كتاب صفة الجنة والنار بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا أبوجعفر أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدثني سعيد بن جناح (2)، عن عوف بن عبدالله الازدي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا أراد الله تبارك وتعالى قبض روح المؤمن قال: ياملك الموت أنطلق أنت وأعوانك إلى عبدي، فطال ما نصب نفسه من أجلي فأتني بروحه لاريحه عندي، فيأتيه ملك الموت بوجه حسن وثياب طاهرة وريح طيبة فيقوم بالباب فلا يستأذن بوابا ولا يهتك حجابا ولا يكسر بابا، معه خمسمائة ملك أعوان معهم طنان الريحان (3) والحرير الابيض والمسك الاذفر فيقولون: السلام عليك ياولي الله أبشر فإن الرب يقرئك السلام أما إنه عنك راض غير غضبان، وأبشر بروح وريحان وجنة نعيم. قال: أما الروح فراحة من الدنيا وبلائها، والريحان من كل طيب في الجنة فيوضع على ذقنه، فيصل ريحه إلى روحه، فلا يزال في راحة حتى يخرج نفسه، ثم يأتيه رضوان خازن الجنة فيسقيه شربة من الجنة لا يعطش في قبره ولا في القيامة حتى يدخل الجنة ريانا، فيقول: ياملك الموت رد روحي حتى يثني على جسدي وجسدي على روحي، قال: فيقول ملك الموت: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول الروح:

___________________________________
(2) قال النجاشي - رحمه الله -: سعيد بن جناح أصله كوفى، نشأ ببغداد ومات بها مولى الازد ويقال: مولى جهينة وأخوه أبوعامر روى عن أبى الحسن والرضا عليهما السلام وكانا ثقتين، له كتاب صفة الجنة والنار وكتاب قبض روح المؤمن والكافر. الخ. وأما عوف بن عبدالله فمجهول. (3) الطن - بضم الطاء -: حزمة القصب وبدن الانسان والجمع أطنان وطنان بكسر الطاء.


[346]

جزاك الله من جسد خير الجزاء، لقد كنت في طاعته مسرعا وعن معاصيه مبطئا، فجزاك الله عني من جسد خير الجزاء، فعليك السلام إلى يوم القيامة، ويقول الجسد للروح مثل ذلك. قال: فيصيح ملك الموت بالروح أيتها الروح الطيبة اخرجي من الدنيا مؤمنة مرحومة مغتبطة، قال: فرقت به الملائكة وفرجت عنه الشدائد، وسهلت له الموارد، وصار لحيوان الخلد. قال: ثم يبعث الله له صفين من الملائكة غير القابضين لروحه، فيقومون سماطين (1) ما بين منزله إلى قبره، ويستغفرون له ويشفعون له، قال: فيعلله ملك الموت ويمنيه ويبشره عن الله بالكرامة والخير كما تخادع الصبي امه تمرخه بالدهن والريحان (2) وبقاء النفس وتفديه بالنفس والوالدين. قال: فإذا بلغت الحلقوم قال الحافظان اللذان معه: ياملك الموت ارؤف بصاحبنا وارفق، فنعم الاخ كان ونعم الجليس، لم يمل علينا ما يسخط الله قط، فإذا خرجت روحه خرجت كنخلة بيضاء وضعت في مسكة بيضاء ومن كل ريحان في الجنة فأدرجت إدراجا وعرج بها القابضون إلى السماء الدنيا، قال: فيفتح له أبواب السماء ويقول لها البوابون: حياها الله من جسد كانت فيه، لقد كان يمر له علينا عمل صالح ونسمع حلاوة صوته بالقرآن قال: فبكى له أبواب السماء والبوابون لفقدها، ويقول: يارب قد كان لعبدك هذا عمل صالح وكنا نسمع حلاوة صوته بالذكر للقرآن، ويقولون: اللهم ابعث لنا مكانه عبدا يسمعنا ما كان يسمعنا ويصنع الله ما يشاء فيصعد به إلى عيش رحبت به ملائكة السماء كلهم أجمعون ويشفعون له ويستغفرون له ويقول الله تبارك وتعالى: رحمتي عليه من روح، ويتلقاه أرواح المؤمنين كما يتلقى الغائب غائبه، فيقول بعضهم لبعض: ذروا هذه الروح حتى تفيق (3) فقد خرجت من كرب عظيم وإذا هو استراح أقبلوا عليه يسائلونه ويقولون:

___________________________________
(1) اى صفين منظمين. (2) مرخت الرجل بالدهن: اذا أدهنته به ثم دلكته. (3) من الافاقة.


[347]

ما فعل فلان وفلان؟ فإن كان قد مات بكوا واسترجعوا ويقولون: ذهبت به امه الهاوية فإنا لله وإنا لله راجعون. قال: فيقول الله: ردوها عليه، فمنها خلقتهم وفيها اعيدهم ومنها اخرجهم تارة اخرى، قال: فإذا حمل سريره حملت نعشه الملائكة واندفعوا به اندفاعا والشياطين سماطين ينظرون من بعيد ليس لهم عليه سلطان ولا سبيل فإذا بلغوا به القبر توثبت إليه بقاع الارض كالرياض الخضر، فقالت كل بقعة منها: اللهم اجعله في بطني، قال: فيجاء به حتى يوضع في الحفرة التي قضاها الله له، فإذا وضع في لحده مثل له أبوه وامه وزوجته وولده وإخوانه قال: فيقول لزوجته: ما يبكيك؟ قال: فتقول: لفقدك تركتنا معولين. قال: فتجئ صورة حسنة، قال: فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح أنا لك اليوم حصن حصين وجنة وسلاح بأمر الله، قال: فيقول: أما والله لو علمت أنك في هذا المكان لنصبت نفسي لك وما غرني مالي وولدي، قال: فيقول: ياولي الله أبشر بالخير، فوالله إنه ليسمع خفق نعال القوم إذا رجعوا ونفضهم أيديهم من التراب إذا فرغوا قد رد عليه روحه وما علموا، قال: فيقول له الارض: مرحبا ياولي الله مرحبا بك أما والله لقد كنت احبك وأنت على متني فأنا لك اليوم أشد حبا إذا أنت في بطني، أما وعزة ربي لاحسنن جوارك ولا بردن مضجعك، ولا وسعن مدخلك، إنما أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. قال: ثم يبعث الله إليه ملكا فيضرب بجناحيه عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه فيوسع له من كل طريقة أربعين نورا، فإذا قبره مستدير بالنور. قال: ثم يدخل عليه منكر ونكير وهما ملكان أسودان يبحثان القبر بأنيابهما ويطئان في شعورهما، حدقتاهما مثل قدر النحاس، وأصواتهما، كالرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق اللامع، فينتهرانه (1) ويصيحان به ويقولان: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ ومن إمامك؟ فإن المؤمن ليغضب حتى ينتقض من الادلال (2)

___________________________________
(1) اى يزجرانه. (2) الادلال: الانبساط والوثوب بمحبة الغير.


[348]

