دروس من القرآن-الشهيد مرتضى المطهري

[7]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله ونبيه وصفيه، سيدنا ومولانا أبي القاسم، محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.
{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين}(الشعراء/193،194،195).
ستكون أقوالي مختصرة جداً وقصيرة. إنني هذه الليلة سعيد ومسرور، وإذا كان بعض الحاضرين المحترمين قد حضروا محاضراتي خلال الست أو السبع سنوات الماضيات يتذكرون إني قد كررت في محاضراتي هنا، أو في حسينية الأرشاد، أو في أي مكان آخر، قولي بضرورة "تشكيل دورات لدراسة اللغة العربية"، وهذا ما كنت أنبه إليه دائماً، وأقول إن تدريس اللغة العربية من أهم وظائف
[8]
المؤسسات الدينية، سواء أكانت مسجداً، أم حسينية، أم هيئة، أو حتى في جلسات التفسير وغيرها....مهما تكن، فإن من أهم المسائل تعليم اللغة العربية للأفراد والأطفال. ولقد أوردت الكثير من الأدلة على هذه الضرورة، وسوف أورد بعضاً منها الآن بلغة بسيطة لتشويق الزملاء والأصحاب.
إن اللغة العربية لغة كتابنا ولغة ديننا. تعتبر اللغة الفارسية بالنسبة لنا نحن الإيرانيين، لغتنا القومية، ولكن اللغة العربية لغة ديننا ومذهبنا، بالنظر لكوننا مسلمين ومتمسكين بالإسلام وبالقرآن، كتابنا الديني.
إن من خصائص القرآن التي يختص بها من بين الكتب السماوية هي إن لغته جزء من إعجازه. إن أياً من الكتب الدينية لا يستند على لغته، بل على محتواه فحسب. فإذا أخذنا التوراة، التوراة الأصيل الذي نزل على موسى، أو الإنجيل الذي نزل على عيسى، أو أياً من الكتب التي نزلت على الأنبياء، نجد أن محتواها هو المقصود، دون الإلتفات إلى اللفظ وجمال اللفظ، والخصائص اللفظية. إن المحتوى مهما يكن، وبأي لفظ كان، فهو نفسه. أما القرآن، وهو الكتاب السماوي الأخير الذي نزل على البشر، فقد اقتضت الحكمة الإلهية
[9]
أن تكون لغته ومحتواه الفني من صنع الله الذي أنزله على نبيه.
سبق لي أن ذكرت في إحدى جلسات التفسير للأخوة الذين كانوا حاضرين، جانباً مما يتعلق بكلمة "إقرأ" حيث قلت لهم: لاحظوا أن هذه الكلمة لا تقال إلاّ إذا كان هناك نص قد أعد من قبل. إي اقرأ ما أعد من قبل، وذلك لأن القرآن كان قد أعد بألفاظه في عالم الوحي قبل نزوله على الرسول. فالآيات كانت مهيأة من قبل، ثم كانت تتلى أو تقرأ على الرسول. وفي الوقت نفسه كان اللفظ، بكل ما فيه من خصوصية وجمال، قد عرض بأروع صورة بحيث لو أن الضليع باللغة العربية وآدابها، يستعرض جميع النصوص العربية لما قبل الإسلام وبعده (وطبيعي أن يقلد الناس كل رائعة تظهر إلى الوجود) بما فيها النصوص الواردة عن الأئمة، مثلاً "نهج البلاغة" لأمير المؤمنين، و"الصحيفة السجادية" للإمام زين العابدين، أقول لو أننا وضعنا هذه كلها إلى جانب القرآن، لوجدنا القرآن يمتاز بأسلوب يختص به، ولم يسبق له مثيل.
إن الوقت لا يسمح الآن بأن أشرح بإسهاب كيف أننا عندما نقرأ في نهج البلاغة، في خطب أمير المؤمنين،
[10]
التي تضج بالفصاحة والبلاغة، آية قرآنية، نراها تلمتع بين ما يحيط بها من كلمات الإمام، ولا يخفى كونها تختلف، وأنها كلام غير ذاك الكلام. ثم جاء كثيرون، أصدقاء وأعداء، وحاولوا أن ينسجوا على منواله، وفشلوا. إذن فهذه الخصوصية موجودة في كتابنا السماوي - والخصوصية اللفظية التي هي جزء من إعجاز القرآن، أي إنه نزل هكذا مع إعجازه اللفظي من قبل الله سبحانه وتعالى. ونحن بالنظر لكوننا متمسكين بالقرآن ومتمسكين بالإسلام، لايسعنا أن ننظر إلى لغة الإعجاز التي نزل بها نظرة اللاّمبالاة. أعتقد أن المرء إذا لم يكن متمكنا من اللغة العربية، ولا أقول كل التمكن، ولكن إلى حد ما، لا يستطيع أن يدرك مفاهيم الإسلام.
نعود الآن إلى اللغة الفارسية، أفهل اللغة الفارسية هي لغة سعدي؟ أهي لغة حافظ فقط؟ كلا. أهي لغة مولوي أو لغة نظامي؟ كلا. أهي لغة فردوسي أو صناعي؟ كلا. لغة عطار؟ كلا. فلغة من إذن؟ إنها لغة مئات الشعراء والأدباء الذين تعاقبوا على صنعها.
لو لم يكن سعدي لكانت اللغة الفارسية، ولو لم يكن فردوسي لكانت اللغة الفارسية. ولو لم يكن حافظ لكانت اللغة الفارسية، إن أياً من هؤلاء لم يصنع اللغة الفارسية
[11]
بمفرده. لو لم تكن مثنويات مولوي، لكان للغة الفارسية وجود أيضا. إن لهم، على كل حال، مساهمتهم، بأقل مما هو موجود.
إن اللغة الوحيدة التي كان يمكن أن تزول من الوجود لولا القرآن هي اللغة العربية، أو لو بقيت لكانت من اللغات المحلية المهجورة، مثل اللغات في الدرجة المئة والتي لم يسمع بها أحد. إنها كانت لغة قبيلة بدوية. إلا أن القرآن أحيا اللغة العربية. ثم إن اللغة العربية لا تختص بالعرب، بل إن العرب يختصون باللغة العربية. فأنت مثلا تقول: المصريون، السوريون، الجزائريون، الأردنيون، العراقيون، المراكشيون، التونسيون، أي إن أكثر العرب من غير الحجاز واليمن.
فهؤلاء العرب إنما هم عرب بلغة القرآن، أي إنهم لما نزل القرآن تمسكوا به، واختاروا لغة القرآن، وهم لهذا أصبحوا عرباً، وإلا فإنهم من حيث العنصر ليسوا عرباً، لذلك فإنهم هم الذين يعودون إلى اللغة العربية، وليس العكس، إن الخطأ الذي نرتكبه هو أننا نحسب اللغة العربية تعود للمصريين، أو للجزائريين. ولكن الأمر ليس كذلك في الواقع، فاللغة العربية تعود لنا بقدر ما تعود لهم. فهؤلاء يدعون باللغة العربية لكونهم
[12]
مسلمين، وإلا فإنهم ليسوا عرباً، ولكنهم تكلموا بهذه اللغة وكتبوا بها، وأهملوا لغتهم الأم. إنهم يرون اللغة العربية لغتهم لكونها لغة دينهم.
نحن أيضاً مسلمون، ولذلك ليست اللغة العربية لغة الحجاز، ولا لغة اليمن، إنها لغة القرآن. هل يستطيع قوم أن يقولوا إن القرآن قرآنهم؟ الحجازيون، اليمنيون، المصريون، ألهم أن يقولوا إن القرآن قرآنهم؟ ما من قوم له أن يدعي ذلك. ولما كانت اللغة العربية لغة القرآن، فما من أحد له أن يدعي بأن العربية تختص به دون غيره. إن اللغة العربية هي اللغة الدولية الإسلامية.
وعليه، فإننا بالنظر للضرورة الدينية، نعتقد بلزوم تعلم اللغة العربية، خاصة وأننا نرى إن الآداب الإستعمارية تظهر القضية بشكل لا أدري ما وراءه من لغز، فاللغة العربية تدرس في مدارسنا، ولكنه تدريس عدمه خير من وجوده، من بعض الوجوه. إنهم يعلمون الطلاب بحيث إن أحداً لا يتعلم اللغة العربية، بل تتولد فيهم فكرة موحشة عنها، ويفرون منها، حتى أصبح تعلم اللغة العربية في نظر الطلاب أشبه باقتلاع الجبال. ولكننا نرجو أن تكون أمثال هذه المجالس والمحافل والمدارس،
[13]
بمديريها الكفوئين، قادرة على تدريس اللغة العربية بيسر وببساطة تزيل الرهبة من جو الصفوف إزالة تامة.
المسألة الثانية في لزوم تعلم اللغة العربية، مسألة مهمة جداً. إننا، إذا شئنا الحقيقة، لا نملك ثقافة عربية وأخرى فارسية. إننا نملك ثقافة إسلامية ذات وجهين، وجه عربي وآخر فارسي، أو تركي، أو هندي، أو أردوئي الخ... إن الخبير المطلع على الثقافات، والعارف بروح الثقافة الإسلامية، يلحظ أن هذه الثقافة تتجلى في لغات مختلفة، ومنها اللغة الفارسية. فلكم أن تطلقوا على هذه الثقافة إسم الثقافة الإسلامية بوجهها الفارسي. المهم هو إن هناك اليوم ثقافة لطيفة وعميقة. أود أن أسألكم، هل يستطيع المرء أن يفهم الثقافة الفارسية بدون أن يتعلم العربية؟
ولتبسيط الأمر لا أستشهد بمثنوي، ولا بصناعي، ولا بناصر خسرو، ولكن فلنأخذ سعدي الذي كان قوله من السهل الممتنع، فهو أساس المذكورين أسلوباً. فهل يتمكن أحد من أن يفهم كلام سعدي فهماً جيداً بدون أن يكون ملماً باللغة العربية؟ فلننظر إليه حيث نظم الشعر بالفارسية والعربية، شطر بالعربية وشطر بالفارسية. ولو لم يكن سعدي عارفاً باللغة العربية لما كان سعدي، وما
[14]
كان يمكن أن يكون. إن من يعرف أدب سعدي، لابد أن يعرف أيضاً إن هذا الرجل قد تربى في الثقافة العربية، حتى إنه يستعمل مصطلحات وتعابير لا تتفق مع المحيط الفارسي، بل تتفق مع المحيط العربي:
"جشم بد أز دور أي بديع شمايل
ماه من وشمع جمع مير قبائل"
فتعبير مير قبائل (أمير القبائل) ليس تعبيراً فارسياً، بل هو تعبير عربي. وأمثال هذا كثير إذا شئنا البحث عنه.
هنالك أفراد يحملون العداء لهذه الثقافة، ويريدون أن يزيلوا الثقافة الفارسية الموجودة من الوجود، لأنهم أعداء الثقافة الإسلامية أصلاً. يقول هؤلاء: إن لنا اقتراحاً بسيطاً جداً، وهو أن نغير حروفنا، فكل ما أصابنا من انحطاط وتخلف جاء من الكتابة بهذه الحروف. فلنغير حروفنا إلى اللاتينية، مثلما فعلت تركيا وتقدمت كثيراً.
ويضيفون قائلين: "علينا أن نسعى لإزالة اللغة العربية من اللغة الفارسية".
أتعلمون ماذا ستكون النتيجة؟ النتيجة هي أنه
[15]
بذهاب هذا الجيل والجيل الذي بعده، تصبح هذه الآثار التي مضى عليها ألف من السنين، هذه الآثار الفارسية (ولا أقول العربية)، بما فيها كلَستان سعدي، أشياء غير مفهومة عند الطالب الثانوي، أو حتى عند الجامعي. يقول ما أبدع هذا، فلكي ننجذب نحو الغربيين جاؤنا بلغتهم الإنكليزية، وقد سبق أن حملونا باللغة الفرنسية، وهناك لغات أخرى أيضاً، وهي لغات نعرفها، ونعرف حروفها، وندرك مفاهيمها جيداً، وكذلك نعرف ثقافاتها، أو نتعلمها، وإذا انقطعت علائقنا بالماضي، فلا بأس. فماذا يكون حكمنا؟
سيكون حكمنا حكم اللقيط الذي يأخذونه إلى دار الحضانة، فيكبر هناك ثم يسألونه: من أبوك؟ لا أدري. من أمك؟ لا أدري. لقد انقطع ما بينه وبين أبويه، ولا يعرف سوى العلاقة التي تربطه بالمكان الذي تربى فيه، فمن أبوه؟ يقول: عندما كبرت رأيت هذا الرجل. من أمه؟ يقول: عندما كبرت وجدت هذه المرأة. إنهم يريدوننا أن نكون مثل هؤلاء اللقطاء الذين لا يعرفون أباً ولا أماً. إن والدّي كل قوم حضارتهم الماضية، تاريخهم السابق. ولكن هؤلاء، لكي يقطعوا صلتنا بالماضي، يقترحون علينا أن نرفع اللغة العربية.
[16]
ما كان سعدي بهذه المقدرة إلا بهذه اللغة الفارسية الجديدة، أي هذه اللغة التي تستقى من اللغة الفارسية ومن اللغة العربية، فهو لهذا قوي متمكن، وما تمكنه إلا لمعرفته بالكلمات الفارسية والكلمات العربية، ولاطلاعه على المصطلحات الفارسية والمصطلحات العربية، له حظ من اللغتين، وهما كالشمع بين يديه. أول ما علينا هو أن نعرف سعدي. إن فردوسي قلما يستعمل اللغة العربية، وبفردوسي وحده لا تتكون اللغة الفارسية، ولا الحضارة الفارسية. وحافظ ألا يفهم، وهو الذي بدأ بيت شعره بالعربية؟
"ألا يا أيها الساقي أدِرْ كأساً وناوِلها
كه عشق آسان نمود أول، ولي أفتاد مشكلها"
ويختم القصيد بالعربية أيضاً:
"آكر خواهي أز أو غافل مشو حافظ
متى ما تلق من تهوى دع الدنيا وحولها"
شطره الأول عربي، وشطره الآخر عربي. فهل يعني هذا إن علينا أن نقبل ديوان حافظ ثم نتركه جانباً، وأن نفعل مثل ذاك مع سعدي أيضاً، ومع مثنوي؟ أن نلقي
[17]
كل ما لدينا في زاوية النسيان؟ ثم نبدأ بقراءة شكسبير؟ حسن جداً هذا، وعندئذ ننسى أننا إيرانيون أصلاً، دع عنك أن نتذكر أننا مسلمون. وعليه، إذا كنا حقا نريد حضارتنا، الحضارة التي هي دليل استقلال شخصية قوم ما، فعلينا أن نعلم أن بقاء شعب ما يستند إلى حضارته المبنية على أساس من حضارته القديمة، مهما دخل فيها من جديد، وإلا فإن ذاك الشعب سيفنى ويضمحل، أو يكون لقيطاً.
