فضل سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بلغنا أن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - دخل مجلس رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم فعظموه وقدموه وصدروه إجلالا لحقه وإعظاما لشيبته واختصاصه بالمصطفى وآله، فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب، فصعد رسول الله صلى الله عليه واله المنبر فخطب فقال: إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي ولا للاحمر على الاسود إلا بالتقوى، سلمان بحر لا ينزف، وكنز لا ينفد، سلمان منا أهل البيت، سلسل يمنح الحكمة ويؤتى البرهان (2). قال: جرى ذكر سلمان وذكر جعفر الطيار بين يدي جعفر بن محمد صلى الله عليهم وهو متكئ، ففضل بعضهم جعفرا عليه وهناك أبوبصير فقال بعضهم: إن سلمان كان مجوسيا ثم أسلم فاستوى أبوعبدالله عليه السلام جالسا مغضبا وقال: ياأبا بصير جعله الله علويا بعد أن كان مجوسيا وقرشيا بعد أن كان فارسيا فصلوات الله على سلمان وإن لجعفر شأنا عند الله يطير مع الملائكة في الجنة - أو كلام يشبهه -. أبوعبدالله البرقي قال: لقيت أبا غيث الاصبهاني وكان من أصحاب ضرار فقلت له: ما حجتك على من خالفك؟ فقال: الاجماع فقلت: لم يفهم المسألة فأعدتها عليه ثلاث مرات كل ذلك يقول: الاجماع، فقلت: لم لم تفهم؟ فقال لي: وكيف ذاك؟ فقلت له: إني سألتك الحجة على من خالفك فقلت: الاجماع ولو كان الاجماع لم يخالفك أحد فقال: أردها عليك

___________________________________
(2) نقله المحدث النورى في الباب الثانى من كتاب نفس الرحمن من كتاب الاختصاص وقال: السلسل كجعفر - الماء العذب أو البارد.ونقله المجلسى في البحار ج 6 باب احوال سلمان وقال: لا يبعد أن يكون " سلسل " تصحيف " سلمان " اه‍ لكنه بعيد لما حكى ان أمير المؤمنين عليه السلام سماه سلسل كما قاله المحدث النورى - ره - في مقدمة نفس الرحمن.


[342]

فقلت: زدها، فقال: ما حجتك على من خالفك؟ فقلت: رجل مأمون معدوم مطهر عالم لا يضل ولا يضل ولا يخطئ ولا يجهل، الناس محتاجون إليه وهو مستغن عنهم لما جعل الله عنده من العلم والفضل، فقال: هذا لا يوجد في الامة فقلت: أليس إذا كان مثل هذا في الامة فهو أصلح لها؟ قال: بلى ولكن لا يوجد، فقلت له: ما يدريك له أنه لا يوجد في الامة أو ليس في الامة أو لم يخلق الله مثله وفيه صلاح الخلق وأنت لم تمتحن الخلق جميعا ولم تطف برا ولا بحرا ولا سهلا ولا جبلا ولا عرفت الخيار من الشرار، فمن أين رفعته وأنت جاهل بالخلق؟. قال: قال أبوالحسن البصري: مسكين ابن آدم مكتوم الاجل أسير جوع ورهين شبع، إن من تؤلمه البقة وتنتنه العرقة وتقتله الشرقة لضعيف. قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام يشكو إليه حاله فقال: مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا فأما المصيبة الاولى فاليوم الذي ينقص من عمره قال: وإن ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده، والثانية أنه يستوفي رزقه فإن كان حلالا حوسب عليه وإن كان حراما عوقب عليه، قال: والثالثة أعظم من ذلك، قيل: وما هي؟ قال: مامن يوم، يسمي إلا وقد دنى من الآخرة، رحلة لا يدري على الجنة أم على النار. وقال: أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من امه، قالت الحكماء: ما سبقه إلى هذا أحد. قال: خطب النبي صلى الله عليه واله لما أراد الخروج إلى تبوك بثنية الوداع فقال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه أيها الناس أن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم عليه السلام، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، و أحسن القصص القرآن، وخير الامور عزائمها، وشر الامور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الانبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس


[343]

