كتاب محنة امير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان قاعدا في المسجد وعنده جماعة، فقالوا له: حدثنا يا أمير المؤمنين، فقال لهم: ويحكم إن كلامي صعب مستصعب، لا يعقله إلا العالمون، قالوا: لا بد من أن تحدثنا، قال: قوموا بنا فدخل الدار، فقال: أنا الذي علوت فقهرت، أنا الذي أحيي واميت، أنا الاول والآخر و الظاهر والباطن، فغضبوا وقالوا: كفر وقاموا، فقال علي صلوات الله عليه وآله للباب: يا باب استمسك عليهم، فاستمسك عليهم الباب، فقال: ألم أقل لكم: إن كلامي صعب مستصعب لا يعقله إلا العالمون؟ تعالوا افسر لكم. أما قولي: أنا الذي علوت فقهرت، فأنا الذي علوتكم بهذا السيف فقهرتكم حتى آمنتم بالله ورسوله. وأما قولي: أنا احيي واميت، فأنا احيي السنة واميت البدعة. وأما قولي: أنا الاول، فأنا أول من آمن بالله وأسلم. وأما قولي: أنا الآخر، فأنا آخر من سجى على النبى ثوبه ودفنه. وأما قولي: أنا الظاهر والباطن فأنا عندي علم الظاهر والباطن. قالوا: فرجت عنا فرج الله عنك (1). جعفر بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، عن

___________________________________
(1) نقله المجلسى في البحار ج 9 ص 645 من الكتاب.


[164]

يعقوب الكوفي قال: حدثنا موسى بن عبيد، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن الحارث، وعن جابر، عن أبي جعفر، عن محمد بن الحنفية قال: أتى رأس اليهود علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عند منصرفه من وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين إني اريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي، فقال: سل عما بدا لك يا أخا اليهود، قال: إنا نجد في الكتاب أن الله عزوجل إذا بعث نبيا أوحى إليه أن يتخذ من أهل بيته من يقوم بأمر ربه في امته من بعده وأن يعهد إليه فيهم عهدا يحتذيه ويعمل به في امته من بعده، وإن الله عزوجل يمتحن الاوصياء في حياة الانبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم، فأخبرني كم يمتحن الله الاوصياء في حياة الانبياء من مرة؟ وكم يمتحنهم بعد وفاتهم من مرة؟ وإلى ما يصير آخر أمر الاوصياء إذا رضي الله محنتهم؟ فقال له علي عليه السلام: فوالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى لئن أخبرتك بحق عما تسأل عنه لتقرن به؟ قال: نعم، قال: فوالذي لا إله غيره لئن صدقتك لتسلمن؟ قال: نعم، قال علي صلوات الله عليه: إن الله تبارك وتعالى ذكره يمتحن الاوصياء في حياة الانبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي محنتهم أمر الانبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم فصير طاعة الاوصياء في أعناق الامم موصولة بطاعة الانبياء عليهم السلام، ثم يمتحن الاوصياء بعد وفاة الانبياء في سبعة مواطن ليبلو صبرهم فإذا رضي محنتهم ختم له بالشهادة ليلحقهم بالانبياء، فقد أكمل الله لهم السعادة. قال له رأس اليهود: صدقت يا أمير المؤمنين فأخبرنا كم امتحنك الله عزوجل في حياة محمد صلى الله عليه وآله من مرة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرة؟ وإلى ما يصير آخر أمرك؟ فأخذ علي عليه السلام بيده، وقال: انهض بنا انبئك بذلك يا أخا اليهود، فقام إليه جماعة من أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك معه، فقال: إني أخاف أن لا تحتمله قلوبكم قالوا: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لامور بدت لي من كثير منكم، فقام إليه الاشتر فقال: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك، فوالله إنا لنعلم أنه ما على ظهر الارض وصي نبي سواك، وإنا لنعلم أن الله لم يبعث بعد نبينا نبيا سواه وأن طاعتك على أعناقنا موصولة بطاعة نبينا، فجلس علي عليه السلام وأقبل على اليهودي فقال: يا أخا اليهود إن الله تعالى


[165]

ذكره امتحنني في حياة نبينا صلى الله عليه وآله في سبعة مواطن فوجدني فيهن - من غير تزكية لنفسي بنعمة الله - له مطيعا، قال: فيم وفيم يا أمير المؤمنين؟ قال: أما أولهن فإن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبينا صلى الله عليه وآله بالنبوة وحمله الرسالة وأنا أحدث أهل بيتي سنا، أخدمه في بيته وأسعى بين يديه في أمره، فدعا صغير بني عبدالمطلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه وجحدوه ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه وسائر الناس معصية له وخلافا عليه (1) واستعظاما لما أورد عليهم مما لم يحتمله قلوبهم ولم تدركه عقولهم، وأجبت رسول الله صلى الله عليه وآله وحدي إلى ما دعا إليه، مسرعا مطيعا موقنا، لم تتخالجني في ذلك الاخاليج، فمكثنا بذلك ثلاث حجج، ليس على ظهر الارض خلق يصلي ويشهد لرسول الله صلى الله عليه وآله بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد - رحمها الله -. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبي صلى الله عليه وآله حتى إذا كان آخر يوم اجتمعت فيه في دار الندوة وإبليس الملعون لحاضر في صورة أعور ثقيف فلم يزل يضرب أمرها ظهورا وبطونا حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه، ثم يأتوا النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم على فراشه فيضربوه بأسيافهم جميعا ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمه فيمضي دمه هدرا، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه بذلك وأخبره بالليلة التي يجتمعون له فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار وأنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله بالخبر وأمرني أن أضطجع مضجعه وأن أقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا به ولنفسي على أن افتك موطنا، فمضى عليه السلام لوجهه واضطجعت مضجعه وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها بقتل النبي صلى الله عليه وآله فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه نهضت بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الناس. ثم أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

___________________________________
(1) في الخصال " وسائر الناس مقصين له ومخالفين عليه ".


[166]

وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن ابني ربيعه وابن عتبة كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق فأنهضني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبي وأنا أحدث أصحابي سنا وأقلهم للحرب تجربة فقتل الله بيدي وليدا وشيبة (1) سوى ما قتلت من جحاجحة (2) قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت وكان مني أكثر مما كان من أحد من أصحابي فاستشهد ابن عمي في ذلك اليوم - رحمه الله -. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الرابعة يا أخا اليهود فإن قريشا والعرب تجمعت وعقدت بينها عقدا و ميثاقا ألا ترجع من وجوهها حتى تقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وتقتلنا معه معاشر بني عبدالمطلب

___________________________________
(1) قال ابن هشام في وقعة بدر بعد ذكر مقتل الاسود المخزومى: ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى اذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج اليه فتية من الانصار ثلاثة وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث ورجل آخر يقال: هو عبدالله بن رواحة فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الانصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج الينا اكفاء‌نا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة، وقم يا على، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال على: على، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة.، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة.، وبارز على الوليد بن عتبة.فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما على فلم يمهل الوليد ان قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما اثبت صاحبه


[ اى جرحه جراحة لم يقم معها ]

وكر حمزة وعلى باسيافهما على عتبة فدففا


[ اى اسرعا قتله ]

واحتملا صاحبهما فحازاه إلى اصحابه. انتهى.ونحوه في تاريخ الطبرى وقال المؤلف - رحمه الله - في رواية في الارشاد: بارز الوليد امير المؤمنين عليه السلام فلم يلبثه حتى قتله وبارز عتبة حمزة رضى - الله عنه، فقتله حمزة وبارز شيبة عبيدة - رحمه الله - فاختلف بينهما ضربتان قطعت احداهما فخذ عبيدة، فاستنفذه امير المؤمنين عليه السلام بضربة بدر بها شيبة فقتله وشركه في ذلك حمزة - رضى الله عنه -.ونقل عن الواقدى مثله وقال ابن ابى الحديد في شرح كتاب امير المؤمنين إلى معاوية بعد شرح كتابه إلى جرير بن عبدالله البجلى لما ارسله إلى معاوية بعد نقل كلام الواقدى ومحمد بن اسحاق قال: قال البلاذرى: ان حمزة قتل عتبة وان عليا عليه السلام قتل الوليد وشرك في قتل شيبة.قال: وهذا هو المناسب لاحوالهم من طريق السن الخ. (2) قال في النهاية: الجحاجحة: جمع جحاجح وهو السيد الكريم والهاء فيه لتأكيد الجمع.


[167]

ثم أقبلت بحدها وحديدها حتى أناخت علينا بالمدينة (1) واثقة في أنفسها بما توجهت، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه الخبر فخندق على نفسه وعلى من معه من المهاجرين والانصار، فقدمت قريش وأقامت على الخندق محاصرة ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف تبرق وترعد، ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعوها ويناشدها القرابة والرحم فتأبى، ولا يزيدها ذلك إلا عتوا، وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود، يهدر كالبعير المغتلم (2) يدعو إلى البراز ويرتجز ويخطر برمحه مرة وبسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم ولا يطمع فيه طامع لا حمية تهيجه ولا بصيرة تشجعه فأنهضني إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وعممني بيده وأعطاني سيفه هذا وضرب بيده إلى ذي الفقار، فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواك إشفاقا علي من ابن عبد ود العامري، فقتله الله بيدي، والعرب لا تعد لها فارسا غيره وضربني هذه الضربة - وأومأ بيده إلى هامته - فهزم الله قريشا والعرب بذلك و بما كان مني فيهم من النكاية (3). ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم استحاشوا من يليهم (4) من قبائل العرب وقريش طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر ويوم الخندق فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فأنبأه ذلك فتأهب النبي صلى الله عليه وآله لهم وعسكر بأصحابه في سفح احد (5) وأقبل المشركون إلينا بحملة رجل واحد فاستشهد من المسلمين من استشهد وكان ممن بقي منهم ما كان من الهزيمة عفا الله عنهم وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومضى المهاجرون

___________________________________
(1) الحد من السيف: مقطعه ومن الانسان: بأسه ومعنى الاخير انسب والحديد من السيف: القاطع ويقال: رجل حديد اى ذو حدة في الفهم او الغضب. وأناخ الابل: أبركها. (2) اغتلم البعير: هاج من شهوة الضراب. (القاموس) (3) قال الجزرى: نكيت في العدو أنكى نكاية فأنا ناك اذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك وقد يهمز لعة فيه. (4) حاش الصيد: جاء‌ه من حواليه ليصرفه إلى الحبالة كأحاشه وأحوشه، وحاش الابل جمعها وساقها والتحويش: التجميع وحاوشته عليه: حرضته. (5) في بعض النسخ


[ في سد احد ]

وهكذا في الخصال ايضا ولعله الاصح.


[168]

والانصار إلى منازلهم من المدينة، كل يقول: قتل النبي صلى الله عليه وآله وقتل أصحابه، ثم ضرب الله بوجوه المشركين وقد جرحت بين يدي النبي صلى الله عليه وآله نيفا وسبعين جراحة ومنها هذه ومنها هذه - ثم ألقى رداء‌ه وأمر بيده على جراحاته - وكان مني في ذلك اليوم ما كان الله على ثوابه إن شاء الله. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما السادسة يا أخا اليهود فإنا وردنا مع رسول الله مدينة أصحابك خيبر على رجال اليهود وفرسانها من قريش وغيرها فلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح في أمنع دار وأكثر عدد، كل ينادي إلى البراز ويبادر في القتال، فلم يبرز لهم من أصحابنا أحد إلا وهم قتلوه حتى إذا احمرت الحدق ودعيت إلى البراز وأهمت كل رجل منهم نفسه (1) والتفت بعض أصحابي إلى بعض وكل يقول: - أوجلهم - يا أبا الحسن انهض فأنهضني رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته ولا ثبت لي فرس إلا طعنته، ثم شددت عليهم شد الليث على فريسته، حتى إذا أدخلتهم جوف مدينتهم، يكسع بعضهم بعضا (2) فرددت باب مدينتهم وهو مسدود عليهم، ثم التفت إلى أصحابه فقال: وهو ما قد رأيتم فاقتلعته بيدي ثم دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من ظهر فيها من رجالهم وأسبي من أجد من نسائهم حتى افتتحتها وحدي لم يكن لي معاون إلا الله وحده. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أميرالمؤمنين. وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما توجه بفتح مكة أحب أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عزوجل آخرا كما دعاهم أولا، فكتب إليهم كتابا يحذرهم وينذرهم عذاب ربهم ويعدهم الصفح فيهم، ويمنيهم مغفرة ربهم، ونسخ لهم في آخره سورة براء‌ة ليتلو عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضي إليهم بالكتاب وكلهم يرى فيه التثاقل فلما رأى ذلك ندب منهم رجلا ليوجهه به فأتاه جبرئيل فقال: يا محمد إنه لا يؤدي عنك إلا رجل منك، فأنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلا ولو قدر على أن يضع مني على كل

