباً وجزواً من أبوابه وجزواته. وكلّ عالم من العوالم الجزئية سورة وفصلاً، وكلّ مرتبة من مراتب كلّ عالم أو كلّ جزء من أجزائه آية وكلمة. وكان قوله تعالى {وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ
[93]
مِن تُرابٍ ثُمّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرون}(الروم:20) إلى آخر الآيات راجع إلى هذا الاعتبار. وإن اعتبرت سلسلة الوجود كُتُباً متعدّدة وتصانيف متكثرة يكون كلّ عالم كتاباً مستقلاً له أبواب وآيات وكلمات باعتبار المراتب والأنواع والأفراد.
وكان قوله تعالى: {وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إلاّ في كِتابٍ مُبينٍ}(الأنعام:59) بحسب هذا الإعتبار. وإن جمعنا بين الاعتبارين يكون الوجود المطلق كتاباً له مجلّدات، كل جلد كتاب له أبواب وفصول وآيات بينات.
في الكلمات التامات الالهية
تبيين وتوضيح
يجب عليك أنّ تعلم أنّ تمامية كل شيء بحسبه، فتماميّة العلم بأن يكون كشفه للحقايق تامّـاً لا يخلطه الجهل و السترة والحجاب، وتماميّة النور بأن لا يخلطه الظلمة والكدورة. وبعبارة أُخرى. خلوصه عمّا يقابله ومحوضته في حيثيّات نفسه وكمالاته. وبذاك القياس يمكن لك أن تعرف تمامية الكلام والكلمة وأتمّيتّهما وأنّ التماميّة فيهما باعتبار وضوح الدلالة وعدم الإجمال والتشابه وبالأخرة خلوصهما عمّا عدى جنس الكلام والكلمة. فهذا الكتاب الإلهي بعض كلماته تامّ وبعضها أتمّ وبعضها ناقص وبعضها أنقص، والتمام فيه بإعتبار المرآتّية لعالم الغيب الإلهي والسرّ المكنون والكنز الخفي. فكل ما كان تجلى الحق في مرآت ذاته أتم كان على العالم الغيب أدلّ. فعالم العقول المجردة والنفوس الإسفهبدية لتنزّهها عن ظلمة المادة وتقدّسها عن كدورة الهيولى وخلوصهما عن غبار تعيّن الماهية كلمات تامّات إلهية.
ولكن لكون كل واحد منهما مرآت صفة واحدة أو إسم فارد إلهي ناقص، كما قال: فمنهم رُكّع لا يسجدون ومنهم سجّد لا يركعون. والإنسان الكامل لكونه كوناً جامعاً ومرآتاً تاماً لجميع الأسماء والصفات الإلهية أتمّ الكلمات الإلهية، بل هو الكتاب الإلهي الذي فيه كل الكتب الإلهيه.كما عن مولانا أمير المؤمنين وسيّد الموحدين صلوات الله وسلامه عليه:
أتـزعم أنّـك جـرم صـغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكـــتاب المبين الذي بأحرفه يظـهر المضـمر
[94]
وقال اللّه تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْويمٍ ثُمَّ رَدَدْناه أَسْفَلَ سافِلين}(التين 4-5) وهذا بحسب القوس النزولي، ويدل على الكينونة السابقة قبل عالم الطبيعة كما هو المحقق عندهم، والردّ من أعلى علّـيّين إلى أسفل السافلين لا يمكن إلاّ بالعبور على المنازل المتوسطة فمن حضرة الواحدية والعين الثابت في العلم الإلهى تنزل إلى عالم المشيئة، ومنه إلى عالم العقول والروحانيين من الملائكة المقرّبين، ومنه إلى عالم الملكوت العليا من النفوس الكلية، ومنها إلى البرازخ وعالم المثال، ومنها الى عالم الطبيعة بمراتبه إلى أسفل السافلين الذي هو عالم الهيولى وهو الأرض الأولى، وباعتبار هو الأرض السابعة والطبيعة النازلة. وهذا غاية نزول الإنسان، ثم تدرّج في السير من الهيولى التي هي مقبض القوس إلى أن دنى فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى. فالإنسان الكامل جميع سلسلة الوجود وبه يتمّ الدائرة، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الكتاب الكلي الإلهي والاعتبارات الثلاثة يأتي فيه أيضاً، فإن اعتبر كتاباً واحداً كان عقله ونفسه وخياله وطبعه أبواباً وسوراً ومراتب كل واحد منها آيات وكلمات إلهية، وإن اعتبر كُتُباً متعّددة كان كل واحد منها كتاباً مستقلاً له أبواب وفصول، وإن جمع بين الإعتبارين كان كتاباً ذا مجلدات وقرآناً ذا سور وآيات فهو بالوجود التفريقي وباعتبار التكثّر فرقان، كما ورد أنّ علياً فيصل بين الحق والباطل، وباعتبار الوجود الجمعي قرآن.

تمثيـل
اعلم أنّ الإنسان الكامل هو مَثَل اللّه الأعلى وآيته الكبرى وكتابه المستبين والنبأُ العظيم، وهو مخلوق على صورته و منشأة بيدي قدرته و خليفة اللّه على خليقته ومفتاح باب معرفته من عرفه فقد عرف اللّه وهو بكل صفة من صفاته وتجلّ من تجلياته آية من آيات اللّه. ومن الأمثال العليا على معرفة بارئه معرفة كلامه. فليعلم أن الكلام عبارة عن تعيّن الهواء الخارج من باطن الإنسان بالسير إلى منازل الخارج والعبور عن مراحل السير إلى الخارج والظهور من عالم الغيب إلى الشهادة الكاشف عمّا في ضمير المتكلم وسرّه وعن بطون مقصده و أمره، فإنشاء المتكلم لكلام وإيجاده له وإنزاله من عالم الغيب إلى الشهادة ومن سماء السرّ إلى العلن لتعلّق الحب الذاتي على إبراز كمالاته الباطنة وإظهار ملكاته الكامنة. فقبل التكلم والإنشاء كانت كمالاته فى مرتبة الخفاء. فحبّب إظهارها وعشق إعلانها فأوجد وأنشأ لكى عرف قدره وشأنه.
[ 95 ]
وأنت إذا كنت ذا قلب متنوّر بالأنوار الإلهية وذا روح مستضيء بالأشعّة الروحانية، وأضاء زيت قلبك ولو لم تمسسه نار التعاليم الخارجيه، و كنت مستكفياً بالنور الباطني الذي يسعى بين يدك لانكشف لك سرّ الكتاب الإلهي بشرط الطهارة اللازمة فى مسّ الكتاب الإلهي، وغاية تكلّمه تعالى وإن مراتب الوجود وعوالم الغيب والشهود كلام الهى خارج بالهواء الذى هو المرتبة العمائية عن مرتبة الهوية الغيبية نازل عن السماء الإلهية للحب الذاتي على إظهار كماله والتجلي بأسمائه وصفاته لكي عرف شأنه.
كما في الحديث: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف. وعن علي عليه الصلوة والسلام: لقد تجلّى لعباده في كلامه ولكن لايبصرون. وعنه عليه السلام: إنّما يقول لما أراد كونه كن فيكون لابصوت يقرع ولا بنداء يسمع وإنما كلامه سبحانه فعله.
وقال أهل المعرفة: تكلّمه عبارة عن تجلي الحق الحاصل من تعلّق الإرادة والقدرة لإظهار ما في الغيب وإيجاده.
بـشــارة
قال صدر الحكماء المتألّهين وشيخ العرفاء الكاملين في الأسفار: إعلم أيّها المسكين، أنّ هذا القرآن أُُنزل من الحق إلى الخلق مع ألف حجاب لأجل ضعفاء عيون القلوب وأخافيش أبصار البصائر، فلو فرض أنّ باء بسم اللّه مع عظمته التي كانت له في اللّوح نزل إلى العرش لذاب واضمحلّ، فكيف إلى السماء الدنيا. وفي قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنا هذا الْقُرآن عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّه}(الحشر:21) إشارة إلى هذا المعنى انتهى ما أردنا من كلامه رفع اللّه علو مقامه. وهذا الكلام صادر عن معدن والمعرفه مأخوذ عن مشكوة الوحي والنبوة.
وأنا أقول: إن الكتاب التكويني الإلهي والقرآن الناطق الربّاني أيضاً نازل من عالم الغيب والخزينة المكنونة الإلهية مع سبعين ألف حجاب لحمل هذا الكتاب التدويني الإلهي وخلاص النفوس المنكوسة المسجونة عن سجن الطبيعة وهداية غرباء هذه الديار الموحشة إلى أوطانها، وإلاّ فإن تجلي هذا الكتاب المقدس والمكتوب السبحاني الأقدس بإشارة من إشاراته و تغمّز من غمزاته برفع بعض الحجب النورية على السموات والأرضين لأحرقت أركانها أو على الملائكة المقرّبين لاندكت إنّياتها. ونعم ماقيل:
احمد اربكَشايد آن بر جليل تا ابد مـدهوش ماند جـبرئيل
[96]
فهذا الكتاب التكويني الإلهي وأوليائه الذين كلّهم كُتُب سمائية نازلون من لدن حكيم عليم وحاملون للقرآن التدويني، ولم يكن أحد حاملاً له بظاهره وباطنه إلاّ هذه الأولياء المرضييّن، كما ورد من طريقهم عليهم السلام . فمن طريق الكافي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما يستطيع أحد أنّ يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء. ومن طريق الكافي أيضاً عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل إلاّ كذّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله اللّه تعالى إلاّ علي بن أبي طالب و الأئمة من بعده عليهم السلام. ومنه أيضاً عن أبي عبداللّه عليه السلام أنه قال: و عندنا واللّه علم الكتاب كله.

في الإشارة إلى تطبيق الكتاب
كلمة نوريـة
اعلم أنّه كما أنّ للكتاب التدويني الإلهي بطوناً سبعة باعتبار وسبعين بطناً بوجه لا يعلمها إلا اللّه والراسخون في العلم ولا يمسّها إلاّ المطهّرون من الأحداث المعنوية والأخلاق الرذيلة السيئة والمتحلّون بالفضايل العلميه والعمليه، وكل من كان تنزّهه وتقدّسه أكثر كان تجلي القرآن عليه أكثر وحظّه من حقايقه أوفر كذلك الكتب التكوينية الإلهية الأُنفسية والآفاقية حذواً بالحذو ونعلاً بالنعل. فإنّ لها بطوناً سبعة أو سبعين لا يعلم تأويلها وتفسيرها إلاّ المنزّهون من أرجاس عالم الطبع وأحداثها ولا يمسّه إلاّ المطهّرون فإنها أيضاً نازلة من الربّ الرحيم.
فجاهد أيّها المسكين في سبيل ربّك وطهّر قلبك واخرج عن حيطة الشيطان وأرق واقرأ كتاب ربّك ورتّله ترتيلاً ولاتقف على قشره، ولا تتوهمنّ أن الكتاب السماوي والقرآن النازل الربّاني لا يكون إلاّ هذا القشر والصورة، فإن الوقوف على الصورة والعكوف على عالم الظاهر وعدم التجاوز إلى اللّب والباطن اخترام وهلاك وأصل أصول الجهالات وأُسّ أساس إنكار النبوات والولايات، فإن أوّل من وقف على الظاهر وعمى قلبه عن حظّ الباطن هو الشيطان اللعين حيث نظر الى ظاهر آدم عليه السلام فاشتبه عليه الأمر وقال:{خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَخَلَقْتهُ مِنْ طي }(الأعراف:12) وأنا خيرٌ منه. فإنّ النار خير من الطين، ولم يتفطّن أن جهله بباطن آدم عليه السلام والنظر إلى ظاهره فحسب بلا نظر إلى مقام نورانيّته و روحانيّته
[97]
خروج عن مذهب البرهان ويجعل قياسه مغالطياً عليلاً، كما ورد في أخبار أهل البيت عليهم السلام. فمن طريق الكافي عن عيسى بن عبداللّه القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبدالـلّه عليه السلام فقال له: يا أبا حنيفه، بلغني أنك تقيس. قال: نعم . قال: لا تقس، فإنّ أوّل من قاس إبليس، حين قال: {خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَخَلَقْتهُ مِنْ طين}(الأعراف:12). فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نوريّة آدم بنوريّة النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر. ومن هذا الخطأ والغلط والنظر إلى الظاهر وسدّ أبواب الباطن إنكار الناس الأنبياء المرسلين بملاحظة أنّهم عليهم السلام يمشون في الأسواق ويأكلون ويشربون مثلهم، كما قال تعالى حكاية عنهم:{قالوا ما أنتم إلاّ بَشَرٌ مِثلُنا وَ ما أنْزَلَ الرَّحمَن مِنْ شَئ إنْ أنْتُم إلاّ تَكْذِبون}(يس:15).
تتميم مقال لايضاح حال
لا يذهبـنّ بنور عقلك الشيطان ولا يلتبس عليك الأمر حتى تقع في الخذلان، فإن الشيطان يوسوس في صدور الناس باختلاط الحق بالباطل والصحيح بالسقيم، فربّما يخرجك عن الطريق المستقيم بصورة صحيحة ومعنى سقيم فيقول: إنّ العلوم الظاهرية والأخذ بكتب الظاهر السماوية ليس بشيء وخروج عن الحق والعبارات القالبيّة والمناسك الصورة مجعولة للعوام كالأنعام وأهل الصورة وأصحاب القشور. وأمّا أصحاب القلوب والمعارف فليس لهم إلاّ الأذكار القلبية والخواطر السرية التي هي بواطن المناسك و نهايتها وروح العبادات وغايتها وربما ينشد لك ويقول:
علم رسمى سربسر قيل است و قـال نـه از او كيفيتى حاصل نه حال
علـم نبود غـير علـم عاشــقى ما بــقى تلبيس ابليس شــقـى
إلى غير ذلك من التلبيسات والتسويلات. فاستعذ منه باللّه وقل له أيها اللعين، هذه كلمة حق تريد بها الباطل، فإن الظاهر المطعون هو الظاهر المنفصل عن الباطن والصورة المنعزلة عن المعنى، فانّه ليس بكتاب ولا قرآن. و أما الصورة المربوطة بالمعنى، و العلن الموصول بالسرّ فهو المتبع على لسان اللّه ورسوله وأوليائه عليهم السلام، كيف وعلم ظواهر الكتاب والسنة من أجلِّ العلوم قدراً و أرفعها منزلة، وهو أساس الأعمال الظاهرية والتكاليف الإلهية والنواميس الشرعية والشرايع الإلهية والحكمة العمليّة التي هي الطريق المستقيم إلى الأسرار الربوبيّة والأنوار الغيبية والتجلّيات الإلهية، ولولا الظاهر لما وصل
[98]
سالك إلى كماله ولا مجاهد الى مآله. فالعارف الكامل من حفظ المراتب وأعطى كل ذي حق حقه ويكون ذا العينين وصاحب المقامين والنشأتين وقرأ ظاهر الكتاب وباطنه وتدبّر في صورته ومعناه وتفسيره وتأويله، فإن الظاهر بلا باطن والصورة بلا معنى كالجسد بلا روح والدنيا بلا آخرة، كما أنّ الباطن لا يمكن تحصيله إلاّ عن طريق الظاهر، فإن الدنيا مزرعة الآخرة. فمن تمسك بالظاهر ووقف على بابه قصر وعطل، ويرده الآيات والروايات المتكاثرة الدالة على تحسين التدبّر في آيات اللّه والتفكر في كتبه وكلماته والتعريض بالمعرض عنهما والإعتراض بالواقف على قشرهما، ومن سلك طريق الباطن بلا نظر إلى الظاهر ضلّ وأضلّ عن الطريق المستقيم ومن أخذ الظاهر وتمسّك به للوصول إلى الحقايق ونظر إلى المرآت لرؤية جمال المحبوب فقد هدى الى الصراط المستقيم وتلى الكتاب حق تلاوته وليس ممّن أعرض عن ذكر ربه. واللّه العالم بحقيقة كتابه وعنده علم الكتاب.
[109]
اللّهم إنّي أسئلك من كمالك بأكمله، وكلّ كمالك كامل، اللّهم إنّي أسئلك بكمالك كلّه.
كمال الشيء ما به تمامه وانجبر به نقصانه، فالصورة كمال الهيولى، و الفصل كمال الجنس، ولهذا عرّفت النفس بأنّها كمال أول لجسم طبيعي آلى، إذ بها كمال الهيولى باعتبار وكمال الجنس باعتبار.
