هذا الكتاب الإلكتروني من منشورات شبكة الكوثر الإسلامية في الإنترنت
www.al-kawthar.com/maktaba

بسمه تعالى

- موضوع اصلى : 2032 -

/ صفحة 1 /
تفسير جوامع الجامع للمفسر الكبير والمحقق النحرير الشيخ ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره من أعلام القرن السادس الهجري الجزء الاول تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

/ صفحة 2 /
شابك 5 - 158 - 470 - 964 5 - 158 - 470 - ISBN 964 جوامع الجامع ( ج 1 ) تأليف : المفسر الكبير الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الاسلامي الموضوع : تفسير عدد الاجزاء : 3 أجزاء الطبعة : الاولى المطبوع : 2000 نسخة التاريخ : 1418 ه‍ . القيمة : 1560 تومان مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

/ صفحة 3 /
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير من بعثه بالرسالة محمد ( صلى الله عليه وآله ) الطيبين الطاهرين . وبعد ، لا شك أن للقرآن دور بارز وفعال في حياة المسلمين ، إذ به اندكت قلاع الضلال وهدمت بيع المضلين ، وبه اهتدت الإنسانية إلى سبيلها الذي رسمته السماء ، ودعا إليه الأنبياء ، فكان من الطبيعي أن تبرز اهتمامات المسلمين له ، وتميل توجهاتهم إليه ، وأن يبالغوا في اهتمامهم به بحيث يقل مثيله في الديانات الاخر ، وينقطع نظيره في الكتب السماوية الاول . ومن أبرز اهتمامات المسلمين للقرآن هو خوض علمائهم الأعلام في ميدان التفسير ، لما لمسوا في كلماته من أسرار خفية ، وحقائق ثمينة تستحق أن تستجلى وتكشف للآخرين ، فطفق بعض يبحث في معاني سوره وآياته ، واعتكف آخرون يستجلي حقائقه من كلماته ، وانطلق ثالث يستخرج مفاهيمه وموضوعاته ، ثم عرضها على الناس بأوضح تعبير وأجلى بيان ، بالتدريس تارة وبالتصنيف اخرى ، فخلفوا خزانة ضخمة ضمت بين مطاويها ثروة علمية فخمة ، أغنت المكتبة الإسلامية عن حاجتها الى غيرها . ومن هؤلاء الأعلام أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي المفسر الذائع الصيت ، صاحب المؤلفات الفائقة ، والمصنفات الرائقة كما حكاه عنه الفاضل النوري ، ومن جملتها هذا الكتاب - الماثل بين يديك عزيزنا القارئ - الذي لا يقل

/ صفحة 4 /
شهرة عن تفسيره الكبير " مجمع البيان " والصغير " الكاف الشاف " والذي جعله وسطا جامعا بينهما ، وأضاف إليه كل ذي فائدة وجدها في كتاب الكشاف للعلامة الزمخشري بعد اطلاعه عليه ، فخرج كتابا جامعا بين فوائد هذه الكتب على وجه الاختصار كما صرح هو به في مقدمته . ونظرا لأهمية هذا الكتاب وما امتاز به ، وعدم وجود طبعة محققة وموثقة منه ، أقدمت مؤسستنا - كعادتها - على إخراجه بحلة جديدة ، وطبعه بطبعة أنيقة ، حاوية على موارد تفيد طلاب العلم وتنفع الباحثين ، ويمكن أن تكون موضع استفادة للمؤسسات والمراكز المعنية بهذا الفن . ونحن إذ نفخر أن نقدم هذا الكتاب بهذه الحلة القشيبة بأجزائها يهمنا أن نؤكد أننا بصدد الاهتمام بامهات كتب التراث الإسلامي ، والعمل على إخراجها ونشرها تباعا ، بلا كلل أو ملل ، خدمة للعلم والدين . وبالوقت الذي تقدم مؤسستنا هذا السفر القرآني الشريف الى هذه الامة تود أن تقدم شكرها وتقديرها لجميع الاخوة الأعزاء الذين بذلوا قصارى جهدهم في إنجاز هذا المشروع القيم ، فجزاهم الله تعالى خير جزاء المحسنين ، كما تدعو شبابنا الى الاهتمام به والتمسك بجوانبه في ظروف اشتدت الحاجة الى العودة الى الينابيع الصافية : القرآن الكريم ، والسنة الشريفة الصحيحة عن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وخلفائه الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) وصحبه المنتجبين ومن تابعهم على ذلك بإحسان ، من أجل إعلاء كلمة الحق دوما ودحض كلمة المبطلين . مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

/ صفحة 5 /
مقدمة التحقيق مقدمة التحقيق مقدمة التحقيق : بسم الله الرحمن الرحيم " كتاب الله عز وجل على أربعة أشياء : على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق ، فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء " . الحسين بن علي ( عليه السلام ) الحمد لله الذي أنزل على عبده القرآن ، وجعله كتابا ساطعا فيه تبيانا لكل شئ ، والصلاة والسلام على النبي الامي المكتوب اسمه في التوراة والانجيل أبي القاسم محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وعلى آله الميامين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . وبعد ، فقد مرت على الإنسانية حين من الدهر وهي تتخبط في الضلال وفوضى الأخلاق وتنازع الأهواء ، ثم أراد الله سبحانه لهذه الإنسانية التائهة أن ترقى بروح منه ، وتسعد بوحي من لدنه ، فبعث رسولا صادقا أمينا من عنده ، لا ينطق عن الهوى بل عن وحي يوحى ، فكانت البداية من غار بعيد عن مكة ، حيث لم يكن يسمع فيه غير جلال الصمت وهيبة التأمل ، ومن خلال هذا الصمت انصدع نداء " إقرأ " ، ومن ثنايا هذا التأمل ارتفع النور وانتشر ، ومن بطن هذا الغار كان إيذان فجر القرآن الحكيم .

فالقرآن كتاب الله لجميع البشرية ، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل ، والخالد عبر العصور والأزمان ، إذ أن فيه نور لا يخمد ، ومواهب لا تنكد ، وعطايا

/ صفحة 6 /
لا تنفد ، فكما أنه الكتاب الرابط بين الخالق وخلقه ، فكان مبشرا للمؤمنين ومنذرا للكافرين ، كذلك هو المبين لأحكام الله وشرائعه ، فكان ذا بطون عديدة وتأويلات مختلفة ، ثم حث الناس على اقتفاء أثر هذه البطون واستجلاء حقائقها وبيانها للناس ، فقال عز من قائل : * ( أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها ) * ( 1 ) ، وقال عز اسمه : * ( أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا ) * ( 2 ) . ثم جاءت السنة النبوية الشريفة لتقرر هذا الحث وتدعو له ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن هو حبل الله ، وهو النور المبين ، والشفاء النافع " ( 3 ) . وقال ( صلى الله عليه وآله ) أيضا : " إن أردتم عيش السعداء ، وموت الشهداء ، والنجاة يوم الحسرة ، والظل يوم الحرور ، والهدى يوم الضلالة ، فادرسوا القرآن ، فإنه كلام الرحمن ، وحرز من الشيطان ، ورجحان في الميزان " ( 4 ) . إهتمام المسلمين بالقرآن : ولهذا اهتم المسلمون بالقرآن اهتماما بالغا منذ صدوره من المشرع الحكيم الى رسوله الكريم ، واستمر بعد وفاته قرنا بعد قرن وحتى عصرنا الحاضر ، بحيث لم يشهد تاريخ الديانات والشرائع لها مثيلا ولا نظيرا ، ذلك أنه ما حظي كتاب في تاريخ البشرية بمثل ما حظي به القرآن العظيم عناية ورعاية من حيث : جمعه وحفظه ، وكتابة آياته ، وإعراب كلماته وضبط قراءاته ، وشرح مفرداته ، وتفسير آياته ، وبيان بديعه ، وإظهار إعجازه ، واستخراج موضوعاته ، وترجمة آياته وكلماته ، وبيان أحكامه ، وتفصيل محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ، . . . الى غير ذلك .
* ( هامش ) *
( 1 ) محمد : 24 .
( 2 ) النساء : 82 .
( 3 ) جامع الأخبار للسبزواري : ص 114 ، مستدرك الحاكم : ج 1 ص 555 .
( 4 ) أمالي الطوسي : ج 1 ص 5 ، جامع الأخبار للسبزواري : ص 115 . ( * )

/ صفحة 7 /
ومن أهم ما حظي به القرآن الكريم هو تفسير آياته ، فقد استقطب هذا الفن قسطا وافرا من اهتمام علماء المسلمين ، نظرا لدوره الكبير في مساعدته على فهم معاني القرآن الدقيقة ومفاهيمه العميقة وبسطها للناس وبالتالي تطبيقها على مختلف شؤون الحياة الفردية والاجتماعية ، ولهذا اندفع كل من اوتي حظا من الثقافة والفكر القرآني من المسلمين إلى خوض هذا الميدان الشريف بهمة وإلاخلاص ، مشمرين عن ساعد الجد لاستجلاء حقائقه واستخراج جواهره ، بالتدريس تارة وبالتأليف اخرى ، فطلعوا على الناس بمكتبة قرآنية عامرة لا تقدر بثمن . اهتمام الإمامية بالتفسير : ولم يكن اهتمام الإمامية يقل عن اهتمام جمهور المسلمين في القرآن وتفسيره ، فقد خاض علماؤهم وفضلاؤهم في هذا الميدان بجد وإقدام ومنذ صدور الإسلام ، فقاموا بتأليف كتب التفسير ، وما زالوا حتى عصرنا الحاضر ، بل كثير منهم لم يكتف بتأليف تفسير واحد حتى ضم إليه آخر ( 1 ) ، فطلعوا على الجمهور بمكتبة قرآنية زاخرة أثارت دهشة الباحثين ، واستجلبت ثناء المتتبعين ، ذلك لأنهم قد أخذوا علوم القرآن وتبيين معانيه عن أئمتهم ( عليهم السلام ) وكتبوا على هداهم . والمتتبع لهذه المؤلفات يجد أن اهتمام الإمامية بتفسير القرآن مضى على شكلين : الأول : التفسير بالأثر والرواية ، وكأنهم كانوا يجتنبون عن تفسير القرآن تفسيرا تحليليا احترازا من وصمة التفسير بالرأي التي جاءت بعض الأخبار في لعنه ( 2 ) ، ومن نماذجه : ( 1 ) تفسير علي بن ابراهيم القمي ( 2 ) تفسير محمد بن مسعود العياشي ( 3 ) تفسير البرهان ( 4 ) تفسير نور الثقلين ( 5 ) تفسير كنز الدقائق . الثاني : التفسير العلمي التحليلي ، منضما إليه ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة
* ( هامش ) *
( 1 ) ذكر أسماء بعض هؤلاء الأعلام الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة : ج 4 ص 233 - 234 فراجع .
( 2 ) انظر ميزان الحكمة : ج 8 ص 95 - 96 . ( * )

/ صفحة 8 /
الأطهار ( عليهم السلام ) ، ولعل الباعث الى ظهور هذا الشكل من التفسير هو الإحساس بالحاجة إليه ، نظرا للتطور الفكري الحاصل ، وحاجة الناس الى معان ومفاهيم جديدة تتناسب ومتطلبات الوضع الثقافي الجديد ، كل ذلك بسبب احتكاكهم بالامم الاخرى من جهة ، وبروز ضرورات اجتماعية وفكرية جديدة الذي كان لها الأثر الفاعل في تنمية الذوق العام من جهة اخرى . ولعل أول من خاض هذا المضمار السيد الشريف الرضي ، فألف كتابه " حقائق التأويل " في عشرين جزءا ، ثم أخوه الشريف علم الهدى في أماليه وسماه ب‍ " الغرر والدرر " في جزئين ، ثم من بعدهما الشيخ الطوسي فألف " التبيان " ( 1 ) ، ثم صار من بعد ذلك منهجا متبعا وشائعا في كتب التفسير .
إضافة الى ذلك ، فإن هذا التطور الفكري والثقافي الحاصل عند المسلمين كان له الأثر الذي دعا علماء الإمامية الى إضافة مناهج جديدة الى تفاسيرهم ، فأدخلوا فيها : القراءات ، والإعراب ، وشرح المفردات ، وأسباب النزول ، وتفصيل القصص ، وبيان الأحكام ، ورد مطاعن المبطلين ، والاستدلال للمذهب ، وغير ذلك . وفيما يلي نذكر بعض أعلام المفسرين من الإمامية ، ممن ذاع في الأمصار صيته وشاع عند المسلمين اسمه ، على سبيل المثال لا الحصر ، وإلا فسنحتاج الى مجلدات ضخمة : 1 - سعيد بن جبير التابعي الشهيد للتشيع ، قتله الحجاج الثقفي عام 95 ه‍ ، وقصته معروفة ، ذكر تفسيره ابن النديم في " الفهرست " والشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 2 - عطية بن سعيد ( أو سعد ) العوفي الجدلي الكوفي ، عده البرقي والشيخ من أصحاب الباقر ( عليه السلام ) ، له تفسير في خمسة أجزاء ، ينقل عنه أبان بن تغلب وزياد بن المنذر كما ذكره النجاشي في ترجمتهما ، توفي عام 111 ه‍ .
* ( هامش ) *
( 1 ) وقد قامت مؤسستنا بتحقيقه وطبعه في حلة قشيبة ، خرج بعض أجزائه الى النور .(* )

/ صفحة 9 /
3 - السدي الكبير اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي التابعي الكوفي ، من أصحاب السجاد والباقر والصادق ( عليهم السلام ) ، ذكره الشيخ في رجاله قائلا : المفسر الكوفي . وقال السيوطي في الإتقان : إن تفسير إسماعيل السدي من أمثل التفاسير . توفي عام 127 ه‍ . 4 - جابر بن يزيد الجعفي ، لقي الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، ذكره الشيخ في " الفهرست " : أن له كتاب التفسير . توفي عام 128 ه‍ . 5 - زيد بن أسلم العدوي ، عده البرقي والشيخ في رجاله أيضا من أصحاب السجاد والصادق ( عليهما السلام ) ، وذكر ابن النديم : أن له كتاب التفسير . توفي عام 119 ه‍ ، وقيل : 124 ه‍ . 6 - أبان بن تغلب بن رباح البكري الجريري ، لقي السجاد والباقر والصادق ( عليهم السلام ) وروى عنهم ، وكانت له عندهم منزلة وقدر ، ذكر النجاشي : أن له كتبا ، منها تفسير " غريب القرآن " . توفي عام 141 ه‍ . 7 - محمد بن السائب الكلبي ، من أصحاب الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، وهو والد أبي المنذر هشام الكلبي النسابة المعروف ، ترجمه ابن النديم وذكر تفسيره وقال : هو تفسير كبير . توفي عام 146 ه‍ . 8 - أبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية ، لقي السجاد والباقر والصادق والكاظم ( عليهم السلام ) وروى عنهم ، وكان من خيار أصحابنا وثقاتهم ، ذكر النجاشي : أن له كتاب تفسير القرآن . توفي عام 150 ه‍ . 9 - زياد بن المنذر ، أبو الجارود الهمداني ، من أصحاب الباقر ( عليه السلام ) ، وروى عن الصادق ( عليه السلام ) ، ذكر الشيخ في " الفهرست " : أن له كتاب تفسير عن الباقر ( عليه السلام ) . توفي بعد عام 150 ه‍ . 10 - الحسن بن واقد ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) ، ذكر ابن النديم في " الفهرست " : أن له كتاب التفسير . 11 - أبو جنادة الحصين بن المخارق السلولي ، عده الشيخ من أصحاب

/ صفحة 10 /
الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) ، ذكر النجاشي : أن له كتاب التفسير والقراءات وقال : هو كتاب كبير . 12 - وهيب بن حفص ، أبو علي الجريري ، روى عن الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) ، وكان ثقة ، ذكر النجاشي : أن له كتبا ، منها كتاب تفسير القرآن . 13 - عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني ، ترجمه الذهبي وأطرى عليه ووثقه وقال : ونقموا عليه التشيع . عده الشيخ من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) ، له مصنفات ، منها كتاب التفسير ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " وقال : إن تفسيره هذا من أقدم تفاسيرنا الموجودة في العالم ، ويعد من مفاخر الشيعة وآثارها الخالدة الباقية حتى اليوم ، فإن سائر التفاسير المؤلفة لأصحابنا قبل هذا التفسير ، كتفسير سعيد بن جبير ، وتفسير السدي ، وتفسير محمد بن السائب الكلبي ، وتفسير أبي بصير ، وتفسير أبي الجارود ، وتفسير جابر بن يزيد الجعفي ، وتفسير أبي حمزة الثمالي ، وغيرها من تفاسير الأصحاب السابقة عليه كلها مما لم نطلع على وجود عينها في عصرنا هذا . 14 - الحسن بن محبوب الكوفي ، روى عن الرضا ( عليه السلام ) ، وكان جليل القدر ، ذكر ابن النديم : أن له كتاب التفسير . توفي عام 224 ه‍ . 15 - الحسن بن علي بن فضال الكوفي ، عده الشيخ والبرقي من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) خصيصا به ، وكان جليل القدر ، ذكر ابن النديم : أن له كتاب التفسير . توفي عام 224 ه‍ . 16 - الحسن بن سعيد الأهوازي ، عده الشيخ من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) ، شارك أخاه الحسين في الكتب الثلاثين المصنفة ، منها كتاب تفسير القرآن ، ذكره النجاشي في رجاله . 17 - محمد بن خالد البرقي الكوفي ، عده الشيخ من أصحاب الرضا والجواد ( عليهما السلام ) ، ذكر النجاشي : أن له كتبا منها كتاب التفسير .
18 - عبد العزيز بن يحيى بن أحمد الجلودي البصري ، شيخ البصرة ، ذكره

/ صفحة 11 /
النجاشي من أصحاب الباقر ( عليه السلام ) وقال : وله كتب منها كتاب التفسير ، وكتاب القراءات ، وكتاب ما نزل فيه من القرآن . قيل : توفي عام 232 ه‍ . 19 - محمد بن العباس بن عيسى ، عده الشيخ في رجاله في من لم يرو عن الأئمة ( عليهم السلام ) ، وذكره النجاشي وقال : له كتب ، منها كتاب التفسير . 20 - علي بن الحسن بن فضال ، كان فقيه أصحابنا بالكوفة وثقتهم ووجههم ، وكان كثير العلم ، عده الشيخ من أصحاب الهادي والعسكري ( عليهما السلام ) ، ذكر النجاشي في رجاله والشيخ في " الفهرست " : أن له كتبا كثيرة ، منها كتاب التفسير . توفي عام 224 ه‍ . 21 - أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، صاحب " المحاسن " وهو مشتمل على عدة كتب ، منها كتاب التفسير والتأويل ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد والهادي ( عليهما السلام ) ، وذكر في " الفهرست " : أنه صنف كتبا ، منها كتاب التفسير . توفي عام 274 ه‍ ، وقيل : 280 ه‍ . 22 - محمد بن أورمة القمي ، عده الشيخ في من لم يرو عن الأئمة ( عليهم السلام ) ، ذكره النجاشي في رجاله وقال : له كتب ، منها كتاب تفسير القرآن . 23 - علي بن ابراهيم بن هاشم القمي ، استاذ الكليني ، عاصر الإمام العسكري ( عليه السلام ) ، وكان ثقة ثبتا معتمدا ، ذكر الشيخ في " الفهرست " والنجاشي في رجاله : أن له كتبا ، منها كتاب التفسير . وكان قد بقي حيا الى عام 307 ه‍ . 24 - علي بن الحسين بن بابويه القمي ، فقيه ، جليل ، ثقة ، ذكره الشيخ في باب من لم يرو عن الأئمة ، وذكره في " الفهرست " والنجاشي في رجاله : أن له كتبا كثيرة ، منها كتاب التفسير . توفي عام 329 ه‍ . 25 - محمد بن مسعود السمرقندي العياشي ، من مشايخ الكشي ، ثقة وعين من عيون هذه الطائفة ، قال الشيخ في " الفهرست " : إن له كتبا كثيرة تزيد على مائتي مصنف ، منها كتاب التفسير . 26 - محمد بن ابراهيم الكاتب النعماني ، من تلامذة الكليني ، شيخ من

/ صفحة 12 /
أصحابنا ، عظيم القدر ، ذكره الحر العاملي في " أمل الآمل " وقال : من مؤلفاته تفسير القرآن ، رأيت قطعة منه . 27 - محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد شيخ القميين وفقيههم ووجههم ، ذكر النجاشي : أن له كتبا ، منها كتاب تفسير القرآن . 28 - محمد بن أحمد بن ابراهيم الصابوني ، من قدماء أصحابنا وفقهائهم ، كان زيديا ثم عاد إلينا ، عده الشيخ من أصحاب الهادي ( عليه السلام ) ، ذكر النجاشي كتبه وعد منها تفسير معاني القرآن . 29 - أبو منصور الصرام ، من جلة المتكلمين من أهل نيسابور ، وكان رئيسا مقدما ، له كتب كثيرة ، منها كتاب تفسير القرآن ، ذكره الشيخ في " الفهرست " وقال : وهو تفسير كبير حسن . 30 - محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، نزيل الري ، من وجوه الطائفة وفقهائها ، كان جليل القدر ، ناقدا للأخبار ، ذكر الشيخ في " الفهرست " : أن له كتبا كثيرة نحو من ثلاثمائة مصنفا ، وعد منها كتاب التفسير ، وقد ذكر النجاشي فهرس كتبه . توفي عام 381 ه‍ . 31 - الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية ، صنف كتبا عديدة ، منها في علوم القرآن ، ذكرها تلميذه النجاشي في رجاله . توفي عام 413 ه‍ . 32 - الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى ، نقيب العلويين ببغداد ، له كتب عدها النجاشي في رجاله ، وله معاني القرآن ذكرها ابن شهر آشوب في " معالم العلماء " وقال : يتعذر وجود مثله . توفي عام 406 ه‍ . 33 - السيد المرتضى علم الهدى علي بن الحسين بن موسى ، حاز من العلوم ما لم يحز أحد في زمانه ، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا ، وهو من المكثرين في التأليف حول القرآن وتفسيره ، ذكرها النجاشي في رجاله . توفي عام 436 ه‍ . 34 - الشيخ الطوسي محمد بن الحسن شيخ الطائفة ، جليل القدر ، عظيم

/ صفحة 13 /
المنزلة ، أشهر من أن يعرف ، له " التبيان " في تفسير القرآن . توفي عام 460 ه‍ . 35 - اسماعيل بن علي بن الحسين السمان ، المعاصر للسيد المرتضى ، مفسر ، ثقة ، له " البستان في تفسير القرآن " في عشر مجلدات ، ذكره الشيخ منتجب الدين في " الفهرست " . 36 - محمد بن علي الفتال النيسابوري ، ثقة ، ذكره الشيخ منتجب الدين بصاحب التفسير . 37 - محمد بن الحسن الفتال النيسابوري ، ذكره ابن شهر آشوب في " معالم العلماء " ، صاحب " روضة الواعظين " و " التنوير في معاني التفسير " . 38 - الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي - مؤلف هذا الكتاب - من أكابر علماء الإمامية ومفسريهم ، وفضله أشهر من أن يوصف . توفي عام 548 ه‍ . 39 - فضل الله بن علي الراوندي الحسني ، علامة زمانه ، جمع مع علو النسب كمال الفضل والحسب ، له كتاب تفسير ، ذكره الشيخ منتجب الدين في " الفهرست "
وقال : شاهدته وقرأت بعضه عليه . وفي " تذكرة المتبحرين " : من مؤلفاته " الكافي في التفسير " ذكره العلامة في إجازته لبني زهرة . 40 - أبو الفتوح الحسين بن علي بن محمد الخزاعي الرازي ، عالم ، واعظ ، مفسر ، له تصانيف ، منها تفسيره المسمى ب‍ " روض الجنان في تفسير القرآن " في عشرين مجلدا ، ذكره الشيخ منتجب الدين في " الفهرست " ، وابن شهر آشوب في " معالم العلماء " . 41 - قطب الدين سعيد بن هبة الراوندي ، فقيه ، عين ، ثقة ، له تصانيف عديدة ، منها " خلاصة التفاسير " في عشر مجلدات ، وتفسير القرآن في مجلدين ، و " فقه القرآن في بيان آيات الأحكام " أيضا في مجلدين . توفي عام 573 ه‍ . 42 - محمد بن هارون المعروف والده بالكال ، فاضل ، جليل ، فقيه ، له كتب منها : " مختصر التبيان في تفسير القرآن " و " متشابه القرآن " و " اللحن الخفي واللحن الجلي " ، ذكره الحر العاملي في " أمل الآمل " . توفي عام 597 ه‍ .

