الطبعة الأولى

1422 هـ.ق  - 2001م

المحتويات

تقديم :

الطبل الأجوف

مواجهة الانحراف

الرؤية الصحيحة

آيات معصية آدم (عليه السلام)

القرآن.. وترشيد الفكر البشري

هذا البحث

رجاء.. ودعاء

آيات بيّنات

الآيات الكريمة

 الفصل الأول    :      ممهِّدات

 مهارب ومسارب

لا أوامر مولوية قبل التشريع

خلاف الأولى

قبل الدخول في التفاصيل:

 الفصل الثاني     :     إلـى الجنة

 أيَّة جنة؟!

آدم (عليه السلام) خلق للأرض

نسيان النهي، أم نسيان الميثاق؟!

إبليس يذكّر آدم (عليه السلام) بنهي الله له

عالم الذر، وخلق الأرواح

الفصل الثالث    :      الوصايا الإلهية لآدم (عليه السلام)

إبهام.. ودقة في التحديد

لماذا الإبهام. ولماذا الدقة؟!

الإبهام والدقة في تحديد العدو

مستوى معرفة آدم (عليه السلام) لإبليس

إبليس يظهر بأي صورة شاء

رغداً

طموحات آدم (عليه السلام)

التعهدات الإلهية لآدم (عليه السلام)  في الجنة

العصيان. والأكل من الشجرة

ظلمنا أنفسنا: كيف؟

 الفصل الرابع     :      إبليس .. وآدم (عليه السلام).. والشجرة

هدف إبليس

إبليس يتخفَّى

الله يريد إظهار عظمة آدم (عليه السلام)

حوار افتراضي

المبرر المعقول والمقبول

أمثلة للتوضيح

العروض الإبليسية المقبولة:

الترديد في عروض إبليس، لماذا؟.

اندفاع آدم (عليه السلام)  طبيعي

لو لم يأكل من الشجرة لاستحق الطرد الإلهي

المقاسمة تفرض الأكل من الشجرة

لو لم يأكل آدم (عليه السلام)  من الشجرة!!

نقطة الصفر

 الفصل الخامس         :     هبات وعوائد إلهية

 الجائزة الكبرى للناجحين

معنى الاجتباء

آدم (عليه السلام)  يتلقى الكلمات

1- دلالات قوله تعالى {فتلقى}

2-التلقي للكلمات كان: {من ربه}

3 - عظمة الكلمات التي تلقاها آدم (عليه السلام)

4 - الكلمات تحل كل المشكلات

الفصل السادس    :      آثار .. ونتائج

 ذاقا.. أكلا.. أزلهما عنها

السوءات؟!

ينزع عنهما لباسهما

مناقشة كلام الطباطبائي (قده)

ناداهما.. تلكما

هبوط إبليس

هبوط آدم (عليه السلام)

 الفصل السابع    :     العصيان .. والغواية.. والتوبة .. والمغفرة

الغواية، ضد الرشد لا ضد الضلال

العصيان ليس هو التمرد

توبة آدم (عليه السلام)

التوبة عند العلامة الطباطبائي

المغفرة

كلمة أخيرة

 مصادر البحث

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

 

فإن في حياة الشعوب والأمم أفراداً وجماعات، قضايا حساسة وأساسية ينطلق منها وعيها، ويقوم على أساسها التكوين الفكري والإيماني، ثم العاطفي، بل هي تلامس جوهر فطرتهم، فتثير كوامنها، أو تكون سبباً في إلحاق أنواع من الأذى بها.

ولأجل ذلك لا بد من توخي الحذر، وعدم المبادرة إلى إلقاء الكلام فيها على عواهنه، وبصورة مرتجلة ومن دون تدبر، وتأمل وتثبت.. بل لا بد من استحصاف الرأي، واستكناه الأمور بروية وبصيرة، وبصدق وأمانة..

وإن أخطر هذه القضايا واشدها حساسية هي تلك القضايا والأمور الإيمانية العقائدية، خصوصاً ما يرتبط منها بالأنبياء، والأئمة الأصفياء، الذين هم الأسوة والقدوة، والذين لكل شيء يرتبط بهم تأثيره العميق والعميق جداً في بناء شخصية الإنسان، وفي تكوين خصائصه الإنسانية والإيمانية، وفي تبلور ميزاته في مختلف جهات وجوده.

 

الطبل الأجوف:

غير أنك قد تواجه في حياتك من يدعي المعرفة، ويتاجر بها، ويبيع ويشتري ويهب ويمنح من ألقابها ما شاء لمن شاء.

ويا ليته يكتفي برفع شعاراتها، ولوك عباراتها، بل هو يتعدى ذلك إلى حد التطاول على رموزها، ثم إلى أن يقنع نفسه بأنه هو طليعة روادها، وغاية جهدها وجهادها، فيبادر إلى طرح آرائه السقيمة، وأفكاره العقيمة في كل اتجاه..

 فإذا رجعت إليها وإليه، فلن تجد أمامك إلا ألعوبة تحركها أيد في الظلام أو أضحوكة لا تعرف خفاياها لأن الناس نيام، فهو ينعق بما لا يسمع، كالطبل الأجوف، له صوت عال، وجوف خال. لا يرجع في دعاويه إلى أساس، ولا يعتصم بركن وثيق بل يرتجل الرأي، ويلقي الكلام على عواهنه، فيخطىء المرمى، ويقع في المتناقضات، ويضيع في متاهات ما يثيره من عجيج وضجيج، دون أن يعرف الخطأ من الصواب، والزائغ من السائغ، فما أشد انطباق قوله تعالى عليه:

{ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة  عذاب الحريق}([1]).

أما أهل العلم والفكر الحقيقيون والرساليون، فإنهم الذين يلزمون أنفسهم بقواعد ومناهج، أثبتت لهم الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة حقانيتها وصوابيتها وواقعيتها..

إن هؤلاء قد أعطوا هذه الضوابط والمعايير حرّيتها - بأمانة وصدق - لتهيمن على كل حركتهم الفكرية، والتزاماتهم الإيمانية، ولتحكم وتضبط مسيرتهم في كل موقف، وفي كل مجال.. فهي التي تفرض عليهم القرار، وتحدد لهم المسار، حتى إذا اعتمدوا رأياً أو موقفاً ثم ظهر لهم: أنه لا ينسجم معها فإنهم يتراجعون عنه، بكل رضى، وحزم، وسيشعرون بالسعادة، لأنهم اهتدوا إلى الحق، وبالامتنان وبالعرفان لمن يدلهم عليه، أو يهديهم إليه، على قاعدة رحم الله من أهدى إلى عيوبي.

وتصبح هذه المعايير والثوابت هي السبب الأقوى في توحيد النظرة، وفي تجذر الفكرة على أسس سليمة وقويمة، وفي الانصهار في بوتقة الحقيقة برؤية صحيحة، ملؤها النقاء والصفاء، وبها تكون السعادة، ويكون البقاء..

 

مواجهة الانحراف

وحين واجه هؤلاء العلماء الأبرار، ما ينسبه أهل الزيغ والهوى إلى الأنبياء من أمور تنافي عصمتهم الشاملة، فإنهم واجهوا ذلك بالموقف الحازم والحاسم وبالرفض القاطع لكل هذه المقولات، لمنافاتها للأدلة القطعية التي تثبت طهارتهم وعصمتهم (عليهم السلام).. ثم عكفوا على تفسير الآية بما ينسجم مع هذا الاتجاه، ويتناغم مع تلكم المعايير.

وحتى لو فرض أن بعضهم قد وقع في الخلل والزلل والمخالفة للقاعدة وللمنهج الأصيل فلا ريب في أنهم لا يصرّون على رأيهم ذاك  إذا ظهر لهم خطله وفساده، بل هم سيشكرون من يدلهم عليه، أو يشير إليه.

 

الرؤية الصحيحة

وإن مما لا ريب فيه: أن المعروف بين الخاص والعام من مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام) هو عصمة الأنبياء والأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم) عن الخطأ، والسهو، والنسيان، في التبليغ، وفي غيره. كما أنهم معصومون ومطهرون عن الذنوب صغيرها وكبيرها..

غير أن هناك - من غير الشيعة الإمامية - من حاول أن يستفيد من بعض الآيات الكريـمة أنـها تنسب للأنبياء خلاف ذلك.

الأمر الذي دعا العلماء الأبرار إلى بسط القول في هذه الآيات لبيان خطأ هذا الفهم، حفاظاً منهم على صفاء الاعتقاد لدى الناس الطيبين الذين يأخذون الأمور بعفوية وصدق، الأمر الذي يجعلهم أقل سعياً لتحصين أنفسهم من الوقوع في الشك والشبهة التي يحاول أصحاب الأهواء أن يوقعوهم بها.

 

آيات معصية آدم (عليه السلام) :

ولعل الآيات التي تحدثت عما جرى لآدم (عليه السلام) في مواجهة مكر إبليس وفيها قوله تعالى: {وعصى آدم  ربه فغوى}([2]) هي الأوفر حظاً، والأكثر تردداً على ألسنة السائلين والمجادلين، الذين يترددون ما بين قوسي صعود ونزول.

 فمن السؤال البريء، الطالب لنيل الحقيقة، والراضي بها..

 إلى سؤال يسعى إلى إشباع شهوة حب الظهور، من خلال الاستغراق في المراء والجدال العقيم، بهدف إسقاط الطرف الآخر في دوامة من العجيج والضجيج المرهق والجريء إلى حد الوقاحة وتجاوز كل الحدود..

 وانتهاء بما يسعى إليه الكثيرون من أصحاب النوايا السيئة، من اهتبال الفرصة لإثارة الشبهة وزعزعة يقين الطيبين من الناس، ثم جرهم إلى أباطيل، وأضاليل، وأفائك يقدمونها إليهم على أنها البديل الصالح والبلسم الشافي، في حين أنها السم الزعاف، وما أدراك ما السم..

القرآن.. وترشيد الفكر البشري:

والملاحظ أن آيات القرآن الكريم في سياق عرضها لما جرى بين آدم (عليه السلام) ، وإبليس لعنه الله.. قد عرضت القضية بطريقة تهدف ـ فيما تهدف إليه ـ إلى ترشيد الفكر البشري، وتحريك العقل الإنساني، وفتح آفاق المعرفة أمام الإنسان وتعميق الرؤية لديه، وإطلاقه من أسار السطحية القاتلة، التي تشل حركته، وتسلبه أقوى مبررات وجوده.

 وهذا هو ما عوّدناه القرآن الكريم في سياساته البيانية في مختلف المقامات والأحوال.

 

هذا البحث

ومهما يكن من أمر، فقد أحببت في هذا البحث أن أقدم عرضاً سريعاً، وموجزاً جداً لما ترمي إليه هذه الآيات المباركات.

وسيظهر بوضوح أن ما يزعمون أنه هو الظاهر من الآيات المباركة، ليس بظاهر منها.. وإنما للآيات منحى آخر، يختلف، بل يتناقض مع المنحى الذي يزعمون أنها تسير باتجاهه، أو تشير إليه.

بل إننا لا نبعد إذا قلنا: إن الآيات الشريفة قد جاءت في سياق مدح آدم (عليه السلام)  وتعظيمه، وتكريمه، وتفخيمه، لا لتلومه وتذمه، إنها تريد أن تمنحه وسام التقدير الفائق، ولتؤكد على حقيقة ميزاته وخصائصه الفضلى، ولتشير إلى مقامه العظيم عند الله سبحانه. وأنه (عليه السلام) إنما نال هذا الوسام وتبوأ ذلك المقام، لنجاحه الباهر في الامتحان، وذلك حين أكل من الشجرة، إذ لولا أكله منها لاستحق الطرد المهين والمشين، ولكان جديراً بالإسقاط عن درجة النبوة، ولم يكن ليصلح لها، لا من قريب، ولا من بعيد.

 

رجاء.. ودعاء

وإذا كانت هذه النظرة ستكون مثيرة للقارىء الكريم، فإن رجاءنا منه هو أن لا يستعجل الحكم، وأن يختزل من فورة الغضب لديه، ولا يبادر إلى الحكم بالبطلان والبوار على هذا البحث قبل أن يتم قراءته، علماً بأنه لن يصاب بالإرهاق أو الملل، وذلك لما فيه من اقتضاب وإيجاز.

حتى إذا أتم قراءته، وعرف مراميه ومقاصده، واطلع على ما فيه من دلائل وشواهد، وإشارات، فإنه سيجد الفرصة واسعة أمامه للرد أو القبول، إذا وجد لأي منهما المبرر المعقول والمقبول..

ونسأل الله سبحانه أن يهدينا وإياه سبيل الرشاد، وأن يمنحنا التوفيق والسداد، إنه ولي قدير، وبالإجابة حري وجدير.

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

حرر بتاريخ 6/4/1422 هـ . ق

 عيثا الجبل - جبل عامل - لبنان

 جعفر مرتضى العاملي

 

آيات بيّنات..

الآيات الكريمة:

1 ـ إن الآيات التي تحدثت عما جرى بين آدم (عليه السلام)  وإبليس هي التالية:

{وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين* فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين* فتلقى آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم،  قلنا اهبطوا منها جميعاً، فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}([3]).

 

وقال تعالى:

{ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين* فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما من الناصحين* فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. وناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوّ مبين* قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين* قال فيها تحيون وفيهما تموتون ومنها تخرجون*

 يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً، ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذّكرون*

 يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}([4]).

وقال تعالى:

{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما*

 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى* فقلنا يا آدم  إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى* إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى* وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى* فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى* فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى*قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}([5]).

 

الفصل الأول:

ممهِّدات

مهارب ومسارب

لقد رأينا: أن الكثيرين حين واجهوا الآيات التي تتحدث عن آدم (عليه السلام)، وعن غيره من الأنبياء(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) قد استسلموا للشبهة التي تثار، وانهاروا أمامها أي انهيار، وقد تجلى ذلك في مقولات عجيبة وغريبة، صدرت عنهم في أكثر من اتجاه حتى لقد قال فريق منهم: إن الأنبياء غير معصومين مطلقاً.

وفريق آخر قال: إن الأنبياء قبل البعثة غير معصومين، وإنما كانت قصة آدم (عليه السلام)  قبل أن يبعث نبياً..

وثالث ذهب إلى: أن المراد بإبليس هو القوة الداعية إلى الشر، في الإنسان، وليس المراد إبليس الحقيقي ليقال: إنه قد تسلط على واحد من عباد الله المخـلـَصـين.

ورابع ادعى: أن المراد بآدم (عليه السلام)  ليس هو الشخص المعروف، الذي هو نبي معصوم، وإنما المراد به آدم النوعي، والقصة تخييلية محضة. ولم يقدم أي دليل على ذلك سوى حدسه، وظنونه، التي لن تغنيه من الحق شيئا،ً لأنها من دون أي مبرر مقبول أو معقول..([6])

إلى غير ذلك من أمور قيلت، تدخل في دائرة الشطط والشذوذ ومجانبة الحق، أو تدور في فلك التحكمات الباردة، وإطلاق الدعاوى الفارغة من دون أي دليل.