ولهذا كانت الولاية العلوية أدامنا اللّه عليها كمال الدين وتمام النعمه، لقوله:{اليومُ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي }(المائدة:3). وقال أبوجعفر عليه السلام في ضمن الرواية المفصلة في الكافي: ثم نزلت الولاية. وإنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة أنزل اللّه تعالى: {اليومُ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}(المائدة:3) وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب، انتهى.
فسائر العبادات بل العقايد والملكات بمنزلة الهيولى والولاية صورتها وبمنزلة الظاهر وهي باطنها، ولهذا من مات ولم يكن له إمام فميتته ميتة الجاهلية وميتة كفر ونفاق وضلال، كما في رواية الكافي، فإن المادة والهيولى لا وجود لهما إلاّ بالصورة والفعلية، بل لا وجود لهما في النشأة الآخرة أصلاً، فإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وهي دار الحصاد، والدنيا مزرعة الآخرة.
واعلم أنّ الأسماء والصفات الإلهية كلّها كامل بل نفس الكمال، لعدم النقص هناك حتى يجبر، وكل كمال ظهور كمال الأسماء الإلهية وتجلّياتها وأكمل الأسماء هو الإسم الجامع لكلّ الكمالات ومظهره الإنسان الكامل المستجمع لجميع الصفات والأسماء الإلهية ومظهر جميع تجلياته. ففي الأسماء الإلهية اسم " اللّه " أكمل وفي المظاهر الإنسان الكامل أكمل، وكمال شريعته بالولاية، ونسبة شريعته إلى ساير الشرايع كنسبته إلى صاحب الشرايع وكنسبة الإسم الجامع إلى ساير الأسماء، فشريعته واقعة تحت دولة اسم "اللّه" الذي كان حكمه أبدياً وأزلياً، فإن ساير الشرايع أيضاً مظاهر شريعته، وشريعته كمال ساير الشرايع، ولهذا كان نبياً وآدم بين الماء والطين، بل لا ماء و لا طين، وكان عليه السلام مع آدم ونوح وغيرهما من الأنبياء. ويظهر من المحقق السبزواري في شرح الأسماء: أن الكمال قدر الجامع بين الجلال و الجمال. وهذا وإن كان صحيحاً بناء على ما عرفت من أن كل صفة جمال مختف فيها الجلال وكل جلال مختف فيه الجمال، إلاّ أنّ الإسم تابع للظاهر منهما والكمال
[110]
من صفات الجمال المنطوي فيه الجلال، فإن الكمال هو الصّورة التماميّة للشيء وهي من الصفات الثبوتية وإن تلازم صفة سلبية.
[113]
اللّهم إنّي أسئلك من أسمائك بأكبرها، وكلّ أسمائك كبيرة، الّلهم إنّي أسئلك بأسمائك كلّها.
اعلم يا حبيبي وفقك اللّه لمعرفة أسمائه وصفاته وجعلك من المتدبرين في أسرار آياته أنّ الأسماء الحسنى الإلهية والصفات العليا الربوبية حُجُب نورية( قولنا "حجب نورية" الخ، هذا أيضاً بحسب بعض مقامات السالكين وإلاّ فهو شرك بحسب مراتب الآخرين فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين فحقيقة الإيمان الخالص عن الشرك هو الإعتقاد بأنه الظاهر الباطن الأول الآخر فلايكون اسم وصفة حجاب وجهه الكريم ولا إمرو خلق نقاب نوره العظيم كما في دعاء عرفة كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ألغيرك من الظهور ماليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصلنا إليك عميت عين لا تراك عليها رقيبا صدق ولي اللّه المطلق صلوات اللّه عليه فالعارف الحقيقي والمؤمن المنزه من جميع مراتب الشرك من الأشراك العامية والخاصية من لم ير غيباً ولاشهوداً ولاظهوراً ولابطوناً إلاّ منه وله وليس ما ورائه شيء حتى يختفي به ولاغيره أحد حتى يكون حجاب وجهه ولا يكون الشيء حجاب نفسه.
سئل عن عبدالرزاق الكاشاني من الحلول والإتحاد قال كلاهما باطل ليس في الدار غيره ديار. قال العارف الكامل المحقق البارع فخر الشيعة وشيخ الطريقة والشريعة قاضي سعيد الشريف القمي قدس اللّه نفسه في شرح حديث رأس الجالوت ماهذا لفظه: قال صاحب الفتوحات اعلم أنّ العالم غيب ولم يظهر قط وخالق للخلق هو الظاهر ما غاب قط والناس في هذا المسألة عكس الصواب فإنهم يقولون أن اللّه غيب والعالم هو الظاهر فهم بهذا الإعتبار في مقتضى هذا الشرك .
أقول قد غفل هذا العارف عن الشرك اللازم من زعمه حيث حكم بظهور الحق وخفاء العالم وهو أيضاً من أنحاء الشرك الخفي وأما الإيمان الحقيقي فهو الإعتقاد بأن اللّه هو الظاهر الباطن والشاهد الغايب فهو الظاهر إذا طلبته في البطون وهو الباطن إذا تفحصت عنه في الظهور وهو المنزه عنهما إذا طلبتهما بكليهما وأن العالم ظاهر باللّه خفي بذاته فتعرف فإنه باب عظيم في التوحيد انتهى كلامه الشريف.
وكمال الإخلاص ومخ الحقيقة أن لا يصفه بالظهور والبطون والأولية والآخرية فحيث لم يكن في الدار غيره فلمن ظهر وعمّن غاب وأين الأولية والآخرية فإنهما باعتبار المبدئيه والمنتهائية فإذا كان كل شيء ما خلا اللّه باطلاً وهالكاً فليس المبدئية والمنتهائية أصلاً فكمال المعرفة أن يعرف السالك نفسه بالعجز والقصور) للذات الأحدية المستهلك فيها جميع التعينات الأسمائية المستجن في حضرتها كل التجليات الصفاتيه فإنّ غيب الهوية والذات الأحدية لا يظهر لأحد إلاّ في حجاب التعيّن الإسمي ولا يتجلّى في عالم إلاّ في نقاب التجلّي الصفتي، ولا إسم له ولا رسم بحسب هذه المرتبة ولا تعين له ولا حدّ لحقيقته المقدّسه،
[114]
والإسم والرسم حدّ وتعيّن، فلا إسم ولا رسم له لا بحسب المفهوم والمهية ولا بحسب الحقيقة والهويّة لا علماً ولاعيناً وليس ورائه شيء حتى يكون إسمه ورسمه. سبحان من تنزه عن التحديد الإسمي وتقدّس عن التعيّن الرسمي. والعالم خيال في خيال، وذاته المقدّسة حقيقة قائمة بنفسها، ولا تنكشف الحقيقة بالخيال، كما هو قول الأحرار من الرجال. فالمفاهيم الأسمائية كلها والحقايق الغيبية بمراتبها تكشفان عن مقام ظهوره وتجلّيه أو إطلاقه وانبساطه. فالوجود المنبسط ومفهومه العام لا يكشفان إلا عن مقام إطلاقه.
قال الشيخ صدرالدين القونوي في مفتاح الغيب والشهودْ: فللوجود إعتباران أحدهما نفس كونه وجوداً فحسب وهو الحق وأنه من هذا الوجه كما سبقت الإشارة إليه لا كثرة فيه ولا تركيب ولا صفة ولا نعت ولا رسم ولا إسم ولا نسبة ولا حكم، بل وجود بحت. وقولنا "وجود" للتفهيم، لا أنّ ذلك إسم حقيقي له، بل إسمه عين صفته وصفته عين ذاته. انتهى ما أردنا نقله.
وقال العارف الجليل آقا محمد رضا القمشة أي قدس سره في حاشية منسوبة إليه على مقدمات شرح الفصوص للقصيري في جواب سؤال أورده على نفسه، وهو أنه إذا انقسم الإسم إلى أسماء الذات وأسماء الصفات فلِمَ لا يكون له تعالى في مرتبة الأحدية الذاتية إسم ولا رسم، والذات في هذه المرتبة حاصلة وإن تتصف بالصفات. (بهذه العبارة)
إن رسم الشيء ما يميزه ويكشفه، فيجب أن يطابقه ليكشفه، والذات الإلهية لا تظهر ولا تكشف بمفهوم من المفاهيم ليكون إسماً له تعالى. فارجع إلى وجدان نفسك هل تجد مفهوماً من المفاهيم يكون ذلك المفهوم عين مفهوم آخر فضلاً عن المفاهيم الغير المتناهية الذي بإزاء كمالاته تعالى، كيف والمفهوم محدود وذاته تعالى غير محدود، فلا رسم للذات الأحدية أصلاً تقدست ذاته عن أن يحدّه حادّ ويحيط به شيء من الأشياء الغيبية كالمفاهيم أو العينية كالوجودات، فالوجود المنبسط العام ومفهومه العام الإعتباري يكشفان عن إطلاقه لا عن ذاته الأقدس الأرفع الأعلى. أما سمعت كلام الأحرار: أنّ العالم كله خيال في خيال، وذاته تعالى حقيقة قائمة بنفس ذاتها وينحصر الوجود فيها. وهذا وإن كان في بعض فقراته نظر واضح بل خروج عن طور الكلام والمقصود وتنزّل عن مرتبة إلى مرتبة أخرى من الوجود إلا أن في أخيرته شهادة لما أدعيت بل برهان ساطع عليه. هذا فإن أشرت بإطلاق الاسم في بعض الأحيان على هذه المرتبه التي هي في عماء وغيب كما هو أحد الإحتمالات في الإسم المستأثر في علم غيبه، كما ورد في الأخبار وأشار إليه في الآثار الذي يختص بعلمه اللّه، وهو الحرف الثالث والسبعين من حروف الإسم الأعظم
[115]
المختص علمه به تعالى، كما سيأتي روايته إنشاء اللّه، فهو من باب أنّ الذات علامة للذات فإنه علم بذاته لذاته.
فإذا تلوت ما تلونا عليك حق التلاوة وقرأته حق القرائة، فاعلم أنّ الإسم عبارة عن الذات مع صفة معينة، من صفاته وتجلّ من تجلياته، فإن الرحمن ذات متجلية بالرحمة المنبسطة والرحيم ذات متجلية بالتجلى الرحمة التي هي بسط الكمال والمنتقم ذات متعينة بالإنتقام. وهذا أوّل تكثر وقع في دار الوجود، وهذا التكثر في الحقيقة تكثر علمي وشهود ذاته في مرآت الصفات والأسماء والكشف التفصيلي في عين العلم الإجمالي، وبهذا التجلي الأسمائي والصفاتي انفتح باب الوجود وارتبط الغيب بالشهود وانبسطت الرحمة على العباد والنعمة في البلاد. ولولا التجلي الأسمائي كان العالم في ظلمة العدم وكدورة الخفاء ووحشة الإختفاء لعدم إمكان التجلي الذاتي لأحد من العالمين. بل لقلب سالك من السالكين إلا في حجاب اسم من الأسماء وصفة من الصفات. وبهذا التجلّي شهد الكمل الأسماء والصفات ولوازمها ولوازم لوازمها إلى أخيرة مراتب الوجود ورأو العين الثابت من كل حقيقة وهويّة، وكان التجلي ببعض الأسماء مقدّماً على بعض، فكل إسم محيط وقع التجلي إبتداءاً له و في حجابه للإسم المحاط. فإسم-اللّه والرحمن- لإحاطتهما يكون التجلي لساير الأسماء بتوسطها وهذا من أسرار سبق الرحمة على الغضب، وليكون التجلي باسم اللّه على الأسماء الأخر أوّلاً وبتوسطها على الأعيان الثابتة من كل حقيقة ثانياً إلا العين الثابت للإنسان الكامل، فانّ التجلي وقع له إبتدائاً بلا توسط شيء وعلى الأعيان الخارجية ثالثاً وفي التجلّي العيني أيضاً كان التجلّي على الإنسان الكامل باسم اللّه بلا واسطة من الصفات أو إسم من الأسماء وعلى ساير الموجودات بتوسط الأسماء . وهذا من أسرار أمر اللّه بسجود الملائكة على آدم عليه السلام، وإن جهل بحقيقة هذا الشيطان اللعين لقصوره، ولولا تجلي اللّه بإسمه المحيط على آدم عليه السلام لا يتمكن من تعلّم الأسماء كلها ولو كان الشيطان مربوب إسم اللّه لما وقع الخطاب على سجدته ولما قصر عن روحانية آدم عليه السلام وكون آدم مظهر إسم اللّه الأعظم اقتضى خلافته عن اللّه في العالمين.
نـــــور
ولعلك بعد التدبر في روح الإسم والتفكر في حقيقته ومطالعة دفتر سلسلة الوجود وقراءة أسطره ينكشف لك بإذن اللّه وحسن توفيه أنّ سلسلة الوجود ومراتبها ودائرة الشهود ومدارجها ودرجاتها كلها أسماء إلهية، فإن الإسم هو العلامة، وكل ما دخل في الوجود من حضرة الغيب علامة بارئه ومظهر من مظاهر ربه. فالحقايق الكلية من أُمهات
[116]
الأسماء الإلهية والأصناف والأفراد من الأسماء المحاطة ولا إحصاء لأسمائه تعالى وكل من الأسماء الغيبية مربوب إسم من الأسماء في مقام الإلهية الواحدية ومظهر من مظاهره. كما في رواية الكافي بإسناده عن أبى عبداللّه في قول اللّه تعالى:{ولِلَّه الأَسْماءُ الْحُسْنَى فَادْعُوه بِها}(الأعراف:180). قال نحن واللّه الأسماء الحسنى وفي رواية أخرى. يأتي بطولها أن اللّه خلق أسماء بالحروف غير متصوّت، أى آخر. والأخبار في أن للّه تعالى أسماء عينيّة كثيرة. قال العارف الكامل كمال الدين عبدالرزاق الكاشاني في تأويلاته: إسم الشيء ما يعرف به، فأسماء اللّه تعالى هي الصور النوعية التي تدل بخصائصها وهويّاتها على صفات اللّه وذاته وبوجودها على وجهه وبتعيّنها على وحدته. إذ هي ظواهره التي بها يعرف إنتهى كلامه.

هـــدايــة
واعلم هداك اللّه إلى الإسم الأعظم وعلّمك ما لم تكن تعلم، أنّ للّه تبارك وتعالى إسماً أعظم إذا دعي به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت وإذا دعي به على مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت، وله حقيقة بحسب الحقيقة الغيـبـيّة وله حقيقة بحسب المقام الألوهية، وحقيقة بحسب مقام المالوهية، وحقيقة، بحسب اللفظ والعبارة. وأما الإسم الأعظم بحسب الحقيقة الغيبية التي لا يعلمها إلا هو ولا استثناء فيه، فبالإعتبار الذي سبق ذكره، وهو الحرف الثالث والسبعون المستأثر لنفسه في علم غيبه.
كما في رواية الكافي في باب ما أعطوا من إسم اللّه الأعظم بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: "إن إسم اللّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً، وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به وخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الإسم الأعظم إثنان وسبعون حرفاً وحرف عند اللّه تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم". ومثلها رواية أخرى.
وفيه أيضاً عن أبي عبداللّه عليه السلام يقول: "إن عيسى بن مريم أعطي حرفين كان يعمل بها، وأعطى موسى أربعة أحرف، وأعطى إبراهيم ثمانية أحرف، وأعطى نوح خمسة أحرف، وأعطى آدم خمسة وعشرين حرفاً، وإن اللّه تعالى جمع ذلك كله لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وإن اسم اللّه الأعظم ثلاثه وسبعون حرفاً أعطى محمد صلى اللّه عليه وآله إثنين وسبعين حرفاً وحجب عنه حرف واحد." إنتهى.
و أما الإسم الأعظم بحسب مقام الأُلوهية والواحدية هو الإسم الجامع لجميع
[117]
الأسماء الإلهية جامعية مبدأ الأشياء وأصلها والنواة للأشجار من الفرع والأغصان والأوراق أو اشتمال الجملة لأجزائها كالعسكر الأفواج والأفراد، وهذا الإسم بالإعتبار الأول بل بالإعتبار الثاني أيضاً حاكم على جميع الأسماء وجميعها مظهره ومقدم بالذات على المراتب الإلهية ولا يتجلى هذا الإسم بحسب الحقيقة تاماً إلا لنفسه ولمن ارتضى من عباده وهو مظهره التام، أي صورة الحقيقة الإنسانية التي هي صورة جميع العوالم وهي مربوب هذا الإسم، وليس في النوع الإنساني أحد يتجلى له هذا الإسم على ما هو عليه إلا الحقيقة المحمدية صلى اللّه عليه وآله وأوليائه الذين يتّحدون معه في الروحانية، وذلك هو الغيب الذي استثنى منه من ارتضى من عباده. وفي رواية الكافي واللّه لمحمد صلى اللّه عليه وآله ممن ارتضى من عباده.