/ صفحة 14 /
43 - محمد بن منصور بن إدريس العجلي الحلي ، فاضل ، فقيه ، شيخ الفقهاء في الحلة ، صاحب " السرائر " وغيرها ، له " مختصر التبيان " ذكره الخوانساري في " روضات الجنات " ، والقمي في " الكنى والألقاب " . توفي عام 598 ه‍ . 44 - محمد بن أبي الخير الحمداني ، عالم ، مفسر ، واعظ ، له كتب ، منها : " مفتاح التفسير " و " دلائل القرآن " وغيرهما ، ذكره الشيخ منتجب الدين في " الفهرست " . 45 - علي بن موسى بن طاووس الحسني الحلي ، عالم ، فاضل ، زاهد ، فقيه ، وهو أشهر من أن يذكر ، له مصنفات كثيرة ، منها " سعد السعود " في تفسير آيات الذكر ، ذكره الحر العاملي في " أمل الآمل " . توفي عام 664 ه‍ . 46 - أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلي ، من مشايخ العلامة وابن داود ، فاضل ، مجتهد ، ورع ، له مصنفات ، منها " شواهد القرآن " مجلدان ، ذكره ابن داود في رجاله . توفي عام 673 ه‍ . 47 - العلامة الحلي الحسن بن يوسف مطهر ، وهو أظهر من أن يعرف ، صاحب المصنفات الكثيرة والمختلفة ، وله في مجال التفسير مؤلفات عديدة ، منها " نهج الإيمان في تفسير القرآن " وهو ملخص الكشاف والتبيان وغيرهما ، و " القول الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " كما ذكره هو ( قدس سره ) في خلاصته . توفي عام 726 ه‍ . 48 - عبد الرزاق أحمد الكاشي ، فاضل ، عارف ، حكيم ، معاصر للعلامة ، له مصنفات عديدة ، منها " السراج الوهاج في تفسير القرآن " و " تأويلات القرآن " ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 730 ه‍ ، وقيل : 735 ه‍ . 49 - محمد بن محمد الرازي البويهي ، تلميذ العلامة ، واستاذ الشهيد الأول ، فاضل ، عالم ، مفسر ، له تفسيران : " تحفة الأشراف " وهو تفسير كبير ، و " بحر الأصداف " . توفي عام 766 ه‍ . 50 - حيدر بن علي بن حيدر الحسيني الآملي ، صاحب تفسير " المحيط

/ صفحة 15 /
الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم " ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " وقال : رأيته في الخزانة الغروية ، ثم ذكر : أن له ثلاث تفاسير اخر : " التأويلات " و " جامع الأسرار " و " منتخب التأويل " . 51 - أبو الفضل بن يوسف الديملي الجيلاني ، فاضل ، عالم ، مفسر ، له تصانيف ، منها تفسير القرآن في مجلدين ضخمين ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 52 - الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري الحلي ، تلميذ الشهيد الأول ، عالم ، فقيه ، محقق ، مفسر ، له مصنفات عديدة ، منها تفسير " مغمضات القرآن " ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 826 ه‍ . 53 - الحسن بن محمد بن الحسين الاسترآبادي ، تلميذ الفاضل المقداد ، فاضل ، عالم ، له كتب ، منها " معارج السؤول ومدارج المأمول " في تفسير آيات الأحكام ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الضياء اللامع " . 54 - الشيخ عفيف الدين طيفور بن سراج الدين جنيد ، واعظ ، مفسر ، له تفسير اقتصر على الأحاديث المروية عن الأئمة ( عليهم السلام ) ، قد فرغ منه عام 876 ه‍ ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 55 - المولى حسين بن علي الواعظ الكاشفي ، صاحب " جواهر التفسير لتحفة الأمير " ويقال له : " العروس " أيضا ، و " المواهب العلية " . توفي عام 910 ه‍ . 56 - المولى حسين بن الخواجة شرف الدين الأردبيلي المعروف بالالهي ، فاضل ، عالم ، متبحر ، له تفسير كبير لتمام القرآن الكريم في مجلدين ، يسمى ب‍ " تفسير الالهي " ، وقد يسمى ب‍ " تفسير الأردبيلي " ، ذكره الأفندي في " رياض العلماء " ، والشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 950 ه‍ . 57 - علم النجفي ابن سيف بن منصور الحلي ، فاضل ، عالم ، صاحب " كنز الفوائد " وهو المنتخب من كتاب " تأويل الآيات الباهرة " ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " إحياء الداثر " . 58 - أبو المحاسن الحسين بن الحسن الجرجاني ، محدث ، مفسر ، من مشاهي
ر
/ صفحة 16 /
الإمامية في القرن العاشر ، صاحب " جلاء الأذهان في تفسير القرآن " ، ذكره الأفندي في " رياض العلماء " وقال : هو كبير حسن الفوائد . 59 - المقدس الأردبيلي أحمد بن محمد النجفي ، عالم ، فاضل ، فقيه ، ثقة ، جليل القدر ، له مؤلفات جيدة ، منها " زبدة البيان في شرح آيات أحكام القرآن " ، ذكره الحر العاملي في " أمل الآمل " والسيد التفريشي في رجاله . توفي عام 993 ه‍ . 60 - غياث الدين الزواري ، المعاصر للمحقق الكركي ، فاضل ، مفسر ، ينسب إليه تفسير " گازر " المعروف . ذكره الشيخ آقا بزرك في كتبه . 61 - الأمير أبو الفتح بن محمد الحسيني الجرجاني ، فاضل ، شاعر ، مفسر ، صاحب " تفسير شاهي " وهو تفسير لآيات الأحكام في مجلد ضخم ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 976 ه‍ . 62 - محمد بن علي بن ابراهيم الاسترآبادي ، عالم ، فاضل ، ثقة ، محقق في الرجال والرواية والتفسير ، ذكره السيد التفريشي في رجاله وقال : له كتب جيدة ، منها كتاب شرح آيات الأحكام . توفي عام 1036 ه‍ . 63 - بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي ، عالم ، ثقة ، جليل القدر ، عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان ، صاحب المصنفات ، منها " العروة الوثقى في تفسير القرآن " و " عين الحياة " وغيرهما ، ذكره الأفندي في " رياض العلماء " . توفي عام 1030 ه‍ ، وقيل : 1035 ه‍ . 64 - الشيخ جواد بن سعيد بن جواد الكاظمي ، تلميذ الشيخ البهائي ، فاضل ، عالم ، جليل القدر ، له كتب ، منها " مسالك الأفهام في شرح آيات الأحكام " ، ذكره الأفندي في " رياض العلماء " . 65 - صدر المتألهين محمد بن ابراهيم الشيرازي ، وهو أشهر من أن يوصف ، صاحب المصنفات ، منها التفاسير العديدة ، ذكره الأفندي في " رياض العلماء " . توفي عام 1050 ه‍ .

/ صفحة 17 /
66 - المولى محمد رضا بن عبد الحسين النصيري الطوسي ، محدث ، مفسر مشهور ، صاحب " تفسير الأئمة لهداية الامة " في ثلاثين مجلدا ، و " كشف الآيات " وغيرهما ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 67 - المولى عبد الوحيد بن نعمة الله الواعظ الاسترآبادي ، تلميذ الشيخ البهائي ، فاضل ، عالم ، فقيه ، مفسر ، صاحب المؤلفات الكثيرة ، منها كتاب " أسرار القرآن في تفسير الفرقان " ، ذكره صاحب " رياض العلماء " . 68 - الشيخ فخر الدين بن محمد بن علي بن طريح الرماحي النجفي المعروف بالطريحي ، فاضل ، عالم ، جليل ، صاحب المصنفات العديدة ، منها " كشف غوامض القرآن " و " غريب القرآن " ، ذكرها صاحب " رياض العلماء " . توفي عام 1085 ه‍ . 69 - المولى تاج الدين الحسن بن محمد الإصفهاني ، والد الفاضل الهندي صاحب " كشف اللثام " ، فاضل ، عالم ، له " البحر المواج في تفسير القرآن " ، ذكره صاحب الروضات ، والشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 1085 ه‍ . 70 - المولى محمد بن مرتضى المشهور بالفيض الكاشاني ، محدث ، فاضل ، فقيه ، صاحب الكتب العديدة ، منها التفاسير الثلاثة المشهورة : " الصافي " و " المصفى " و " الأصفى " ، ذكرها الحر العاملي في " أمل الآمل " والأفندي في " رياض العلماء " . توفي عام 1091 ه‍ . 71 - الشيخ عبد علي الحويزي ، استاذ المحدث الجزائري ، عالم ، محدث ، له كتب ، منها تفسير القرآن على هدى روايات أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهو من المجامع الكبيرة للتفسير بالأثر ، ذكره الشيخ الحر العاملي في " أمل الآمل " . 72 - السيد هاشم بن سليمان الحسيني البحراني ، فاضل ، عالم ، عارف بالتفسير والعربية والرجال ، صاحب المؤلفات الغزيرة والمصنفات الكثيرة ، منها " البرهان في تفسير القرآن " مشتمل على أخبار أهل البيت ( عليهم السلام ) ، و " كتاب الهادي ومصباح النادي في تفسير القرآن " وهو كبير أيضا ، ذكره الحر العاملي في " أمل

/ صفحة 18 /
الآمل " ، والأفندي في " رياض العلماء " . توفي عام 1107 ه‍ أو 1109 ه‍ . 73 - السيد نعمة الله بن عبد الله الحسيني الموسوي الجزائري ، فقيه ، محدث ، أديب ، له كتب عديدة ، منها " العقود والمرجان في تفسير القرآن " في ثلاث مجلدات ، وله أيضا تفسير للقرآن كتبه على هامش القرآن يقرب من سبعين ألف بيت ، ذكره الأفندي في " رياض العلماء " ، والشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 1112 ه‍ . 74 - محمد اسماعيل بن محمد باقر الإصفهاني الخاتون آبادي ، فاضل ، مفسر ، كان مدرسا في الجامع العباسي بإصفهان ، له كتاب تفسير كبير من أربعة عشر مجلدا ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " عن " تذكرة القبور " للجزي . توفي عام 1116 ه‍ . 75 - محمد بن محمد رضا بن اسماعيل المشهدي ، فاضل ، عالم ، فقيه ، مفسر ، صاحب " كنز الدقائق " في تفسير القرآن ، ذكره الخوانساري في " روضات الجنات " وقال : كتاب كبير في التفسير بأحاديث أهل بيت العصمة ( عليهم السلام ) . توفي عام 1125 ه‍ .
76 - علي بن الحسين العاملي ، فاضل ، نحوي ، مفسر ، له كتب ، منها " الوجيز في تفسير القرآن العزيز " ، وهو تفسير مزجي نافع كاف في معرفة ما يتوقف عليه فهم المعنى من وجوه الإعراب واختلاف القراءات ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 77 - أحمد بن الحسن بن علي الحر العاملي ، أخو الشيخ الحر العاملي المعروف ، فاضل ، عارف بالتواريخ ، له كتاب تفسير القرآن ، ذكره أخوه في " أمل الآمل " . 78 - المولى أبو الحسن بن الشيخ محمد طاهر الفتوني النباطي العاملي ، من أجداد صاحب " الجواهر " من طرف امه ، فاضل ، عالم ، مفسر ، له " مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار في تفسير القرآن " وقد يقال : " مشكاة الأنوار " ، ذكره الشيخ آقا

/ صفحة 19 /
بزرك في " الذريعة " وقال : هو تفسير جليل . 79 - عبد الله الأفندي ابن عيسى التبريزي ، جليل القدر ، رفيع المنزلة عند السلطان العثماني آنذاك ، وكان يخاطبه الملك تعظيما وتكريما له بالأفندي ، فاشتهر به من بعد ، صاحب " رياض العلماء " و " الأمان من النيران في تفسير القرآن " ، ذكره الخوانساري في " روضات الجنات " ، والشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 80 - المولى محمد بن علي النجار التستري ، من تلاميذ المحدث الجزائري ، عالم ، محدث ، مفسر ، خطيب ، صاحب التفسير الكبير المسمى ب‍ " تفسير ابن النجار " أو ب‍ " مجمع التفاسير " ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 1140 ه‍ . 81 - الشيخ عبد النبي الطسوجي ، تلميذ المقدس الجيلاني المشهدي ، من مشايخ صاحب " الحدائق " ، عالم ، فاضل ، مفسر ، له تفسير كبير ويحوي على نكات بديعة ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 1160 ه‍ . 82 - السيد عبد الله بن محمد رضا الحسيني الكاظمي ، الشهير بشبر ، من أعيان فضلاء المتأخرين ومحدثيهم ، فقيه ، متتبع ، صاحب المؤلفات الكثيرة في التفسير والحديث والفقه والاصول وغيرها ، له تفاسير ثلاثة للقرآن المجيد : كبير ووسيط وصغير ، ذكره الخوانساري في " روضات الجنات " . توفي عام 1242 ه‍ . 83 - المولى محمد جعفر الاسترآبادي المعروف بشريعتمدار ، فاضل ، عالم ، مفسر ، له كتب ، منها تفسيره المسمى ب‍ " تفسير محمد جعفر الاسترآبادي " ، ذكره الخوانساري في " روضات الجنات " ، والشيخ آقا بزرك في " الذريعة " وقال : والظاهر أنه غير تفسيره الموسوم ب‍ " مظاهر الأسرار " . توفي عام 1263 ه‍ . 84 - السيد محمد مهدي بن محمد جعفر الموسوي التنكابني ، فاضل ، محدث ، مفسر ، له كتب ، منها " خلاصة التفاسير " ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . 85 - الشيخ صالح بن محمد البرقاني القزويني ، عالم ، فاضل ، مفسر ، متبحر ، صاحب التفاسير : الكبير المسمى ب‍ " بحر العرفان " في سبعة عشر مجلدا ، والوسيط

/ صفحة 20 /
في تسعة مجلدات ، والصغير في مجلد واحد ، ذكرها الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي عام 1275 ه‍ . 86 - السيد حسين بن رضا الحسيني البروجردي ، فاضل ، عالم بالرجال ، صاحب " نخبة المقال " المشهور ، له كتاب تفسير ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " وقال : خرج منه مجلد كبير . توفي عام 1277 ه‍ . 87 - الشيخ محمد حسين بن باقر البروجردي ، فاضل ، عابد ، صاحب " النص الجلي " ، له تفسير كبير ، وآخر يسمى ب‍ " أسرار التنزيل " اختاره من تفسيره ، ذكره الشيخ آقا بزرك في " الذريعة " . توفي في نيف وثلثمائة بعد الألف . 88 - العلامة السيد نور الدين العراقي ، له " القرآن والعقل " في ثلاثة أجزاء . توفي عام 1341 ه‍ . 89 - العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي ، له " آلاء الرحمن في تفسير القرآن " . توفي عام 1352 ه‍ . 90 - السيد علي بن الحسين الحائري ، من تلاميذ المجدد الشيرازي ، له " مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر " في اثني عشر مجلدا . توفي عام 1353 ه‍ . 91 - العلامة السيد محمد مولانا ، له " التفسير الوجيز " . توفي عام 1363 ه‍ . 92 - العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، المفسر الكبير ، له " الميزان في تفسير القرآن " في عشرين مجلدا . توفي عام 1402 ه‍ . 93 - العلامة الشيخ محمد جواد مغنية ، الكاتب الكبير ، له " الكاشف في تفسير القرآن " وغيره . توفي عام 1400 ه‍ . 94 - المحقق الكبير السيد آية الله أبو القاسم الخوئي ، له " البيان في تفسير القرآن " خرج منه جزء واحد . توفي عام 1413 ه‍ . وغيرهم الكثير . ترجمة المؤلف : هو أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي السبزواري الرضوي أو

/ صفحة 21 /
المشهدي ، أمين الدين أو أمين الاسلام . والطبرسي نسبة الى طبرستان ، فعن رياض العلماء : هي بلاد مازندران بعينها ، وقد يعم بلاد جيلان لاشتراكهم في حمل الطبر ( 1 ) . قال ياقوت الحموي : الطبر - بالتحريك - هو الذي يشقق به الأحطاب وما شاكله بلغة الفرس ، واستان : الموضع أو الناحية ، كأنه يقول : ناحية الطبر ( 2 ) . ثم
ذكر سبب تسميتها بذلك فقال : سببه أن أكثر أهل تلك الجبال كثيرو الحروب ، وأكثر أسلحتهم بل كلها الأطبار ، حتى أنك قل : إن ترى صعلوكا أو غنيا إلا وبيده الطبر صغيرهم وكبيرهم ، فكأنها لكثرتها فيهم سميت بذلك ، ومعنى طبرستان من غير تعريب : موضع الأطباء ( 3 ) . والرضوي والمشهدي نسبة الى مشهد الرضا ( عليه السلام ) ، لأنه ( قدس سره ) قد سكن فيها ، ثم انتقل الى سبزوار سنة 523 ه‍ ، ومن ثم توفي فيها ليلة النحر سنة 548 ه‍ ، وحمل نعشه الى المشهد المقدس الرضوي ، ودفن هناك في المقبرة بجانب الحرم الرضوي الشريف . إطراء العلماء عليه : كان ( قدس سره ) من جملة العلماء الأعلام الذين يشار إليهم بالبنان من العامة والخاصة : فعن نقد الرجال للميرزا مصطفى التفريشي : أبو علي الطبرسي ثقة ، فاضل ، دين ، من أجلاء هذه الطائفة ( 4 ) . وعن فهرست الشيخ منتجب الدين بعد وصفه بالإمام : ثقة ، فاضل ، دين ، عين ( 5 ) . وفي الوجيزة للمجلسي : ثقة جليل ( 6 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) رياض العلماء : ج 4 ص 357 .
( 2 ) معجم البلدان : ج 3 ص 501 .
( 3 ) نفس المصدر .
( 4 ) نقد الرجال : ص 266 .
( 5 ) الفهرست : ص 144 رقم 336 .
( 6 ) الوجيزة : ص 266 . ( * )

/ صفحة 22 /
وفي مستدرك الوسائل للمحدث النوري : فخر العلماء الأعلام وأمين الملة والإسلام ، المفسر الفقيه الجليل الكامل النبيل ( 1 ) . وعن صاحب رياض العلماء أنه قال بعد مدحه بعبارات الثناء : كان ( قدس سره ) وولده رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل صاحب كتاب " مكارم الأخلاق " ، وسبطه أبو الفضل علي بن الحسن صاحب " مشكاة الأنوار " ، وسائر سلسلته وأقربائه من أكابر العلماء ( 2 ) . وفي الروضات : الفاضل العالم المفسر الفقيه المحدث الجليل الثقة الكامل النبيل ( 3 ) . وعن صاحب المقابس عند ذكر ألقاب العلماء : ومنها أمين الإسلام الشيخ الأجل الأوحد والأكمل الأسعد قدوة المفسرين وعمدة الفضلاء المتبحرين ، أمين الدين أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي الطوسي السبزواري الرضوي ، قدس الله نفسه الزكية ، وأفاض على تربته المراحم السرمدية ( 4 ) . وعن لؤلؤة البحرين : وكان هذا الشيخ عالما فاضلا ثقة جليل القدر في أصحابنا ( 5 ) . وفي مجالس المؤمنين ما ترجمته : عمدة المفسرين أمين الدين ثقة الاسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي ، كان من نحارير علماء التفسير ( 6 ) . وفي كتاب " النقض " لعبد الجليل الرازي أنه قال في معرض ذكره المفسرين من علماء الشيعة : عالم وأمين ومعتمد ( 7 ) . وعن تاريخ بيهق لأبي الحسن علي بن زيد : الإمام الطبرسي ، كان فريد عصره . . . . الخ ، وقال : ولقد أنشأ في مرحلة شبابه الكثير من الأشعار ، وقد أورد في
* ( هامش ) *
( 1 ) مستدرك وسائل الشيعة : ج 3 ص 486 .
( 2 ) رياض العلماء : ج 4 ص 341 .
( 3 ) روضات الجنات : ج 5 ص 357 .
( 4 ) مقابس الأنوار : ص 10 .
( 5 ) لؤلؤة البحرين : ص 346 .
( 6 ) مجالس المؤمنين : ج 1 ص 490 .
( 7 ) النقض : ص 304 . ( * )

/ صفحة 23 /
كتاب " الوشاح " بعضا منها . ثم قال : وكان يشار إليه في علوم الحساب والجبر والمقابلة ( 1 ) . وفي الأعلام للزركلي : أمين الدين أبو علي ، مفسر ، محقق ، لغوي ، من أجلاء الإمامية ( 2 ) . ثم إن هذا الرجل الذي خاض في ميدان التفسير وأحسن ، وطلع على المسلمين بمجموعته التفسيرية الفاخرة التي شهد لها العامة والخاصة ، وغاص في بحار هذا القرآن - الذي يتضمن على الاصول والمباني الفقهية للشريعة ، ويشتمل على القوانين الأساسية للإسلام ، ويحتوي على آيات فيها العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه - لابد أن يكون متضلعا بالعلوم الشرعية الأصلية منها والفرعية ، ومتمكنا في الفصل بين العام والخاص وبين المطلق والمقيد وبين المجمل والمتشابه . . . ، ومتبحرا في رد الفروع الى الاصول أو استنباط الفروع من الاصول كما يظهر من بعض سطوره عند تفسيره آيات الأحكام ، وهذا ما لا يخفى على من اطلع على مصنفاته . وصف قلمه الشريف : اتصف قلمه الشريف بمواصفات قلما اتصفت به أقلام المصنفين المتقدمين منهم والمتأخرين ، مما كان لها الدور الكبير في بروزه على معاصريه ، وانطلاقه في عداد الممدوحين من الفريقين ، فقد اتصف قلمه بالإنصاف والانحياد في ذكر الآراء أو رد الأقوال ، وعدم التفريق بين أصحابها ، سواء كان مخالفا أو موافقا ، طالما كان صائبا ولا يخالف الحق والحقيقة ، فتراه يأخذه بعين الاعتبار وليس له أي دافع أو مصلحة في تقديم أو تأخير أي من الأقوال . فالزمخشري عالم يذهب في الاصول الى المعتزلة ومبتنياتها ، وفي الفروع الى الحنفية واستحساناتها ، تراه ( قدس سره ) يذكره مع التبجيل والتعظيم لقلمه وكلامه ، قال
* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ بيهق : ص 242 .
( 2 ) الأعلام : ج 5 ص 148 . ( * )