وبقي هنا أمران نشير إليهما في ما يلي بإيجاز، هما:

1 ـ القول: بأن لا أوامر مولوية قبل التشريع..

2 ـ إن ما حصل لآدم (عليه السلام) كان من قبيل ترك الأولى.

 

لا أوامر مولوية قبل التشريع

لقد حاول بعض الأعلام أن يقول ما ملخصه:

قال تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعاً، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}([7]).

فهذه الآية أشارت إلى أن التشريعات التفصيلية قد أنزلت لآدم (عليه السلام) وذريته بعد الأمر الثاني بالهبوط، الذي هو أمر تكويني متأخر عن الكون في الجنة، والأكل من الشجرة، فحين الأكل منها لم يكن دين مشروع، ولا تكليف مولوي، فلا يتحقق ذنب عبودي ولا معصية مولوية، بل هو ظلم نفس.

أما معصية النهي والأمر فهي بمعنى عدم الانفعال عن الأمر والنهي، سواء أكان مولوياً أو إرشادياً. وليس هو معصية مولوية.

وهو غواية لعدم تمكنه من حفظ المقصد، وتدبير نفسه في معيشته بما يلائم المقصد([8]).

ونقول:

إن إنزال الشرائع، وإن كان قد تم بصورة فعلية بعد هبوط آدم (عليه السلام) إلى الأرض.. غير أن كون النهي عن الشجرة مولوياً أو غير مولوي، ليس مرتبطاً بذلك..

فقد كانت هناك أوامر مولوية حتى قبل نزول الشرائع، ومنها أمر الله تعالى الملائكة وإبليس بالسجود لآدم (عليه السلام).

 ولأجل ذلك استحق إبليس اللعن والطرد إلى يوم الدين، لمجرد مخالفته للأمر الإلهي الموجه إليه.

فلا يصح جعل عدم تشريع الدين إلا بعد الهبوط الثاني دليلاً على عدم وجود معصية مولوية، وعدم تحقق ذنب عبودي، وانحصار الأمر بظلم النفس. إذ يمكن أن يوجه الله تعالى أمراً ونهياً لآدم (عليه السلام)، لا تجوز له مخالفته. حتى في تلك المراحل المتقدمة أيضا.

 

خلاف الأولى

وربما نجد: أن بعضهم قد اختار في توجيه قضية آدم (عليه السلام) التعبير الذي يقول: إن ذلك كان من قبيل ترك الأولى؛ فقد قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله):

" ابتلاء آدم (عليه السلام)  كان قبل تشريع الشرايع، فكان المتوجه إليه إرشادياً. وما ابتلى به من المخالفة كان من قبيل: ترك الأولى "([9]).

وقال أيضاً عن التعبير القرآني الذي يوحي بصدور المعصية من آدم (عليه السلام) :

" إنما هي معصية أمر إرشادي، لا مولوي.

 والأنبياء عليهم السلام معصومون من المعصية والمخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يوحى إليهم فلا يخطئون، ومن جهة حفظه فلا ينسون ولا يحرفون، ومن جهة إلقائه إلى الناس وتبليغه قولاً، فلا يقولون إلا الحق الذي أوحي إليهم، وفعلاً فلا يخالف فعلهم قولهم، ولا يقترفون معصية صغيرة ولا كبيرة، لأن في الفعل تبليغاً كالقول.

وأما المعصية بمعنى مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلا إحراز المأمور خيرا أو منفعة من خيرات حياته ومنافعها بانتخاب الطريق الأصلح، كما يأمر وينهي المشير الناصح نصحاً؛ فإطاعته ومعصيته خارجتان من مجرى أدلة العصمة. وهو ظاهر.

وليكن هذا معنى قول القائل: إن الأنبياء (عليهم السلام) على عصمتهم يجوز لهم ترك الأولى. ومنه أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة"([10]).

ونقول:

أولاً: إنه لا ريب في أن القصد هو الترك المستند إلى المقدمات الصحيحة التي تناسب عصمة النبي أو الوصي، وحكمته وعقله وتدبيره، بحيث يكون تركه للأولى بسبب أنه رأى هذا الترك هو الأولى. وليس المقصود أنه عرف أنه أولى ثم تركه..

فتركه للأولى إذا كان من أجل أنه لم يدرك أولويته، وكان عدم إدراكه لذلك يمثل نقصاناً في مستوى إدراكه وحكمته، فلا يدرك ما هو أولى وراجح، ولا يدرك أيضاً: أن عليه أن يأخذ به ويلتزمه.

فمن المعلوم: أن ذلك لا يصح في حق الأنبياء والأئمة وهم أعقل البشر، وأصحهم إدراكاً، وأحكمهم حكمة، وأصفاهم نفساً، وأعدلهم سجية، فلا يمكن أن يكونوا عاجزين عن إدراك ما يعقله ويدركه سائر الناس، خصوصاً فيما له مساس بإدراك جهات الحسن والقبح، وبالتدبير الصحيح، والعقل الكامل، والحكمة الرشيدة.

كما أن من الواضح: أن إدراك لزوم الأخذ بالراجح إنما يتأكد لدى العقلاء الحكماء الذين لا ينطلقون في مواقفهم من هوى، ولا تدفعهم وتتحكم فيهم الغريزة العمياء..

وليس لنا أن نفرض: أنهم (عليهم السلام) يدركون ذلك كله، ويلتفتون إليه.. ولكنهم يميلون إلى الأخذ بالمرجوح، وترك ما هو راجح وأولى من دون أي سبب، سوى الاستهتار بالراجح. فإن ذلك معناه وجود خلل في درجة الحكمة، وفي التدبير الصحيح.

 ثم هو يعني وجود خلل أكيد في توازن الشخصية النبوية والإمامية التي يفترض أن تكون في أعدل الأحوال.

ولا يكون ذلك بأقل من الاستخارة التي وردت مشروعيتها على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وأمرونا - ولو من غير إلزام - بالعمل بمقتضاها. فإن حقيقتها مشاورة الباري، وهو علام الغيوب في أمر ما. فإذا كانت النتيجة إيجاباً فليس معنى ذلك إلا أنه تعالى قد أشار على المستخير بالعمل والإقدام.

فهي إشارة نصح وإرشاد وتوجيه إلى أن في العمل خيراً وفائدة وصلاحاً.

والمعصومون (عليهم السلام) أولى الناس بالعمل بما فيه الخير والصلاح والأخذ بالأولى والأرجح، وهم الأسوة والقدوة لنا، أفتراهم يأمروننا بالعمل به وفق الاستخارة التي هي نصح وإرشاد وتوجيه للراجح، ثم يخالفون هم في ذلك ويختارون المرجوح؟!!.

فهل يجوز في حكمة النبي والإمام، وعدالته، وشدة تقيده والتزامه بأوامر مولاه أن يأمرنا بالعمل بمورد الاستخارة، ويترك هو العمل بما يعرف أنه الأرجح والأنفع والأصلح؟!

وعلى جميع الفروض والتقادير، فإن إنساناً كهذا لن يكون هو الأصلح لمقام الأسوة والقدوة والهداية للناس إلى الرشد، وإلى الأصلح والأتم والأنفع لهم..

ولن يكون ذلك المربي الصالح، ولا الحافظ الناجح.. بل سيكون في سائر الناس من هو أولى منه بذلك، إذا كان بعيداً عن أمثال هذه الهنات، والتزم جانب الحذر، والمراعاة لما تقوده إليه حكمته، ويهديه إليه عقله، ويرشده إليه تدبيره..

فاتضح من خلال ذلك كله.. أنه حين يختار النبي المرجوح، فلا بد أن يراه على أنه هو الراجح رؤية لا تخل بعصمته، ولا بحكمته، ولا بعقله، ولا بتدبيره، ولا بتوازن الشخصية لديه..

 وقضية آدم (عليه السلام)  هي من هذا القبيل، كما سنرى. فيكون خلافه للأولى بحسب الواقع ونفس الأمر، إنما هو لصالح ما هو أولى منه في مرحلة الظاهر، بسبب ما استجد من عناوين مرجحة له إلى درجة التعيين.

ثانياً: إن لنا تحفظاً على ما ذكره العلامة الطباطبائي (رحمه الله) من حيث أن كلامه يوحي بأن عصمة الأنبياء تختص في أمور الدين من جهة تبليغها..

 مع أن عصمتهم (عليهم السلام) لا تختص بهذه الناحية، بل هم معصومون في كل شيء من أمور الدين والدنيا، في التبليغ بالقول والفعل، والحفظ، وغير ذلك..

 

قبل الدخول في التفاصيل:

ثم إن السياق في الموارد التي ورد هذا الحديث فيها قد جاء ليؤكد على أن ثمة اتجاهاً بيانياً واضحاً، لإبعاد هذا الحديث عن أجواء المعصية الحقيقية، ونجد من المفردات التي تسهم في ذلك ما ذكرنا في سياق البحث الآتي بعضه، وبقي بعضه نشير إليه بصورة تقريرية سريعة هنا.

فنقول:

1 ـ إنه تعالى حين حذر آدم (عليه السلام) من إبليس لم يزد على القول له: إن إبليس عدو له، ولزوجه (عليهما السلام) وأنه يريد أن يخرجهما من الجنة..

وأن نتيجة ذلك هو الشقاء والتعب الذي ينشأ عن مواجهة حاجات محيط آخر، غير محيط الجنة بعد الخروج منها.

فقال: إن هذا عدو لك ولزوجك

وقال: فلا يخرجنكما من الجنة..

ثم قال: فتشقى.

وقال أيضاً عن الشجرة: لا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين.

2 ـ وتحدث عن فعل الشيطان، فقال عنه:

أزلهما الشيطان عنها (أي عن الشجرة).

وقال: فأخرجهما مما كانا فيه.

ثم تحدث عن هدف الشيطان، فوصفه بأنه إنما وسوس لهما ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما.

وفي آية أخرى يقول: {ينزع عنهما لباسهما..}

3 ـ وحين تحدث عن النتائج قال: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما}.

وقال: {فبدت لهما سوءاتهما..}

وقال: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}.

وقال: {أخرج أبويكم من الجنة}.

وقال: {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما}.

4 ـ ثم جاءت الكلمات الأخرى لتتحدّث عن المعصية. والغواية، {وعصى آدم ربه فغوى}، ولتتحدث أيضا عن

التوبة من الله عليهما.

وعن طلبهما المغفرة.

وإعترافهما بأنهما قد ظلما أنفسهما، فقال تعالى:{فتاب عليهما}.

وقال: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }.

وقال سبحانه: {ثم إجتباه ربه فتاب عليه وهدى}.

فكان لا بد من التماس الرابط البياني الذي يجعل هذا القسم الرابع متناسقاً مع سائر الأقسام التي سبقته..

وليس هذا الرابط أمراً افتراضياً صرفاً، وإنما سنجده نهجاً حياً يفرض نفسه في السياقات البيانية التي يتداولها أهل اللسان في محاوراتهم.

وحيث لا بد من الدخول في التفاصيل.. مع الالتزام الشديد بالإيجاز الذي نرجو أن لا يصل إلى حد الإخلال بالمقاصد.. فإننا نقول..

 وعلى الله نتوكل، وبأنبيائه وأوليائه الأطيبين الأطهرين نبتهل ونتوسل: أن يلهمنا صواب القول، ووضوح البيان والتوفيق بعد ذلك لنيل رضاه والإهتداء بهداه.. جل وعلا.

 

الفصل الثاني:

 إلـى الجنة

أيَّة جنة؟!

لقد تحدثت الآيات الشريفة عن أن الله تعالى قد أسكن آدم  وزوجه (عليهما السلام) الجنة.

 فعن أية جنة يتحدث؟ هل هي جنة الخلد؟، أو هي جنة من جنان الدنيا، لها طبيعة خاصة بها، لا تنسجم مع طبيعة الحياة على الأرض؟.وهل هي جنة في السماء؟ أم هي في الأرض؟!

إن هذا البحث، لا نرى أننا نستطيع أن نفيض في الحديث فيه هنا، فنكتفي بالقول: إننا قد نجد في الآيات الكريمة، وفي بعض الروايات الشريفة ما يؤيد هذا الاحتمال الذي يقول: إنها من جنان الدنيا.. فلاحظ ما يلي:

ألف: قوله تعالى: {قلناإهبطوا منها} ([11]) له درجة من الظهور في أن الجميع كانوا في محل ما، ثم أخرجوا منه.. مما يعني أن إبليس لعنه الله قد كان مع آدم (عليه السلام) وحواء في داخل ذلك المكان الذي سماه الله: الجنة.

ب: قوله تعالى: {قال: اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو}([12]).

وقوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون}([13]).. يدل على أن الجميع قد أنزلوا إلى الأرض، بعد أن لم يكونوا فيها.

ج: هناك بعض الروايات تقول: إن آدم (عليه السلام) حين أهبط من الجنة اهبط على الصفا، واهبطت حواء (عليها السلام) على المروة. وتلك الرواية نفسها تقول أيضاً:

"سئل الصادق عن جنة آدم (عليه السلام)، أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟

فقال: كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً"([14]).

ولكن كونها من جنان الدنيا لا يلزم منه أن تكون في الأرض، فإن السماء الدنيا واسعة، ويمكن أن يكون في بعض كواكبها جنة لها حياة وحالات برزخية، وتطلع فيها الشمس والقمر..

ثم لما أكل من الشجرة التي تسانخ طبيعة الحياة الأرضية أهبطه الله تعالى.

 

آدم (عليه السلام) خلق للأرض

يقول العلامة الطباطبائي (رحمه الله):

" قوله تعالى في صدر القصة: {إني جاعل في الأرض خليفة} يفيد: أن آدم (عليه السلام) إنما خلق ليحيا في الأرض، ويموت فيها، وإنما أسكنهما الله الجنة لاختبارهما، ولتبدو لهما سوءاتهما، حتى يهبطا إلى الأرض".

إلى أن قال:

 "وبالجملة: فهو (عليه السلام) كان مخلوقاً ليسكن الأرض، وكان الطريق إلى الاستقرار في الأرض هذا الطريق. وهو تفضيله على الملائكة لإثبات خلافته، ثم أمرهم بالسجدة، ثم إسكان الجنة، والنهي عن قرب الشجرة المنهية حتى يأكلا منها، فتبدو لهما سوءاتهما، فيهبطا إلى الأرض.

فآخر العوامل للاستقرار في الأرض، وانتخاب الحياة الدنيوية ظهور السوأة"([15]).