وأما الإسم الأعظم بحسب الحقيقة العينيّة فهو الإنسان الكامل خليفة اللّه في العالمين، وهو الحقيقة المحمدية صلى اللّه عليه وآله التي بعينها الثابت متحدة مع الإسم الأعظم في مقام الإلهية وساير الأعيان الثابتة بل الأسماء الإلهية من تجليات هذه الحقيقة، لأن الأعيان الثابتة تعيّنات الأسماء الإلهية والتعيّن عين المتعيّن في العين غيره في العقل. فالأعيان الثابتة عين الأسماء الإلهية، فالعين الثابت من الحقيقة المحمدية عين الإسم اللّه الأعظم وساير الأسماء والصفات والأعيان من مظاهره وفروعه أو أجزائه باعتبار آخر، فالحقيقة المحمدية هي التي تجلت في العوالم من العقل إلى الهيولى والعالم ظهورها وتجلّيها وكل ذرّة من مراتب الوجود تفصيل هذه الصورة وهذه هي الإسم الأعظم وبحقيقتها الخارجية عبارة عن ظهور المشيئة التي لا تعيّن فيها وبها حقيقة كل ذي حقيقة وتعيّن مع كل متعيّن خلق اللّه الأشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها وهذه البنية المسمى بمحمد بن عبداللـّه النازل من عالم العلم الإلهي إلى عالم الملك لخلاص المسجونين في سجن عالم الطبيعة مجمل تلك الحقيقة وانطوى فيه جميع المراتب انطواء العقل التفصيلي في العقل البسيط الإجمالي. وفي بعض خطب أمير المؤمنين ومولى الموحدين سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب صلوات اللّه وسلامه عليه: " أنا اللوح وأنا القلم، أنا العرش، أنا الكرسي، أنا السموات السبع، أنا نقطة باء بسم اللّه" وهو سلام اللّه عليه بحسب مقام الروحانية يتحد مع النبي صلى اللّه عليه وآله، كما قال صلى اللّه عليه وآله " أنا وعلي من شجرة واحدة" وقال: " أنا وعلي من نور واحد" إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على اتحاد نورهما عليهما السلام وعلى آلهما.
ويدل على أكثر ما ذكرنا الرواية المفصلة في الكافي نذكرها مع طولها تيّمناً وتبرّكاً بأنفاسهم الشريفة.
[118]
باب حدوث الأسماء علي بن محمد بن أبي حماد عن الحسين بن يزيد عن ابن أبي حمزة عن إبراهيم بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: "إن اللّه تعالى خلق إسماً بالحروف غير متصوّت، وباللفظ غير منطق وبالشخص غير مجسّد وبالتشبيه غير موصوف وباللون غير مصبوغ، منفي عنه الأقطار، مبعّد عنه الحدود، محجوب عنه حس كلّ متوهّم، مستتر غير مستر فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معاً ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها وحجب منها واحداً، وهو الإسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء التي ظهرت، فالظاهر هو اللّه تعالى، و سخّر سبحانه لكل إسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلك إثنا عشر ركناً، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين إسماً فعلاً منسوباً إليها، فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، الخالق، البارئ، المصّور، الحيّ، القيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العلي، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ، المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرازق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث، فهذه الأسماء وما كان من أسماء الحسنى حتى يتم ثلاث مائة وستين إسماً فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء الثلاثة أركان، وحجب الإسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قوله تعالى:{قُل ادعوا اللّه أوْ ادعوا الرَّحْمن أيّا ماتدعوا فله الأَسْماءُ الْحُسْنَى}(الإسراء:110) انتهى الخبر الشريف، (ج1، ص112).
ولو تأملت في هذه الرواية الشريفة لانكشف لك أسرار العلم والمعرفة وانفتح عليك أبواب خفايا الأسماء الإلهية، كيف وهي صادرة عن معدن الوحي والنبوّة، نازلة عن سماء العلم ومحالّ المعرفة.
قال العارف الربّاني مولانا ملا محسن الكاشاني أنار اللّه برهانه في شرح الحديث الشريف:"وكان الإسم الموصوف بالصفات المذكورة إشارة إلى أوّل ما خلق اللّه الذي مرّ ذكره في باب العقل، أعني النور المحمّدي والروح الأحمدي والعقل الكلّي، وأجزائه الأربعة إشارة إلى الجهة الأهلية والعوالم الثلاثة التي يشتمل عليها، أعني عالم العقول المجرّدة عن الموادّ والصور وعالم الخيال المجرد عن المواد دون الصور وعالم الأجسام المقارنة للمواد. وبعبارة أخرى.
الحس والخيال و العقل والسرّ وبثالثة إلى الشهادة والغيب و غيب الغيب وغيب الغيوب، وبرابعة إلى الملك والملكوت والجبروت واللاهوت، ومعيّة الأجزاء عبارة من لزوم كل منها الآخر وتوقفه عليه في تمامية الكلمة وجزئه المكنون السر الإلهي والغيب اللاهوتي- إلى أن قال: فالظاهر هو الله، يعني أن الظاهر بهذه الأسماء الثلاثة هو اللّه،
[119]
فإن المسمى يظهر بالإسم ويعرف به، والأركان الأربعة: الحياة والموت والرزق والعلم التي وكل بها أربعة أملاك هي إسرافيل وعزرائيل وميكائيل وجبرائيل" انتهى ما أردنا من كلامه زاد اللّه في مقامه.
وهذا التحقيق الرشيق في كمال الصحة والمتانة ببعض الأنظار والإعتبارات، وليكن الأنسب بالإعتبار أن يكون الإسم الموصوف بهذه الصفات مقام إطلاق الحقيقة المحمدية، أي مقام المشيئة التي مبّعد عنها الحدود حتى حدّ المهية. مستتر غير مستر، أي خفائه لشدة ظهوره، وكذا ساير الصفات المناسب لهذا المقام الذي لاحد له ولا رسم، وقوله: فجعله أربعة أجزاء، أيضاً لا يناسب إلاّ هذا المقام، فإن العقل لم يجعل أربعة أجزاء إلاّ على وجوه بعيدة عن الصواب. وأما مقام المشيئة فهو مقام الإطلاق، ومع العقل عقل، ومع النفس نفس، ومع المثال مثال ومع الطبع طبع، والمراد بأربعة أجزاء وهو عالم العقل والنفس والمثال والطبع أي العالم المقارن بالصورة والمادة والعالم المجرد عن المادة دون الصورة والعالم المجرد عن المادة والصورة دون المتعلق بالمادة والعالم المجرد عنها دون المهية. وبما ذكرنا يعلم معنى قوله: ليس منها واحد قبل الآخر فإن العوالم الأربعة باعتبار وجهتها إلى المشيئة المطلقة وجنبة "يلى الربى" في عرض واحد لم يكن أحدها قبل الآخر، كما حققنا في أوائل هذه الأوراق عند قوله: اللهم إني أسئلك من بهائك، إلى آخر.
والثلاثة التي أظهرها هي عالم النفس والخيال والطبع، فإنّ في هذه الثلاثة غبار عالم الخلق، فتكون فاقة الخلق بما هو خلق إليها. وأما العقل فلم يكن من الخلق شيء، بل هو من عالم الأمر الإلهي لتنزّهه عن كدورات عالم الهيولى وظلمات عالم المادة، والخلق لم يتوجه إليه ولم يكن محتاجاً إليه نحو عدم احتياج الماهيّة إلى الجاعل والممتنع إلى الواجب، فما كان الخلق مضافاً إليه هو العوالم الثلاثة، فإذا بلغ إلى المقام الرابع ولم يكن من عالم الخلق. وهذه النقطة العقلية هو الجزء الرابع المخزون عند اللّه. وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو. والمحجوب عن مدارك الخلق، لأن حكم الإلهية هنالك غالب. ولهذا كانت العقول سرادقات جمالية وجلالية باقيات ببقاء اللّه لا بإبقاء الله .
وقوله: والظاهر هو اللّه، أى بهذه الأسماء، فإن اللّه هو الظاهر في ملابس الأسماء والصفات، هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله. اللّه نور السموات والأرض، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن. ولو دليتم إلى الأرض السفلى لهبطتم على اللّه. فكيف بالأراضي العليا والسموات العلى. أينما تولّوا فثمّ وجه اللّه. أو المراد أنّ الظاهر هو الجهة الألوهية المحجوبة في الأسماء الثلاثة.
[120]
فبهذه الأسماء الثلاثة حجب الإسم الرابع أي عالم العقل الذي هو الجهة الألوهية وظهر، فإن كان المراد ماذكر كان فيه إشارة لطيفة إلى ما ذكره أهل المعرفة بأن اللّه تعالى ظاهر في حجب خلقية والخلق مع كونه ظهوره حجابه كالصور المرآتية التي هي ظهور المرآت وحجابها وتحت هذا أسرار لا يؤذن إبرازها.
والأركان الأربعة إما الموت والحياة والرزق والعلم التي وكلّ بها أملاك أربعة كما ذكره أو نفس أربعة أملاك، وعند التحقيق يرجع إلى أمر واحد بالحقيقة، وإثنا عشر ركناً باعتبار المقامات التي كانت لهذه الأملاك في العوالم الثلاثة، فإن الحقيقة العزرائيلية مثلاً لها مقام وشأن في عالم الطبع ولها مظاهر فيه ومقام وشأن في عالم المثال لها ومظاهر فيه، وكذا في عالم النفوس الكلية والمقامات الثلاثة مسخّرة تحت المقام الرابع، فالإنتقالات والإرتحالات من صورة إلى صورة في عالم الطبيعة يكون بتوسط مظاهر هذا الملك المقرب الإلهي، فإن مباشرة هذه الأمور الخسيسة الدنية لا يكون بل لا يمكن بيد عزرائيل بلا توسط جيوشه وفي الحقيقة كانت هذه الأمور بيده، لاتّحاد الظاهر والمظهر والإنتقال من عالم الطبع ونشأة المادة ونزع الأرواح عن الأجساد، وكذا الإنتقال من عالم البرزخ والمثال إلى عالم النفوس ومنه إلى عالم العقل، ويكون هذا النزع نهاية النزوع التي كانت بتوسط عزرائيل بلا واسطة في بعض العوالم كعالم النفوس ومع الواسطة في العوالم النازلة، ولو كان للموجود العقلي نزع فيكون بمعنى آخر غير الثلاثة وليس بعض مراتبه بتوسط عزرائيل عليه السلام بل بتوسط بعض الأسماء القاهر والمالك ربّ الحقيقه العزرائيلية ويكون نزع عزرائيل أيضاً بتوسطهما، وكذلك حقيقة إسرافيل وجبرائيل وميكائيل عليهم السلام، فإن لكل منهم بروزات ومقامات بحسب العوالم وكان في كل عالم ظهور سلطنتهم غير العالم الآخر وجوداً وحدّاً شدّتاً وضعفاً. أما سمعت أنّ جبرائيل كان يظهر في هذا العالم بصورة دحية الكلبي وظهر مرتين بقالبه المثالي لرسول اللّه ورآه قد ملأ الشرق والغرب وعرج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في ليلة المعراج إلى العالم العقلي ومقامه الأصلي. حتى عرج الرسول الهاشمي عن مقام جبرائيل إلى مقامات أُخرى إلى ماشاء اللّه، وقال معذرة عن عدم المصاحبة: لو دنوت أنمُلَة لاحترقت.
وبالجملة كل فعل من الأفعال في كل عالم من العوالم كان من فعل اللّه بتوسط الملائكة بلا واسطة أو مع أعوانهم وجنودهم.
قال صدر الحكماء المتألهين وشيخ العرفاء السالكين رضي اللّه تعالى عنه في الأسفار الأربعة بهذه العبارة: "ولاشك لمن له قدم راسخ في العلم الإلهي والحكمة التي هي فوق العلوم
[121]
الطبيعيه أنّ الموجودات كلها من فعل اللّه بلا زمان ولا مكان، ولكن بتسخير القوى والنفوس والطبايع، وهو المحي والمميت والرازق والهادي والمضل، ولكن المباشر للأحياء ملك اسمه إسرافيل، وللإماتة ملك اسمه عزرائيل يقبض الأرواح من الأبدان والأبدان من الأغذيه والأغذية من التراب، وللأرزاق ملك اسمه ميكائيل يعلم مقادير الأغذية ومكائيلها، وللهداية ملك اسمه جبرائيل، وللإضلال دون الملائكة جوهر شيطاني اسمه عزازيل، ولكل من هذه الملائكة أعوان وجنود من القوى المسخرة لأوامر اللّه، وكذا في ساير أفعال اللّه سبحانه. ولو كان هو المباشر لكل فعل دني لكان إيجاده للوسايط النازلة بأمره إلى خلقه عبثاً وهباءاً تعالى اللّه أن يخلق في ملكه عبثاً أو معطّلاً، وذلك ظن الذين كفروا " انتهى كلامه.
والأسماء المخلوقة لكل ركن وهي ثلاثون إسماً بحسب أمّهات الأسماء وكلّيّاتها، وإلاّ فبحسب جزئياتها غير محصورة ولا متناهية، فكان من نقطة العقل التي هي النقطة الإلهية نزولاً إلى الهيولى وصعوداً إلى نقطة العقل بمنزلة دائرة لها إثنىعشر برجاً أو شهراً، ولكل برج أو شهر ثلاثون درجة أو يوماً حتى بلغ ثلاثمائة وستين درجة أو يوم هذا تمام الكلام في الإسم الأعظم بحسب مقام الخلق العيني.
وأما حقيقته بحسب اللفظ والعبارة فعلمه عند الأولياء المرضيّين والعلماء الراسخين ومخفية عن ساير الخلق وما ذكر من حرف الإسم الأعظم أو كلماته في كتب القوم من العرفاء والمشايخ، إما من الآثار الصحيحة أو من أثر الكشف والرياضة عند الخلوص عن دار الوحشة والظلمة، كما نقل عن الشيخ مؤيد الدين الجندي أحد شرّاح الفصوص من أسماء هذا الإسم هو اللّه المحيط والقدير والحي والقيوم ومن حروفه أ د ذ ر ز و. قال ذكر الشيخ الكبير في سؤال الحكيم الترمذي.
وقال الشيخ الكبير في الفتوحات: "الألف هو النفس الرحماني الذي هو الوجود المنبسط والدال حقيقة الجسم الكلي والذال المتغذي والراء الحساس المتحرك والزاء الناطق والواو حقيقة المرتبة الإنسانية وانحصرت حقايق عالم الملك والشهادة المسمى بعالم الكون والفساد في هذه الحروف" انتهى كلامه.
وقال الشيخ المحدّث الجليل الحاج الشيخ عباس القمي سلمه اللّه تعالى في كتاب مفاتيح الجنان بهذه العبارة: در ذكر بعض آيات ودعاهاى نافعة مختصرة كه انتخاب كردم از كتب معتبرة.
أول: سيد أجلّ سيد علي خان شيرازي رضوان اللّه عليه در كتاب كلم طيّب نقل فرموده كه اسم أعظم خداي تعالى آنستكه افتتاح او اللّه واختتام اوهو است وحروفش نقطه
[122]
ندارد، ولا يتغير قرائته أعرب أم لم يعرب، وأين در قرآن مجيد در بنج آيهء مباركة از بنج سوره أست بقرة وآل عمران ونساء وطه وتغابن. شيخ مغربى در كتاب خود كَفته: هر كه اين بنج آية مباركة راورد خود قرار دهد وهر روز يازده مرتبة بخواند هر آينه آسان شود براى او هرمهمى از كلى وجزئى بزودى إنشاء اللّه تعالى وآن بنج آيه اينست: 1-اللّه لا إلهَ إلاّ هو الحي القيوم تا آخر آية الكرسـي. 2-اللّه لا إله إلاّ هو الحي القيوم نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان. 3-اللّه لا إله إلاّ هو لَيجْمعنّكم إلى يوم القيامة لا رَيْبَ فيه ومن أصدق من اللّه حديثاً. 4-اللّه لا إله إلاّ هو له الأسماء الحسنى. 5-اللّه لا إله إلاّ هو وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون انتهى.