___________________________________
(1) في بعض النسخ


[ كل امرئ نفسه ]

. وهكذا في الخصال. (2) اى يطرده.


[169]

جبل إربا لفعل ولو ببذل ماله ونفسه وأهله وولده، فبلغتهم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وقرأت عليهم كتابه فكل تلقاني بالتهدد والوعيد ويبدى البغضاء ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم وكان مني في ذلك ما قد رأيتم. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: يا أخا اليهود هذه المواطن التي امتحنني فيهن ربي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجدني فيهن كلها بمنه مطيعا، ليس لاحد فيها مثل الذي لي ولو وصفت ذلك لاتسع لي فيه القول ولكن الله نهى عن التزكية. فقالوا: صدقت يا أمير المؤمنين فوالله لقد أعطاك الله الفضيلة بالقرابة من نبينا صلى الله عليه وآله وأسعدك بأن جعلك أخاه، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضلك بالمواقف التي باشرتها، والاهوال التي ركبتها، وذخرك الذي ذكرت وأكثر منه مما لم تذكره مما ليس لاحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منا مع نبينا ومن شهدك منا بعده فأخبرنا يا أمير المؤمنين بما امتحنك الله بعد نبينا صلى الله عليه وآله فاحتملته وصبرت عليه، فإنا لو شئنا أن نصف ذلك لك لوصفناه علما منا به وظهورا عليه إلا أنا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه. قال: يا أخا اليهود إن الله تبارك وتعالى امتحنني بعد وفاة نبيه صلى الله عليه وآله في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي بمنه ونعمته صبورا. أما أولهن فإنه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحدا آنس به ولا أعتمد عليه ولا أستنيم إليه (1) ولا أتقرب إلى الله بطاعته ولا أنهج به في السراء ولا أستريح إليه في الضراء غير رسول الله صلى الله عليه وآله وهو رباني صغيرا وبوأني كبيرا وكفاني العيلة وجبرني من اليتم و أغناني عن الطلب ووقاني المكسب وعال لي النفس والاهل والولد هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله (2) فنزل بي

___________________________________
(1) استنام الرجل: نام وطلب النوم وتظاهر بالنوم كذبا، واستنام اليه: سكن اليه سكون النائم، واستنام إلى الشئ: استأنس به. (2) الحظوة - بالضم والكسر -: المكانة والمنزلة عند الناس.


[170 ]

بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله مالم أكن أظن أن الجبال لو حملت عنوة (1) كانت لتنهض به، فرأيت الناس من أهلي من بين جازع لا يملك جزعه ولا يضبط نفسه ولا يقوي على حمل فادح (2) ما نزل به قد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستمتاع و سائر الناس من


[ غير ]

بني عبدالمطلب بين معز يأمر بالصبر وبين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر بعد وفاته لزمت الصمت والاشتغال بما أمرني الله به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ووضعه في حفرته وجمع أمانة الله وكتابه وعهده الذي حملناه إلى خلقه واستودعناه فيهم لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هائج زفرة ولا لاذع حرقة ولا جليل مصيبة (3) حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله علي، وبلغت منه الذي أمرني به، فاحتملته صابرا محتسبا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الثانية يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني في حياته على جميع امته و أخذ على من حضره منهم البيعة بالسمع والطاعة لامري، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب في ذلك، فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره إذا حضرته والامير على من حضرني منهم إذا فارقته لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شئ من الامور في حياة النبي صلى الله عليه وآله ولا بعد وفاته، ثم أمر الله رسوله بتوجيه الجيش الذي وجهه مع اسامة بن زيد عند الذي أحدث الله له من المرض الذي توفاه فيه فلم يدع النبي صلى الله عليه وآله أحدا من قبائل العرب و قريش والاوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممن يخاف علي نقضه أو منازعته ولا أحدا ممن يراني بعين البغضاء ممن قد قهرته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش ولا من المهاجرين والانصار والمسلمين وغيرهم من المؤلفة قلوبهم والمنافقين لتصفو قلوب من يبقي معي بحضرته ولئلا يقول قائل شيئا مما أكره في جواره ولا يدفعني دافع عن الولاية والقيام

___________________________________
(1) العنوة: أخذ الشئ قهرا وقسرا.وفى نسخة


[ مالم أكن أظن أن الجبال لو حملت عشره كانت لتنهض به ]

. (2) الفادح: الصعب المثقل، يقال: نزل به امر فادح وركبه دين فادح. (3) " بادر دمعة " اى الدمعة التى تبدو بغير اختيار. والزفرة - بالفتح وقد يضم -: النفس الطويل.ولذع الحب قلبه: آلمه، والنار الشى: لفحته. واوعز اليه في كذا اى تقدم.