/ صفحة 24 /
في مقدمته لهذا الكتاب - جوامع الجامع - : ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه أن خطر ببالي وهجس بضميري ، بل القي في روعي محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه ، فإن لألفاظه لذة الجد ورونق الحداثة . . . الخ . مشايخه : لا يخفى على كل متتبع لأحوال أي عالم أو علم من أعلام أصحابنا بعد ملاحظة آثاره القيمة وكتبه وأبحاثه العلمية يجعله يحدس أن هذا العلم كان قد ترعرع في أحضان أساتذة عظام ، مما يدفعه قلمه إلى ذكر هؤلاء العظام ، فمن أساتذة المترجم له ومشايخه ممن يروي عنهم : 1 - الشيخ الأجل الفقيه الثقة أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي ، ابن شيخ الطائفة ، المعروف بالمفيد الثاني . 2 - الشيخ أبو الوفاء عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقري الرازي ، الملقب بالمفيد الرازي . 3 - الشيخ الأجل الثقة الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي ، جد الشيخ منتجب الدين . 4 - الشيخ الفقيه الثقة موفق الدين الحسن بن الفتح الواعظ البكر آبادي الجرجاني . 5 - السيد أبو طالب محمد بن حسين الحسيني الجرجاني . 6 - الشيخ أبو الفتح عبد الله بن عبد الكريم بن هوازن القشيري ، روى عنه صحيفة الرضا ( عليه السلام ) المعروفة . 7 - الشيخ الفاضل المحدث أبو الحسن عبيد الله محمد بن حسين البيهقي . 8 - الشيخ جعفر بن محمد الدوريستي ، أحد تلاميذ الشيخ المفيد . تلامذته : ثم إن من تتبع أحوال هذا العلم ومشايخه لابد أن يتعرض الى من استقى من

/ صفحة 25 /
علمه ، وتتلمذ عليه ، وارتفع في دنيا العلم والدين ، حتى أصبح من نحارير الأصحاب وعلمائهم ، فمن تلامذته : 1 - ولده الشيخ رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي ، صاحب " مكارم الأخلاق " . 2 - الشيخ رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب السروي ، صاحب " مناقب آل أبي طالب " . 3 - الشيخ منتجب الدين أبو الحسن علي بن عبيد الله بن حسن بن حسين بن بابويه القمي ، صاحب " فهرست الرجال " . 4 - السيد ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني الراوندي الكاشاني ، صاحب " قصص الأنبياء " . 5 - الشيخ الفقيه والمفسر المحدث قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي ، المعروف بقطب الدين الراوندي ، صاحب " الخرائج والجرائح " . 6 - السيد الفاضل الأديب العالم شرف شاه بن محمد الحسيني الأفطسي النيشابوري . 7 - الشيخ الثقة أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد الدوريستي . 8 - الشيخ الجليل الثقة الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبريل بن اسماعيل القمي . مصنفاته : لقد خلف الشيخ المصنف ( قدس سره ) ثروة علمية تنبو على براعته في العلم والأدب والفن والنحو ، وتفوقه على أقرانه من أهل النظر والتحقيق ، حتى عدت آثاره الخالدة درة ناصعة في جبين التاريخ ، كما حكى عنه الفاضل النوري ( 1 ) بأن له
* ( هامش ) *
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 3 ص 487 . ( * )

/ صفحة 26 /
مؤلفات فائقة رائقة . هذا بالأضافة الى ما امتازت به - أي مصنفاته - من صفة التنوع ، إذ أنه ( قدس سره ) لم يغفل عن الكتابة والتحقيق في حقل العقائد والنحو والأدب والأخلاق والدعاء والسيرة والفلسفة طول مدة حياته . فمن مصنفاته : 1 - الآداب الدينية للخزانة المعينية ، وهو كتاب فخم في الأخلاق والآداب . 2 - أسرار الإمامة ، نسبه إليه بعض الأعلام ، واستظهر صاحب الروضات أنه لولده الحسن بن الفضل . 3 - إعلام الورى بأعلام الهدى ، في فضائل أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وأحوالهم وآثارهم . 4 - تاج المواليد . 5 - جوامع الجامع ، وهو الكتاب الماثل بين يديك . 6 - الجواهر في النحو . 7 - رسالة حقائق الامور في الأخبار . 8 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ، كما ذكره هو بنفسه في مجمع البيان ذيل آية : * ( يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ) * ( 1 ) . 9 - عدة السفر وعمدة الحضر . 10 - العمدة في اصول الدين والفرائض والنوافل . 11 - غنية العابد ومنية الزاهد . 12 - الفائق . 13 - كنوز النجاح في الأدعية المأثورة . 14 - الكاف الشاف من كتاب الكشاف ، وهو تفسير مختصر . 15 - مجمع البيان لعلوم القرآن ، في عشر مجلدات .
* ( هامش ) *
( 1 ) الآية : 67 من سورة المائدة . ( * )

/ صفحة 27 /
16 - مشكاة الأنوار في الأخبار . قال صاحب الروضات : الظاهر أنه غير " مشكاة الأنوار في غرر الأخبار " التي هي لسبطه الشيخ أبي الفضل علي بن الحسن بن الفضل ، وهو كتاب ظريف يشتمل على أخبار غريبة . 17 - معارج السؤال . 18 - نثر اللآلي ، وهي رسالة مختصرة مجموعة من كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مرتبة على حروف المعجم . 19 - النور المبين . 20 - الوافي في تفسير القرآن على ما نسب إليه . 21 - رواية صحيفة الرضا ( عليه السلام ) . جوامع الجوامع : هذا الكتاب - الذي بين يديك - هو من أشهر مؤلفات الشيخ الطبرسي ( قدس سره ) بعد
كتاب " مجمع البيان " ، وقد سمى العلامة المجلسي في مقدمة بحار الأنوار ( 1 ) هذا الكتاب ب‍ " جامع الجوامع " ، وهكذا ذكره الأفندي في رياض العلماء ( 2 ) عند تعرضه لترجمة الطبرسي ، لكن النسخ المعتمدة ذكرت أن اسمه " جوامع الجامع " . ثم إنه قد وقع الخلاف بين أصحاب التراجم في أن هذا الكتاب هل هو " الكاف الشاف " أم غيره ؟ أو هل هو " الوسيط " أم غيره ؟ فقد ذكر ابن شهر آشوب في " معالم العلماء " ( 3 ) بأن تفسير مجمع البيان والكلام الشاف من كتاب الكشاف فقط ، وأما " جوامع الجامع " و " الوسيط " و " الوجيز " فلم يتعرض لذكرها ، ويمكن أن يقال : إنه ذكر " الكلام الشاف " بدل " الكاف الشاف " .
* ( هامش ) *
( 1 ) بحار الأنوار : ج 1 ص 6 الطبعة الحجرية .
( 2 ) رياض العلماء : ج 2 باب الفاء ، الفضل بن الحسن الطبعة الحجرية .
( 3 ) معالم العلماء : ص 123 رقم 893 . ( * )

/ صفحة 28 /
وقال الشيخ منتجب الدين في " الفهرست " : له تصانيف ، منها : مجمع البيان في تفسير القرآن عشر مجلدات ، الوسيط في التفسير أربع مجلدات ، الوجيز مجلدة ( 1 ) . ولم يذكر " جوامع الجامع " ولا " الكاف الشاف " . وأما القاضي نور الله في " مجالس المؤمنين " ( 2 ) فلم يتطرق لذكر التفسير الكبير ولا الجوامع ، لكنه أشار الى تفسير ثالث مختصر ولم يذكر اسمه . وقال السيد مصطفى التفريشي في " نقد الرجال " : إن كتاب " مجمع البيان في تفسير القرآن " عشر مجلدات ، و " الوسيط في التفسير " أربع مجلدات ، و " الوجيز " مجلدة ( 3 ) . وقال الأفندي في " رياض العلماء " : ولعل المراد بالوسيط في التفسير هو تفسير " جامع الجوامع " المشهور ، وبالوجيز " الكاف الشاف " ، ويحتمل المغايرة ، وقد يتوهم أن " الكاف الشاف عن الكشاف " هو بعينه كتاب " جامع الجوامع " حيث قال في أوله : إنه ملخص من الكشاف ، ولكن الحق أنه غيره ( 4 ) . وينبغي الإشارة الى أن الشيخ المصنف ( قدس سره ) لم يذكر في طيات كتابه " جوامع الجامع " أن هذا الكتاب هو تلخيص من الكشاف ، وإنما ذكر في بداية مقدمته عبارة حول " الكاف الشاف " ، ومضمونها : أن تفسير " الكاف الشاف " خلاصة من تفسير الكشاف ، وليس تفسير " جوامع الجامع " . وحول تفسير " جوامع الجامع " قال : " ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه أن خطر ببالي وهجس بضميري ، بل القي في روعي محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه ، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة ، مقتصرا فيه على إيراد المعنى البحت ، والإشارة الى مواضع النكت بالعبارات الموجزة والايماءات المعجزة مما يناسب الحق والحقيقة ويطابق الطريقة المستقيمة . . . " فلا يستفاد بأي
* ( هامش ) *
( 1 ) الفهرست : ص 144 رقم 336 .
( 2 ) مجالس المؤمنين : ج 1 ص 490 .
( 3 ) نقد الرجال للتفريشي : ص 266 .
( 4 ) رياض العلماء : ج 4 ص 342 الطبعة الحديثة . ( * )

/ صفحة 29 /
وجه من هذه العبارة بأن تفسير " جوامع الجامع " هو تلخيص لتفسير الكشاف . وقال صاحب ريحانة الأدب : إن تفسير " الكاف الشاف " قد الف بعد التفسيرين : " مجمع البيان " و " جوامع الجامع " وذلك بطلب من ولده الشيخ حسن بن فضل وقد انتخبه منهما ، أو بالعكس ، أي أن تفسير " جوامع الجامع " قد الف بعد التفسيرين : " مجمع البيان " و " الكاف الشاف " وقد انتخبه منهما كما هو الظاهر ، بل صريح كلام كتاب الذريعة ( 1 ) . والتحقيق في هذا نقول : إن الظاهر من كلام الطبرسي نفسه - من بعض القرائن - أنه لم يؤلف أكثر من ثلاثة تفاسير : " مجمع البيان " ، و " الكاف الشاف " أو " الوجيز " ، و " جوامع الجامع " أو " الوسيط " . ومما لا شك فيه أنه ( قدس سره ) لم يشرع بتأليف أي تفسير قبل " مجمع البيان " ، حيث قال في مقدمته : وقد كنت في عهد ريعان الشباب حداثة السن وريان العيش ونضارة الغصن كثير النزاع ، قلق التشوق ، شديد التشوف الى جمع كتاب في التفسير . . . إلى أن قال : وهلم جرا الى الآن وقد ذرف سني على الستين . . . الى أن قال : فحداني على تصميم هذه العزيمة ما رأيت من عناية مولانا الأمير السيد الأجل . . . أبي منصور محمد بن يحيى بن هبة الله الحسيني . . . بهذا العلم وصدق رغبته في معرفة هذا العلم ( 2 ) . فيفهم ممن كلامه ( قدس سره ) أنه قبل سن الستين لم يكتب أي تفسير ، وفي هذه السن بدأ بتأليف " مجمع البيان " . وأما التفسير الثاني له فهو " الكاف الشاف " ، وهو خلاصة لتفسير الزمخشري الموسوم ب‍ " الكشاف " ، وكان تأليفه بعد " مجمع البيان " وقبل " جوامع الجامع " ، وهذا ما يفهم من كلامه في مقدمة " جوامع الجامع " حيث قال : فإني لما فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم ب‍ " مجمع البيان لعلوم القرآن " ثم عثرت من بعد
* ( هامش ) *
( 1 ) ريحانة الأدب : ج 4 ص 20 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 10 . ( * )

/ صفحة 30 /
بالكتاب " الكشاف لحقائق التنزيل " لجار الله العلامة ، واستصلحت من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه ما لا يلقى مثله في كتاب مجتمع الأطراف ، ورأيت أن أسمه واسميه ب‍ " الكاف الشاف " ، فخرج الكتابان الى الوجود . وأما التفسير الثالث له فهو هذا الكتاب " جوامع الجامع " وكان بطلب من ولده ، حيث اختاره من التفسيرين المتقدمين ، فقد قال في مقدمته : اقترح علي من حل مني محل السواد من البصر والفؤاد ولدي أبو نصر الحسن - أحسن الله نصره وأرشد أمري وأمره - أن اجرد من الكتابين كتابا ثالثا يكون مجمع بينهما ومحجر عينهما ، يأخذ بأطرافها ويتصف بأوصافهما ، ويزيد بأبكار طرائف وبواكير لطائف عليهما . لكنه استعفاه أول الأمر ، لأن عمره جاوز السبعين وقد أخذه من الكبر عتيا ، لكن أمام إلحاح الابن أجاب مطلبه ونفذه بقوله : فلم أجد بدا من صرف وجه الهمة إليه ، والإقبال بكل العزيمة عليه ، وهممت أن أضع يدي فيه ، ثم استخرت الله تعالى وتقدس في الابتداء منه بمجموع مجمع جامع للكلم الجوامع ، اسميه كتاب " جوامع الجامع " ، ولا شك أنه اسم وفق للمسمى ولفظ طبق للمعنى . ثم إنه عاد وسماه بالوسيط في قوله : وأرجو أن يكون بتوفيق الله وعونه وفيض فضله ومنه كتابا وسيطا خفيف الحجم كثير الغنم ، لا يصعب حمله ويسهل حفظه ويكثر معناه وإن قل لفظه . وعلى ضوء ما تقدم يمكن أن يقال : إنه ( قدس سره ) لم يؤلف أكثر من هذه التفاسير الثلاثة المذكورة ، وقد صرح بكبر الأول وباختصار الثاني وأوسطية الثالث ، وإنه بسبب كبر سنه وعجزه وضعفه بقوله في مقدمة هذا الكتاب : فاستعفيته مرة بعد اخرى ، لما كنت أجده في نفسي من ضعف المنة ووهن القوة ، فلقد ذرفت على السبعين سنيا ، وبلغت من الكبر عتيا ، وصرت كالحنية حنيا ، واشتعل الرأس شيبا ، وقاربت شمس العمر مغيبا ، فأبى إلا المراجعة فيه . . . الخ ، فإنه ( قدس سره ) بسبب كبره وشدة ضعفه لم يستطع تأليف أي تفسير آخر لكي يضع له أي اسم آخر . ومن هنا يمكن الجزم أن التفسير الكبير هو " مجمع البيان " ، والتفسير

/ صفحة 31 /
المختصر هو " الكاف الشاف " ، والتفسير الوسيط هو " جوامع الجامع " ولا غيرها . سبب تأليفه : ثم إنه ( قدس سره ) قد ذكر سبب تأليف هذا الكتاب والباعث على تصنيفه من جراء إصرار ولده وإلحاحه عليه فيه ، لكنه مضافا إليه كان هناك مشجعا آخر إليه ، حيث يقول في مقدمته : ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه أن خطر ببالي وهجس بضميري ، بل القي في روعي محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه . . . الخ . مزايا هذا الكتاب : لقد امتاز هذا التفسير بعدة مزايا كان لها الأثر في انتخابه ككتاب درسي يستفاد منه في الحوزات الدينية الشيعية بل وغير الشيعية ، ويمكن اختصارها بعدة نقاط : 1 - أنه تفسير وجيز ، جمع فيه الشمولية من غير إطناب ممل والاختصار من غير اقتصار مخل . 2 - أنه وسيط ، خفيف الحجم كثير الغنم ، لا يصعب حمله ويسهل حفظه ، كما ذكره هو نفسه ( قدس سره ) في ثنايا مقدمته . 3 - أنه جمع الى التفسير اللغة والإعراب والنحو وبيان النظم وسبب النزول والقراءة . 4 - أنه جمع فيه آراء الصحابة والتابعين بالإضافة الى مرويات أهل البيت ( عليهم السلام ) . 5 - أنه بين فيه مواضع الخلاف مع ما ذهب إليه العامة من جهة ، ومع ما ذهب إليه الزمخشري من حيث اعتزاله من جهة اخرى . وأما من ناحية امتيازه عن الكشاف فيمكن تلخيصها ما يلي :

/ صفحة 32 /
1 - الاختصار في كلامه ، وحذف الموارد الزائدة والمواضع غير الضرورية فيه ، إذ كثير من الموارد قد أطنب فيه صاحب الكشاف وأطال ، فسعى الشيخ المصنف الى اختصار هذا الإطناب خدمة للموضوع الذي يرى فيه موضع فائدة للقراء . 2 - في موارد اختلاف آراء الإمامية مع المعتزلة في تفسير الآية ، فإنه ( قدس سره ) يعدل عن رأي صاحب الكشاف ويثبت ما يعتقده الحق . 3 - إيراده بعض الروايات من طرق الخاصة والتي لا توافق مذهب صاحب الكشاف ، بل كثير منها مخالف له . منهج هذا الكتاب : ولا يخفى أن هذا التفسير لم يرتب على منهج " مجمع البيان " في تبويبه وترتيبه ، وإنما وضع على منهج الكشاف في تسلسله الموضوعي ، إذ تذكر في بداية المقال الآيات التى تتعلق بالموضوع المدرج ، ثم يؤتى بها مجزأة ويتخللها الشرح لمعاني المفردات أو لمعنى الآية مجملة ، ثم يذكر الأوجه الأدبية لتلك المعاني من الصرف والإعراب واللغة والاشتقاق والبلاغة والبيان . . . ، وأحيانا الفقه والكلام ، ثم ينقل الأقوال من دون تقسيم أو تنظيم ، وهكذا حتى يأتي على آخر الآيات . منهجية التحقيق : لا يخفى على ذوي الخبرة في ميدان تحقيق الكتب والآثار القديمة بما يواجهه المحقق من مصاعب شتى في مسيرة عمله التحقيقي ، من الحصول على النسخ المعتمدة تارة ، ومطابقة هذه النسخ ومقابلتها مع بعضها من أجل تثبيت
موارد الاختلاف والمواضع المضطربة أو المشوهة أو الممزقة في بعضها تارة اخرى ، فالحصول على نسخة مشتملة على كافة الشرائط التي تجعل منها " معتمدة " والتي يمكن أن تجرى عليها باقي مراحل العمل التحقيقي ليس بالأمر

/ صفحة 33 /
السهل ، وخصوصا في الكتب التفسيرية التي تعتمد في بنى أساسها على اللغة والإعراب والصرف والنحو والأدب والشعر ، مما يضع المحقق في دوامة اللغة واشتقاقاتها ومترادفاتها ، سيما وأن الكتاب درسي ، لأنه سوف يغطي مقدارا واسعا من القراء المثقفين ، طلبة كانوا أم أساتذة ، مما يعطي مساحة كبيرة من المتابعة والتمحيص ، وقوة أكبر من الدقة والانتباه لابتغاء المطلوب الذي جهدت اللجنة المكلفة بكل ما وهبها الله سبحانه من قوة على تحقيقه . فقد حاولت هذه اللجنة أن لا تدخر جهدا ممكنا إلا وظفته لخدمة هذا الكتاب الشريف ، ولا سعيا مقدورا إلا يسرته لإتمام هذا المشروع المبارك الذي عزمت هذه المؤسسة على إخراجه الى النور خدمة للعلم وطلبته ، فبادرت هذه اللجنة بتشكيل برنامج للعمل وعلى النحو الملخص التالي : 1 - إحضار النسخ الخطية منها والمطبوعة المتوفرة باختلافاتها ، ورصد تلك الاختلافات باجراء عملية مقابلة دقيقة ، ثم تثبيت الضروري منها والمفيد على نسخة ملفقة ومصححة ، كانت هي الأساس الذي جرت عليها مراحل العمل المتلاحقة . ولا يفوتنا ذكر ما استفدناه في هذه المرحلة من النسخة التي قام بتصحيحها الاستاذ أبو القاسم الگرجي . 2 - قيام المجموعة باستخراج الموارد التالية : ( أ ) الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المستشهد بها في المتن . ( ب ) الأقوال الواردة ، سواء المصرح فيها اسم القائل أو ذكرت بعنوان القيل ، ونسب هذه الأقوال الى قائليها حسب تسلسل السلم التاريخي ، ابتداء بالصحابة والتابعين ومرورا بالذين كتبوا في مصنفاتهم التفسيرية ، فأدرجوا فيها أقوالهم تارة ومختارهم اخرى ، وانتهاء بالذين خاضوا هذا المضمار من اللغويين وما أدرجوا في كتبهم من آراء ومختارات . ( ج ) الأشعار والأرجاز المستشهدة بها في المتن ، ونسبها الى قائلها إن عثرنا على مصدر يؤيد ذلك ، مع الإشارة الى ذلك المصدر أو المصادر المعتمدة ، وبيان

/ صفحة 34 /
معناها ملخصا . ( د ) أسامي الأعلام المشهورين المذكورين في المتن ، وترجمة حياتهم ترجمة مختصرة ، وقد أشرنا في الأثناء الى مصادر الترجمة . ( ه‍ ) أسامي الأمكنة والبقاع المندرجة في ثنايا المتن ، والعمل على ترجمتها باختصار غير مخل مع الإشارة الى المصادر التي اعتمدت في ترجمتها . ( و ) الكلمات المبهمة والغامضة التي تحتاج الى توضيح ، والسعي الى بيان معناها مع الإشارة الى المصادر . 3 - إجراء تقويم للمتن وفق الحركات الإعرابية اللازمة ، سواء للنصوص القرآنية أو الأحاديث الشريفة أو للشرح المتخلل ، وتقطيع المقاطع اللازمة والضرورية من أجل بيان التسلسل الموضوعي المدرج في الكلام . 4 - كتابة النص القرآني طبقا لرسم المصحف الشريف المطبوع في هذه المؤسسة ، وهو على قراءة عاصم برواية حفص . 5 - إجراء تنضيد حروف الكتاب - وفق الحروف الكمپيوترية - وحركاتها الإعرابية ، وخاصة نصوص القرآن الكريم ، مع الالتزام برسم المصحف الشريف كما هو ، حفاظا على نهج القرآن وقداسة رسمه عبر الأجيال . 6 - قيام مجموعتين من ضمن اللجنة المكلفة بعهدة المقابلة بين المطبوع والأصل المعتمد وعلى مرحلتين : الاولى : مقابلة المتن المشروح ، وهو تارة متابعة كلماته وحروفه ، واخرى حركاته الإعرابية ، ابتغاء أكبر قدر ممكن من الدقة والضبط الصحيح . الثانية : مقابلة النصوص القرآنية الواردة في متن الكتاب بكامل رسمها وحركاتها وسكناتها مع نسخة المصحف الشريف . 7 - القيام بمهمة النظرة الأخيرة على الكتاب ، وذلك على نحوين : ( أ ) ويشمل : متابعة المنصوص والمشروح من زاوية نظر أوسع ، والإمعان في سياقها وتراكيبها الجملية ، ومتابعة الامور الفنية المتعلقة بالطبع والطبعة ، حرصا

/ صفحة 35 /
على إخراجه بحلة قشيبة باهرة . ( ب ) الإشراف على وضع اللمسات الأخيرة ، وتدوين الملاحظات الهامة . ولا يفوتنا ذكر ما استفدناه من خبرة وتجربة الاستاذ المحقق الألمعي الشيخ محمد مهدي نجف دامت توفيقاته ، وما أبدى من توجيهات في جميع مراحل العمل في هذا السفر القرآني ، جزاه الله خيرا . وصف المخطوطات : وقد اعتمدنا في تحقيقنا في هذه الطبعة على النسخ التالية : 1 - النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة الوطنية " ملي " بطهران تحت رقم 62482 مجهولة الناسخ والتاريخ ، لتأكل بعض أوراقها وفقدان أجزائها ، لكن في خاتمة الجلد الأول منها ذكر الناسخ تاريخ فراغه من نسخه ، وصورته : " تم الجلد الأول من الجوامع بعون الله وحسن توفيقه يوم الاثنين رابع عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة " ، إذا قد كتبت هذه النسخة في القرن الثامن الهجري ،
وبالتحديد في النصف الثاني منه ، أي أن تاريخ كتابة هذه النسخة متأخر عن تاريخ تأليف الكتاب بحوالي 221 سنة . وعدد صفحاتها 632 صفحة ، ومن القطع الرحلي ، وخطها ردئ ، وتحوي على حواش قد كتبت بخط غير خط الناسخ . 2 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة كلية الإلهيات والعلوم الدينية تحت رقم 56 ، وهي واحدة من مجموعة ما وقفه المرحوم آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي ( قدس سره ) لهذه المكتبة ، وكاتب هذه النسخة هو محمد سميع الخاوري ، وفرغ منها يوم عيد الغدير من سنة 1111 ه‍ ، وعدد صفحاتها 374 صفحة ، في كل صفحة 23 سطرا ، ومن القطع الرحلي . 3 - النسخة المحفوظة أيضا في خزانة مكتبة كلية الإلهيات والعلوم الدينية تحت رقم 81 ، وهي واحدة من مجموعة ما وقفته عائلة آل آقا ، وكاتب النسخة هو محمد حسن بن درويش علي أبردمي المشهدي ، وقد فرغ منها في العاشر من

/ صفحة 36 /
جمادي الثانية من سنة 1119 ه‍ في المدرسة السميعية بخراسان ، وعدد صفحاتها 505 صفحة ، في كل صفحة 21 سطرا . 4 - النسخة المطبوعة على الحجر والتي قام بتحريرها محمد حسين الگلپايگاني بطلب من الحاج محمد حسين الكاشاني ، وقد أشرف على تصحيحها جمع من علماء قم ، وذلك في طهران سنة 1321 ه‍ . والنسخة من القطع الرحلي . 5 - نسخة كتبت بخط الحاج طاهر خوشنويس ، وبنفقة المرحوم الحاج آقا بالاكلاهي ، وقد قام بتصحيحها وتحقيقها العالم الشهيد السيد محمد علي القاضي الطباطبائي بمساعدة بعض الفضلاء في شهر رجب سنة 1379 ه‍ ، وتم الفراغ منها في شعبان سنة 1383 ه‍ ، وقد طبعت في مطبعة مصباحي بطريقة الافست . ويذكر أن المحقق قد كتب مقدمة مفيدة في 21 صفحة في خصوص القرآن وتفسيره ، وحول كتاب " جوامع الجامع " والطبعات المتقدمة له ، وترجمة حول المؤلف ومصنفاته . بلغ عدد صفحات هذه النسخة 558 صفحة ، وفي كل صفحة 32 - 34 سطرا . اللهم إجعلنا ممن يعتصم بحبله ، ويأوي من المتشابهات إلى حرز معقله ، ويهتدي بضوء صباحه ، ويستصبح بمصباحه ، ولا يلتمس الهدى في غيره ، بحق محمد وآله الطاهرين .