تعقيب و تحصيل
تحقيق في التسمية و مراتبها
لعلك في هدى وصراط مستقيم من أسماء ربّك وآيات بارئك وأنّ سلسلة الوجود وعوالم الغيب والشهود من الملائكة المقربين وأصحاب اليمين والصافّات صفّا والمدبّرات أمراً والزاجرات زجراً ومن كلّيـّات العوالم من الأنواع والعاليات والسافلات وجزئياتها، إلى أن انتهى الأمر إلى الغواسق الظلمانية والنشئة الهيولائية كلها أسماء إلهية ولتعلم الآن بتوفيق الملك المنّان بشرط التدبّر في أسمائه والتفكّر في آياته والخلاص عن سجن الطبيعة وفتح مغالق أبواب الإنسانية أنّ لحقيقة بسم اللّه الرحمن الرحيم مراتب من الوجود ومراحل من النزول والصعود بل لها حقايق متكثرة بحسب العوالم والنشئآت، ولها تجليات في قلوب السالكين بمناسبة مقاماتهم وحالاتهم، وإن التسمية المذكورة في أولّ كل سورة من السور القرآنية غيرها في سورة أُخرى بحسب الحقيقه، وأنّ بعضها عظيم وبعضها أعظم وبعضها محيط وبعضها محاط وحقيقتها في كل سورة تعرف من التدبر في حقيقة السورة التي ذكرت التسمية فيها لافتتاحها. فالتي ذكرت لافتتاح أصل الوجود ومراتبها غير التي ذكرت لافتتاح مرتبة من مراتبه، وربما يعرف ذلك الراسخون في العلم من أهل بيت الوحي.
ولهذا روي عن أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات اللّه عليه: " أنّ كل ما في القرآن في الفاتحة، وكل ما في الفاتحة في بسم اللّه الرحمن الرحيم، وكل ما فيه في الباء وكل ما في الباء في النقطه وأنا نقطة تحت الباء" وهذه الخصوصية لم تكن لساير التسميات، فإنّ فاتحة الكتاب مشتملة على جميع سلسلة الوجود وقوسي النزول والصعود من فواتيحه وخواتيمه من الحمدللّه إلى يوم الدين بطريق التفصيل. وجميع حالات العبد ومقاماته منطوية من قوله
[123]
إياك نعبد، إلى آخر السورة المباركة وتمام الدائرة الموجود في الفاتحة بطريق التفصيل موجود في الرحمن الرحيم بطريق الجمع وفي الإسم بطريق جمع الجمع، وفي الباء المختفي فيها ألف الذات بطريق أحدية جمع الجمع، وفي النقطة التي تحت الباء السارية فيها بطريق أحدية سرّ جمع الجمع، وهذه الإحاطة والإطلاق لم تكن إلاّ في فاتحة الكتاب الإلهي التي بها فتح الوجود وارتبط العابد بالمعبود، فحقيقة هذه التسمية جمعاً وتفصيلاً عبارة عن الفيض المقدّس الإطلاقي والحق المخلوق به، وهو أعظم الأسماء الإلهيه وأكبرها، والخليفة التي تربي سلسلة الوجود من الغيب والشهود في قوسي النزول والصعود وساير التسميات من تعيّنات هذا الإسم الشريف ومراتبه، بل كل تسمية ذكرت لفتح فعل من الأفعال كالأكل والشرب والوقاع وغيرها يكون تعيّناً من تعيّنات هذا الإسم المطلق، كلّ بحسب حدّه ومقامه، ولا يكون الإسم المذكور فيها هذا الإسم الأعظم. وهو أجلّ أن يتعلق بهذه الأفعال الخسيسة بمقام إطلاقه وسريانه، فالإسم في مقام الأكل والشرب مثلاً عبارة عن تعين الإسم الأعظم بتعين الآكل والشارب أو إرادتهما أو ميلهما فإن جميعها من تعيّناته، والمتعيّنات وإن كانت متحدة مع المطلق لكن المطلق لم يكن مع المقيد باطلاقه وسريانه.
نقل وتتميم
قال بعض المشايخ من أرباب السير والسلوك رضوان اللّه عليه في كناب أسرار الصلاة بهذه العبارة: "ولا بأس للإشارة برد بعض ما حدث بين أهل العلم من الإشكال في قراءة بسملة السور من دون تعيين السورة وقرائتها بقصد سورة أخرى غير السورة المقروّة بلحاظ أن البسملة في كل سورة آية منها غير البسملة في السورة الأخرى، لما ثبت أنها نزلت في أول كل سورة إلاّ سورة براءة. فتعيين قراءة هذه الألفاظ إنما هو بقصد حكاية ما قرأه جبرائيل على رسول اللّه عليه وآله. وإلا فلا حقيقة لها غير ذلك، وعلى ذلك يلزم في قرآنية الآيات أن يقصد منها ما قرأه جبرائيل، وما قرأه جبرائيل في الفاتحة حقيقة تسمية الفاتحة، وهكذا بسملة كل سورة لا يكون آية منها إلا بقصد بسملة هذه السورة فإذا لم يقصد التعيين، فلا يكون آية من هذه السورة بل ولا يكون قرآناً.
والجواب عن ذلك كله أنّ للقرآن كله حقايق في العالم ولها تأثيرات مخصوصة وليست حقيقتها مجرد مقرويتها من جبرائيل، بل المقرويّة لجبرائيل لا ربط لها في الماهية، والبسملة أيضاً آية واحدة نزلت في أول كل سورة، فلا تختلف بنزولها مع كل سورة حقيقتها، وليست بسملة الحمد مثلاً إلا بسملة الإخلاص. ولا يلزم أن يقصد في كل سورة خصوص بسملتها
[124]
بمجرد نزولها مرات، وإلا يجب أن يقصد في الفاتحة أيضاً تعيين ما نزل أوّلا أو ثانياً، لأنها أيضاً نزلت مرّتين، وفلا ضير أن لا يقصد بالبسملة خصوص السورة، بل لا يضر قصد سورة وقراءة البسملة بهذا القصد ثم قراءة سورة أخرى، وليس هذا الإختلاف إلا كالإختلاف القصد الخارج عن تعيّن الماهيات" انتهى ما أردناه.
وهذا الكلام منه قدّس اللّه نفسه غريب، فإن كلام القائل المذكور إنّ تكرّر النزول موجب لاختلاف حقيقة البسملة أو يلزم قصد ما قرأ جبرائيل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وإن كان غير صحيح وليكن بالنظر إلى ما مرّ ذكره والتدبّر فيما علا أمره وانكشف سرّه به يتضح لك حقيقة الأمر بقدر الإستعداد وينكشف لك أنّ حقيقة البسملة مختلفة في أوائل السور، بل التسمية تختلف باختلاف الأشخاص وفي شخص واحد باختلاف الحالات والواردات والمقامات وتختلف باختلاف المتعلقات والحمدللّه أولا وآخراً وظاهراً وباطناً. وقد خرج الكلام عن طور الإختصار وتعدّى القلم عن تحت الاختيار، ولكن عشق الأسماء الإلهية والنعوت الربّانية جرّني إلى هذا المقام من الكلام.

رجع
وبينما عزمت على ختم الكلام وطيّ الدفتر عن بسط المقام والمعذرة من الإخوان العظام انفسخ العزم العازم وعرفت اللّه بفسخ العزائم واتفق الحضور في محضر أحد العلماء الكرام دام ظله المستديم فأورد أحد الحضار إيراداً وأجاب كل حزب بمذهبه وكل أحد سلك بمسلكه، فإن كل حزب بما لديهم فرحون، فأجبته بأوّل الجوابين الآتيين.
وأصل الشبهة أنّ الأسماء الإلهية والصفات الربوبية غير محصورة ولا متناهية وما لم يكن الشيء متناهياً لم يكن له حد من الكل أو البعض فما معنى قوله : وكلّ أسمائك كبيرة وقولك أسئلك بأسمائك كلها.
وقد أجبت عنه بأن السائل يسئل بالأسماء المتجلية عليه بحسب حالاته ومقاماته ووارداته وما يتجلى من الأسماء في كل مقام محصور بحسب التجلي في قلب السالك.
والآن أقول: الأسماء الإلهية وإن لم تكن بحسب المناكحات والموالدات محصوراً، ولكنها بحسب الأمهات محصورة: يجمعها باعتبار الأول والآخر والظاهر والباطن هو الأول والآخر والظاهر والباطن وباعتبار اللّه والرحمن: قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن الآية، وباعتبار اللّه والرحمن الرحيم، كما أن مظاهر الأسماء بالإعتبار الأول غير محصورة {وإن تَعُدّوا
[125]
نِعْمَتَ اللّه لا تُحُصوها}( ابراهيم 34 ) {قُلْ لَوْ كانَ البَحر مِداداً لِكَلِمات ربّي لَنَفدَ البَحر قَبلَ أَنْ تَنْفدَ كَلِماتَ رَبّي}(الكهف 109). وبالإعتبار الثاني محصور بالعوالم الثلاثة أو الخمسة وقيل ظهر الوجود ببسم اللّه الرحمن الرحيم.
كذلك الإعتباران في الصفات، فإنها بالإعتبار الأول غير محصورة وبالإعتبار الثاني محصورة في الأئمة السبعة أو صفات الجلال والجمال. تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام.
[145]
اللّهم إنّي أسئلك من عزّتك بأعزّها، وكلّ عزّتك عزيزة، اللّهم إنّي أسئلك بعزّتك كلّها.
العزيز هو الغالب أو القويّ أو الفرد الذي لا معادل له. وهو تعالى عزيز بالمعنى الأول، كيف وهو غالب على كلّ الأشياء قاهر عليها، وجميع سلسلة الوجود مسخّرة بأمره، {ما مِنْ دابَّةٍ إلاّ هُوَ آخِذٌ بناصِيَتها}(هود: 56)، مقهور تحت قهّاريته بلا عصيان، مخذول تحت قدرته بلا طغيان، وله السلطنة المطلقة والمالكية التامة والغلبة على الأمر والخلق، وحركة كلّ دابّة بتسخيره، وفعل كلّ فاعل بأمره وتدبيره. وهو تعالى عزيز بالمعنى الثاني، فإن واجب الوجود فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى قوّة. وليس في دائرة الوجود قوي إلا هو، وقوّة كل ذي قوّة ظل قوّته ومن درجات قوّته، والموجودات بالجهة الفانية فيه والتدلية إليه وبجنبة "يلي الربى" أقوياء وبالجهات المنتسبة إلى أنفسها وجنبة "يلي الخلقى" ضعفاء.{يا أيّها النّاسُ أَنْتُم الفُقَراءُ إلى اللّه وَ اللّهُ هُوَ الغَنّي الحَميد}(فاطر:15) {وإنْ هِيَ إلاَّ أَسماء سَمَّيْتُموها أَنْتُم وآباءكم ما أنْزَل اللّه بها مِنْ سُلْطان}(النجم:23). هذا إذا كانت القوّة في مقابل الضعف. وإن كانت بمعنى مبدئية الآثار فهو تعالى مبدء آثار غير متناهية، وليس في الدار غيره ديّار، وغير صفاته وآثاره ديّار، ولا مؤثّر في الوجود إلاّ اللّه. وكل مؤثر أو مبدء آثار فهو من مظاهره الخلقية، بل هو السميع والبصير بعين سمعنا وبصرنا.
قال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي أدام اللّه ظله على رؤوس مريديه: "إن السميع والبصير ليسا من أمّهات الأسماء، ويرجعان إلى علمه في مقام الذات، ولا يفترقان منه إلاّ إذا وقعا للمخلوقين والمظاهر فتحقيق السميع البصير في حقه تعالى بعين السمع والبصر الواقع للمظاهر" انتهى.
فجميع مبادئ التأثير مظاهر قوته وقدرته، وهو الظاهر والباطن والأول والآخر.
قال الشيخ الكبير محيي الدين في فصوصه: واعلم أن العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل اللّه مختلفة باختلاف القوى الحاصلة منها مع كونها ترجع إلى عين واحدة. فإن اللّه تعالى يقول: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها". فذكر أن هويّته عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة والجوارح مختلفة انتهى.
[146]
وهذا حقيقة الأمر بين الأمرين الذي حقّقه السلف الصالح من أولياء الحكمة ومنابع التحقيق كمولينا الفيلسوف صدر الحكماء والمتألهين رضوان اللّه عليه وتبعه غيره من المحققين.
وهو تعالى عزيز بالمعنى الثالث، لأنّ الصرف لا يتثنّى ولا يتكرّر، وكلّما فرضته ثانياً فهو هو. كما هو المحقق في مقامه وليس في هذا المختصر موضع ذكره.
والعزيز من أسماء الذات على ما جعل الشيخ الكبير في "إنشاء الدوائر" على ما نسب إليه، ولكن التحقيق أنه من أسماء الذات أن كان بمعنى الغالب، ومن أسماء الصفات إن كان بالمعنى الثاني، ومن أسماء الأفعال إن كان بالمعنى الأول.
وقال شيخنا العارف دام ظله: إن ما كان من الأسماء على زنة فعول وفعيل فمن أسماء الذات لدلالتها على معدنيّة الذات، وكان اصطلاحه دام ظله فيها "الصيغ المعدنية". وعلى هذا كان كثير من الأسماء الصفتية والأفعالية في تحقيق الشيخ الكبير من الأسماء الذاتية في نظره دام ظله.

تذييل
ولعل المراد من العزة في الفقرة المذكورة الصفات التي لها القوة والغلبة، كالقهارية والمالكية والواحدية والأحدية والمعيدية. إلى غير ذلك. والأعز من بينها ما كان ظهور الغلبة والقهرية أتمّ كالواحد القهار، لقوله:{لِمَنْ المُلْكُ اليَوم للّهِ الواحِدِ القّهَار}(غافر:16). أو المالك لقوله:{مالِكِ يوم الدين}(الفاتحة:4) ويوم الرجوع التام يوم السلطنة المطلقة ودولة إسم الواحد القهار بإرجاع سلسلة الوجود إليه واستهلاكها في قهره حتى تصير معدومة، ثم ينشأ النشأة الأخرى، كما أشار إليه المثنوى بقوله:
بس عدم كردم عدم جون ارغـنون كَويــدم كانــا إليه راجعون
[150]
اللّهم إنّي أسئلك من مشيّتك بأمضاها وكلّ مشيّتك ماضية اللّهم إنّي أسئلك بمشيتك كلّها
لا أراك ممن تحتاج إلى مزيد توضيح أو كثرة تشريح أو تلويح أو تصريح لمقام المشيئة بعد الرجوع إلى ما سبق والتدبر فيما مرّ بما استحق ولكن البيان لا يغني من العيان، لقصورالعبارة وفتور الإشارة وكَلّ البيان ولكن اللسان، ولا يمكن الوصول بهذه الحقايق إلا مع العبور عن ملابس الرفائق ولا يتيسر إلا بسلب العلائق الدنيوية وشدّ الرحال إلى باب الأبواب الإنسانية، والخروج عن جميع مراتب الأنانية وترك الشهوات النفسانية فإن شهود مقام الاطلاق لا يمكن إلا بترك القيود، والوصول إلى باب الإرسال لا يتيسّر إلا بإلقاء الحدود. فاجتهد يا حبيبي لأن تكون شهيداً لمقامك، فإن الشهيد يكون سعيداً وتعشق وجه حبيبك، فإن من مات من العشق فقد مات شهيداً.
فهل يمكن الوصول إلى مقام طُور القرب إلاّ بخلع نعلي الشهوة والغضب وترك الهوى والإنقطاع إلى حضرة المولى. فإنه الوادى المقدس والمقام الشامخ الأقدس. والمتلبس بالألبسة الجسمانية والمتردّي برداء الهيولى الظلمانية لا يمكنه شهود مقام المشيئة الإلهية وكيفية سريانها ومضيّها وبسطها وإطلاقها.
فليعلم بتوفيق اللّـه أنّ سلسلة الوجود من عوالم الغيب والشهود من تعيّنات المشيئة ومظاهرها ونسبتها إلى جميعها نسبة واحدة، وإن كانت نسبة المعيّنات إليها مختلفة. وهى أول الصوادر على طريقة العرفاء الشامخين رضوان اللّه عليهم وساير المراتب موجودة بتوسطها. كما فى رواية الكافي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: "خلق اللّـه المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة "بل التدقيق في مضمون الرواية الشريفه والتحقيق عند أصحاب الحقيقة وأرباب السلوك والطريقة أن لا موجود في المراتب الخلقية إلاّ المشيئة المطلقة الإلهية وهى الموجودة بالذات والمجردة عن كل التعيّنات والتعلّقات، ولها الوحدة الحقّة الظّليّة ظلّ الوحدة الحقّة الحقيقية. وأما التعيّنات فلم تستشم رائحة الوجود، بل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً {وإنْ هِيَ إلاَّ أَسماء سَمَّيْتُموها أَنْتُم وآباءكم ما أنْزَل اللّه بها مِنْ سُلْطان}(النجم:23) {كُلُّ شَئٍ هالِكٌ إلاّ وَجْهَه}(القصص:88).