[171]

بأمر رعيته وامته من بعده، ثم كان آخر ما تكلم به في شئ من أمر امته أن يمضي جيش اسامة ولا يتخلف عنه أحد ممن انهض معه وتقدم في ذلك الجيش أشد التقدم وأوعز فيه أبلغ الايعاز وأكد فيه أكثر التأكيد، فلم أشعر بعد أن قبض رسول الله صلى الله عليه وآله إلا برجال ممن بعث مع اسامة وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا مواضعهم، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدم إليهم في ملازمة أميرهم والمسير معه تحت لوائه ينفذ لوجهه الذي نفذه إليه فخلفوا أميرهم مقيما في عسكره وأقبلوا يتبادرون على الحيل ركضا إلى حل عقدة عقدها الله لي ورسوله صلى الله عليه وآله في أعناقهم فحلوها، وعهد عاهد الله ورسوله فنكثوه، وعقدوا لانفسهم عقدا ضجت به أصواتهم واختصت به آراؤهم من غير مناظرة لاحد منا بني عبدالمطلب، أو مشاركة في رأي أو استقامة لما في أعناقهم من بيعتي فعلوا ذلك وأنا برسول الله صلى الله عليه وآله مشغول وبتجهيزه عن سائر الاشياء مصدود، فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها، فكانت هذه يا أخا اليهود أفدح (1) ما يرد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية، ومفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف له إلا الله، فصبرت عليها إذ أتت بعد اختها على تقاربها وسرعة اتصالها. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن القائم بعد النبي صلى الله عليه وآله كان يلقاني معتذرا في كل أيامه ويلزم غيره ما ارتكبه من أخذ حقي ونقض بيعتي ويسألني تحليله فكنت أقول تنقضي أيامه ثم يرجع إلي حقي الذي جعله الله لي عفوا هينا (2) من غير أن أحدث في الاسلام مع حدثه وقرب عهده بالجاهلية حدثنا في طلب حقي بمنازعة، لعل قائلا يقول فيها: نعم وقائلا يقول: لا، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل، وجماعة من خواص أصحاب رسول الله أعرفهم بالنصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ولكتابه ودينه، الاسلام. يأتونني عودا وبدء‌ا، وعلانية وسرا فيدعونني إلى أخذ حقي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدوا إلي بذلك حق بيعتي في أعناقهم، فأقول: رويدا وصبرا قليلا لعل الله أن يأتيني بذلك عفوا بلا منازعة ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وطمع في الامر بعده من ليس له

___________________________________
(1) أى أثقل. (2) العفو: السهل المتيسر.


[172]

بأهل، فقال كل قوم: منا أمير، وما طمع القائلون في ذلك إلا ليتناول الامر غيري، فلما دنت وفاة القائم وانقضت أيامه صير الامر من بعده لصاحبه وكانت هذه اخت اختها ومحلها مني مثل محلها وأخذها مني ما جعل الله لي مثل أخذها واجتمع إلي نفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ممن مضى - رحمه الله - وممن بقي أخره الله ممن اجتمع فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا لي في اختها، فلم يعد قولي الثاني قولي الاول صبر واحتسابا ويقينا وإشفاقا من أن تفنى عصبة تألفها رسول الله صلى الله عليه وآله باللين مرة وبالشدة اخرى. وبالبذل مرة وبالسيف اخرى، حتى لقد كان من تألفه لهم أن كان الناس في السكن والقرار والشبع و الري واللباس والوطاء والدثار ونحن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله لا سقوف لبيوتنا ولا أبواب ولا سور إلا الجرائد وما أشبهها ولا وطاء لنا ولا دثار علينا تداولنا الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا ونطوي الايام والليالي جوعا عامتنا فربما أتانا الشئ مما أفاء‌ه الله وصيره لنا خاصة دون غيرنا ونحن على ما وصفت من حالنا فيؤثر به رسول الله صلى الله عليه وآله أرباب النعم و الاموال تألفا منه لهم واستكانة منه لهم فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألفها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يحملها على الخطة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فناء آجالها لاني لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا مني وفي أمري على إحدى منزلتين إما متبع مقاتل أو مقتول إن لم يتبع الجميع، وما خاذل يكفر بخذلانه إن قصر عن نصرتي أو أمسك عن طاعتي، وقد علم أني منه صلى الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى، يحل به في مخالفتي والامساك عن نصرتي ما أحل قوم موسى بأنفسهم في مخالفتهم هارون وترك طاعته، ورأيت تجرع الغصص ورد أنفاس الصعداء ولزوم الصبر حتى يفتح الله او يقضي بما أحب أزيد لي في حظي من الله وأرفق بالعصابة التي وصفت أمرهم وكان أمر الله قدرا مقدورا، ولو لم أتق هذه الحال يا أخا اليهود ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ومن بحضرتك منهم، إني كنت أكثر عددا وأعز عشيرة وأمنع رجالا وأطوع أمرا وأوضح حجة وأكثر في هذا مناقبا وآثارا بسوابقي وقرابتي ووراثتي فضلا عن استحقاقي في ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها والبيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها، ولقد قبض صلى الله عليه وآله وأن ولاية الامة في يده وفي بيته، لا في أيدي الذين تناولوها ولا في بيوتهم،


[173]

ولاهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أولى بالامر من بعده من غيرهم في جميع الخصال. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الرابعة يا أخا اليهود فإن القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الامور ويصدرها عن أمري ويناظرني في غوامضها (1) فيمضيها على رأيي، لا أعلم أحدا ولا يعلم أصحابي يناظره في ذلك غيري (2) ولا يطمع في الامر بعده سواي، فلما أتته منيته على فجأة بلا مرض كان قبله ولا أمر كان أمضاه في صحة من بدنه، لم أشك أني قد استرجعت حقي في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها والعاقبة التي كنت ألتمسها وأن الله سيأتي بذلك على أحسن ما رجوت وأفضل ما أملت، وكان من فعله أن ختم أمره بأن سمى قوما أنا سادسهم ولم يساورني بواحد منهم ولا ذكر مني حالا في وراثة الرسول صلى الله عليه وآله ولا قرابة ولا صهر ولا نسب ولا كان لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي ولا أثر من آثاري، وصيرها شورى بيننا: وصير ابنه فيها حاكما علينا، وأمره أن يصرب أعناق النفر الستة الذين صير الامر فيهم إن لم ينفذوا أمره، وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبرا، فمكث القوم أيامهم كلها كل يخطبها لنفسه وأنا ممسك، فإذا سألوني عن أمري فناظرتهم في أيامي وأيامهم وآثاري وآثارهم، وأوضحت لهم ما جهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكرتهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لي إليهم وتأكيده ما أكد من البيعة لي في أعناقهم، دعاهم حب الامارة وبسط الايدي والالسن في الامر والنهي والركون إلى الدنيا بالاقتداء بالماضين إلى تناول مالم يجعل الله لهم، فإذا خلوت بالواحد منهم بعد الواحد ذكرته أيام الله وحذرته ما هو قادم عليه وصائر إليه، التمس مني شرطا بطائفة الدنيا أصيرها له، فلما لم يجدوا عندي إلا المحجة البيضاء والحمل على الكتاب ووصية الرسول صلى الله عليه وآله من إعطاء كل امرئ منهم ما جعل الله له ومنعه مما لم يجعل الله له شد من القوم