ونقول:

إن هذا الكلام متين لولا أن سياقه يعطي: أنه كان لا بد لإهباط آدم (عليه السلام) إلى الأرض من سلوك هذا الطريق، وإيقاع آدم (عليه السلام) بما يشبه الفخ المنصوب له. بحيث لولا ذلك، فإنه سوف يستعصي على الهبوط، وتفشل الخطة.. وقد جاءت الوقائع وفق ما رسم لها وأعطت النتائج المرجوة منها!!.

وهو كلام لا يمكن قبوله على هذا النحو، فإن الهبوط إلى الأرض لا ينحصر بهذه الطريقة، إذ قد كان بالإمكان أن يخلق الله تعالى آدم (عليه السلام) في الأرض مباشرة من دون حاجة إلى إسكانه الجنة، ثم ظهور السوأة بالأكل من الشجرة.

ولعل الأقرب إلى الاعتبار في مثل هذه المقامات أن يكون مقصوده رحمه الله هو أن الله سبحانه حين قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة}([16]) إنما أخبرهم عما أحاط به علمه سبحانه ـ وهو المحيط والعالم بكل شيء ـ وعرفهم بما يؤول إليه أمر هذا المخلوق الجديد، وأنه سينتهي به الأمر إلى الاستقرار في الأرض، والعمل على إعمارها وفق ما يرضيه سبحانه..

لكن لا على أن يكون ذلك الذي جرى له هو الطريق المقضي عليه سلوكه بصورة جبرية بحيث لولاه لم يمكن له أن يصل إلى الأرض، بل على أساس أن ذلك قد جاء على سبيل الإخبارعن الغيب الذي سوف يحصل، من دون أن يمثل ذلك أية حتمية مقضية عليه، ولا بد له أن يخضع لها، ليتحقق المقصود.

 

نسيان النهي، أم نسيان الميثاق؟!

إن آية: {ولقد عهدنا إلى آدم   من قبل فنسي، ولم نجد له عزماً}([17]) لا ترتبط بموضوع الأكل من الشجرة، وإنما هي ناظرة لنسيان الميثاق الإلهي، الذي أخذه سبحانه على خلقه قبل نشأة آدم (عليه السلام) من الطين في هذا العالم.

فإن من الواضح: أن هناك نشآت متعددة، مثل عالم الذر ونشأة الأرواح. وكذلك النشأة الجنينية، حيث تلتقي الأرواح بالأجساد، ثم النشأة التي تبدأ بالولادة، حيث يتدرج من الطفولة إلى الشيخوخة ليصل إلى عالم البرزخ ثم عالم البعث والآخرة.

وكل نشأة تمثل عالما جديدا بالنسبة لهذا الكائن، ينسى معها الإنسان حاله وما جرى له في نشأته السابقة، بسبب العوارض والحجب التي يواجهها.

وهذا ما يُظهر فضل نبينا وأوصيائه الأكرمين والزهراء سيدة نساء العالمين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فإنهم (ع) يشرفون وهم في نشآتهم الأولى على النشآت اللاحقة ولا ينسون شيئاًمن السابق ، ولا هم محجوبون عن اللاحق.

 ولعل ذلك يفسّر لنا قول علي (عليه السلام): لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً. ويوضح لنا كيف أن الزهراء (عليها السلام) كانت تحدث أمها وهي في بطنها قبل أن تولد.

 

إبليس يذكّر آدم (عليه السلام) بنهي الله له

ومهما يكن من أمر، فإن إبليس نفسه قد ذكَّر آدم (عليه السلام) بنهي الله له، وحدد له المنهي عنه بالإشارة الحسية، حين قال له: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين..}([18]) إلخ.

فأقدم آدم (عليه السلام) إذن على الأكل من الشجرة، وهو ملتفت لنهي الله له عنها. ولم يكن ناسياً.. وهذا يؤيد ويؤكد على أن المقصود بالنسيان في قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي}([19]) هو نسيان الميثاق، لا نسيان النهي عن الشجرة.

 

عالم الذر، وخلق الأرواح:

وبما أن النسيان للميثاق مرتبط بالكلمات التي أنقذت آدم (عليه السلام) من محنته كما سنرى. ولكي لا يخلو مقامنا هذا ولو من إشارة موجزة إلى هذا الأمر، نضع أمام القارىء الأمور التالية:

ألف: إن هناك روايات تحدثت عن عالم الذر، وأخذ الميثاق على الخلق، وهي كثيرة فلتراجع في مظانها([20]).

ب: إن في بعض هذه الروايات عن أبي عبدالله (عليه السلام): أن الله أخذ على العباد ميثاقهم، وهم أظلة قبل الميلاد. وثمة روايات أخرى تشير إلى عالم الظلال، فراجع([21]).

قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله):

إن المراد به - كما هو ظاهر الرواية - وصف هذا العالم، الذي هو بوجه عين العالم الدنيوي، وله أحكام غير أحكام الدنيا بوجه، وعينها بوجه([22]).

ج: إن ثمة روايات تحدثت عن أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال لعلي (عليه السلام):

"أنت الذي احتج الله بك في ابتداء الخلق، حيث أقامهم أشباحاً، فقال لهم: ألست بربكم؟

 قالوا: بلى.

 قال: ومحمد رسولي؟

قالوا: بلى.

 قال: وعلي أمير المؤمنين؟

 فأبى الخلق جميعاً إلا استكباراً عن ولايتك إلا نفر قليل، وهم أقل القليل، وهم أصحاب اليمين"([23]).

وعن جابر بن يزيد، قال: قال لي أبو جعفر:

 "يا جابر، إن الله أول ما خلق خلق محمداً وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله.

قلت: وما الأشباح؟

قال: ظل النور. أبدان نورية بلا أرواح إلخ"([24]).

د: قد دلت بعض تلك الروايات الصحيحة سنداً أيضاً على أن الناس ينسون ما أخذه الله عليهم.

فقد روى القمي عن ابن ابي عمير، عن ابن مسكان، عن الإمام الصادق في قوله:" {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى}

 قلت: معاينة كان هذا؟!

قال: نعم، فثبتت المعرفة، ونسوا الموقف، وسيذكرونه الخ.."([25]).

هـ: إن ثمة روايات كثيرة، قال العلامة المجلسي (قده) إنها معتبرة، وأنها قريبة من التواتر قد دلت على تقدم خلق الأرواح على الأجساد([26]).

 وقال رحمه الله:

 "وما ذكروه من الأدلة على حدوث الأرواح عند خلق الأبدان مدخولة، لا يمكن رد تلك الروايات لأجلها"([27]).

وعن أبي جعفر الثاني:

"خلق الله محمداً وعلياً، وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها"([28]).

و: قوله في هذا الحديث الأخير: "وأشهدهم خلقها" يجعل قول المفيد (قده): إنه حين رأى آدم (عليه السلام) الأشباح النورية " لم يكونوا في تلك الحال صوراً مجيبة، ولا أرواحاً ناطقة، ولكنها كانت على مثل صورهم في البشرية"([29]).

يجعله من قبيل الاجتهاد في مقابل النص، ولعله لم يطلع على هذا الحديث وأمثاله.

 فالظاهر: أن خلقهم (عليهم السلام) أشباحاً نورية بلا أرواح، قد كان في مرحلة ونشأة هي اسبق من النشأة التي أشير إليها في حديث خلقهم، ثم خلق الأشياء التي أشهدهم خلقها.

ز: إن الإشكال الذي سجلوه على صحة خلق الأرواح قبل الأجساد، وهو أنه لو صح ذلك للزم أن يتذكروا الأحوال السابقة، وهذا غير حاصل..

إن هذا الإشكال وغيره قد رفضه العلامة المجلسي (رحمه الله)، حيث قال:

"قيام الأرواح بأنفسها، أو تعلقها بالأجساد المثالية، ثم تعلقها بالأجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه.

وأما عدم تذكر الأحوال السابقة، فلعله لتقلبها في الأطوار المختلفة..

إلى أن قال:

مع أن الإنسان لا يتذكر كثيراً من أحوال الطفولية والولادة"([30]).

ويشهد لذلك الحديث الصحيح المتقدم، حول آية إشهاد الخلق على أنفسهم حيث قال فيه: فثبتت المعرفة، ونسوا الموقف وسيذكرونه.

 

الفصل الثالث:

الوصايا الإلهية لآدم  (عليه السلام)

 

إبهام.. ودقة في التحديد:

وفي قوله تعالى لآدم (عليه السلام): {ولا تقربا هذه الشجرة}([31]).

يلاحظ: أنه تعالى قد حدّد له المنهي عنه بواسطة اسم الإشارة، ولم يذكر له اسم الشجرة ولا صفتها، ولا حالاتها، ولا غير ذلك مما يرتبط بها.

فهو تعالى:

الف: من جهة قد أمعن في تحديد المنهي عنه لآدم (عليه السلام) إلى حد التجسيد الواقعي ليصبح أمراً ظاهراً محسوساً.

ب: ومن جهة أخرى أبقاه على درجة من الإبهام والغموض، بسبب عدم ذكر الصفة والاسم، وغير ذلك.

 

لماذا الإبهام. ولماذا الدقة؟!

إن التحديد للشجرة بهذه الطريقة يجعل آدم (عليه السلام) أمام احتمالين:

الأول: أن يكون المنهي عنه هو شخص هذا الموجود خارجاً، بحيث يكون النهي عن هذه الشجرة إنما هو لخصوصية فيها، لا توجد في غيرها حتى لو كانت متفقة معها بالجنس والحقيقة، بأن كانتا معاً من شجر الرمان مثلاً. فلو أكل من غيرها ولو كان من جنسها فإنه لا يكون مخالفاً للنهي.

الثاني: أن لا يكون لها أية خصوصية، بل هو يشير إليها بما أنها فرد من جنس بحيث تكون جميع الأشجار التي من فصيلتها منهياً عنها أيضاً، وإنما أشير إليها بخصوصها لمزيد من التأكيد والتحديد لها.. فلا يجوز له والحال هذه الأكل من الشجرة المشار إليها، ولا من غيرها إذا كان من فصيلتها.

فإذا كان آدم (عليه السلام)  أمام هذين الاحتمالين، فإن عليه أن يسعى لترجيح أحدهما..

وقد ورد في الروايات: أن إبليس لعنه الله قد حاول أن يقنعه بأن المنهي عنه هو خصوص هذه الشجرة التي أشير إليها.. أما سائر ما هو من فصيلتها، فلا..

فقد روي عن الإمام الرضا (عليه السلام)أنه قال للمأمون:

 "{ولاتقربا هذه الشجرة}وأشار لهما إلى شجرة الحنطة {فتكونا من الظالمين} ولم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة ولم يأكلا منها، وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما، وقال:" ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة وإنما ينهاكما أن تقربا غيرها"([32]).

وتوضيح مقصوده (عليه السلام): أنه تعالى لم ينههما عن تلك الشجرة وعن غيرها مما كان من جنسها، وإنما نهاهما عنها فقط، وهما لم يقرباها هي، بل أكلا من غيرها. إذن فآدم (عليه السلام)  قد افترض أن النهي إنما هو عن شخص تلك الشجرة، لا عنها وعن كل ما يجانسها.

إذن.. فإذا كان آدم (عليه السلام) يخاف من الإقدام على الشجرة التي حددتها الإشارة الحسية له في خطاب النهي، لاحتمال أن يكون لها خصوصية من نوع ما، فبإمكانه أن يأكل من شجرة أخرى من نفس نوعها، ليحقق بذلك الغرض السامي الذي يسعى إليه، وليتحاشى تلك الخصوصية التي أوجبت المنع من تلك التي أشير إليها إشارة حسية.

 

الإبهام والدقة في تحديد العدو

ومن جهة ثانية نجد أن الله تعالى قد اعتمد هذه الطريقة البيانية بالذات أيضاً، بالنسبة لتعريف آدم (عليه السلام) على عدوه، حيث إنه.

 من جهة قد أمعن في تحديده إلى حد أنه جعله ظاهراً محسوساً، يشار إليه بالإشارة الحسية فقال: {إن هذا عدو لك..}..

لكنه من جهة ثانية قد أبقاه على حالة من الإبهام، فلم يذكر له اسمه، ولا صفته، ولا أطلعه على حيله، ومكره وحبائله، بل اكتفى بالإشارة إلى عداوته له، وإلى أنه قد يخرجهما من الجنة.

 

مستوى معرفة آدم (عليه السلام) لإبليس

كما أنه لا دليل على أن آدم (عليه السلام) قد سمع صوت إبليس، أو عرف طريقة إلقائه للكلام قبل قصة الشجرة، ولا دليل أيضاً على أنه عليه السلام قد عرف خصوصياته، من حيث خلقه من مارج من نار، وكونه من الجن، أو اطلع على قدرته على الظهور والاختفاء، وعلى التشكل بأشكال مختلفة، طولاً وعرضاً، وكبراً وصغراً، وغير ذلك.

 

إبليس يظهر بأي صورة شاء

وقد أشير إلى هذا الأمر الأخير، وهو قدرة الجن على الظهور بأي صورة أرادوا، في العديد من الروايات.

فقد روي عن الحارث الأعور قال:

بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على المنبر يوم الجمعة، إذ أقبل أفعى من باب الفيل..

إلى أن تقول الرواية:

 إن علياً (صلوات الله عليه): أخبرهم أن هذا الأفعى هو من الجن قال:

 "فأتاني في ذلك وتمثل في هذا المثال يريكم فضلي إلخ.."([33])

فلاحظ قوله: "وتمثل في هذا المثال".

وفي رواية أخرى أن هـاتفـاً كلّم النبي فقال(صـلى الله عليه وآلـه)، له:

"إظهر رحمك الله في صورتك.

 قال سلمان: فظهر لنا شيخ أذب أشعر، قد لبس وجهه شعر غليظ الخ.."([34])

فتدل الرواية على أن الجن  يقدرون على الظهور والاختفاء أيضاًً.

وفي حديث آخر: أنه (صلى الله عليه وآله) كان جالساً بالأبطح، وعنده جماعة من اصحابه.. " إذ نظرنا إلى زوبعة قد ارتفعت فأثارت الغبار، وما زالت تدنو والغبار يعلو إلى أن وقفت بحذاء النبي(صلى الله عليه وآله)، ثم برز منها شخص كان فيها، ثم قال: يا رسول الله..

إلى أن تقول الرواية:

فقال له النبي(صلى الله عليه وآله): فاكشف لنا عن وجهك حتى نراك على هيئتك التي أنت عليها.

قال: فكشف لنا عن صورته، فنظرنا فإذا الشخص عليه شعر كثير، فإذا رأسـه طـويل العينين، عيناه في طول رأسه، صغير الحدقتين الخ.."([35]).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام):

إن إبليس لعنه الله قد طلب من ربه "أن لا يولد لهم ولد إلا ولد لي اثنان، وأراهم، ولا يروني، وأتصور لهم في كل صورة شئت" ([36]).

وفي حديث آخر:

أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان جالساً وعنده جني يسأله عن قضايا مشكلة، فأقبل أمير المؤمنين، فتصاغر الجني حتى صار كالعصفور.. الخ([37]).