/ صفحة 37 /
نموذج من الصفحة الاخيرة للمجلد الاول من النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة الوطنية " ملي " بطهران تحت رقم 62482

/ صفحة 38 /
نموذج من الصفحة الاخيرة للمجلد الثاني من النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة الوطنية " ملي " بطهران تحت رقم 62482

/ صفحة 39 /
نموذج من الصفحة الاخيرة للمجلد الاول من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة كلية الالهيات والعلوم الدينية تحت رقم 56

/ صفحة 40 /
نموذج من الصفحة الاولى للمجلد الثاني من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة كلية الالهيات والعلوم الدينية تحت رقم 81

/ صفحة 41 /
نموذج من الصفحة الاخيرة للمجلد الثاني من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة كلية الالهيات والعلوم الدينية تحت رقم 81

/ صفحة 42 /
نموذج من الصفحة الاولى للمجلد الاول من النسخة المطبوعة على الحجر والتي قام بتحريرها محمد حسين الگلپايگاني

/ صفحة 43 /
نموذج من الصفحة الاخيرة للمجلد الثاني من النسخة المطبوعة على الحجر والتي قام بتحريرها محمد حسين الگلپايگاني

/ صفحة 44 /
نموذج من الصفحة الاولى للمجلد الاول من النسخة المكتوبة بخط الحاج طاهر خوشنويس

/ صفحة 45 /
نموذج من الصفحة الاخيرة للمجلد الثاني من النسخة المكتوبة بخط الحاج طاهر خوشنويس

/ صفحة 47 /
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي أكرمنا بكتابه الكريم ، ومن علينا بالسبع المثاني ( 1 ) والقرآن العظيم ، وما ضمنه من الآيات والذكر الحكيم ، فهو النور الساطع برهانه ، والفرقان الصادع ( 2 ) تبيانه ، والمعجز الباقي على مر الدهور ، والحجة الثابتة سجيس ( 3 ) العصور ، يهدي إلى صالح القول والعمل ، ويثبت من الميل والزلل ، لا تمجه ( 4 ) الأسماع ، ولا تمله الطباع ، معدن كل علم ومنبع كل حكم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين ، نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين . ثم الصلاة والسلام على الرسول الأمين والنبي المكين ، محمد خير البشر ، وسيد البشر ( 5 ) ، وأكرم النذر ، المنتجب من أشرف المناصب ، المنتخب من أعلى
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي من أسماء سورة الفاتحة ، سميت بالسبع لأنها سبع آيات بالاتفاق بين قراء الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام وفقهائها ، وبالمثاني لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة فرض ونفل ، ففي تفسير العياشي : ج 1 ص 19 ح 3 باسناده عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في قوله تعالى : * ( ولقد ءاتينك سبعا من المثانى ) * قال : " هي سورة الحمد وهي سبع آيات . . . وإنما سميت المثاني لأنها تثنى في الركعتين " .
( 2 ) الصادع : الفارق بين الحق والباطل ، أو المظهر . ( القاموس المحيط : مادة صدع ) .
( 3 ) سجيس : أي أبدا . ( القاموس المحيط : مادة سجس ) .
( 4 ) تمجه : أي ترميه وتقذفه وتستكرهه . ( القاموس المحيط والصحاح : مادة مجج ) .
( 5 ) البشر - بضمتين - : جمع البشير . ( لسان العرب : مادة بشر ) . ( * )

/ صفحة 48 /
المناسب ، الذي سما بسمو انتسابه اسم عدنان ( 1 ) ومضر ( 2 ) ، وبعلو قدره علا كعب كعب وكبر ( 3 ) ، وبنضرة جاهه وجه النضر نضر ( 4 ) ، وبرفعة أمره استمر أمر مرة وأمر ، فأسرته خير الأسر ، وشجرته أكرم الشجر ، وعترته أفضل العتر ، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . أما بعد ، فإني لما فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم ب‍ " مجمع البيان لعلوم القرآن " ، ثم عثرت من بعد بالكتاب الكشاف لحقائق التنزيل لجار الله ( 5 )
* ( هامش ) *
( 1 ) هو أحد من تقف عندهم أنساب العرب ، والمؤرخون متفقون على أنه من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ، والى عدنان ينتسب معظم أهل الحجاز . ولد له معد ، وولد لمعد نزار ، ومن نزار ربيعة ومضر ، وكثرت بطون هذين ، فكان من ربيعة : بنو أسد وعبد القيس وعنزة وبكر وتغلب ووائل والأراقم والدؤل وغيرهم كثيرين ، وتشعبت قبائل مضر شعبتين عظيمتين : قيس عيلان بن مضر ، وإلياس بن مضر . فمن قيس عيلان : غطفان وسليم ، ومن غطفان : بغيض وعبس وذبيان وما يتفرع منهم ، ومن سليم : بهثة وهوازن . وأما إلياس فمن بنيه : تميم وهذيل وأسد وبطون كنانة ، ومن كنانة : قريش ، وانقسمت قريش فكان منها : جمح وسهم وعدي ومخزوم وتيم وزهرة وعبد الدار وأسد بن عبد العزى وعبد مناف ، وكان من عبد مناف : عبد شمس ونوفل والمطلب وهاشم ، ومن هاشم : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والعباسيون ، ومن عبد شمس : بنو امية . وانتشرت بطون عدنان في أنحاء الحجاز وتهامة ونجد والعراق ثم اليمن . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ، ويقول : كذب النسابون ، فلا يتجاوزه . ( طرق الأصحاب : ص 14 ، وتاريخ الطبري : ج 2 ص 191 ، وجمهرة الأنساب : ص 8 وبعدها ) .
( 2 ) مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، من سلسلة النسب النبوي ، من أهل الحجاز ، قيل : إنه أول من سن الحداء للإبل في العرب ، وكان من أحسن الناس صوتا ، أما بنوه فهم أهل الكثرة والغلبة في الحجاز ، من دون سائر بني عدنان ، كانت الرياسة لهم بمكة والحرم . ( سبائك الذهب : ص 18 ، وتاريخ الطبري : ج 2 ص 189 ، والكامل لابن الأثير : ج 2 ص 10 ، ومعجم قبائل العرب : ص 1107 ) .
( 3 ) كبر - بضم الباء - : ضد صغر ، وبفتحها : زاد . ( القاموس المحيط : مادة كبر ) .
( 4 ) نضر : حسن ونعم . ( القاموس المحيط : مادة نضر ) .
( 5 ) هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الحنفي المعتزلي ، وجار الله لقب لقب به ، لأنه سافر إلى مكة وجاور بها زمانا حتى عرف بهذا اللقب واشتهر به ، وصار كأنه علم عليه ، ولد في رجب سنة 467 ه‍ بزمخشر ، وهي قرية من قرى خوارزم ، وقدم = ( * )

/ صفحة 49 /
العلامة ، واستخلصت ( 1 ) من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه مالا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف ، ورأيت أن أسمه وأسميه بالكاف الشاف ، فخرج الكتابان إلى الوجود ، وقد ملكا أزمة القلوب ، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب ، وجادت جدواهما ، وتراءت ناراهما ، وبعد في استجماع جواهر الألفاظ وزواهر المعاني مداهما ، فسارا ( 2 ) في الأمصار مسير الأمثال ، وسريا في الأقطار مسرى الخيال ، اقترح علي من حل مني محل السواد من البصر والسويداء من الفؤاد ، ولدي أبو نصر الحسن - أحسن الله نصره وأرشد أمري وأمره - أن أجرد من الكتابين كتابا ثالثا يكون مجمع بينهما ومحجر ( 3 ) عينهما ، يأخذ بأطرافهما ويتصف بأوصافهما ، ويزيد بأبكار الطرائف وبواكير ( 4 ) اللطائف عليهما ، فيتحقق ما قيل : إن الثالث خير ، فإن الكتب الكبار قد يشق على الشادي ( 5 ) حملها ويثقل على الناقل نقلها ، فأكثر أبناء الزمان تقصر هممهم عن احتمال أعباء ( 6 ) العلوم الثقيلة والإجراء في حلباته ( 7 ) المديدة الطويلة ، فاستعفيته من ذلك مرة بعد أخرى لما كنت أجده في نفسي من ضعف المنة ( 8 ) ووهن القوة ، فلقد ذرفت ( 9 ) على السبعين سنيا ، وبلغت من الكبر عتيا ، وصرت كالحنية حنيا ( 10 ) ، واشتعل الرأس
* ( هامش ) *
= بغداد ولقي الكبار وأخذ عنهم ، كانت وفاته ليلة عرفة سنة 538 ه‍ بجرجانية خوار بعد رجوعه من مكة . ( وفيات الأعيان : ج 4 ص 254 ، وشذرات الذهب : ج 4 ص 121 ، وطبقات المفسرين للسيوطي : ص 41 ) .
( 1 ) في نسخة : استصلحت .
( 2 ) في نسخة : فصارا .
( 3 ) المحجر من العين : ما دار بها وتحرك . ( القاموس المحيط : مادة حجر ) .
( 4 ) الباكورة : أول ما يدرك من الفاكهة أو أول كل شئ . ( القاموس المحيط : مادة بكر ) .
( 5 ) الشادي : الآخذ بطرف من الأدب أو العلم . ( القاموس المحيط : مادة شدى ) .
( 6 ) الأعباء : الأثقال والأحمال . ( القاموس المحيط : مادة عبأ ) .
( 7 ) الحلبة : الدفعة من الخيل في الرهان ، وخيل تجتمع للسباق . ( لسان العرب : مادة حلب ) .
( 8 ) المنة : القوة . ( لسان العرب : مادة منن ) .
( 9 ) ذرف - بالتشديد - : زاد . ( القاموس المحيط : مادة ذرف ) .
( 10 ) حناه : عطفه ، والحنية : القوس . ( القاموس المحيط : مادة حنى ) . ( * )

/ صفحة 50 /
شيبا ، وقاربت شمس العمر مغيبا ، فأبى إلا المراجعة فيه ، والعود والاستشفاع بمن لم أستجز ( 1 ) له الرد فلم أجد بدا من صرف وجه الهمة إليه والإقبال بكل العزيمة عليه ، وهممت أن أضع يدي فيه ، ثم استخرت الله تعالى وتقدس في الابتداء منه بمجموع مجمع جامع للكلم الجوامع ، أسميه كتاب " جوامع الجامع " ، ولاشك أنه اسم وفق للمسمى ولفظ طبق للمعنى ، وأرجو أن يكون بتوفيق الله وعونه وفيض فضله ومنه كتابا وسيطا خفيف الحجم ، كثير الغنم ، لا يصعب حمله ، ويسهل حفظه ، ويكثر معناه وإن قل لفظه ، يروع ( 2 ) موضوعه ، ويروق مسموعه ، ينظم وسائط القلائد ، ويحوي بسائط الفوائد ، ويستضئ العلماء بغرره ودرره ، ويفتقر الفضلاء إلى فقره ، فيكتب ( 3 ) على وجه الدهر ، ويعلق في كعبة المجد والفخر . ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه ، أن خطر ببالي وهجس بضميري ، بل ألقي في روعي ( 4 ) محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه ، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة ، مقتصرا فيه على إيراد المعنى البحت ، والإشارة إلى مواضع النكت ، بالعبارات الموجزة والإيماءات المعجزة ، مما يناسب الحق والحقيقة ويطابق الطريقة المستقيمة . وإذا ورد في أثناء الآيات شئ قد تقدم الكلام في نظيره ، أعول في أكثره على المذكور قبل ، إيثارا للإيجاز والاختصار . وأنا أسأل الله الكريم المنان مستشفعا إليه بمحمد المصطفى وآله مصابيح الإيمان ومفاتيح الجنان ، عليه وعليهم الصلاة والسلام ما اختلف الضياء والظلام ، أن يجعل وكدي ( 5 ) وكدي في تأليفه مع تخاذل الأعضاء وتواكل الأجزاء موجبا لغفرانه ، ومؤديا إلى رضوانه ، ويمن بالتسهيل والتيسير ، فإن تيسير العسير عليه جلت قدرته يسير ، وهو على ما يشاء قدير ، نعم المولى ونعم النصير .
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : استحسن .
( 2 ) يروع : يعجب . ( لسان العرب : مادة روع ) .
( 3 ) في نسخة : فليكتب .
( 4 ) الروع : القلب . ( القاموس المحيط : مادة روع ) .
( 5 ) الوكد بالضم : الفعل ، وبالفتح : المراد والهم والقصد . ( القاموس المحيط : مادة وكد ) . ( * )

/ صفحة 51 /
سورة الفاتحة / 2 سورة الفاتحة مكية سبع آيات بلا خلاف ، إلا أن أهل مكة والكوفة عدوا * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * آية من الفاتحة ، وغيرهم عدوا * ( أنعمت عليهم ) * آية . وروي عن ابن عباس ( 1 ) أنه قال : من ترك * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى ( 2 ) . وعن الصادق ( عليه السلام ) أنه سئل عن قوله تعالى : * ( سبعا من المثانى ) * ( 3 ) ، فقال ( عليه السلام ) : " هي سورة الحمد ، وهي سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم " ( 4 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن مناف الهاشمي المكي ، ابن عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وسمع النبي ( صلى الله عليه وآله ) وروى عن جماعة من الصحابة ، روى عنه : سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وجماعة من التابعين ، وروي أنه دعا له الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : " اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين " . توفي بالطائف سنة ثمان وستين ، وقيل : تسع وستين . ( طبقات المفسرين للداودي : ج 1 ص 232 ، وتاريخ بغداد : ج 1 ص 173 ، وطبقات القراء : ج 1 ص 426 ، وتذكرة الحفاظ للذهبي : ج 1 ص 40 ، وتاريخ التراث العربي : مج 1 ج 1 ص 63 ) .
( 2 ) رواه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 1 .
( 3 ) الحجر : 87 . ( 4 ) تفسير العياشي : ج 1 ص 19 ح 3 ، وعنه تفسير البرهان : ج 1 ص 42 ح 14 . ( * )

/ صفحة 52 /
وعن أبي بن كعب ( 1 ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن ، وأعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة " ( 2 ) . وعن جابر بن عبد الله ( 3 ) عنه ( عليه السلام ) قال : " هي شفاء من كل داء إلا السام ، والسام الموت " ( 4 ) . * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * ( 1 ) ( 5 ) أصل الاسم : سمو ، لأن جمعه أسماء وتصغيره سمي * ( الله ) * أصله : إله ، فحذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف ، ولذلك قيل في النداء : " يا الله " بقطع الهمزة ، كما يقال : " يا إله " . ومعناه : أنه الذي يحق له العبادة ، وإنما حقت له العبادة لقدرته على أصول النعم ، فهذا الاسم مختص بالمعبود بالحق لا يطلق على غيره ،
وهو اسم غير صفة لأنك تصفه فتقول : " إله واحد " ولا تصف به ، فلا تقول : شئ
* ( هامش ) *
( 1 ) هو ابي بن كعب بن قيس ، يكنى أبا الطفيل ، وأبا المنذر ، كتب الوحي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، شهد العقبة الثانية ، وبالغ النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيها ، وشهد بدرا ، وكان أحد فقهاء الصحابة ، مات على أرجح الأقوال في خلافة عمر بن الخطاب سنة تسع عشرة ، وقيل : اثنتين وعشرين . ( الاستيعاب : ج 1 ص 65 ) .
( 2 ) أورده في مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 17 .
( 3 ) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي ، أبو عبد الله ، ويقال : أبو عبد الرحمن ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، روى الكثير عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وروى عن أبي بكر وعمر ومعاذ وغيرهم . قال ابن سعد : شهد العقبة مع السبعين وكان أصغرهم ، وشهد الحديبية فهو من أهل بيعة الرضوان ، توفي سنة ثمان وسبعين ، وقيل : سبع وسبعين ، وقيل : إنه عاش أربعا وتسعين سنة . ( تاريخ الاسلام : ج 5 ص 377 ، وطبقات ابن سعد : ج 3 ص 574 ، والثقات لابن حبان : ص 52 ، والمعارف لابن قتيبة : ص 162 و 307 و 557 ، وتذكرة الحفاظ للذهبي : ج 1 ص 43 ) .
( 4 ) تفسير العياشي : ج 1 ص 20 ح 9 ، وعنه تفسير البرهان : ج 1 ص 42 ح 20 ، وتفسير الصافي : ج 1 ص 56 .
( 5 ) قال الشيخ الطوسي : عندنا آية من الحمد ومن كل سورة . التبيان : ج 1 ص 24 . ( * )

/ صفحة 53 /
إله ، و * ( الرحمن ) * فعلان من رحم كغضبان ، و * ( الرحيم ) * فعيل منه كعليم ، وفي * ( الرحمن ) * من المبالغة ما ليس في * ( الرحيم ) * ، ولذلك قيل : الرحمن بجميع الخلق ، والرحيم بالمؤمنين خاصة ( 1 ) . ورووا عن الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : " الرحمن اسم خاص بصفة عامة ، والرحيم اسم عام بصفة خاصة " ( 2 ) . وتعلقت الباء في * ( بسم الله ) * بمحذوف تقديره : بسم الله أقرأ ، ليختص اسم الله بالابتداء به ( 3 ) ، كما يقال للمعرس : " باليمن والبركة " بمعنى : أعرست ، وإنما قدر المحذوف متأخرا لأنهم يبتدئون بالأهم عندهم ، ويدل على ذلك قوله : * ( بسم الله مجريها ومرسيهآ ) * ( 4 ) . * ( الحمد لله رب العلمين ) * ( 2 ) * ( الحمد ) * والمدح أخوان ، وهو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها ، وأما الشكر فعلى النعمة خاصة ، والحمد باللسان وحده ، والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح ، ومنه قوله ( عليه السلام ) : " الحمد رأس الشكر " ( 5 ) ، والمعنى في كونه رأس الشكر : أن الذكر باللسان أجلى وأوضح وأدل على مكان النعمة وأشيع للثناء على موليها من الاعتقاد وعمل الجوارح ، ونقيض الحمد الذم ، ونقيض الشكر الكفران .
* ( هامش ) *
( 1 ) وهو المروي عن الصادق ( عليه السلام ) ، رواه عنه الصدوق باسناده في كتاب التوحيد : ص 230 ح 3 ، وأخرجه الطبري في تفسيره : ج 1 ص 84 وعزاه الى العرزمي .
( 2 ) أورده في مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 21 .
( 3 ) في نسخة : بالابتدائية .
( 4 ) هود : 41 .
( 5 ) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير : ج 1 ص 152 ، وفي الدر المنثور : ج 1 ص 30 وعزاه لعبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الاصول والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس والثعلبي في تفسيره والزبيدي في اتحاف المتقين : ج 9 ص 49 . ( * )

/ صفحة 54 /
وإنما عدل بالحمد عن النصب الذي هو الأصل في كلامهم على أنه من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة ، كقولهم : شكرا وعجبا . . . ونحو ذلك إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ، دون تجدده وحدوثه في نحو قولك : أحمد الله حمدا . ومعناه : الثناء الحسن الجميل والمدح ( 1 ) الكامل الجزيل للمعبود المنعم بجلائل النعم ، المنشئ للخلائق والامم ( 2 ) . سورة الفاتحة / 3 - 5 والرب : السيد المالك ، ومنه قول صفوان لأبي سفيان ( 3 ) : لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن ( 4 ) . يقال : ربه يربه فهو رب ، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده ، ويقيد في غيره فيقال : رب الدار ، ورب الضيعة . والعالم : اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين ، وقيل : هو اسم لما يعلم به الصانع من الجواهر والأجسام والأعراض ، وجمع بالواو والنون وإن كان اسما غير صفة لدلالته على معنى العلم ، وليشمل كل جنس مما سمي به ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : الحمد .
( 2 ) في بعض النسخ : النعم .
( 3 ) هو صخر بن حرب بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف ، من سادات قريش في الجاهلية ، وهو والد معاوية رأس الدولة الأموية ، ولد سنة 57 ق ه‍ ، كان من المؤلفة ، وكان قبل ذلك رأس المشركين في حرب الاسلام عند ظهوره ، حيث قاد قريشا وكنانة يوم احد ويوم الخندق لقتال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقيل : أسلم يوم فتح مكة سنة 8 ه‍ ، وروى ابن حجر قال : لما رأى أبو سفيان الناس يطؤون عقب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حسده ، فقال في نفسه : لو عاودت الجمع لهذا الرجل ، فضرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في صدره ثم قال : إذا يخزيك الله . ثم قال : ومن طريق أبي إسحاق السبيعي نحوه وزاد : ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة . مات سنة 31 ه‍ بالمدينة ، وقيل : بالشام . ( الأغاني : ج 6 ص 89 ، والإصابة لابن حجر : ج 2 ص 178 ت 4046 ، وتاريخ ابن عساكر : ج 6 ص 388 ، والبدء والتاريخ : ج 5 ص 107 ، والأعلام للزركلي : ج 3 ص 201 ) .
( 4 ) حكاه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 10 .
( 5 ) ذكره الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 10 - 11 ، والهمداني في الفريد : ج 1 ص 165 . ( * )

