حديث قصيدة الفرزدق لعلى بن الحسين صلوات الله عليهما حدثنا جعفر بن الحسين المؤمن - رحمه الله - عن حيدر بن محمد بن نعيم ويعرف بأبي أحمد السمرقندي تلميذ أبي النضر محمد بن مسعود، عن محمد بن مسعود قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثني أبوالفضل محمد بن أحمد بن مجاهد قال: حدثنا العلاء بن محمد بن زكريا بالبصرة، قال: حدثنا عبيدالله بن محمد بن عائشة (3) قال: حدثني أبي أن هشام بن عبدالملك حج في خلافة عبدالملك والوليد، فطاف بالبيت وأراد أن يستلم الحجر، فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه، وأطاف به أهل الشام فبينا هو كذلك إذ أقبل علي ابن الحسين عليهما السلام وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجها، وأطيبهم رائحة، بين عينيه سجادة، كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحى الناس حتى يستلمه، هيبة له وإجلالا، فغاظ هشام فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة وأفرجوا له عن الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه، لان لا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق - وكان حاظرا - لكني أعرفه: فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فقال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا علي رسول الله (ص) والده *** أمسى بنور هداه تهتدى الظلم (4) إذا رأته قريش قال قائلها: *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت *** عن نيلها عرب الاسلام والعجم

___________________________________
(3) كذا في النسختين وفى البحار ورجال الكشى أيضا كذلك والصحيح هكذا " حدثنا الغلابى محمد بن زكريا البصرى عن عبيدالله بن محمد بن عائشة " كما في الاغانى ج 14 ص 75. (4) كذا. وفى بعض النسخ


[ أمست بنور هداه تهتدى الامم ]

.


[192]

يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم (1) يغضي حياء ويغضى من مهابته *** فما يكلم إلا حين يبتسم (2) ينشق نور الدجى عن نور غرته *** كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم (3) بكفه خيزران ريحه عبق *** من كف أروع في عرنينه شمم (4) مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت عناصره والخيم والشيم (5) حمال أثقال أقوام إذا فدحوا *** حلو الشمائل تحلو عنده نعم (6) هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله *** بجده أنبياء الله قد ختموا هذا ابن فاطمة الغراء نسبته *** في جنة الخلد يجري باسمه القلم الله فضله قدما وشرفه *** جرى بذاك له في لوحه القلم من جده دان فضل الانبياء له *** وفضل امته دانت لها الامم عم البرية بالاحسان فانقشعت *** عنها الغيابة والاملاق والظلم (7) كلتا يديه غياث عم نفعهما *** تستوكفان ولا يعروهما عدم (8)

___________________________________
(1) " عرفان " مفعول لاجله. (2) الاغضاء: ادناء الجفون، واغضى على الشئ: سكت. (3) انجابت السحابة: انكشفت. (4) عبق به الطيب يعبق عبقا وعباقة وعباقية: لزق به. والرائحة في الشئ: بقيت. و المكان بالطيب: انتشرت رائحته فيه. ورجل عبق اذا تطيب بادنى طيب لم يذهب عنه أياما. والعرنين - بالكسر -: الانف. وفى القاموس - الشمم محركة -: ارتفاع قصبة الانف وحسنها واستواء اعلاها وانتصاب الارنبة أو ورود الارنبة في حسن استواء القصبة وارتفاعها اشد من ارتفاع الذلف أو أن يطول الانف ويدق وتسيل روثته فهو أشم. انتهى، وقوله: " من كف " فيه تجريد مضاف إلى الاروع والاروع: من يعجبك بحسنه وجهارة منظره. (5) النبعة بمعنى الاصل يقال: هو من نبعة كريمة أى من أصل كريم. والخيم - بالكسر -: السجية.والشيم - بكسر الشين وفتح الياء المثناة جمع شيمة - بالكسر - وهى الطبيعة. (6) فدحه الدين: أثقله. (7) انقشع عنه السحاب: زال وانكشف. والبلاء عن البلاد: زال، وكذلك الهم عن القلب.والغيابة - كسحابة - من كل شئ ما سترك منه وايضا قعر الوادى وقعر الجب.وفى بعض نسخ القصيدة " عنها العماية والاملاق والظلم ". (8) استوكف: استقطر.