___________________________________
(1) في بعض النسخ


[ يناظرنى في كوارثها ]

. (2) في بعض النسخ


[ فيمضيها على رأى لا اعلم أحدا ولا يعلمه أصحابى مناظرة في ذلك عندى ]

. وفى الخصال


[ فيمضيها عن رأيى لا أعلم أحدا ولا يعلمه أصحابى يناظره في ذلك غيرى ]

.


[174]

مستبد فأزالها عني إلى ابن عفان طمعا في الشحيح ما معه فيها وابن عفان رجل لم يستو به وبواحد ممن حضر حال قط فضلا عمن دونهم، لا ببدر القوم التي هي واحدة القوم و سنام فخرهم (1) ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله بها رسوله صلى الله عليه وآله ومن اختصه معه من أهل بيته، ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتى ظهرت ندامتهم ونكصوا على أعقابهم وأحال بعضهم على بعض، كل يلوم نفسه ويلوم أصحابه، ثم لم تطل الايام بالمستبد بالامر ابن عفان حتى أكفروه وتبرؤوا منه ومشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله عامة يستقيلهم من بيعته ويتوب إلى الله من فلتته، وكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من اختيها وأفظع (2)، وأحرى ألا يصبر عليها، فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه ولا يحد وقتها، ولم يكن عندي إلا الصبر على ما أمض (3) وأبلغ منها ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم، كل راجع عما كان منه يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه في أخذ حقي ويعطيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي أو يرد الله علي حقي. ثم بعد ذلك مرة اخرى أمتحن القوم فيها بألوان المحن، مرة بحلق الرؤوس ومرة بمواعيد الخلوات ومرة بموافاة الاماكن، كل ذلك بقي القوم بوعدهم، فوالله يا أخا اليهود ما منعني منها إلا الذي منعني من اختيها قبلها ورأيت الابقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها وعلمت أني إن حملتها على دعوة الموت ركبته وأما نفسي فقد علم من حضر ممن ترى ومن غاب من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدى (4) ولقد كنت عاهدت الله ورسوله صلى الله عليه وآله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله ولرسوله صلى الله عليه وآله فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله عزوجل فأنزل الله فينا " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر وما

___________________________________
(1) كذا. (2) في بعض النسخ


[ أقطع ]

. (3) أمض أى أوجع. (4) الصدى: العطش الشديد.


[175]

بدلوا تبديلا (1) " فمن قضى نحبه حمزة وعبيدة وجعفر وأنا المنتظر يا أخا اليهود وما بدلت تبديلا. وما سكتني عن ابن عفان (2) وحثني عن الامساك عنه إلا أني عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه مالم يدعه حتى يستدعي الاباعد إلى قتله وخلعه فضلا عن الاقارب وأنا في عزلة، فصبرت حتى كان ذلك لم أنطق فيه بحرف من " لا " ولا " نعم " ثم أتاني القوم وأنا - علم الله - كاره لمعرفتي ما تطاعموا (3) به من اعتقال الاموال (4) والمرح في الارض وعلمهم بأن تلك ليست لهم عندي وشديد


[ ولهم ]

عادة منتزعة (5)، فلما لم يجدوها عندي تعللوا الاعاليل. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المبايعين لما لم يطمعوا في ذلك مني وثبوا بامرأة علي وأنا ولي أمرها والوصي عليها، فحملوها على الجمل وشدوها على الرحال وأقبلوا بها تخبط الفيافي (6) وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعلى كل حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاولى في حياة النبي صلى الله عليه وآله حتى أتت أهل بلدة، قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم، عازبة آراؤهم جيران بدو ووراد بحر فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم بغير علم، يرمون بسهامهم بغير فهم، فوقفت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلة المكروه، إن كففت لم يرجعوا ولم يصلوا وإن أقمت كنت قد صرت إلى الذي كرهت، (7) فقدمت الحجة بالاعذار و

___________________________________
(1) الاحزاب: 23. (2) في بعض النسخ


[ ما أسكننى ]

. (3) وفى بعض النسخ والخصال " يطمعون ". (4) اى بما أوصل كل منهم إلى صاحبه في دولة الباطل طعمه ولذته.وقوله: " من اعتقال الاموال " اى اكتسابها وضبطها من قولهم: " عقل البعير واعتقله " اذا شد يديه.(قاله المجلسى) (5) كذا في النسخ وفى بعض نسخ الخصال


[ وشديد ولهم عادة مسرعة ]

. (6) خبط البعير الارض بيده خبطا: ضربها، ومنه قيل: خبط عشواء وهى الناقة التى في بصرها ضعف اذا مشت لا تتوقى شيئا، وخبطه: ضربه شديدا، والقوم بسيفه: جلدهم، والشجر: شدها ثم نفض ورقها. والفيافى جمع الفيفى والفيفاء والفيفاة وهى المفازة لا ماء فيها والمكان المستوى. (7) في الخصال


[ إلى التى كرهت ]

.