/ صفحة 55 /
* ( الرحمن الرحيم ) * ( 3 ) مر معناهما ( 1 ) . * ( ملك يوم الدين ) * ( 4 ) من قرأ : " ملك " ( 2 ) فلأن الملك يعم والملك يخص ، ولقوله سبحانه : * ( ملك الناس ) * ( 3 ) ، ومن قرأ : * ( ملك ) * بالألف فهو إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع ، أجري الظرف مجرى المفعول به والمعنى على الظرفية ، والمراد : مالك الأمر كله في يوم الدين ، وهو يوم الجزاء من قولهم : كما تدين تدان . وهذه الأوصاف التي هي كونه سبحانه ربا مالكا للعالمين لا يخرج منهم شئ من ملكوته وربوبيته ، وكونه منعما بالنعم المتوافرة ( 4 ) الباطنة والظاهرة ، وكونه مالكا للأمر كله في الدار الآخرة بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله : * ( الحمد لله ) * فيها دلالة باهرة على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء . * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * ( 5 ) " إيا " ضمير منفصل للمنصوب ، والكاف والهاء والياء اللاحقة به في " إياك وإياه وإياي " لبيان ( 5 ) الخطاب والغيبة والتكلم ، ولا محل لها من الإعراب ، إذ هي حروف عند المحققين وليست بأسماء مضمرة كما قال بعضهم ( 6 ) . وتقديم المفعول
* ( هامش ) *
( 1 ) مر في ص 12 ، فراجع .
( 2 ) قرأه ابن عباس وابن عمر وأبو الدرداء ومجاهد وابن وثاب والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن جريج والجحدري وابن محيصن وابن جندب وأبو عبيد وزيد ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 104 ، والتيسير في القراءات للداني : ص 18 ، والإملاء للعكبري : ج 1 ص 3 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 20 .
( 3 ) الناس : 2 .
( 4 ) في نسخة زيادة : المتواترة .
( 5 ) في نسخة : بلسان .
( 6 ) قاله الأخفش في معاني القرآن : ج 1 ص 163 ، وعنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 = ( * )

/ صفحة 56 /
إنما هو لقصد الاختصاص ، والمعنى : نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة . والعبادة ضرب من الشكر وغاية فيه وكيفيته ، وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ولذلك لا تحسن إلا لله سبحانه الذي هو مولى أعظم النعم ، فهو حقيق بغاية الشكر . وإنما عدل فيه عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب على عادة العرب في تفننهم في محاوراتهم ، ويسمى هذا التفاتا ، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى التكلم كقوله سبحانه : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( والله الذى أرسل الريح فتثير سحابا فسقنه ) * ( 2 ) . وأما الفائدة المختصة به في هذا الموضع فهو أن المعبود الحقيق بالحمد والثناء لما أجري عليه صفاته العلى تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالعبادة والاستعانة به في المهمات ، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات ، وقيل : إياك - يامن هذه صفاته - نخص بالعبادة والاستعانة ، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه ، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك المتميز ( 3 ) الذي لا تحق العبادة إلا له ( 4 ) . سورة الفاتحة / 6 و 7 وقرنت الاستعانة بالعبادة ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته ، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة يكون قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها ، وأطلقت الاستعانة ليتناول كل مستعان فيه . والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة ، فيكون قوله : * ( اهدنا ) * بيانا للمطلوب من المعونة ، كأنه قيل : كيف أعينكم ؟ فقالوا :
* ( هامش ) *
= ص 13 ، وبه قال الهمداني في الفريد في إعراب القرآن : ج 1 ص 167 .
( 1 ) يونس : 22 .
( 2 ) فاطر : 9 .
( 3 ) في بعض النسخ : التميز .
( 4 ) قاله الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 14 . ( * )

/ صفحة 57 /
* ( اهدنا الصرا ط المستقيم ) * ( 6 ) أصل " هدى " أن يتعدى باللام أو ب‍ " إلى " ، كقوله تعالى : * ( يهدى للتى هي أقوم ) * ( 1 ) ، و * ( إنك لتهدى إلى صرا ط مستقيم ) * ( 2 ) ، فعومل معاملة " اختار " في قوله تعالى : * ( واختار موسى قومه ) * ( 3 ) . و " السراط " بالسين الجادة ، من سرط الشئ إذا ابتلعه ، لأنه يسرط المارة إذا سلكوه كما سمي لقما ( 4 ) لأنه يلتقم السابلة ، وبالصاد من قلب السين صادا لأجل الطاء ، وهي اللغة الفصحى ( 5 ) ( 6 ) ، و * ( الصرا ط المستقيم ) * هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من العباد غيره ، وإنما سمي الدين صراطا لأنه يؤدي بمن يسلكه إلى الجنة كما أن الصراط يؤدي بمن يسلكه إلى مقصده ، وعلى هذا فمعنى قوله : * ( اهدنا ) * زدنا هدى بمنح الألطاف ، كقوله سبحانه : * ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) * ( 7 ) ، ورووا عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أن معناه : ثبتنا ( 8 ) . وروي في بعض الأخبار : أن الصادق ( عليه السلام ) قرأ : " اهدنا صراط المستقيم " بإضافة " صراط " الى " المستقيم " ( 9 ) . * ( صرا ط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) * ( 7 ) هو بدل من * ( الصرا ط المستقيم ) * ، وهو في حكم تكرير العامل ، فكأنه قال :
* ( هامش ) *
( 1 ) الاسراء : 9 .
( 2 ) الشورى : 52 .
( 3 ) الأعراف : 155 .
( 4 ) في نسخة : لقيما .
( 5 ) في نسخة : لغة الفصحاء .
( 6 ) راجع تفصيله في الكشاف : ج 1 ص 15 ، والفريد في إعراب القرآن للهمداني : ج 1 ص 172 .
( 7 ) محمد : 17 .
( 8 ) رواه عنه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 15 . ( 9 ) تفسير العياشي : ج 1 ص 24 ح 26 ، وعنه البرهان : ج 1 ص 52 ح 35 . ( * )

/ صفحة 58 /
اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ، وفائدة البدل التوكيد ، والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره : صراط من خصهم الله تعالى بعصمته ، وأمدهم ( 1 ) بخواص نعمته ، واحتج بهم على بريته ، وفضلهم على كثير من خليقته ، فيكون ذلك شهادة لصراطهم بالاستقامة على آكد الوجوه ، كما تقول : هل أدلك على أكرم الناس فلان ؟ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم من قولك : هل أدلك على فلان الأكرم ؟ لأنك بينت كرمه مجملا أولا ومفصلا ثانيا ، وأوقعت فلانا تفسيرا للأكرم ، فجعلته علما في الكرم ، فكأنك قلت : من أراد رجلا جامعا للكرم فعليه بفلان ، فهو المعين لذلك غير مدافع فيه ، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام . وروي عن أهل البيت ( عليهم السلام ) : " صراط من أنعمت عليهم " وعن عمر بن الخطاب وعمرو بن الزبير ( 2 ) ( 3 ) ، والصحيح هو المشهور . * ( غير المغضوب عليهم ) * بدل من * ( الذين أنعمت عليهم ) * على معنى : أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال ، أو صفة على معنى : أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة العصمة وبين السلامة من غضب الله والضلالة . ويجوز أن يكون * ( غير ) * هاهنا صفة وإن كان " غير " لا يقع صفة للمعرفة ولا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة ، لأن * ( الذين أنعمت عليهم ) * لا توقيت فيه ، فهو كقوله : ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمة قلت لا يعنيني ( 4 )
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : أيدهم .
( 2 ) في نسخة : وابن الزبير .
( 3 ) انظر تفسير القمي : ج 1 ص 29 ، والتبيان : ج 1 ص 43 ، وتفسير الماوردي : ج 1 ص 60 .
( 4 ) البيت منسوب لرجل من بني سلول ، وقيل : هو شمر بن عمرو الحنفي ، ومعناه لا يحتاج إلى بيان . راجع مغني اللبيب : ص 102 و 429 و 645 ، والكشاف : ج 1 ص 16 ، ومعاني القرآن للأخفش : ج 1 ص 323 ، والأصمعيات : ص 126 ، وخزانة الأدب للبغدادي : ج 1 ص 173 . ( * )

/ صفحة 59 /
ولأن * ( المغضوب عليهم ) * و * ( الضالين ) * خلاف المنعم عليهم ، فليس في * ( غير ) * إذا الإبهام الذي يأبى له أن يتعرف ، وقيل : إن المغضوب عليهم هم اليهود ، لقوله تعالى : * ( من لعنه الله وغضب عليه ) * ( 1 ) والضالين هم النصارى ، لقوله تعالى : * ( قد ضلوا من قبل ) * ( 2 ) ( 3 ) . ومعنى غضب الله إرادة الانتقام منهم وإنزال العقاب ( 4 ) بهم ، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده ، ومحل * ( عليهم ) * الأولى نصب على المفعولية ، ومحل * ( عليهم ) * الثانية رفع على الفاعلية ( 5 ) . وأصل الضلال الهلاك ، ومنه قوله : * ( وأضل أعملهم ) * ( 6 ) أي : أهلكها ( 7 ) ، والضلال في الدين هو الذهاب عن الحق .
* ( هامش ) *
( 1 ) المائدة : 60 .
( 2 ) المائدة : 77 .
( 3 ) قاله ابن عباس . راجع تفسيره : ص 2 ، وفي التبيان : ج 1 ص 45 قال : وروي ذلك عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
( 4 ) في نسخة : العذاب .
( 5 ) انظر الكشاف للزمخشري : ج 1 ص 17 ، والفريد في إعراب القرآن للهمداني : ج 1 ص 178 . ( 6 ) محمد : 8 . ( 7 ) في نسخة : أهلكتهم . ( * )

/ صفحة 60 /
سورة البقرة / 1 سورة البقرة مدنية ( 1 ) ( 2 ) ، وهي مائتان وست وثمانون آية كوفي ، وسبع بصري * ( الم ) * و * ( تتفكرون ) * ( 3 ) كوفي ، * ( إلا خائفين ) * ( 4 ) و * ( قولا معروفا ) * ( 5 ) و * ( الحى القيوم ) * ( 6 ) بصري . عن أبي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : " من قرأ سورة البقرة فصلوات الله عليه ورحمته ،
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة زيادة : إلا آية وهو قوله تعالى : * ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) * الآية : 281 فانها نزلت بمنى في حجة الوداع .
( 2 ) قال الشيخ الطوسي في تبيانه : ج 1 ص 47 : وهي مائتان وست وثمانون آية في الكوفي وسبع بصري وخمس مدني ، وروي أن قوله : * ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) * نزلت في حجة الوداع . ونحوه الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 63 . وقال ابن كثير في تفسيره : ج 1 ص 34 : والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف ، وهي من أوائل ما نزل بها ، لكن قوله تعالى فيه : * ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) * الآية يقال : إنها آخر ما نزل من القرآن ، ويحتمل أن تكون منها وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل ، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن . قال بعض العلماء : وهي مشتملة على ألف خبر والف أمر وألف نهي ، وقال العادون : آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائتان وإحدى وعشرون كلمة وحروفها خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف .
( 3 ) آية : 219 .
( 4 ) آية : 114 .
( 5 ) آية : 235 .
( 6 ) آية : 255 . ( * )

/ صفحة 61 /
وأعطي من الأجر كالمرابط في سبيل الله سنة لا تسكن روعته " ، وقال لي : " يا أبي ، مر المسلمين أن يتعلموا سورة البقرة فإن تعلمها بركة ، وتركها حسرة ، ولا يستطيعها البطلة " ، قلت : يا رسول الله من البطلة ؟ قال : " السحرة " ( 1 ) . وعن الصادق ( عليه السلام ) : " من قرأ البقرة وآل عمران جاء يوم القيامة يظلان ( 2 ) على رأسه مثل الغمامتين أو مثل الغيايتين " ( 3 ) ( 4 ) . * ( بسم الله الرحمن الرحيم الم ) * ( 1 ) اختلف في هذه الفواتح المفتتح بها السور ، فورد عن أئمتنا ( عليهم السلام ) : أنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها ، ولا يعلم تأويلها غيره ( 5 ) . وعن الشعبي ( 6 ) قال : لله تعالى في كل كتاب سر ، وسره في القرآن حروف التهجي في أوائل السور ( 7 ) . وقال الأكثرون في ذلك وجوها : منها : أنها أسماء للسور ، تعرف كل سورة بما افتتحت به . ومنها : أنها أقسام أقسم الله تعالى بها لكونها مباني كتبه ، ومعاني أسمائه وصفاته ، وأصول كلام الأمم كلها . ومنها : أنها مأخوذة من صفات الله
* ( هامش ) *
( 1 ) أورده في مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 32 ، وتفسير الكشاف : ج 1 ص 334 .
( 2 ) في نسخة : يظلانه .
( 3 ) في بعض النسخ : الغيابتين ، وفي اخرى : الغبابتين . وما أثبتناه لما في الصحاح من أن الغياية ( بيائين ) كل شئ أظل الانسان فوق رأسه ، مثل : السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك . ( الصحاح : مادة غيي ) .
( 4 ) ثواب الأعمال للصدوق : ص 130 .
( 5 ) معاني الأخبار للصدوق : ص 24 ، رسائل المرتضى : ج 3 ص 301 .
( 6 ) هو أبو عمرو ، عامر بن شراحيل الكوفي الشعبي ، كان فقيها ومن كبار التابعين ، روى عن مائة وخمسين من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكن لا يخفى أنه عند علماء الشيعة مذموم مطعون ، وقد روى عنه أشياء ردية . مات بالكوفة سنة 104 ه‍ . ( الكنى والألقاب للقمي : ج 2 ص 361 ، ووفيات الأعيان لابن خلكان : ج 2 ص 227 ) . ( 7 ) حكاه عنه القرطبي في تفسيره : ج 1 ص 154 . ( * )

/ صفحة 62 / عز وجل ، كقول ابن عباس في * ( كهيعص ) * : إن الكاف من كاف ، والهاء من هاد ، والياء من حكيم ، والعين من عليم ، والصاد من صادق ، و * ( الم ) * معناه : أنا الله أعلم ( 1 ) . ومنها : أن كل حرف منها يدل على مدة قوم وآجال آخرين ، إلى غير ذلك من الوجوه ( 2 ) . على أن هذه الفواتح وغيرها من الألفاظ التي يتهجى بها عند المحققين أسماء مسمياتها حروف الهجاء ( 3 ) التي ركبت منها الكلم ، وحكمها أن تكون موقوفة كأسماء الأعداد ، تقول : ألف ، لام ، ميم ، كما تقول : واحد ، اثنان ، ثلاثة ، فإذا وليتها العوامل أعربت ، فقيل : هذه الف ، وكتبت لاما ، ونظرت إلى ميم . قال الشاعر : إذا اجتمعوا على ألف وياء * وواو هاج بينهم جدال ( 4 ) * ( ذا لك الكتب لاريب فيه هدى للمتقين ) * ( 2 ) سورة البقرة / 2 إن جعلت * ( الم ) * اسما للسورة ، ففيه وجوه : أحدها : أن يكون * ( الم ) * مبتدأ ، و * ( ذا لك ) * مبتدأ ثانيا ، و * ( الكتب ) * خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، فيكون المعنى : إن ذلك هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتابا ، كأن ما سواه من الكتب ناقص بالإضافة إليه ، كما تقول : هو الرجل ، أي : الكامل في الرجولية . والثاني : أن يكون الكتاب صفة ، فيكون المعنى : هو * ( ذا لك الكتب ) *
* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير ابن عباس : ص 3 و 253 ، وعنه البغوي في تفسيره : ج 1 ص 44 .
( 2 ) انظر تفصيل الأقوال ومن ذهب إليها في التبيان : ج 1 ص 47 - 49 ، وتفسير البغوي : ج 1 ص 44 ، وتفسير ابن كثير : ج 1 ص 34 .
( 3 ) في نسخة زيادة : المبسوطة .
( 4 ) البيت ليزيد بن الحكم كما نسبه إليه الزجاج وابن الأنباري والقالي ، وروى الحريري في درة الغواص عن الأصمعي قال : أنشدني عيسى بن عمر بيتا هجا به النحويين ، وذكر البيت . انظر معاني القرآن واعرابه : ج 1 ص 61 ، وخزانة الأدب : ج 1 ص 110 - 112 ، والمقتضب : ج 1 ص 236 وفيه : " قتال " بدل " جدال " . ( * )

/ صفحة 63 /
الموعود . والثالث : أن يكون التقدير : " هذه الم " فتكون جملة ، و * ( ذا لك الكتب ) * جملة أخرى . وإن جعلت * ( الم ) * بمنزلة الصوت كان * ( ذا لك ) * مبتدأ و * ( الكتب ) * خبره ، أي : ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده ، أو قدر مبتدأ محذوف ، أي : هو - يعني المؤلف من هذه الحروف - ذلك الكتاب . والريب : مصدر رابه يريبه إذا حصل فيه الريبة ، وحقيقة الريبة : قلق النفس واضطرابها ، وفي الحديث : " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " ( 1 ) والمعنى أنه من وضوح دلالته بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه ، إذ لا مجال للريبة فيه . والمشهور الوقف على * ( فيه ) * ، وبعض القراء يقف على * ( لاريب ) * ، ولابد لمن يقف عليه أن ينوي خبرا ، ونظيره قوله : لا ضير ، والتقدير : " لا ريب فيه ، فيه هدى " ، والهدى : مصدر على فعل كالسرى ، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقد وضع المصدر الذي هو * ( هدى ) * موضع الوصف الذي هو " هاد " ، والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقاب من فعل أو ترك ، وسماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين ، كقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " من قتل قتيلا فله سلبه " ( 2 ) وقوله تعالى : * ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) * ( 3 ) أي : صائرا إلى الفجور والكفر ، فكأنه قال : هدى للصائرين إلى التقى ، ولم يقل : " هدى للضالين " لأن الضالين فريقان : فريق علم بقاؤهم على الضلالة وفريق علم مصيرهم إلى الهدى ، فلا يكون هدى
* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد : ج 3 ص 153 ، ومستدرك الحاكم : ج 2 ص 13 .
( 2 ) المصنف لابن أبي شيبة : ج 12 ص 369 و 372 ، وج 14 ص 524 ، طبقات ابن سعد : ج 3 ص 364 ، نصب الراية للزيلعي : ج 3 ص 428 و 429 و 430 و 434 ، بداية النهاية : ج 4 ص 348 .
( 3 ) نوح : 27 . ( * )

/ صفحة 64 /
لجميعهم ، وأيضا : فقد صدرت السورة التي هي أولى الزهراوين ( 1 ) وسنام القرآن وأول المثاني بذكر المرتضين من عباد الله وهم المتقون . * ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ) * الموصول : إما أن يكون مجرورا بأنه صفة للمتقين أو منصوبا أو مرفوعا على المدح على تقدير : أعني الذين يؤمنون ، أو هم الذين يؤمنون . وإما أن يكون منقطعا عما قبله مرفوعا على الابتداء وخبره * ( أولئك على هدى ) * ، والإيمان إفعال من الأمن يقال : أمنت شيئا وآمنت غيري ، ثم يقال : آمنه إذا صدقه ، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة ، وعدي بالباء فقيل : آمن به ، لأنه ضمن معنى : أقر واعترف ، ويجوز أن يكون على قياس فعلته فأفعل ، فيكون " آمن " بمعنى صار ذا أمن في نفسه بإظهار التصديق . وحقيقة الإيمان في الشرع هو المعرفة بالله وصفاته وبرسله وبجميع ما جاءت به رسله ، وكل عارف بشئ فهو مصدق به . سورة البقرة / 3 و 4 ولما ذكر سبحانه الإيمان علقه بالغيب ليعلم أنه التصديق لله تعالى فيما أخبر به رسوله مما غاب عن العباد علمه : من ذكر القيامة والجنة والنار وغير ذلك ، ويجوز أن يكون * ( بالغيب ) * في موضع الحال ، ولا يكون صلة ل‍ * ( يؤمنون ) * ، أي : يؤمنون غائبين عن مرأى الناس ، وحقيقته متلبسين ( 2 ) بالغيب ، كقوله : * ( يخشون ربهم بالغيب ) * ( 3 ) فيكون الغيب بمعنى : الغيبة والخفاء ، وعلى المعنى الأول يكون الغيب بمعنى : الغائب ، من قولك : غاب الشئ غيبا ، فيكون مصدرا سمي به .
* ( هامش ) *
( 1 ) الزهراوان : سورتا البقرة وآل عمران كما في الحديث . انظر مستدرك الحاكم : ج 1 ص 560 .
( 2 ) في بعض النسخ : ملتبسين .
( 3 ) الأنبياء : 49 . ( * )

/ صفحة 65 /
ثم عطف - سبحانه - على الإيمان بذكر الصلاة التي هي رأس العبادات البدنية ، فقال : * ( ويقيمون الصلوة ) * أي : يحافظون عليها ويتشمرون لأدائها ، من قولهم : قام بالأمر ، أو ( 1 ) يؤدونها ، فعبر عن الأداء بالإقامة ، أو يعدلون أركانها ، من قولهم : أقام العود إذا قومه . * ( ومما رزقنهم ينفقون ) * ( 3 ) ثم عطف على ذلك بالعبادة المالية التي هي الإنفاق ، فقال : * ( ومما رزقنهم ) * أسند الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم * ( ينفقون ) * الحلال الطلق الذي يستأهل أن يسمى رزقا من الله ، و " من " للتبعيض ، فكأنه يقول : ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به . وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة لاقترانه بالصلاة ، وأن تراد هي وغيرها من الصدقات والنفقات في وجوه البر لمجيئه مطلقا ، وعن الصادق ( عليه السلام ) : " ومما علمناهم يبثون " ( 2 ) .
* ( والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون ) * ( 4 ) يحتمل أن يراد بهولاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ( 3 ) وغيره ، فيكون
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : أي .
( 2 ) كذا ذكره المصنف هنا وفي مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 39 بلفظ " يبثون " ، لكن في تفسير العياشي : ج 1 ص 26 ح 1 ، والبحار : ج 21 ص 21 ، والبرهان : ج 1 ص 53 ، والصافي : ج 1 ص 58 و 59 بلفظ " ينبئون " .
( 3 ) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الاسرائيلي أبو يوسف ، حليف بني عوف بن الخزرج ، أسلم عند قدوم النبي ( صلى الله عليه وآله ) المدينة ، قيل : كان اسمه الحصين فسماه النبي ( صلى الله عليه وآله ) عبد الله وشهد له بالجنة . روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعنه ابناه ، شهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية ، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين . ( الاستيعاب : ج 3 ص 921 ) . ( * )