[193]

سهل الخليقة لا تشخى بوادره *** يزينه اثنان حسن الخلق والكرم (1) لا يخلف الوعد ميمون نقيبته *** رحب الفناء أريب حين يعترم (2) من معشر حبهم دين وبغضهم *** كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم *** ويستزاد به الاحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم *** في كل بدء ومختوم به الكلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم *** أو قيل: من خير أهل الارض؟ قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والاسد اسد الشري والنار تحتدم (3) يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم *** خيم كريم وأيد بالندى هضم (4) لا ينقص العسر شيئا من أكفهم *** سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا (5) أي الخلائق ليست في رقابهم *** لاولية هذا أوله نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا *** والدين من بيت هذا ناله الامم قال: فذهب هشام وأمر بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليهما السلام، فبعث إليه باثنتي عشرة ألف درهم وقال: أعذرنا يا أبا فراس

___________________________________
(1) البوادر جمع البادرة وهى ما يبدو من الانسان عند حدة الغضب من قول أو فعل. (2) النقيبة: النفس والعقل والمشورة ونفاذ الرأى والطبيعة." رحب الفناء " اى متسع العناية والاريب: العاقل. و " يعترم " - على المجهول - من العرام بمعنى الشدة اى هو في الشدة والبأس عاقل.وفى بعض النسخ


[ يعتزم ]

ولعله الاصح واعتزم الامر وعليه: اراد فعله. (3) الازمة: الشدة. و " أزمت " أى لزمت.والشرى مأسدة جانب الفرات يضرب به المثل واحتدام النار التهابها. وفى بعض نسخ الحديث " والاسد اسد الشرى والناس يحتدم " وفى بعضها " والبأس محتدم " (4) الخيم: السجية والطبيعة. " هضم " - ككتب - جمع هضوم، يقال: يد هضوم أى جواد بما فيها. وفى بعض النسخ


[ ديم ]

. (5) " سيان " تثنية السى وهو المثل، يقال: هما سيان اى مثلان.وأثرى أى كثر ماله. و المعنى أن اكفهم في حال الغنا والفقر سواء.وفى بعض نسخ الحديث " لا يقبض العسر بسطا من اكفهم " وفى بعضها " لا يقبض العسر قسطا من اكفهم "


[194]

لو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها وقال: يا ابن رسول الله ما قلت إلا غضبا لله ولرسوله صلى الله عليه واله وما كنت لارزأ عليه شيئا فردها إليه وقال له: بحقي عليك لما قبلتها فقد أنار الله مكانك وعلم نيتك فقبلها، فجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو في الحبس فكان مما هجاه به قوله: أتحبسني بين المدينة والتي *** إليها قلوب الناس تهوي منيبها - يقلب رأسا لم يكن رأس سيد *** وعينا له حولاء باد عيوبها (1) وحدثنا علي بن الحسن بن يوسف، عن محمد بن جعفر العلوي، عن الحسين بن محمد جمهور العمي قال: حدثني أبوعثمان المازني قال: حدثنا كيسان، عن جويرية ابن أسماء، عن هشام بن عبدالاعلى قال: حدثني فرعان وكان من رواة الفرزدق قال: حججت سنة مع عبدالملك بن مروان فنظر إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فأراد أن يصغر منه، فقال: من هذا؟ فقال الفرزدق: فقلت على البديهة القصيدة المعروفة: هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم حتى أتمها، قال: وكان عبدالملك يصله في كل سنة بألف دينار فحرمه تلك السنة، فشكى ذلك إلى علي بن الحسين عليهما السلام وسأله أن يكلمه فقال: أنا أصلك من مالي بمثل الذي كان يصلك به عبدالملك وصني عن كلامه، فقال: والله يا ابن رسوله الله لارزأتك شيئا ولثواب الله عزوجل في الآجل أحب إلي من ثواب الدنيا في العاجل، فاتصل ذلك بمعاوية بن عبدالله بن جعفر الطيار وكان أحد سمحاء بني هاشم لفضل عنصره وأحد ادبائها وظرفائها فقال له: يا أبا فراس كم تقدر الذي بقي من عمرك؟ قال: قدر عشرين

___________________________________
(1) رواه الكشى في رجاله ص 86 ونقله المجلسى في البحار ج 11 ص 36 منه ومن المناقب والاختصاص ورواه ايضا ابوالفرج في الاغاني ج 14 ص 76. وج 19 ص 40.وابن الجوزى في صفة الصفوة ج 2 ص 54 وسبطه في التذكرة ص 186 نقلا عن أبى نعيم في حلية الاولياء ونقله ابن خلكان في الوفيات ج 5 ص 145 بزيادات منها مال قال لا قط إلا في تشهده *** لولا التشهد كانت لاء‌ه نعم ونقله محمد بن طلحة الشافعى في مطالب السئول ص 79.


[195]

سنة قال: فهذه عشرون ألف دينار أعطيكها من مالي واعف أبا محمد أعزه الله عن المسألة في أمرك، فقال: لقد لقيت أبا محمد وبذل لي ماله فأعلمته أني أخرت ثواب ذلك لاجر الآخرة. (1)

___________________________________
(1) نقله المجلسى - رحمه الله - في البحار ج 11 ص 37 من الاختصاص.