فخلاصة القول هي أننا يجب أن نتعلم اللغة العربية، فإذا لم نتعلمها، فلن نبقى مسلمين، ولا إيرانيين. في مقالات (محيط الطباطبائي) (حفظه الله فهو رجل فاضل وعالم) نقرأ مواضيع جيدة جداً أحياناً. يذكر إن أحد الذين تلقوا تربيتهم في الخارج كتب مقالتين في جريدة اطلاعات يقول فيهما إن علينا أن نخرج اللغة العربية من اللغة الفارسية، وأن كلستان سعدي الذي يدرسه الأطفال في المدارس يجب ألاّ يتعلمه الأطفال، لأن هذا الشخص سيئ التربية، ويفسد أخلاق الطلبة. لماذا؟ لأنه يقول: الكذب الأبيض خير من الصدق المفسد، وأن هذا تشويق للصغار على الكذب. عجيب! إن سعدي المسكين يورد قصة، وهو بنفسه يشرحها،
[18]
بشأن الكذبة البيضاء، لا كذبة المنفعة، فثمة كذبة للمنفعة الشخصية، وأخرى للمصلحة العامة.
يقول سعدي: إنه جيئ برجل أمام الملك، فأمر بإعدامه. فأخذ الرجل، وكان بريئاً، يسب الملك ويشتمه. فسأل الملك: ماذا يقول؟ فأجابه وزير محب للخير قائلا: إنه يقول: والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس. إلا أن أحد المفسدين من الوزراء الحاضرين من الصادقين المذكورين، قال: لا يجوز الكذب في حضرة الملك. علينا نحن الوزراء أن نصدق القول دائماً. إن هذا الرجل يسب الملك ويشتمه. ولكن الملك كان حصيفاً عاقلاً، فقال: إن الكذبة البيضاء التي قالها هذا الوزير لمصلحة عامة، أفضل من صدقك المثير للفساد. فالكذب الأبيض خير من الصدق المفسد.
واليوم حقاً، في كل مكان بريء يريدون قتله. هذا بريء يمر بهذا الزقاق، فيسأل عنه: هل مر فلان من هنا؟ وبما إنني لا أكذب قط، أقول: نعم، مر من هنا. أي اذهب واقتله. لم ينبغي ألاّ نكذب؟ لأن ذلك من مصلحة البشر، ولكن إذا اقضت مصلحة أعلى، أي إذا كان الخيار بين أن نصدق أو أن نكذب لننقذ بريئاً من الموت، فلا شك إننا يجب أن ننقذ البريء.
[19]
كان السيد محيط قد كتب مرة أن الإنكليز عندما دخلوا الهند، أمروا، من جملة أوامرهم، بعدم طبع كلستان سعدي، وكان عذرهم في ذلك هو ما قيل بأن سعدي يُسيئ إلى التربية، وأنه يقول إن الكذب الأبيض خير من الصدق المفسد. عندما حققوا في الأمر وجدوا أن أولئك فعلوا ما أرادوا، لأنهم رأوا أن سعدي يقول في بداية كلستانه:
"أي كريمي كه أز خزانة غيب كبر وترسا وظيفة خور داري
دوستان را كجا كني محروم تو كه بادشمنان نظر داري"
"أيها الكريم الذي ترزق من خزائن الغيب الكافر والمسيحي
كيف يمكن أن تحرم المحبين وعينك ترعى الأعداء"
لقد حسب الأنكليز حسابه، فرأوا أنه إذا وعى الطفل الهندي (إذ كانت الدراسة بالفارسية) وتعلم في المدرسة أن (ترسا) تعني المسيحي، فهذا يعني أن الإنكليز المستعمرين هم أعداء الله، فيربون فيه بذور العداء للإنكليز، ثم يقولون: لماذا يأتي أعداء الله فيحكموننا؟ إلا أن الأنكليز لم يمنعوا سعدي بهذا العذر، بل لقوله إن الكذب الأبيض خير من الصدق المفسد.
إلى هنا ينتهي ما أردت قوله، وأرجو من المحبين
[20]
والأصدقاء أن يسعوا بالدرجة الأولى كفريضة دينية، وبالدرجة ثانية كواجب وطني، للحفاظ على الثقافة الإسلامية الفارسية -إلى تعلم اللغة العربية تعلماً متقناً، لكي يستطيعوا الإستفادة من النصوص العربية، ولقراءة القرآن ونهج البلاغة، ودعاء أبي حمزة الثمالي، والتلذذ بها، ولإقامة الصلاة حتى يلتذوا بها مع التوجه القلب، ولكي يفهموا ما يقولون في القنوت. وأرجو التوفيق للجميع والسلام.
[21]
تفسير سورة الإنشراح
[22]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح/1-8)

[23]
إن سورة الإنشراح المباركة، التي تخاطب شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تتألف من ثلاثة أقسام. القسم الأول: تذكير وامتنان، تذكير بألطاف الله وعناياته بالرسول الكريم نفسه. والقسم الثاني: نوع من التعلم، أي العناية وبيان علة من العلل. والقسم الثالث: استنتاج النتيجة. في سورة (الضحى) التي تأتي قبل سورة الإنشراح ثلاث آيات هي في سياق واحد مع الآيات الأربع لسورة الإنشراح. تلك الآيات الثلاث هي:
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}(الضحى/6-8).
أي تذكر ما تفضل به الله عليك من قبل. ثم تأتي الآيات:
{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}(الضحى/9-11).
[24]
فكأن آية {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} معطوفة على {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} لذلك فإن بعض المفسرين من الشيعة والسنة، يدعون أن سورة الإنشراح وسورة الضحى سورة واحدة، لا سورتان منفصلتان. بل لقد ورد في بعض الروايات أنه في الصلاة الواجبة تجب قراءة سورة كاملة بعد سورة الفاتحة. أهل السنة لا يشترطون هذا الشرط، ويكتفون بجزء من سورة، حتى وإن كانت آية واحدة. ومن المألوف أن تشاهدوا أئمة صلاة الجماعة في المسجد الحرام أو في مسجد النبي، كثيرا ما يبدأون من منتصف إحدى السور، ويقرأون سبع آيات أو ثماني أو عشراً، وينتهون بها. أما في فقه الشيعة فتجب قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة. لذلك يحتاط الفقهاء في قراءة سورة الإنشراح وحدها؛ أو سورة الضحى وحدها. إلاّ أن هذا لا يرتبط بالتفسير ارتباطاً كبيراً.
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}. إنني أوكد كلمة الشرح لكي نعرف معنى (شرح الصدر). لقد وردت هذه الكلمة في القرآن في صور مختلفة. من ذلك إن القرآن يقول عن موسى بن عمران إنه عندما بعث وقيل له: إنك
[25]
رسول الله، إذهب إلى فرعون... كان أول طلب له من الله أن قال:
{..رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}(طه/25-34).
ونقرأ في مكان آخر:
{فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ... }(الأنعام/125).
كانت الآية الأولى تتعلق بشخص الرسول، وآية {رب اشرح لي صدري} طلب موسى. فموسى يطلب من ربه أن يشرح له صدره. فشرح الصدر لا يختص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأن موسى طلب الشيئ نفسه من الله، واستجاب له الله، فيكون واضحاً أن {شرح الصدر} ليس مما يقتصر على الأنبياء، فكل من اهتدى إلى الإسلام، وكل من أشرق نور الإسلام على قلبه، يكون قد {شرح صدره} في الوقع. فما هو شرح الصدر هذا؟
[26]
لا بد لنا أولاً أن نعرف معنى الصدر، ومعنى الشرح. كلمة الصدر، من حيث أصلها، تدل على التجويف الصدري، ولكن هل هذا هو المعنى المقصود في آية {ألم نشرح لك صدرك}؟ أو في آية {رب اشرح لي صدري}؟ أو في آية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}؟ فهل يعني هذا إن عملاً مادياً يجري في الصدر؟ من البديهي إن الأمر ليس كذلك، بل هو القلب قد جيئ به هنا من باب الكناية لما يختص به القلب الحقيقي، وهو روح الإنسان نفسه. فالمقصود لا يعني أن الله يشرح قلب الإنسان، بصرف النظر عن معنى كلمة {شرح}. إذن، فالصدر، مهما يكن، فالمقصود به شيئ روحي، شيئ معنوي، وليس شيئاً مادياً، جسمانياً.
والآن إلى معنى كلمة (شرح). يرى المفسرون عموماً أن (شرح الصدر) تعني "سعة الصدر". وهذا تعبير وارد في اللغة العربية، وقد ورد في الحديث: "آية الرياسة سعة الصدر"، فمن الواضح إن المقصود بسعة الصدر هو اتساعه وكبره، ولكن من الواضح هنا أيضاً إن القصد ليس القول بأن من كان صدره واسعاً كبير الحجم
[27]
يكون متسماً بسعة الصدر، أو إذا كان المرء نحيفاً صغير الجسم يكون محروماً من "آية الرياسة".
سعة الصدر تعني كثير التحمل والصبر. فهي كناية عن قدرة المرء على التحمل والصبر. أي إذا أراد شخص أن يصبح رئيساً، كثير التعامل مع الناس، يدير شؤونهم، فعليه أن يكون واسع الصدر، قادراً على التحمل. فالشخص الذي لا يتسع صدره، السريع التأثر والتهيج، الثائر الأعصاب، لا يمكن أن يصبح مديراً ولا رئيساً، يدير جماعة من الناس، مهما يكن نوع هذه الإدارة، خذ مديراً لمدرسة، أو معلماً في الصف يدير التلاميذ، فإذا لم يتسم بسعة الصدر، لم يستطع إدارتهم. والرجل رب الأسرة إذا أراد أن يدير شؤون أسرته الداخلية، يلزمه أن يكون واسع الصدر. وكلما كان مجال إدارة الرجل أوسع، تطلب منه ذلك صدراً أوسع، وحلماً أكبر. وهذا هو على وجه العموم المعنى الذي يفسر به المفسرون هذه الكلمة، إذ يقولون إن الله قد منَّ بها على الرسول الكريم، فهو يذكره بهذه النعمة، نعمة الصبر الوافر، نعمة سعة الصدر.
ولكن يبدو أن بين "شرح الصدر" و "سعة الصدر" بعض اختلاف، فحيثما يكون "شرح الصدر" تكون "سعة الصدر". ولكن ما كل "سعة صدر" تشمل
[28]
"شرح الصدر".
لم يكن القرآن قاصراً عن قول (ألم نوسع لك صدرك)، ولكنه لم يقل، بل قال: {ألم نشرح لك صدرك}. فما معنى الشرح؟ إنه هو هذا المعنى الدارج الآن. فقد يؤلف شخص ما كتاباً شديد التلخيص، بحيث لا يتمكن القارئ من إدراك كل الجزئيات التي يقصدها المؤلف، فينبري شخص آخر لشرح هذا الكتاب، كما لو كان يفتحه ويوسع ما بين معانيه، حتى إنه قد يشرح السطر الواحد في صفحة كاملة. وهذا عمل المتضلعين المتعمقين.
ألّف الخواجه نصير الدين الطوسي كتاباً بعنوان "تجريد الاعتقاد" يبحث في علم الكلام، ويتألف من قسمين: "تجريد المنطق" و"تجريد الاعتقاد"، والمؤلف رجل ضليع في نظريات علماء الكلام من جهة، وضليع كذلك في النظريات الفلسفية من جهة أخرى، وفضلا عن تمكنه من هذين الموضوعين فإن له نظرته الخاصة أيضاً. يتناول المؤلف في كتابه هذا أمهات القضايا الفلسفية وقضايا الكلام، في عبارات مختصرة وجمل موجزة. ثم جاء بعده تلميذه، العلامة الحلي، الذي لا يقل عنه نبوغاً -وإن كان هذا أقرب إلى الفقه من اقتراب
[29]
أستاذه إلى الفلسفة والرياضيات والعلوم الأخرى -فشرح كتاب أستاذه تحت عنوان "كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد"، وهو لم يسهب كثيراً في الشرح، إلا أنه ألقى الضوء لأول مرة على مضامين الكتاب، فقد كان العلامة الحلي من العرب، والطوسي من الإيرانيين.
ثم جاء أناس كثيرون بعد ذلك حتى اليوم، بعد أن مضى على تأليف "تجريد الإعتقاد" أكثر من سبعة قرون، وعلى الأخص إلى ما قبل ثلاثة قرون أو أربعة؛ أي قبل مجيئ مير داماد وملاّ صدرا، فحاولوا جمع ما تناثر من أفكار الخواجة الطوسي، وكتبوا له الشروح العديدة، والحواشي على الحواشي بحيث أننا قلما نجد كتاباً في دنيا الإسلام أثير حوله هذا القدر من الكلام. فكلما ظهر عالم أخذ يبحث في هذا الكتاب، ولعل عدد الذين كتبوا له الشروح والتعليقات والحواشي يبلغ المئة. كان هؤلاء يقولون إنه لولا قيام هذا العربي الشيعي "ويقصدون العلامة الحلي" بشرح كتاب "تجريد الاعتقاد"، بعد أن شرحه علماء السنة أيضاً، لما عرفنا إلى أين تقصد القافلة بنا. ويطلق على هذا العمل كله إسم الشرح.
وأحياناً نرى بيتاً من الشعر يستغرق كتاباً لشرحه،
[30]
ولكن لا كل الشعر، إذ ليس كل شاعر قادراً على قول بيت من الشعر يحتاج لشرحه إلى كتاب، إلا أن أمثال هؤلاء الشعراء موجودون، مثل مولوي وحافظ، فهؤلاء أناس واسعوا الاطلاع متمكنون من آداب زمانهم، يجمعون في أيديهم زمام القول والبيان. خذوا حافظاً مثلا. لكَم لاحظتم أن العديد من العلماء الأعلام بحثوا في بيت واحد من شعره، وكتبوا المقالات الطوال يشرحونه بها. كذلك كتبت فصول حول بعض أشعار مولوي، ونشرت بحوث عنها، يشرحون فيها مقاصد الشاعر.
حيرت اَنْدَر حِيرت آمد در قِصَصْ
بيهوشي خاصكان اندر أخص
عقل اول راند بر عقل دُوُمْ
ماهي از كُندِه كردد، ني زدم
أو ربما قيل "ماهي از سر كندِه كردد، ني زدم"، فأيهما الصحيح؟ ثم ماهو المقصود؟ هذا كله شرح. إن القضية، لغوياً، تشبه عمل الجزار حين تناوله قطعة لحم ليشرّحها، وإذا به يُعمل سكينة فيها تقطيعاً وتشريحاً، ويجعل منها شرائح خفيفة، بحيث أنها تكاد تكفي لتغطية أرض الغرفة، أي أخذ شيئ مشدود ومضغوط ومتراص، لكي نفتحه ونشرحه.
[31]
إن مسألة {شرح الصدر} مسألة روحية ونفسية. وما من شيئ في العالم أحوج إلى الشرح من روح الإنسان.
أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
فخطاب الله إلى رسوله بأنه قد شرح له صدره لا يعني إنّه وسّعه.
نحن نقول إن الدار صغيرة، ومساحتها 100متر، ثم نشترى مئة متر أخرى تضيفها إليها، ونقول إنك قد وسعت دارك. على كل حال، حيثما وجد الشرح وجدت التوسعة أيضاً، و لا يلزم أن يكون الشرح حيثما تكون التوسعة. فهو لا يريد أن يقول إننا وهبنا روحك سعة الصدر، بمثلما يوسع المرء داره، أو أننا زدنا في سعة هذا الأناء، إنما القول يدور على أننا فتحنا هذا الإناء الكبير جداً بعضه عن بعض، فتحنا لك صفحات كتاب الروح المتراصة بعضها فوق بعض. و لكن هل في شرح الصدر سعادة للانسان أم لا؟لذلك تقول الآية:
{فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ..}(الأنعام/125). أي إذا أراد الله أن يهدي امرءاً فانه يفتح صدره للاسلام،
[32]
لحقائق الاسلام. وفي الحقيقة إن الآية {ألم نشرح لك صدرك} تعني "ألم نشرح لك صدرك للتوحيد" و"ألم نشرح لك صدرك للاسلام"، إذ ربما يكون صدر أحدهم قد فتح للكفر، وقد تجد إنساناً جاهلاً لم يشرح صدره لا للإسلام ولا لغير الإسلام، ولا للكفر. الويل لمن يشرح صدره، ويثار فيه نوع من الغليان الروحي والمعنوي، للكفر. أو أهل يمكن أن تكون للمرء سعة صدر في الكفر؟ أجل يمكن. أي أن رأس المال هذا يمكن أن يستثمر في هذا الاتجاه. لقد قرأت في إحدى الصحف أن تيمور تاش قال إنه قد أخبر الميرزا طاهر تنكابني بأنه قد وجد سبعين دليلاً على عدم وجود الله! وأن الميرزا قد أجابه بأنه أيضاً لديه دليل واحد على عدم وجوده، في الوقت الحاضر. فقال له: قل ما هو دليلك؟ فقال: دليلي هو أنك ما تزال موجوداً. فلو كان الله موجوداً لصفي حسابه معك. ولكن لم يمض وقت طويل حتى سقط هذا الرجل وسجن، وانقطع رجاؤه في كل شيئ.
لاحظوا هؤلاء الذين يقولون أن لديهم الدليل، إنما الذي لديهم كله غرور! هذا الشخص نفسه كان متزوجاً من افرنجية، فكان يسمح لها بالحضور. ثم وصل به
[33]
الأمر إلى أن يقول لها إن في جنوب المدينة رجلاً يكتب الأدعية، فاذهبي اليه وأتيني منه بأحد الأدعية. هذا هو نفسه الذي كان يقول إن لديه سبعين دليلاً على عدم وجود الله، و لكنه أخذ فيما بعد يبحث عمن يكتب له الدعوات. هذا شرح الصدر للكفر.
والفخر الرازي. أنا بالطبع لا أريد ان أتجاسر فأضعه في مصاف أشخاص من هذا القبيل، ولكنه مع ذلك لم يكن من رجال الحقيقة حقاً. من ذلك مثلا إنه قد قام بالشرح أيضا، و أي شرح! فهو عندما يتناول موضوعاً، مهما يكن، في علم الكلام، أو الفلسفة، أو التفسير؛ يأخذ بتفكيكه. ففي التفسير، قام بتفسير إحدى الآيات، وذكر أن لهذه الآية عشرين وجهاً، وراح يسردها واحداً فواحداً، الأمر الذي لم يخطر حتى للجن. ثم هو عندما يصل إلى مرحلة الاختيار، يكون كمن جاءته ضربة من الله، إذ أنه يورد نظريات تضحك الثكلى.
إن هذا الشخص قد شرح صدره، ولكنه لم يكن مصحوباً بهداية من الله، ولم يكن "على نور من ربه". إن الإنسان العادي لقادر على أن يرى الحقيقة من الوهلة الأولى، بغير أن يجول بنظره فيما حوله. ولكن هذا وجد نفسه في مفترق أربعين طريقاً، فأخذ يذهب هنا،
[34]
ويذهب هناك، ولكنه في النهاية لم يمش في الطريق الذي ينبغي له، بل دخل متاهة مضلّة، وليس كذاك الذي ذهب إلى نجم الدين كبرى، وكان من الفضلاء، وقال له إنه يحس أن ما عنده ليس من العلم في شيئ، إنه تخيل وأفكار "إن قدرتي على التخيل كبيرة. أحس أنني لم أصل إلى الحقيقة".
ولهذا الرجل شعر كثير في ذلك. ثم طلب من نجم الدين، قائلا: "أريدك أن تفعل شيئاً من أجلي، أن تصحح ما عندي، أن تعطيني حقيقة جديدة" فقال له نجم الدين: "سأفعل، ولكن على شرط واحد، وهو أن تزيح عن صدرك هذه الأصنام، وأن تنساها" فقال: "رضيت"، فقال له نجم الدين: "أواثق أنت من نفسك؟" فقال: نعم. أستطيع ذلك". ولكنه عندما جد الجد قال: لا طاقة لي على ذلك. ولهذا نقرأ في القرآن هذه الآية:
{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النحل/106).
وعليه، فإن شرح الصدر غير سعة الصدر. شرح الصدر هو إن الله يفتح روح الإنسان المتضامّة على
[35]
بعضها، ويلقي بنوره فيها. وهذا هوشرح الصدر للإسلام، وهو شرح صدر إلهي، حتى أنه أجرى على لسان شخص أمي أجلَّ الحكم وأعظمها:
"من أخلصَ لله أربعينَ صباحاً جرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه".
فقوله تعالى:
{ألم نشرح لك صدرك} يعني: ألم نفتح لك قلبك حتى فاضت منه الحكمة والحقيقة والعلوم؟
يقول بعضهم إن لرسول الله حديثاً قال فيه إنه طلب من الله شيئاً ثم ندم عليه بعد ذلك، وتمنى لو لم يطلبه. وكان الطلب يتعلق ببعض ما وهب الله لأنبيائه السابقين، وبتلك التي وهبها له، فنزلت هذه السورة: {ألم نشرح لك صدرك} وهذا في الحقيقة بيان لنعمة شرح الصدر وانفتاحه، فيفوز فيه العلم والحكمة.
{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}(الشرح/2).
أي أننا رفعنا عنك الحمل الذي يثقل عليك. وهذه نعمة الله الثانية. فما هو الحمل الثقيل هذا؟ إذا ما وضعنا سورة الإنشراح إلى جانب تلك الآيات التي خاطب بها موسى ربه نجد أنها تصدق بعضها بعضا. لقد قال
[36]
موسى عليه السلام: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} و {يَسِّرْ لِي أَمْرِي} أي اجعل مهمتي سهلة. فما هي مهمة موسى؟ مهمته الدعوة، دعوة الناس وهدايتهم، وهي مهمة صعبة.
{ويَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} أي اجعل كلامي يسيراً، يفهم الناس منه قصدي، أي إنهم إذا فهموني وأدركوا ماذا أقول وإلى أين أريد أن أقودهم، فهذا يكفي.
{وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} فما معنى الوزير؟ لقد استعملت هذه الكلمة مع الملوك استعمالاً كثيراً جعل معناها يقتصر على السائر خلف الملك والممتثل لأوامره. إلا أن معنى الكلمة غير ذلك. إن معناها المعين، أي الذي يعين غيره على رفع حمل ثقيل. أنتم أيضاً لو أتيتم في محل عملكم بمن يساعدكم على تخفيف أعباء العمل عن كواهلكم، يكون هذا وزيراً لكم. وهذا هو المعنى نفسه الذي وصف به الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام باعتباره وزيراً له، أي إنه يساعده في حمل العبء الثقيل، ولذلك قال في حقه:
"علي وزيري، ووَصيي، وَقاضي ديني".
كلمة "الوزير" مأخوذة من "الوزر"، والوزر هو
[37]
الحمل الثقيل، والزير هو الذي يساعد على رفع الحمل الثقيل.
والوزر، باعتبارها تعني الحمل الثقيل، تستعمل للدلالة على الإثم أيضاً، لأن الإثم كالحمل الثقيل على الإنسان. ولقد سبق أن قلنا مرارا إن من صفات الإثم أنه يثقل روح الإنسان، أي إنه يستفرغ قوة الإنسان وطاقته، فإذا مشى فكأنه يحمل ثقلاً على كاهله، بخلاف طاعة الله، فهذه تمنح القوة.
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}(البقرة/45).
إن من مميزات عمل الخير أنه يمنح القوة، فالذي يفعل الخير يحس كأنه قد تغذى تغذية جيدة، أو أنه قد زرقت فيه عقاقير مقوية. أما في حالة ارتكابه الإثم، فيحس كأن حملا يثقل كاهله، ويشعر بالرهق حتى في السير العادي.
فإذا أطلقت كلمة "وزر" على الإثم، فذاك لأن الإثم حمل ثقيل، الحمل الثقيل الذي كان بعهدته، رسالته إلى الناس، ودعوتهم، وهدايتهم. إذا أراد أحد أن يهدي الناس حقاً، فليس أثقل منه من عبء. فإذا قال الله للرسول:
[38]
{ووضعنا عنك وزرك} بعليّ، فذلك هو الحق الواقع. أي إننا خففنا عنك هذا العبء بهذا الرجل الذي هو منك بمنزلة هارون من موسى، فبه رفعنا عنك الحمل. أو لم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى". وهذا من الأحاديث المتواترة عن الشيعة والسنة.
فقد روي أن النبي كان يصحب علياً في كل حرب يخوضها ضد المشركين، ولكنه عندما عزم على التوجه إلى حرب تبوك، لم يأخذ علياً معه، وذلك لأنها لم تكن حرباً فعلية، بل كانت حرباً استعراضية، لإظهار قوة المسلمين وشوكتهم أمام شمال جزيرة العرب في سورية. فذهبوا وعادوا، وكان النبي قد أبقى علياً بمكانه في المدينة، فأظهر علي إنه كان يفضل لو ذهب معه، فقال الرسول: "يا علي ألا تحب أن تكون خليفتي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى" باختلاف واحد، هو "ألا أنه لا نبي بعدي". وهذا يعني إن هارون كان نبياً، إذ أنه كان بمقدوره أن يكون نبياً بعد موسى. ولكنك لا تكون نبياً لأنه لا نبي بعدي، فكل ما بيني وبينك من روابط هي ما كانت بين موسى وهارون. فعليّ وزير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
عندما أعلن النبي دعوته كان الأمر صعباً، ثم بعد
[39]
ذلك، في المدينة، عندما أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، خف الأمر، وأزيح الثقل عن كاهل الرسول. كانت مهمته قد انتهت.
{ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك }.
أي ذلك الحمل الذي أخرج الأصوات من عظام ظهرك بمثلها يضع امرؤ ثقلاً على سقف خشبي، فيصدر الصوت من الخشب حتى يكاد ينكسر. يريد الله أن يقول ان الحمل كان من الثقل بحيث إن عظام ظهرك أخذت تفرقع، فأزحنا عنك هذا الثقل، وكنت موفقا.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.
لقد أنزلنا حملك، ولكننا رفعنا اسمك، وجعلنا صوتك يعلو، وقرنّا اسمك باسم الله، فعندما ينادي المنادي: أشهد ألاّ إله إلاّ الله، يتلوه مباشرة:
أشهد أن محمد رسول الله.
إلى هنا تتناول الآيات النعم الالهية، ثم يبينها بصورة فلسفية. الى هذا الحد كانت الآيات شخصية:
كنت كذا، و فعلنا كذا. ثم يضع الموضوع في صيغة فلسفية، ليصل منها الى النتيجة.
[40]
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
المعنى الكلي هو أن الصعوبة تأتي ومعها السهولة، والسهولة في الصعوبه. وتشير الآيتان إلى مهمة النبي: كم كانت صعبة في البداية، وكم كان حملك ثقيلا حتى فرقعت عظام ظهرك. وكان العدو يسعى لأن يمحو اسمك محواً، فصار العكس. هذا هو قانون الله.
{فان مع العسر يسراً} مع الصعوبة سهولة، وإن الصعوبة تليها السهولة، نهاية ظلام الليل صباح أبيض، ولكن ماذا يعبر القرآن عن ذلك بقوله إن الصعوبة مع السهولة؟ المقصود هو القول أن ليس هناك تعاقب، أي ليس هناك أمر صعب، ثم يعقبه أمر سهل بالتناوب، ليس الأمر كذلك، بل إن السهولة وليدة الصعوبة، والصعوبة أم السهولة، أي إنكم إذا أردتم بلوغ اليسر والرفاه، والسعادة، فلا يتاح لكم ذلك ما لم تعبروا طريق الشدائد. إنه لتعبير عجيب، وهي كلية عجيبة. فعلى الرغم من أن البداية تخص شخص الرسول، والنعم التي أنعم الله بها عليه، شرح صدره، ورفع عنه الثقل، ورفع اسمه، ولكن على أي قانون؟ أعمال الله كلها تجري على وفق القوانين والسنن، فما هذه القوانين والسنن؟
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
هذا هو القانون. ونقرأ في سورة السجدة:
{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(السجدة/24).
أي إننا عيّنا منهم قادة يرشدون الناس بأمرنا. لماذا؟ لأنهم صبروا في الشدائد، وآمنوا بآياتنا. الإيمان مع العمل في الشدائد.
وقد ورد هذا أيضاً في آيات أخرى مثل سورة آل عمران:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران/148:146).
أي: كم في طول التاريخ من أناس إلهيين، يعبدون الله، وكم من أنبياء قاتل أولئك معهم في سبيل الله {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي كم تحملوا من الشدائد، ولكنهم لم يستول عليهم الوهن {وَمَا ضَعُفُوا} وظلت معنوياتهم عالية، {وَمَا اسْتَكَانُوا} لم يظهروا الجزع والخضوع والذل، ولم تتحطم نفوسهم، ولم يتزلزل إيمانهم، بل لجأوا إلى الله، واستعانوا به، ولم يقولوا شيئاً سوى الطلب من الله أن يملأهم صبراً واستقامة في سبيله، وأن ينصرهم على الكفار. ولذلك، ولما تحملوا من المحن {فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران/148).
في إحدى خطب أمير المؤمنين في نهج البلاغة، يلوم أصحابه على أن الناس أخذت تظهر عليهم حالة من الكسل والتهاون.
ولكننا نحن أصحاب عليّ، ونحن أعوانه، أو ليس علي صهر الرسول؟ أو ليس وصيه؟ أو ليس خليفته بالحق؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن ننتصر على جيش معاوية. نعم، ما دمنا من أتباع علي، وجب أن ننتصر على جيش معاوية.