فهذا القرطاس الذي أكتب عليه، والقلم الذي أسطر معه والعضلة المسخرة لهما،
[151]
والقوة المودعة فيها، والإرادة المنبعثة عن الشوق المنبعث عن القلم القائم بالنفس كلها من شؤون المشيئة الإلهية وظهوراتها، والتعيّنات اعتبارية خيالية. كما قال الشيخ الكبير: العالم خيال في خيال فلا ظهور إلاّ ظهورها ولاشأن إلاّ شأنها.
وهذا معنى شمول المشيئة وسريان الوجود وإطلاق الهوية الإلهية وبسط الرحمة ومقام الإلهية.

هداية
وإذ تحقق لك أن الموجودات على مراتبها العالية والسافلة وتخالفها في الشرف والخسّة وتغايرها في الأفعال والذوات. وتباينها في الآثار والصفات يجمعها حقيقة واحدة إلهية هي المشيئة المطلقة الإلهية والموجودات بدرجاتها المختلفة وطبقاتها المتفاوتة مستهلكة في عين المشيئة، وهي مع غاية بساطتها وكمال وحدتها وأحديّتها كلّ الأشياء، وبالتكثّر الإعتباري لا ينثلم وحدتها بل يؤكدها، وينفذ نورها في الأرضين السفلى والسموات العليا، ولا شأن لحقيقة من الحقايق إلاّ شأنها ولا طور إلاّ طورها. وتحقق لك أنْ لا عصيان في الأمر التكويني، وإن من شيء إلا وهو مسخر تحت كبريائه. وإذا أراد اللّه لِشيء أن يقول له كن فيكون، بلا تأبّ عن الوجود وقدرة عن التخطّي والعصيان، وكل المهيات مؤتمرات بأمره مخذولات تحت سلطنته. {وما مِنْ دَابَّةٍ إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتها}(هود: 56). وتدبرت في خلق السموات والأرض وآمنت بصنوف الملائكة السماوية والأرضية وصفوفها وطوايف جيوش اللّه. كل ذلك بشرط الخلوص التمام عن الأنانية وكسر أصنام كعبة القلب بتجلي الولاية العلوية وخرق الحجب الظلمانية.
تو خود حجاب خودى حافظ از ميان بر خيز.
ينكشف لك حقيقة نفوذ المشيئة الإلهية ومضيّها وبسطها وإحاطتها ويتحقق لك حقيقة خلق اللّه الأشياء بالمشيئة، وإن لا واسطة بين المخلوقات وخالقها، وإن فعله مشيئة وقوله وقدرته وإرادته إيجاده، وبالمشيئة ظهر الوجود. وهي اسم اللّه الأعظم . كما قال محي الدين ظهر الوجود ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وهى الحبل المتين بين سماء الإلهية والأراضي الخلقية، والعروة الوثقى المتدلية من سماء الواحدية والمتحقق بمقامها الذي أفقه أفقها هو السبب المتصل بين الأسماء وبه فتح اللّـه وبه يختم، وهو الحقيقة المحمّدية والعلوية صلوات اللّـه عليه وخليفة اللّه على أعيان المهيات، ومقام الواحدية المطلقة والإضافة الإشراقيه التي بها شروق الأراضي المظلمة، والفيض المقدس الذي به الإفاضة على
[152]
المستعدات الغاسقة، وماء الحياة الساري. وجعلنا من الماء كل شيء حيّ. والماء الطهور الذي لا ينجسه شيء من الأرجاس الطبيعية والأنجاس الظلمانية والقذارات الإمكانية، وهو نور السموات والأرض. {اللّهُ نورُ السَّمواتِ والأَرْض}(النور:35) ولها مقام الإلهية. {وهوَ الّذي في السَّماءِ إلَهٌ وَ في الأَرْضِ إلَه} وهي الهيولى الأولى ومع السماء سماء ومع الأرض أرض، وهو مقام القيومية المطلقة على الأشياء.{ما مِنْ دَابَّةٍ إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتها}(الرحمن:26). والنفس الرحمانية.{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(الحجر:29) والفيض المنبسط، والوجود المطلق، ومقام قاب قوسين، ومقام التدلّي، والأفق الأعلى، والتجلّي الساري، والنور المرشوش، والرق المنشور، والكلام المذكور، والكتاب المسطور، وكلمة كن الوجودي، ووجه اللّه الباقي. {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانْ ، ويَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامْ}ا(لرحمن26،27). إلى غير ذلك من الألقاب والإشارات، عباراتنا شتّى وحسنك واحد ونعم ماقيل:
ألا إنّ ثوباً خيط من نسج تسعة وعشرين حرفاً من معاليه قاصر

نور مشرق
واعلم هداك اللّه إلى الطريق المستقيم وجعلك من المؤمنين والموقنين: أنّ المشيئة وإن كانت مقام ظهور حقيقة الوجود، وهي مشهودة لكل عين وبصيرة بل لكل مدرك من الإدراك، ولا مدرك وشهود إلا هي ولا ظهور إلا ظهورها، فهي مع ذلك محجوبة في ملابس التعيّنات مجهول كنهها مخفية حقيقتها، حتى أن ظهور الحقايق العلمية في مدارك العلماء بها وهي نفسها غير معلومة لهم ومنكشفة عندهم بحسب الحقيقة والكنه وإن كانت مشهودة بحسب الهوية والوجود ولم تكن مشهودة لكل أحد بإطلاقها وسريانها وبسطها وفيضانها، بل الشهود بقدر الوجود، والمعرفة بقدر مقام العارف.
فما لم يخرج السالك عن حب الشهوات الدنيوية وسجن الطبيعة الموحشة الهيولائية، ولم يطهّر قلبه بماء الحياة من العلوم الروحانية، وكان لنفسه بقية من الأنانية لم يمكنه شهود جمال المحبوب بلا حجاب وعلى حد الإطلاق.
فالقاطنون في هذا المنزل الأدنى والدرك الأسفل والأرض السفلى والساكنون في هذه القرية الظالم أهلها والبلد الميت سكّانها لا يتجلى لهم الحق إلاّ من وراء ألف حجاب من الظلمة والنور متراكمة بعضها فوق بعض. (فإن اللّه تعالى خلق ألف ألف عالم وألف ألف
[153]
آدم وأنتم في آخر العوالم وأسفلها) (وللّه سبعون ألف حجاب من نور، وسبعون ألف حجاب من ظلمة).
والمستخلصون عن هذه السجن وقيودها والطبيعة وحدودها، والمنزهون عن قذارة الهيولى الجسمانية وهيأتها وظلمة عالم المادة وطبقاتها، الواصلون إلى عالم الملكوت يشاهدون من وجهه وجماله وبهائه أكثر من هؤلاء ألف ألف مرة، ولكنهم أيضاً في حجب نورانية وظلمانية.
والمتجردون عن هيآت عالم الملكوت وتعلقاته وضيق عوالم الخيال والمثال، والقاطنون في البلد الطيب ومقام القدس والطهارة يشاهدون من البهاء والجمال والوجه الباقي لذي جلال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا وهم أحاط به ولا فكر حام حوله ولا عقل بلغ إليه، من الأسرار والأنوار والتجليات والكرامات. ولكنهم أيضاً في حجب التعيّنات والمهيات.
والواصل إلى باب الأبواب والمشاهده لجمال المحبوب بلا حجاب والمتحقق بمقام الولاية المطلقة هم الذين خرجوا عن الدنيا والآخرة وتجرّدوا عن الغيب والشهادة ولم يخلطوا العمل الصالح بالسّيء.
جون دم وحدت زنى حافظ شوريده حال خامهء توحيد كش بر ورق انس وجان
بينى و بينـك إنـّى ينــاز عـني فارفـع بلطفـك انّييّى من البيــن
وهو مقام استهلاك جهة الخلقي في وجه الربى، ووضع نعلي الإمكان والتعيّن. ولا مقام فوق هذا إلاّ مقام الإستقرار والتمكين والرجوع إلى الكثرة مع حفظ الوحدة، فإنه أخيرة منازل الإنسانية. وليس وراء عبادان قرية. وللإشارة إلى هذا المقام ورد:
"إن لنا مع اللّه حالات هو هو ونحن نحن"، وللإشارة إلى الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة ما نسب إلى النبي صلى اللّه عليه وآله أنه قال: "كان أخي موسى عليه السلام عينه اليمنى عمياء وأخي عيسى عينه اليسرى عمياء وأنا ذو العينين".

تحصيل اشراقي
في حقيقة الأمر بين الأمرين
فإذا بلغ السالك إلى اللّه والمجاهد في سبيله إلى ذاك المقام وتجلىعليه الحق في مظاهر الخلق مع عدم احتجاب عن الحق والخلق بنحو الوحدة في ملابس الكثرات والكثرة في عين الوحدة ينفتح عليه أبواب من المعرفة والعلوم والأسرار الألهية من علم وراء الرسوم
[154]
منها حقيقة الأمر بين الأمرين من لدن حكيم عليم على لسان الرسول الكريم وأهل بيته عليهم السلام من الرب الرحيم، فإن فهم هذه الحقيقة ودرك سرها وحقيقتها لا يتيسر إلاّ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فإنه يرى بعين البصيرة والتحقيق بلا غشاوة التقليد وحجاب العصبيّة أنّ كل موجود من الموجودات بذواتها وقواها الظاهرية والباطنية من شؤون الحق وأطواره وظهوره وتجلياته، وهو تعالى وتقدس مع علوّ شأنه وتقدّسه عن مجانسة مخلوقاته وتنزّهه عن ملابسة التعينات باين في المظاهر الخلقية ظاهر في مرآت العباد وهو الأول والظاهر والباطن كذلك الأفعال والحركات والتأثيرات كلها منه في مظاهر الخلق فالحق فاعل بفعل اللّه وقوة العبد ظهور قوة الحق.{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَ}(الأنفال:17) فجميع الذوات والصفات والمشيّات والإرادات والآثار والحركات من شؤون ذاته وظل صفة مشيئته وإرادته وبروز نوره وتجليه وكلّ جنوده ودرجات قدرته، والحق حق والخلق خلق، وهو تعالى ظاهر فيها وهى مرتبة ظهوره.
ظهور تو بمن است و وجود من از تو ولست تظهر لولاى لم أكن لولاك
فمن نسب الفعل إلى الخلق وعزل الحق عنه بزعم التنزيه والتقديس فهو قاصر وظالم لنفسه وحقه، محجوب عن الحق مطرود عن الرب، تنزيهه وتقديسه تقصير وتحديد وتقليد، فهو داخل في قوله مغضوب عليهم عاكف في الكثرات بلا توحيد. ومن نسبه إلى الحق مع عدم حفظ الكثرة فهو ضال متجاوز عن الإعتدال وداخل في قوله الضالين. والصراط المستقيم والطريق المستبين الخروج عن التعطيل والتشبيه وحفظ مقام التوحيد والتكثير وإعطاء حق الحق والعبد. فعند ذلك ينكشف للعبد أنّ ما أصابه من حسنة فمن اللّه وما أصابه من سيئة فمن نفسه، فإن السيئة من سوء الإستعداد ونقصان الوجود وهما قسط العبد، والحسنة من الخيرات والجهات الوجودية، وهي قسط الرب. وينفتح له سرّ قوله تعالى:{قُلْ كُلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّه}(النساء:78). فإن القابل من التجلي الغيبي، كما قال محي الدين، والقابل لا يكون إلاّ من فيضه الأقدس ويصير على بصيرة من الأخبار المتكاثرة في الباب. وليس هذا المختصر مقام الشرح والتفصيل، ومن أراد أن يتضح له الأمر على تفصيله فعليه بالرجوع إلى مسفورات أساطين الحكمة وأولياء المعرفة سيما السيد المحقق البارع الداماد وتلميذه العظيم صدر الحكماء المتألّهين رضوان اللّه عليهما.
[155]
تتميم و تنوير
في أن الإرادة منها محدثه ومنها قديمه
قد تحقق ممّا سلف أنّ المشيئة هي ظهور حقيقة الوجود وإطلاقها وسريانها وبسط نورها وسعة رحمتها وأنّها بعينها إرادتها في مقام الظهور والتجلي، كما قد تحقق أنّ مراتب التعيّنات من العقول المقدّسين والملائكة المقرّبين إلى القوى الطبيعية والملائكة الأرضية المدبّرة كلّها من مراتب المشيئة وحدود الإرادة في مقام التجلى والفعل، وهذا ألا ينافي لأن تكون للّه تعالى إرادة هي عين ذاته المقدسة وهي صفة قديمة، والإرادة في مقام الفعل باعتبار التعيّنات حادثة زائلة، وإن كانت بمقام إطلاقها أيضاً قديمة، لاتحاد الظاهر والمظهر وبهذا ينحل العقدة عما روى عن أئمتنا المعصومين عليهم صلوات اللّه رب العالمين من أن الإرادة حادثة ومن صفات الفعل لا من صفات الذات.
فمن طريق الشيخ الأجل محمد بن يعقوب الكليني في الكافي بإسناده عن عاصم بن حميد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قلت: لم يزل اللّه تعالى مريداً ؟ قال: إن المريد لا يكون إلاّ المراد معه. لم يزل اللّه قادراً عالماً ثّم أراد.
وفيه أيضاً عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: المشيئة محدثة.
ومن المستبين أن المراد بهذه الإرادة والمشيئة هي الإرادة في مقام الظهور والفعل، كما يشهد به قوله في رواية أخرى: "خلق اللّه العالم بالمشيئة والمشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة ".
وفي أُخرى عن أبي الحسن عليه السلام: "الإرادة من الخلق الضمير وما يبدء لهم بعد ذلك من الفعل. وأما من اللّه فإرادته أحداثه".
فكما أن العلم له مراتب منها مفهوم مصدري ومنها عرض ومنها جوهر ومنها واجب قائم بذاته موجود لذاته كذلك الإرادة.
وأما تخصيص المشيئة بأنها محدثة ومن صفات الفعل، وتخصيص العلم والقدرة بأنهما قديمتان ومن صفات الذات مع أنهما من واد واحد بعض المراتب منها محدثة وبعضها قديمة فباعتبار فهم السائل والمخاطب، فإن السؤال في العلم والقدرة عن الصفة الذاتية لتوجه الأذهان إليها فيهما بخلاف الإرادة، فإن السؤال عن المشيئة المتعلقة بالأشياء الخارجية والجواب على مقدار فهم المخاطب ومقام عرفانه.
[165]
الّلهم إنّي أسئلك من قدرتك بالقدرة الّتي استطلت بها على كلّ شيء وكلّ قدرتك مستطيلة الّلهم إنّي أسئلك بقدرتك كلّها.
القدرة من أُمّهات الصفات الإلهيّة، ومن الأئمة السبعة التي هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والتكلم، ولها الحيطة التامة والشمول الكلي وإن كانت محتاجة في التحقق إلى الحياة والعلم وهذا أحد مراتب الإستطالة وسعة القدرة إن كان المراد بالشيء شيئية التعيّنات الصفاتية والأسمائية وهي الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية.
وهي على لسان الحكيم كون الفاعل في ذاته بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، والمشيئة المأخوذة في القدرة الإلهية هي التي بحسب الحقيقة عين الذات المقدسة ولا ينافيها تأحّد المشيئة في الحضرة الربوبية لعقد الشرطية من الواجبتين والممتنعتين والممكنتين. { أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً}(الفرقان:45). وهو تعالى شاء بالمشيئة الأزلية الذاتية الواجبة الممتنعة العدم أن يمدّ ظل الوجود ويبسط الرحمة في الغيب والشهود، لأنّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات والحيثيّات، ولو شاء أن يجعل الفيض مقبوضاً وظل الوجود ساكناً يجعله ساكناً مقبوضاً لكنه لم يشاء ويمتنع أن يشاء.
وعلى لسان المتكلم صحة الفعل والترك لتوهم لزوم الموجبية في حقه تعالى وهو منزه منها، وهذا التنزيه تشبيه والتقديس تنقيص للزوم التركيب في ذاته والإمكان في صفته الذاتية تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ولم يتفطنوا أن الفاعل الموجب من كان فعله بغير علم وإرادة او كون الفعل منافراً لذاته: وهو تعالى علمه وقدرته وإرادته عين ذاته، إحدى الذات والصفات، ومجعولاته ملائمات لذاته، فإذا كان الفعل الصادر عن الفاعل الممكن مع علمه الناقص الممكن الزائل والإرادة المسخرة للدواعي الزائدة الخارجة والأغراض الغير حاصلة لذاته يكون من اختياره فكيف بالفاعل الواجب بالذات والصفات.