/ صفحة 66 /
المعطوف غير المعطوف عليه ، ويحتمل أن يراد وصف الأولين ، فيكون المعنى : أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه . وقوله : * ( هم يوقنون ) * تعريض بأهل الكتاب ، وأنهم يثبتون أمر الآخرة على خلاف حقيقته ، ولا يصدر قولهم عن إيقان ، و " الآخرة " تأنيث الآخر وهي صفة الدار ، بدليل قوله تعالى : * ( تلك الدار الاخرة ) * ( 1 ) وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدنيا . والإيقان واليقين : هو العلم الحاصل بعد استدلال ونظر ، ولذلك لا يطلق " الموقن " على الله تعالى لاستواء الأشياء في الجلاء عنده . * ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) * ( 5 ) الجملة في محل ( 2 ) الرفع إن كان * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * مبتدأ وإلا فلا محل لها ، وفي اسم الإشارة الذي هو * ( أولئك ) * إيذان بأن ما يرد عقيبه ، فالمذكورون قبله أهل له من أجل الخصال التي عددت لهم ، ومعنى الاستعلاء في قوله : * ( على هدى ) * مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه ، شبهت حالهم بحال من اعتلى شيئا وركبه ، ومعنى * ( من ربهم ) * : منحوه وأعطوه من عنده ، وهو اللطف والتوفيق على أعمال البر . ونكر * ( هدى ) * ليفيد ضربا مبهما لا يبلغ كنهه ، كأنه قيل : على أي هدى ، وفي تكرير * ( أولئك ) * تنبيه على أنهم تميزوا بكل واحدة من الأثرتين اللتين هما الهدى والفلاح عن غيرهم . سورة البقرة / 5 و * ( هم ) * سماه البصريون فصلا ، والكوفيون عمادا ، وفائدته الدلالة على أن المذكور بعده خبر لا صفة وتوكيد ، وإيجاب أن فائدة الخبر ثابتة للمخبر عنه دون
* ( هامش ) *
( 1 ) القصص : 83 .
( 2 ) في نسخة : موضع . ( * )

/ صفحة 67 /
غيره ، ويجوز أن يكون * ( هم ) * مبتدأ و * ( المفلحون ) * خبره ، والجملة خبر * ( أولئك ) * . و " المفلح " : الفائز بالبغية ، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر . و " المفلج " بالجيم مثله ( 1 ) . وقوله : * ( على هدى من ربهم ) * أدغمت بغنة وغير غنة ، والغنة : صوت خفي يخرج من الخيشوم ، والنون الساكنة والتنوين لهما ثلاثة أحوال مع الحروف في جميع القرآن : الإظهار وذلك مع حروف الحلق ، والإدغام و ( 2 ) ذلك مع الميم ، نحو * ( هدى من ربهم ) * و * ( على أمم ممن معك ) * ( 3 ) لا يجوز إلا الإدغام هنا لاشتراك النون والميم في الغنة ، والإخفاء وذلك مع سائر الحروف ، نحو * ( من دابة ) * ( 4 ) و * ( بمن فيها ) * ( 5 ) . وهذا عند جميع القراء إلا أبا عمرو ( 6 ) وحمزة ( 7 ) والكسائي ( 8 ) فإنهم يدغمونهما في اللام والراء نحو : * ( هدى للمتقين ) * و * ( من
* ( هامش ) *
( 1 ) انظر لسان العرب : مادة فلج .
( 2 ) في نسخة زيادة : يجوز .
( 3 ) هود : 48 .
( 4 ) الانعام : 38 .
( 5 ) العنكبوت : 32 .
( 6 ) أبو عمرو ، هو زبان بن العلاء البصري ، أحد القراء السبعة ، سمع أنس بن مالك ، وعنه أحمد الليثي وأحمد اللؤلؤي ، عالم بالعربية والشعر ، توفي عام 154 ه‍ . ( فهرست ابن النديم : ص 48 ، وطبقات الشعراء : ج 1 ص 288 ، وتاريخ التراث العربي : مج 1 ج 1 ص 153 ) .
( 7 ) هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن الزبان التميمي ، أحد القراء السبعة ، ولد بالكوفة سنة 80 ه‍ ، أخذ القراءة عرضا عن الأعمش وحمران بن أعين وغيرهما ، كان عالما بالقراءات ، بصيرا بالفرائض ، إليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم ، توفي سنة 156 ه‍ . ( المعارف لابن قتيبة : ص 263 ، وفهرست ابن النديم : ص 29 ، وغاية النهاية للجزري : ج 1 ص 261 - 263 ، وأعيان الشيعة : ج 6 ص 238 ) .
( 8 ) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي بالولاء الكوفي المعروف بالكسائي ، أحد القراء السبعة ، كان إماما في النحو واللغة والقراءات ، قرأ على يد حمزة ، كان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب ، توفي بالري وكان قد خرج إليها بصحبة هارون الرشيد وذلك سنة 189 ه‍ . ( وفيات الأعيان : ج 2 ص 457 ، والكنى والألقاب : ج 3 ص 112 ) . ( * )
/ صفحة 68 /
ربهم ) * ، ويدغمهما حمزة والكسائي في الياء نحو : * ( من يقول ) * ( 1 ) ، ويدغمهما حمزة في الواو ، نحو : * ( ظلمت ورعد وبرق ) * ( 2 ) فاللام والراء والواو والياء عندهم بمنزلة الميم ، ويقال لها : حروف يرملون ، لأنها أيضا تدغم في النون نحو : * ( منى ) * ( 3 ) و * ( منا ) * ( 4 ) ( 5 ) . * ( إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) * ( 6 ) سورة البقرة / 7 لما قدم سبحانه ذكر الأتقياء عقبه بذكر الأشقياء وهم الكفار الذين لا ينفعهم اللطف ، و * ( سوآء عليهم ) * وجود الكتاب وعدمه ، وإنذار الرسول وترك إنذاره ، و * ( سوآء ) * اسم بمعنى الاستواء ، وصف به كما يوصف بالمصادر ، وهو خبر * ( إن ) * ، و * ( أنذرتهم أم لم تنذرهم ) * في موضع الرفع بالفاعلية ، كأنه ( 6 ) قيل : مستو عليهم إنذارك وعدمه ، كما تقول : إن زيدا مختصم أخوه ( 7 ) وابن عمه ، أو يكون * ( ءأنذرتهم أم لم تنذرهم ) * في موضع الابتداء و * ( سوآء ) * خبرا مقدما بمعنى سواء * ( عليهم ) * إنذارك وعدمه ، والجملة خبر ل‍ * ( إن ) * ، كذا ذكره جار الله العلامة ( 8 ) لله دره ، وما أوردناه في مجمع البيان ( 9 ) فهو من كلام أبي علي الفارسي ( رحمه الله ) ( 10 ) ( 11 ) . والإنذار : التخويف من عقاب الله . وقوله : * ( لا يؤمنون ) * جملة
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 200 .
( 2 ) البقرة : 19 .
( 3 ) القصص : 34 .
( 4 ) الأنبياء : 101 .
( 5 ) راجع تفصيل ذلك في كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 128 - 129 ، وتفسير البغوي : ج 1 ص 45 .
( 6 ) في نسخة : كما .
( 7 ) في نسخة : أبوه .
( 8 ) في الكشاف : ج 1 ص 47 .
( 9 ) مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 42 .
( 10 ) وأبو علي هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفسوي النحوي ، فارس ميدان العلم والأدب ، وإمام وقته في علم النحو ، أقام بحلب وصنف كتبا لم يسبق الى مثلها ، ولد بمدينة " فسا " سنة 288 ه‍ ، وتوفي ببغداد سنة 377 ه‍ . ( الكنى والألقاب : ج 3 ص 4 ) . ( 11 ) في الحجة في علل القراءات : ج 1 ص 201 . ( * )

/ صفحة 69 /
مؤكدة للجملة قبلها ، أو خبر ل‍ * ( إن ) * والجملة قبلها اعتراض . قيل : نزلت هذه الآية والتي بعدها في أبي جهل وأضرابه ( 1 ) ، وعلى هذا فيكون التعريف في * ( الذين كفروا ) * للعهد ، وقيل : هي في جميع من صمم على كفره على العموم ، فيكون التعريف للجنس ( 2 ) . * ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشوة ولهم عذاب عظيم ) * ( 7 ) الختم والكتم أخوان ، والغشاوة فعالة من غشاه : إذا غطاه ، وهذا البناء لما يشتمل على الشئ كالعمامة . والختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار من باب المجاز ، وهو نوعان : استعارة وتمثيل ، ويحتمل هنا كلا النوعين : أما الاستعارة ، فأن ( 3 ) يجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها لإعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله ، وأسماعهم لأنها تنبو عن استماعه ( 4 ) كأنهما ( 5 ) مختوم عليهما ، وأبصارهم كأنما ( 6 ) غطي عليها وحيل بينها وبين الإدراك . وأما التمثيل ، فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي خلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الانتفاع بها بالختم والتغطية . وأما إسناد الختم إلى الله ، فللتنبيه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها كالشئ الخلقي غير العرضي ، كما يقال : فلان مجبول على كذا ومفطور عليه ، يريدون أنه مبالغ في الثبات عليه . ووجه آخر : وهو أنهم لما علم الله سبحانه أنه لا طريق لهم
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع التبيان : ج 1 ص 377 . وأبو جهل هو عمرو بن هشام بن مغيرة المخزومي ، كان من أشد الناس عداوة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقتل كافرا يوم بدر .
( 2 ) قاله الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 47 .
( 3 ) في بعض النسخ : فبأن .
( 4 ) في نسخة : سماعه .
( 5 ) في نسخة : كأنها .
( 6 ) في بعض النسخ : كأنها . ( * )

/ صفحة 70 /
إلى أن يؤمنوا طوعا واختيارا فلم يبق إلا القسر والإلجاء ، ولم يقسرهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف ، عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم ، إشعارا بأنهم قد بلغوا الغاية القصوى في لجاجهم واستشرائهم في الغي والضلال . ووحد السمع لأنه مصدر في الأصل والمصادر لا تجمع ، ولأنهم قالوا : كلوا في بعض بطنكم ( 1 ) تعفوا ، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس ، وإذا لم يؤمن ( 2 ) لم يفعلوا ، لا تقول : ثوبهم وغلامهم وأنت تريد الجمع . والبصر : نور العين وهو ما يبصر به الرائي ، كما أن البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمل . والعذاب مثل النكال بناء ومعنى ، لأنك تقول : أعذب عن الشئ إذا أمسك عنه ، كما تقول : نكل عنه ، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابا وإن لم يكن نكالا ، أي : عقابا يرتدع به الجاني . والعظيم : نقيض الحقير ، كما أن الكبير نقيض الصغير ، فالعظيم فوق الكبير ،
كما أن الحقير دون الصغير . ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا ، تقول : رجل عظيم وكبير جثته أو خطره . * ( ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الاخر وماهم بمؤمنين ) * ( 8 ) سورة البقرة / 9 افتتح سبحانه بذكر الذين آمنوا بالله سرا وعلانية ، ثم ثنى بالذين كفروا قلوبا وألسنة ، ثم ثلث بالمنافقين الذين أبطنوا خلاف ما أظهروا ، وهم أخبث ( 3 ) الكفار وأمقتهم عنده ، ووصف حال الذين كفروا في آيتين ، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية ، وقصتهم معطوفة على قصتهم كما تعطف الجملة على الجملة . وأصل " ناس " أناس فحذفت همزته تخفيفا ، وحذفها مع لام التعريف
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : بطن بعضكم .
( 2 ) في نسخة : يؤمنوا .
( 3 ) في نسخة زيادة : من . ( * )

/ صفحة 71 /
كاللازم ، لا يكاد يقال : الأناس ، ويشهد لأصله إنسان وإنس ، وسموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي : يبصرون كما سمي الجن جنا لاجتنانهم ، و " من " في * ( من يقول ) * موصوفة ، كأنه يقول : * ( ومن الناس ) * ناس يقولون كذا ، كقوله : * ( من المؤمنين رجال ) * ( 1 ) ، هذا إن جعلت اللام للجنس ، وإن جعلتها للعهد فموصولة ، كقوله : * ( ومنهم الذين يؤذون النبي ) * ( 2 ) . وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة ، وفي قوله : * ( وماهم بمؤمنين ) * من التوكيد والمبالغة ما ليس في قولك : وما آمنوا ، لأن فيه إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن يكون ( 3 ) طائفة من طوائف المؤمنين ، فقد انطوى تحته نفي ما ادعوه لأنفسهم من الإيمان على القطع . * ( يخدعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) * ( 9 ) المعنى : أن هؤلاء المنافقين صنعوا صنع الخادعين حيث تظاهروا بالإيمان وهم كافرون ، وصنع الله معهم صنع الخادع حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار ، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم ، فإن حقيقة الخدع أن يوهم الرجل صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه . ويجوز أن يريد : * ( يخدعون ) * رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ، كما يقال : قال الملك كذا ، وإنما القائل وزيره أو ( 4 ) خاصته الذين قولهم قوله * ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) * لأن ضررها يلحقهم ولا
* ( هامش ) *
( 1 ) الأحزاب : 23 .
( 2 ) التوبة : 61 .
( 3 ) كذا في جميع النسخ لكن الظاهر أن الصحيح : يكونوا .
( 4 ) في نسخة زيادة : بعض . ( * )

/ صفحة 72 /
يعدوهم إلى غيرهم ، ومن قرأ : " يخادعون " ( 1 ) أتى به على لفظ يفاعلون للمبالغة . والنفس : ذات الشئ وحقيقته ، ثم قيل للقلب : نفس ، لأن النفس به نفس ( 2 ) ، قالوا : المرء بأصغريه ، أي بقلبه ولسانه . وقيل أيضا للروح : نفس ، وللدم : نفس ، لأن قوامها بالدم ، وللماء : نفس لفرط حاجتها إليه ، ونفس الرجل أي : عين ، وحقيقته : أصيبت نفسه ، كما قيل : صدر الرجل وفئد ، وقالوا : فلان يؤامر نفسه ، إذا تردد في الأمر واتجه له رأيان لا يدري على أيهما يعول ، كأنهم أرادوا داعي النفس ، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم ، ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم . والشعور : علم الإنسان بالشئ علم حس ، ومشاعر الإنسان : حواسه . * ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) * ( 10 ) سورة البقرة / 11 استعير المرض لأعراض القلب ، كسوء الاعتقاد والغل والحسد وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض ، كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك ، والمراد به هاهنا ما * ( في قلوبهم ) * من الكفر أو من الغل والحنق على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والمؤمنين * ( فزادهم الله مرضا ) * بما ينزل على رسوله من الوحي ، فيكفرون به ويزدادون كفرا إلى كفرهم ، فكأنه سبحانه زادهم ما ازدادوه ، وأسند الفعل إلى المسبب ( 3 ) كما أسنده إلى السورة في قوله : * ( فزادتهم رجسا إلى
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والأعرج وابن جندب وشيبة ومجاهد وشبل وابن محيصن والزيدي . راجع التبيان : ج 1 ص 68 ، وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 139 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 309 ، والاملاء للعكبري : ج 1 ص 10 ، والحجة في القراءات لأبي زرعة : ص 87 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 57 .
( 2 ) في نسخة : لأن قوام النفس به .
( 3 ) في بعض النسخ : السبب . ( * )

/ صفحة 73 /
رجسهم ) * ( 1 ) لكونها سببا ، أو أراد : كلما زاد رسوله نصرة وتمكنا في البلاد والعباد ازدادوا غلا وحسدا ، و ( 2 ) ازدادت قلوبهم ضعفا وجبنا وخورا ( 3 ) . وألم فهو أليم كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به كقوله : تحية بينهم ضرب وجيع ( 4 ) وهذا على طريقة قولهم : " جد جده " . والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد ، و * ( بما كانوا يكذبون ) * أي : بكذبهم ، وفي هذا إشارة إلى قبح الكذب وأن لحوق العذاب الأليم من أجل كذبهم ، وقرئ : " يكذبون " ( 5 ) من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، أو من كذب الذي هو مبالغة في كذب ، أو بمعنى الكثرة . * ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون ) * ( 11 ) هذا معطوف على * ( يكذبون ) * ، ويجوز أن يكون معطوفا على * ( يقول ءامنا ) * لأنك لو قلت : ومن الناس من إذا قيل لهم : لا تفسدوا ، صح الكلام ، والفساد : خروج الشئ عن حال استقامته وكونه منتفعا به ، ونقيضه الصلاح ، وكان فساد
* ( هامش ) *
( 1 ) التوبة : 125 .
( 2 ) في نسخة : أو .
( 3 ) الخور - بالتحريك - : الضعف . ( القاموس المحيط والصحاح : مادة خور ) .
( 4 ) وصدره : وخيل قد دلفت لها بخيل . والبيت منسوب لعمرو بن معد يكرب ضمن قصيدة بعث بها الى دريد بن الصمة عندما التمس منه زواج اخته ريحانة فأجابه ومطله . انظر الكشاف : ج 2 ص 60 ، وخزانة الأدب : ج 9 ص 257 ، والمقتضب : ج 2 ص 413 ، والخصائص : ج 1 ص 368 .
( 5 ) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ، والأعرج وشيبة وأبي جعفر ومجاهد وشبل وأبو رجاء وأبو حاتم . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 141 والكشف عن وجوه القراءات للقيسي : ج 1 ص 227 - 229 ، والحجة في القراءات لأبي زرعة : ص 88 ، والتيسير في القراءات : ص 72 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 60 . ( * )

/ صفحة 74 /
المنافقين بميلهم إلى الكفار ، وإفشاء أسرار المسلمين ( 1 ) إليهم وإغرائهم عليهم ، ومعنى * ( إنما نحن مصلحون ) * : أن صفة المصلحين تمحضت لهم وخلصت من غير شائبة قادحة فيها ( 2 ) من وجوه الفساد . * ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) * ( 12 ) * ( ألا ) * مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقيق ما بعدها ، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا ، كقوله : * ( أليس ذلك بقدر ) * ( 3 ) ، رد الله سبحانه دعواهم أنهم المصلحون أبلغ رد بما في كلتا الكلمتين : " ألا " و " إن " من التأكيد ، وبتعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله : * ( لا يشعرون ) * . * ( وإذا قيل لهم ءامنوا كمآ ءامن الناس قالوا أنؤمن كمآ ءامن السفهآء ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون ) * ( 13 ) السفه : خفة الحلم وسخافة العقل ، والمعنى : إذا نصحوا أو بصروا طريق الرشد بأن قيل لهم : صدقوا رسول الله كما صدقه الناس ، واللام في * ( الناس ) * للعهد ، أي : كما آمن أصحاب رسول الله وهم ناس معهودون ، أو عبد الله بن سلام وأضرابه ، أي : كما آمن أصحابكم وإخوانكم ، أو للجنس ، أي : كما آمن الكاملون في الإنسانية ، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل ، والاستفهام في * ( أنؤمن ) * للإنكار ، واللام في * ( السفهآء ) * مشار بها إلى الناس . سورة البقرة / 14 و 15 وفصلت هذه الآية ب‍ * ( لا يعلمون ) * والتي قبلها ب‍ * ( لا يشعرون ) * لأن أمر
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : المؤمنين .
( 2 ) في بعض النسخ زيادة : بوجه .
( 3 ) القيامة : 40 . ( * )

/ صفحة 75 /
الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يعلم ، وأما النفاق وما فيه من الفساد فأمر دنيوي ، فهو كالمحسوس المشاهد ، ولأنه قد ذكر السفه فكان ذكر العلم معه أحسن . * ( وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شيطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون ) * ( 14 ) هذا بيان ما كانوا يعملونه مع المؤمنين ، أي : إذا لقوهم أوهموهم أنهم معهم ، وإذا فارقوهم إلى رؤسائهم من الكفار أو اليهود الذين أمروهم بالتكذيب قالوا : إنا على دينكم وصدقوهم ما في قلوبهم . وخلوت بفلان وخلوت إليه بمعنى انفردت معه ، و * ( إنا معكم ) * أي : إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم ، وقولهم : * ( إنما نحن مستهزءون ) * توكيد لقولهم : * ( إنا معكم ) * ، لأن المعنى في * ( إنا معكم ) * الثبات على اليهودية ، وقولهم : * ( إنما نحن مستهزءون ) * رد للإسلام ودفع له ، لأن المستهزئ بالشئ - وهو المستخف به - منكر له ودافع ، ويجوز أن يكون بدلا منه أو استئنافا . * ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغينهم يعمهون ) * ( 15 ) معنى استهزاء الله تعالى بهم إنزال الهوان والحقارة بهم ، أو إجراء أحكام المسلمين عليهم عاجلا وقد أعد لهم أليم العقاب آجلا ، وسمي جزاء الاستهزاء باسمه ، كقوله : * ( وجزا ؤا سيئة سيئة مثلها ) * ( 1 ) . وفي استئناف قوله : * ( الله يستهزئ ) * من غير حرف عطف أن الله تعالى هو الذي يتولى الاستهزاء * ( بهم ) * انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم بذلك ، وقوله :
* ( هامش ) *
( 1 ) الشورى : 40 . ( * )

/ صفحة 76 /
* ( ويمدهم ) * من مد الجيش وأمده إذا زاده ، والمعنى : أنه يمنعهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين ويخذلهم بسبب كفرهم ، فتبقى قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها كما يتزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين . وأسند ذلك التزايد إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم . وعن الحسن ( 1 ) قال : في ضلالتهم يتمادون ( 2 ) والطغيان : الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو ، وفي إضافة الطغيان إليهم ما يدل على أن الطغيان والتمادي في الضلال مما اقترفته نفوسهم ، والعمه مثل العمى إلا أن العمه في الرأي خاصة ، وهو التحير والتردد ، لا يدري أين يتوجه . * ( أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين ) * ( 16 ) سورة البقرة / 17 معنى اشتراء * ( الضللة بالهدى ) * اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل الاستعارة ، لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر ، والضلالة : الجور عن القصد ، وفي المثل : " ضل دريص نفقه " ( 3 ) ، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين ، والربح : الفضل على رأس المال ، وأسند الخسران إلى التجارة مجازا ، والمعنى : أن المطلوب في التجارة سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوا
* ( هامش ) *
( 1 ) هو الحسن بن أبي الحسن بن يسار ، أبو سعيد البصري ، مولى الأنصار ، كان فصيحا زاهدا ، وكان حافظا واعظا بارعا في وعظه ، وكان راويا عن كثير من الصحابة ، ولد لسنتين بقينا من خلافة عمر ، ونشأ بوادي القرى ، وتوفي سنة 110 ه‍ وهو ابن ثمان وثمانين . ( تهذيب التهذيب لابن حجر : ج 2 ص 263 - 270 ، وميزان الاعتدال للذهبي : ج 1 ص 254 ، وحلية الأولياء لأبي نعيم : ج 2 ص 131 ، وأمالي السيد المرتضى : ج 1 ص 106 ) .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 68 .
( 3 ) الدرص : ولد الفأرة واليربوع والهرة وأشباهها ، ونفقه : جحره ، والمثل يضرب لمن يعني بأمره ويعد حجة لخصمه فينسى عند الحاجة . راجع مجمع الأمثال للميداني : ج 1 ص 432 ، والقاموس المحيط : مادة ( درص ) . ( * )

/ صفحة 77 /
الطلبتين ( 1 ) معا ، لأن رأس المال كان هو الهدى فلم يبق لهم ، ولم يصيبوا الربح لأن الضال خاسر . * ( مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمت لا يبصرون ) * ( 17 ) ثم زاد سبحانه في الكشف عن حالهم بضرب المثل ، فقال : * ( مثلهم ) * أي : حالهم كحال * ( الذى استوقد نارا ) * ، وضع " الذي " موضع " الذين " ، كقوله سبحانه : * ( وخضتم كالذى خاضوا ) * ( 2 ) ، أو قصد جنس المستوقدين ، أو أراد الجمع الذي استوقد نارا ، على أن المنافقين لم تشبه ذواتهم بذات المستوقد ، بل شبهت قصتهم بقصة المستوقد ، فلا يلزم تشبيه الجماعة بالواحد ، واستوقد : طلب الوقود ، والوقود : سطوع النار وارتفاع لهبها ، والإضاءة : فرط الإنارة ، وهي متعدية في الآية ، ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى * ( ما حوله ) * والتأنيث للحمل على المعنى ، لأن ما حول المستوقد أشياء وأماكن . وجواب " لما " : * ( ذهب الله بنورهم ) * ، ويجوز أن يكون محذوفا ، لطول الكلام وأمن الالتباس ، كأنه قيل : * ( فلمآ أضاءت ما حوله ) * خمدت فبقوا متحيرين متحسرين على فوت الضوء ، وعلى هذا فيكون * ( ذهب الله بنورهم ) * كلاما مستأ نفا ، كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد اعترض سائل فقال : ما بالهم قد اشبهت حالهم حال هذا المستوقد ؟ فقيل له : * ( ذهب الله بنورهم ) * ، ويجوز أن يكون قوله : * ( ذهب الله بنورهم ) * بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان .
* ( هامش ) *
( 1 ) الطلبة - بكسر اللام - : ما طلبته . ( القاموس المحيط : مادة طلب ) .
( 2 ) التوبة : 69 . ( * )