يضاف إلى ما تقدم حديث يقول:

إن جنية من أهل نجران تمثلت في مثال أم كلثوم([38]) ربيبة رسول الله(ص)، فراجع.

وأمثال ذلك كثير لا مجال لاستقصائه..وهو يدل ما على ما ذكرناه من قدرة الجن – وإبليس منهم – على الظهور بأية صورة شاؤا..

 

رغداً:

قال تعالى: {وكلا منها رغداً حيث شئتما}([39]) فالرغد موجود في أي زمان أو مكان حصل فيه الأكل رغداً، أي كثيراً واسعاً طيباً، رفيهاً، لا يتعب فيه ولا يعيا.

وهذا الوصف هو المناسب لمحيط الجنة وحالاتها، وطبيعة الحياة فيها، ومن حيث كون الجسد يمتلك الخصائص التي تتناسب مع هذا المحيط، وتحقق الرغد بمعناه الواقعي.

 

طموحات آدم (عليه السلام)

إن آدم (عليه السلام) هو ذلك الإنسان الإلهي، الذي خلقه الله تعالى من تراب ـ والتراب فيه المزيد من الخير والعطاء والزيادة ـ وقد أراد تعالى لآدم (عليه السلام)  أن يكون ذلك الإنسان الكامل، الخالص في صفائه، الرضي في صفاته وحالاته. والعاقل المدرك، والحكيم، والمتوازن، والمدبر، الذي يستحق أن يكون أبا للبشر كلهم، ونموذجاً للكمال الإنساني، بحيث يرتفع إلى درجة نبي، له طموحات، وتطلعات الأنبياء، لا يعيش لنفسه، ولا تحركه شهواته ولا غرائزه بل يعيش لله تعالى، ولا يفكر إلا في نيل رضاه، والحصول على درجات القرب والزلفى منه.. والحلول في منازل الكرامة لديه..

 

التعهدات الإلهية لآدم (عليه السلام)  في الجنة

وحين أسكن الله سبحانه آدم (عليه السلام) الجنة، قال له: {إن لك ألاّ تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}.([40])

ولتوضيح ما يرتبط بهذا الأمر نسجل ما يلي:

ألف: إن هذه الأمور الأربعة هي أدنى ما يحتاج إليه الإنسان في استمرار حياته وبقائها.

ب: إن هذه الأمور التي أشار الله تعالى إليها ليست هي من الأمور العارضة أو فقل الطارئة في حياة الإنسان، بحيث يمكن الاستغناء عنها في حين من الدهر. بل الحاجة إليها لا تتوقف. كما أن طبيعة وجودها تفرض دوام التعرض لتحصيلها وإستمرار الطلب لها ،والتعاطي معها، ولا يكفي لإنجازها بذل الجهد مرة واحدة ـ مثلاً ـ ثم ينتهي الأمر..

ج: إنه تعالى حين أطمع آدم (عليه السلام) بالجنة قد أعطاه ما ينسجم مع طموحاته، ويتلاءم مع طبيعة ما يفكر فيه. حيث طمأنه إلى أنه سيرتاح من عناء التفكير، والعمل على الحصول على ما يسد به الرمق، ويروي من الظمأ، ويستر العورة، ويقي من الحر والبرد، فلا يحتاج إلى التفكير في طرق الحصول عليه، ولا إلى بذل الجهد، بالعمل المناسب، ولا إلى الحفظ والحمل، والتصنيع والإعداد.. وما إلى ذلك.

ويلاحظ: أنه تعالى لم يذكر لآدم (عليه السلام)  أزيد من ذلك، لأنه لا يمثل طموحاً له، فهو لا يفكر في اقتناء الأموال، واختراق الجبال، وإنشاء الجسور وبناء القصور، واختراع الآلات التي تمكنه من التغلب على الموانع، وتمنحه الفرصة وتسهل له الوصول إلى مراداته. فضلاً عن أن يفكر في المناصب أو أن يسعى إلى امتلاك اسباب القوة والهيمنة والسلطان.. وما إلى ذلك.

إن ذلك كله زيادات لا يفكر فيها آدم (عليه السلام)  بل هو يرفضها لأنه يريد أن يفرغ نفسه لطاعة الله الذي ملأ قلبه، وأخذ حبه عليه سمعه وبصره، وملك مشاعره.. ولا يريد أن يشغله عنه شيء، حتى ولو مثل التفكير بلقمة عيش يتقوى بها جسده، أو شربة ماء تحفظ حياته، فضلاً عما هو ابعد من ذلك.

د: ثم إن هذا العطاء الإلهي لآدم (عليه السلام) في الجنة يشير إلى الرعاية الإلهية التامة، والمحبة الحقيقية منه تعالى له. فإنه إذا كان بصدد حفظه حتى في مثل هذه الأمور، ولو بمثل أن يتضايق من حرارة الشمس في وقت الضحى، حيث تبدأ حرارتها بالتأثير، فضلاً عن معاناته من حرها وهي في أوج توقدها، فإنه دون شك سوف يهتم بحفظه وبرعايته، وبالدفع عنه حين يواجه ما هو أشد وأقسى، وأعظم وأدهى.

فإذا كان يهتم بحفظه من الحر والبرد فهل يتركه يعاني من آلام الأمراض، أو يدعه يواجه أذى أعدائه وكيدهم.. أو يعاني من الجهد والضنا في تحصيل مراداته، والوصول إلى غاياته؟!

وذلك كله يشير إلى أن قوله تعالى: {إن لك ألا تجوع فيها..} الخ.. قد جاء على طريقة {ولا تقل لهما أف} الدال على المنع مما هو أشد كالإهانة، والضرب، ونحو ذلك.

 

العصيان. والأكل من الشجرة:

ثم ذكر الله سبحانه لآدم  وزوجه (عليهما السلام): أن أكلهما من الشجرة يجعلهما من الظالمين ولم يدخل سبحانه ذلك في دائرة العصيان، بمعنى التمرد على المولى وهتك حرمته، وكسر هيبته.

واللافت: أن آدم (عليه السلام)  بعد أن حدث له ما حدث، وقال الله لهما: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما: إن الشيطان لكما عدو مبين..} ([41]). لم يصف نفسه بالعاصي، بل إستعمل نفس ما ورد في التحذير الإلهي، حيث قال: {ربنا ظلمنا أنفسنا}([42]).

 

ظلمنا أنفسنا: كيف؟!

إن الظلم هو تجاوز الحدود. وقد تكون تلك الحدود هي حدود المخلوقات الأخرى، كالبشر أو الملائكة، أو الجن، أو غير ذلك. فيكون التعدي عليها ظلماً لهم.

 وليس في الأكل من الشجرة ما يشير إلى شيء من هذا القبيل.

وقد تكون الحدود هي حدود الله سبحانه، بحيث يكون التعدي عليها تعدياً عليه، وهتكاً لحرمته، وهو ما يدخل في دائرة العصيان.

وإرادة هذا المعنى تحتاج إلى درجة من العناية والتجوز في التعبير، فكيف إذا كانت الآية قد صرحت بخلافه كما سنرى..

وقد تكون هي حدود طاقة ووسع النفس، فيكون الظلم لها لا للناس، بمعنى أنه يحملها أكثر مما اعتادته وألفته، فيصل بها إلى درجات من الإرهاق والتعب، كمن يشتغل ستة عشر ساعة بدلاً من ثماني ساعات، ليحصل على ما هو أهم بنظره.. وكالتلميذ الذي يدرس في ايام الامتحانات أكثر من عادته، ليعوض النقص الذي نشأ عن إهماله في الأيام السالفة، لأنه بدون ذلك لن يحصل على الشهادة التي يطمح لنيلها، ولا يلومه الناس على تعديه الحدود في معاملته لنفسه، من أجل الوصول إلى هذا الهدف الكبير، الذي يسعى للوصول إليه، والحصول عليه..

وهذا هو الأقرب، بل هو المتعين في معنى الآية، حيث جاء الإلماح إليه في قوله تعالى: {فتكونا من الظالمين}([43]). ثم جاء التصريح به في قول آدم وزوجه(عليهما السلام). {ظلمنا أنفسنا}([44]) ولم يقولا: أذنبنا.

 

الفصل الرابع:

إبليس .. وآدم (عليه السلام).. والشجرة

 

هدف إبليس:

وإذا راجعنا الآيات الكريمة، فإننا نجد أن هدف إبليس لم يكن هو إغواء آدم (عليه السلام)  وجره إلى المعصية.

 

ويشير إلى ذلك:

ألف: أن إبليس كان يعلم: أن آدم (عليه السلام)  كان من عباد الله المخلصين، وقد تأكد هذا الأمر له حين أمره الله بالسجود له.. فاستكبر إبليس لعنه الله، فاستحق غضب الله، وطرده من ساحات قدسه ورحمته..

ب: إن إبليس قد أكد أنه سوف يحتنك ذرية آدم (عليه السلام)، وسيزين لهم المعاصي، وسيقعد لهم صراط الله المستقيم، ليصدهم عنه، ويردهم إلى التيه والضلال.

{قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً}([45]).

وقال سبحانه حاكياً قول إبليس لعنه الله: {لأغوينهن أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين}([46]).

فإبليس يتوعد ذرية آدم عليه السلام بالغواية والإضلال ولا يجرؤ على التفوه بشيء في حق آدم (عليه السلام) نفسه.

ج: قلنا إن هدف إبليس لم يكن جر آدم (عليه السلام)  إلى الجرأة على الله، والتمرد عليه ومعصيته، لأنه كان يائساً من أن يتمكن من ذلك, بل كان هدفه الذي أعلنته الآيات الكريمة هو أن يخرج آدم (عليه السلام)  من الجنة، ليواجه الجوع، والعطش، والعري، والحر، والبرد، والمرض، والصحة، والألم، والموت والحياة، والتعب والراحة، والغضب، والرضى، و.. و.. الخ.. وليحتاج الناس إلى الأمر والنهي، وتكون هناك هداية وغواية، وما إلى ذلك..

فإنه إذا تم له ذلك فسيكون قادراً على الوسوسة والإغواء، والإضلال لذريته.. ومما يشهد لذلك من الآيات الكريمة:

قوله تعالى لآدم (عليه السلام) : {لا يخرجنكما من الجنة، فتشقى..} ([47]).

وقوله: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما}([48]).

وقوله: {يا بني آدم   لا يفتننكم الشيطان، كما أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما..} ([49]).

وقوله: {فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه}([50]).

وكانت النتائج أيضاً هي ما أشارت إليه الآيات السابقة وغيرها؛ ومنها قوله تعالى: {فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما}([51]).

إذن، فقد ظهر: أن ما فعله إبليس:

من تدليتهما بغرور.

وسوسته لهما.

إنما كان لأجل إبداء سوءاتهما، وإخراجهما من الجنة ومواجهة الشقاء، لا ليتجرأ آدم (عليه السلام)  على الله، ويهتك حجاب العبودية ويتمرد عليه ويعصيه..

 

إبليس يتخفَّى

وتذكر بعض الروايات: أن إبليس لعنه الله قد جاء لآدم (عليه السلام)  متخفياً بين لحيي مخلوق آخر،قالت الرواية: إنه حية ـ

 ولا عجب في ذلك، فقد كان من الجن، ولعله لم يكن ممنوعاً من الوصول إلى أمكنة قريبة من تلك الجنة بل ربما لم يكن ممنوعاً من دخول تلك الجنة الدنيوية ، فإن هبوطه السابق إنما كان من المقام الذي كان فيه مع الملائكة المقربين وهو مقام كريم ،لا يحق لأمثال هذا الموجود الخبيث المستكبر أن يكون فيه ..

فطرده الله، وأهبطه منه حين إمتنع من السجود لآدم (عليه السلام)تكريماً له.. وإمتثالاً لأمر الله سبحانه ـ

وقد يكون الطرد الأول من نفس الجنة، والطرد الثاني تمثل من الإقتراب منها كما قلناه في موضع آخر من هذا البحث.

وعلى كل حال ، فإن إبليس لعنه الله قد جاء إلى آدم (عليه السلام)  وكلّمه، فسمع آدم(عليه السلام) صوته، ولكنه لم يعرف أنه هو ذلك الذي أخبره الله بعداوته له ولزوجه.

ولا دلالة في الآيات على أن آدم (عليه السلام)  كان قد سمع صوت هذا العدو قبل هذا الوقت، أو اطلع على سائر خصوصياته، ومنها قدرته على التشكل بأشكال مختلفة.

 

الله يريد إظهار عظمة آدم (عليه السلام)

 ولربما لم يرد الله سبحانه أن يعرّف آدم (عليه السلام)  بأكثر من ذلك، لأنه يريد أن يظهر حقيقته وفضله، واستحقاقه لمقام النبوة الكريم والعظيم. فلم يطلعه على غيبه، بل تركه يواجه الأمور بقدراته الذاتية ـ تماماً كما كان الحال بالنسبة لموسى والخضر(عليهما السلام)،  حيث لم يعرف الله تعالى موسى(عليه السلام) بالكنز الذي تحت الجدار، ولا بالملِك الذي يأخذ كل سفينة غصباً، ولا بمعاملة ذلك المجرم لأبويه.. إنه تعالى لم يعرّف موسى (عليه السلام) بذلك تمهيداً لإظهار حقيقته  واستحقاقه لمقام النبوة في درجة أولي العزم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

 

حوار افتراضي

ودار حوار بين إبليس وآدم (عليه السلام)، ولتبسيط الأمور وتوضيحها فإن لنا أن نفترض أن الحوار قد جاء على النحو التالي:

قال إبليس لآدم (عليه السلام) :

لماذا أنت في الجنة، وما هي اهتماماتك وطموحاتك؟

فيجيبه آدم(عليه السلام):

إن الجنة هي المحل المناسب الذي يحقق له طموحاته ويوصله إلى أهدافه، حيث  يتفرغ فيها لعبادة ربه، ونيل منازل القرب والزلفى منه، وليس فيها ما يصرفه عن ذلك، ولا يحتاج إلى التفكير حتى في أبسط الأشياء، ولو في الحصول على شربة ماء، فضلاً عن أن يسعى لتحصيلها.. فهو إذن متحمض في عبادة ربه وفي الاجتهاد في الوصول إليه..

وذلك لأن : إهتمامات آدم(عليه السلام) وطموحاته، ليست هي الحصول على الملذات والشهوات، كالطعام والشراب، وما إلى ذلك.

فيخبره إبليس بأنه إذا كان هذا هو هدفه، فلماذا لا يأكل من هذه الشجرة؟

فيخبره آدم (عليه السلام) بأن ربه سبحانه قد نهاه عن الاقتراب من تلك الشجرة، فضلاً عن الأكل منها..