أترى أن وجوب الذات وتمامية الصفات وبساطة الحقيقة وشدة الاحاطة والعلم السرمدي والإرادة الأزلية توجب الموجبيّة؟ أم الإمكان واللاشيئية والزوال وبطلان الحقيقة ودثور الذات والصفات والحدوث والتجدد والتصرم والتغير من شرايط الإختيار أو إمكان أن لا يفعل المؤدي إلى الجهل، بل الإمكان في ذات الفاعل من محققات حقيقة الإختيار. فانتبه يا حبيبي عن نومتك وانظر بعين البصيرة إلى ربك، ولا تكن من الجاهلين.
[166]
تنبيه للمستبصرين وتيقظ للراقدين
واعلم هداك اللّـه إلى طرق أسمائه وتجلى على قلبك بصفاته وأسمائه أنّ الأعيان الموجودة الخارجية ظل الأعيان الثابته في الحضرة العلمية، وهي ظل الأسماء الإلهية الحاصلة بالحبّ الذاتي من حضرة الجمع وطلب ظهور مفاتيح الغيب بالفيض الأقدس في الحضرة العلمية وبالفيض المقدّس في النشأة العينيّة، والفيض الأقدس أشمل من الفيض المقدس، لتعلقه بالممكنات والممتنعات، فإن الأعيان منها ممكن ومنها ممتنع. والممتنع منه فرضي كشريك الباري واجتماع النقيضين، ومنه حقيقي كصور الأسماء المستأثرة لنفسه. كما قال الشيخ في الفتوحات:
وأما الأسماء الخارجية عن الخلق والنسب فلا يعلمها إلاّ هو لأنه لا تعلق لها بالأكوان. انتهى كلامه.
فما كان قابلاً في الحضرة العلمية للوجود الخارجي تعلق به الفيض المقدس. وما لا يكون قابلاً لم يتعلق به، إمّا لعلو الممتنع وعدم الدخول تحت الإسم الظاهر، وإما لقصور وبطلان ذاته وعدم قابليته، فإن القابل من حضرة الجمع فعدم تعلق القدرة بالممتنعات العرفية والذوات الباطلة من جهة عدم قابليتها لا عدم القدرة عليها وعجز الفاعل عن إيجادها تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
قال السيد المحقق الداماد والسند الممجد الأستاد ذو الرياستين العلمية والعملية أستاد الكل في الكل رضي اللّه تعالى عنه وجزاه اللّه عن أولياء الحكمة والمعرفة أفضل الجزاء، في القبسات: "إنما مصحح المقدورية ومناط صحة الوقوع تحت سلطان تعلق القدرة الربوبية الوجوبية هو طباع الإمكان الذاتي. فكل ممكن بالذات فإنه في سلسلة الإستناد منتهىٍ إلى الباري القيوم الواجب بالذات جل سلطانه، ومستند هو وجميع ما يتوقف وجوده عليه من الممكنات في السلسلة الطولية إليه سبحانه. ثم قال: وهو الخلاق على الإطلاق لكل ذي سبب بقاطبة علله وأسبابه، إذ لا يخرج شيء مما تتصوّره في سلسلة الفاقة الإمكانية عن علمه وإرادته وصنعه وقدرته تعالى كبريائه. فإذن قد بان واستبان أن عدم تعلق القدرة الحقة الوجوبية بالممتنعات الذاتية من جهة المفروض مقدوراً عليه إذ لا حقيقة ولا شيئية له بوجه من الوجوه أصلاً لا من جهة نقصان القدرة وعجزها. فهذا سر ما تسمعهم يقولون: الإمكان مصحح المقدورية لا مصحح القادرية. فالمحال غير مقدور عليه بحسب نفسه الباطلة، لا أنه معجوز عنه بالنسبة إلى القدرة الحقه، فإن بين التعبيرين بل بين المفهومين المعبر عنهما
[167]
بالعبارتين فرقاناً مستبيناً ومباينة باتة" انتهى كلامه بألفاظه نور اللّه مضجعه وأسكنه اللّه جنته وقد بلغ كمال النصاب في التحقيق وأتى بغاية الصواب والتوفيق كيف وهو إمام الفلسفة وإبن بجدتها وشيخ أصحاب المعرفة وسيد سادتها.
إشراق عرشي
واعلم أيها المسكين أن السالك إلى اللّه بقدم المعرفة قد ينكشف له في بعض حالاته أن سلسلة الوجود ومنازل الغيب ومراحل الشهود من تجليات قدرته تعالى ودرجات بسط سلطنته ومالكيته ولا ظهور لمقدرة إلاّ مقدرته ولا إرادة إلاّ إرادته بل لا وجود إلاّ وجوده. فالعالم كما أنه ظل وجوده ورشحة جوده ظل كمال وجوده فقدرته وسعت كل شيء وقهرت على كل شيء والموجودات بجهات أنفسها لاشيئية لها ولا وجود فضلاً عن كمالات الوجود من العلم والقدرة وبالجهات المنتسبة إلى بارئها القيوم كلها درجات قدرته وحيثيات كمال ذاته وظهور أسمائه وصفاته ومن ذلك ينكشف قوله بالقدرة التي استطلت على كل شيء، فإن الإستطالة هي سعة القدرة وبسط السلطنة عليها وهو تعالى بظهور قدرته وسع كل شئ. {وما مِنْ دَابَّةٍ إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتها}(هود:56). وله تعالى الإستطالة وبسط القدرة بالفيض المقدس على الأعيان الموجودة والمهيات المحققة في عوالم الشهادة المضافة والمطلقة، وله الإستطالة بالفيض الأقدس على الأعيان الثابتة والمهيات المقدرة في الحضرة العلمية الجمعة.
ثم إن القدير من السماء الذاتية على ما مر من تحقيق شيخنا العارف الكامل أدام اللّه تأييداته والقادر من أسماء الصفات على ما عين الشيخ الكبير في إنشاء الدوائر والمقتدر بأسماء الأفعال أشبه، وإن جعله الشيخ من أسماء الصفات. واللّه العالم.
[173]
اللّهم إنّي أسئلك من علمك بأنفذه، وكلّ علمك نافذ، اللّهم إنّي أسئلك بعلمك كله.
قد اختلفت كلمة أصحاب السلوك والعرفان ومشايخ المعرفة وأرباب الإيقان في أن حقيقة الواجب جل سلطانه وبهر برهانه هل هي الوجود بشرط عدم الأشياء معه المعبر عنه بالوجود بشرط لا والمرتبة الأحدية والتعين الأول والهوية الغيبية ومرتبة العماء على قول، أو الوجود المأخوذ لا بشرط شيء، أي الطبيعة من حيث هي هي المعبرعنها بالوجود المطلق. كما قال المثنوي:
ما عمهاييـم هستــي هـا نمــا تـو وجــود مطلــق وهســتي ما
والهوية السارية في الغيب والشهود وعنقاء المغرب الذي لا يصطاده أوهام الحكماء كما قيل:
عنقا شكار كس نشود دام باز كَير كانجا هميشه باد به دست است دام را
بعد الإتفاق في أن الفيض الأقدس والتجلي في مقام الواحدية وإظهار ما في غيب الغيوب في الغيب من الأعيان الثابتة والأسماء الإلهية والفيض المقدس وطلب ظهور مفاتح الغيب من الحضرة العلمية في العين ومن الغيب في الشهادة ظلان لذلك الوجود، وظل الشيء هو هو باعتبار وغيره باعتبار، وبعد الإتفاق في وحدة حقيقة الوجود بل الموجود الحقيقي. وقد استقر رأي الفحول المطابق للبرهان والموافق للعيان على الثاني وأنّ حقيقته هو الواجب الوجود لا بشرط شيء وتعيّن وحيثية تعليلية أو تقييدية، فإن حقيقته هو الوجود الصرف والخير المحض والنور الخالص بلا شوب عدم واختلاط شرية وغبار ظلمة وليس لعدم شيء في انتزاع مفهوم الوجود عنه مدخل، فإنه المصداق بالذات للوجود، وقد ثبت عند أرباب التحقيق وأصحاب التدقيق أن المصداق الذاتي للشيء ما لا يكون لانتزاع مفهومه عنه محتاجاً إلى دخل حيثية تعليلية أو تقييدية، بل مع عزل النظر عن كل شيء وحيثية ينتزع منه والألم يكن المصداق مصداقاً بالذات والفيض المنبسط على الأشياء المجامع كل شيء ظل الوجود اللا بشرط لا بشرط لا.
فليتدبر في قوله: {هُوَ الّذي في السَّماءِ إلهٌ وفي الأَرْضِ إلهٌ}(الزخرف:84)، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُم}(الحديد:4)، {وَهُوَ الأَوّلُ وَ الآخر و الظَاهِرُ و الْباطِنُ}(الحديد:3)، {وأَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَئٍ مُحيطْ}(فصلت:54).
[174]
فإذا تحقق ذلك لك ينكشف على بصيرتك بشرط السلامة ورفض غبار العصبية أنه كل الأشياء باعتبار سريان الهوية وإطلاق السلطنة، وليس بشيء منها باعتبار الحد والتعيّن والنقص المعانق لهما. فليتأمل في قول مولى الموحدين وسلطان العارفين وأمير المؤمنين عليه السلام: "داخل في الأشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمزايلة" وقوله: "وحكم البينونة بينونة صفة لا بينونة عزلة" .
فإذا أحطت بما ذكرنا مع إعمال لطف العزيمة وسلامة الذوق والسؤال من الحضرة العلمية بأبلغ اللسانين وأفصح المنطقين وأحسن القولين وأكرم الكلامين، أعني لسان الإستعداد ومنطق الفؤاد وذكر الباطن ودعاء القلب، بأن يفيض عليك من أبحار علومه قطرة ويتجلى على قلبك بالتجليات العلمي جلوة حتى تعرف بإذنه وانكشف لك بعونه وتوفيقه كيفية نيل الأشياء من ذاته لذاته بلا حيثية وحيثية وانكشاف الأشياء لديه بتعقل ذاته بذاته. وانفتح عليك مغزا قولهم: "علمه تعالى بالأشياء هو الكشف التفصيلي في عين العلم البسيط الإجمالي"، وحقيقة قول مولينا أبي عبداللّـه في حديث الكافي حيث يقول: "لم يزل اللّـه تعالى ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع والبصر على المبصر والقدرة على المقدور". إلخ وقول مولينا أبي جعفر عليه السلام في رواية الكافي حيث يقول: "كان اللّه ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما يكون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه". وأيضاً أن الأسماء والصفات ولوازمهما من الأعيان الثابتة ولوازمهما ولوازم لوازمهما إلى آخرها، بل الفيض المقدس والظل المنبسط بوجه، حاضرة لديه بتصور ذاته ومنكشفة لديه بانكشاف ذاته لذاته بلا تكثر وتعيّن، فإن الإسم عين المسمى وصورة الإسم أي الأعيان عين الإسم والمسمى والظل المنبسط عين الحقيقة الإلهية ومستهلك فيها لاحكم له أصلاً ولا استقلال. والتعبير باللازم والإسم والمفهوم إلى غير ذلك من الألفاظ والعبارات مقام التعليم والتعلم، والمكاشفات والبراهين تخالفه والمشاهدات وعلوم الأذواق تعانده.
ألا أن ثوباً خيط من نسج تسعة وعشـرين حرفاً من معاليه قاصر
بل ليس فهم هذه الحقايق بالبراهين المشائية والقياسات الفلسفية والمجادلات الكلامية.
باى استدلاليـان جوبـين بـود باى جوبين سخت بى تمكين بود
[175]
ونعم قال العارف الشيرازي قدس سره:
مدعى خواست كه آيد به تـماشـاكَــه راز دست غيب آمد و بر سـنهء نامحرم زد عقل ميخواسـت كـزآن شعلــه جـراغ افـروزد برق غيرت بدرخشيد وجهـان بر هـم زد
وهذا العلم مختص بأصحاب القلوب من المشايخ المستفيدين من مشكوة النبوة ومصباح الولاية بالرياضات والمجاهدات. هيهات نحن و أمثالنا لا نعرف من العلم إلاّ مفهومه، ولا من مرموزات الأنبياء والأولياء ورواياتهم إلاّ سوادها وقشرها لتعلقنا بظلمة عالم الطبيعة وقصر نظرنا إليها وتشبّثنا بمنسوجات عناكب المادة ووقف همّنا عليها، مع أنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت، وليس لنا بهذه العيون العمياء والناطق الخرساء مشاهدة أنوار علومه وتجليات ذاته وصفاته وأسمائه والتكلم فيها فإن من لم يجعل اللّه له نوراً فما له من نور ولا يدرك النور إلاّ النور ولا العالم إلاّ العالم.
فإن خرجنا عن هذه القرية المظلمة الظالم أهلها، وفارقنا هذه الدور الموحشة الداثرة مهاجراً إلى اللّه ورسوله، وشملتنا العناية الأزلية بدرك الموت والفناء في ذاته وصفاته وأسمائه فقد وقع أجرنا على اللّه وشهدنا جماله وبهائه وسنائه ثم أحيانا بالحياة الثانية وأبقانا ببقائه، ويحصل لنا العلم الشهودي والكشف الحقيقي بأن علمه بذاته هو العلم بكمالات ذاته ولوازم أسمائه وصفاته لا بعلم متأخر أو علم آخر بل بالعلم المتعلق بالذات في الحضرة الذات. ولولا هذا العلم البسيط في الحضرة الذات لم يتحقق الحضرة الواحدية الأسمائية والصفاتية ولا الأعيان الثابتة المتحققة في الحضرة العلمية بالمحبّة الذاتية ولا الأعيان الموجودة.
قال صدر الحكماء المتألهين وشيخ العرفاء الشامخين رضوان اللّه عليه في "الأسفار" في تقرير منهج الصوفية بهذه العبارة. لمّا كان علمه تعالى بذاته هو نفس وجوده وكانت تلك الأعيان موجودة بوجود ذاته فكانت هي أيضاً معقولة بعقل واحد هو عقل الذات، فهي مع كثرتها معقولة بعقل واحد، كما أنها مع كثرتها موجودة بوجود واحد أو العقل والوجود هناك واحد. فإذاً قد ثبت علمه تعالى بالأشياء كلها في مرتبة ذاته قبل وجودها" انتهى ما أردنا من كلامه.

تنبيه بلسان أهل الذوق
واعلم يا حبيبي أن العوالم الكلية الخمسة ظل الحضرات الخمس الإلهية، فتجلى اللّه تعالى باسمه الجامع للحضرات، فظهر في مرآت الإنسان، فإن اللّه خلق آدم على صورته.
[176]
نظرى كرد كه بييد به جهان صورت خويش خـيـمة در آب و كَـل مـزرعهء آدم زد
وهو الإسم الأعظم والظل الأرفع وخليفة اللّه في العالمين وتجلى بفيضه الأقدس وظله الأرفع، فظهر في ملابس الأعيان الثابتة من الغيب المطلق والحضرة العمائية، ثم تجلى بالفيض المقدس والرحمة الواسعة والنفس الرحماني من الغيب المضاف والكنز المخفي والمرتبة العمائية على طريقة شيخنا العارف مد ظله في مظاهر الأرواح الجبروتية والملكوتية أي عالم العقول المجردة والنفوس الكلية، ثم في مرائي عالم المثال والخيال المطلق أي عالم المُثل المعلّقة ثم في عالم الشهادة المطلقة أي عالم الملك والطبيعة، فالإنسان الجامع لجميع العوالم وما فيها ظل الحضرة الجامعة الإلهية، وعالم الأعيان ظل الحضرة الغيب المطلق، وعالم العقول والنفوس ظل الحضرة الغيب المضاف الأقرب إلى المطلق. وعالم الخيال والمثال المطلق ظل الحضرة الغيب المضاف الأقرب إلى الشهادة، وعالم الملك ظل الحضرة الشهادة المطلقة. ألم تر إلى ربك كيف مد الظل في الحضرة الأسمائية والأعيان الثابتة بالظل الأقدس وفي الحضرة الشهادة، وعالم الملك والملكوت والجبروت بالظل المقدس.
بل نقول. أن الوجود بمراتبها السافلة والعالية كلها مرتبط بالوجه الخاص مع اللّه تعالى بلا توسط شيء، فإن المقيد مربوط بباطنه وسره مع المطلق بل هو عين المطلق بوجه يعرفه الراسخون في المعرفة. وكان شيخنا العارف الكامل أدام اللّه ظله على رؤس مريديه يقول:
إن المقيد بباطنه هو الإسم المستأثر لنفسه وهو الغيب الذي لايعلمه إلا هو، لأن باطنه المطلق وبتعينه ظهر لا بحقيقته، فالكل حاضر عند اللّه بلا توسط شيء.