[176]

الانذار ودعوت المرأة إلى بيتها والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي والترك لنقضهم عهد الله عزوجل في وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه وناظرت بعضهم فرجع وذكرته فذكر، ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا، فلما أبوا إلا هي ركبتها منهم فكانت عليهم الدبرة (1) وبهم الهزيمة ولهم الحسرة وفيهم الفناء والقتل وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا ولم يسعني إذ


[ ا ]

فعلت ذلك و أظهرته آخرا (2) مثل الذي وسعني فيه أولا من الاغضاء والامساك ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الاطراف و سفك الدماء وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كل حال كعادة بني الاصفر (3) ومن مضى من ملوك سبأ والامم الخالية فأصير إلى ما كرهت أولا آخرا وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس وألقي ما حذرت، ولم أهجم على الامر إلا بعدما قدمت وأخرت وتأنيت وراجعت وراسلت وشافهت وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كل شئ التمسوه مني بعد أن عرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه، فلما أبوا إلا تلك أقدمت فبلغ الله بي وبهم (4) ما أراد وكان لي عليهم بما كان مني إليهم شهيدا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما السادسة يا أخا اليهود فتحكيم الحكمين ومحاربة ابن آكلة الاكباد وهو طليق معاند لله ولرسوله والمؤمنين منذ بعث الله رسوله صلى الله عليه وآله إلى أن فتح عليه مكة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده وأبوه بالامس أول من سلم علي بإمرة المؤمنين ويحضني على النهوض (5) في أخذ حقي من الماضين قبلي يجدد

___________________________________
(1) الدبرة - بالتحريك -: الهزيمة وفى بعض النسخ


[ عليهم الدائرة ]

. (2) في بعض النسخ


[ ولم يسعنى اذ تقلدت الامر آخرا ]

وهو الاصح. (3) المراد ببنى الاصفر اهل الروم لان اباهم الاول كان اصفر اللون وهو روم بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم. (النهاية) (4) في بعض النسخ


[ فبلغ الله فيهم ]

. (5) يعنى أبا سفيان في اول خلافة أبى بكر.


[177]

لي بيعته كل ما أتاني ثم يتثاء‌ب علي بما يطعم (1) من أموال المسلمين والتحكيم عليهم ليستديم قليل ما يفنى بما يفوته من كثير ما يبقى، وأعجب العجب أنه لما رأى ربي تبارك وتعالى قد رد إلي حقي وأقره في معدنه وانقطع طمعه أن يصبح في دين الله رابعا (2) وفي أمانته التي حملناها حاكما كر علي العاصي ابن العاصي فاستماله فمال إليه، ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر وحرام عليه أن يأخذ من الفيئ فوق قسمه درهما وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقه والاغضاء له على ما يأخذه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطؤها بالغشم، (3) فمن بايعه أرضاه ومن خالفه ناواه. ثم توجه إلي ناكثا علينا، مغيرا في البلاد، شرقا وغربا ويمينا وشمالا و الانباء تأتيني والاخبار ترد علي بذلك، فأتاني أعور ثقيف (4) فأشار علي بأن اوليه الناحية التي هو بها لاداريه بما الذي اوليه منها، وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند الله في توليته لي مخرجا وأصبت لنفسي فيما أتى من ذلك عذرا، فما عملت الرأي في ذلك وشاورت من أثق بنصيحته لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله ولي وللمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الاكباد كرأيي، ينهاني عن توليته ويحذرني أن أدخل في أمر المسلمين يده، ولم يكن الله ليعلم أني أتخذ من المضلين عضدا، فوجهت إليه أخا بجيلة مرة وأخا الاشعريين مرة اخرى، فكلاهما (5) ركن إلى دنياه وتابع هواه فيما أرضاه، فلما رأيته لم يزد فيما انتهك من محارم الله إلا تماديا شاورت من معي من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله البدريين والذين ارتضى الله أمرهم ورضي عنهم عند بيعتهم وغيرهم من صلحاء المسلمين


[ و ]

التابعين فكل يوافق رأيه رأيي


[ في غزوته ومحاربته ومنعه مما نالت يده ]

فنهضت إليه بأصحابي، أنفذ إليه من كل موضع كتبي وأوجه إليه رسلي وأدعوه إلى الرجوع عما هو فيه والدخول فيما فيه الناس معي، فكتب يتحكم علي ويتمنى علي الاماني ويشترط علي شروطا لا يرضاها الله عزوجل ولا رسوله صلى الله عليه وآله ولا المسلمون ويشترط علي في بعضها أن أدفع إليه أقواما

___________________________________
(1) كذا والظاهر " بما يطمع ". وتثاء‌ب أى استرخى ففتح فاه واسعا من غير قصد فهو مثؤوب. (2) في بعض النسخ


[ راتعا ]

. وفى الخصال " أن يصير في دين الله رابعا ". (3) الغشم - بالفتح -: الظلم. والغاشم: الظالم والغاصب. (4) أعور ثقيف هو المغيرة بن شعبة الثقفى. و قوله عليه السلام: " فأشار على " أى أمرني. (5) كذا. ولعل الصحيح " فكل منهما ".


[178]