 

المبرر المعقول والمقبول

وكان لا بد لإبليس أن يقدم حلاً مقبولاً ومبرراً معقولاً لهذه المعضلة التي تواجهه.. ويفسح المجال أمام آدم (عليه السلام) للإقدام على مخالفة النهي..

 

ويمكن أن يكون هذا المبرر هو أحد أمرين:

أولهما: ادعاء أن نهي الله سبحانه له، إنما كان عن شخص الشجرة، لا عن جنسها. فلعل تلك الشجرة كانت مبغوضة لسبب يختص بها ولا يتعداها إلى مثيلاتها..

 فلا مانع إذن من أن يأكل من شجرة أخرى تماثلها، وليس في ذلك مخالفة للنهي، لأن النهي قد تعلق بتلك فقط، لا بهذه.

وقد روي هذا المعنى عن الإمام الرضا(عليه السلام)([52]) حسبما تقدم.

بل لقد روي: أن إبليس لعنه الله قد ادعى له: أن الله تعالى قد أحلّ له الأكل من الشجرة، بعد أن كان قد نهاه عنها، وجعل علامة صحة قوله هذا: أن الملائكة الموكلين بها سوف لا يمنعونه من الاقتراب منها..

مع أن سبب عدم منعهم له ليس هو الإحلال بعد المنع، وإنما هو لأنهم لا يمنعون من يملك عقلاً واختياراً([53]).

ونحن نرجح الرواية الواردة عن الإمام الرضا (عليه السلام).

إلا أن يقال: إنه لايوجد مشكلة بين الروايتين ،فإن الرواية الثانية قد تكون ناظرة إلى النهي والمنع عن جنس الشجرة ، وأن الملائكة لا يمنعون من الإقدام على الأكل من شجرة أخرى مشابهة للمنهي عنها بحجة: أنها قد أحلت له بمعنى عدم النهي عنها،بعد أن حرمت  عليه الشجرة الخاصة ،وإن كانت مجانسة لها.

وعلى كل حال، فإن الرواية عن الإمام الرضا (عليه السلام)هي المعتمدة في بيان ما ترمي إليه الآيات، وهي ظاهرة الإنسجام مع سياقها البياني.

وأما الرواية الأخرى فان امكن الجمع بينها وبين رواية الإمام الرضا عليه السلام ، فبها.. وإلا، فإننا نكل علمها إلى أهلها.. إن صح صدورها عنهم عليهم السلام.

وثانيهما: إدعاء أن في هذا الجنس من الأشجار خصوصيات مهمة لو حصل عليها آدم (عليه السلام)، فإنه يحقق أقصى ما يتمناه.

وإدعاء أن الله سبحانه لم ينه آدم (عليه السلام)عن الشجرة من أجل أنه يراه لا يستحق هذه المقامات السامية.

وادعاء أن نهيه له ليس نهي تحريم ومنع، ولا يكشف عن مبغوضية منه تعالى للمنهي عنه.

ثم ان يدعي له اخيراً أن هذا النهي لا يدل على وجود مضرة فيالمنهي عنه، بل هو نهي تخفيف ورفق، من حيث أن الأكل من الشجرة وإن كان يوصله إلى ما يتمناه، ولكنه يكلفه غالياً وغالياً جداً.

 

أمثلة للتوضيح

ويمكن تقريب هذا الأمر بالأمثلة التالية:

إن سياق هذا النهي سياق نهي والد لولده عن الهجرة إلى بعض البلاد لطلب الرزق.. مع أنه يحصل على ما يكفيه من دون هجرة، فيقول له أبوه: إن بقاءك لا يضر بحالك، ولا ينقص من سعادتك لأنك تحصل على ما يكفيك، فسفرك وإن كان يفيد في تحصيل أموال أكثر، ولكنه محفوف بالمخاطر، وفيه متاعب ومشقات كبيرة وسهر ليالي، وتحميل للنفس ما يرهقها..

ومثال آخر نسوقه هنا هو: لو أن إنساناً كان وجهه على درجة مقبولة، أو حسنة من الجمال.. فأراد أن يزيد بهاء وجمالاً بواسطة إجراء عملية جراحية تجميلية.

فقد ينهاه أبوه عن ذلك، لأنه يكلفه غالياً، ويعرّضه إلى آلام الجراحة، وإلى مرارة الأدوية، ووخز الإبر، والقعود عن العمل أياماً..

ولكنه لو أقدم على ذلك، فسيحصل على نسبة جمالية كان يتمناها، ولا يرفض أبوه حصولها له، كما أن الله سبحانه يسهل له الأمور، ويعفيه من الوضوء، وينقله إلى التيمم، ويقبل منه الصلاة من جلوس، ولا يلزمه بإزالة دم الجروح والقروح في حالات معينة، وما إلى ذلك..

والحال بالنسبة لآدم (عليه السلام) النبي الكامل، الذي يسعى للحصول على المزيد هو ذاك، فإنه إذا بلغ درجة الكمال وهي درجة المئة مثلاًً ـ وأراد أن ينال الدرجات التي بعدها، ورأى أن ذلك في حدود الميسور المقدور، فسوف يحمل نفسه أعظم المشاق في سبيل ذلك. ولن يرضى بالجمود والركود، بل سيكون حاله حال إبراهيم(عليه السلام) الذي بلغ درجة الإيمان، فأراد أن يحصل على درجات أعلى وأعلى، فيصل مثلاً إلى درجة علم اليقين، وعين اليقين وذلك هو قوله تعالى: {قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي}([54]).

 

العروض الإبليسية المقبولة:

والأمور التي حاول إبليس أن يغري آدم (عليه السلام) بها {ودلاهما بغرور} هي:

"أن الأكل من الشجرة يحقق له أموراً ثلاثة تهمه جداً.. أشار إليها تعالى بقوله: {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}([55]).

وبقوله: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}([56]).

 

 فالأمور التي ركز عليها إبليس هي التالية:

الأول: كأن إبليس لعنه الله قد قال لآدم : لو أكلت من هذه الشجرة فإن الله سيؤتيك ملكاً، ولكن لا لأجل إرضاء شهوة السلطة والقوة والنفوذ عندك.. لأنه يعلم أنك لا تعيش هذا الجو، بل لكي تتهيأ لك الفرص المتنوعة، وتنفتح لك أبواب الطاعات المختلفة، ولكي تملك الكثير من وسائل القربات التي تمكنك من الحصول على المزيد من درجات القرب والرضا، فإن لكل طاعة درجاتها التي تناسبها، ومقاماتها التي تلائمها.

 ولا تحتاج لحصولك على هذه الوسائل لبذل أي جهد يصرفك عن الاستغراق في الله والانهماك فيما يرضيه.

فالمال الكثير أيضاً يمكن أن يفتح لك أبواباً كثيرة من العبادة، فإنه: نعم المال الصالح للرجل الصالح ([57]) وهو يمكِّنك من طاعات متنوعة وكثيرة، لن تكون قادراً عليها بدونه، كالصدقات، وبناء المدارس وتمهيد المسالك، وإنشاء المعابر والجسور، وبناء المساجد، وطبابة المرضى وغير ذلك مما يتعذر عدّه وحصره،

والجاه أيضاً كذلك، فإنك بواسطة نفوذك وموقعك وجاهك تستطيع أن تقضي حاجات كثيرة جداً للمؤمنين لدى أهل الجاه والقوة والنفوذ، وتأمر بمعونتهم، وتعمل على إيجاد المرافق التي تحفظ لهم بها عزتهم، وكرامتهم، وسؤددهم.. الخ..

وبواسطة قوتك وجندك و.. يمكنك أن تحفظ أمنهم، وتدفع عنهم الأسواء، وتكبت عدوّهم، وتقيم العدل فيما استخلفك الله تعالى فيه.

فالملك إذن يفتح أمامك الكثير من الأبواب، ويهييء لك الكثير من الوسائل، وبدونه، فإنك لا تستطيع أن تمارس إلا أنواعاً محدودة من الطاعات، كالصلاة والصوم، والاستغفار ونحو ذلك..

وهل يستطيع إنسان هو في مستوى نبي أن يتجاهل هذه الحقيقة، فيؤثر لذّة عارضة على هذه النعمة العظيمة الباقية، أم أن عليه أن يندفع لنيل أمر كهذا، ويعمل ما بوسعه للحصول على مثل هذه الوسائل والقدرات؟ خصوصاً إذا عرف أنها ليست مما يضعف أو يتلاشى، ولا هي من الأمور العارضة، بل هي سوف تبقى وتستمر بنفس القوة وبنفس الفاعلية والتأثير،

 وهو ما أشير إليه في قوله تعالى: {لا يبلى} أي لا يتأثر بتقادم  الزمن، ومر الدهور، فلا يصاب بالوهن، ولا يتعرض للتلاشي..

نعم.. إن من يؤثر لذة عارضة على نيل مقامات القرب والزلفى من الله:

إما أنه يعاني من خلل في إدراكه!.

أو من نقص في حكمته وتدبيره!.

أو من عدم وضوح الرؤية لديه!.

أو من نقص في إيمانه!.

وبكلمة واحدة: إنه يعاني من اختلال في حالة التوازن في شخصيته.

وليس ذلك هو آدم (عليه السلام)  الإنسان الكامل في مختلف مزاياه، وإلا لأصبح الناس العاديون جداً أقرب إلى رضا الله منه(عليه السلام) إذ ما أكثر ما يندفعون للتضحية بكل ما يملكون، وحتى بأنفسهم ـ فضلاً عن التخلي عن ملذاتهم ـ وذلك في سبيل مبادئهم العليا، وأهدافهم السامية.

الثاني: وكان إبليس لعنه الله قد قال لآدم(عليه السلام) أيضاً: إن فائدة الأكل من الشجرة هي أن يكون تكوينك يا آدم مسانخاً لتكوين الملائكة، حيث تستأصل من داخلك حتى ميولك وغرائزك ليكون الخير طبيعتك وسجيتك، فلا شهوات لديك، ولا غرائز عندك، تعيقك عن السعي نحو ما تطمح إليه من حيث أنها تخلق لك حاجات تحتاج معها إلى بذل جهد للحصول على ما يلبّيها من الحلال الطيب،

 وإذا كنت من سنخ الملائكة فلا يبقى لديك حاجة إلى طعام أو شراب، ولا إلى ما يكنّك من الحر والبرد، وما إلى ذلك.. فليس لديك ما له أدنى أثر في صرفك عن اهتماماتك، أو يؤثر في وهن عزيمتك، فتكون خالصة لله سبحانه، ولله وحده.

الثالث: وكان قد قال لآدم أيضاً: إن طموحك يا آدم (عليه السلام) هو أن يكون عمرك مديداً ومديداً جدا،ً تصرفه كله في الطاعة وفي العبادة، ولا تريد الخلود كراهة منك للموت، أو استجابة لشهوة حب البقاء، ولا لغير ذلك، وإنما تريد صفة الخلود ليمكنك الاستمرار والبقاء في طاعة الله سبحانه من موقع القوة والاقتدار على صنوف الطاعات، ومن موقع الغنى، فتصل بعبادتك وجهادك إلى مقام بعد مقام، فلا يدفعك جوع أو عطش أو حر أو برد أو عدو أو مرض أو نحو ذلك إلى تلمس ما يدفع ذلك عنك مما قد يبطىء حركتك باتجاه هدفك السامي.

 وهذه الأمنية الغالية لا تختص بآدم (عليه السلام) ، بل تتعداه لتكون رفيقة كل مؤمن حسب ما جاء في الأدعية الشريفة الواردة عن الأئمة (عليهم السلام).

 

الترديد في عروض إبليس، لماذا؟.

أما الترديد الذي ظهر في كلام إبليس حين قال: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}([58]).

فإنه لم يرد في سياق التشكيك فيما سيحصل عليه، بل جاء على سبيل منع الخلو ليكون المعنى: أنه إذا أكل من الشجرة فسيحصل على شيء هام جداً، بحيث لا يخلو من أحد هذين الأمرين على أقل تقدير، هذا إن لم يحصل عليهما معاً.

وقد احتمل بعض الأعلام: أن يكون الترديد إنما هو في متعلق النهي، أي أن الشجرة جامعة للوصفين معاً، لكن إبليس يزعم أنه لا يدري أي الوصفين كان سبب نهي الله له عنها، هل هو هذا الوصف؟ أو ذاك الوصف؟.

 

اندفاع آدم (عليه السلام)  طبيعي

وقد عبر الله سبحانه عن هذه الطريقة الالتفافية وهذا التمويه للأمور، عبّر عنها بأنها تدلية. أي تقريب وإيصال، وبأنها وسوسة. وهي إلقاء الكلام من طرف خفي..

وقد حاول إبليس أن يخبر آدم (عليه السلام)  بأمور جعلته يندفع للأكل من الشجرة وكأنه لا يشعر بأن أحداً يطلب منه ذلك أو يدفعه إليه، خصوصاً إذا لاحظنا الرواية التي تحدثت عن تخفي إبليس بين لحيي حية، وما أخبره به عن عدم منع الملائكة له فيما لو اقترب إليها، كما تقدم.

 

لو لم يأكل من الشجرة لاستحق الطرد الإلهي

ولا يمكن لآدم (عليه السلام)  أن يقف من هذا الأمر موقف اللامبالاة، فضلاً عن أن يرفضه وينأى بنفسه عنه، ما دام أن ذلك يدخل في سياق أهدافه، ويجسد له طموحاته كأفضل وأتم وأعلى ما يكون التجسيد. فقد اصبح ملزماً بملاحقة حتى الاحتمال مهما كان ضعيفا وموهوناً..

ولو أنه قصر في طلب هذا الأمر، والتحقق منه، لزال استحقاقه لمقام النبوة، ولا يعود أهلاً لمواقع القرب والرضا والزلفى.. بل كان مستحقاً للطرد والإبعاد عن رحمة الله سبحانه، ومن الجنة بصورة قاسية ومهينة لأن ذلك معناه أنه يؤثر الاستجابة إلى شهواته وغرائزه على رضا الله تعالى وعلى مواقع الكرامة والزلفى منه جلّ وعلا..

 

المقاسمة تفرض الأكل من الشجرة

إذن، فقد كان من الطبيعي : أن نجد آدم (عليه السلام) يلاحق هذه الاحتمالات، ويسعى لتأكيدها، ولو عن طريق فرض القسم على إبليس لعنه الله.

هذا وقد أشارت كلمة "قاسمهما" التي هي مثل ضارب في الدلالة على صدور الفعل من الطرفين، إلى وجود قسَمين: أحدهما، من آدم (عليه السلام) وزوجه. والآخر، من إبليس لعنه الله.

لقد كان على آدم (عليه السلام)الإنسان الكامل أن يسعى للتأكد من صحة الاحتمال الذي ذكره له مخاطبه، لأنه مهم جداً ومصيري بالنسبة إليه، لانسجامه مع حبه لله تعالى، ومع سعيه لنيل مقامات القرب والكرامة منه عز وجل.

