القسم الثاني

الفصل
ذكرى

الذنوب

اثار الذنوب

وسائل علاج الذنوب

مراحل التوبة
من ثمار التوية
يوم البلوغ

النية والعبادة

الاحكام الشرعية

 

 

 

 

*************

 

 

 

 

 

 

 

 

آثار الخوف من اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة

 

 

     الخوف من اللَّه هو الطريق الأمثل لدرك الجنة و رضا اللَّه وهو الطريق لإصلاح النفس فالخائف من اللَّه لا يكذب ولا يغتاب ولا يفعل ما يحرمه اللَّه تعالى وفي المقابل اللَّه تعالى ينزل عليه بخوفه من أنواع الرحمات ويدخله فسيح جنته وفوق ذلك الخائف من اللَّه مطمئن النفس لأنه مستعد للموت في أي آن ولحظة .

والدليل على اطمئنانه ما ورد عن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: ((من خاف اللَّه أخاف اللَّه منه كل شيى‏ء ومن لم يخف اللَّه أخافه اللَّه من كل شيى‏ء))  .                                                                    

الكافي.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ((من خاف اللَّه آمنه اللَّه من كل شيئ ومن خاف الناس أخافه اللَّه سبحانه من كل شيئ)). غرر الحكم.

   وعن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: ((من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة اللَّه عزوجل حرم اللَّه عليه النار وآمنه من الفزع الأكبر وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله: ولمن خاف مقام ربه جنتان))                                                                                                                

البحار .

وكذا ما عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى (و لمن خاف مقام ربه جنتان), ((من علم أن اللَّه يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى)) .                                                   

 الكافي .

       فاللَّه سبحانه وتعالى تكفل على أن يرحم ويدخل الخائف منه فسيح جنته وهنالك حديث قدسي عظيم فيه الوعد وفيه الوعيد وإن من عمل بما يرضي ربه فسوف يسره اللَّه وإن عمل بما يسخطه أركسه اللَّه في عذابه ففي الخبر (( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا آمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا آمنته يوم القيامة)).

      فيضمن لنا اللَّه الرحمة منه إن جعلنا ميزان اللَّه نصب أعيننا ولذا ترى شخصيات خافت اللَّه تعالى فنظر إليها نظرة رحيمة فعن ليث بن أبي سليم قال سمعت رجلاً من الأنصار يقول: بينما رسول اللَّه مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر إذ جاء رجل فنزع ثيابه ثم جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي به ظهره مرة وبطنه مرة وجبهته مرة ويقول: يا نفس ذوقي فما عند اللَّه أعظم مما صنعت بك ورسول اللَّه ينظر إليه ما يصنع ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل فأومى إليه النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: بيده ودعاه فقال له: ياعبداللَّه! رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أحداً من الناس صنعه، فما حملك على ما صنعت؟

  فقال الرجل: حملّني على ذلك مخافة اللَّه، فقلت لنفسي: يا نفس ذوقي فما عند اللَّه أعظم مما صنعت بك .

  فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: لقد خفت ربك حق مخافته وإن ربك ليباهي بك أهل السماء ثم قال لأصحابه: يا معشر من حضر! ادنوا من صاحبكم حتى يدعوا لكم .

   فدنوا منه، فدعا لهم وقال: اللهم اجعل أمرنا على الهدى واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا.

 تنبيــه :

 قال الإمام السجاد في بعض أدعيته:

((سبحانك عجباً لمن عرفك كيف لا يخافك)) .

   انظري إلى هذه القصة التي تقشعر منها الأبدان وإليك ثانياً  لبيت العصمة وما قالوا وما فعلوا .

 1- قال أفلح مولى الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام: خرجت مع محمد بن علي حاجاً فلما دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته فقلت: بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلاً .

 قال: ويحك يا أفلح ولم لا أبكي لعل اللَّه ينظر إلي منه برحمة فأفوز بها عنده غداً .

    قال ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه .

صفوة الصفوةج 2 ص 110 نقلته عن قادتنا كيف نعرفهم

 2- الإمام السجاد فقد قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي : مناقبه ومزاياه كثيرة منها أنه عليه السلام كان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟

   فيقول عليه السلام: تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟

   وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة و يقول: أريد أن أقوم بين يدي ربي و أناجيه فلهذا تأخذني الرعدة، ووقع الحريق والنار في البيت الذي هو فيه وكان ساجداً في صلاته فجعلوا يقولون: يا ابن رسول اللَّه النار، يا ابن رسول اللَّه النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أُطفِئَت.

 فقيل له: ما الذي الهاك عنها ؟

 فقال: نار الآخرة.

مطالب السؤول في مناقب آل الرسول عليهم السلام ص 204 ورواه السيد شهاب الدين احمد في توضيح

 الرسائل في تصحيح الفضائل ص 773 مع فرق، وسبط ابن الجوزى في تذكرة الخواص ص 325 .

3- قال أبو حمزة الثمالي رأيت علي بن الحسين عليهما السلام يصلي فسقط رداؤه عن أحد منكبيه، قال: فلم يسوه حتى فرغ من صلاته .

قال: فسألته عن ذلك .

فقال: ويحك أتدري بين يدي من كنت؟ إن العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه .

4- وإليك الآن بدعاء للإمام زين العابدين المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي الذي يقطع القلب إذ يقول فيه‏((فما لي لا أبكي ، أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي أبكي لسؤال منكر و نكير إياي أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري انظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي إذ الخلائق في شأن غير شأني لكل امرئ منهم شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة و وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة وذلة))  .                                   

       مفاتيح الجنان .

 

 


 

 

ذكــــرى

 

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((‌إن لله تعالى ملكاً ينزل كل ليلة فينادي:

يا أبناء العشرين جدوا واجتهدوا .

ويا أبناء الثلاثين لا تغرنكم الحياة الدنيا .

ويا أبناء‌ الأربعين ماذا أعددتم للقاء ربكم .

ويا أبناء الخمسين أتاكم النذير .

ويا أبناء الستين زرع آن حصاده .

ويا أبناء السبعين نودي لكم فأجيبوا .

ويا أبناء الثمانين أتتكم الساعة‌ وأنتم غافلون .

ثم يقول : “لولا عبادٌ ركع ورجال خشع وصبيان رضع وأنعام رتع لصب عليكم العذاب صباً)) .

 

 


 

 

الذنوب

قال تعالى ((ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن))         

                                                                                          الأنعام 151.

    إننا لو نظرنا إلى الأمراض الصحية التي يعانيها الإنسان لوجدناها غالباً ما تكون بسبب مخالفة الدساتير الصحية التي وضعها الأطباء وقاية وعلاجاً للأبدان وكل مخالفة لقواعد الصحة هناك مرض في مقابلها، هذا في الأمراض الصحية أما الذنوب فهي أعظم مغبة وغائلة فهي:

 1- تسبب الأمراض.

2- تجلب سخط اللَّه وتزيل رحمته.

 3- ضررها ليس مقتصراً في الدنيا فقط بل في الآخرة عذاب شديد.

    وفي هذا المقام المبارك نذكر ثلاث نقاط عن موضوع الذنوب وهي:

1- التحذير من الذنوب  .

2- آثار الذنوب .

 3- وسائل علاجها .

 

خطر المعاصي آيات وروايات

      أما في التحذير من المعاصي فقد جاءت آيات وروايات للتهويل منها فمن ضمن الآيات قوله تعالى:(بلى من كسب سيئة و أحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) 81 البقرة .

   وقوله تعالى (واعلموا أن فيكم رسول اللَّه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن اللَّه حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون) 7 الحجرات            

      ففي الآية الأولى صرح القرآن الكريم على أن اكتساب المعاصي سبب لدخول النار والخلود فيها بينما الآية الأخرى فرضت إتباع الرسول ووصفت أتباعه بأنهم هم الراشدون لكونهم تركوا الكفر والفسوق العصيان فكل هذه الأمور هي أساس الشر والطغيان فلو صفا الإنسان عنها لصار من القوم الذين يحبون لقاء اللَّه تعالى لأنهم راضون عن أنفسهم .

     وأما الأحاديث فهي كالمعتاد تفصل و تبين حتى الجزئيات لهداية البشر وإليك ما يهز الكيان ويحفر القلب فقد قال الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم: في الحديث الذي رواه الإمام الصادق عليه السلام عنه قال: ((عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار)).

     فنحن نخاف من الطعام الذي يضرنا ولكن في المقابل هنالك شيى‏ء إذا فعلناه لم نتمرض فقط بل ندخل النار ألا وهي الذنوب فكما لابد أن نحافظ على صحتنا من الأمراض لابد أن نرحم أجسادنا الضعيفة عن النار.

 

أقســام الذنــوب

 والذنوب تنقسم إلى قسمين و هما الصغائر والكبائر وكلاهما معصية ولكن الفرق بينهما في شدة العذاب وقلته فالكبائر هي التي توعد اللَّه بها النار, كعقوق الوالدين والحسد والغيبة ولكن هنالك حالات تكون الذنوب فيها كلها عظيمة وتوجب دخول النار ومن تلك الحالات:

  1- الإصرار على الذنب وعدم التفكير بالتوبة قال أمير المؤمنين عليه السلام:

 ((أعظم الذنوب عند اللَّه ذنب أصر عليه عامله)) .

2- الاستخفاف بعقاب اللَّه بالاستهتار وعدم الوجل من اللَّه تعالى فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((أشد الذنوب عند اللَّه سبحانه ذنب استهان به راكبه)) .

 3- الابتهاج بالمعاصي والفرح بإتيانها والتلذذ بها كمن يغتاب ويضحك ويستر, ومن لا تتحجب الحجاب الشرعي وتستر فعن الإمام زين العابدين عليه السلام قال:

((إياك والابتهاج بالذنب فإن الابتهاج به أعظم من ركوبه)).

 4- احتقار الذنب وعدم النظر إلى من عُصِي , بأن يقول لو أن دخول النار بهذا فلا ضرر وبمعنى آخر عدم المبالاة بفعل الذنب والتقليل من خطره  فعن الإمام الباقر عليه السلام قال:

((من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل ياليتني لا أُواخَذُ إلا بهذا)) .

5- سوء الخلق فهو سبب للانغماس في الذنوب فعن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: ((لكل ذنب توبة إلا سوء الخلق فإن صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب)) .