من لايأت الجمعة إلا نذرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا باللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقى في القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جمر جهنم (1) والسكر جمر النار، والشعر من إبليس والخمر جماع الآثام، والنساء حبالات إبليس والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والامر إلى آخره، وملاك العمل خواتيمه وأربى الربا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يبالى على الله يكذبه، ومن يعف يعفو الله عنه، ومن كظم الغيظ يأجره الله ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصم بصره ومن يعصى الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي استغفر الله لي ولكم. ابن محبوب عن الفضيل بن يونس الكاتب: قال: قال لي أبوالحسن موسى بن جعفر ابن محمد عليهم السلام: أبلغ خيرا، وقل خيرا، ولا تكونن أمعة، قلت: وما الامعة؟ قال: تقول: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس إن رسول الله صلى الله عليه واله قال: ياأيها الناس إنهما نجدان: نجد خير ونجد شر فما بال نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير. أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، عن عبدالله بن المغيرة الخزاز، عن أبي حفص العبدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسمعته يقول: ياعلي ما بعث الله نبيا إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعا أو كارها. وعنه، عن أبيه، والعباس بن معروف، عن عبدالله بن المغيرة قال: حدثني عبدالله ابن عبدالرحمن الاصم، عن عبدالله بن بكر الارجاني قال: صحبت أبا عبدالله عليه السلام في طريق مكة من المدينة فنزل منزلا يقال له: عسفان ثم مررنا بجبل أسود على يسار

___________________________________
(1) الغلول: الخيانة.


[344]

الطريق وحش، فقلت: ياابن رسول الله ما أوحش هذا الجبل ما رأيت في الطريق جبلا أوحش منه، فقال: ياابن بكر تدري أي جبل هذا؟ قلت: لا، قال: هذا جبل يقال له: الكمد وهو على واد من أودية جهنم، فيه قتلة أبى الحسين بن علي عليهما السلام استودعوه، يجري من تحته مياه جهنم من الغسلين والصديد والحميم الآن وما يخرج من جهنم، وما يخرج من الفلق، وما يخرج من آثام، وما يخرج من طينة خبال، وما يخرج من لظى، وما يخرج من الحطمة، وما يخرج من سقر، وما يخرج من الجحيم، وما يخرج من الهاوية، وما يخرج من السعير، وما مررت بهذا الجبل قط في مسيري فوقفت إلا رأيتهما يستغيثان بي ويتضرعان إلي وإني لانظر إلى قتلة أبي فأقول لهما: إن هؤلاء إنما فعلوا بنا ما فعلوا لما أسستمالم ترحمونا لما وليتم وقتلتمونا وحرمتمونا ووثبتم على حقنا واستبددتم بالامر دوننا فلا رحم الله من يرحمكما صنعتما وما الله بظلام للعبيد، وأشدهما تضرعا واستكانة الثاني فربما وقفت عليهما ليتسلى عني بعض ما يعرض في قلبي، وربما طويت الجبل الذي هما فيه وهو جبل الكمد، قلت: جعلت فداك فإذا طويت الجبل فما تسمع؟ قال: أسمع أصواتهم ينادون عرج إلينا نكلمك فإنا نتوب وأسمع صارخا من الجبل يقول: لا تكلمهم وقل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، قلت: جعلت فداك ومن معهم؟ قال: كل فرعون عتا على الله وحكى الله عنه فعاله، وكل من علم العباد الكفر، قلت: من هم؟ قال: نحو قورس (2) الذي علم اليهود أن عزيرا ابن الله، ونحو نسطور الذي علم النصارى أن المسيح ابن الله وقال لهم: هم ثلاثة، ونحو فرعون موسى الذي قال: أنا ربكم الاعلى، ونحو نمرود الذي قال: قهرت أهل الارض وقتلت من في السماء، وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام وقاتل فاطمة عليها السلام وقاتل المحسن وقاتل الحسن والحسين عليهم السلام فأما معاوية وعمرو بن العاص فما يطعمان في الخلاص ومعهم كل من نصب لنا العداوة وعاون علينا بلسانه ويده، قلت: جعلت فداك: إلى أين هذا الجبل؟ قال: إلى الارض السادسة وفيها جهنم وهو على واد من أوديتها عليها ملائكة حفظة أكثر من نجوم السماء وقطر المطر وعدد ماء البحار

___________________________________
(2) في بعض النسخ


[ بولس ]

.


[345]

وعدد الثرى وقد وكل الله كل ملك منهم بشئ فهو مقيم عليه لا يفارقه (1).

___________________________________
(1) روى الصدوق صدر الخبر في ثواب الاعمال وابن قولويه تمامه في الكامل ص 326 بسند آخر عن عبدالله الاصم مع زيادة بعد قوله: " لايفارقه " نحو 28 سطرا وهكذا رواه الصفار في البصائر. ونقله المجلسى - رحمه الله - في البحار ج 7 ص 270 وج 8 ص 213.