/ صفحة 78 /
والفرق بين أذهبه وذهب به : أن معنى " أذهبه " : أزاله وجعله ذاهبا ، و " ذهب به " : استصحبه ومضى به معه ، قال : * ( فلما ذهبوا به ) * ( 1 ) ، فالمعنى : أخذ الله نورهم وأمسكه ، وما يمسك الله فلا مرسل له ، فهو أبلغ من الإذهاب ، و " ترك " بمعنى طرح وخلى ، قالوا : تركه ترك الظبي ظله ، فإذا ضمن معنى " صير " تعدى إلى مفعولين وجرى مجرى أفعال القلوب ، نحو قول عنترة ( 2 ) : فتركته جزر السباع ينشنه * يقضمن حسن بنانه والمعصم ( 3 ) والمراد بالإضاءة انتفاع المنافقين بالكلمة المجراة على ألسنتهم ، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق الذي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله والعقاب الدائم ، ويجوز أن يكون قد شبه اطلاع الله على أسرارهم بذهاب الله بنورهم . ووجه آخر : وهو أنهم لما وصفوا باشتراء الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ، ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم . سورة البقرة / 19 * ( صم بكم عمى فهم لا يرجعون ) * ( 18 ) كانت حواسهم صحيحة لكنهم لما أبوا أن يصيخوا ( 4 ) مسامعهم إلى الحق ، وأن
* ( هامش ) *
( 1 ) يوسف : 15 .
( 2 ) هو عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي ، أشهر فرسان العرب في الجاهلية ، ومن شعراء الطبقة الاولى ، من أهل نجد ، امه حبشية اسمها : زبيدة ، سرى إليه السواد منها ، وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفسا ، يوصف بالحلم على شدة بطشه ، وفي شعره رقة وعذوبة ، اجتمع في شبابه بامرئ القيس الشاعر ، وشهد حرب داحس والغبراء وعاش طويلا ، قتل نحو سنة 22 قبل الهجرة . ( الشعر والشعراء لابن قتيبة : ص 130 ، والأغاني : ج 8 ص 240 ، وخزانة الأدب : ج 1 ص 62 ، وشرح الشواهد : ص 164 ، وآداب اللغة : ج 1 ص 117 ) .
( 3 ) راجع ديوانه : ص 64 ، وخزانة الأدب : ج 9 ص 165 . أي : فتركته قتيلا تنهشه السباع والوحوش وتقتضم أصابعه وزنديه .
( 4 ) أصاخ له : استمع . ( القاموس المحيط : مادة صاخ ) . ( * )

/ صفحة 79 /
ينطقوا ألسنتهم بالحق ، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم ، جعلوا كأنهم انتقضت بنى مشاعرهم التي هي أصل الإحساس والإدراك كقوله : صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ( 1 ) و * ( لا يرجعون ) * معناه : لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها ، أو بقوا متحيرين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون ، فكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه ؟ * ( أو كصيب من السماء فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون أصبعهم فئ اذانهم من الصوا عق حذر الموت والله محيط بالكفرين ) * ( 19 ) الصيب : المطر الذي يصوب ، أي : ينزل ويقع ، ويقال للسحاب : صيب أيضا ( 2 ) . هذا تمثيل آخر لحال المنافقين ، ليكون كشفا لها بعد كشف ، والمعنى : أو كمثل ذوي صيب ، أي : كمثل قوم أخذهم المطر على هذه الصفة فلقوا منها مالقوا . قالوا : شبه دين الإسلام بالمطر ، لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأرض بالمطر ، وشبه ما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق ، وما يصيبهم من أهل الإسلام بالصواعق . وقيل : شبه القرآن بالمطر ، وما فيه من الابتلاء والزجر بالظلمات والرعد ، وما فيه من البيان بالبرق ، وما فيه من الوعيد آجلا والدعاء إلى الجهاد عاجلا بالصواعق ( 3 ) . وجاءت هذه الأشياء
* ( هامش ) *
( 1 ) البيت لقعنب بن ام صاحب الغطفاني كما في شرح درة الغواص : ص 130 ، وراجع لباب الآداب : ص 403 مادة " اذن " . وأذنوا : أي استمعوا ، ومعناه لا يحتاج الى بيان .
( 2 ) انظر لسان العرب : مادة ( صوب ) .
( 3 ) قاله ابن عباس . راجع تفسيره : ص 5 ، وتفسير الماوردي : ج 1 ص 82 ، واختاره الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 79 . ( * )

/ صفحة 80 /
منكرة ، لأن المراد أنواع منها ، كأنه قيل : في الصيب ظلمات داجية ( 1 ) ، ورعد قاصف ، وبرق خاطف . والضمير في * ( يجعلون ) * يرجع إلى أصحاب الصيب المضاف ، مع كونه محذوفا وقيام الصيب مقامه ، و * ( يجعلون ) * استئناف لا محل له ، و * ( من الصوا عق ) * يتعلق ب‍ * ( يجعلون ) * أي : من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم ، وصعقته الصاعقة : أهلكته ، فصعق أي مات : إما بشدة الصوت أو بالإحراق ، و * ( حذر الموت ) * مفعول له ، ومعنى إحاطة الله بالكافرين : أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ، وهذه الجملة اعتراض . * ( يكاد البرق يخطف أبصرهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم إن الله على كل شئ قدير ) * ( 20 ) سورة البقرة / 21 الخطف : الأخذ بسرعة ، لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول ، فكأن قائلا قال : كيف حالهم مع مثل ذلك البرق ؟ فقيل : * ( يكاد البرق يخطف أبصرهم ) * ، فهذه جملة مستأنفة أيضا لا محل لها ، و * ( كلما أضاء لهم ) * استئناف ثالث ، كأنه جواب لمن يقول : كيف يصنعون في حالتي خفوق ( 2 ) البرق وخفوته ( 3 ) ؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون به ويذرون ، إذا خفق البرق مع خوفهم أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة ( 4 ) ، فخطوا خطوات يسيرة ،
* ( هامش ) *
( 1 ) داجية : مظلمة ، ومنه دجا الليل إذا أظلم . ( القاموس المحيط : مادة دجا ) .
( 2 ) خفقت الراية : اضطربت . ( الصحاح : مادة خفق ) .
( 3 ) خفت الريح : أي سكن . ( الصحاح : مادة خفت ) .
( 4 ) في نسخة : فرضا . ( * )

/ صفحة 81 /
فإذا خفي بقوا واقفين متحيرين * ( ولو شآء الله ) * لزاد في قصيف الرعد فأصمهم ، و ( 1 ) في بريق البرق فأعماهم ، و * ( أضاء ) * إما متعد والمفعول محذوف ، بمعنى : كلما نور لهم مسلكا أخذوه ، وإما غير متعد بمعنى : كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، ومعنى * ( قاموا ) * وقفوا وثبتوا في مكانهم ، والمعنى : ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما ، وقد كثر هذا الحذف في " شاء " و " أراد " ، ولم
يبرزوا المفعول إلا في النادر ، كقوله : * ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنه من لدنآ ) * ( 2 ) والشئ ما يصح ( 3 ) أن يعلم ويخبر عنه . * ( يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) * ( 21 ) ولما عدد سبحانه فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين ، أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من الالتفات الذي تقدم ذكره ، وهو فن من الكلام فيه هز وتحريك من السامع ، وتنبيه واستدعاء لإصغائه إلى الحديث ، و * ( يا ) * حرف وضع في أصله لنداء البعيد ، و " أي " و " الهمزة " لنداء القريب ، و " أي " وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ، كما أن " ذو " و " الذي " وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل ، وهو اسم مبهم يحتاج إلى ما يوضحه ، فلابد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يتضح ( 4 ) المقصود بالنداء ، والذي عمل فيه حرف النداء " أي " والاسم التابع له صفته ، وقد كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ، لاستقلاله بأوجه من التأكيد في التدرج من الإبهام إلى التوضيح ، وكلمة التنبيه المقحمة بين " أي " وصفته لتعاضد حرف النداء بتأكيد
* ( هامش ) *
( 1 ) في بعض النسخ : أو .
( 2 ) الأنبياء : 17 .
( 3 ) في بعض النسخ : يصلح .
( 4 ) في بعض النسخ : يصح . ( * )

/ صفحة 82 /
معناه ، وتكون عوضا مما يستحقه من الإضافة ، وكل ما نادى الله لأجله عباده من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد وغير ذلك أمور عظام ومعان جليلة عليهم أن يتيقظوا لها ، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ . * ( الذى خلقكم ) * صفة ل‍ * ( ربكم ) * جرت عليه على سبيل المدح والثناء ، أي : * ( اعبدوا ربكم ) * على الحقيقة . والخلق : إيجاد الشئ على تقدير واستواء ، و " لعل " للترجي أو الإشفاق ، وقد جاء في مواضع من القرآن على سبيل الإطماع ، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة ، جرى إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به ، و " لعل " في الآية ليس مما ذكرته في شئ بل هو واقع موقع المجاز ، لأنه سبحانه خلق عباده ليكلفهم ، وأزاح عللهم في التكليف من الإقدار والتمكين ، وأراد منهم الخير والتقوى ، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ، لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والمعصية ، كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل ، ومصداقه قوله : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * ( 1 ) ، وإنما يبلو ويختبر من يخفى عليه العواقب ، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار . * ( الذى جعل لكم الارض فرا شا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرا ت رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) * ( 22 ) سورة البقرة / 22 قدم سبحانه من موجبات عبادته خلقهم أحياء قادرين أولا ، ثم خلق الأرض التي هي مستقرهم الذي لابد لهم منه ومفترشهم ، ثم خلق السماء التي هي كالقبة
* ( هامش ) *
( 1 ) الملك : 2 . ( * )

/ صفحة 83 /
المضروبة على هذا المستقر ، ثم ما سواه سبحانه من شبه عقد النكاح بينهما بإنزال الماء من المظلة منهما على المقلة ( 1 ) ، والإخراج به من بطنها أشباه النسل من ألوان الثمار * ( رزقا ) * لبني آدم ، ليقابلوا هذه النعمة العظيمة بواجب الشكر ، ويتفكروا في خلق أنفسهم وخلق مافوقهم وما تحتهم ، فيعلموا أنه لابد لها من خالق ليس كمثلها ، حتى لا يجعلوا المخلوقات * ( أندادا ) * له وهم يعلمون أنها لا تقدر على بعض ما هو عليه قادر . ومعنى جعل الأرض فراشا وبساطا ومهادا للناس : أنهم يتقلبون عليها كما يتقلب على الفراش والبساط والمهاد . والبناء مصدر سمي به المبني ، وأبنية العرب أخبيتهم ( 2 ) ، ومنه " بنى على امرأته " . و " من " في * ( من الثمرا ت ) * للتبعيض ، كأنه قال : أنزلنا من السماء بعض الماء ، فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم ، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات ولا جعل الرزق كله في الثمرات . ويجوز أن يكون " من " للبيان ، كما تقول : أنفقت من الدراهم ألفا . وإذا كان " من " للتبعيض كان قوله : * ( رزقا ) * منصوبا بأنه مفعول له ، وإذا كان للبيان كان * ( رزقا ) * مفعولا به ل‍ " أخرج " . والند : المثل ، ولا يقال : الند إلا للمثل المخالف المناوئ أي : هو الذي حفكم ( 3 ) بهذه الدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية ، فلا تتخذوا له شركاء * ( وأنتم ) * أهل المعرفة والتمييز ، أو أنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت ، أو أنتم تعلمون أنه لا يماثل .
* ( هامش ) *
( 1 ) أراد بالمقلة : الأرض الحاملة للمخلوقات عليها ، وبالمظلة : السماء التي تغطيها كالقبة .
( 2 ) الأخبية جمع خباء ، وهو من الأبنية ما يعمل من وبر أو صوف أو شعر . ( القاموس المحيط : مادة خبا ) .
( 3 ) في نسخة : خصكم . ( * )

/ صفحة 84 / *
( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صدقين ) * ( 23 ) لما احتج سبحانه على الناس للتوحيد وعلم الطريق إلى تصحيحه ، عطف على ذلك الحجة على نبوة نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) فقال : إن ارتبتم فيما نزلنا ، أتى بلفظ التنزيل ، لأن المراد النزول على سبيل التدريج نجوما سورة بعد سورة وآيات بعد آيات على حسب النوازل والحوادث * ( على عبدنا ) * ورسولنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فهاتوا أنتم سورة من أصغر السور . سورة البقرة / 24 و 25 والسورة إن كانت واوها أصلا : فإما أن سميت بسور المدينة لأنها طائفة من القرآن محدودة ، أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها ، وإما أن سميت بالسورة التي هي الرتبة ، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب ، و ( 1 ) لرفعة شأنها في الدين . وإن كانت واوها منقلبة عن همزة ، فلأنها قطعة من القرآن ، كالسؤرة ( 2 ) التي هي البقية من الشئ * ( من مثله ) * متعلق ب‍ " سورة " صفة لها ، أي * ( بسورة ) * كائنة * ( من مثله ) * ، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا ، ويجوز أن يتعلق بقوله : * ( فأتوا ) * والضمير للعبد ، والمعنى : فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وحسن النظم ، أو هاتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربيا أو أميا لم يأخذ من العلماء ولم يقرأ الكتب ، ورد الضمير إلى المنزل أوجه ، لقوله : * ( بسورة مثله ) * ( 3 ) وقوله : * ( لا يأتون بمثله ) * ( 4 ) ، ولأن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه ، فمن حقه أن لا يرد الضمير إلى غيره ، لأن المعنى : وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله ويجانسه ، وإن
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : أو .
( 2 ) في بعض النسخ : السؤر .
( 3 ) يونس : 38 .
( 4 ) الاسراء : 88 . ( * )

/ صفحة 85 /
كان الضمير مردودا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فالمعنى : وإن ارتبتم في أن محمدا ( صلى الله عليه وآله ) منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله ، و " الشهداء " جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة ، والمعنى : ادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله تعالى فإنه القادر على أن يأتي بمثله دون كل شاهد . * ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكفرين ) * ( 24 ) لما أرشدهم سبحانه إلى الوجه الذي منه يعرفون صحة نبوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال لهم : فإذا لم تعارضوه بسورة مثله ، ولم يتيسر لكم ذلك ، وبان لكم أنه معجز ، فآمنوا واتقوا النار المعدة لمن كذب ، وفيه دليلان على إثبات نبوته ( صلى الله عليه وآله ) : صحة كون القرآن معجزا ، والإخبار بأنهم لن يفعلوا أبدا ، وهو غيب لا يعلمه إلا الله . والوقود : ما يوقد به النار وهو الحطب ، والمعنى في قوله : * ( وقودها الناس والحجارة ) * أنها نار ممتازة عن النيران الأخر ، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة ، وقرن الناس بالحجارة ، لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا ، حيث نحتوها أصناما ، وجعلوها لله أندادا ، وعبدوها من دونه ، قال سبحانه : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) * ( 1 ) ، ومعنى * ( أعدت ) * : هيئت وجعلت عدة لعذابهم . * ( وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنت تجرى من تحتها الانهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيها أزوا ج مطهرة وهم فيها خلدون ) * ( 25 ) ثم ذكر سبحانه الترغيب بعد الترهيب ، وشفع الإنذار بالبشارة ، فبشر عباده الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال بعد أن أنذر الكفار وأوعدهم بالعذاب
* ( هامش ) *
( 1 ) الأنبياء : 98 . ( * )

/ صفحة 86 /
والنكال ، والبشارة : الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ، والجنة : البستان من النخل والشجر ، وأصلها من الستر ، فكأنها لتكاثفها والتفاف أغصان أشجارها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره ، ولولا أن الماء الجاري من أعظم النعم وأكبر ( 1 ) اللذات لما جاء الله سبحانه بذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها في قرن واحد ، كالشيئين لابد لأحدهما من صاحبه ، وإسناد الجري إلى الأنهار إسناد مجازي ، كقولهم : بنو فلان يطأهم الطريق . وإنما نكرت " الجنات " لأن دار الثواب تشتمل على جنات ( 2 ) كثيرة مرتبة على حسب استحقاق كل طبقة من أهلها ، وعرفت " الأنهار " لإرادة الجنس ، كما تقول : لفلان بستان فيه الماء الجاري والعنب والفواكه ، أو يراد الأنهار المذكورة في قوله تعالى : * ( فيها أنهر من ماء غير ءاسن ) * الآية ( 3 ) . * ( كلما رزقوا ) * إما أن يكون صفة ثانية ل‍ * ( جنت ) * ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة ، والمعنى : أنهم كلما رزقوا من أشجار الجنات نوعا من أنواع الثمار * ( رزقا قالوا هذا ) * مثل * ( الذى رزقنا من قبل ) * وشبهه ، بدليل قوله : * ( وأتوا به متشبها ) * ، وهذا كقولك : أبو يوسف : أبو حنيفة ، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته ، والضمير في قوله : * ( وأتوا به ) * يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا ، لأن قوله : * ( هذا الذى رزقنا من قبل ) * انطوى تحته ذكر مارزقوه في الدارين ، ويجوز أن يرجع الضمير في * ( وأتوا به ) * إلى الرزق كما أن سورة البقرة / 26 * ( هذا ) * إشارة إليه ، فيكون المعنى : أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه ، كما يحكى عن الحسن : يوتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : أكرم .
( 2 ) في نسخة : جنان .
( 3 ) محمد : 15 . ( * )

/ صفحة 87 /
يؤتى بالأخرى ، فيقول : هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف ( 1 ) . * ( ولهم فيها أزوا ج مطهرة ) * طهرن مما يختص بالنساء من المحيض ، وما لا يختص بهن من الأقذار والأدناس ، ويدخل تحت ذلك الطهر من دنس الطباع وسائر العيوب . والخلد : الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع . * ( إن الله لا يستحى ى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفسقين ) * ( 26 ) لما ضرب الله تعالى المثلين للمنافقين قبل هذه الآية ، قالوا : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فنزلت ( 2 ) الآية لبيان أن ما استنكروه من أن يكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس بموضع للاستنكار ، لأن في التمثيل كشف المعنى ورفع الحجاب عن المطلوب ، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله ، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك ، ووصف القديم سبحانه بالحياء في مثل قوله ( عليه السلام ) : " إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا " ( 3 ) جار مجرى التمثيل ، لأن الحياء تغير وانكسار يعتري
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 109 .
( 2 ) انظر أسباب النزول للواحدي : ص 27 في أحوال نزول هذه الآية .
( 3 ) أخرجه في جامع الاصول : ج 5 ص 11 ح 2119 عن سلمان الفارسي ، ورواه أيضا في كنز العمال : ج 2 ص 87 ح 3266 و 3267 و 3268 عن علي ( عليه السلام ) وابن عمر ، وفي المستدرك للحاكم : ج 1 ص 497 عن أنس ، وفي الترغيب والترهيب للمنذري : ج 2 ص 480 - 481 وقال : ورواه أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ له وابن ماجة وابن حبان في صحيحه = ( * )

/ صفحة 88 /
الإنسان من لحوق ( 1 ) ما يعاب به ويذم ، واشتقاقه من الحياة ، يقال : حيي الرجل ، كما يقال : نسي وحشي وشظي الفرس : إذا اعتلت منه هذه الأعضاء ، وجعل الحيي لما يعتريه من الانكسار منتقص الحياة ، فمثل تركه سبحانه تخييب العبد لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه ، وكذلك المعنى في الآية : أن الله تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها . و * ( ما ) * هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت بنكرة زادته شياعا ، تقول : أعطني شيئا ما ، أو هي صلة زيدت للتأكيد نحو التي في قوله : * ( فبما رحمة ) * ( 2 ) ، والمعنى : أن الله لا يستحيي ولا يترك أن يتمثل للأنداد بما لا شئ أصغر منه وأقل ، وانتصب * ( بعوضة ) * بأنها عطف بيان أو مفعول ل‍ * ( يضرب ) * ، و * ( مثلا ) * حال عن النكرة مقدمة عليه ، أو انتصبا مفعولين ل‍ * ( يضرب ) * ، لأنه أجري مجرى جعل . * ( فما فوقها ) * فيه معنيان : أحدهما : فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة ، والآخر : فما زاد عليها في الحجم ، و * ( الحق ) * : الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ، يقال : حق الأمر إذا ثبت ووجب ، و * ( ماذآ ) * فيه وجهان : أحدهما : أن يكون " ذا " اسما موصولا بمعنى " الذي " فتكون كلمتين ، والآخر : أن يكون " ذا " مركبة مع " ما " فتكون كلمة واحدة ، والضمير في * ( أنه الحق ) * للمثل أو ل‍ * ( أن يضرب ) * و * ( مثلا ) * نصب على التمييز . سورة البقرة / 27 وقوله : * ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ) * جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المتقدمتين ، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة ، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدى ، وأن الجهل
* ( هامش ) *
= والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين .
( 1 ) في بعض النسخ : تخوف .
( 2 ) آل عمران : 159 . ( * )

/ صفحة 89 /
بحسن مورده من باب الضلالة ، وإسناد الإضلال إلى الله سبحانه إسناد الفعل إلى السبب ، لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم تسبب لضلالتهم ( 1 ) وهديهم ، والفسق : الخروج عن طاعة الله . * ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخسرون ) * ( 27 ) النقض : الفسخ ، وشاع ( 2 ) استعمال النقض في إبطال العهد من جهة أنهم سموا العهد بالحبل على الاستعارة ، ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة : يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالا ، ونحن قاطعوها ، فنخشى إن الله أعزك وأظهرك أن ترجع الى قومك ( 3 ) ، و * ( عهد الله ) * هو ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد ، أو ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، أو ما أخذ عليهم من الميثاق بأنه إذا بعث إليهم رسول مؤيد بالمعجزات صدقوه واتبعوه . والضمير في * ( ميثقه ) * للعهد ، ويجوز أن يكون الميثاق بمعنى : التوثقة ، كما أن الميعاد والميلاد بمعنى : الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله ، أي : من بعد توثقته عليهم . ومعنى قطعهم * ( مآ أمر الله به أن يوصل ) * : قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين ، وقيل : قطعهم ما بين الأنبياء من الاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض ( 4 ) . والأمر : طلب الفعل ممن هو دونك ، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور ، لأن الداعي الذي يدعو إليه شبه بأمر يأمر به * ( هم الخسرون ) * لأنهم
* ( هامش ) *
( 1 ) في بعض النسخ : بسبب إضلالهم .
( 2 ) في بعض النسخ : ساغ .
( 3 ) رواه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 119 .
( 4 ) رواه الضحاك وعطاء عن ابن عباس كما في تفسير السمرقندي : ج 1 ص 105 . ( * )