 

مــن نتائـــج الذنــوب

      وانتبهي إلى أمر مهم يغفل عنه كثير من الناس وهو أن بعضهم يُذنِبُ لأجل أن يكسب مصلحة كأن تغتاب لأجل أن يحبها الناس، أو لا  تتحشم في لبسها أو كلامها  لكي يقال لها أنك متطورة , وهذا خطأ فسرعان ما ينعكس الأمر عليها و تكون هي الخاسرة , ثم لا بد من لفت النظر إلى أمر وهو أنه مَنْ المُوَفِقْ ؟

الجواب: هو اللَّه تعالى إذاً كيف نريد توفيق اللَّه وتسهيله بمعصيته فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: كتب رجل إلى الحسين صلوات اللَّه عليه: عظني بحرفين؟

فكتب إليه: ((من حاول أمراً بمعصية اللَّه كان أفوت لما يرجو وأسرع لمجي‏ء ما يحذر)) .

    وإليك أمراً مهماً آخر وهو كما أن للحسنات والطاعات توفيقاً وتسديداً من اللَّه تعالى  وارتياحاً وابتهاجاً  وسروراً وقرباً إلى اللَّه تعالى ,  كذلك للمعصية سكرة تنسي الإنسان ربه وطاعته فقد قال الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: إحذر سكر الخطيئة فإن للخطيئة سكراً كسكر الشراب بل هي أشد سكراً منه يقول اللَّه تعالى :((صم بكم عمي فهم لا يرجعون)) 18 البقرة.

     ولذا يستحب لرفع أو دفع وسوسة الشيطان سواء كان شيطان الإنس أو الجن أن يقوم الإنسان ويصلي ركعتين لكي لا يندك في معصية اللَّه تعالى أو أن يتعوذ من شيطان الإنس بذكره الصلاة على النبي وآله عليهم السلام ومن شيطان الجن بقوله لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم .

     ولا تتخيلي أن تراكم المعاصي صعب بل هو أسهل من شربة الماء لمن لا يلتفت إلى نفسه فالخروج إلى السوق مثلاً ربما تكمن فيه عشرات المعاصي فمنها:

1- الخروج من دون جوراب .

2- ظهور الذراع .

3- الكلام مع صاحب المحل بغير احتشام .

4- الغيبة .

 5- الكذب .

6- لبس الملابس الضيقة بحيث تبين مفاتن المرأة كأن تلبس بنطلوناً وعليها عباءة وتعلم أن الهواء سيرفع العباءة .

7- لبس البرقع مع علمها بأنه يسبب الإفتتان على رأي من يجيز طبعاً .

 8- الخروج من دون إذن الزوج .

 9-  نظرها إلى ذراع رجل أجنبي .

      وكثير من الأمور فلابد من ملاحظة الشارع المقدس وما يريده وما يكرهه ولقد جاء الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم لهذا المعنى بمثال عملي فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ((أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم نزل بأرض قرعاء.

 فقال لأصحابه: ائتوا بحطب ؟

 فقالوا: يا رسول اللَّه نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب.

 قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض.

 فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم: هكذا تجتمع الذنوب فإن لكل شيئ طالباً ألا وإن طالبها يكتب ((ما قدموا وآثارهم وكل شيىء أحصيناه في إمام مبين))

                               

أيهمــــا  أولـــــــى

 

    ثم لماذا يذنب الإنسان ويمني  نفسه بالتوبة فلعله لا يوفق لأن يتوب بل في الخبر أن ترك المعاصي خير من أن تأتي بالحسنات فاللَّه تعالى يرشدك إلى أن عدم تدنيس كتابك بالمعاصي أولى وخير من ملئه بالطاعات لكي إذا لقيت اللَّه تعالى تكون دفاترك سالمة من الذنوب فعن الإمام علي عليه السلام قال:

(( اجتناب السيئات أولى من اكتساب الحسنات)) .

    وقال سلام اللَّه عليه بكيفية أخرى:

      ((جدوا واجتهدوا وإن لم تعملوا فلا تعصوا فإن من يبني ولا يهدم يرتفع بناؤه وإن كان يسيراً وإن من يبني ويهدم يوشك أن لا يرتفع بناؤه)) .

    ولذا في الخبر لا خير في النوافل إذا أضرت بالفرائض فبدلاً من أن يصلي صلاة الليل إذا كانت صلاته تجعله يأتي بصلاة الصبح قضاءاً فالإتيان بصلاة الفجر في وقتها خير من أن يصلي الشخص صلاة الليل ولا يؤدي الصلاة الفجرية في وقتها .

 

 

 


 

 

آثار الذنوب

قال تعالى:

 ((ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير))

 30 الشورى.

  تكلمنا في المقام السابق عن الذنوب وخطرها والآن نتكلم عن آثار الذنوب فكما أن لمخالفة الإرشادات الصحية آثار وعوارض فكذا في الركون إلى معاصي اللَّه جل وعلا فلها آثارها أيضاً والآثار على كيفيات ونقسمها على حسب الاستقراء الناقص إلى أربعة موارد:

 1- أثر الذنوب على العقل .

2- أثر الذنوب على الإيمان .

3- أثر الذنوب على الأمور الأخروية .

4- أثر الذنوب على الأمور الدنيوية .