توكلا على الله من غير قرابة ولا نسب، فيقول ربي وربكم ورب كل شئ الله، ونبيي ونبيكم محمد خاتم النبيين، وديني الاسلام الذي لا يقبل الله معه دينا، وإمامي القرآن مهيمنا على الكتب (1) وهو القرآن العظيم، فيقولان: صدقت ووفقت وفقك الله وهداك انظر ما ترى عند رجليك فإذا هو بباب من نار، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ما كان هذا ظني برب العالمين، قال: فيقولان له: ياولي الله لا تحزن ولا تخشى وأبشر واستبشر فليس هذا لك ولا أنت له إنما أراد الله تبارك وتعالى أن يريك من أي شئ نجاك ويذيقك برد عفوه قد أغلق هذا الباب عنك ولا تدخل النار أبدا، انظر ما ترى عند رأسك فإذا هو بمنازله من الجنة وأزواجه من الحور العين، قال: فيثب وثبة لمعانقة الحور العين الزوجة من أزواجه، فيقولان له: ياولي الله إن لك إخوة وأخوات لم يلحقوا فنم قرير العين كعاشق في حجلته إلى يوم الدين، قال: فيفرش له ويبسط ويلحد، قال: فوالله ما صبي قد نام مدللا بين يدي امه وأبيه بأثقل نومة منه، قال: فإذا كان يوم القيامة يجيئه عنق من النار فتطيف به، فإذا كان مدمنا على (2) " تنزيل - السجدة - " و " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير " وقفت عنده " تبارك " وانطلقت " تنزيل - السجدة - " فقالت: أنا آت بشفاعة رب العالمين، قال: فتجيئ عنق من العذاب من قبل يمينه فتقول الصلاة: إليك عن ولي الله (3) فليس لك إلى ما قبلي سبيل، فيأتيه من قبل يساره فتقول الزكاة: إليك عن ولي الله، فليس لك إلى ما قبلي سبيل، فيأتيه من قبل رأسه فيقول القرآن: إليك عن ولي الله، فليس لك إلى ما قبلي سبيل، فقد وعاني في قبله، وفي اللسان الذي كان يوحد به ربه فليس لك إلى ما قبلي سبيل، فتخرج عنق من النار مغضبا فيقول: دونكما ولي الله، وليكما (4) قال: فيقول الصبر وهو في ناحية القبر: أما والله ما منعني أن ألي من ولي الله اليوم، إلا أني نظرت ما عندكم فلما أن جزتم (5) عن ولي الله عذاب القبر ومؤونته فأنا لولي الله ذخر وحصن عند الميزان وجسر جهنم والعرض عند الله. __________________________________ (1) المهيمن الذى يقوم بأمر جماعة، ويأتى بمعنى الشاهد والمؤتمن ايضا. (2) أدمن الشئ: أدامه ومدمن الشئ مداومه. (3) أى ابعد. (4) الظاهر أن مرجع الضمير إلى السورتين. (5) كذا.


[349]

فقال علي أمير المؤمنين عليه السلام يفتح لولي الله من منزله من الجنة إلى قبره تسعة وتسعون بابا، يدخل عليها روحها وريحانها وطيبها ولذتها ونورها إلى يوم القيامة، فليس شئ أحب إليه من لقاء الله، قال: فيقول: يارب عجل علي قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، فإذا كانت صيحة القيامة خرج من قبره مستورة عورته، مسكنة روعته قد اعطي الامن والامان، وبشر بالرضوان، والروح والريحان، والخيرات الحسان، فيستقبله الملكان اللذان كانا معه في الحياة الدنيا فينفضان التراب عن وجهه وعن رأسه ولا يفارقانه، ويبشرانه ويمنيانه ويفرجانه كلما راعه شئ من أهوال القيامة قالا له: يا ولي الله لا خوف عليك اليوم ولا حزن، نحن الذين ولينا عملك في الحياة الدنيا ونحن أولياؤك اليوم في الآخرة، انظرتلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، قال: فيقام في ظل العرش فيدنيه الرب تبارك وتعالى حتى يكون بينه وبينه حجاب من نور فيقول له: مرحبا، فمنها يبيض وجهه ويسر قلبه ويطول سبعون ذراعا من فرحته فوجهه كالقمر وطوله طول آدم وصورته صورة يوسف ولسانه لسان محمد صلى الله عليه واله وقلبه قلب أيوب، كلما غفر له ذنب سجد، فيقول: عبدي اقرء كتابك فيصطك فرائصه شفقا وفرقا (1) قال: فيقول الجبار: هل زدنا عليك سيئاتك ونقصنا عليك من حسناتك؟ قال: فيقول: ياسيدي بل أنت قائم بالقسط وأنت خير الفاصلين. قال: فيقول: عبدي أما استحييت ولا راقبتني ولا خشيتني، قال: فيقول: ياسيدي قد أسأت فلا تفضحني، فإن الخلايق ينظرون إلي، قال: فيقول الجبار: وعزتي يامسيئ لا أفضحك اليوم قال: فالسيئات فيما بينه وبين الله مستورة والحسنات بارزة للخلائق، قال: فكلما كان عيره بذنب قال: سيدي لتبعثني إلى النار أحب إلي من أن تعيرني، قال: فيضحك الجبار (2) تبارك وتعالى لاشريك له ليقر بعينه (3)، قال: فيقول: أتذكر يوم كذا وكذا أطعمت جائعا ووصلت أخا مؤمنا، كسوت يوما أعطيت سعيا حججت في الصحاري تدعوني محرما، أرسلت عينيك فرقا، سهرت ليلة شفقا، غضضت طرفك مني

___________________________________
(1) أى خوفا. (2) قال العلامة المجلسى - رحمه الله -: الضحك كناية عن اظهار ما يدل على رضاه عنهم من خلق صوت يشبه الضحك أو غيره والله تعالى يعلم وحججه صلوات الله عليهم أجمعين. (3) في بعض النسخ


[ لتفريعه ]

في بعضها


[ لتفزيعه ]

.