وكان طريقه الوحيد لضمان الصدق, ولتحصيل الرجحان، هو أن يسوق المدعي إلى القسم. ففعل ذلك، واتبع معه أسلوباً شديداً حينما لم يكتف بطلب القسم منه، بل هو أقسم عليه أن يصدقه القول أيضاً، وكان المفروض بالمدعي أن يبرّ قسمه؛ فكيف إذا أكد المدعي قوله بقسم جديد على أنه ناصح وصادق؟!([59]).

وعلى هذا فإن إبليس لعنه الله قد وقع في مخالفتين:

إحداهما: أنه لم يبر بقسم آدم (عليه السلام)، كما هو المفروض.

الثانية: أنه كذب عليه حين أقسم له أنه ناصح، وليس هو كذلك.

فكان من الصعب على آدم (عليه السلام)  - والحالة هذه - تصور الإقدام على هتك حرمة العزة الإلهية مرتين: مرة حين لم يبر بقسمه. ومرة أخرى حين كذب بما ادعاه من النصح والصدق.

وما ذلك إلا لأن معنى القسم منهما هنا هو التجاء الطرفين إلى الله سبحانه ليكون هو الكفيل والضامن للصدق، بحيث يجعل الأمر في عهدة العزة الإلهية، ويكون التفريط فيه هتكاً لحرمته تعالى، وتعدياً عليه، وخروجاً عن زي العبودية والانقياد له سبحانه.

 وسيكون الله عز وجل هو الذي يتولى معاقبة من يعتدي على مقام جلاله وعزته، ويهتك حجابه وحرمته.

والدليل على ذلك ما هو معلوم من أن الحلف بيمين البراءة يستتبع معاجلة الحالف الكاذب بالعقوبة، فلا يقدم المذنبون على هذا اليمين، بل هم يمتنعون منه، حتى الذين يعرفون من أنفسهم البراءة والصدق.

وهذا ما يفسر لنا سبب القضاء بالإيمان، بعد فقدان البينات في الإسلام؛ فإن ذلك يعني إخراج الأمر من عهدة الحالف، ليجعله في عهدة الله وفي ضمانه، فإن كان ثمة من تعد وجرأة واغتصاب حق، فإنما هو عليه سبحانه. وهو الذي يتولى قصاص من يفعل ذلك.

وعلى كل حال، فقد جاء عن الإمام الرضا(عليه السلام)مايشير إلى ذلك، فقد روي أنه قال:

" فأكلا منها ثقة بيمينه"([60]).

 

لو لم يأكل آدم (عليه السلام)  من الشجرة!!

وبعد تلك الأقوال التي أكدها إبليس لعنه الله بهذا القسم، فإن آدم (عليه السلام)  يجد نفسه ـ بحكم مبادئه ـ ملزماً بالأكل من الشجرة، وبتصديق ما قيل له. حتى لو كان القائل هو عدوه، فإن الخصماء قد يكذب بعضهم بعضاً، ثم يلجأون للقسم ويرضون به، ويلتزمون هم، ويلزمهم الآخرون بمقتضاه..

 ولو أن آدم (عليه السلام)  لم يأكل من الشجرة بعد هذا القسم فسيجد نفسه:

إما مستهيناً بالله سبحانه، وبقدرته على ضمان ما جعل في عهدته.

وإما غير مبال بنيل ما يطمح إليه، ويسعى للحصول عليه من مقامات القرب والزلفى عنده سبحانه.

وكلاهما مرفوض جملة وتفصيلاً..

واللافت هنا: أن هنالك رواية تقول: إن إبليس لعنه الله قد قال لآدم (عليه السلام) :

إن الله سبحانه قد أحل له تلك الشجرة بعد تحريمها عليه، وجعل علامة على صحة قوله: إن الملائكة الموكلين بالشجرة لا يدفعونه عنها كما يدفعون غيره، فأكلا منها، ولم تدفعهما الملائكة عنها؛ لأنهم كانوا موكلين بدفع من لا يملك اختياراً وعقلاً([61]).

وقد قدمنا في بعض الهوامش السابقة بعض ما يرتبط بهذه الرواية فلا نعيد..

 

نقطة الصفر

وأكل آدم وزوجه (عليهما السلام) من الشجرة، فوجدا أنفسهما في الموقع الصعب، وبدت لهما سوءاتهما، التي كانت قد سترت عنهما، حيث قد كان لها فيهما نوع كمون، واختزان.

وكان ظهور السوءات يتمثل بظهور أعراض البشرية على آدم (عليه السلام) ، حيث صار بحاجة إلى الغذاء، والدواء، والساتر، وأصبح يخاف، ويحزن، ويعرق، ويمتخط، ويبول، ويمرض، ويتألم، ويحتاج إلى ما يقي من الحر والبرد.. وما إلى ذلك..

ولن يجد في تلك الجنة ما يفيده في دفع ذلك كله، فكان لا بد له من الهبوط منها إلى مكان آخر، يوفر له ما يعيد هذه الخفايا إلى ما كانت عليه من حالة الكمون والخفاء والاختزان ولو بمقدار ما.

وإذا به يرى رحمات ربه تفيض عليه، ويبادره الله بجائزة سنية عظيمة، قبل أن ينبس ببنت شفة، كما سنرى في الفصل التالي.. إن شاء الله تعالى..

 

الفصل الخامس:

هبات وعوائد إلهية

 

الجائزة الكبرى للناجحين:

والذي يثير الانتباه جيداً هنا:

أن الله سبحانه بعد أن ابتلي آدم (عليه السلام)  بالأكل من الشجرة، وظهرت عليه عوارض البشرية، التي لا تتناسب مع الحياة في تلك الجنة..

نعم.. بعد ذلك، وحيث أصبحت اللحظات الحرجة تمر ببطء شديد، ويتعاظم لديه الشعور بالضيق، وأصبح يتلهف للخروج مما هو فيه بأية صورة، وصارت اللحظات في إنتظار ذلك تمر بسرعة وتثاقل مرهق وقاس. وصح التعبير من أجل ذلك بكلمة "ثم" في قوله: {ثم إجتباه ربه}

نعم ، في هذه اللحظات بالذات شملته الرحمة الإلهية العارمة، حتى وقبل أن يتفوه  (عليه السلام)  بأي كلمة ـ كما هو ظاهر السياق القرآني. وحباه جل وعلا بوسام الشرف والاستحقاق، وأعطاه جائزة سنية قبل أن يهبطه إلى الأرض، حين أناله مقام الاجتباء الإلهي.. المتمثل بعوده عليه بالألطاف والرحمات، والمواهب الجليلة. فقد قال تعالى:

{وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى* قال اهبطا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى*} ([62])الخ..

والجائزة إنما تعطى للناجح الذي أنجز عملاً مرضياً، ومميزاً، ولا تعطى لمن عصى وتمرد، أو لمن فشل وسقط في امتحان الجدارة..

وقد كانت هذه الجائزة - كما قلنا - قبل الأمر لآدم (عليه السلام) بالهبوط إلى الأرض، كما هو ظاهر الآية الكريمة المتقدمة..

 

معنى الاجتباء

والاجتباء كما قاله الراغب هو:

 "الجمع على طريق الاصطفاء".

وقال:

 "اجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي ليتحصل منه أنواع من النعم، بلا سعي من العبد. وذلك للأنبياء، وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء.. الخ"([63]).

وليتأمل المتأمل هنا كيف جاء التعبير بكلمة "اجتباه"، وكأنها تريد أن تلمح إلى ما كان يعاني منه آدم (عليه السلام)  من توزع مضنٍ، وانتشار وامتداد من موقع الحاجة والعجز، والضعف، في مختلف جهات حياته.

 فأصبح بحاجة إلى من يساعده على جمع ذلك الشتات، ولملمة ذلك الانتشار، وسد هاتيكم الثغرات، وتقوية ضعفه، ورفع عجزه بما يناسب ذلك كله، وبما يتطلبه من حاجات ومرافق، وما يفرضه من هدايات ودلالات.

وألمح بعض الأعلام إلى أن الله قد اجتبى آدم (عليه السلام) أي جمعه إليه سبحانه([64])، وسلك به إلى نفسه، لا يشاركه فيه غيره، بما أعطاه من هدايات تيسّر له ذلك، من حيث أنه تعالى هو الرحيم بعباده، العائد إليهم بألطافه وعناياته..

 

آدم (عليه السلام)  يتلقى الكلمات

وقد حدثنا الله سبحانه: أن الله سبحانه في غمرة هذا الحدث، بعد الهبوط مباشرة وقبل أي شيء قد أعطى عبده آدم (عليه السلام)  كلمات تعقبتها التوبة عليه مباشرة، قال تعالى: {فتلقى آدم   من ربه كلمات، فتاب عليه: إنه هو التواب الرحيم}([65]).

ولبيان ذلك نقول:

إن هذه الآية قد ألمحت إلى الأمور التالية:

 

1- دلالات قوله تعالى {فتلقى}

 إن الله سبحانه لم يترك آدم (عليه السلام)  يواجه المصاعب وحده، بل أمده مباشرة وبدون إمهال بأسباب الخلاص مما هو فيه. وكان آدم (عليه السلام)  ينتظرها ويهيء نفسه لها ـ كما تشير إليه كلمة {فتلقى} ـ التي جاءت بفاء التفريع التي تفيد التعقيب من دون مهلة.

كما أنه لم يقل: فألقى إليه كلمات، بل قال: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ} وما يشعر به التعبير بالتلقي من الانتظار من قبل آدم (عليه السلام)  لتلك الكلمات، مع استعداد وتهيؤ لاستقبالها، بما يليق بها ويناسبها..

 

2-التلقي للكلمات كان: {من ربه} 

 ويلاحظ: أن هذه الكلمات قد تلقاها آدم (عليه السلام)  من موقع الربوبية التي توحي بالرعاية والتنشئة الحريصة على مصلحته، والمهتمة بحفظه. على وفق الحكمة، والتدبير الصحيح، وتحت رعاية عين العلم الثاقبة والنافذة إلى الأعماق والمحيطة بأسرار كل هذا الوجود، ومن هنا نجده تعالى يقول:{من ربه} .. ولم يقل من الله..

ولا بد أن تكون الكلمات المذكورة كلمات عظيمة، كما ربما تلمح إليه كلمة التلقي.

 وكذلك تنوين التنكير الذي هو في ما يظهر لإفادة التعظيم.

بالإضافة إلى كونها آتية إليه من جانب العزة الإلهية، والفيض الربوبي، الذي ينتظره، وهو في أمس الحاجة إليه، بعد أن حدث له ما حدث..

 

3 - عظمة الكلمات التي تلقاها آدم (عليه السلام)

ثم جاءت التوبة عليه بعد تلقيه تلك الكلمات مباشرة، كما ألمح إليه التعبير بالفاء في قوله: {فتاب عليه}، مما يعني أن هذا التلقي الكريم لتلك الكلمات، ووضعها في موقعها اللائق بها، قد نتج عنه عودة الله سبحانه على آدم (عليه السلام)  بلطفه وعونه ورعايته..

وإن عظمة هذه الكلمات، ثم تفريع التوبة على تلقيها يشير إلى أن دورها في حياة آدم (عليه السلام)، من حيث كونها "كلمات"، تدخل في دائرة التلفظ المستتبع للتوبة. وذلك يشير إلى أنها كانت مادة أساسية ومحورية في دعائه عليه السلام..

فهي إذن ليست مجرد قراءة دعاء حتى لو كان هذا الدعاء هو:

"لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءا،ً وظلمت نفسي، فاغفر لي، وأنت خير الغافرين.

لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءاً، وظلمت نفسي، فارحمني، وأنت خير الراحمين.

لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءاً، وظلمت نفسي، فاغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم"([66]).

 إنها كلمات تحتاج إلى تعليم، وهي كلمات لها شرف ومقام كريم عند الله تحتاج إلى استعداد وتهيؤ لاستقبالها ولتلقيها.

أما التجاء المحتاج والمنكوب إلى الله سبحانه، والاعتراف أمامه بالقصور، وبالتقصير، وطلب العون والستر، والمغفرة، فلا يحتاج إلى التعليم الإلهي، إذ أن ذلك هو ما تسوق إليه طبيعة الإنسان العارف بالله، الواقف أمام جلاله وعظمته، المدرك لمدى عجزه في مقابل قدرته تعالى، وضعفه مقابل قوته تعالى، وفقره وحاجته أمام غناه وكرمه سبحانه..

فليس هذا الدعاء إلا ذلك الخطاب المألوف، والواقعي، والطبيعي جداً، ولا يحتاج إلى تعليم. وليس هو بالأمر المغفول عنه، بل ينساق إليه خصوصاً من هو مثل آدم (عليه السلام)  في معرفته بالله سبحانه، بفطرته وسجيته..

وذلك كله يجعلنا لا نقتنع بقول من يقول: إن الكلمات هي خصوص هذا الدعاء، بل لا بد أن يكون معه أيضاً ـ أو بالاستقلال عنه ما هو أعظم وأهم وهي ـ أسماء أهل البيت(عليهم السلام) وهم محمد، وعلي، وفاطمة، والحسنان (صلوات الله عليهم أجمعين)، ليكونوا شفعاءه ووسيلته، كما دلت عليه الروايات الشريفة فراجع([67]).

 

4 - الكلمات تحل كل المشكلات

وقد ذكر العلامة الطباطبائي (قده) هنا:

 أنه حين قالت الملائكة:  {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال: إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها}..

 فهو تعالى قد أقام الحجة على الملائكة بتعليمه لآدم (عليه السلام)  هذه الأسماء، مما يعني أنها أسماء من شأنها حل كل المشكلات، وإزالة كل آثار الظلم والمعاصي، ودواء كل داء، وإصلاح كل فاسد، فأسكتهم بذلك، وأقام الحجة عليهم.

 وذلك معناه أنها أسماء موجودات عالية، لا يتم كمال المستكمل إلا ببركاتها، وهي كما دلت عليه الأخبار أسماء أهل البيت (عليهم السلام).

أما قول بعضهم إن الكلمات هي قول آدم (عليه السلام):

{ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.

فقد رده العلامة الطباطبائي (قده) بأن آيات سورة البقرة قد دلت على أن التوبة وقعت بعد الهبوط إلى الأرض. وهذه الكلمات قد صدرت من آدم (عليه السلام)  قبل الهبوط كما في سورة الأعراف.

ثانياً: بل الظاهر هو أن قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا} تذلل وخضوع قبال ندائه تعالى، وليس دعاء بالكلمات المتلقات ([68]).

ثم ذكر أخيراً.. أنه تعالى حين يعود إلى آدم (عليه السلام)  ليستنقذه بلطفه، ويمده بعونه، ويقوي ضعفه، ويرفع عجزه، فإنما يفعل ذلك من حيث هو تواب كثير العودة إلى عباده، لمساعدتهم، وسد الخلل الذي يعانون منه، وإن عودته هذه إليهم إنما هي من موقع رحيميته بهم، التي يحتاجونها، لتقوي ضعفهم، ولتسدّ الخلل وترفع النقص..