*****

 

تأثير الذنوب على العقل

      تأثير الذنوب على العقل واضح للمتفطن حيث أنه كما أن المرآة تتسخ بسبب الغبار فلا يرى منها فكذلك العقل بسبب الذنوب تحصل فيه حجب وأغطية فلا يستطيع أن يتحرك فلو أن الإنسان لم يعص اللَّه تعالى أربعين يوماً لجرت ينابيع الحكمة على لسانه كما في الخبر.

  فالذنوب تمنع من الإدراك والفهم ولذا لقمان الحكيم لم يكن حكيماً إلا لصفاء سريرته وفي المقام قال الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم:

((من قارف ذنباً فارقه عقل لا يرجع إليه أبداً))

 

 

تأثير الذنوب على الإيمان

    فتأثير المعاصي على الإيمان فهو كما أن الطاعة مقربة إلى الله تعالى وجالبة لرضاه فكذلك المعاصي بضدها مبعدة عنه ومجلبة لسخطه والذنب على الذنب كالحطب مع النار فبه تشتد المعاصي وباشتداد المعاصي يخرج الإنسان من موضع عناية اللَّه تبارك وتعالى فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: كان أبي عليه السلام يقول: ((ما من شيى‏ء أفسد للقلب من خطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله)) .

   وعنه أيضا سلام اللَّه عليه قال: ((إذا أذنب الرجل خرج من قلبه نكتة سوداء فان تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا  يفلح بعدها أبداً .........)) .

 

تأثير الذنوب على القرب الإلهي والاستعداد للآخرة

    فتأثير الذنوب على القرب الإلهي والاستعداد للآخرة هو سبب أساس لنسيان اللَّه وعدم الاستعداد للقائه فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ((إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل وإن العمل السيى‏ء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم)).

      انظر إلى عظم الاقتحام في الذنب ولذا ترى في بعض الأوقات تحب أن تفعل كل ما يرضي اللَّه من استماع مأتم أهل البيت وصلاة ليل وغيرها وهذا ينم عن عمل صالح عملته فاللَّه أحبك وأراد منك غير هذا لكي تحضى على كرمه , وفي المقابل ‏ترى بعض الناس يحب أن يسمع الغناء أو يتلهى في أمور لا يرضى بها اللَّه تعالى من نظر إلى الأفلام الساقطة التي لا يقبلها اللَّه تعالى ولا رسوله ولا أهل البيت ولا البضعة الطاهرة، وهذا يكشف على أن هذا الشخص بعُد عن اللَّه تعالى فقرب إليه الشيطان الرجيم ولذا إذا حصلت هذه الحالة لأحد المؤمنين  فلابد أن يأتي بطاعة للَّه تعالى ولو سجدة لأنك بذلك ترغمي أنف الشيطان .

     وليس الأمر مقتصراً على هذا الحد وهو عدم التوفيق للطاعة بل في يوم القيامة يشاهد الأمرًين فعن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: ((يا بن مسعود لا تحقرن ذنباً ولا تصغرنه واجتنب الكبائر فإن العبد إذا نظر يوم القيامة إلى ذنوبه دمعت عيناه قيحاً ودماً يقول اللَّه تعالى (يوم تجد كل نفس ما عملت ...)) الآية .

 

تأثير الذنوب في الأمور  الدنيوية

     فتأثير المعاصي على الأمور الدنيوية كبير جداً فكل مرض وبلية ومشكلة هي بذنب فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ((أما أنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا  بذنب وذلك قول اللَّه عزوجل في كتابه: وما أصابكم من مصيبة...) ثم قال وما يعفو اللَّه أكثر مما يؤاخذ به)) .

    بل أعظم من ذلك فحتى الخدشة والكبوة في الأرض فعن الإمام علي عليه السلام قال: ((توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب حتى الخدش والكبوة و المصيبة قال اللَّه عزوجل (وما أصابكم من مصيبة ...)) .

   بل أنه قد يبتلى الإنسان في زوجته والزوجة في زوجها أو في أبنائهم وما هو إلا بسبب الذنوب فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (( قد يبتلي اللَّه المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله وتلا هذه الآية (وما أصابكم من مصيبة ...) وضم يده ثلاث مرات و يقول : ويعفو عن كثير)) .

   وعن الإمام الرضا عليه السلام قال: ((المرض للمؤمن تطهير ورحمة وللكافر تعذيب ولعنة وإن المرض لا يزال بالمؤمن حتى لا يكون عليه ذنب)) .

      وعن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال:

((السقم يمحو الذنوب)) .

     فلا يحزن من يصاب بالعاهات فهو وإن تألم و لكن هذا الألم لا يقاس بألم الآخرة فليفرح وليحمد اللَّه على حاله وليطلب العون والمغفرة ولذا كان الإمام زين العابدين عليه السلام إذا رأى المريض قد برئ قال له: ((ليهنئك الطهر - أي من الذنوب- فاستأنف العمل)) .

     وحتى المرض في الأبناء أحياناً يكون كفارة لذنوب الوالدين كما عن الإمام علي عليه السلام.

     بل إن الإنسان في بعض الأحيان يشعر بحزن ولا يعرف سببه وما هو إلا ذنب عليه فاراد اللَّه تعالى عن طريق الحزن التكفير عنه فعن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال: ((إذا كثرت ذنوب المؤمن ولم يكن له من العمل ما يكفرها ابتلاه اللَّه بالحزن ليكفرها به عنه)) .