ومن ذلك يعرف نفوذ علمه وسريان شهوده تعالى للأشياء، فيرى بواطنها كظواهرها وعالم الملك كالملكوت وعالم الأسفل كالأعلى بلا توسط شيء كما يقول المحجوبون.
ولا تفاوت شدة وضعفاً في الظهور والحضور عنده. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام على ما في الوافي: "علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين، وعلمه بما في السموات العلى كعلمه بما في الأرضين السفلى".
فليتدبر في قوله: {ونَحنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُم}(الواقعة:85).{و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْ حَبْلِ الوَريد}(ق:16). وهو {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَئٍ مُحيطْ}(فصّلت:54). بل لا وجود لشيء على الحقيقة ولا هوية على الإطلاق لموجود
[177]
من الموجودات، فهو هو المطلق والقيوم التام فانتبه عن نوم الغفلة وكن من المؤمنين والموحدين.
[184]
للّهم إنّي أسئلك من قولك بأرضاه، وكلّ قولك رضيّ، اللّهم إنّي أسئلك بقولك كلّه.
قد انكشف على بصيرة قلبك وانفتح على باطن سرّك وسريرة عقلك في ما قدم عليك مروراً وظهر عليك ظهوراً: إن السؤال بالأسماء الإلهية والتوجه إلى الصفات الإلهية والتوجه إلى الصفات الجلالية والجمالية لا يحصل بحقيقته للسالك إلاّ بعد ما تجلّى عليه ربه باسمه وصفته ورأى بعين البصيرة والمكاشفة القلبية ربّه في مرآت إسمه وصفته، فيتوجّه إليه ويخضع لديه ويسأله بذلك الإسم وتلك الصفة. كما قد تحقق في ما سبق وبلغ التحقيق بما استحق: أنّ حالات السالك ومقاماته في سيره وسلوكه مختلفة، فإن الإنسان مظهر اسم كلّ يوم هو في شأن، ففي كل حال وشأن يظهر له محبوبه باسم ويتجلى عليه معشوقه ومطلوبه بتجل من اللطف والقهر والجلال والجمال. وقد يتجلى باسم واحد بنحوين من التجلي وطورين من الظهور جلوة بنحو الكثرة في الوحدة ويجري على لسانه كلام يناسب حاله فيترنّم بما يدل على الوحدة ويقول: اللهم إني أسألك من قولك. بلفظ المفرد وإن تجلى عليه على النحو الثاني يغلب على قلبه سلطان الكثرة فيترنّم بكلام يناسب حاله ويدل على الكثرة فيقول: اللهم إني أسألك من كلماتك بأتمّها. بلفظ الجمع. وهذا أحد الأسرار في ذكر القول والكلمات والتوجه إليهما في الدعاء الشريف.
لا يقال: إنّ التجلي بنحو الكثرة في الوحدة ينافي قوله: بأرضاه، وكذا قوله: وكلّ قولك رضي، فإنه يقال: إن تغيير الحالات آني، فيمكن أن يتجلى الحق على عبده بإسم في آن فيتجلى عليه بإسم آخر في آن آخر أو يتجلى عليه بإسم بنحوين في آنين، على أن الدعاء صادر عن مقام الجمع الأحمدي والقلب الباقري المحمدي صلى اللّه عليهم أجمعين. ولا غرو في الجمع بين الكثرة والوحدة في آن واحد، وهذا أيضاً لا ينافي اختلاف حالاتهم بغلبة الوحدة أو الكثرة عليهم، هذا ما عندي.
وسألت شيخي العارف الكامل أدام اللّه ظله عن وجه ذلك، فأجاب بما حاصله: إن حالات السالك مختلفة فقد يتجلى عليه بإسم بحسب حال من حالاته ثم يتجلى عليه بإسم آخر بحسب حال آخر، ثم يتجلى عليه بالإسم الأول بعود الحال الأول، فيصير السؤال في الحال الأول والثالث متحداً. وسألت عن بعض أهل النظر فأجاب بما لا يناسب ذكره.
ثم إنّ قول اللّه تعالى رضيّ كله لا يدخل فيه السخط فإنه بقوله التكويني هدى لماهيات إلى طريقها المستقيم من الوجود وكمالات الوجود، وبقوله التشريعي هدى النفوس
[185]
المستعدة لخروجها من القوة إلى الفعل في جانب العلم والعمل. فمن هدى بالهداية التكوينية أو التشريعية فمن متابعة قول اللّه التكويني وإطاعة أمر كن وقوله التشريعي وإطاعة أوامره التكليفية، ومن لم يهتد فلعدم استعداده ومخالفة أمره التكويني وشقاوته وعدم إطاعة أمره التكليفي.
وأرضى الأقوال في التكوين هو القول الذاتي الذي ظهر به الأسماء الإلهية في الحضرة العلمية وقرع به أسماع العيان الثابتة المستجنّة في غيب الواحدية وفي علم التشريع هو علم التوحيد الذي أفاض على عباده بواسطة ملائكته ورسله وعلم تهذيب النفس الذي به سعادتها وأرضى من الكل هو التوحيد المحمدي النازل في ليلة مباركة محمدية بالكلام الجمعي الأحدي القرآني.
[188]
اللّهم إنّي أسئلك من مسائلك بأحبّها إليك، وكلّ مسائلك إليك حبيبة، اللّهم إنّي أسئلك بمسائلك كلّها.
اعلم جعلك اللّه تعالى من أصحاب الأدعية المستجابة وأرباب الأسئلة المحبوبة أنّ السؤال هو استدعاء السائل عن المسؤول عنه بالتوجه إليه لحصول ما يحتاج إليه من الوجود أو كمالات الوجود توجها ذاتياً أو حالياً باطناً أو ظاهراً بلسان الإستعداد أو الحال أو المقال. وسلسلة الموجودات وقبيلة الممكنات المضافات لفقرها واحتياجها ذاتاً وصفة يتوجه إلى القيوم المطلق والمفيض الحق وبلسان استعدادها تطلب الوجود وكمالاته من حضرته ولولا هذا الإستدعاء أيضاً من غيب الجمع. كما قال الشيخ الإعرابي والقابل من فيضه الأقدس وأول استدعاء وسؤال وقع في دار الوجود هو استدعاء الأسماء والصفات الإلهية بلسان مناسب لمقامها وطلب الظهور في الحضرة الواحدية من حضرة الغيب المطلق، فأجابها بإفاضة الفيض الأقدس الأرفع والظل الأبسط الأعلى في الحضرة الجمعية، فظهرت الأسماء والصفات والأول من الأسماء هو الإسم الجامع رب الإنسان الجامع الحاكم على الأسماء والصفات الإلهية والظاهر بظهورها، ثم بتوسط ساير الأسماء على ترتيبها من الحيطة والشمول، وبعد ذلك سؤال الأعيان الثايتة وصور الأسماء الإلهية.
والأول من بينها هو صورة اسم الجامع والعين الثابت الإنساني، ثم ساير الأعيان بتوسطه، لأنها من فروعه وتوابعه في الوجود وكمالات الوجود في سلسلتي النزول والصعود، وهو الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء والأرض. ثم استدعاء الأعيان الثابتة الممكنة وهي الأسماء الإلهية في الحضرة العلمية لظهورها في العين والشهادة فأجابها بالفيض المقدس والظل المنبسط على ترتيبها بتوسطه وهذه الأدعية من الدعوات المستجابة والأسئلة غير مردودة، لأن الدعاء بلسان الذات والإستعداد مقبول غير مردود. الفيض بمقدار الإستحقاق يفاض ولا يمسك، والدعاء بلسان القال إذا كان مطابقاً له بلسان الإستعداد ولم يكن منطق اللسان على خلاف منطق القلب، والمقال مبايناً للحال يكون مستجاباً وإذا لم يكن الدعاء مستجاباً فهو لعدم صدوره عن لسان الإستعداد ومخالفته للنظام الأتم، وربّما كان عدم الإجابة لعدم حصول الشرايط والمتمّمات ولغير ذلك من الأسباب الكثيرة.
تنبيـــه
واعلم أنّ الإنسان لكونه كوناً جامعاً وله بحسب المراتب النزولية والصعودية
[189]
نشآت وظهورات وعوالم ومقامات فله بحسب كل نشأة وعالم لسان يناسب مقامه، ففي مقام إطلاقه وسريانه لسان يسأل ربه الذي يربيه وللّه تعالى بحسب هذا اللّسان نسبة خاصة يتعيّن حكمها بالإجابة ويعبر عنها بالإسم الخاص بتلك المرتبة والربّ لذلك المربوب فمن يجيب ويكشف السوء عنه ويرفع الإضطرار عنه هو اسم الرحمن ربّ الهوية المبسوطة الإطلاقية. وفي مقام التعين الروحي والنشأة التريجيدية والكينونة العقلائية السابقة له لسان ليسأل ربّه ويجيبه باسمه العليم ربّ النشأة التجريدية.
وفي مقام قلبه يستدعى بلسان آخر ويجاب باسم مناسب لنشأته وفي مقام الجمع بين النشآت والحافظ للحضرات يستدعى بلسان يناسبه من الحضرة الجميعة فيجيبه باسمه الجامع والتجلي الأتم وهو الإسم الأعظم.
وهذا هو الكامل الذي أشار إليه المحقق القونوي في مفتاح الغيب والشهود بقوله: فإذا كمل أي الإنسان فله في الدعاء وغيره ميزان يختص به وأمور ينفرد بها دون مشارك.
وفي الفصوص بقوله: وأما الكمل والأوتاد فإن توجهم إلى الحق تابع للتجلي الذاتي الحاصل لهم والموقوف تحققهم بمقام الكمال على الفوز به وأنه يثمر لهم معرفة تامة جامعة لحيثيات جميع الأسماء والصفات والمراتب والإعتبارات على صحة تصور الحق من حيث التجلي الذاتي الحاصل لهم بالشهود الأتم، فلهذا لا تتأخر عنهم الإجابة. انتهى.
وهذا الإنسان الجامع تكون سؤالاته بلسان القال أيضاً مستجابة لعدم الإستدعاء إلاّ عما هو المقدر لعلمه بمقامات الوجود وعوالم الغيب والحضرة العلمية، ولهذا كان أكثر أدعية الكمل مستجاباً، اللهم إلاّ من كان دعائه على سبيل الإمتثال لأمر المولى، فإنه ليس بداع لحصول المطلوب، كما قال الشيخ الأعرابي في الفصوص وأشير إليه في روايات أهل بيت الطهارة عليهم السلام.

تذنيـــب
اعلم أن المحبة الإلهية التي بها ظهر الوجود، وهي النسبة الخاصة بين ربّ الأرباب الباعثة للاظهار بنحو التأثير والإفاضة وبين المربوبين بنحو التأثر والاستفاضة يختلف حكمها وظهورها بحسب النشآت والقوابل، ففي بعض المراتب يكون حكمها أتم وظهورها أكثر، كعالم الأسماء والصفات وعالم صور الأسماء والأعيان الثابتة في النشأة العلمية وفي بعضها دون ذلك إلى أن ينتهي إلى أخيرة المراتب وكمال النزول وغاية الهبوط. فالحب الذاتي تعلق بظهوره في الحضرة الأسمائية والعوالم الغيبية والشهادية لقوله "كنت كنزاً مخفياً
[190]
فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف"فالحب الذاتي منشأ ظهور الموجودات وأحب المسائل إليه تعالى هو السؤال الواقع في الحضرة العلمية الجمعة من الأسماء الإلهية لكونه مفتاح الظهور والمعرفة والأحب من الأحب هو سؤال ربّ الإنسان الجامع الكامل الحاكم على الأسماء والصفات والشؤون والإعتبارات، هذا بحسب مقام التكثير وأما بحسب مقام التوحيد والإرتباط الخاص بين كل موجود مع ربّه بلا توسط واسطة، فكل المسائل إليه حبيبة كما قد سبق التحقيق فيه.
[195]
اللّهم إنّي أسئلك من شرفك بأشرفه، وكلّ شرفك شريف، اللّهم إنّي أسئلك بشرفك كلّه.
ومما اتضح أمره وشاع ذكره عند الإلهيين من أصحاب الحكمة المتعالية والفلسفة العالية والسالكين من أرباب الذوق وذوي قلوب صافية وعيون بصيرة غير رامدة على اختلاف مسلكهم وتفاوت مشربهم بالسلوك العلمي والطريق البرهاني أو بالسير العرفاني والكشف المعنوي الوجداني العياني عقيب الخلوات والتجهيز عن الدنيا إلى الآخرة ومن حدود بقعة الإمكان المظلمة إلى فضاء عالم القدس: إن الوجود خير وشريف وبهاء وسناء، وإن العدم شر وخسيس وظلمة وكدورة، فهو الخير المحض والشرافة الصرفة التي يشتاق إليه كل الأشياء، ويخضع عنده كلّ متكبّر جبّار، ويطلبه كل الموجودات، ويعشقه كل الكائنات، ويدور عليه مدار كل خير وشرافة، ويتوجه إليه كل سالك، وأنيخ إلى جنابه كل الروّاد، وحلّ إلى فنائه كل الراحلة إن ذكر الخير كان أوله وآخره وظاهره وباطنه وأصله ومعدنه، لكن كل ذلك لا بمعناه المصدري والمفهوم الإنتزاعي الإعتباري، بل بما إنه حقيقة الوقوع في الخارج وعين الأعيان الخارجية ومتن الحقايق النفس الأمرية وأصل التحقيقات ومذوّت الذوات ومجوهر الجواهر ومحقق الاعراض.
فكل خير وشرف وحقيقة ونور، مرجعه الوجود، وهو الأصل الثابت والشجرة الطيبة، وفروعه ملأت السموات والأرض والأرواح والأشباح.
وكل شر وخسة وبطلان وظلمة مرجعه العدم وهو الشجرة الخبيثة المظلمة المنكوسة وما لهذه الشجرة من قرار، والمهية من حيث ذاتها لا تتصف بالخيرية والشرية، لأنها ليست إلا هى ومع ذلك بحسب اللاقتضايى الذاتي والإمكان المهيتي كانت هالكة زائلة باطلة، وإذا خرجت من حدود بقعة العدم ودار الوحشة، وانعكفت إلى باب أبواب الوجود وشربت من عينه الصافية تصير شريفة خيرة بالعرض والمجاز، وكلما كان الوجود أتم وأكمل كان الخير والشرافة فيه أكثر، إلى أن ينتهي إلى وجود لا عدم فيه وكمال لا نقصان فيه، فهو شرف لا خسّة فيه وخير لاشريّة فيه، وكل الخيرات والشرافات من إفاضاته وإشراقاته وتجلياته وأطواره وتطوراته ولا خير وكمال حقيقي ذاتي إلا له وبه ومنه وفيه وعليه، وساير المراتب لها خيرات باعتبار الإنتساب إليه ومظهريّتها له وأمّا باعتبار الإنتساب إلى أنفسها فلا كمال لها ولا خيرية ولا حقيقة ولا شيئية.
كما قال تعالى: {كُلُّ شَئٍ هالِكٌ إلاّ وَجْهَه}(القصص:88)، وقال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانْ، ويَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ
[196]
ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامْ}(الرحمن:27). وقال سيد الأنبياء وسند الأصفياء صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله الطيبين والطاهرين: "فمن وجد خيراً فليحمد اللّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاّ نفسه. فالخير لكونه منه لابدّ من حمده تعالى عليه والشر لكنه من جهة النفس وحيثية الخلقى فلا لوم إلاّ لها. وقال تعالى حكاية عن خليله عليه السلام: {فَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يُشْفِينْ}(الشعراء:80) كيف انتسب المرض إلى نفسه ونقصان استعداده والشفاء إلى ربّه، فالفيض والخير والشرافة منه والشر والنقصان والخسة منا. {َمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّه وَمَا أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسك}(النساء:79). وإن كان الكل من عند اللّه بوجه. وكتب القوم لا سيما كتب الفيلسوف الفارسي صدر الحكماء والمتألهين مشحونة تلويحاً وتصريحاً وبرهاناً على هذه المسألة ويبتني عليها كثير من المسائل الإلهية والأصول الإعتقادية والأسرار القدرية مما لا مجال لذكرها ولا رخصة لكشف سرها.