من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أخيارا وأبرارا منهم عمار بن ياسر وأين مثل عمار فوالله لقد أتينا مع النبي صلى الله عليه وآله (1) ولا يعد منا خمسة إلا كان سادسهم ولا أربعة إلا كان عمار خامسهم، اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم وانتحل دم عثمان ولعمر الله ما ألب (2) على عثمان ولا أجمع الناس على قتله إلا هو وأشباهه من أهل بيته أصحاب الشجرة الملعونة في القرآن، (3) فلما لم أجبه إلى ما اشترط من ذلك كر مستعليا في نفسه بطغيانه وبغيه، بحمير لا عقول لهم ولا بصائر، فموه لهم أمرا فاتبعوه وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه، فناجزناهم إلى الله بعد الاعذار والانذار، فلما لم يزده ذلك إلا تماديا وبغيا لقيناه بعادة الله التي عودنا من النصر على أعدائه وعدونا وراية رسول الله صلى الله عليه وآله بأيدينا لم يزل الله تبارك وتعالى يفل حزب الشيطان بها حتى أفضى الموت إليه فحل منه محل السحا (4) وهو معلم رايات أبيه التي لم أزل اقاتلها مع رسول الله صلى الله وآله في كل المواطن، فلم يجد من الموت منجى إلا الهرب، فركب فرسه وقلب رايته، لا يدري كيف يحتال، فاستعان برأي ابن العاص فأشار إليه بإظهار المصاحف ورفعها على الاعلام والدعاء إلى ما فيها فقال له: إن ابن أبي طالب وحزبه أهل بصيرة ورحمة ومعنى، وقد دعوك إلى كتاب الله أولا وهم مجيبوك إليه آخرا، فأطاعه فيما أشار به إليه إذ رأى أنه لا منجى من القتل غيره، فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصحاف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء خيارهم وجدهم في قتال أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم وظنوا أن ابن آكلة الاكباد له الوفاء بما دعا إليه والتمام على ما يفارقهم عليه، فأصغوا إلى دعوته وأقبلوا علي بأجمعهم في إجابته فأعلمتهم أن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه وأنهما إلى المكر أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري وأبوا إلا إجابته، كرهت أم هويت، شئت أم أبيت، حتى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته، فجهدت - علم الله جهدي - ولم أدع غاية في نفسي إلا بلغتها في أن يخلوني ورأيي، فلم يفعلوا وراودتهم

___________________________________
(1) كذا وفى الخصال


[ لقد رايتنا مع النبى صلى الله عليه وآله ]

. (2) ألب عليه - بالتخفيف - وتألب - بالتشديد - اى تجمع وتحشد. (3) في الخصال " اغصان الشجرة الملعونة في القرآن ". (4) في الخصال " يقضى الموت إليه ". و " السحا " لم نجد معنى مناسبا له في اللغة ولعله تصحيف.


[179]

على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس، فلم يفعلوا ما خلا هذا الشيخ - وأومأ بيده إلى الاشتر - وعصبة من أهل بيتي فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده إلى الحسن والحسين عليهما السلام - فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وذريته من امته ومخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده إلى عبدالله بن جعفر ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما - فإني أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله، فلما أن رفعنا عن القوم سيوفنا تحكموا في الامور وتخيروا الاحكام والآراء وتركوا المصاحف وما دعوا إليه من حكم القرآن فأبيت أن احكم في دين الله أحدا إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا امتراء، فلما أبوا إلا ذلك أردت أن احكم رجلا من أهل بيتي أو من أرضى رأيه وعقله وأوثق بنصيحته ومودته ودينه وأقبلت لا اسمي أحدا إلا امتنع ابن هند منه ولا أدعوه إلى شئ من الحق إلا أدبر عنه وأقبل ابن هند يسومنا عسفا (1)، وما ذاك إلا باتباع أصحابي له على ذلك، فلما أبوا إلا غلبتي على التحكيم تبرأت إلى الله عزوجل منهم وفوضت ذلك إليهم فقلدوه امرء‌ا كان أصغر في العلم. ثم اخرج منه قد عرف وعرف الاولى مثله إلى واحد من دنياه (2) فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الارض وغربها وأظهر المخدوع عليها ندما قليل غناؤه. ثم أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. وأما السابعة يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عهد إلي أن اقاتل في اخر أيامي قوما من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون كتاب الله، يمرقون من الدين بخلافهم لي ومحاربتهم إياي مروق السهم من الرمية (3)، فيهم ذو الثدية، يختم لي بقتلهم بالسعادة، فلما انصرفت إلى موضعي هذا - يعني بعد الحكمين - أقبل بعض القوم على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحيكم الحكمين ولم يجدوا لانفسهم من ذلك مخرجا إلا أن قالوا: كان ينبغي لاميرنا ألا يبايع من أخطأ منا وأن يمضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه (4) وقتل من

___________________________________
(1) سامه الامر وسومه: كلفه اياه. والعسف: الظلم وفى نسخة


[ خسفا ]

. (2) كذا. وليست هذه الجملة في الخصال ولا يمكننا تصحيحه. (3) أى يمرقون بسبب خلافهم لى ومحاربتهم اياى من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وذو الثدية كسمية - لقب حرقوص بن زهير وهو رئيس الخوارج كما في القاموس. (4) في الخصال " او أن يفضى بحقيقة رأيه على قتل نفسه ".


[180]

خالفه منا، فقد كفر بمتابعته إيانا وطاعته في الخطأ لنا وأحل لنا بذلك قتله وسفك دمه فتجمعوا على ذلك من حالهم وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلا لله، ثم تفرقوا فرقا فرقا، فرقة بالنخيلة وفرقة بحروراء واخرى راكبة رأسها تخبط الارض شرقا حتى عبرت دجلة فلم تمر بمسلم إلا امتحنته فمن بايعها استحيت ومن خالفها قتلت، فخرجت إلى الاوليين واحدة بعد اخرى، أدعوهم إلى طاعة الله ومتابعة الحق والرجوع إليه، فأبيا إلا السيف لا يقنعهما غيره، فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عزوجل، فقتل الله هذه وهذه، وكانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا ركنا لي قويا وسدا منيعا، فأبى الله إلا ما صاروا إليه، ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترى وكانوا من أجلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا. فأبت إلا اتباع اختيها والاحتذاء على مثالهما وأسرعت في قتل من خالفها من المسلمين وتتابعت إلي الاخبار بفعلها - فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة واوجه السفراء النصحاء وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرة وبهذا مرة - وأومأ بيده إلى الاشتر والاحنف بن قيس أو سعيد بن قيس الكندي - فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم أربعة آلاف ويزيدون حتى لم يفلتني منهم مخبر فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من يرى، له ثدي كثدي المرأة. ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: قد وفيتك سبعا وسبعا يا أخا اليهود وبقيت الاخرى وأوشك بها وكان قد قربت، قال: فبكي أصحاب علي صلوات الله عليه وبكى رأس اليهود وقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا بالاخرى، فقال: الاخرى أن تخضب هذه - وأومأ بيده إلى لحيته - من هذه - وأومأ إلى هامته - قال: فارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بضجة البكاء حتى لم يبق بالكوفة دار إلا خرج أهلها فزعا وأسلم رأس اليهود على يدي أمير المؤمنين عليه السلام من ساعته ولم يزل مقيما حتى قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فلما قتل واخذ ابن ملجم لعنه الله أقبل رأس اليهود حتى وقف على الحسن عليه السلام والناس حوله وابن ملجم بين يديه وقال: يا أبا محمد اقتله اقتله الله، فإني قرأت في الكتب التي انزلت على موسى بن عمران أن هذا أعظم