 

الفصل السادس:

آثار .. ونتائج

 

ذاقا.. أكلا.. أزلهما عنها

واللافت: أن الآيات تارة عبرت بـ{ذاقا}واخرى بـ {أكلا منها }

وثالثة بـ {أزلهما الشيطان عنها}.

وواضح : أن ثمة عناية خاصة في إبراز بعض الخصوصيات من خلال هذا التنوع في التعابير.

فهو حين يقول: {ذاقا} فإنه يكون قد بين أن الأكل لم يكن مجرد إيصال جزء من تلك الشجرة إلى جوف آكليه، فإن ذلك قد لا يكون هو المؤثر في سقوط الحجاب، وظهور السوءات. بل قد كان ثمة ما هو أبعد من ذلك، ألا وهو التفاعل مع حقيقتها، والإحساس بخصوصيتها من خلال تذوق طعمها..

ولذلك جاء التعبير ليعطي أن ما حصل كان اختراقاً، وخروجاً، وتجاوزاً للحدود "فأزلهما الشيطان عنها"..

وإذا كانت هذه الحدود هي حدود التكوين، فإن اختراقها وتجاوزها سوف يترك أثره التكويني من خلال حتمية الخضوع لنواميس الخلق والتكوين التي أودعها الله في الخلق والخليقة، رحمة منه تعالى بها،وفق مقتضيات التدبير والحكمة البالغة.

 

السوءات؟!

والآيات الكريمة تكاد تكون صريحة في أن السوءات إنما كانت مستورة عن آدم وزوجه(عليهما السلام)، لا أنها لم تكن ثم كانت..

ولسنا بحاجة إلى القول بأن المراد بالسوءات في الآيات ليس هو العورة بمعناها المعروف.. إذ لا شك في أن آدم (عليه السلام)  كان يعرف أن له عورة ويحس بها، ويعرف أنه رجل، ويعرف أن زوجه أنثى، ويعرف الفرق بين الرجل والأنثى، ويدرك معنى الزوجية بينهما.

ولكن جاء التعبير بالسوءات للكناية عن تلك الأحوال الصعبة التي من شأنها أن تدخل الخلل إلى حياته، وتوصل المساءة إليه، ويحصل له  بسببها الشقاء الذي أشار تعالى إليه بقوله: {فتشقى}.. ثم كأنه فسره بقوله بعده: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}.

وقد عبر عن هذه السوءات بصيغة الجمع، لا بصيغة الإفراد والتثنية، ربما ليشير بذلك إلى كثرتها وتنوعها.

 

ينزع عنهما لباسهما

وقد كانت تلك الأحوال الصعبة التي عبر الله عنها بالسوءات على درجة من الخفاء والكمون، إلى حد أن آدم  وزوجه (عليهما السلام) لم يكونا يريانها، لأنها كانت مواراةً أي مستورة عنهما بساتر وحجاب.

وتمثلت مشكلة آدم وزوجه (عليهما السلام)  في أوجها وعنفوانها في أن إبليس قد استطاع أن ينزع عنهما لباسهما، ليريهما سوءاتهما.. وكان زوال هذا الستر قد حصل بفعل أنهما قد ذاقا الشجرة. مما يعني أن التفاعل الجسدي الناشئ عن هذا الأكل.. هو الذي أسقط ذلك الساتر عن السوءات..

وقد حاولا أن يستفيدا من سواتر الجنة، فلم تنفعهما بشيء {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} فكان لا بد لهما من الخروج إلى عالم جديد، يجدان فيه ما يسد الخلل، ويواري السوءات.

نعم لقد كان على آدم (عليه السلام) أن يعيد سائر الأحوال التي ظهرت عليه إلى ما كانت عليه من الكمون والخفاء ـ وقد أشارت بعض الروايات إلى ذلك، وإلى أن لباس الجنة لم يعد صالحاً لهما، وإلى أنهما قد إضطرا إلى حرث الدنيا ومطعمها، حيث قالت:

 ".. وسقط عنهما ما البسهما الله من الجنة، وأقبلا يستتران من ورق الجنة"([69]).

وفي نص آخر:

"بدت لنا عوراتنا، واضطررنا إلى حرث الدنيا ومطعمها"([70])..

فالجوع يحتاج إلى ستره بالشبع، والعري باللباس والمرض بالدواء، والخوف بما يوفر الأمن وهكذا بالنسبة إلى سائر الأحوال التي لا بد من إعادتها إلى حالة الكمون والخفاء..

 

مناقشة كلام الطباطبائي (قده)

نعم.. وهذا هو الأوفق بالسياق القرآني، ولأجل ذلك فنحن لا نرتضي ما ذكره العلامة الطباطبائي (قده) في تفسيره؛ حيث يقول:

".. وآدم (عليه السلام)  وزوجته، وإن كانا قد سواهما الله تعالى تسوية أرضية بشرية، ثم أدخلهما الجنة لم يمكثا بعد التسوية، ولم يمهلا كثيراً، ليتم في الدنيا إدراكهما لسوءاتهما، ولا لغيرها من لوازم الحياة الدنيا، واحتياجاتها حتى أدخلهما الله الجنة.

وأنه إنما أدخلهما الله الجنة حين أدخلهما، ولما ينفصلا، ولما ينقطع إدراكهما عن عالم الروح والملائكة.

والدليل على ذلك قوله: {ليبدي لهما ما ووري عنهما}، ولم يقل: ما كان ووري عنهما، وهو مشعر بأن مواراة السوأة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا استدامة، وإنما تمشت دفعة ما، واستعقب ذلك بإسكان الجنة، فإظهار السوءات كان مقضياً محتوماً في الحياة الأرضية، ومع أكل الشجرة الخ.."([71]).

وقد ذكرنا فيما تقدم ما يشير إلى عدم إمكان قبول هذا السياق التفسيري من العلامة الطباطبائي رحمه الله.

ونضيف إلى ما قدمناه ما يلي:

أولاً: إنه لا دليل على ما ذكره (رحمه الله) من أن آدم (عليه السلام) وزوجه لم يمكثا بعد التسوية، ولم يمهلا كثيراً..

ثانياً: لا دليل له على ما ذكره من أنهما لم يدركا في الدنيا سوءاتهما، كما لم يدركا غيرها من لوازم الحياة الدنيا.. وأن عدم الإدراك هذا قد استمر إلى أن دخلا الجنة.

ثالثاً: قوله: إنهما حين أدخلهما الله الجنة لما ينفصلا، ولما ينقطع إدراكهما عن عالم الروح والملائكة غير ظاهر المراد..

فإنه إذا كان "قد سواهما الله تعالى تسوية أرضية بشرية" على حد تعبيره، فما هو الدليل على أن إدراكهما كان متصلاً بعالم الروح والملائكة..

رابعاً: سلمنا اتصال إدراكهما بعالم الروح والملائكة، لكن كيف يثبت أن هذا الاتصال بقي مستمراً إلى حين دخولهما الجنة..

خامساً: إنه حين خاطبهما بأن الأكل من الشجرة يستلزم الشقاء، ووعدهما بعدم الجوع والعري، والظمأ، والضحى. هل فهما أقواله هذه؟ أم لم يفهماها؟. فإن كانا قد فهماها وعرفا معانيها، فإنه يكون قد عرفهما وجود عري، وجوع، وظمأ، ونحوها.. ووجود ما يستر العري، ويشبع الجوع، ويروي الظمأ، ويقي من حر الشمس في الضحى..

سادساً: قوله: إن مواراة السوأة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا استدامة، وإنما تمشت دفعة ما، ثم أعقب ذلك سكناه الجنة..

لا مجال لتأكيده، فإنه إذا أمكن ستر السوأة مقداراً ما فإنه يمكن سترها مقداراً أطول.. خصوصاً إذا لم يأكلا من الشجرة.. فإن إظهارها مشروط بذلك، فإذا أمكن أن يعيش في الحياة الدنيا من دون أن يأكل من الشجرة التي تظهر كوامن وجوده، فإنه سيبقى مستوراً.

 

ناداهما.. تلكما

ويلاحظ أيضاً: أنه سبحانه حين حدث لآدم (عليه السلام)  ما حدث لم يقل: "قال لهما ربهما"، بل قال: {ناداهما ربهما}.

ولعل ذلك يشير إلى أن ثمة حالة من البعد قد حصلت لآدم (عليه السلام)، لأن النداء إنما يكون من بعيد، والخطاب يكون للقريب.

ولعل سبب ذلك هو أن  نفس الأكل من الشجرة قد جعله في موقع آخر، ليس هو الموقع الذي يفترض أن يكون فيه، ولأجل ذلك فقد أصبح بعيداً عن الشجرة أيضاً، وتبدل الخطاب منه تعالى من  "لا تقربا هذه الشجرة" وكلمة "هذه" تستعمل للقريب، إلى قوله {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة..} و "تلكما" تستعمل للبعيد، منسوباً إليه وإلى زوجه..

 فهذا البعد قد كان هو الأثر الطبيعي التكويني لذلك الأكل. وقد حصل ذلك قبل أن تصدر عن الله سبحانه أية إشارة منه تعالى تحكي حالة الرضا أو حالة الغضب، أو تشير إلى الأسف لما أصابه، أو تلومه على ما صدر منه.

 

هبوط إبليس

وقد كان الهبوط لإبليس لعنه الله حتى من تلك الجنة التي في هذه الدنيا، قد سبقه هبوط آخر لإبليس من المقام الذي كان فيه مع الملائكة، سواء أكان ذلك الهبوط الأول، من جنة الخلد أو من مواقع القرب والزلفى في السماء حيث كان مع الملائكة..وهو قول الله تعالى له: {فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين}([72]).

ويحتمل أن هذا الهبوط الثاني هو هبوط آخر عن جنة الخلد أيضاً، حيث إنه وإن كان قد طرد من الجنة - إن كان الطرد الأول منها حين لم يسجد لآدم (عليه السلام) - لكنه ـ ربما ـ كان قادراً على الدنو منها، بحيث يسمع صوت من بداخلها.. فيكون هبوطه هذا بسبب هذا الجرم الحادث الذي ارتكبه في حق آدم وزوجه (عليهما السلام) هو بمعنى حرمانه حتى من الدنو والاقتراب منها.

ومن الواضح: أن طبيعة كينونة إبليس لا تفرض له تلك الحاجات التي تفرضها طبيعة آدم لآدم (عليه السلام) ، فإن بشرية آدم(عليه السلام) ، قد فرضت عليه بسبب انه ذاق الشجرة، بروز تلك الحالات الكامنة فيه، كالجوع والعطش والانفعال بالحر والبرد، والتعرض للآلام والأمراض، وما إلى ذلك.

لكن إبليس لعنه الله - بحسب طبيعة تكوينه -، لا تعرض له نفس هذه الحالات .

فكان هبوطه يمثل إبعاداً له عن ساحة الرحمة الإلهية، وحرماناً له من مقام الكرامة الربانية.

 

هبوط آدم (عليه السلام)

أما هبوط آدم (عليه السلام) ، فقد كان بمعنى الانتقال إلى عالم جديد يتناسب مع الحالة التي استجدت له.

وقد روي أنه (عليه السلام) قال مخاطباً ربه:

 ".. وبدت لنا عوراتنا، واضطرنا ذنبنا إلى حرث الدنيا، ومطعمها، ومشربها"([73]).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام):

 "أخرجه الله لأنه خلق خلقة، لا يبقى إلا بالأمر والنهي، والغذاء واللباس"([74]).

فانتقال آدم (عليه السلام) من الجنة يشبه انتقال الجنين من عالم الجنينية بالولادة إلى هذا العالم الجديد بالنسبة إليه، حيث لم يعد يمكنه العيش فيه لاحتياجه إلى أمور لا يتحملها عالمه الأول، ولا يستجيب، ولا يستطيع تلبيتها له.

بخلاف هبوط إبليس، فإنه طرد وإبعاد وعقوبة له ..

 

الفصل السابع:

العصيان .. والغواية.. والتوبة .. والمغفرة

 

الغواية، ضد الرشد لا ضد الضلال

ولربما أصبح واضحاً: أن غواية آدم (عليه السلام)  ليست بمعنى الضلالة عن طريق الهدى، وإنما هي ضد الرشد، بمعنى أنه لم يصل إلى مطلوبه، الذي أراده وسعى إليه.. لأنه قد حاد ومال عن هدفه، وغوى عنه..

 

العصيان ليس هو التمرد

واتضح أيضاً: أن معنى العصيان في قوله تعالى {وعصى آدم  ربه} ليس هو التمرد على الله، وكسر هيبته، وهتك حجاب عزته.. بل معناه عدم موافقة العمل المأتي به لظاهر كلامه سبحانه الذي جاء على شكل أمر ونهي.

 وعلى حد تعبير العلامة الطباطبائي (رحمه الله): إن استعمال عصى في خصوص الأوامر المولوية إنما هو طريقة الشرع، وإلا فإن الإستعمال اللغوي لا يقتصر على ذلك، بل يراد به مطلق عدم الانفعال بالأمر والنهي سواء أكان الأمر والنهي مولويين أو إرشاديين، حيث لا يكون ثمة عنوان السيادة ملحوظاً في نشوء الأمر والنهي.. سواء أكان هناك سيادة بالفعل، كالإرشادات الإلهية التي تهدف إلى إلفات الناس إلى بعض المنافع أو المضار في بعض الموارد، أو لم تكن هناك سيادة ومولوية وعبودية، كما في أوامر ونواهي الأطباء([75]).

وما نحن فيه من هذا القبيل، أي من قبيل ما لو نهاك الطبيب عن طعام بعينه.. ثم جاءك من ادعى لك: أن ذلك الطبيب حين نهاك إنما أراد التخفيف عنك، لأن ذلك الذي نهاك عنه هو الأسرع تأثيراً في شفائك ولكنه نهاك عنه لأن له مضاعفات صعبة ومؤلمة جداً لك، وقد آثر الطبيب أن يصف لك الدواء السهل، ولكنه يشفيك في مدة أطول، ولايتسبب لك بأية آلام ومتاعب، ومضاعفات ومصاعب.

فإذا أطاع المريض هذا الثاني، بهدف تعجل الشفاء، وقبولاً منه بتحمل أعراض الدواء، ثم ظهر عدم صحة ما أخبره به الثاني. فإنه لا يكون عاصياً للطبيب الأول معصية حقيقية، بمعنى التمرد عليه، وكسر هيبته، وإن صح للطبيب الأول أن يقول له: لقد عصيتني ـ أي لم تفعل وفق نصيحتي لك ـ فوقعت في هذا المأزق.

ثم يبادر هذا الطبيب لمعالجة السلبيات التي نشأت عن هذه المخالفة، وإزالة آثارها، وملؤه العطف والحنان عليه، والأسف لما جرى له..