[350]

فرقا، فذابذا وأما ما أحسنت فمشكور، وأما ما أساء‌ت فمغفور، حول بوجهك فإذا حوله رأى الجبار فعند ذلك ابيض وجهه وسر قلبه ووضع التاج على رأسه وعلى يديه الحلي والحلل. ثم يقول: ياجبرئيل انطلق بعبدي فأره كرامتي فيخرج من عند الله قد أخذ كتابه بيمينه فيدحو به مد البصر فيبسط صحيفته للمؤمنين والمؤمنات وهو ينادي " هاؤم اقرؤا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * فهو في عيشة راضية " فإذا انتهى إلى باب الجنة قيل له: هات الجواز، قال: هذاجوازي مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا جواز جائز من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلان من رب العالمين، فينادي مناد يسمع أهل الجمع كلهم: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، قال: فيدخل فإذا هو بشجرة ذات ظل ممدود، وماء مسكوب، وثمار مهدلة تسمى رضوان، يخرج من ساقها عينان تجريان، فينطلق إلى إحداهما وكلما مر بذلك فيغتسل منها فيخرج وعليه نضرة النعيم، ثم يشرب من الاخرى فلا تكن في بطنه مغص (1) ولا مرض ولا داء أبدا وذلك قوله تعالى: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا (2) " ثم تستقبله الملائكة فتقول له: طبت فادخلها مع الداخلين (3)، فيدخل فإذا هو بسماطين من شجر أغصانها اللؤلؤ، وفروعها الحلي والحلل، وثمارها مثل ثدي الجواري الابكار، فتستقبله الملائكة معهم النوق والبراذين والحلي والحلل، فيقولون: ياولي الله اركب ما شئت، والبس ما شئت، وسل ما شئت، قال: فيركب ما اشتهى ويلبس ما اشتهى وهو على ناقة أو برذون من نور وثيابه من نور، وحليته من نور، يسير في دار النور، معه ملائكة من نور وغلمان من نور، ووصايف من نور حتى تهابه الملائكة مما يرون من النور فيقول بعضهم لبعض: تنحوا فقد جاء وفد الحليم الغفور. قال: فينظر إلى أول قصر له من فضة مشرقا بالدر والياقوت (4)، فتشرف عليه

___________________________________
(1) النضرة: البهجة، والمغص: وجع وتقطيع في الامعاء. (2) الانسان: 21. (3) في بعض النسخ


[ مع الخالدين ]

. (4) وفى بعض النسخ


[ مشرفا بالدر ]

بالفاء وقال العلامة المجلسى - رحمه الله -: اى جعل شرفه من الدر.


[351]

أزواجه، فيقلن مرحبا مرحبا أنزل بنا فيهم أن ينزل بقصره، قال: فتقول الملائكة: سر ياولي الله فإن هذا لك وغيره. حتى يتنهي إلى قصر من ذهب مكلل بالدر والياقوت فتشرف عليه أزواجه فيقلن: مرحبا مرحبا ياولي الله أنزل بنا، فيهم أن ينزل بهن فتقول له الملائكة: سر ياولي الله فإن هذا لك وغيره. قال: ثم ينتهي إلى قصر مكلل بالدر والياقوت فيهم أن ينزل بقصره فتقول له الملائكة: سر ياولي الله فإن هذا لك وغيره. قال: ثم يأتي قصرا من ياقوت أحمر مكللا بالدر والياقوت فيهم بالنزول بقصره فتقول له الملائكة: سر ياولي الله فإن هذا لك وغيره. قال: فيسير حتى يأتي تمام ألف قصر، كل ذلك ينفذ فيه بصره ويسير في ملكه أسرع من طرفة العين، فإذا انتهى إلى أقصاها قصرا نكس رأسه فتقول الملائكة: مالك ياولي الله؟ قال: فيقول: والله لقد كاد بصري أن يختطف، فيقولون: ياولي الله أبشر فإن الجنة ليس فيها عمى ولا صمم، فيأتي قصرا يرى باطنه من ظاهره وظاهره من باطنه لبنة من فضة ولبنة من ذهب ولبنة من ياقوت ولبنة در، ملاطه المسك قد شرف بشرف من نور يتلالؤ، ويرى الرجل وجهه في الحائط وذا قوله: " ختامه مسك " يعني ختام الشراب. ثم ذكر النبي صلى الله عليه واله الحور العين، فقالت ام سلمة: بأبي أنت وامي يارسول الله أمالنا فضل عليهن؟ قال: بلى بصلاتكن وصيامكن وعبادتكن لله بمنزلة الظاهرة على الباطنة (1)، وحدث أن الحور العين خلقهن الله في الجنة مع شجرها وحبسهن على أزواجهن في الدنيا، على كل واحد منهن سبعون حلة يرى بياض سوقهن من وراء الحلل السبعين كما ترى الشراب الاحمر في الزجاجة البيضاء وكالسلك الابيض في الياقوت الحمراء، يجامعها في قوة مائة رجل في شهوة مقدار أربعين سنة وهن أتراب أبكار عذارى كلما

___________________________________
(1) قال العلامة المجلسى - رحمه الله -: لعل المراد بالظاهرة والباطنة الظهارة والبطانة من الثوب لانهن لباس.


[352]

نكحت صارت عذراء، " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان "، يقول: لم يمسهن إنسي ولا جني قط " فيهن خيرات حسان " يعني خيرات الاخلاق حسان الوجوه " كأنهن الياقوت والمرجان " يعني صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ. قال: وإن في الجنة لنهرا حافتاه الجواري، قال: فيوحي إليهن الرب تبارك و تعالى: أسمعن عبادي تمجيدي وتسبيحي وتحميدي فيرفعن أصواتهن بألحان وترجيع لم يسمع الخلائق مثلها قط، فتطرب أهل الجنة وإنه لتشرف على ولي الله المرأة ليست من نسائه من السجف (1) فتملا قصوره ومنازله ضوء‌ا ونورا. فيظن ولي الله أن ربه أشرف عليه أو ملك من ملائكته فيرفع رأسه فإذا هو بزوجة قد كادت يذهب نورها نور عينيه قال: فتناديه قد آن لنا أن تكون لنا منك دولة، قال: فيقول لها: ومن أنت؟ قال: فتقول: أنا ممن ذكر الله في القرآن: " لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد " فيجامعها في قوة مائة شاب ويعانقها سبعين سنة من أعمار الاولين، وما يدري أينظر إلى وجهها أم إلى خلفها أم إلى ساقها، فما من شئ ينظر إليه منها إلا رأى وجهه من ذلك المكان من شدة نورها وصفائها، ثم تشرف عليه اخرى أحسن وجها وأطيب ريحا من الاولى فتناديه فتقول: قد آن لنا أن تكون لنا منك دولة، قال: فيقول لها: ومن أنت؟ فتقول: أنا ممن ذكر الله في القرآن: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون "، قال: وما من أحد يدخل الجنة إلا كان له من الازواج خمسمائة حوراء، مع كل حوراء سبعون غلاما وسبعون جارية كأنهم اللؤلؤ المنثور، وكأنهن اللؤلؤ المكنون - وتفسير المكنون بمنزلة اللؤلؤ في الصدف لم تمسه الايدي ولم تره الاعين، وأما المنثور فيعني في الكثرة، وله سبع قصور في كل قصر سبعون بيتا، وفي كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا عليها زوجة من الحور العين " تجري من تحتهم الانهار " من ماء غير آسن صاف ليس بالكدر " وأنهار من لبن لم يتغير طعمه " لم يخرج من ضرع المواشي " وأنهار من عسل مصفى " لم يخرج من بطون النحل " وأنهار من خمر لذة للشاربين " لم يعصره الرجال بأقدامهم، فإذا اشتهوا الطعام جاء بهم طيور بيض يرفعن أجنحتهن، فيأكلون من أي الالوان

___________________________________
(1) السجف - بالفتح وقد يكسر - " الستر.


[353]