[181]

عند الله جرما من ابن آدم قاتل أخيه ومن قدار عاقر ناقة ثمود. - تم الخبر - (1) أبومحمد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الاصبغ بن نباتة أنه قال: كنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوم الجمعة في المسجد بعد العصر إذ أقبل رجل طوال كأنه بدوي فسلم عليه، فقال له علي عليه السلام: ما فعل جنيك الذي كان يأتيك؟ قال: إنه ليأتيني إلى أن وقفت بين يديك يا أمير المؤمنين، قال علي عليه السلام: فحدث القوم بما كان منه، فجلس وسمعنا له، فقال: إني لراقد باليمن قبل أن يبعث الله نبيه صلى الله عليه وآله فإذا جني أتاني نصف الليل، فرفسني برجله (2) وقال: اجلس، فجلست ذعرا، فقال: اسمع، قلت: وما أسمع؟ قال: عجبت للجن وأبلاسها *** وركبها العيس بأحلاسها (2) تهوي إلى مكة تبغي الهدى *** ما طاهر الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم *** وارم بعينيك إلى رأسها (4) قال: فقلت: والله لقد حدث في ولد هاشم شئ أو يحدث وما أفصح لي وإني لارجو أن يفصح لي، فأرقت ليلتي وأصبحت كئيبا، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله وقال: اجلس، فجلست ذعرا، فقال: اسمع، فقلت: وما أسمع؟ قال: عجبت للجن وأخبارها *** وركبها العيس بأكوارها (5) تهوي إلى مكة تبغي الهدى *** ما مؤمنوا الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم *** بين رواسيها وأحجارها فقلت: والله لقد حدث في ولد هاشم شئ أو يحدث وما أفصح لي وإني لارجو أن يفصح

___________________________________
(1) رواه الصدوق - رحمه الله - في كتاب الخصال أبواب السبعة ونقله المجلسى - قدس سره - في البحار ج 9 ص 300 إلى ص 305. (2) رفسه رفسا ورفاسا: ضربه في صدره. (3) العيس - بالكسر -: الابل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة. والاحلاس جمع حلس وهو كساء يطرح على ظهر البعير. (4) " إلى رأسها " الضمير راجع إلى القبيلة. (5) الاكوار جمع الكور - بالضم - وهو الرجل بأداته.


[182]

لي، فأرقت ليلتي وأصبحت كئيبا، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد، فرفسني برجله وقال: اجلس، فجلست وأنا ذعر، فقال: اسمع، قلت: وما أسمع؟ قال: عجبت للجن وألبابها *** وركبها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى *** ما صادقوا الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم *** أحمد إذ هو خير أربابها قلت: قد والله أفصحت، فأين هو؟ قال: ظهر بمكة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأصبحت ورحلت ناقتي ووجهتها قبل مكة، فأول ما دخلتها لقيت أبا سفيان - وكان شيخا ضالا - فسلمت عليه وسألته عن الحي، فقال: والله إنهم مخصبون (1) إلا أن يتيم أبي طالب قد أفسد علينا ديننا، قلت: وما اسمه؟ قال: محمد أحمد (2)، قلت: وأين هو؟ قال: تزوج بخديجة ابن خويلد فهو عليها نازل، فأخذت بخطام ناقتي ثم انتهيت إلى بابها فعقلت ناقتي ثم ضربت الباب، فأجابتني: من هذا؟ فقلت: أنا أردت محمدا، فقالت: اذهب إلى عملك ما تذرون محمدا يأويه ظل بيت قد طردتموه وهربتموه وحصنتموه، اذهب إلى عملك، قلت: رحمك الله إني رجل أقبلت من اليمن وعسى الله أن يكون قد من علي به فلا تحرميني النظر إليه وكان رحيما صلى الله عليه وآله - فسمعته يقول: يا خديجة افتحي الباب، ففتحت فدخلت فرأيت النور في وجهه ساطعا نور في نور، ثم درت خلفه فإذا أنا بخاتم النبوة مختوم على كتفه الايمن فقبلته، ثم قمت بين يديه وأنشأت أقول: أتاني بجني بعد هدو ورقدة *** ولم يك فيما قد تلوت بكاذب (3) ثلاث ليال قوله كل ليلة *** أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمرت من ذيلي الازار ووسطت *** بي الذعلب الوجناء بين السباسب (4) فمرنا بما يأتيك يا خير قادر *** وإن كان فيما جا تشيب الذوائب (5)

___________________________________
(1) أى أنهم في رغد العيش. (2) كذا. (3) الهدو: السكون. وفى بعض النسخ


[ فيما بلوت ]

. (4) الذعلب: الناقة القوية. والوجناء: الناقة الصلبة. والسباسب جمع سبسب وهو الارض البعيدة المستوية. (5) الذوائب جمع الذؤابة: الناصية وهى شعر في مقدم الرأس والمعنى إنا صدقناك وآمنا بما يأنيك من الوحى وان كان فيه شدائد تشيب منه الذوائب. و " جا " مخفف " جاء ".


[183]

وأشهد أن الله لا شئ غيره *** وأنك مأمور على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة *** إلى الله يا ابن الاكرمين الاطائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة *** إلى الله يغني عن سواد بن قارب - وكان اسم الرجل سواد بن قارب - فرجعت (1) والله مؤمنا به صلى الله عليه وآله، ثم خرج إلى صفين فاستشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام. (2)

___________________________________
(1) في بعض النسخ


[ فرحت ]

. (2) نقله المجلسى - رحمه الله - في البحار ج 6 ص 320 وج 14 ص 592 من الاختصاص.