ولكن عليّاً كان يقول: ليس الأمر كذلك إذ ليس من سنة الله أننا بايعنا عليّاً حتى وجب أن ننتصر، وذلك لأننا، على الرغم من أننا بايعنا محمداً وآمنا به، فإن الله لم يمن علينا بالنصر بهذه السهولة: " لقدكنا مع رسول الله نقتل آباءنا وأعمامنا إذا وقف في طريقنا أحد منهم. ولكن تحملنا المشاق والشدائد، ولكم صادف أن قابلنا العدو وجهاً لوجه في ميادين الحرب، فتصارعنا كبعيرين، فنغلب حيناً، ونُغلب حيناً. فلم يكن الأمر كما تظنون، بأننا لكوننا نسير في ركاب الرسول، ما أن نجرد سيوفنا حتى يفني الأعداء جميعاً. ولكننا خرجنا من بوتقة الإمتحان بنية صادقة".
ويضيف الإمام عليّ قائلاً: لقد ظهرت نيتنا الصادقة في أعمالنا، لا في الإدلاء بالشهادتين. وعندئذٍ أيدنا الله بنصر من عنده. وهذا هو معنى الآية {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} فيا أيها الرسول لقد عانيت كثيراً، وها هي ثمرات العناء.
ثم نأتي إلى أمر عجيب آخر:
{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ}.
هل يعني هذا أنك بعد أن فرغت من ذلك،ورفع الثقل عن كاهلك، اذهب ونم مستريحا؟ لئن فعلت ذلك، فأنت قد جلبت على نفسك سوء الحظ، إذ أن سوء الحظ يأتي من التعود على النوم الاستراحة والرفاهية، وما من أمر أشد عداءً للإنسان من الرفاهية. {فإذا فرغت فانصب} إذا فرغت من كل ذلك، فالقِ
[44]
بنفسك في التعب والنصب، ابحث عن الشدائد، ولا تعوِّد نفسك على الراحة.
لنفرض أن رجل الله لم يجد أمامه من المشاكل الاجتماعية ما يشتغل بها، فهل زالت عنه شدائد العبادة؟ عندما لم يكن للنبي من المشاكل الاجتماعية ما يشغله، فهل زالت يقضي الليل في النوم حتى الصباح؟ كلا. ما كان ليستريح. {فإذا فرغت فانصب} إلقِ بنفسك في المتاعب الحقة، ولا تركن إلى الراحة فهي عدو الإنسان.
{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}.

[45]
تفسير سورة القدر
[46]
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ*تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ*سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }(القدر/5:1).
[47]
يدور حديثي حول سورة القدر(1- القضاء والقدر ضربان: ضرب قابل للتبديل، وضرب غير قابل للتبديل. ففي أدعية شهر رمضان نقرأ طالبين من الله أن يقدر لنا قدراً من الضرب الذي لا يتغير ولا يتبدل. من هذا يتضح أن هناك قدرين: -القدر الذي يمكن تبديله ، -القدر الذي لا يمكن تبديله.
والدعاء من أرفع مطاليب البشر، إذ أن الإنسان يريد بالدعاء أن يغير المقدرات، أي إنه يريد أن تؤثر الأرض في السماء، والطبيعة في ما وراء الطبيعة. نحن لا نعلم أي المقدرات يمكن تغييرها، وأي المقدرات لا يمكن تغييرها، ولكننا ندعو دعاءنا حتى نغير القدر الذي يمكن تغييره، فإذا لم يكن من النوع الذي يمكن تغييره، نكون على كل حال، قد دعونا، والدعاء عبادة، وللدعاء أثران: أ-الدعاء بحد ذاته تقرب الإنسان من الله. ب-إذا لم يتحقق الدعاء فعلا، فإنه مستجاب، لأن أصل الدعاء يعطي أثره، أما تحقق المطلوب أو عدم تحققه فأمر آخر) إنها سورة من تلك
[48]
السور ذوات النغمات الخاصة، وفيها موضوع مثير للتساؤل.
فلنتدبر الآن في هذه الآيات، وفي آيات أخرى، لنرى ما يستفاد من هذه السورة الصغيرة. ونبدأ بشرح بعض الألفاظ.
يتضح من آية {وما أدراك ما ليلة القدر} أن هذه الليلة عظيمة الشأن من عند الله، وأن البشر لا يقدر على أدراك أهميتها، فهي ليلة جليلة وعظيمة، حتى أنها {خير من ألف شهر} حيث الملائكة والروح تنزل فيها بأمر من ربها، {سلام هي حتى مطلع الفجر}.
النقطة الأولى هي أن القرآن قد نزل في ليلة القدر، غير أن هذه السورة لا تعين أية ليلة هي ليلة القدر هذه، إلا هناك آية أخرى في سورة البقرة تقول:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ..}(البقرة/185).
فهو يصف شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. إذن، ليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان، بدلالة الآية الأولى من سورة القدر، وهذه الآية من سورة البقرة.
[49]
هنالك آية أخرى من سورة الدخان، فيها توضيح آخر لليلة التي نزل فيها القرآن. وتلك الآية هي:
{حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}(الدخان/4:1).
أي إن ليلة نزول القرآن ليلة مباركة، وإننا نحذر وننذر بالخطر، وهي ليلة تحدث فيها أمور.
وعليه فإن الليلة التي نزل فيها القرآن، بحسب آية سورة البقرة، هي من ليالي شهر رمضان، وبحسب هذه الآية، هي ليلة مباركة تجري فيها أمور، أي إنها ليلة التقدير، ليلة توضع فيها سلسلة من التقديرات. وبأخذ آية {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} بهذا الخصوص، يتضح أن الليلة من ليالي الله التي تجري فيها أمور.
ثمة نقاط لا بد من البحث فيها:
1-يتبادر إلى الذهن هنا سؤال. فإذا كان نزول القرآن في ليلة القدر، وليلة القدر من ليالي شهر رمضان، أفلا يعني هذا إن النبي قد بعث في ليلة القدر؟ فلماذا نحتفل بالمبعث في اليوم السابع والعشرين من رجب، مع أن القرآن يصرح بنزوله في رمضان؟
[50]
هنا لابد من أن نشير إلى موضوع، وإن لم يكن جوابا على هذا السؤال، إلا أننا لابد أن نشير إليه، وهو إن للقرآن نزولين: النزول الإجمالي، والنزول التدريجي، أو التفصيلي. فالنزول الإجمالي هو النزول غير الزماني، والنزول التدريجي هو النزول التفصيلي الزماني.
وكلمة "نزول" بحسب اللغة العربية، ترد في موضعين اثنين: الأول من باب إفعال (إنزال) {إنا أنزلناه}، والآخر من باب تفعيل (تنزيل)(1-كما في الآية{تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(السجدة/2).-المترجم). علماء اللغة العربية يقولون إن هناك فرقاً بين هاتين الصيغتين من حيث المعنى. فأنزلناه ترد حيث يقصد النزول الكلي دفعة واحدة، وتنزيل ترد حيث يكون التنزيل تدريجياً فالقرآن، إذن، إنزال وتنزيل.
ففي هذه الآيات{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} و{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} و{حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} يأتي الفعل من إفعال، وهي كلها تشير إلى نزول إجمالي دفعة واحدة، غير مشروط بزمان، نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قبل تنزيله عليه
[51]
بهيئة روح، لا بهيئة آيات وكلمات وألفاظ وسور. وبعد أن استقرت تلك الروح في الرسول الكريم، وهي روح القرآن، نزل القرآن مرة أخرى بهيئة ألفاظ وكلمات وسور هذه المرة.
إن لدينا بهذا الشأن روايات كثيرة، فقد ورد عن الأئمة الأطهار مرارا أن القرآن قد نزل على الرسول الكريم بهيئتين: بهيئة إجمالية واسعة ودفعة واحدة، وبهيئة تفصيلية تدريجية زمانية. فذلك النزول الإجمالي الذي نزل على الرسول دفعة واحدة، هو النزول الذي حدث في شهر رمضان. في ذلك الوقت لم يكن الرسول قد بعث بعد. بعثة الرسول تبدأ منذ أن نزل جبرئيل يحمل إلى الرسول القرآن والروح والحقيقة، في صورة ألفاظ وكلمات. ذلك هو زمان بعثة الرسول. وهو ما حصل في شهر رجب، ودام 23 سنة.
هنالك لفظتان لكتاب الله: القرآن والفرقان، كما جاء في سورة الفرقان:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا }(الفرقان/1). الفرقان من مادة"فرق" أي الفصل والتفريق. والمقصود هو أننا أنزلنا القرآن مفرقا، مجزأ،
[52]
لكي تقرأه على الناس تدريجيا.
يرى بعضهم أن لفظة "قرآن" تطلق على كتاب الله مجموعا، وتطلق عليه لفظة "فرقان" إذا قصدت أجزاؤه وتفاصيله، كما نزلت آياته وسوره.
إن ما ذكرناه يتعلق بنزول القرآن، إن كان في شهر رمضان أم في شهر رجب.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
أولاً، لماذا أطلق على هذه الليلة إسم ليلة القدر؟ أهو لأنها ليلة التقدير، الليلة التي تعين فيها مقدرات الناس؟ تلك الليلة الوحيدة في السنة حيث يكتب لكل امرئ ما قدر له، أم إن معنى القدر هو التقدير والتثمين؟ أي الليلة الثمينة ذات القدر. على كل حال، حتى لو أخذنا المعنى الثاني، فإنها عالية القدر باعتبار المعنى الأول، إذ يقول بعد ذلك إنها خير من ألف شهر.
ثم هناك مسألة تطرح نفسها بخصوص الزمان والمكان، هل إن أجزاء الزمان وأجزاء المكان لها قيمتها بحد ذاتها، وبصرف النظر عن ارتباطها بحدث معين؟ الواقع إن أجزاء الزمان، من حيث كونها أجزاء زمان، لا
[53]
يختلف الجزء منها عن الجزء الآخر بشيء. أي إن درجة وجود الجزء واحدة لكل الأجزاء، فلا فرق بين جزء من الزمان وجزء آخر، ولا يكون جزء أفضل من جزء، كأن يكون جزء فضيلا وآخر غير فضيل.
أما الأجزاء المكانية، أي الحيز المكاني من الأرض، فقد يكون هناك فرق بين أرض وأرض، إذ أن أجزاء المكان ليست ببساطة أجزاء الزمان، فهناك فروق بينها، ولكنها فروق مادية لا معنوية، فما معنى هذا؟ يعني إنه إذا كانت الأرض سبخة، لم تعط حاصلا، وإذا لم تكن سبخة، أعطت حاصلا وافرا.
أما من حيث فائدة البشر، فأرض تكون وافرة البركة، وأخرى تكون سبخة عديمة العطاء، فهذا مكان فيه بركة، وآخر لا بركة فيه. فالأرض المعطاء تعدل عند الزارع مئة ضعف من أرض لا خير فيها. فإذا وهبت مزارعاً أرضا ملحا، فما نفعها له؟ ولكنك اذا وهبته هكتاراً واحدا من أرض خصبة، فقد يعتاش منها سنته. وهذا أمر مادي ويرتبط بحياة الإنسان. فماذا عن الجانب المعنوي؟ فهل في الأرض بحد ذاتها اختلاف من حيث المعنويات؟ أي بقطع النظر عن ارتباطها بأي حدث او واقعة، وقبل أن يوجد أي إنسان في العالم، فهل يكون
[54]
لقطعة أرض فضل على أخرى؟ فمثلا، هل إن أرض مكة أو الكعبة، قبل أن يخلق بشر على وجه الأرض، وقبل أن يظهر إبراهيم وإسماعيل كانت تمتاز بشيء على أية قطعة أرض أخرى.
الجواب هو أن ليس لأجزاء الزمان، ولا لأجزاء المكان، بذواتها، أي اختلاف معنوي فيما بينها، فليس ثمة أرض مباركة، ولا أخرى خبيثة (معنوياً). أجزاء الأرض كلها متساوية. غير أنها قد يتغير حالها، لأمر طارئ، فتصبح مباركة، كقطعة أرض متروكة، ثم تبنى مسجدا، فتصبح معبداً، وتكون لها سلسلة من الآداب والفروض الخاصة ويكون المكان مباركاً. لماذا؟ لأننا جعلناه مسجداً. كذلك البلدان. لا ريب إن الله يعلم منذ الأزل إن الأرض الفلانية ستكون مباركة لسبب ما. إن معرفة الله بأن الأرض الفلانية ستكون مباركة شيء، وأن الأرض بذاتها مختلفة شيء آخر. فالكعبة، منذ إبراهيم، بل لعلها منذ آدم، كانت المنطقة التي اختيرت لتكون مسجدا يعبد فيه الله الأحد. فهي بالإضافة إلى كونها مسجداً، تسمى بيت الله أيضاً. فالاحترام الذي تحظى به الكعبة يفوق احترام أي مسجد آخر. إن مسجداً ما ينظر إليه باحترام أكبر لأن ولياً من أولياء الله
[55]
قد أقام الصلاة فيه. فمساجد العراق مثلا كلها مقدسة، إلا أن مسجداً واحدا يفوقها قداسة لأن الإمام علي عليه السلام قد صلى فيه، أو خطب فيه، أو ألقى فيه موعظة. وكذلك المسجد الذي صلى فيه الإمام زين العابدين ركعتين، حيث يكون من المستحب أن نقيم نحن أيضا يه ركعتي صلاة! وهذا يوصل إلينا شرف العبادة وقيمتها.
فالكعبة إذن نالت شرفاً لم ينله مسجد آخر ولا معبد، كمكان. والزمان كذلك أيضا، فالزمان يكتسب فضيلة بالإنسان. فعندما يعين زمان للعبادة يأخذ الناس يتعبدون فيه، أي إن الإنسان يتعبد في الوقت الذي يتعبد فيه الآخرون. فكل هذه الدعوات والصلوات ترتفع إلى السماء دفعة واحدة، فيكون هذا فضيلة أخرى.
نعود الآن إلى (ليلة القدر) فبحسب قول القرآن، ليلة القدر هذه التي هي خير من ألف شهر، هي ليلة واحدة في الحياة كلها، وهي تلك الليلة التي نزل فيها القرآن على الرسول. يقول كثير من أهل التسنن إن الأمر ليس كذلك، وإن ليلة القدر أكثر من ليلة واحدة، تعود كل سنة طيلة حياة الرسول، وعندما رحل الرسول رحلت ليلة القدر أيضا (هذا كلام لا أساس له).