اشتهوا جلوسا إن شاؤوا أو متكئين، وإن اشتهوا الفاكهة تسعبت (1) إليهم أغصان فأكلوا من، إيها اشتهوا، قال: " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " فبينا هم كذلك إذ يسمعون صوتا من تحت العرش: ياأهل الجنة كيف ترون منقلبكم؟ فيقولون: خير المنقلب منقلبنا وخير الثواب ثوابنا، قد سمعنا الصوت و اشتهينا النظر إلى أنوار جلالك وهو أعظم ثوابنا وقد وعدته ولا تخلف الميعاد، فيأمر الله الحجب، فيقوم سبعون ألف حجاب، فيركبون على النوق والبراذين، عليهم الحلي والحلل فيسيرون في ظل الشجر حتى يتنهوا إلى دار السلام وهي دار الله دار البهاء والنور والسرور والكرامة، فيسمعون الصوت، فيقولون: ياسيدنا سمعنا لذاذة منطقك فأرنا نور وجهك فيتجلى لهم سبحانه وتعالى حتى ينظرون إلى وجهه تبارك وتعالى المكنون من عين كل ناظر، فلا يتمالكون حتى يخروا على وجوههم سجدا، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ياعظيم (2)، قال: فيقول: عبادي ! ارفعوا رؤوسكم ليس هذه بدار عمل إنما هي دار كرامة ومسألة ونعيم، قد ذهبت عنكم اللغوب (3) والنصب، فإذا رفعوها رفعوها وقد أشرقت وجوههم من نور وجهه سبعين ضعفا. ثم يقول تبارك وتعالى: ياملائكتي أطعموهم وأسقوهم، فيؤتون بألوان الاطعمة لم يروا مثلها قط في طعم الشهد وبياض الثلج ولين الزبد، فإذا أكلوه قال بعضهم لبعض: كان طعامنا الذي خلفناه في الجنة عند هذا حلما. قال: ثم يقول الجبار تبارك وتعالى: ياملائكتي اسقوهم قال: فيؤتون بأشربة، فيقبضها ولي الله فيشرب شربة لم يشرب مثلها قط. قال: ثم يقول: ياملائكتي طيبوهم، فتأتيهم ريح من تحت العرش بمسك أشد بياضا من الثلج تغير (4) وجوههم وجباههم وجنوبهم يسمى المثيرة فيستمكنون من النظر إلى نور

___________________________________
(1) اى تمددت. (2) قال العلامة المجلسى - رحمه الله -: المراد من الرؤية اما مشاهدة نور من أنواره المخلوقة له، أو النبى وأهل بيته الذين جعل رؤيتهم بمنزلة رؤيته، أو غاية المعرفة التى يعبر عنها بالرؤية، والاول أنسب بهذا المقام. (3) اللغوب: التعب والاعياء. (4) في بعض النسخ


[ تعبر ]

وفى بعضها


[ تغر ]

.


[354]

وجهه فيقولون: ياسيدنا حسبنا لذاذة منطقك والنظر إلى نور وجهك لا نريد به بدلا ولا نبتغي به حولا، فيقول الرب تبارك وتعالى: إني أعلم أنكم إلى أزواجكم مشتاقون و أن أزواجكم إليكم مشتاقات، فيقولون: ياسيدنا ما أعلمك بما في نفوس عبادك؟ فيقول: كيف لا أعلم وأنا خلقتكم وأسكنت أرواحكم في أبدانكم، ثم رددتها عليكم بعد الوفاة، فقلت اسكني في عبادي خير مسكن ارجعوا إلى أزواجكم، قال: فيقولون: ياسيدنا اجعل لنا شرطا، قال: فإن لكم كل جمعة زورة ما بين الجمعة إلى الجمعة سبعة آلاف سنة مما تعدون. قال: فينصرفون فيعطي كل رجل منهم رمانة خضراء، في كل رمانة سبعون حلة لم يرها الناظرون المخلوقون، فيسيرون فيتقدمهم بعض الولدان حتى يبشروا أزواجهم وهن قيام على أبواب الجنان، قال: فلما دنا منها نظرت إلى وجهه فإنكرته من غير سوء فقالت: حبيبي لقد خرجت من عندي وما أنت هكذا، قال: فيقول: حبيبتي تلوميني أن أكون هكذا؟ وقد نظرت إلى نور وجه ربي تبارك وتعالى فأشرق وجهي من نور وجهه، ثم يعرض عنها فينظر إليها نظرة، فيقول: حبيبتي لقد خرجت من عندك وما كنت هكذا؟ فيقول: حبيبي تلومني أن أكون هكذا وقد نظرت إلى وجه الناظر إلى نور وجه ربي فأشرق وجهي من وجه الناظر إلى نور وجه ربي سبعين ضعفا، فتعانقه من باب الخيمة والرب تبارك وتعالى يضحك إليهم، فينادون بأصواتهم (1) الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور. قال: ثم إن الرب تبارك وتعالى يأذن للنبيين فيخرج رجل في موكب فصفت به الملائكة والنور أمامهم فينظر إليه أهل الجنة فيمدون أعناقهم إليه، فيقولون: من هذا إنه لكريم على الله؟ قال، فتقول الملائكة: هذا المخلوق بيده والمنفوخ فيه من روحه و المعلم للاسماء هذا آدم قد اذن له على الله. قال: ثم يخرج رجل في موكب حوله الملائكة قد صفت أجنحتها والنور أمامهم، قال: فيمد إليه أهل الجنة أعناقهم فيقولون: من هذا؟ فتقول الملائكة: هذا الخليل

___________________________________
(1) كذا وفى نسخة


[ باصابعهم ]

وما اخترناه انسب ومر معنى الضحك من الله سبحانه آنفا.


[355]

إبراهيم قد اذن له على الله. قال: ثم يخرج رجل في موكب حوله الملائكة قد صفت أجنحتها والنور أمامهم،


[ قال: ]