    بل أعظم من ذلك بعض الأحيان يرى كوابيساً وأموراً مخيفة في نومه وما هي إلا كفارة لذنوبه فعن الإمام الصادق عليه السلام قال:

((إن المؤمن ليهول عليه في منامه فتغفر له ذنوبه وإنه ليمتهن في ذنوبه فتغفر له ذنوبه)) .

      بل إن من يموت بسبب الذنوب أكثر ممن يموت بسبب الأجل فاللَّه تعالى مثلاً قرر للإنسان أن يعيش مائة سنة فإذا أذنب نقصت سنة وإذا اغتاب مثلاً نقصت مقدار وهكذا حتى يموت في سن مبكرة وما هو إلا بسبب ذنوبه فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ((من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال)) .

 

خلاصة الكلام

      وبالجملة فهناك موازنة فبكل ذنب بلاء و لذا كثرت الأمراض وخروج أنواع جديدة منها, وما هو إلا بسبب الذنوب فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ((كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث اللَّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون)) .

     بل إن بعض الذنوب تسلب بركات اللَّه ورحمته فعن الإمام الصادق عليه السلام قال أبي عليه السلام يقول: ((إن اللَّه قضى قضاءً حتماً ألا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة)) .

     فهذا صك ضمان من اللَّه تعالى فلا تعصوا لكي لا تسلب نعمة منكم، بل لا تعصِ  لكي تنزل بركاته عليكم فان الإنسان إذا عصى منع اللَّه عنه ما أراد أن يعطيه من مال أو ولد أو جاه أو صحة أو غيرها فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: ((أن العبد يسأل اللَّه الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو وقت بطيئ فيذنب العبد ذنباً فيقول اللَّه تبارك وتعالى للملك: لا تقضي حاجته واحرمه إياها فانه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني)) .

     وهنالك نوع من الذنوب مفعولها سريع فيعاقب الإنسان بها في الدنيا فعن الرسول الأكرم صلى اللَّه عليه و آله وسلم قال: ((ثلاثة من الذنوب تعجل عقوبتها ولا تؤخر إلى الآخرة عقوق الوالدين والبغي على الناس وكفر الإحسان)) .

      بل وهنالك ذنوب لها آثارها الخاصة وإليك هذا الخبر فعن الإمام الصادق عليه قال: ((الذنوب التي تغير النعم البغي والذنوب التي تورث الندم القتل و التي تنزل النقم الظلم والتي تهتك الستر شرب الخمر والتي تحبس الرزق الزنا والتي تعجل الفناء قطيعة الرحم والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين)) .

     ولا تظنين أن للمعصية حلاوة حقيقية فهي سرعان ما تتلاشى ويأتي العقاب ففي الدنيا ذل فعن الإمام علي عليه السلام قال:

((من تلذذ بمعاصي اللَّه أورثه اللَّه ذلاً)) .

    وفي الآخرة اليم العقاب فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال:

((حلاوة المعصية يفسدها ألم العقوبة)) .

   وهل نتصور أن إنساناً يتلذذ بسخط اللَّه تعالى؟ .  نعم مَن نسي اللَّه تعالى أنساه اللَّه نفسه وأكبر شاهد واقعة الطف وما كان سبباً لهذه الواقعه فأضلاع الإمام الحسين لم تتكسر إلا لأن هناك أضلاع كسرت........ الخ

 

 


 

 

وسائل علاج الذنوب

 

 قال تعالى ((إن الحسنات يذهبن السيئات)) 114 هود .

وقال  تعالى (( إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين )) 222 البقرة .

     كما تجدر المسارعة إلى علاج الجسم من الجراثيم  والأمراض قبل استفحالها وضعف الجسم عن مكافحتها كذلك تجب المبادرة إلى تصفية النفس و تطهيرها من أضرار الذنوب و دنس الآثام قبل تفاقم غوائلها وعسر تداركها .

       وكما تعالج الأمراض الصحية بتجرع العقاقير الكريهة و الاحتماء عن المطاعم الشهية الضارة كذلك تعالج الذنوب بمعاناة التوبة والإقلاع عن الشهوات العارمة والأهواء الجامحة‌ ليأمن التائب أخطارها ومآسيها الدنيوية‌ و الأخروية .

      فالتوبة هي الرجوع إلى الله تعالى بقلب صادق وبذل كل ما يرفع سخط الرحمن ، فالإنسان لا يعلم متى سيلاقي ربه هل في شبابه أم في هرمه هل في صحته ‌أم في سقمه هل حال طاعته‌ أم حال معصيته فلذا يجب على الإنسان العاقل أن يتوب إلى الله تعالى ولا يمني نفسه بغد وبعد غد بل يبادر في شبابه قبل هرمه وفي صحته قبل سقمه وهذا أمر طبيعي للمؤمن بالآخرة والجزاء وأن حال الدنيا معبر لا مستقر فمن نظر بهذا المنظار فلن يعصِ الله تعالى طرفة‌ عين أبداً ولذا تفكر ساعة خير من عبادة كذا سنة .