[56]
إذن فليلة القدر مستمرة. هل كانت ليلة قدر للنبي؟ يقول النبي، نعم كانت، وكل الأنبياء كانت لهم ليالي قدر. ترى هل كانت ليلة قدر قبل أن يوجد إنسان أو نبي على وجه الأرض؟ هذا أمر مشكوك فيه. ليلة القدر تعني ليلة الإنسان الكامل، ليلة الولي الكامل. ولكن ما الذي نفهمه من القرآن نفسه؟ بعد أن قال القرآن {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ثم بعد ذلك يقول {ليلة القدر خير من ألف شهر} ولم يقل ليلة القدر كانت خيراً من ألف شهر. والأهم من هذا هو إن {أنزلناه في ليلة القدر} جاء فيها الفعل بصيغة الماضي، ولكنه بعد ذلك يستعمل المضارع ليدل على الدوام والاستمرار، فيقول {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} أي إن الملائكة والروح ينزلون بأمر ربهم إلى الأرض، فهي ليلة لم ينقطع فيها الارتباط بين السماء والأرض، إنها ليلة الارتباط بين السماء والأرض، حيث لا ينزل ملك واحد أو اثنان، بل الملائكة والروح (ينزلون)، بصيغة المضارع وليس (نزلوا) بصيغة الماضي.
إن الذين لا يقولون باستمرارية ليلة القدر قليلون.
يقول الأئمة عليهم السلام إسألوا هؤلاء، عندما تنزل الملائكة والروح ليلة القدر، إلى أين تنزل؟ هل تنزل إلى
[57]
الأرض، أم أنها تنزل على القلب؟ إن الملائكة تنزل على الإنسان، على قلبه، فينبغي أن يكون قلب الإنسان قلباً جديراً بنزول الملائكة عليه. إن النزول لا معنى لهغير هذا. فالقضية هي أن ليلة القدر ليلة الإنسان الكامل. ولكن لماذا تكون ليلة القدر في رمضان؟ في الإسلام، لا معنى لأن تكون ليلة القدر في غير رمضان.
إن للأنبياء وللأولياء، كالأئمة الأطهار والذين هم أعلى مرتبة من كثير من الأنبياء، مسائل تخص عالمهم القريب من الله، لا نستطيع نخن فهمها. فهذا موسى بعد أن يصبح نبيا، ويريد أن تنزل عليه الأرواح، يذهب إلى ميقات ربه أربعين يوماً. في الليالي الثلاثين الأول لا يستطيع إنهاء دورته السلوكية {..وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ..}(الأعراف/142). لقد كانت المدة المقررة ثلاثين ليلة، ولقد بذل موسى خلال تلك الليالي الثلاثين جهداً جيداً لكي يبلغ مرحلة الجدارة النهائية، ولكنه لم يستطع. فأضيف إلى المدة عشر ليالٍ أخر. كانت الليالي الثلاتون قد بدأت في غرة شهر ذي القعدة إلى نهايته، ولما لم يستطع، أضيفت عشر ليال ابتداء من ذي الحجة حتى العاشر منه، حينئذ فتح قلب موسى، وحصل له ما كان ينبغي له. وقد حصل هذا كله بعد أن بعث بالنبوة.
إن لكل إنسان ولكل وليّ دورة واحدة في السنة، بل
[58]
إن لكل إنسان ومؤمن وظيفته في أن يقيم الصلاة خمس مرات في اليوم، ولكن له شهر واحد للعبادة، والشهر المخصص للعبادة، للتطهير، للتوجه إلى الله، للسمو، هو شهر رمضان.
فشهر رمضان قد عين لهذا، ولهذا فهو أفضل أشهر السنة. لعل اليوم العاشر من ذي الحجة يعتبر في نظر موسى من أفضل الأيام، ولكن في نظر نبي الإسلام شهر رمضان هو الأفضل. وفي هذا الشهر يستفيد الإمام أضعاف ما نستفيد، إذا أنه يبدأ مسيرته من أول الشهر حتى يصل إلى ليلة هي ليلة القدر، وعندئذ نفتح له الأبواب، و{تنزل الملائكة والروح}.
أما آية ليلة من ليالي رمضان هي ليلة القدر، فإن الروايات لم تبين ذلك، وفي ذلك بعض التعمد. هل ليلة القدر هي الليلة التاسعة عشر؟ أم الليلة الحادية والعشرون؟ أم الليلة الثالثة والعشرون؟ أم أن بعض المسائل تتهيأ في الليلة التاسعة عشرة، ثم تبرم في الليلة الحادية والعشرين، ثم تصل مثلا، مرحلة التوقيع عليها في الليلة الثالثة والعشرين؟ وهناك احتمال آخر في عدم تعيين ليلة القدر، وذلك إن ليلة القدر في كل سنة تخص الإمام وتتعلق بحالته في تلك السنة فقد ينهي الإمام دورته السنوية في الليلة التاسعة
[59]
عشرة فتنزل فيها الملائكة عليه. وقد ينهي دورته في الليلة الحادية والعشرين، أو في الليلة الثالثة والعشرين. أي إن الدورة لا تقل عن 19 يوما، وهي تنتهي في واحدة من هذه الليالي، وعندئذ هل يكون للإنسان الكامل يد في مقدرات العالم أو الناس؟
قليلون أولئك الذين يصدقون أن تكون روح هذا الجرم الصغير لوحاً للتقديرات الآلهية، إنما نحن لا نصدق، لأننا لا نعرف الإنسان، فلا نعرف إن لوح روح الإنسان الكامل هو لوح التقدير الإلهي، وإنه ههنا يتحقق النزول والتقدير.
وبناء على ذلك فإن ليلة القدر هي ليلة الإنسان الكامل، وأن القرآن قد نزل في تلك الليلة، وإن النبي كانت له ليلة قدر في كل سنة، وكذلك الإمام وأن الأرض لا تخلو أبدا من الإنسان الكامل، وإن السنة لا تخلو من ليلة القدر، وإن ليلة القدر لا تخرج عن شهر رمضان.
عرفنا إن ليلة القدر من ليالي رمضان، تلك الليلة التي تتصل فيها الأرض بالسماء، الملك بالملكوت، وبحسب تعبير القرآن تفتح أبواب السماء على الأرض، حتى تكاد تتحد الطبيعة وما وراء الطبيعة في كيان الإمام
[60]
عن طريق وجوده، وهو وجود مادي ملكي، ووجود ما ورائي. وهذا ما يذكره القرآن بصورة إجمالية:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
والخطاب طبعاً للرسول هنا، وفي أماكن أخرى يخاطب الناس، إذ يقول أن البشر لا يدركون ما هي ليلة القدر. ترى ماذا في هذه الليلة يجعلها خيراً من ألف شهر؟ هل هي ثواب العبادة فيها؟ لم لا؟ لأننا عندما نقيم الصلاة نقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(الفاتحة/5). فهنا تكون العبادة جماعية، وتكون أرفع مرتقى، وذلك لأن روح الإنسان تكون عند ذاك على استعداد أكبر، ولها حضور أقوى، حيث يكون جمع من الأطهار مشغولين بالعبادة في اللحظة نفسها. ولقد ثبت أن للمادة أمواجاً تصل إلى الطرف الآخر من الدنيا، فكيف بالأمواج الروحية التي لا يمكن إدراكها؟ فإذا كانت ليلة القدر ليلة يكون فيها الإمام في حالة العبادة وفي تهيج روحي يجعل أبواب السماء تفتح على الأرض، وإذا كان أفراد من أمثالنا يرغبون في مثل هذه العبادة، فإن فيض السعادة الذي نحسه في هذه الليلة يعدل ألف ليلة. أي إن الجو الذي يولد يكون جو العبادة. جو التسامي، جواً يناسب إحياء
[61]
الليل. إن فضيلة هذه الليلة لتربوا على ألف من الأشهر العادية.
في الختام، نخلص من هذه الأقوال إلى أن القرآن يقول: إن القرآن قد نزل في ليلة القدر {وما أدراك ما ليلة القدر} وإن ليلة القدر أفضل من ألف شهر، أي إن الليالي لا تبلغ هذه الليلة. لماذا؟ ماذا حدث؟ لأن الملائكة والروح (الروح في القرآن حقيقة أرفع من الملائكة) ينزلون بأمر من ربهم.
ولكلمة "الأمر" في القرآن استعمالات: فالأمر قد يكون إرادة حصول شيئ، وعندئذ يكون أمر الله هو وجود الشيئ عينه. فإذا كان الأمر هنا هكذا، يكون النزول إيجاداً إلهيا. وأما إذا كان الأمر أمراً، فإنه يرتبط بكل شأن من شؤون العالم.
{سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }(القدر/5).
أي إن الليلة من أولها إل آخرها سلام وسلامة، والسلام هي التحية، وهي التي تلقيها الملائكة في الإياب وفي الذهاب. والسلامة هي لمن يريد في هذه الليلة أن يسلم من كل الآفات، ومن الوساوس، ومن كيد الشيطان.
[63]
تفسير سورة الزلزال
[64]
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا*يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ*فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}(الزلزلة/8:1).
[65]
سورة الزلزال من السور المكية القصيرة التي تتناول يوم القيامة، وهي من السور المثيرة والمؤثرة، وتعد من مجالات بروز إعجاز القرآن، لما فيها من روعة اللحن، والجمال، وقوة النفوذ إلى النفوس.
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا}
أي ذلك الزلزال الذي ليس له شبه بأي من الزلازل التي يعرفها الناس في العالم. وذلك لوجود اختلافين بينهما:
الأول: هو أن الزلازل التي تحدث في عالم الإنسان زلازل جزئية ومحدودة، أي إن قطرها قصير، قد يكون 25كم في 25كم، أو أكثر 100كم، أو حتى إذا فرضنا أكثر من ذلك 500كم في 500كم، وهذا ما لم يحدث حتى الآن. ولكنه يرتبط بأنواع من التحولات والتغيرات في باطن الأرض، سواء أكانت هذه تخلخلاً،
[66]
أو ضغطاً للغازات الموجودة في مكان معين، أو غير ذلك. ثم تخرج هذه الحمم من باطن الأرض. أو الانهيارات التي تسبب تزلزل الأرض في قسم منها. إلا أن هذه، على كل حال، تهم أناس تلك المنطقة الذين يتعرضون لها. أما البعيدون فلا يحسون بها بالمرة.
وهناك زلزلة تقلب المنطقة رأسا على عقب، فتطمر مدينة في باطن الأرض، ولكنك إذا ابتعدت بضع عشرات من الكيلومترات، تجد الناس لا يعلمون بما حدث.
أما الزلزلة التي يشير إليها القرآن فلا ترتبط بنقطة معينة من الأرض، إنها تشمل الأرض كلها بل لا تشمل الأرض وحدها، وإنما تشمل كل الكون، وكل الشموس، وكل الكائنات. فانظر كيف هذا؟
والاختلاف الثاني هو إن الزلازل المألوفة تحدث بسبب تأثير عامل في آخر، أو قوة تؤثر في قوى أخرى أو في شيء آخر.
لنفرض إننا جالسون هنا، فتمر بهذا البناء شاحنة ضخمة، فإنها سوف تجعل البناء يهتز قليلا. فهذه البناية لم تهتز بذاتها، بل بقوة عامل خارجي أثر فيها وأدى إلى
[67]
اهتزازها، أو كأن يكون امرؤ واقفا فيصدمه شخص آخر. أما الزلزلة العامة التي يشير إليها القرآن فناشئة من الداخل، من باطن الكون فمن باب المثال، نقول إن الجنين في رحم أمه لا تصدر منه حركة في أشهره الأولى، ولكنه عندما يبلغ الشهر الرابع، مثلا يقال إنه تصدر منه أول حركة. فهل حركة الطفل حصلت بفعل عامل خارجي، أم أنه قد تحرك بذاته وبفعل قوة باطنية؟
إن قضية الزلزلة هذه تتعلق في الواقع بقضية أخرى، وهي إن هذه الموجودات التي نطلق عليها اسم الجمادات التي لا تحس ولا تشعر، هل هي حقا فاقدة للشعور بكل معنى الكلمة؟ أم أنها، بحد ذاتها، وليس بحد ذات الإنسان، تملك نوعا من الشعور والإدراك؟ هذا موضوع يتكرر وروده في القرآن. فمرة يقول ما من كائن إلا ويسبّح بحمده ولكنكم لا تفهمون ذلك(1- {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}(الإسراء/44).-المترجم ). هنالك أيضا نقطة أخرى يذكرها القرآن، وهي: متى تتبدل الدنيا إلى الآخرة؟ عندما تظهر من جميع الموجودات وجوهها الأخر {..وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(العنكبوت/64).حينذاك تنكشف الوجوه الأخر للأشياء.
[68]
تلك هي الزلزلة التي ستحدث في الكون، كالجنين الذي يصل إلى مرحلة الحركة. عندئذ يحس الإنسان أن لكل ذرة من ذرات العالم حياة وشعوراً.
{وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي عندما يخرج من باطن الأرض ما هو مدفون فيها، كل الناس الذين دفنوا في الأرض وهم دفائن الأرض الثمينة، لا الذهب ولا المعادن، ولا النفط، ولا ما هو مرتبط بهذه الدنيا.
{وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا }(الزلزلة/3). ولكن الإنسان الذي سبق أن عرف الزلازل، يقول، وهو جاهل بما يجري، ما الذي يحدث للأرض؟
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}
أي إن الأرض يومئذ تسرد سيرتها، سيرتها الطويلة الممتدة امتداد ملايين السنين.
{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}
أي إن الله هو الذي أمرها. هنالك أبيات من شعر مولوي الذي كان متعمقاً إلى حد يقل نظيره، تخص هذا الموضوع. يقول:
عالَم أفْسُرْده ست نام او جَماد
جماد أفسرده بـود أي أوسْتاد
[69]
باش تاكر كَسي بِحَشْر آيد عيـان
تـا بِبِيْني جُنْبِشِ جسم جَهانْ
"العلم جامـد اسمه الجمـاد
والجماد كان جامدا أيها الأستاذ
إبق حتى نجتمع في الحشر عيـانا
لترى حركـة جسـم العـالم"
إنه يشير إلى هذه الزلزلة، ويقول لا تظنن الميت ميتاً، إنما أنت لا تفهم، لا تدرك ذلك، إنك لا ترى الآن إلاّ جانبه الميت، ثم يقول:
جُون عَصاي موسى إيْنجـامـارشد
عقل را زا ساكنان إخْبار شد
"عندما انقلبت عصا موسى حيـة
أدرك العقل أخبار الساكنات"
ففي اليوم الذي انقلبت فيه عصا جامدة إلى حية، تبين للعقل أن الموضوع شيء آخر، وأننا ينبغي ألا نحسب الجمادات جامدة تماما.
الموضوع شيء آخر، وأننا ينبغي ألا نحسب الجمادات جامدة تماما.
بـارئي خـاك تُراجون زِندة ساخت
خاك هارا جُمْلِكي بايد شِناخْتْ
[70]
"إنه إذا أحيـاك من بعض تـراب
فلا بد من معرفة التـراب بجملته"
إن جسمك كان تراباً ميتاً، ولكنه الآن حي. إذن يتضح أن المسافة بين الميت والحي ليست بعيدة جداً، فالميت قد يحيا سريعاً، ولذلك علينا أن نتعرف على كل الأتربة، إذ فيها تكمن القابلية على الحياة.