 

توبة آدم (عليه السلام)

لقد بات واضحاً: أن توبة آدم (عليه السلام) رغم أن الله لم يصرح بها . بل تحدث عن توبته هو تعالى على آدم (عليه السلام) إن هذه التوبة لا تعني الإقلاع عن المعصية، عن ندم، ومع تصميم على عدم العود.

بل هي هنا بمعنى الالتجاء إلى الله سبحانه، والعودة إليه للإحساس العميق بأنه تعالى وحده القادر على مد يد العون، وبأن المشكلات التي يواجهها قد أكدت حاجته إلى التسديد والرعاية الربانية.

فعاد آدم (عليه السلام)  إلى ربه الرحيم، وخشع وخضع له، وطلب من ربه الغني الكريم، والرؤوف الرحيم أن يعود عليه بالإحسان والفضل والهداية.

فاستجاب الله سبحانه له، وأمده بالرزق، وبالدواء وغير ذلك، وفتح له أبواب الرحمة والهداية إلى كل ما يفيد في سد الخلل، ورفع النقص، ودفع العجز.

 

التوبة عند العلامة الطباطبائي:

وقد استدل العلامة الطباطبائي (رحمه الله) على أن التوبة ليست عن ذنب بما ملخصه:

أن التوبة هي الرجوع من العبد، فإذا تاب عليه مولاه، فإن ذلك معناه أن يصبح الذنب كلاذنب، فيتعامل معه، وكأن شيئاً لم يكن. مع أن آدم (عليه السلام)  لم يرجع إلى الجنة، فما معنى القول بأن الله قد تاب عليه، وعادت الأمور إلى حالتها الأولى، وكأن شيئاً لم يكن..

فذلك يدل على أن التوبة ليست عن معصية، وعلى أن الخروج من الجنة ليس عقوبة له، بل كان أمراً تكوينياً، كاستتباع السم للقتل، والنار للإحراق([76]).

ونقول:

إن ذلك لا يكفي دليلاً، إذ قد يكون هناك توبة عن ذنب ما، ثم لا ترجع الأمور إلى حالها الأول، وذلك بسبب أن للمعصية نفسها آثاراً تكوينية، كشرب الخمر الذي يحدث قروحاً في المعدة أو أمراضاً أخرى، فإن التوبة منه، وقبول هذه التوبة من الله إنما يعني مجرد رفع العقوبة، ولا يعني لزوم أن يشفيه الله سبحانه من تلك القروح أو الاختلالات أو الأمراض التي نشأت عن شرب الخمر.

 

المغفرة:

ولا بأس بأن يطلق على هذا الستر المطلوب بإلحاح وبحرص: أنه مغفرة، فالمغفرة هي الستر، في عمق معناها.

ثم لا بأس بأن يتوجه بطلب تلك المغفرة ، وذلك الستر الشامل، من الله تعالى الغني القادر على كل شيء.

وان من تجليات قدرته تعالى أن يسخر مخلوقاته كلها ـ كل بحسب ما يناسبه ـ في سبيل سد كل خلل، ورفع كل نقص، وأن يساعد آدم على إنجاز هذا المهم الذي سيرافقه ويرافق ذريته إلى أن تقوم الساعة وهذه المساعدة على انجاز هذا المهم على أتم وجه.. إنما يأتي  من منطلق حبه له و رحمته تعالى به: {تغفر لنا وترحمنا}([77]).

ومن أهم مفردات هذه المعونة، الهداية الإلهية المنسجمة مع كل نواميس الكون وسننه التي أودعها سبحانه فيه، وهو الأعلم بدقائق صنعه، وهو بديع السموات والأرض. هو الرحمن الرحيم، ولأجل ذلك نجد الله تعالى يقول: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}([78]) .

 

والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

 

كلمة أخيرة:

وفي الختام.. نقول:

إننا لا نريد أن نطلب من القارىء الكريم أن يعلن أنه قد انتهى إلى درجة اليقين بأن ما ذكرناه هو الظاهر من الآيات المباركة، الذي لا محيص عنه.. وإن كان الأمر هو ذلك على الحقيقة، و هو الذي تؤيده الدلائل والشواهد، وينسجم مع المفاهيم والقواعد العقلية، ومع الثوابت واليقينيات من مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم صفوة الخلق وسفينة نوح، التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى..

 

ولكننا نريد منه أمرين:

أحدهما:

 أن يكون لديه اليقين كل اليقين بعصمة الأنبياء عن كل خطل وزلل، قبل بعثتهم، وبعدها..

الثاني:

 أن يفسح المجال لاعتبار ما ذكرناه في تفسير الآيات الشريفة، التي تحكي لنا قصة آدم (عليه السلام) ، أمراً محتملاً وقريباً جداّ في معنى الآيات.. وأن الجزم واليقين بخلافه، متعسر، بل متعذر، إلى الحد الذي يجعل الاستدلال بالآيات المذكورة على صدور الذنب من آدم (عليه السلام) .. بل حتى على صدور خلاف الأولى منه (عليه السلام)، حتى قبل تشريع الشرائع أمراً غير مقبول وبعيداً عن الإنصاف العلمي ـ ليس فقط لفقده المبررات المعقولة والمقبولة، بل لوجود موانع كثيرة في نفس هذه الآيات، التي رأينا بوضوح كيف أنها ـ فضلاً عن الروايات ـ تبطل تصريحاً، وتلويحاً في كثير من فصولها وتعابيرها أي استنتاج من هذا القبيل، وتبعده عن دائرة المعقول والمقبول.

ولكن قبولنا الافتراضي هذا، ليس معناه القبول باحتمال صدور المعصية من آدم (عليه السلام) .

بل هو يعني - فقط - لزوم الاعتراف بالعجز عن فهم المعنى العميق، والمغزى الدقيق للآيات المباركات، وأن علينا أن نرجع علمها إلى أهلها؛ فإنما يعرف القرآن من خوطب به.

أما احتمال صدور المعصية فعلاً، بل صدور خلاف الأولى منه (عليه السلام) مع التفاته إلى أولوية المتروك، فهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، وفي جميع الأحوال، وذلك لوجود المانع العقلي، واليقيني الجازم بعدمه. ولضرورة الاعتقاد الجازم والأكيد بنزاهة الأنبياء والأئمة الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) عن كل معصية ونقص، وإخلال.

وليكن هذا البحث المقتضب هو إحدى الخطوات في الاتجاه الصحيح في فهم آيات القرآن الكريم، وإدراك مراميها، وتلمّس دقائقها ومعانيها.

ومن الله نستمد القوة والعون، ونطلب منه الهداية والرشاد، والتوفيق والسداد، إنه ولي كل نعمة، وقاضي كل حاجة، ومنتهى كل رغبة.

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

15 جمادى أول 1422هـ

عيثا الجبل ـ جبل عامل     

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

 

 مصادر البحث :

 

1 ـ القرآن الكريم

2 ـ بحار الأنوار، للعلامة المجلسي.

3 ـ البرهان (تفسير) للبحراني.

4 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى

5 ـ بصائر الدرجات، للصفار.

6 ـ تفسير الإمام العسكري.

7 ـ تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم بن هاشم.

8 ـ الثاقب في المناقب.

9 ـ حلية الأبرار.

10 ـ سفينة البحار للشيخ عباس القمي.

11 ـ علل الشرايع للشيخ الصدوق.

12 ـ عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق.

13 ـ عيون المعجزات.

14 ـ مدينة المعاجز.

15 ـ مستدرك الوسائل للشيخ النوري.

16 ـ مشارق أنوار اليقين، للشيخ رجب البرسي.

17 ـ مناقب آل أبي طالب، لابن شهراشوب المازندراني.

18 ـ الميزان (تفسير) للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي.

 

 

تم .

 


 


([1]) سورة الحج، الآية 8 و 9.

(2) سورة طه الآية121

([3]) سورة البقرة الآية35 - 38.

(4) سورة الأعراف الآية19-27.

(5) سورة طه الآية 116 123.

(6) راجع تفسير الميزان ج8ص37

(7) سورة البقرة الآية36

(8) راجع: تفسير الميزان ج1  ص137و138 بتصرف وتلخيص

(9) تفسير الميزان ج14 ص227

(10) المصدر السابق ج14 ص222.

(11) سورة البقرة الآية 38.

(12) سورة طه الآية 123.

(13) سورة الأعراف الآية24و25.

(14) تفسير الميزان ج1 ص138.

(15) تفسير الميزان ج1 ص126و127.

(16) سورة البقرة الآية30.

(17) سورة طه الآية116.

(18) سورة الأعراف الآية 20.

(19) سورة طه الآية 116.

(20) راجع: تفسير الميزان ج9 ص225 وما بعدها وما قبلها وراجع: البحار ج64 وغيره.

(21) البحار ج65 ص206 وراجع: ج58 ص139و140، وراجع: ج64 ص98 و99، عن بصائر الدرجات ص80 وعن علل الشرائع ج2 ص80 وراجع: الكافي ج2 ص10 وتفسير الميزان ج9 ص326.

(22) تفسير الميزان ج9 ص326.

(23) البحار ج64ص127 وفي هامشه عن بشارة المصطفى ص144.

([24]) الكافي ج1 ص442 والبحار ج58 ص142.

([25]) تفسير الميزان ج9 ص325 وراجع أيضاً ص330 عن المحاسن.

([26]) راجع في هذا الحديث الشريف: بحار الأنوار ج58 ص143 و144 و41 و80 و102 و136 و139 و137 و138 وج47 ص357 وج5 ص266 و261 وج11 ص172 وج8 ص308 وج42 ص196 وج26 ص320 وج4 ص222 وج65 ص205

وفي هوامش الصفحات السابقة عن المصادر التالية: رجال الكشي ص249، والمسائل السروية وعن الكافي ج1 ص437 وعن معاني الأخبار ص108 و37 وعن بصائر الدرجات ص78 و88 و89 و24 و356 و354 بعدة أسانيد وعن الاختصاص ص354 وعن مناقب آل أبي طالب ج2 ص357.

([27]) بحار الأنوار ج58 ص141.

([28]) الكافي ج1 ص441 والبحار ج15 ص19.

([29]) البحار ج5 ص262 عن المفيد رحمه الله تعالى.

([30])  البحار ج58 ص144 في مناقشته لما قاله المفيد رحمه الله تعالى في أجوبة المسائل السروية.

([31])  سورة البقرة الآية 35.

([32])  البرهان في تفسير القرآن ج3 ص46 وج1 ص83 و81، والبحار ج1 ص164 عيون أخبار الرضا.ج1ص196

([33])  الثاقب في المناقب ج2 ص248 ومدينة المعاجز ج1 ص141.

([34])  مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب ج2 ص308 ومدينة المعاجز ج1 ص144/145 وحلية الأبرار ج1 ص268 والبحار ج39 ص183.

([35])  مدينة المعاجز ج1 ص148/149 وحلية الأبرار ج1 ص270 وعيون المعجزات ص43. والبحار ج18 ص86 وج60 ص90.

([36])  تفسير الميزان ج8 ص61 عن تفسير القمي.

([37])  مشارق أنوار اليقين ص85 ومدينة المعاجز ج1 ص142 عنه.

([38])  بحار الأنوار ج42 ص88 وسفينة البحار ط سنة 1414هـ ج1 ص684.

([39]) سورة البقرة الآية 35.

([40]) سورة طه الآية 119.

([41])  سورة الأعراف الآية 22.

([42])  سورة الأعراف الآية 23.

([43])  سورة الأعراف الآية 19.

([44])  سورة الأعراف الآية 23.

([45])  سورة الإسراء، الآية 62.

([46])  سورة ص الآية 82 و83 وسورة الحجر، الآية 39 و40.

([47])  سورة طه الآية 118.

([48])  سورة الأعراف الآية 20.

([49])  سورة الأعراف الآية 26.

([50])  سورة البقرة الآية 36.

([51])  سورة طه الآية 123.

([52])  راجع: تفسير البرهان ج3 ص46 وج1 ص83 والبحار ج11 ص164 عن عيون أخبار الرضا.

([53])  راجع: تفسير الإمام العسكري ص222 و223 وتفسير البرهان ج1 ص80 والبحار ج11 ص190 و191 ومستدرك الوسائل ج2 ص286.

([54])  سورة البقرة الآية 260.

([55])  سورة طه الآية 121.

([56])  سورة الأعراف الآية 20.

([57])  راجع: تنبيه الخواطر ص128.

([58])  سورة الأعراف الآية 20.

([59])  وقد يقال: إن صيغة فاعل لا تقتضي صدور الفعل من الطرفين. بل هي تدل فقط على وجود طرفين لهما نوع ارتباط بالفعل، ولا يشترط صدور الفعل بتمامه من كل واحد منهما.

وقد يؤيد ذلك مثال: عادى زيد عمراً وسامى زيد عمراً وخاتله عامل زيد عمرواً معاملة حسنة ونحو ذلك.. وهو كلام صحيح في نفسه، ولكن الأمر بالنسبة لآدم (عليه السلام)  كان يحتـاج إلى المزيد من التأكيد والتحرز والاحتياط.

وما ذكرناه قد يكون هو الأولى والأنسب من هذه الناحية.. والله هو العالم.

([60]) تفسير البرهان ج3 ص46 وج1 ص83 و81 والبحار ج11 ص64 و161 و163 و188 و206 وفي هامشه عن عيون أخبار الرضا ص108 و109 وعلل الشرائع ص48 والكافي ج1 ص215.

([61])  تفسير الإمام العسكري ص222 و223 وتفسير البرهان ج1 ص80 والبحار ج11 ص190 و191 وراجع: تعليق المجلسي ص193 ومستدرك الوسائل ج2 ص286.

([62])  سورة طه الآيات 22 و23 و24.

([63])  المفردات في غريب القرآن ص87 و88.

([64])  تفسير الميزان ج14 ص 223.

([65])  سورة البقرة الآية 37.

([66]) الكافي وتفسير الميزان ج1 ص147 و148 عنه وعن الصدوق والعياشي والقمي وغيرهم.

([67])  نفس المصدر.

([68])  راجع: تفسير المنير ج1 ص148 و149 وراجع ص133 و134.

([69])  تفسير الميزان ج1 ص139 عن تفسير القمي.

([70])  تفسير البرهان ج1 ص84 والبحار ج11 ص183 عن تفسير العياشي.

([71])  تفسير الميزان ج1 ص127.

([72])  سورة الحجر الآيات 34/35.

([73])  تفسير البرهان ج1 ص84 والبحار ج11 ص183 عن تفسير العياشي.

([74])  تفسيرالقمي ج1 ص43 والبحار ج11 ص161 وتفسير البرهان ج1 ص80 وج2 ص6.

([75])  راجع : تفسير الميزان ج1 ص 137 و 138.

([76])  راجع: تفسير الميزان ج1 ص136.

([77]) سورة الأعراف الآية 23.

([78]) سورة طه الآية 122.