  ولكن هناك سؤال مهم إذا تاب العبد هل القبول محتم وما هي مراحل التوبة وشروطها؟

 الجواب .

  أما أن التوبة‌ هل هي علة للقبول أم مقتضي كما يقول المنطقيون فالصحيح أنها مقتضي ولكن الله تعالى آلى على نفسه بالقبول إن صدقت التوبة .

 

* توضيح ذلك:

    هنالك في التكوينيات أي الأمور الخارجية أمران من الشروط فمنها مهما تحقق الشرط تحقق المشروط ومهما تحقق السبب تحقق المسبب مثل الكسر والانكسار, فالكأس إذا انكسر فلابد أن يتكسر وهل نتصور انكسار من دون تكسر؟ .

  الجواب: لا. فهل التوبة كذلك أم أنها هي سبب فقط وربما هذا السبب لا يؤثر كشرب الماء للعطشان فهل لابد أن يرتوي بمجرد شربها فيمكن أن يوجد شخص مهما شرب الماء‌ لا يرتوي كبعض قتلة‌ الإمام الحسين عليه ‌السلام وكذا يأكل ولا يشبع كالذي دعا عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

   فالتوبة‌ وقبولها مثل شرب الماء‌ والارتواء فليس لزاماً على الله تعالى أن يتوب على العاصين ولكن رحمته وصفحه جعله يرحم كل من توجه إليه بقلب صادق .

 

 

 


 

 

مراحل التوبة

  وأما ما هي مراحل التوبة فهي ثلاث مراحل الواحدة تتلو الأخرى :

1ـ مرحلة‌ يقظة الضمير وشعور المذنب بذنبه والندم على معصية الله تعالى التي تسبب سخطه وعقابه .

2ـ مرحلة الإنابة والرجوع إلى الله تعالى والعزم الصادق على طاعته ونبذ عصيانه .

3 ـ تصفية النفس من تبعات الذنوب إن كانت لها تبعات فما كان من حقوق الله تعالى وما يختص به كالصلاة والحج والخمس أداه وما كان من حقوق البشر كأموال الناس المأخوذة‌ عنوة ومن دون رضاً قام بإيصالها لمستحقيها .

    فإن أدى التائب كل ذلك خرج من ذنوبه بصفح من الله ورحمة ولكن ليست التوبة هزل عابث ولقلقة يتشدق بها اللسان وإنما هي الإنابة الصادقة إلى الله تعالى ومجافاة عصيانه بعزم وتصميم قويين والمستغفر بلسانه وهو سابح في المعاصي مستهتر كذاب كما قال الإمام الرضا عليه السلام ((المستغفر من ذنب ويفعله كالمستهزي بربه)) .

 

 


 

من ثمار التوبة

  للتوبة ثمار عظيمة ويكفي أن تكون التوبة سبباً لحب الله تبارك وتعالى وإليك بعض الأخبار في هذا المجال :

1ـ قال الإمام الصادق عليه السلام: ((إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبه الله تعالى فستر عليه في الدنيا والآخرة .‌  

قال: وكيف يستر الله عليه؟

   قال :‌ ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب ثم يوحي إلى جوارحه أكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض أكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله تعالى حين يلقاه وليس يشهد عليه بشيئ من الذنوب)) .

2ـ عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم :

((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) .

3ـ وقال صلى الله عليه و آله وسلّم في حديث آخر:

((ليس شيئ أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة)) .

   وفي ختام هذا الموضوع يحسن بنا أن نذكر هذا الخبر الشريف فكلامهم نور وأمرهم رشد و وصيتهم التقوى وفعلهم الخير.

     فعن الإمام الصادق عليه السلام قال إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فقال له : يا رسول الله أوصني؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :((فهل أنت مستوص إن أنا أوصيتك؟!!! حتى قال له ذلك ثلاثاً !!! وفي كلها يقول له الرجل : نعم يا رسول الله .

  فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فإني أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن يك رشداً فامضه وإن يك غياً فانته عنه)) .

والحمد لله رب العالمين جعلنا الله تعالى وإياك ممن يستمع القول فيتيع أحسنه.

 

 


 

يوم البلوغ

      ولنتطرق إلى مسألة فقهية مهمة لحياة كل فتاة مقبلة على عالم التكليف و لكن نأتي بمقدمة وهي لو أن الزهراء سلام اللَّه عليها أمرتني بصب الماء لها فماذا سيكون موقفي؟

   بالطبع سوف ألبي طلبها وأنا فرحة حيث جعلت أمرها لي، فطلب العظيم يعتبر رحمة وبركة.

    وكذا نحن الفتيات إذا أكملنا التاسعة ودخلنا العاشرة اللَّه تعالى يكلفنا بالأمور الشرعية من صلاة وصوم وحجاب وعفاف وأداء أمانة وغيرها من الأحكام لأن اللَّه تعالى قبلك ضيفاً عليه .

   فالفتاة تبلغ إذا أكملت التاسعة ودخلت في العاشرة .

     وهناك من العلماء من إذا صار يوم بلوغ ابنته يجعل في ذلك اليوم حفلة وفرحاً لكي تشعر الفتاة أنها تغيّرت مسيرة حياتها من الطفولة إلى طور النساء فافعلي أختي المؤمنة ببناتك كما يفعل العلماء لبناتهن .