إن وجوهها التي تواجهنا ميتة، ولكن وجوهها التي تتجه نحو البارئ سبحانه وتعالى حية. إنها من حيث الطبيعة الربانية حية‎، ومن حيث الطبيعة الخلقية ميتة.
مُرده زيْنْسويَند وزان سُـورِنْده اند
خاموشى إِينجا وآنجا كوينده اند
جونكه آنها رافر سْتَدْ سُوى ما
آن عَصا كردد سُوى ما إِزْدها
"ميـتة من هذا الجانب وحيـة من ذاك
صامتـة هنـا وناطقة هنـاك
و هو إذ يرسـلها إلينـا
تتحول تلك العصا حية عندنا"
فهو إذ يرسلها إلينا يراها حية لا ميتة، فإذا أمرها حولت جانبها الحي إلينا. ثم تجري ا لقصيدة تشير إلى جمادات أحياها، كالريح التي سخرها لسليمان،
[71]
والبحر الذي ائتمر بأمر موسى، والجبال لداوود، وانشقاق القمر لمحمد، وتحول النار بردا على إبراهيم ...
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}
نذكر ما مر بها بحسب ما أوحى لها الله. وقد جاء كذلك في القرآن المجيد، في سورة يس:
{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يس/65).
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}
أي يوم يصدر(1- إن الفعل (يصدر) في العربية معنى خاصاً، لم أجد في الفارسية كلمة تقوم مقامه. فمثلاً يقولون في الفارسية إن هذه الهوية "صادرة" من طهران، ويستعملون الكلمة العربية. أو يقولون إن فلانا "أصدر" الأوامر الفلانية. ويستعملون الكلمة العربية. أو العربية أيضاً. فإذا شئنا أن نرفع هذه الكلمة ترى ماذا يمكن أن نضع في مكانها لنحصل على المعنى نفسه؟ ولما كانت كلمة "الصدور" تختلف عن "الخروج" في المعنى، فلا يمكننا استعمالها بمكانها، فإذاً نحن بدلا من أن نقول إن الهوية "صادرة" من طهران، قلنا أنها "خارجة" من طهران، يكون المعنى مغايراً لما نريد. في الأيام التي كانت فيها اللاّعربية على أشدها، وضعوا "مرسلة أو مرسل" الفارسية بمكان "صادرة أو صادر" فمثلاً قولهم: الهوية مرسلة من طهران، لا معنى له، لأن وضع مرسلة بمكان صادرة لا معنى له، لأن "مرسلة" ليست ترجمة لكلمة "صادرة" والتجار أيضا عندما يرسلون بضاعة من مكان إلى مكان يستعملون كلمة"إرسال" أما إذا عطشت الحيوانات فوردت الماء وارتوت، يوصف حالها عندئذ بالصدور، أي إنها صدرت عن الماء. ولكن تطور هذا المعنى فيما بعد، حيث يقول القرآن: إن الناس في ذلك اليوم يصدرون من الأرض كالأمر الذي يصدر من صاحب أمر، او كالهوية التي تصدر من مكان ما. هنا الناس هم الذين يصدرون.) الناس جماعات متفرقة. لماذا؟ إنه
[72]
تعبير عجيب أيضا.
{لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} أي إن الناس يذهبون ليستعرضوا أعمالهم وأعمال الناس في هذه الدنيا طيلة حياتهم، صغيرها وكبيرها، حيث يتجسد العمل نفسه ويحضر. فكيف تكون حال الإنسان وهو يدخل معرض الأعمال؟ إنه لا يرى سوى السواد والظلام وأشياء على هيئة نيران وحيات وعقارب. وعلى عكسه الذي يؤخذ إلى معرض ثواب الأعمال، حيث إن أكثر ما يرى هو الأعمال الحسنة الجميلة، بحيث قيل إنه لو كان الموت ممكنا يوم القيامة، لمات أهل السعادة فرحا، وأهل الشقاء كمداً. أي لو أن تلك السعادة التي توهب للإنسان في الأخرى وهبت للإنسان في دار الدنيا، لتحجر فوراً. ولو نزل ذاك
[73]
الشقاء على أحد في الدنيا، لتوقف قلبه حالا ومات.
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}
ثم يشرح القرآن معنى {ليروا أعمالهم} بقوله:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}
والذرة هي أصغر وحدة قياسية في العربية. أي بمقدار الذرة التي ليس أصغر منها جسم. من المعروف عندنا عندما نقول (ذرة نقصد أصغر معيار نعرفه مما لا يمكن أن نراه بالعين المجردة. وهي الذرات التي لا نراها إذا كنا في الشمس، ولا نراها إذا كنا في الظل، ولكننا نراها إذا كنا في الظل ومر منه عمود من نور، كأن تدخل أشعة الشمس من إحدى النوافذ، عندئذ يرى الإنسان وسط ذلك العمود من النور دقائق صغيرة تتحرك. فهذه هي الذرات بالعربية، أي أصغر شيء يظهر للعيان من الجسم. ومصطلح الذرة هذا يستعمله العلماء والفلاسفة في قضايا الجسم ومم يتكون. فكان عدد منهم يرى (وهي النظرية التي تأيدت فيما بعد) إن كل جسم يتألف من أجسام صغيرة جداً. وهذه الأجسام الصغيرة جداً أطلقوا عليها إسم الذرات، ذرات صغار صلبة كانوا
[74]
يعتقدون أنها غير قابلة للإنشطار، وهذه أيضا هي الذرة في العلوم الحديثة.
على كل حال، يقول القرآن إن من عمل مقدار ذرة من الشر فإنه سوف يرى جزاءه.
والآن لاحظوا اللحن في السورة، مع ملاحظة المعنى:
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا*يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ*فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}(الزلزلة/8:1).

[75]
تفسير سورة العاديات

[76]
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا*فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا*فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا*فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا*فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا*إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ*وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ*وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ*أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ*إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ}(العاديات/11:1).
هناك اختلاف بشأن هذه السورة، أهي مكية؟ أم مدنية؟ فالقرائن نفسها تسبب الاختلاف فيما إذا كانت قد نزلت في مكة أو في المدنية، ومن حيث النقل أيضا ثمة أسباب للشبهة. فمن جهة لحن السورة ذات الآيات القصيرة تشبه السور المكية، لأن السور المكية نزلت في بداية بعثة الرسول، وتتميز بآيات التحذير والتذكير والتخويف. أما السور المدنية فأغلبها يبين القوانين والقرارات ولهذا تكون طويلة وتفصيلية.
تفتتح هذه السورة بالقسم، وهو قسم عجيب كان من أسباب القول بأنها مكية، وهذا هو اعتقادي الخاص أيضا، بينما يقول آخرون أنها مدنية بسبب مضمونها.
ما أعجب القسم في هذه السورة!
{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}
[78]
أي أقسم بالخيل الراكضة اللاهثة. والمقصود هو خيل المجاهدين. يقسم بخيل الجند، الخيل التي تخب فوق الصخور والأحجار.
إن القرويين من أمثالنا، إذا كانوا قد رأوا الفرس ذا النعل الحديد، على الأخص عندما يتحرك فوق الصخور، كيف ينبعث الشرر من حوافره جراء اصطكاكها بالصخور، ذلك الشرر الناري البارق.
{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا}
وهي الخيل التي تبرق حوافرها إذ تركض فوق الصخور.
{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا}
تلك الخيل التي تهجم على العدو عند شروق الصباح.
ما يزال يقسم بالخيل، خيل الفرسان. والقسم بخيل الجند، احترام للجند أيضاً، فهم من سرعة الحركة والمبادرة بحيث أنهم يغيرون على العدو قبل أن يتحرك في معسكره.
{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا}
[79]
كان الكلام قبل هذا على الشرر الذي يوري البرق، فيستدل من ذلك أن حركة الخيل تجري على أرض ذات صخور وأحجار. ثم يقول : {المغيرات صبحا} حيث يكون الهجوم على العدو، فيرتفع الغبار والتراب إلى عنان السماء. طبيعي أن العدو عندما يعسكر، ولا يعسكر فوق الصخور، بل يعسكر في السهل، لذلك فان المجاهدين يأتونهم من طرق جبلية وصخرية حتى لا ينتبه العدو لهم، وإذا بهم فوق العدو، فينهض العدو ويتحرك، فيرتفع الغبار إلى السماء، بحيث لا يبصر المرء ما أمامه. كما يقول فردوسي:
زِ سُـمِّ سُـتُـوران دَر آن بَهْـن دَشْـت
زَمـين شِشْ شُـدْ، آسمـان كَشْـت هَشـت
"من حـوافر الخيـل في ذلك لسهل الفسيح
غـدت الأرض سـتـة والسـماء ثمـانيـة "
فيقذف المجاهدون بأنفسهم في ذلك الخضم، ويندفعون إلى قلب العدو. فما الذي تريد هذه الآية أن تقوله؟ لماذا يقسم القرآن بهذه الأمور؟ يريد القرآن أن يقول إنها أمور مقدسة عند الله، فرس الجندي، وحافر فرس الجندي، والغبار الذي يثيره، كلها مقدسة. ذلك التكبير الليلي الذي يصبه فوق رأس العدو، وكمثل
[80]
الصاعقة يقع على رأس العدو، ومبادرته، كلها مقدسة.
جاء في الأخبار أن هذه الآية قد نزلت في إحدى الغزوات، وتدعى "ذات السلاسل" وهي غزوة وقعت عندما هاجم المشركون المسلمين، فارسل الرسول المسلمين لقتالهم بقيادة أبي بكر مرة، وبقيادة عمر مرة أخرى.
واقترح عمرو بن العاص على الرسول أن يلجأوا إلى المكر والخديعة لإنهاء الحرب. غير أن هذا لم يفلح أيضاً. وأخيراً عهد الأمر إلى علي عليه السلام فاختار طريقاً غير مطروق عبر الجبال، فعبروها ليلاً، وعند الصبح، بين الطلوعين، انفضوا على العدو، وقضوا عليه.
وفي اليوم نفسه جاء الرسول إلى المسجد في المدينة -وهي تبعد عن موقع المعركة كثيراً- لأداء الصلاة، فقرأ سورة العاديات بعد سورة الفاتحة.
في هذه السورة، كما في سورة الزلزال، تذكير بيوم القيامة، وإيقاظ للشعور بالرجعة إلى الله في الإنسان.
تثير هذه السورة في الإنسان روح الجلاد والحرب بشكل عجيب.
وانتبه المسلمون الذين كانوا يصلون مع النبي أنه بعد سورة الفاتحة أخذ يقرأ آيات جديدة لم ترد على لسانه من قبل:
[81]
{بسم الله الرحمن الرحيم. وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا*فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا*فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا*فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا*فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا..}
قالوا له بعد انتهاء الصلاة: يارسول الله، لم نسمع بهذا من قبل. إنها المرة الأولى التي نسمع منك فيها هذه الآيات.
فقال الرسول: اليوم نزل علي جبرئيل وأخبرني بأن عليا قد قاد المسلمين من النقطة الفلانية، وأنه سيعود منتصرا. وكان الناس يعلمون أن المسلمين كانوا هناك في محنة.
عندما يقسم الإنساني بشيء، يريد أن يقول إنه يحترم ذلك الشيء ويجله. ثم يقول:
{إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود}
أي ما أكفر الإنسان بنعمة ربه، فبدلاً من أن يحمد الله على نعمه، يجحد بها. مثل الطفل الذي يريد له أبواه تمام الصحة والشفاء. فيعدان له دواءً أو طعاما، فيرفضه ويريد أن يحطم كل شيء.
يقول المفسرون، وهم على حق، إن آية {إن الإنسان لربه لكنود} إشارة إلى الناس الذين يريدون
[82]
مهاجمة المسلمين في المدنية، بدلاً من أن يتقبلوا الدعوة التي يدعوهم بها الرسول. فهذه النعمة التي يهبها الله لهم يرفضونها ويحملون على المدينة. أهكذا تشكر النعم؟ {إن الإنسان لربه لكنود}.
"كنود" تعنى "كفور". أي الكفر بالنعمة، والتنكر لها.
{وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}
يمكن تفسير هذه الآية على وجهين. الأول إن {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تعني إنه شديد الحب للمال. والثاني هو إنه شديد جداً، أي بخيل، لماذا؟ لأنه يحب المال حبا جماً. وقد عبر القرآن هنا عن المال بالخير، وهو تعبير كثير وروده في القرآن، حيث يعبر عن الثروة بالخير {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ..}(البقرة/180).
أي إن الثروة بحد ذاتها ليست شراً، إنما الإنهماك بها هو الشر. على الإنسان أن يكون حراً. وألا يكون تعلقة بشيء في الوجود إلا بالله. العلاقة قيد وتقيد، مثل الحبل في رقبة الفرس، فيربط بمكان ما في الإسطبل أو بشجرة. على الإنسان ألا يربط نفسه بشيء. إن تعلق الإنسان بالله
[83]
هو الحرية عينها. لماذا؟ لأن الإنسان كائن غير متناه فما دام الإنسان مع الله، بقي الطريق أمامه مفتوحا، وكلما سار انفتح الطريق أكثر، لو سار إلى الأبد لما انتهى الطريق أمامه.
ولكن المال، بخلاف الأمور الأخرى، يثبت المرء في مكانه، حسب القول السائد، فيوقفه عن التحرك، ويسد أمامه طريق السير نحو التكامل. والقرآن يعبر عن الثروة بالخير، لأن الثروة ليست شرا بذاتها، فلا ينبغي القول بأن الثروة شر، فلماذا يمنحها الله للناس؟ الجواب، كلا، إن الثروة ليست شرا، بل تعلقك بها، حب المال الذي فيك (وهو الحب والعلاقة) هو الشر. فعليك إلا تطوق رقبتك به.
ثم إن الله قد خلق في الإنسان حب الخير حبا مطلقا. والخير المطلق هو الله، فأنت قد تركت الخير المطلق، وجئت تتمسك بشيء محدود لا ينفع كوسيلة، ونسيت الغاية.
{أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ..}(العاديات/11:1).
أي ألايعلم الإنسان أنه سيبعث، وأن ما في ا لقبور
[84]
يستخرج، وينفي، ويكشف عما في دخيلة الإنسان وباطنه؟ ألا يعلم الإنسان ما سوف يحدث عندئذ؟ ألا يعلم أن هذا ما ينتظره؟
{إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ}
فإذا لم يكن يعرف كل ذلك، فليعلم إن الله عالم وخبير، ويعرف كل شيء.
[85]
تفسير سورة العصر
[86]
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالْعَصْرِ*إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(العصر/3:1).

[87]
حديثنا يتناول سورة العصر المباركة التي لا تتجاوز آياتها السطر ونصف السطر.
في القرآن ثلاث سور قصيرة، وهي سورة الكوثر، وسورة الأخلاص، وسورة العصر، وهذه لا تتجاوز آيات ثلاثاً، ولكنها سورة يمكن أن يكتب حولها مجلد ضخم، يعتمد ما سوف نبينه من أصول.