فيمد إليه أهل الجنة أعناقهم فيقولون: من هذا؟ فتقول الملائكة: هذا موسى بن عمران الذي كلم الله تكليما، قد اذن له على الله. قال: ثم يخرج رجل في موكب حوله الملائكة قد صفت أجنحتها والنور أمامهم، فيمد إليه أهل الجنة أعناقهم فيقولون: من هذا الذي قد اذن له على الله؟ فتقول الملائكة: هذا روح الله وكلمته، هذا عيسى ابن مريم. قال: ثم يخرج رجل في موكب في مثل جميع مواكب من كان قبله سبعين ضعفا حوله الملائكة قد صفت أجنحتها والنور أمامهم، فيمد إليه أهل الجنة أعناقهم، فيقولون: من هذا الذي قد اذن له على الله؟ فتقول الملائكة: هذا المصطفى بالوحي، المؤتمن على الرسالة، سيد ولد آدم، هذا النبي محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم كثيرا قد اذن له على الله. قال: ثم يخرج رجل في موكب حوله الملائكة قد صفت أجنحتها والنور أمامهم فيمد إليه أهل الجنة أعناقهم، فيقولون: من هذا؟ فتقول الملائكة: هذا أخو رسول الله في الدنيا والآخرة. قال: ثم يؤذن للنبيين والصديقين والشهداء، فيوضع للنبيين منابر من نور، و للصديقين سرير من نور، وللشهداء كراسي من نور، ثم يقول الرب تبارك وتعالى: مرحبا بوفدي وزواري وجيراني، ياملائكتي أطعموهم فطال ما أكل الناس وجاعوا، و طال ما روى الناس وعطشوا، وطال ما نام الناس وقاموا، وطال ما أمن الناس وخافوا، قال: فيوضع لهم أطعمة لم يروا مثلها قط على طعم الشهد ولين الزبد وبياض الثلج، ثم يقول: ياملائكتي فكهوهم فتفكهونهم بألوان من الفاكهة لم يروا مثلها قط ورطب عذب دسم (1) على بياض الثلج ولين الزبد. قال: ثم قال النبي صلى الله عليه واله: إنه لتقع الحبة من الرمان فتستر وجوه الرجال بعضهم عن بعض، ثم يقول: ياملائكتي اكسوهم، قال: فينطلقون إلى شجر في الجنة

___________________________________
(1) الدسم - بالتحريك -: الورك من لحم او شحم.


[356]

فيجنون (1) منها حللا مصقولة بنور الرحمن، ثم يقول: طيبوهم فتأتيهم ريح من تحت العرش تسمى المثيرة أشد بياضا من الثلج تغير وجوههم وجباههم وجنوبهم ثم يتجلى تبارك وتعالى سبحانه حتى ينظروا إلى نور وجهه المكنون من عين كل ناظر، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ياعظيم، ثم يقول الرب سبحانه تبارك وتعالى لا إله غيره: لكم كل جمعة زورة ما بين الجمعة إلى الجمعة سبعة آلاف سنة مما تعدون (2). وعنه، عن عوف بن عبدالله، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الجنة محرمة على الانبياء حتى أدخلها، ومحرمة على الامم حتى يدخلها شيعتنا أهل البيت (3). وعنه، عن عوف بن عبدالله، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الرب تبارك وتعالى يقول: ادخلوا الجنة برحمتي، وانجوا من النار بعفوي، وتقسموا الجنة بأعمالكم فوعزتي لانزلنكم دار الخلود ودار الكرامة، فإذا دخلوها صاروا على طول آدم ستين ذراعا، وعلى ملد (4) عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد العربية وعلى صورة يوسف في الحسن، ثم يعلو وجوههم النور، وعلى قلب أيوب في السلامة من الغل (5). وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الجنان أربع وذلك قول الله: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " وهو أن الرجل يهجم على شهوة من شهوات الدنيا وهي معصية فيذكر مقام ربه فيدعها من مخافته فهذه الآية فيه، فهاتان جنتان للمؤمنين و السابقين، وأما قوله: " ومن دونهما جنتان " يقول: من دونهما في الفضل وليس من دونهما في القرب، وهما لاصحاب اليمين وهي جنة النعيم وجنة المأوى، وفي هذه الجنان الاربع

___________________________________
(1) في بعض النسخ


[ فيحبون ]

. (2) نقله المجلسى - رحمه الله - في البحار ج 3 ص 350 من الاختصاص. وأخرجه البحرانى في غير موضع من تفسيره منها ج 4 ص 277 وص 278 وص 378 وأيضا كتابه معالم الزلفى من كتاب صفة الجنة والنار. (3) منقول في البحار ج 3 ص 353، وتفسير البرهان سورة الواقعة. (4) الملد - محركة -: الشباب والنعمة والاهتزاز، وفى بعض النسخ


[ على ميلاد عيسى ]

. (5) منقول في البحار كالخبر السابق.


[357]

فواكه في الكثرة كورق الشجر والنجوم، وعلى هذه الجنان الاربع حائط محيط بها طوله مسيرة خمسمائة عام، لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، ولبنة در، ولبنة ياقوت، و ملاطه المسك والزعفران، وشرفه نور يتلالؤ، يرى الرجل وجهه في الحائط، وفي الحائط ثمانية أبواب، على كل باب مصراعان عرضهما كحضر الفرس الجواد سنة (1). وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أرض الجنة رخامها فضة وترابها الورس والزعفران، وكنسها المسك، ورضراضها الدر (2) والياقوت. وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أسرتها من در وياقوت وذلك قول الله: " على سرر موضونة " يعني الوصم يغاسل أوساط السرر من قضبان الدر والياقوت مضروبة عليها الحجال، والحجال من در وياقوت، أخف من الريش وألين من الحرير، وعلى السرر من الفرش على قدر ستين غرفة من غرف الدنيا بعضها فوق بعض وذلك قول الله: " وفرش مرفوعة " وقوله " على الارائك ينظرون " يعني بالارائك السرر الموضونة عليها الحجال. وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن أنهار الجنة تجري في غير اخدود، أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، وألين من الزبد، طين النهر مسك أذفر، وحصاه الدر والياقوت، تجري في عيونه وأنهاره حيث يشتهي ويريد في جناته ولي الله فلو أضاف من في الدنيا من الجن والانس لاوسعهم طعاما وشرابا وحللا وحليا، لا ينقصه من ذلك شئ. وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن نخل الجنة جذوعها ذهب أحمر، وكربها زبرجد أخضر (3)، وشماريخها در أبيض، وسعفها حلل خضر، ورطبها أشد بياضا من الفضة وأحلى من العسل وألين من الزبد، ليس فيه عجم، طول العذق اثنا عشر ذراعا، منضودة من أعلاه إلى أسفله، لا يؤخذ منه شئ إلا

___________________________________
(1) منقول في البحار كالخبر السابق والحضر: عدو الفرس. (2) الرضراض: الحصى أو صغارها. (3) الكرب - بالتحريك -: أصول السعف الغلاظ القرض.