    ومع ملاحظة وهي أنه لا بد أن تعوَّد الفتاة قبل ذلك العمر على الصلاة والحجاب وشيئاً من الصوم لكي لا تتفاجئ بالتكاليف الإلهية والعجب أن كثيراً من الناس إذا رأى فتاة صغيرة محجبة قالوا: ما زالت صغيرة اجعلوها تمرح و تلعب .

    وهذا ليس بصحيح  فهل الفرح والمرح مقتصر على السفور بل ينبغي تشجيع الفتاة معنوياً بأن يقال لها مثلاً إنك سائرة على نهج الزهراء عليها السلام إنك من أهل الجنة إن سرت على هذا المنوال إنك ترضين صاحب الزمان عليه السلام بتصرفك ....الخ وبالأمور المادية كأن تعطى الهدايا لتقتنع أكثر فأكثر .

 

وهذه الرسالة لكل امرأة حريصة على مستقبل بناتها.

 


 

النية و العبادة

 الأحكام الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

 1- العبادات: بين العبد وبين ربه كالصلاة والصوم .

 2- المعاملات: بين العبد وبين عبد آخر كالزواج والبيع .

 3- الإيقاعات: يتولاها شخص واحد كالنذر والوقف .

    وتشترك هذه في أمور منها القصد لإيقاع الفعل فلو جيئ بأحدها من دون قصد لم يحصل حقيقة ولكن تفترق أن المعاملات والإيقاعات تتحقق ولو لم يقصد بها القربة إلى اللَّه تعالى وإن أستحب قصد القربة في كل شيئ ليحضى على الثواب الجزيل ولكن في الأمور العبادية يشترط فيها التقرب بها إلى اللَّه تعالى ولقصد القربة أحكام وهي :

1 – لا يجب التلفظ بالنية بل لا يستحب التلفظ بها بل يكفي إخطارها في الذهن فلا يستحب أن يقال مثلاً أصلي صلاة الصبح قربة إلى اللَّه تعالى بل يكفي العزم وإخطار القربة في الذهن نعم في نية الإحرام للحج والعمرة يستحب التلفظ بها فقط كما هو موجود في العروة ومناسك الحج .

2 - ضم الرياء للعمل العبادي مبطل لها فلو صلى الشخص لكي يراه الناس أو يحبوه بطلت صلاته .

  التطهير خارج عن هذه الأقسام فهو ليس من العبادات ولا الإيقاعات ولا المعاملات فيصح ولو لم يقصد الفعل منه , فلو طهرت الملابس أو البدن من دون قصد تحقق التطهر . ولربما هنالك غير هذا فلا تغفلي كالأمور التوصلية مثلاً.

 

 


 

الأحكام الإسلامية

 

تعريف الحكم

     يعمل الإنسان في حياته اليومية أنواعاً متعددة من الأعمال وتصدر عنه الأقوال المختلفة.

    وبالتأمل في هذه الأقوال والأفعال نجد بعضها خيراً  نافعاً للإنسان  كالأكل والشرب والزراعة والصناعة والتحية وكلمة الإصلاح بين الناس والحجاب.. الخ، ونجد بعضها شراً ضاراً كالكذب والسرقة والغش وعقوق الوالدين والغيبة والغناء وعدم احترام الغير…الخ.

    وكما تعرفين فإن الإنسان بطبيعته مخلوق اجتماعي له علاقات اجتماعية بأفراد  أسرته ومجتمعه الذي يعيش فيه كعلاقة الآباء بالأبناء والأبناء بالآباء والعلاقات الزوجية وعلاقة العامل بصاحب العمل والفلاح بالأرض والبائع بالمشتري…الخ.

    وكما أن للإنسان علاقات بأبناء المجتمع الآخرين فإنه له علاقة بخالقه أيضاً فهو الذي خلقه وسواه وأنعم عليه ورزقه.. الخ، وهكذا تكون حياة الإنسان عبارة عن الأعمال والنشاطات والعلاقات الإنسانية وان هذه الأعمال والنشاطات الإنسانية      تحتاج إلى تنظيم وبيان ليتضح النافع من الضار والقبيح من الحسن وبدون هذا التنظيم تصبح العلاقات الإنسانية فوضى وعبثاً وخطراً على حياة الإنسان ومصالحه.

     ومن أجل حياة الإنسان هذه أنزل الله سبحانه الشرائع والأحكام الإلهية لإنقاذ البشرية من العبث والفوضى وحماية خيرها ومصالحها.

فهي (التشريعات والقوانين الإلهية التي تنظم حياة الإنسان وتحدد علاقاته المختلفة).

    وكما عرفنا فقد جاءت هذه الأحكام بياناً وتوضيحاً للأعمال والعلاقات الإنسانية وحرمت الضار القبيح الذي يهدم الحياة الإنسانية وتعيق نموها فأوجبت الأعمال الخيرة التي لا يمكن للحياة الإنسانية أن تستقيم إلا بها وأباحت بقية الأعمال وفضلت فعل أو ترك بعضها.

وبذا انقسمت الأحكام الإسلامية التكليفية إلى خمسة أحكام هي :

1ـ الوجوب .       2 ـ الاستحباب .  3 ـ الكراهة .

4 ـ الحرمة .           5 ـ الإباحة .