هذه السورة واحدة من السور التي تبدأ بالقسم. والعصر قسم بالعصر. وهي تبدأ بآية تتألف من كلمتين: الواو و{الْعَصْرِ}.
لقد سبق أن تكلمنا كثيراً على القسم في القرآن، فلا حاجة إلى تكرار ما قلناه، سوى ما يقتصر على موضوعنا هنا. نجد القرآن يقسم أحياناً بالزمان، بأوقات مختلفة من الزمان، بالنهار، وبالليل وبالضحى إلى غير ذلك.
[88]
قلنا فيما سبق إن لكل من هذه الأزمان حكمته وفلسفته الخاصة التي تكشف عن أهمية ذلك بالنسبة للإنسان، عن قيمة الفجر والضحى والليل والنهار في حياة الإنسان.
قلنا إن الآية الأولى تتألف من كلمتين، الواو و{العصر}. الواو معروفة. والكلام على {العصر} فأي عصر هو المقصود؟
هنالك احتمالان من بين الاحتمالات المذكورة، وأحد هذين الاحتمالين يرد أكثر من الآخر. الاحتمال الأول هو هذه الفترة المعينة من النهار، وهي الربع الأخير من النهار، وهي الفترة التي تقابل الضحى(1-عندما ترتفع الشمس كثيراً في السماء، يطلق على هذه الفترة اسم "الضحى".ثم إذا أخذنا النصف الثاني من النهار بعد الظهر، وقسمناه إلى قسمين، يسمى القسم الثاني باسم "العصر")
والاحتمال الثاني لا يعتبر العصر كجزء من النهار، بل كجزء من التاريخ، كأن نقول (عصر الرسول) وهذا يعني فترة من التاريخ تشمل فترة دورة حياة الرسول، أو باعتبارات مختلفة أخرى، كأن تقوم كل مجموعة بتقسيم التاريخ إلى عصر العبودية، أو عصر
[89]
الإقطاع، أو عصر الرأسمالية، أو قد يقسم بعضهم الآخر التاريخ إلى عصر حجري، وعصر الحديد، وعصر الذرة، وعصر الفضاء، الخ ...
والحالة التي نحن بصددها هي عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي أقسم بعصر الرسول.
لطالما قلنا إن الزمان من حيث كونه زماناً لا يختلف جزء منه عن جزء آخر. فالزمان امتداد واحد من الأزل إلى الأبد، ولا فرق بين أجزائه، ولكن الاختلاف يأتي من حيث وجهة نظر الإنسان إلى أي جزء من أجزاء الزمان، فالزمان من حيث ارتباطه بالإنسان، ومن حيث ارتباط الإنسان به، يتفاوت في الاختلاف، فثمة عصر هو عصر الإنسانية والتفتح، عصر الإنسان الكامل، فلهذا العصر مثلا، لون من القدسية.
فإذا أراد القرآن أن يبين أهمية ذاك العصر، يقسم به، فيقول:أقسم بعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد يكون زمان ما، من هذا المنظور، أمّا لزمان آخر، أي إنه يؤثر في خلق زمان آخر، سواء أكان ذاك العصر سيئا أم رديئاً، أي قد يظهر عصر طيب، يكون خلال دورة التاريخ أُمّا، او أرضية للطيبة والخير على امتداد التاريخ.
أي إن الإنسان عندما ينظر إلى ذلك العصر، ويمعن
[90]
النظر فيه، يرى أن كل ما كان في ذلك العصر يلهمه الخير، والطيبة، والسعادة، أو قد يكون على عكس ذلك تماما، أي قد يكون عصرا من العصور المظلمة في التاريخ، عصر ظلام وحلوكة آسنة قذرة، مع ذلك يكون أما لعصور سود سيئة.
{وَالْعَصْرِ} قسم بذاك العصر النير، العصر المسخر للبشر، العصر المبارك الكثير الخير الذي بزغ على البشر.
أي عصر يبلغ من حيث قدرته على استيلاد البركة شأو تلك السنوات الثلاث والعشرين من عصر الرسول. ذلك العصر الذي قسم به القرآن.
{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}
سبق أن نوهنا مرارا وقلنا إن من أسس معرفة الإنسان، وأسس معرفة الإنسان التي يصدق بها القرآن، هو أن الإنسان يختلف اختلافا جوهريا وأصيلا عن كل الكائنات الحية وغير الحية، سواء أكانت دنيوية طبيعية أم مما وراء الطبيعة أو فوقها. وهذا الاختلاف هو أن الإنسان كائن يولد في هذه الدنيا بالقوة، لا بالفعل. فما معنى هذا؟ إذا نظرنا إلى الإنسان عند ولادته نجده كائنا كاملا من حيث أجهزته وأعضائه( أي إنه ولد مصنوعا) اذ أنه قبل أن يولد من أمه، يتكامل عنده جهاز البصر، وجهاز
[91]
السمع، جهاز التنفس، وجهاز الدورة الدموية، ويداه، ورجلاه ويكمل كل هيكله، مثل السيارة التي تخرج من المصنع، إلا أن الإنسان بإنسانيته، لا بكمال أعضائه. إنه إنسان له شخصيته، وهذه الشخصية هي التي تبدأ بالتكون، أي إنها تشرع بالتكامل ابتداء من بدء صناعته. فالإنسان من حيث شخصيته أضعف الحيوانات.
قارن بين قطة حديثه الولادة وطفل حديث الولادة، ترى أن القطة متقدمة على الإنسان عمليا، أي من حيث الإدراك والفهم، ومن حيث تمكنها من العناية بنفسها.
ولا يصدق هذا على القطة الصغيرة فحسب، وهي أضعف إدراكا من باقي الحيوانات، بل إنه أصدق على وليد البقر والحمار منه على وليد الإنسان {..وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}(النساء/28). فالطفل عند ولادته يبدأ من الصفر من حيث الشخصية، ثم تأخذ شخصيته بالتخلق شيئا فشيئاً في أحضان أمه وأبيه وفي محيطه الاجتماعي، ويصل تدريجيا إلى مرحلة الرشد والبلوغ الفكري، وإلى مرحلة التمييز والاختيار، ثم يكون هو الذي يختار لنفسه طريقه، وهذا أهم من كل أمر.
[92]
من هنا نصل إلى أحد الفروق الأساس بين الإنسان وغير الإنسان. إذا ما تعرض المولود الذي يولد مصنوعا كاملا إلى الأذى، يكون ذلك من الخارج، فالحيوان يتعرض إلى الأذى إذا منع عن الطعام، أو اذا أتته ضربة من الخارجي كأن تقطع يده، أو رجله، أو يقتل.
فعامل الخسران هنا من الخارج، وهو الذي تسبب في إيصال الضرر إلى الحيوان. إما الإنسان، وفي مرحلة ما قبل التأثر بالعامل الخارجي، وقبل أن تصل إليه آفة من الآفات، تكون خسارته الأولى في كونه لم يكتمل صنعه بعد. إن الإنسان هو المسؤول عن صنع شخصية، أي إنه إنسان بالقوة.
إن سنة الطبيعة هي التي صنعت من القطة قطة، ومن الكلب كلبا، أي إنها خلقته بصورة كلب، وكذلك الفأره خلقتها سنة الطبيعة فأرة، وهكذا وردة الشمعدان، وغيرها.
إنما الإنسان هو وحده الذي اذا أراد أن يكون مصداقا لنوعه، فعليه أن يصنع نفسه أنسانا بنفسه، فإن لم يصنع، فقد مُني بأفدح الضرر.
فما الذي يجعل الإنسان أنسانا؟ بم تكون إنسانية الإنسان؟ بالهيئة؟ إنها مشتركة بين الإنسان والحيوان.
[93]
تَنِ آدمي شريف استْ به جان آدَميت
نَه هَمين لِباس زِيبا استْ نِشان آدَميت
اكر آدمي بِجشْمَ اَستْ وَزبانُ وَكوشُ وبيني
جه فرقِي ميان نقش ديواراست وميان آدميت
"جسم المرء يشـرف بروح الإنسـانية
فليس الرداء الجميـل دليلاً على الإنسـانية
فإذا كان المرء بالعين واللسان والأذن والأنف
فما الفرق بين نقش على الجدار والإنسانية؟"
فالإنسان ليس بالصورة الخارجية، ولذلك تجد الفرق أحيانا بين إنسان وإنسان ما بين السماء والأرض.
خذ النبي وأبا جهل من حيث الهيئة الخارجية للمقارنة، فهل كان للنبي قلبان ولأبي جهل قلب واحد؟ كلا ليس بينهما من حيث الأعضاء فرق بالمرة. إلا أن موسى من حيث إنه موسى، وفرعون من حيث أنه فرعون، يختلفان. أي إن الفرق بين الشخصية الموسوية والشخصية الفرعونية مثل الفرق بين السماء والأرض. خذ أبا ذر ومعاوية وقارن بينهما. كان كلاهما إذا دخلا مجلسا لم يعرفهما أحد. فهل لو نظر أحد إلى جبين أبي ذر وجد اسمه منقوشا عليه؟ كلا، بل لعل الناس كانوا يخلطون
[94]
بينهما، ولا يعرفون من منهما هذا ومن منهما ذاك. ولكن كان أبا ذر كأنه من طينة ومعاوية من طينة أخرى، وهذا اختلاف يتصل بالشخصية.
وعليه فإن الإنسان هو المسؤول عن نفسه، عن صيرورته إنسانا، وعن بقائه إنسانا.
والإنسان يصنع نفسه بعمله، يكون إنسانا بنوع عمله، فثمة أعمال تبعد الإنسان عن الإنسانية، وأخرى تقربه منها.
هذه الفكرة يطرحها القرآن قبل أربعة عشر قرنا طرحا كاملا، وقد شرحت ذلك في تفسير سورة المرسلات مفصلا.
ولكن القرآن ينظر إلى إنسانية الإنسان من جانبين:
جانب الإيمان وجانب العمل. والإيمان هو نفسه ركن وقاعدة. إن فلسفات هذا العصر لا تثمين الإيمان تثمينا ذاتيا ولا تثمينا أصيلا. صحيح إنها تقول بلزوم الفكر الجيد والإيمان الجيد، ولكنها ترجعهما إلى ذهنية الإنسان، وتقول إن قيمة الذهنية تكمن في مقدار حثها الإنسان على العمل، أي إن للتقويم مقدمة. كان هذا هو رأي بعضهم في صدر الإسلام، ومنهم الخوارج.
[95]
لاشك إن رأي القرآن مختلف. فمعرفة الله في القرآن لازمة بقطع النظر عما ينتج منها من عمل (وهي لا ريب منشأ كل عمل) فلو فرضنا إن معرفة الله منفصلة عن أي عمل، فإنها بحد ذاتها نصف الإنسانية، إن لم نقل كلها.
الإيمان بالله، الإيمان بالأول، الإيمان بالمعاد، الإيمان بالآخرة، الإيمان بالوسط (الدنيا)، ترى ما دورها في العمل، وما الموضع الذي ينبغي أن نتخذه في هذه الدنيا؟
إن معرفة هذه الأمور في نظر القرآن تتلخص في القرآن بأن الإيمان والعمل لا يمكن الفصل بينهما. ألا ترى كم يرد في القرآن.
{..آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..}(البقرة/25).
إن آيات كهذه تتكرر بحيث إن المرء كلما قرأ {آمَنُوا} انتظر أن يرى وراءها{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. ليس صحيحا القول بأن على الإنسان أن يكون ذا إيمان قوي ثابت، ولا يهم بعد هذا إن كان يعمل أولا يعمل. {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(الحجر/99). أي ثابر على عبادة الله إلى أن تبلغ مرحلة اليقين في الإيمان، فإذا بلغت هذه المرحلة، يبدأ الشيطان يوسوس لك قائلا: ما لك
[96]
وللعمل وما نفعه لك؟ وفي إزاء هذه يوجد أناس (كالخوراج في صدر الإسلام) يعتقدون بضرورة العمل، بصرف النظر عن إيمانهم وعدم إيمانهم. ولهذا يقولون إنه إذا وجد في أي مكان من العالم أناس يعملون مثلما يعمل المسلمون، حتى وإن لم يكونوا يعرفون الله، وحتى لو لم يؤمنوا بالمعاد، فإنهم، بعملهم الصالح، يكونون قد وصلوا إلى ما كان الرسول يدعوهم إليه، ووصلوا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ولا فرق بينهم وبين المسلمين، فما الإيمان إلا مقدمة! ولكن الإيمان ليس مقدمة البتة. لا الإيمان مقدمة ولا العمل. بل هما ركنا سعادة الإنسان.
أما وقد عرفنا إن الإنسان ليس كائناً كامل الصنع، وإن هذا هو أساس خسرانه، فأننا لا بد ان نعرف أيضا إنه إذا أراد إتقان صنعه لأمكنه ذلك بأمرين اثنين: الأول نظري والآخر عملي، الأول من نوع المعرفة، والثاني من الإيمان، الإيمان بالله، بالأنبياء، وبالملائكة، وبالرسل، والكتب، الإيمان باليوم الآخر، وبالامام القائد. وهذه كلها من أصول الدين. فأولاً معرفة هذه الأمور والاعتقاد بها، وإدراكها، وثانياً العمل.
أذن{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
[97]
الصَّالِحَاتِ}.
فما هو العمل الصالح. وأي تعبير هذا؟ إن الفقهاء وعلماء الأصول مصطلحات، منها: العناوين الأولية والعناوين الثانوية، أي ما يذكرونه أحيانا بعنوانه الأصلي، مثلا الصلاة، وهو العنوان الذي يطلق على هذا العمل، أو الإحسان إلى الناس، وهو اسم لهذا العمل، ونقول الزكاة اسما لهذا العمل، او الإحسان إلى الناس، وهو إسم لهذا العمل، ونقول الزكاة إسما لهذا العمل، وهكذا الصوم، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنفاق والصدق، والصداقة الخ.. ولكن الأعمال، كما تعلمون، تختلف باختلاف أحوال الفرد. فكيف؟ أي إن أمراً ما في لحظة ما يكون واجباً عليك، وفي لحظة أخرى يكون مستحباً، وفي لحظة ثالثة يكون المستحب نفسه مختلفا.
مثال: لنفرض إنك مدين إلى دائن، مدين ديناً شرعيا لدائن شرعي يصر على تسدسد دينه، قائلا إنه محتاج ولا بد لك من تسديد المبلغ، فتقول له: إنتظر حتى أقيم الصلاة، ثم أدفع لك المبلغ. فيقول: لا أنتظر. أعطني حقي ثم صلّ. أو لنفرض أنك وقفت تهم بالصلاة. وإذا بمريض في بيتك في حالة حرجة، فماذا تفعل، فيما إذا لم يكن وقت الصلاة قد فات؟ فهل
[98]
الصلاة في هذين ا لظرفين عمل صالح؟ تكون الصلاة عملا صالحا إذا سددت دينك أولا ثم أقمت الصلاة.