[358]

أعاده الله كما كان، وذلك قول الله: " لا مقطوعة ولا ممنوعة " وإن رطبها لامثال القلال و موزها ورمانها أمثال الدلي (1) وأمشاطهم ومجامرهم الدر. وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه واله في قول الله تبارك وتعالى: " طوبى لهم وحسن مآب " يعني وحسن مرجع، فأما طوبى فإنها شجرة في الجنة ساقها في دار محمد صلى الله عليه واله ولو أن طائرا طار من ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، على كل ورقة منها ملك يذكر الله، وليس في الجنة دار إلا فيها غصن من أغصانها وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة تحمل لهم ما يشاؤون من حليها وحللها وثمارها لا يؤخذ منها شئ إلا أعاده الله كما كان، بأنهم كسبوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا فقد أفلحوا وأنجحوا. وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أهل الجنة جرد مرد مكلحين، مكللين، مطوقين، مسورين مختمين، ناعمين، محبورين، مكرمين، يعطى أحدهم قوة مائة رجل في الطعام والشراب والشهوة والجماع، قوة غذائه قوة مائة رجل في الطعام والشراب ويجد لذة غذائه مقدار أربعين سنة، ولذة عشائه مقدار أربعين سنة، قد ألبس الله وجوههم النور وأجسادهم الحرير بيض الالوان، صفر الحلي، خضر الثياب. وعنه، عن عوف، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أهل الجنة يحيون فلا يموتون أبدا، ويستيقظون فلا ينامون أبدا، ويستغنون فلا يفتقرون أبدا، ويفرحون فلا يحزنون أبدا، ويضحكون فلا يبكون أبدا، ويكرمون فلا يهانون أبدا، ويفكهون ولا يقطبون أبدا (2) ويحبرون ويسرون أبدا، ويأكلون فلا يجوعون أبدا، ويروون فلا يظمؤون أبدا، ويكسون فلا يعرون أبدا، ويركبون ويتزاورون أبدا، يسلم عليهم الولدان المخلدون أبدا، بأيديهم أباريق الفضة وآنية الذهب أبدا، متكئين على سرر أبدا على الارائك ينظرون أبدا، تأتيهم التحية والتسليم من الله أبدا، نسأل الله الجنة برحمته إنه على كل شئ قدير (3).

___________________________________
(1) الدلى - بضم الدال وكسر اللام وتشديد الياء -: جمع دلو وهو معروف. (2) يفكهون أى يمزحون، والقطب ضده. (3) هذه الاخبار كلها منقولة من الاختصاص في البحار ج 3 ص 353.


[359]

(باب صفة النار) سعيد بن جناح، قال: حدثني عوف بن عبدالله الازدي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أراد الله قبض روح الكافر قال: ياملك الموت انطلق أنت و أعوانك إلى عدوي، فإني قد ابتليته فأحسنت البلاء، ودعوته إلى دار السلام فأبى إلا أن يشتمني، وكفر بي وبنعمتي، وشتمني على عرشي فاقبض روحه حتى تكبه في النار، قال: فيجيئه ملك الموت بوجه كريه كالح، عيناه كالبرق الخاطف، صوته كالرعد القاصف، لونه كقطع الليل المظلم، نفسه كلهب النار رأسه في السماء الدنيا ورجل في المشرق و رجل في المغرب، وقدماه في الهواء معه سفود (1) كثير الشعب، معه خمسمائة ملك معهم سياط من قلب جهنم، تلتهب تلك السياط وهي من لهب جهنم، ومعهم مسح أسود وجمرة من جمر جهنم، ثم يدخل عليه ملك من خزان جهنم يقال له: سحقطائيل فيسقيه شربة من النار، لا يزال منها عطشانا حتى يدخل النار، فإذا نظر إلى ملك الموت شخص بصره وطار عقله، قال: ياملك الموت ارجعون، قال: فيقول ملك الموت: " كلا إنها كلمة هو قائلها " قال: فيقول: ياملك الموت فإلى من أدع مالي وأهلي وولدي وعشيرتي وما كنت فيه من الدنيا فيقول: دعهم لغيرك واخرج إلى النار، وقال: فيضربه بالسفود ضربة فلا يبقى منه شعبة إلا أنشبها في كل عرق (2) ومفصل، ثم يجذبه جذبة فيسل روحه من قدميه بسطا فإذا بلغت الركبتين أمر أعوانه فأكبوا عليه بالسياط ضربا، ثم يرفعه عنه فيذيقه سكراته وغمراته قبل خروجها، كأنما ضرب بألف سيف، فلو كان له قوه الجن والانس لاشتكى كل عرق منه على حياله بمنزلة سفود كثير الشعب القي على صوف مبتل، ثم يطوقه (3) فلم يأت على شئ إلا انتزعه، كذلك خروج نفس الكافر من عرق وعضو ومفصل وشعرة، فإذا بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه ودبره وقيل: " أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون " وذلك قوله: " يوم يرون الملائكة لابشرى

___________________________________
(1) السفود - بالفتح وتشديد الفاء -: حديدة يشوى بها اللحم. (2) أنشب في كذا أى علقه وأعلقه، ومنه أنشب البازى مخاليبه. (3) لعل الصحيح " يدار فيه ".


[360]

يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (1) " فيقولون: حراما عليكم الجنة محرما، و قال: تخرج روحه فيضعها ملك الموت بين مطرقة وسندان فيفضخ أطراف أنامله وأخرما يشدخ منه العينان (2)، فيسطع لها ريح منتن يتأذى منه أهل السماء كلهم أجمعون فيقولون: لعنة الله عليها من روح كافرة منتنة خرجت من الدنيا، فيلعنه الله ويلعنه اللاعنون، فإذا اتي بروحه إلى السماء الدنيا اغلقت عنه أبواب السماء وذلك قوله: " لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين " يقول الله: ردها عليه فمنها خلقتهم وفيها اعيدهم ومنها اخرجهم تارة اخرى، فإذا حمل سريره حملت نعشه الشياطين فإذا انتهوا به إلى قبره قالت كل بقعة منها: اللهم لاتجعله في بطني حتى يوضع في الحفرة التي قضاها الله فإذا وضع في لحده قالت له الارض: لا مرحبا بك ياعدو الله أما والله لقد كنت ابغضك وأنت على متني وأنا لك اليوم اشد بغضا وأنت في بطني، أما وعزة ربي لاسيئن جوارك ولاضيقن مدخلك ولاوحشن مضجعك ولابدلن مطعمك إنما أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، ثم ينزل عليه منكر ونكير وهما ملكان أسودان أزرقان يبحثان القبر بأنيابهما و يطئان في شعورهما، حد قتاهما مثل قدر النحاس وكلامهما مثل الرعد القاصف وأبصارهما مثل البرق اللامع فينتهرانه ويصيحان به فيتقلص نفسه حتى يبلغ حنجرته فيقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك ومن إمامك؟ فيقول: لا أدري قال: فيقولان: شاك في الدنيا و شاك اليوم، لا دريت ولا هديت، قال: فيضربانه ضربة فلا يبقى في المشرق ولا في المغرب شئ إلا سمع صيحته إلا الجن والانس، قال: فمن شدة صيحته، يلوذ الحيتان بالطين وينفر الوحش في الخياس (3) ولكنكم لا تعلمون. قال: ثم يسلط عليه حيتين سوداوتين زرقاوتين تعذبانه بالنهار خمس ساعات وبالليل ست ساعات لانه كان يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله فبعدا لقوم لا يؤمنون، قال: ثم يسلط الله عليه ملكين أصمين أعميين معهما مطرقتان من حديد من نار، يضربانه فلا يخطئانه،

___________________________________
(1) الفرقان: 24. (2) الفضخ والشدخ: الكسر. (3) الخياس: غابة الاسد.


[361]