  وبذا قسمت هذه الأحكام الأفعال الإنسانية خمسة أقسام أيضاً:

  أقسام الفعل الإنساني:

   إذن فالأعمال التي يمكن أن يعملها الإنسان جميعاً سواء كانت حسنة كالصلاة والدعاء والعدل بين الناس وطلب العلم والأكل والشرب والعمل والزراعة والصناعة…الخ، أم كانت قبيحة كالكذب والظلم والغش.. الخ.

    فإنها تنقسم إلى خمسة أقسام هي:

1 ـ الواجب

   وهو كل عمل أمرنا الله بفعله ووعدنا بالثواب عليه كما توعدنا بالعقاب إذا تركناه كالصلاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…. الخ.

2 ـ المستحب

   وهو كل عمل حثنا سبحانه على فعله ووعدنا بالثواب إذا فعلناه ولكن لا يعاقبنا إذا تركناه كالدعاء وصيام شهر رجب وشعبان وإلقاء التحية وغسل الجمعة وزيارة أهل البيت عليهم السلام والاستماع إلى مآتمهم وعزائهم عليهم السلام.

3 ـ المكروه

   وهو كل فعل حثنا الله سبحانه على تركه ووعدنا بالثواب إذا تركناه ولكنه لا يعاقبنا إذا فعلنا مثل شم النبات الطيب للصائمة والتثاؤب في الصلاة وكثرة المزاح…الخ.

4 ـ الحرام

   وهو كل فعل نهانا الله سبحانه عنه وتوعدنا بالعقوبة إذا فعلناه  كالكذب والغيبة وعقوق الوالدين وعدم الاحتشام وعدم لبس الحجاب… الخ.

5 ـ المباح

     وهو كل فعل أعطانا الله به حق الفعل والترك فنحن مخيرون في الفعل والترك كاختيار نوع السكن والعمل والأكل والشرب شريطة أن لا يؤدي إلى محرم .

    ولكن المباح ينتقل من الإباحة إلى الاستحباب متى ؟. عندما تنوي بكل فعل القرية إلى الله والتقوى على عبادة الله ففي النوم والأكل ننوي به القربى والتقوى على العبادة.

    إذن فأفعال الإنسان جميعاً تخضع لتنظيم وتحديد من قبل الفقه الإسلامي المنبعث من لسان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والصديقة الطاهرة عليها السلام. فما فعل صغير كان أو كبير إلا وللإسلام فيه حكم وقانون واضح وصريح هدفه الحفاظ على خير الإنسان وتقريبهم إلى الله جل وعلا. كما أوضح لنا الحديث الشريف ذلك.

     فعن الإمام الصادق (عليه السلام): ((ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة)).

     إذن فواجبنا أن نفكر في كل عمل قبل أن نفعله فنفعل ما يرضي  الله ويسمح لنا بفعله ونترك ما حرم الله علينا ونهانا عنه.

  إذا علم ذلك وفهم هنالك اصطلاح خاص في الفقه وهو: الأحوط وجوباً, والأحوط استحباباً . فما المقصود بهما لكي تتم الفائدة :

الجـــــــواب :-

  الأحوط وجوباًً : 

    هو ما يماثل الواجب ولكن هنالك فارق بينهما , فلو قال الفقيه الأعلم هذا واجب لا يجوز تقليد غيره في هذا الحكم . وأما لو قال هذا واجب على الأحوط  فالمكلفة بين حلين:

1- العمل باحتياط هذا المجتهد الأعلم .

2-  تقليد غيره مع مراعاة الأعلم فالأعلم .  

 مثال: السيد الخوئي يقول: الأحوط وجوباً للمستحاضة تغيير القطنة لكل صلاة مع الإمكان .

   وفي المقابل فالسيد السيستاني يقول: لا يجب على المستحاضة القليلة والوسطى تغيير القطنة وأما الكثيرة فالأحوط وجوباً تغييرها للقطن مع الإمكان.

    فمقلدات السيد الخوئي بين حلين إما الإلتزام بما احتاط به السيد الخوئي وتبديل القطنة , أو تقليد السيد السيستاني في حكم القليلة والمتوسطة ولا يجب عليهم تغيير القطنة فيهما .

    وعلى هذا فعولي فمقلدات السيد السيستاني ينظرن من الأعلم بعده فهن مخيرات بين العمل باحتياطاته أو تقليد غيره مع مراعاة الأعلم فالأعلم .

 ولكن هنا سؤال: لم يقول الفقيه الأحوط وجوباً ؟

الجواب: هنالك أمور عدة تواجه الفقيه فتجعله لا يفتي جازماً فيتوقف عن الفتيا ويحتاط , واحتياطه عن علم لا عن جهل , والتفصيل عند طلبة العلوم الدينية رعاهم الله تعالى .

الأحوط استحباباًً:

    الأحوط استحباباً هو مصطلح فقهي الهدف منه بيان أن المدرك أو الرواية التي جاءت بهذا الحكم غير معتبرة عند هذا الفقيه ولربما كانت معتبرة عند غيره فيقول: الأحوط استحباباً.

  فمن أرادت أن تحتاط حتى في الأحوط استحباباً فهذا ينم عن إيمانها القوي .

 

اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم وقفنا لطاعتك

 وجنبنا معصيتك

 يا كريم

وصل على محمد وآله الطيبين الطاهرين.