ولنختم الكلام بذكر كلام من هذا الأستاد المتأله قال في كتابه الكبير: والحاصل إن النقايض والذمائم في وجودات الممكنات ترجع إلى خصوصيات المحالّ والقوابل لا إلى الوجود بما هو وجود، وبذلك يندفع شبهة الثنوية ويرتفع توهم التناقض بين آيتين كريمتين من كتاب اللّه العزيز، أحدهما قوله تعالى: {وَمَا أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسك}( النساء:79)،والأخرى قوله تعالى:{ قُلْ كُلٌ مِنْ عِنْدِ اللّه}(النساء:78). وما أحسن ما وقع متصلاً بهذه الآية إيماءاً بلطافة هذه المسألة من قوله: {فَمَا لِهَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثَا}(النساء:78). انتهى ما أردنا من كلامه. ومن اشتهى أن يتضح له الحال فعليه بكتبه لاسيما كتابه الكبير.
[200]
اللّهم إنّي أسئلك من سلطانك بأدومه، وكلّ سلطانك دائم، اللّهم إنّي أسئلك بسلطانك كلّه.
وللّه تعالى السلطنة المطلقة في الحضرة الغيب بالفيض الأقدس على الأسماء والصفات الإلهية وصور الأسماء أي الأعيان الثابتة وفي الحضرة الشهادة بالفيض المقدس على الماهيات الكلية والهويات الجزئية إلاّ أنّ بروز السلطنة التامة عند رجوع الكل إليه بتوسط الإنسان الكامل والولى المطلق في القيمة الكبرى {لِمَن الْمُلك الْيَومَ للّه الْواحِد الْقَهَّار}(غافر:16). والأشياء الممكنة بما هي منتسبة إلى أنفسها لا سلطان لها. {وإنْ هِيَ إلاَّ أَسماء سَمَّيْتُموها أَنْتُم وآباءكم ما أنْزَل اللّه بها مِنْ سُلْطان}(النجم:23) وباعتبار الإنتساب إليه تعد من مراتب سلطنته، وبهذا يعرف سر دوام سلطنته في قوله "وكلّ سلطانك دائم" فالسلطنة دائمة والمسلط عليه زائل هالك. كما أن الفيض القديم أزلي والمستفيض حادث.
[202]
اللّهم إنّي أسئلك من ملكك بأفخره، وكلّ ملكك فاخر، اللّهم إنّي أسئلك بملكك كلّه.
إن كان الملك بمعنى المملكة كما في قوله تعالى:{قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْك تُؤتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاءْ}(آلعمران:26) وإن كان بمعنى المالكية كما في قوله: {لِمَن الْمُلك الْيَومَ}(غافر:16)، ففاخرية ملكه وعظمة وحيديته باعتبار ثابت في الحكمة المتعالية بالدليل القطعي أن النظام الموجود أتم النظامات المتصورة وأحسنها، كيف وهو ظل النظام العلمي الربّاني التابع لجمال الجميل المطلق، والأفخربة باعتبار مراتبه الغيبيّة المجردة والنظام العقلي والنشأة التجردية، فله ملك السموات والأرض وملكوتهما. ولا يمكن الفرار من حكومته والخروج عن مملكته، لانبساطها على كل الموجودات حتى على أعيان الممتنعات والاعدام، وكذلك سلطنته مبسوطة على كل مراتب الوجود. وما من شيء إلاّ فهو تحت سلطنته ومالكيته، "يا موسى أنا بدّك اللازم" وله الغلبة على الأشياء، وكل غلبة وسلطان من ظهور غلبته وسلطانه {وما مِنْ دَابَّةٍ إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتها}(هود:56) كما هو المبين من المباحث السالفة.
[204]
اللّهم إنّي أسئلك من علوّك بأعلاه، وكلّ علوّك عال، اللّهم إنّي أسئلك بعلوّك كلّه.
فهو العالي في دنوّه والداني في علوّه، وله العلّو المطلق وساير المراتب الوجودية دونه، ولا علوّ على الإطلاق لشيء إلاّ له، بل علو كل شيء ظلّ علوّه، والعليّ من الأسماء الذاتية على تحقيق شيخنا العارف الكامل دام مجده، ويستفاد من الرواية المروية من طريق شيخ المحدثين محمد بن يعقوب الكليني رضوان اللّه عليه في الكافي عن ابن سنان قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام هل كان اللّه تعالى عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ قال: نعم. قلت: يراها ويسمعها؟ قال: ما كان محتاجاً إلى ذلك، لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها هو نفسه ونفسه هو قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه، ولكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها، لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف فأول ما اختار لنفسه العلي العظيم، لأنه أعلى الأشياء كلها، فمعناه اللّه واسمه العلي العظيم هو أول أسمائه علا على كل شيء.
فمن الرواية الشريفة يظهر أنه من الأسماء الذاتية التي اختار لنفسه قبل أن يخلق الخلق، وباعتبار آخر من الأسماء الصفتيه، كما يظهر من آخر الرواية حيث قال: علا على كل شيء.
قال العارف الكامل المحدث الكاشاني قدس اللّه نفسه في شرح الحديث الشريف بهذه العبارة:
للّه سبحانه العلو الحقيقي، كما أن له العلو الإضافي، والأول من خواصه سبحانه لا يشاركه فيه غيره، ولهذا قال اختار لنفسه العلي الأعظم، انتهى.
أقول: ولا يشاركه غيره في حقيقة العلو أصلاً فإن الموجودات بالجهات النفسية لم يكن لها علو أصلاً وبالجهات الحقيّة فانيّة فيه لا حكم لها وحيثية، بل كلّها مستهلكات في ذاته.
[207]
اللّهم إنّي أسئلك من منّك بأقدمه، وكلّ منّك قديم، اللّهم إنّي أسئلك بمنّك كلّه.
وهذا أصرح شاهد على ما عليه أئمة الحكمة المتعالية وأصحاب القلوب من أهل المعرفة من قدم الفيض، فإنه تعالى مَنَّ على الموجودات بالوجود المفاض عليها، بل هو منه هو الوجود المنبسط على هياكل الممكنات، وهو باعتبار كونه ظلاً للقديم قديم بقدمه لا حكم لذاته أصلا بل لا ذات له، وإن كان من جهة يلي الخلقي حادث بحدوثها، فالحدوث والتغيّر والزوال والدثور والهلاك من طباع المهيات وجبلّة الممكنات وقرية المادة الظالمة وشجرة الهيولى المظلمة الخبيثة، والثبات والقدم والإستقلال والتمامية والغنى والوجوب من عالم القضاء الإلهي والظل النوراني الربّاني لا يدخل فيه تغيّر ودثور ولا زوال ولا اضمحلال والإيمان بهذه الحقايق لا يمكن بالتسويلات الكلامية ولا البراهين الفلسفية، بل يحتاج إلى لطف قريحة وصقالة قلب وصفاء باطن بالرياضات والخلوات.
والأقدمية في مراتب الوجود باعتبار شدة الإتصال بالقديم الذاتي بالقديم الذاتي والقرب ببابه فكلّما كان الوجود من مبدئه قريباً كان حكم القدم فيه أشد ظهوراً، وإلاّ فباعتبار الرابطة الخاصة التي بين كل موجود مع ربّه كلّها قديم، ولذا قال: وكلّ منّك قديم.
[209]
اللّهم إنّي أسئلك من آياتك بأكرمها، وكلّ آياتك كريمة، اللّهم إنّي أسئلك بآياتك كلّها.
قد انكشف لك في بعض المباحث السالفة وانفتح على بصيرة قلبك في شرح بعض الفقرات السابقة أن سلسلة الوجود من عنصرياتها وفلكياتها وأشباحها وأرواحها وغيبها وشهودها ونزولها وصعودها كتب إلهية وصحف مكرّمة ربوبية وزبر نازلة من سماء الأحدية، وكل مرتبة من مراتبها ودرجة من درجاتها من سلسلتي الطولية والعرضية آيات مقروة على آذان قلوب الموقنين الذين خلصت قلوبهم عن كدورة عالم الهيولى وغبارها وانتبهوا عن نومتها، متلوة على الذين انبعثوا عن قبر عالم الطبع وتخلصوا عن سجن المادة الظلمانية وقيودها ولم يجعلوا غاية همّهم الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها ولم يخلدوا على الأرض غير قاطنين فيها، وكان دخولهم فيها للزرع لا للحصاد، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وورودهم فيها لأجل الحركة الإنعطافية التي بها يصير الإنسان إنساناً ومنها الرجوع إلى الوطن الأصلي مقر أبينا آدم عليه السلام، وإليه الإشارة في كلام المولوي:
بشنو از نى جـون حكايت مى كند وز جدائيها شكايـت مـى كند
إلى أن قال:
هركسى كو باز ماند از اصل خويش باز جويد روز كَار وصل خويش
إلى آخر ما قال .
دون الحركة الإستقاميتية التي كان أبونا آدم عليه السلام يريدها، على ما أفاد شيخنا العارف دام ظله.
وهم في الدنيا كالراحل المريد للتجهيز والمهيأ للمسافرة، ولم يكن نظرها إليها إلاّ بما أنها مثال لما في عالم الغيب، كما قال الصادق عليه السلام على ما روى: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت اللّه قبله ومعه وبعده. فالسالك البالغ إلى هذا المقام يرى كل شيء آية لما في الغيب، فإن كل موجود حتى الجماد والنبات كتاب إلهي يقرأ السالك إلى اللّه والمجاهد في سبيله منه الأسماء والصفات الإلهية بمقدار الوعاء الوجودي له.
وفي كــــل شـيء لـــه آيـة تــدل علـــى أنه واحد
بل عند استهلاكه في غيب الهوية ومقام جمع الأحدية كان كوناً جامعاً لجميع مراتب الأسماء والصفات وعالماً مستقلاً فيه كل الأشياء. وفي الآثار عن الرضا عليه السلام: قد علم أولوا الألباب كل ما هناك لا يعلم إلاّ بما ههينا.
[210]
ثم اعلم أن الإنسان الكامل لكونه كوناً جامعاً وخليفة اللّه في الأرضين وآية اللّه على العالمين كان أكرم آيات اللّه وأكبر حججه، كما عن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين أو عن سيدنا الصادق عليهما الصلاة والسلام: إنّ الصورة الإنسانية أكبر حجج اللّه على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده، وهي مجموع صورة العالمين. إلى آخر الكلام على قائله الصلاة والسلام.
فهو بوحدته واجد لجميع مراتب الغيب والشهادة وببساطة ذاته جامع لكل الكتب الإلهية، كما في الآثار العلوية صلوات اللّه عليه.
أتزعـم أنـّك جرم صغـير وفيك انطـوى العـالـم الأكبر
وقال الشيخ الكبير محي الدين العربي الأندلسي:
أنا القرآن والسبـع المثـاني وروح الروح لا روح الأوانـي
واتتبه يا أخ الحقيقة عن نوم الغفلة، وافتح عين قلبك، وبصر فؤادك، واقرأ كتاب نفسك كفى بها شهيداً. قال تعالى: {سَنُرِيهُمْ آيَاتنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق}(فصّلت:53) وقيل:
ليس من اللَّه بمستنكــر أن يجمـع العالم في واحـــد
ومادام تكون في غشوة عالم الطبع وسكر خمر الهيولى لا يمكنك شهود نفسك ونفسيتك وقراءة كتاب ذاتك وزبور حقيقة وجودك، فاخرج عن هذه القرية الظالمة المظلمة والدار الموحشة المستوحشة والنشأة الكدورة الضيقة واقرأ وأرق.
تو را ز كنكَره عرش مى زنند صــفير ندامت كه در اين دامكَه جه افتاده اســت
وأخرق حجاب الطبع والطبيعة، فإنك من عالم القدس والطهارة ودار النور والكرامة، كما قال العارف الشيرازي قدس سره:
جاك خواهـم زدن اين دلق ريائى جكنم روح را صحبت ناجنـس عذابى است اليـم
فإذا خرقت الحجب الظلمانية رأيت ظهور الحق في كل الأشياء وإحاطته عليها وانها آياته وبيناته الدالة بكمالاتها على كمال منشأها وبارئها.
[214]
اللّهم إنّي أسئلك بما أنت فيه من الشأن والجبروت، وأسئلك بكل شأن وحده وجبروت وحدها.
اعلم أيها السالك الطالب أن للّه تعالى بمقتضى اسم كل يوم هو في شأن في كل آن شأناً، ولا يمكن التجلي بجميع شئوناته إلاّ للإنسان الكامل، فإن كل موجود من الموجودات من عوالم العقول المجردة والملائكة المهيمنة والصافات صفاً إلى النفوس الكلية الإلهية والملائكة المدبرة والمدبرات أمراً وسلطان الملكوت العليا وساير مراتبها من الملائكة الأرضية مظهر اسم خاص يتجلى له ربه بذلك الإسم، ولكل منها مقام معلوم منهم ركع لا يسجدون ومنهم سجد لايركعون لا يمكن لهم التجاوز عن مقامه والتخطي عن محله.
ولهذا قال جبرئيل عليه السلام حين سأله النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن علة عدم المصاحبة. "لو دنوت أنملة لاحترقت". وأما أهل يثرب الإنسانية ومدينة النبوة فلا مقام لهم، فلهذا صار حامل الولاية المطلقة العلوية التي هي كل الشؤون الإلهية وصار مستحقة للخلافة التامة الكبرى وصار صاحب مقام المظلومية التي كما قيل هي التجاوز عن جميع المقامات وكسر أصنام الأنانيات والإنيات والجهولية التي هي الفناء من الفناء ومرتبة الجهل المطلق والعدم المحض.
فالسالك إذا تجلى له ربه بكل اسم اسم وتحقق بمقام كل اسم خاص صار قلبه قابلاً للتجلي بالإسم الجامع الذي فيه كل الشؤونات وتمام الجبروت والسلطان بالوحدة الجمعية والكثرة في الوحدة أولاً وبالكثرة التفصيلية والبقاء بعد الفناء والوحدة في الكثرة ثانياً، فسأل ربه بما هو فيه من الشأن والجبروت في الحضرة الجمعية بطريق الوحدة وبكل شأن وحده وجبروت وحدها في الحضرة الواحدية والتجلي الأسمائي والصفاتي والأفعالي بطريق البسط والتفصيل، وبهذه المرتبة تمت المراتب، وهذه أخيرة مراتب السير إلى اللّه والسفر الرابع الذي هو البقاء بعد الفناء بعد استهلاكه التام، فإن حفظ الحضرات والتمكن في مقام الجمع والتفصيل والوحدة والكثرة من أعلى مراتب الإنسانية وأتم مراحل السير والسلوك، ولم يتفق لأحد من أهل السلوك وأصحاب المعرفة بحقيقته إلاّ لنبينا الأكرم والرسول المكرم ولأوليائه الذين اقتبسوا العلم والمعرفة من مشكوته والسلوك والطريقة من مصباح ذاته وصفاته.
[217]
اللّهم إنّي أسئلك بما تجيبني حين أسئلك فأجبني يا اللّه.
ولمّا كان الأسماء الإلهية كلّها من مظاهر الإسم الأعظم المحيط عليها المستجمع لجميعها بنحو الوحدة والبساطة الحاكم عليها وله الغلبة والسلطنة على كلها وانكشف ذلك على قلب السالك المتحقق بمقام الإسم الأعظم الفعلي رأى أن مجيبه في الحقيقة هو الإسم الأعظم بمظاهره ابتداءاً وبنفسه في آخر السلوك. فقال: اللّهم إني أسئلك بما تجيبني حين أسئلك، من الأسماء الإلهية التي ترجع كلها إلى الإسم الأعظم، ولذا عقبه بقوله: فأجبني يا أللّه. فطلب الإجابة من اسم اللّه الأعظم، فإنه مجيبه وحافظ مراتبه ومربيه والمانع من قطاع طريقه ومن الموسوس في صدره وللإشارة إلى أن الإسم الأعظم الإلهي محيط على كل الأسماء وهو المجيب في الأول والآخر وهو الظاهر والباطن افتتح كلامه بذكره فقال: اللّهم. واختتم به أيضاً و قال: فأجبني يا اللّـه.
هذا آخر ما أردناه، والحمدللّه أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى اللّه على محمد وآله. وقد وقع الفراغ بيد شارحة الفقير المذنب البطال العاصي الذي غرته الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها وأهلكته كثرة المعاصي وخدعته الشهوات النفسانية. ولولا عظمة فضله تعالى وسعة رحمته وسبقتها على غضبه لآيس من النجاة والفلاح، في التاريخ السبع والأربعين وثلثمائة بعد الألف من الهجرة.
******************************************************