ويصيح فلا يسمعانه إلى يوم القيامة. فإذا كانت صيحة القيامة اشتعل قبره نارا فيقول: لي الويل إذا اشتعل قبري نارا، فينادي مناد ألا الويل قد دنا منك والهوان، قم من نيران القبر إلى نيران لا تطفأ، فيخرج من قبره مسودا وجهه مزرقة عيناه، قد طال خرطومه وكسف باله، منكسا رأسه يسارق النظر فيأتيه عمله الخبيث فيقول: والله ما علمتك إلا كنت عن طاعة الله مبطئا وإلى معصيته مسرعا قد كنت تركبني في الدنيا فأنا اريد أن أركبك اليوم كما كنت تركبني وأقودك إلى النار، قال: ثم يستوي على منكبيه فيركل قفاه حتى ينتهي إلى عجزة جهنم، فإذا نظر إلى الملائكة قد استعدو له بالسلاسل والاغلال قد عضوا على شفاههم من الغيظ و الغضب، فيقول: " ياويلتي ليتني لم اوت كتابيه " ويناد الجليل جيئوا به إلى النار، فصارت الارض تحته نارا والشمس فوقه نارا، وجاء‌ت نار فأحدقت بعنقه، فنادى وبكى طويلا يقول: واعقباه، قال: فتكلمه النار فتقول: أبعد الله عقبيك عقبا مما أعقبت (1) في طاعة الله، قال: ثم تجيئ صحيفة تطير من خلف ظهره وتقع في شماله، ثم يأتيه ملك فيثقب صدره إلى ظهره، ثم يفتل شماله إلى خلف ظهره. ثم يقال له: اقرء كتابك، قال: فيقول: أيها الملك كيف أقرء وجهنم أمامي؟ قال: فيقول الله: دق عنقه واكسر صلبه وشد ناصيته إلى قدميه، ثم يقول: خذوه فغلوه قال: فيبتدره لتعظيم قول الله سبعون ألف ملك غلاظ شداد، فمنهم من ينتف لحيته، ومنهم من يحطم عظامه قال: فيقول: أما ترحموني؟ قال: فيقولون: ياشقي كيف نرحمك ولا يرحمك أرحم الراحمين، أفيؤذيك هذا؟ قال: فيقول: أشد الاذى، قال: فيقولون: ياشقي وكيف لو قد طرحناك في النار؟ قال: فيدفعه الملك في صدره دفعة فيهوى سبعين ألف عام قال: فيقولون: " ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول " قال: فيقرن معه حجر عن يمينه وشيطان عن يساره، حجر كبريت من نار، يشتعل في وجهه ويخلق الله له سبعين جلدا كل جلد غلظته أربعون ذراعا بذراع الملك الذي يعذ به وبين الجلد لى الجلد أربعون ذراعا وبين الجلد إلى الجلد حيات وعقارب من نار وديدان من نار رأسه مثل الجبل العظيم، وفخذاه مثل جبل ورقان

___________________________________
(1) أى اورثت من العقوبة بسبب التقصير في طاعة الله، أو من قولهم. عقب الرجل اذا بغيته بشر (البحار).


[362]

- وهو جبل بالمدينة - مشفره أطول من مشفر الفيل، فيسحبه سحبا واذناه عضوضان (1) بينهما سرادق من نار تشتعل، قد أطلعت النار من دبره على فؤاده، فلا يبلغ درين سامهما (2) حتى يبدل له سبعون سلسلة للسلسلة سبعون ذراعا، ما بين الذراع إلى الذراع حلق عدد القطر والمطر، لو وضعت حلقة منها على جبال الارض لاذابتها، قال: وعليه سبعون سربالا من قطران من نار، وتغشي وجوههم النار، وعليه قلنسوة من نار، وليس في جسده موضع فتر إلا وفيه حلقة من نار، وفي رجليه قيود من نار، على رأسه تاج ستون ذراعا من نار، قد نقب رأسه ثلاث مائة وستين نقبا، يخرج من ذلك النقب الدخان من كل جانب وقد غلى منها دماغه حتى يجري على كتفيه يسيل منها ثلاث مائة نهر وستون نهرامن صديد، يضيق عليه منزله كما يضيق الرمح في الزج، فمن ضيق منازلهم عليهم ومن ريحها وشدة سوادها وزفيرها وشهيقها وتغيظها ونتنها، اسودت وجوههم، وعظمت ديدانهم فينبت لها أظفار كأظفار السنور والعقبان تأكل لحمه، وتقرض عظامه، وتشرب دمه، ليس لهن مأكل ولا مشرب غيره. ثم يدفع في صدره دفعة فيهوي على رأسه سبعين ألف عام حتى يواقع الحطمة فإذا واقعها دقت عليه وعلى شيطانه وجاذبه الشيطان بالسلسلة (3) كلما وقع رأسه نظر إلى قبح وجهه، كلح في وجهه، قال: فيقول: " ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين " ويحك بما أغويتني أحمل عني من عذاب الله من شئ فيقول: ياشقي كيف أحمل عنك من عذاب الله من شئ وأنا وأنت اليوم في العذاب مشتركون. ثم يضرب على رأسه ضربة فيهوي سبعين ألف عام حتى ينتهي إلى عين يقال لها: آنية يقول الله تعالى: " تسقى من عين آنية " وهي عين ينتهي حرها وطبخها وأوقد عليها مذ خلق الله جهنم، كل أودية النار تنام وتلك العين لا تنام من حرها وتقول الملائكة: يامعشر الاشقياء ادنوا فاشربوا منها، فإذا أعرضوا عنها ضربتهم الملائكة بالمقامع، و قيل لهم: " ذوقوا عذاب الحريق ذلك بماقدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ".

___________________________________
(1) العضوض: البئر البعيدة القعر. (2) كذا وفى نسخة


[ دوين سائهما ]

وفى تفسير البرهان " دوين بنيانهما ". (3) وقد يقرء في بعض النسخ


[ جاز به الشيطان السلسلة ]

.


[363]

قال: ثم يؤتون بكأس من حديد فيه شربة من عين آنية، فإذا ادني منهم تقلصت شفاههم وانتثرت لحوم وجوههم فإذا شربوا منها وصار في أجوافهم يصهر به ما في بطونهم والجلود. ثم يضرب على رأسه ضربة فيهوى سبعين ألف عام حتى يواقع السعير، فإذا واقعها سعرت في وجوههم، فعند ذلك غشيت أبصارهم من نفحها. ثم يضرب على رأسه ضربة فيهوي سبعين ألف عام حتى ينتهي إلى شجرة الزقوم " شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رؤس الشياطين " عليها سبعون ألف غصن من نار في كل غصن سبعون ألف ثمرة من نار، كل ثمرة كأنها رأس الشيطان قبحا ونتنا تنشب على صخرة مملسة سوخاء (1) كأنها مرآة زلقة، بين أصل الصخرة إلى الصخرة (2) سبعون ألف عام، وأغصانها تشرب من نار، ثمارها نار، وفروعها نار، فيقال له: ياشقي اصعد، فكلما صعد زلق، وكلما زلق صعد، فلا يزال كذلك سبعين ألف عام في العذاب، وإذا أكل منها ثمرة يجدها أمر من الصبر، وأنتن من الجيف، وأشد من الحديد، فإذا واقعت بطنه غلت في بطنه كغلي الحميم، فيذكرون ما كانوا يأكلون في دار الدنيا من طيب الطعام، فبينا هم كذلك إذ تجذبهم الملائكة فيهوون دهرا في ظلم متراكبة، فإذا استقروا في النار سمع لهم صوت كصيح السمك على المقلى (3) أو كقضيب القصب، ثم يرمى نفسه من الشجرة في أودية مذابة من صفر من نار وأشد حرا من النار تغلي بهم الاودية وترمي بهم في سواحلها، ولها سواحل كسواحل بحركم هذا، فأبعدهم منها باع والثاني ذراع والثالث فتر (4) فتحمل عليهم هوام النار الحيات والعقارب كأمثال البغال الدلم (5) لكل عقرب ستون فقارا، في كل فقار قلة من سم، وحيات سود زرق، مثال