أما إذا أخذت تجادله وتقول له: هل أنت أصبحت أكبر من الله؟ إن الله أكبر منك، فهل تريدني أن أؤجل دين الله وأسدد دينك؟ كلا، أريد أن أصلي أولا. هذا خطأ، وإن صلاتك هذه ليست عملا صالحا، لأن وقتها لم يكن قد فات بعد. إذهب وسدد دينك ثم صلّ.
كذلك الأمر فيما يتعلق بالمريض. اذ عليك أن توصل المريض إلى الطبيب، ثم تقيم الصلاة. وهذا ما يطلق عليه إسم العنوان الثانوي، وهو يتغير بتغير أحوال الأفراد، أو بتغير الظروف الاجتماعية. إنني الآن قد اتخذت طريقي، سواء أكنت على صواب أم على خطأ، وسواء إذا وبخت أم لا، المقصود هو إنني سواء إذا كنت سليما ي تشخيصي أم لم أكن، على كل حال، فقد مشيت، وتعلمت هذه الكلمات المعدودة من العلوم الدينية، وأنت درست الطب، ولم يعد أمامنا كلينا، ونحن في هذه السن، مجال للعودة إلى البداية، لابدأ أنا بدراسة الطب، وتدرس أنت العلوم الدينية. إن مهنة الطب مهنة ضرورية للمجتمع. ووظيفة الأرشاد الديني أيضا وظيفة لازمة للمجتمع. ولكن ما هو واجبي اليوم؟
[99]
واجبي هو أداء ما أستطيع أداءه جيدا وما هو واجبك أنت؟ هو أداء ما تستطيع أن تؤدية على خير وجه.
ولكن لنفرض أن أحدا درس وتخصص في الاقتصاد، مثلا، ولكنهم يجعلونه وزيراً للصحة، والذي درس الطب يعطونه وزارة الاقتصاد. هذا بالطبع مفيد في إرباك الأمور. إن العمل الصالح هو العمل الذي تستطيع أن تؤديه علي خير وجه، لا أن تعرفه جيدا، بل أن تؤديه جيدا.
ولهذا يستعمل القرآن تعابيره الخاصة، مثل العمل الصالح، وهو العمل اللائق، وللياقة بالطبع مفهوم نسبي، متغير، يختلف باختلاف الأزمنة، ويختلف باختلاف الأشخاص.
فلنفرض أن عددا من الطلاب يريدون الذهاب للدرس، فيخضعونهم إلى امتحان التقدير للتعرف على ميولهم واستعداداتهم، فمنهم من يميل إلى الآداب، ومنهم من يريد الرياضيات، وآخر الطبيعيات.
والعمل الصالح هو أن يسلك الطالب ذلك المسلك الذي يجد إنه أكثر استعدادا لتقبله من غيره. فإذا قال الذي استعداده للرياضيات إنه يريد دراسة الأدب، فلا
[100]
يكون هذا عملا صالحا. العمل الصالح هو أن تسير على وفق استعدادك. وعلى ذلك فان آية {عملوا الصالحات} تبين إن على الإنسان ان يعمل، وإن عمله يجب أن يكون مناسبا، أي يجب أن يزن الظروف التي يعيش فيها، فيختار العمل الذي يكون أصلح للناس والمجتمع.
وعليه، فان {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تبين مسألة العمل، وفي الوقت نفسه تبين الواجب الملقى على عاتق الإنسان. أي ان المؤمنين عمال ويعرفون الواجب أيضا، فهم يدركون واجبهم وما يجب عليهم أن يعملوا في الظروف الآنية التي هم فيها، وكيف يجب أن يعملوا.
هكذا يكون الموضوع قد استبان، وهو: يا أيها الإنسان ليس خسرانك أن يصيبك ضرر من الخارج، فهذا يصيبك ويصيب غيرك من الكائنات، ولكن خسرانك يأتي قبل ذلك. إن خسرانك اليوم يكون فيما إذا لم تصطنع نفسك حسبما يقتضيك الإيمان والعمل، ولم تجعل من نفسك إنسانا واقعيا. فهل ينتهي الأمر عند هذا؟ كلا، ثمنه شيء آخر، وهو: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}
هنا يقول القرآن: أيها الإنسان إنك لست كائنا
[101]
فرديا، بل أنت كائن اجتماعي، فلا تظنن أنك قادر على حمل أثقالك بمفردك، أي إنك لن تستطيع أداء عملك الصالح وحدك. فإذا لم تكن الظروف الاجتماعية مواتيه، فإنه لا يقول: يستحيل القيام بعمل. صحيح إن العمل لن يكون سهلا وإن تعب المرء قد يصبح أضعافا مضاعفة، ولكنه لن يكون مستحيلا، كأن يحاول المرء أن يسبح بعكس تيار الماء. فإذا كان ماهراً في السباحة، فإنه يستطيع السباحة، ولكن ما مقدار هذه الاستطاعة؟ فقد يسبح عشرة أمتار، أو عشرين، أو مئة او ألف متر! ثم تتقطع به الأنفاس، ويتعب.
كلا، فلنتعاون مع الآخرين.
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى..}(سبأ/46).
أي إنني أنصحكم في جملة واحدة. قوموا في سبيل الله، اثنين اثنين، أو فردا فردا. أي إذا لم يعثر الإنسان على الثاني، فلا ييأس ويظن أن القيام لم يعد ممكنا. والقضية لا تقتصر على الاثنين فقط. كلا إبحث عن أفراد آخرين، وكونوا إثنين، أو ثلاثة، فإن لم يمكن فقم بالأمر منفرداً.
[102]
{وتواصوا بالحق} وتواصوا من الوصية، والوصية في اللغة تعني العهد والإيصاء، وتكون في حياة الرجل أو بعد مماته، فهي الوصية.
أمير المؤمنين كثيرا ما يردد في نهج البلاغة "أوصيكم عباد الله..." أي أعهد إليكم أيها الناس، وأنصحكم، ولا يعني إنكم أوصيائي من بعدي.
و{تواصوا} من أفعال المشاركة، من باب تفاعل، أي أن يقوم بالفعل طرفان يتبادلان الفعل. ففي العربية إذا قلنا (ضرب). يكون هناك شخص ضارب، وشخص آخر (أو شيء آخر) مضروب. لكن بقولنا تضارب الرجلان، نعني إن كلا من الرجلين كان ضاربا ومضروبا، أي إن إحداهما ضرب الآخر وبالعكس.
و{تواصوا} تعني التوصية المتقابلة. فما معنى التوصية المتقابلة؟ معناها مراقبة الناس، كأن أراقبك دائما وألاحظ أعمالك، وألفت نظرك كلما لا حظت منك غفلة: انتبه! وكذلك تقولها أنت لي ولغيري، وهكذا يتبادل الناس التحذير والتنبيه...
إن الأفراد أشبه ما يكونون بالجنود الذين يحاربون في ساحة واحدة؟ فيحسون لو أن أحدا من الأعداء انسل إلى
[103]
صفوفهم، لأنزلوا به ضربة قاصمة.
إذن {تواصوا بالحق} تقول: أيها الإنسان إنك في خسران ما لم تبن نفسك بالإيمان وبالعمل، لا منفردا، بل عليك أن تسعى لبناء الآخرين معك، ويكون كل منكم عونا للآخر.
{تواصوا بالحق} تعني إن المؤمنين يملك أحدهم الآخر، ليس للمنفعة المادية، بل كل منهم ظهير للآخر في سبيل الحق.
* * *
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا..}(آل عمران/200). يا اهل الإيمان، جاهدوا وقاوموا.
{..وَصَابِرُوا..}(آل عمران/200). من باب المفاعلة، أي فليكن لكم صبر متقابل، أي عليك أن تحمل صاحبك على الصبر، ويحملك صاحبك عليه، أو أن صبرك ينعكس فيه، وصبره فيك. ولعل هذا هو المقصود من (تواصوا بالصبر). فأنت تحمله على الصبر بقولك وفعلك، وهو كذلك يفعل.
{..وَرَابِطُوا..}(آل عمران/200).حسبما جاء في تفسير الميزان، يعني التواصل بالحق، أي: إيها المؤمنين فلتكن الروابط فيما
[104]
بينكم متينة مستحكمة.
لقد ظهر في هذا الزمان شيء اسمه الحزب، فما معنى الحزب؟ معناه انعقاد عهد مدرك بين الأفراد، ومعونة بعضهم بعضا، وتقسيم الواجبات فيما بينهم. والكلمة من لغة القرآن.
{..أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة/22).
لقد ورد في القرآن اسم حزب الله في قبال حزب الشيطان، بالمعنى الواقعي ذاته، أي إبرام العهود، الارتباطات التي نعقدها مع بعض، والمسؤليات التي نقسمها فيما بيننا، حتى لا يكون العقد الذي يعقده بضعه جواسيس ممن يتزيّون بلباس الدين أقوى آصرة بحيث أنهم يدركون أنه لو وجد أحدهم في أقصى قرية من آذربايجان وكانت به حاجة إلى شيء في طهران لأوصلوها إليه، بينما لا نكون على علم بما يجري من حولنا، ولا نعلم شيئان عن أحوال جيراننا. هذا يخالف دستور القرآن الذي يقول {ورابطوا}.
إن هذه المعاني وضعت في هذه السورة، مثل القسم بالعصر، العصر الذي يمكن أن يكون ولودا لعصور أخرى، العصر المشعشع الذي يلد عصورا مماثلة، ويصل إشعاعه إلى أزمنة أخرى، بحيث إن جلستنا هذه التي
[105]
نتذاكر فيها تكون من بركات ذلك العصر {والعصر} قسم بذاك العصر المشعشع المليء بالبركات، عصر رسول الله.
إن الإنسان ما دام لم يصنع نفسه بالإيمان والعمل الصالح، فإنه في خسران. ومن هنا يكون اختلاف الإنسان عن المخلوقات الأخرى، وهذا موضوع له ذيول كثيرة.
كيف يُصنع الإنسان؟ أبالعمل وحده، أم بالإيمان وحده، أم بهما كليهما؟ هل العمل مفهوم مطلق، وهل هو نفسه في كل مكان؟ أم إنه يتبدل لحظة بلحظة؟ إن له قبل خمس دقائق صورة، وبعد خمس دقائق له صورة أخرى.
ههنا رجل يقع في حوض ويكاد يغرق، فهنا تحرم عليّ الصلاة. على أن أنقذه فورا. على الإنسان إذن أن يعرف واجبه، وأن يعرف ما هو العمل الصالح. يجب أن يميز بين المهم والأهم من الأمور. نعم، عليه أن يدرك أن الإنسان ليس فردا منفردا، بل كائن اجتماعي.
{وتواصوا بالصبر} عليه أن يعرف أنه لكي يثابر ويستمر، لا بد له من الصبر، ولا بد له من المقاومة، ولا بد له من أن يتحمل الكثير حتى تناله نصرة الله.
[106]
إنني أوصيكم بالحق دائما أرشدكم، وأنتم كذلك.
إنه لمن الخطأ أن ننظر إلى الوعظ على أنه مجرد مهنة من المهن. ولا أعني بهذا أن الحاجة منتفية لها. إنما نحن نريد من ينصحنا ويرشدنا. وهذا لا يتطلب حتما أن يكون هذا الشخص قضى سنوات يدرس العربية، معمما يصعد المنبر، ثم يقول: أعوذ بالله من ا لشيطان الرجيم، ثم يبدأ بالوعظ والأرشاد! ليس الأمر هكذا. علينا جميعا أن نكون وعاظا {وتواصوا بالحق} وليرشد بعضكم بعضا إلى الحق.
الموضوع الآخر هو صعوبة المسألة وإدامتها، ففي الآية الأولى من سورة الملك المباركة نقرأ:
{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(الملك/1،2).
يشرح أئمتنا هذه النقطة في القرآن قائلين: انظروا، لم يقل الله (أكثر عملا) بل قال {أحسن عملا}. أي أن القرآن يعني بالكيف لا بالكم، فالكيفية بالدرجة الأولى. وهنا يضيف أئمتنا قائلين: البقاء على العمل أصعب من العمل. أي أن إدامة العمل أصعب من العمل نفسه، وذلك لأن المرء قد تنتابه رغبة مفاجئة، ويتشوق للقيام بعمل صالح، وتكون هذه الحالة عابرة،
[107]
سرعان ما تخبو.
لقد طرق سمعي قبل فترة أن شخصا بعيدا عن خط الإسلام قد التقى رجلا صالحا، فاستطاع هذا أن يعود بالرجل إلى طريق الصلاح، وقد سمعنا أيضا أن هذا قد تقدم حثيثا في طريق الخير بحيث أننا رحنا نغبطه. ولكننا ما لبثنا حتى سمعنا بأنه قد رجع القهقهري رجوعا عجيبا، حتى أنني لم أصدق قولهم أنه قد ترك الصلاة.
علينا أن ينبنه بعضنا بعضا إلى عشرات الطريق. أننا نحتاج إلى الصبر، وإلى المقاومة. يقول القرآن إن المؤمنين السعداء لا يفتأون يتواصون: أخي، احذر أن ينفذ صبرك، وأن ينتابك الملل، عليك بالمثابرة، فما زالت في الطريق عثرات كثيرة.
{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
فبالإضافة إلى التوصية بالحق، يوصي القرآن بالصبر على الشدائد: البقاء على العمل أصعب من العمل.
قد يخدع الشيطان الإنسان، يخدع نفسه الأمارة، فيثق المرء بنفسه، ويستبعد نكوصه، مع أن أناسا أرفع منا قد انخدعوا بذلك، وضلوا السبيل. وعليه فإن الإيمان والعمل الصالح، كما يقول المفسرون، يتضمنان التواصي بالحق والتواصي بالصبر، لأنهما جزء من العمل
[108]
الصالح، ولكن القرآن ينص تخصيصا، قائلا: أيها الإنسان، إنك كائن اجتماعي، فلا تظنن أنك قادر على أن تنهض بحملك وحدك، أو أن تعبر البحر بمفردك، بل عليك أن تضع يدك بيد الآخرين لتنجو، عليك أن تتعاون وأن تتحرك مع غيرك، ولا تنس أن الاستمرار في العمل أصعب من البدء به.
إن كلمات أمير المؤمنين عليه السلام عجيبة. يظن المرء، وهو يحارب تحت لواء النبي، أنه منتصر دون ريب، ولكننا إذا لم نمر بالاختبار فردا فردا، واذا لم نصبرن وإذا لم تبرز إرادتنا وقدرتنا على ضبط النفس، فإن الله لا يسبغ علينا نصره.
ثم يصف الإمام كيف كانوا يناجزون المشركين، وكيف أنهم كانوا ثابتين ويقاومون.
"مرة لنا ومرة لعدونا. فلما رأى الله منا الصبر أنزل علينا النصر" نقرأ في سورة السجدة:
{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا..}(السجدة/24).

والسلام