___________________________________
(1) السوخاء: الارض التى تسيخ فيها الرجل أى ترسب ولعله ان صحت النسخة هنا كناية عن زلق الاقدام إلى أسفل. (البحار). (2) في بعض النسخ


[ إلى الشجرة ]

. (3) المقلى: وعاء يقلي فيه الطعام. (4) الباع قدر مد اليدين. والفتر - بالكسر -: ما بين طرف الابهام والمشيرة. (5) الدلم - بالضم -: جمع أدلم وهو الشديد السواد.


[364]

البخاتي، فيتعلق بالرجل سبعون ألف حية وسبعون ألف عقرب، ثم كب في النار سبعين ألف عام، لا تحرقه قد اكتفى بسمها، ثم تعلق على كل غصن من الزقوم سبعون ألف رجل، ما ينحني ولا ينكسر، فتدخل النار أدبارهم فتطلع على الافئدة.، تقلص الشفاه وتطير الجنان، تنضج الجلود وتذوب الشحوم. ويغضب الحي القيوم فيقول: يامالك قل لهم: ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا، يامالك سعر سعر قد اشتد غضبي على من شتمني على عرشي واستخف بحقي وأنا الملك الجبار، فينادي مالك: ياأهل الضلال والاستكبار والنعمة في دار الدنيا كيف تجدون مس سقر؟ قال: فيقولون: قد أنضجت قلوبنا، وأكلت لحومنا، وحطمت عظامنا، فليس لنا مستغيث، ولا لنا معين، قال. فيقول مالك: وعزة ربي لا أزيدكم إلا عذابا، فيقولون: إن عذبنا ربنا لم يظلمنا شيئا، قال: فيقول ما لك: " فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير " يعني بعدا لاصحاب السعير. ثم يغضب الجبار فيقول: يامالك سعر سعر، فيغضب مالك فيبعث عليهم سحابة سوداء تظل أهل النار كلهم، ثم يناديهم فيسمعها أولهم وآخرهم وأفضلهم وأدناهم، فيقول: ماذا تريدون أن أمطركم؟ فيقولون: الماء البارد واعطشاه ! واطول هواناه؟ فيمطرهم حجارة وكلاليبا، وخطاطيفا (1)، وغسلينا، وديدانا من نار، فينضج وجوههم وجباههم ويعمى أبصارهم (2) ويحطم عظامهم، فعند ذلك ينادون واثبوراه ! فإذا بقيت العظام عوارى من اللحوم اشتد غضب الله فيقول: يامالك اسجرها عليهم كالحطب في النار، ثم يضرب أمواجها أرواحهم سبعين خريفا في النار، ثم يطبق عليهم أبوابها، من الباب إلى الباب مسيرة خمسمائة عام، وغلظ الباب مسيرة خمسمائة عام، ثم يجعل كل رجل منهم في ثلاث توابيت من حديد من النار بعضها في بعض، فلا يسمع لهم كلاما أبدا إلا أن لهم فيها شهيق كشهيق البغال، وزفير مثل نهيق الحمير، وعواء كعواء الكلاب، صم

___________________________________
(1) الكلاليب جمع كلاب - بالضم والشد - معرب " قلاب " وهى حديدة معطوفة الرأس يجربها الجمر أو يعلق عليها اللحم، ويشبهها الخطاف وجمعه خطاطيف. (2) في بعض النسخ


[ يغضا أبصارهم ]

أى يظلم ابصارهم.


[365]

بكم عمي، فليس لهم فيها كلام إلا أنين، فيطبق عليهم أبوابها ويسد عليهم عمدها فلا يدخل عليهم روح أبدا، ولا يخرج منهم الغم أبدا، وهي عليهم مؤصدة - يعني مطبقة - ليس لهم الملائكة شافعون ولا من أهل الجنة صديق حميم، وينساهم الرب ويمحو ذكرهم من قلوب العباد فلا يذكرون أبدا. فنعوذ بالله العظيم الغفور الرحمن الرحيم من النار وما فيها ومن كل عمل يقرب من النار إنه غفور رحيم، جواد كريم (1).... ما تقول في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له؟ قال: يجزئ عن العبد حجة الاسلام ويكتب للسيد أجران: ثواب العتق وثواب الحج.(2) وروى عن البراء بن عازب قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم فقال: أتدرون أي عرى الايمان أوثق؟ قلنا: الصلاة، قال: إن الصلاة لحسنة وما هي بها، قلنا: الزكاة فقال: لحسنة وما هي بها، فذكرنا شرائع الاسلام، فقال: صلى الله عليه واله: أوثق عرى الايمان أن تحب الرجل في الله وتبغض في الله (3). وروى عن بعضهم بإسناد له قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن في الجنة لعمودا من ذهب عليه مدائن من زبرجد أخضر يضيئ لاهل الجنة كما تضيئ الكواكب الدري في افق السماء، قلنا: لمن هذا يارسول الله؟ فقال للمتحابين في الله. وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لسان الصدق خير للمرء من المال يأكله ويورثه.

___________________________________
(1) نقله المجلسى - رحمه الله - في البحار من الاختصاص، والبحرانى في مواضع من تفسيره منهاج 4 ص 466 من كتاب الجنة والنار لسعيد بن جناح. (2) كذا في جميع النسخ التى رأيناه والخبر رواه الصدوق في الفقيه ص 261 باسناده عن ابن محبوب، عن شهاب، عن ابى عبدالله عليه السلام، الحديث. (3) روى نحوه الكلينى في الكافى ج 2 ص 125.ونقله المجلسى - رحمه الله - منه ومن المحاسن في المجلد الخامس عشر (باب الحب في الله والبغض في الله) مع بيان له.


[366]

وروى عن النبي صلى الله عليه واله قال: اختبروا الناس فإن الرجل يجاذب من يعجبه. وقال الشاعر: امحض مودتك الكريم فإنما *** يرعي ذوي الاحسان كل كريم واخ أشراف الرجال مروة *** والموت خير من أخ لئيم تم الكتاب بعون الله تعالى