/ صفحة 90 /
استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح . * ( كيف تكفرون بالله وكنتم أموا تا فأحيكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) * ( 28 ) معنى الهمزة التي في * ( كيف ) * مثله في قولك : أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان ، وهو الإنكار والتعجب ، والواو في قوله : * ( وكنتم أموا تا ) * للحال ، أي وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا : نطفا في أصلاب آبائكم * ( فأحيكم ) * فجعلكم أحياء * ( ثم يميتكم ) * بعد هذه الحياة * ( ثم يحييكم ) * بعد الموت ، وهذا الإحياء الثاني يجوز أن يراد به الإحياء في القبر ، وبقوله : * ( ثم إليه ترجعون ) * الحشر والنشور ، ويجوز أن يراد بالإحياء النشور وبالرجوع المصير إلى الحساب والجزاء ، وعطف الأول بالفاء ، لأن الإحياء الأول يعقب الموت بغير تراخ ، وعطف الآخرين " ب‍ " ثم ، لأن الموت قد تراخى عن الإحياء ، والإحياء الثاني متراخ عن الموت ، إن أريد به النشور أو الإحياء في القبر ، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور . * ( هو الذى خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسوبهن سبع سموا ت وهو بكل شئ عليم ) * ( 29 ) سورة البقرة / 30 * ( لكم ) * أي : لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم بأن تتمتعوا منه بفنون المطاعم والمناكح والمراكب والمناظر البهيجة ، وفي دينكم بأن تنظروا فيه وما يتضمنه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم ، وفي هذا دلالة على أن أصل الأشياء الإباحة إلى أن يمنع الشرع بالنهي ، وجائز لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها ، و * ( جميعا ) * نصب على الحال من قوله : * ( ما في الارض ) * ،

/ صفحة 91 /
والاستواء : الاعتدال والاستقامة ، يقال : استوى العود ، ثم قيل : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصد قصدا مستويا من غير أن يلوي إلى شئ ، ومنه استعير قوله : * ( ثم استوى إلى السماء ) * أي : قصد إليها بإرادته ومشيته بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شئ آخر ، والمراد بالسماء جهات العلو ، كأنه قال : ثم استوى إلى فوق ، والضمير في * ( فسوبهن ) * ضمير مبهم ، و * ( سبع سموا ت ) * تفسيره ، كقولهم : ربه رجلا ، وقيل : الضمير راجع إلى السماء ( 1 ) ، والسماء في معنى الجنس ( 2 ) ، ومعنى * ( فسوبهن ) * : عدل خلقهن وأتمه وقومه * ( وهو بكل شئ عليم ) * فلذلك خلق السماوات والأرض خلقا محكما متقنا من غير تفاوت على حسب ما اقتضته الحكمة . * ( وإذ قال ربك للملئكة إنى جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم مالا تعلمون ) * ( 30 ) لما ذكر سبحانه إنعامه علينا بخلق السماء والأرض وما فيهما ، ذكر نعمته علينا بخلق أبينا آدم ( عليه السلام ب‍ * ( قالوا ) * ، و * ( جاعل ) * من جعل الذي له مفعولان ، والمعنى مصير * ( في الارض خليفة ) * ، والخليفة : من يخلف غيره ، والمعنى : خليفة منكم ، لأن الملائكة كانوا سكان الأرض فخلفهم آدم فيها وذريته ، واستغنى بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك : ربيعة ومضر ( 3 ) ، أو يريد من يخلفكم ، أو خلقا
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله الهمداني في الفريد في إعراب القرآن : ج 1 ص 262 .
( 2 ) قاله الزجاج في معاني القرآن : ج 1 ص 107 ، والأخفش في معاني القرآن : ج 1 ص 217 وعنه في التبيان : ج 1 ص 126 .
( 3 ) في نسخة زيادة : وهاشم . ( * )

/ صفحة 92 /
يخلفكم فوحد لذلك ، ويجوز أن يريد خليفة مني ، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه ، وهو الصحيح ، لقوله : * ( يداوود إنا جعلنك خليفة في الارض ) * ( 1 ) . * ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) * إنما عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه من جهة اللوح ، أو عرفوه بإخبار الله تعالى * ( ونحن نسبح ) * الواو للحال ، كما تقول : أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان ، والتسبيح : تبعيد الله من السوء ، و * ( بحمدك ) * في موضع الحال ، أي : نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك * ( قال إنى أعلم ) * من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم ولا تعلمونه ، ولم يبين لهم تلك المصالح ، لأن العباد يكفيهم أن يعلموا أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وإن خفي عليهم وجه الحكمة ، على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله : * ( وعلم ءادم الاسماء ) * الآية . * ( وعلم ءادم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبونى بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين ) * ( 31 ) أي : أسماء المسميات كلها ، فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء ، لأن الاسم لابد له من مسمى ، وعوض منه اللام كقوله : * ( واشتعل الرأس شيبا ) * ( 2 ) ، وليس التقدير : وعلم آدم مسميات الأسماء ، فيكون حذفا للمضاف ، لأن التعليم يتعلق بالأسماء لا بالمسميات ، لقوله : * ( أنبونى بأسمآء هؤلاء ) * ، ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه أراه الأجناس التي خلقها ، وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه كذا ، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية * ( ثم عرضهم ) * أي : عرض المسميات * ( على الملئكة ) * وإنما ذكر لأن سورة البقرة / 32 و 33 في المسميات العقلاء فغلبهم * ( فقال ) * للملائكة : * ( أنبونى بأسمآء هؤلاء ) *
* ( هامش ) *
( 1 ) ص : 26 .
( 2 ) مريم : 4 . ( * )

/ صفحة 93 /
استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت * ( إن كنتم صدقين ) * أي : في زعمكم أني أستخلف في الأرض من يفسد فيها إرادة للرد عليهم ، وليبين أن في من يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا ، فبين لهم بذلك بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله : * ( إنى أعلم ما لا تعلمون ) * ( 1 ) . * ( قالوا سبحنك لاعلم لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم ) * ( 32 ) قالت الملائكة : * ( سبحنك ) * تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك ، أو تعظيما لك عن أن يعترض عليك في حكمك * ( لاعلم لنآ إلا ما علمتنآ ) * وليس هذا في ما علمتنا * ( إنك أنت العليم ) * بجميع المعلومات ، وهو صيغة مبالغة للعالم * ( الحكيم ) * المحكم لأفعاله . * ( قال يادم أنبهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموا ت والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) * ( 33 ) * ( أنبهم ) * أي : أخبر الملائكة * ( بأسمآئهم ) * علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ، فلم يقل : أنبئهم بهم ، لما قلناه من أن التعليم يتعلق بالأسماء * ( فلمآ أنبأهم ) * آدم أخبر الملائكة * ( بأسمائهم ) * أي : باسم كل شئ ومنافعه ومضاره وخواصه * ( قال ) * سبحانه للملائكة : * ( ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموا ت والارض ) * أي : أعلم ما غاب فيهما عنكم فلم تشاهدوه كما أعلم ماحضركم
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 30 . ( * )

/ صفحة 94 /
فشاهدتموه * ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) * أي : ما تعلنونه وما تضمرونه ، وفي هذا أن تعليمه سبحانه الأسماء كلها بما فيها من المعاني وفتق لسانه بذلك معجزة أقامها الله تعالى للملائكة دالة على نبوته وجلالة قدره وتفضيله عليهم . * ( وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكفرين ) * ( 34 ) * ( إلا إبليس ) * استثناء متصل عند من ذهب إلى أن إبليس من الجن ، وكان ( 1 ) بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم ، ثم استثني منهم استثناء واحد منهم ، ويجوز أن يكون منقطعا * ( أبى ) * أي : امتنع مما أمر به * ( واستكبر ) * عنه * ( وكان من ) * جنس كافري الجن وشياطينهم ، ولاشك أن الاستثناء متصل عند من ذهب إلى أنه من الملائكة . وفي الآية دلالة على فضل آدم على جميع الملائكة ، لانه قدمه على الملائكة إذ أمرهم بالسجود له ، ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل ، ولو لم يكن سجود الملائكة له على وجه التعظيم لشأنه و ( 2 ) تقديمه عليهم لم يكن لامتناع إبليس عن السجود له ، وقوله : * ( أرءيتك هذا الذى كرمت على ) * ( 3 ) وقوله : * ( أنا خير منه ) * ( 4 ) وجه ، ولكان يجب على الله تعالى أن يعلمه أنه لم يأمره بالسجود له على وجه تعظيمه وتفضيله عليه ، ولما جاز أن يفعل ذلك إذا كان ذلك سبب معصية إبليس ، فعلمنا أنه لم يكن ذلك إلا على وجه التفضيل له عليهم . سورة البقرة / 35 و 36 * ( وقلنا يادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث * ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة زيادة : واحدا . ( 2 ) في نسخة زيادة : في . ( 3 ) الاسراء : 62 . ( 4 ) الأعراف : 12 . ( * )

/ صفحة 95 /
شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظلمين ) * ( 35 ) * ( أنت ) * تأكيد للضمير المستكن في * ( اسكن ) * ليصح العطف عليه ، و * ( رغدا ) * وصف للمصدر ، أي : أكلا رغدا واسعا رافها ، و * ( حيث ) * للمكان المبهم ، أي : أي مكان من الجنة * ( شئتما ) * والمعنى : اتخذ أنت وامرأتك الجنة مسكنا ومأوى * ( وكلا منها ) * أي : من الجنة كثيرا واسعا * ( حيث شئتما ) * من بقاع الجنة * ( ولا تقربا هذه الشجرة ) * أي : لاتأكلا منها ، والمعنى : لاتقرباها بالأكل ، وهو نهي تنزيه عندنا لا نهي تحريم ، وكانا بالتناول منها تاركين نفلا وفضلا ( 1 ) * ( فتكونا من الظلمين ) * أي : الباخسين الثواب لأنفسكما بترك هذا المندوب إليه . * ( فأزلهما الشيطن عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتع إلى حين ) * ( 36 ) * ( فأزلهما ) * أي : حملهما على الزلة * ( الشيطن ) * يعني : إبليس ، نسب الزلة إلى الشيطان لما وقعت بدعائه ووسوسته * ( عنها ) * عن الجنة * ( فأخرجهما مما كانا فيه ) * من المنزلة والنعمة والدعة ، وأضاف الإخراج إلى الشيطان لأنه كان السبب فيه ، وإنما أخرج الله آدم من الجنة لأن المصلحة اقتضت بعد تناوله الشجرة إهباطه إلى الأرض وابتلاءه بالتكليف وسلبه ثياب الجنة ، كما تقتضي الحكمة الإفقار بعد
* ( هامش ) *
( 1 ) قال في التبيان : ج 1 ص 159 ما لفظه : وقوله : * ( ولا تقربا هذه الشجرة ) * صيغته صيغة النهي ، والمراد به الندب عندنا ، لأنه دل الدليل على أن النهي لا يكون نهيا إلا بكراهته للمنهي عنه ، والله تعالى لا يكره إلا القبيح . وفي تفسير الميزان قال ( قدس سره ) : فهما انما ظلما أنفسهما في ترك الجنة ، على أن جزاء المخالفة للنهي المولوي التكليفي يتبدل بالتوبة إذا قبلت ولم يتبدل موردهما ، فانهما تابا وقبلت توبتهما ولم يرجعا الى ما كانا فيه من الجنة ، ولولا أن التكليف إرشادي ليس له إلا التبعة التكوينية دون التشريعية ، لاستلزام قبول التوبة رجوعهما الى ما كانا فيه من مقام القرب . انظر تفسير الميزان : ج 1 ص 131 . ( * )

/ صفحة 96 /
الإغناء والإماتة بعد الإحياء ، ومن قرأ : " فأزالهما " ( 1 ) فالمعنى : فأزالهما مما كانا فيه من النعيم والكرامة أو من الجنة * ( وقلنا اهبطوا ) * خطاب لآدم وحواء ، والمراد : هما وذريتهما ، لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم ، ويدل عليه قوله في موضع آخر : * ( اهبطا منها جميعا ) * ( 2 ) ، * ( بعضكم لبعض عدو ) * والمعنى فيه : ما عليه الناس من التعادي والمخالفة وتضليل بعضهم لبعض ، والهبوط : النزول إلى الأرض ، والمستقر : موضع الاستقرار أو الاستقرار ( 3 ) ، * ( ومتع ) * أي : تمتع سورة البقرة / 37 و 38 بالعيش * ( إلى حين ) * إلى يوم القيامة ، وقيل : إلى الموت ( 4 ) . قال السراج ( 5 ) : لو قيل : * ( ولكم في الارض مستقر ومتع ) * لظن أن ذلك غير منقطع ، فقيل : * ( إلى حين ) * أي : إلى حين انقطاعه ( 6 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي قراءة حمزة والأعمش والحسن والأعرج وطلحة وأبي رجاء . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 153 ، والكشف عن وجوه القراءات للقيسي : ج 1 ص 236 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 312 ، والحجة في علل القراءات السبع لأبي علي الفارسي : ج 2 ص 10 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 161 .
( 2 ) طه : 123 .
( 3 ) في نسخة ليس فيها : " أو الاستقرار " .
( 4 ) قاله ابن عباس والسدي . راجع تفسير ابن عباس : ص 7 ، وتفسير الماوردي : ج 1 ص 108 .
( 5 ) محمد بن السري بن سهل البغدادي المعروف بابن السراج ، أبو بكر ، أديب ، نحوي ، لغوي ، صحب المبرد وقرأ عليه كتاب سيبويه في النحو ، ثم اشتغل بالموسيقى ، ثم رجع الى كتاب سيبويه ونظر في دقائقه وعول على مسائل الأخفش والكوفيين ، وخالف اصول البصريين في مسائل كثيرة ، وأخذ عنه عبد الرحمن الزجاجي وأبو سعيد السيرافي وأبو علي الفارسي وعلي بن عيسى الرماني وتوفي كهلا ، من تصانيفه : شرح كتاب سيبويه في النحو ، احتجاج القراء في القراءة ، جمل الاصول ، الاشتقاق ، الشعر والشعراء . ( سير النبلاء : ج 9 ص 266 ، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج 5 ص 319 - 320 ، ووفيات الأعيان لابن خلكان : ج 1 ص 636 - 637 ، ومعجم الأدباء : ج 18 ص 197 - 201 ، والكامل في التاريخ لابن الأثير : ج 8 ص 6 و 62 ) .
( 6 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 1 ص 165 . ( * )

/ صفحة 97 / *
( فتلقئ ادم من ربه كلمت فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) * ( 37 ) معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها ، أي : أخذها * ( من ربه ) * على سبيل الطاعة ، ورغب إلى الله بها ، أو سأله بحقها * ( فتاب ) * الله * ( عليه ) * . ومن قرأ : " فتلقى آدم " بالنصب " كلمات " بالرفع ( 1 ) ، فالمعنى : أن الكلمات استقبلت آدم ( عليه السلام ) بأن بلغته ، والكلمات هي قوله : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخسرين ) * ( 2 ) ، وقيل : هي قوله : " لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " ( 3 ) ، وفي رواية أهل البيت ( عليهم السلام ) : أن الكلمات هي أسماء أصحاب الكساء ( عليهم السلام ) ( 4 ) . واكتفى بذكر توبة آدم عن ذكر توبة حواء لأنها كانت تبعا له ، و * ( التواب ) * : الكثير القبول للتوبة ، وهو في صفة العباد : الكثير التوبة . * ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( 38 ) كرر سبحانه * ( قلنا اهبطوا ) * للتأكيد ولما تبعه من قوله : * ( فإما يأتينكم منى هدى ) * أي : فإن يأتكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم * ( فمن تبع هداى ) * بأن يقتدي برسولي ويؤمن به وبكتابه * ( فلا خوف عليهم ) * من العقاب
* ( هامش ) *
( 1 ) قرأه ابن عباس ومجاهد وابن كثير . راجع التبيان : ج 1 ص 166 ، والسبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 153 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 312 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 165 .
( 2 ) الأعراف : 23 .
( 3 ) نسبه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 128 - 129 الى ابن مسعود ، والماوردي في تفسيره : ج 1 ص 109 الى مجاهد . ( 4 ) راجع الخصال للصدوق : ج 1 ص 270 ح 8 ، ومعاني الأخبار أيضا : ص 125 ح 1 . ( * )

/ صفحة 98 /
* ( ولا هم يحزنون ) * على فوت الثواب ، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني مع جوابه ، كقولك : إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . * ( والذين كفروا وكذبوا بايتنا أولئك أصحب النار هم فيها خلدون ) * ( 39 ) * ( والذين ) * جحدوا رسلنا * ( وكذبوا ) * بدلائلنا ( 1 ) ف‍ * ( أولئك ) * الملازمون للنار * ( هم فيها خلدون ) * أي : دائمون مؤبدون . * ( يبنى إسرا ءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيى فارهبون ) * ( 40 ) لما عم سبحانه جميع خلقه بالخطاب ، وذكر لهم الحجج على توحيده ، وعدد عليهم صنوف نعمائه خص بني إسرائيل عقيب ذلك بذكر ما أسداه إليهم من النعم ، فقال : * ( يبنى إسرا ءيل ) * وإسرائيل هو يعقوب لقب له ، ومعناه في لسانهم : صفوة الله ، وقيل : عبد الله ( 2 ) * ( اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم ) * أي : لا تخلوا بشكرها واستعظموها ، وأراد بالنعمة ما أنعم به على آبائهم من كثرة الأنبياء فيهم ، وإنجائهم من فرعون ، وغير ذلك مما عدده سبحانه عليهم * ( وأوفوا بعهدي ) * أي : بما سورة البقرة / 41 و 42 عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي * ( أوف بعهدكم ) * أي : بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب ، وقيل : أوفوا بعهدي في محمد ( صلى الله عليه وآله ) أن من آمن به كان له أجران ، ومن كفر به تكاملت أوزاره ، أوف بعهدكم أدخلكم الجنة ( 3 ) . * ( وإيى فارهبون ) * أي : فلا تنقضوا عهدي ، وهو من قولك : زيدا رهبته ، و * ( وإيى ) *
* ( هامش ) *
( 1 ) في بعض النسخ : بدلالاتنا .
( 2 ) وهو قول ابن عباس على ما في تفسير الماوردي : ج 1 ص 110 .
( 3 ) قاله ابن عباس . راجع تفسيره : ص 8 ، وحكاه عنه الشيخ في التبيان : ج 1 ص 183 . ( * )

/ صفحة 99 /
منصوب بفعل مضمر يفسره " ارهبون " . * ( وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بايتى ثمنا قليلا وإيى فاتقون ) * ( 41 ) أي : وصدقوا بما أنزلته على محمد ( صلى الله عليه وآله ) من القرآن * ( مصدقا لما معكم ) * من التوراة * ( ولا تكونوا أول كافر به ) * أي : أول من كفر به ، أو أول فريق كافر به ، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به ، كما يقال : كسانا الأمير حلة ، أي : كسا كل واحد منا حلة ، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكون اليهود أول من يؤمن به ، لمعرفتهم به وبصفته ، ولأنهم كانوا يبشرون الناس بزمانه ، ويستفتحون على الذين كفروا ، وكانوا يقولون : إنا نتبعه أول الناس كلهم ، فلما بعث كان أمرهم على العكس ، كقوله : * ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) * ( 1 ) ، وقيل : الضمير في * ( به ) * لما معكم ، لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به ( 2 ) * ( ولا تشتروا بايتى ثمنا قليلا ) * الاشتراء استعارة للاستبدال ، كما في قوله : * ( اشتروا الضللة بالهدى ) * ( 3 ) أي : لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا ، وإلا فالثمن هو المشترى به ، والثمن القليل : الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا فوتها باتباعه فاستبدلوها بآيات الله .
* ( ولا تلبسوا الحق بالبطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) * ( 42 ) الباء في قوله : * ( بالبطل ) * يجوز أن يكون مثل ما في قولك : لبست الشئ بالشئ : خلطته به ، فيكون المعنى : ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط * ( الحق بالبطل ) * ، ويجوز أن تكون باء الاستعانة كما في قولك : كتبت بالقلم ،
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 89 .
( 2 ) وهو قول الزجاج . راجع التبيان : ج 1 ص 187 .
( 3 ) البقرة : 16 . ( * )

/ صفحة 100 /
فيكون المعنى : ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه ، * ( وتكتموا ) * جزم معطوف على * ( تلبسوا ) * بمعنى : ولا تكتموا ، أو منصوب بإضمار " أن " أي : ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن * ( وأنتم تعلمون ) * أنه حق وتجحدون ما تعلمون . * ( وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة واركعوا مع الرا كعين ) * ( 43 ) . أي : وأدوا الصلاة بأركانها ، وأعطوا ما فرض الله عليكم من الزكاة * ( واركعوا مع الرا كعين ) * من المسلمين ، لأن اليهود لا ركوع لهم في صلاتهم ، وقيل : إن المراد به صلاة الجماعة ( 1 ) . * ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون ) * ( 44 ) الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم ، و " البر " : سعة الخير ، ومنه البر لسعته ، ويتناول كل خير ، ومنه قولهم : صدقت وبررت ، وكانوا يأمرون أقاربهم في السر باتباع محمد ( صلى الله عليه وآله ) ولا يتبعونه * ( وتنسون أنفسكم ) * تتركونها من البر * ( وأنتم تتلون الكتب ) * تبكيت مثل قوله : * ( وأنتم تعلمون ) * ( 2 ) ، يعني : تتلون التوراة وفيها صفة محمد ( صلى الله عليه وآله ) * ( أفلا تعقلون ) * توبيخ عظيم بمعنى : أفلا تفطنون بقبح ما تقدمون عليه ، فيصدكم استقباحه عن ارتكابه فكأنكم قد سلبت عقولكم . * ( واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخشعين ( 45 ) الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه را جعون ) * ( 46 ) سورة البقرة / 45 و 46 * ( واستعينوا ) * في حوائجكم إلى الله * ( ب‍ ) * الجمع بين * ( الصبر والصلوة ) * ،
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله ابن عباس . راجع تفسيره : ص 8 .
( 2 ) البقرة : 22 . ( * )

/ صفحة 101 /
وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس ، أو واستعينوا على البلايا بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة ، وقيل : الصبر : الصوم ( 1 ) ، ومنه قيل لشهر رمضان : شهر الصبر ( 2 ) ، * ( وإنها ) * الضمير للصلاة أو للاستعانة * ( لكبيرة ) * أي : شاقة ثقيلة * ( إلا على الخشعين ) * لأنهم الذين يتوقعون ما ادخر للصابرين على مشاقها فتهون عليهم ، والخشوع : التطأمن والإخبات والخضوع واللين والانقياد * ( الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم ) * أي : يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ، وفي مصحف عبد الله ( 3 ) " يعلمون " ( 4 ) ، ولذلك فسر * ( يظنون ) * ب‍ " يتيقنون " ، وكان النبي ( عليه السلام ) يقول : " يا بلال روحنا " ( 5 ) ، وقال ( عليه السلام ) : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " ( 6 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله مجاهد كما حكاه عنه البغوي في تفسيره : ج 1 ص 68 .
( 2 ) انظر تفسير الماوردي : ج 1 ص 115 ، وتفسير البغوي : ج 1 ص 68 ، والكشاف للزمخشري : ج 1 ص 134 .
( 3 ) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، أبو عبد الرحمن ، من أكابر الصحابة وهو من أهل مكة ، ومن المقربين من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ومن السابقين الى الاسلام ، وأول من جهر بقراءة القرآن الكريم بمكة ، وكان خادم رسول الله الأمين ، يدخل عليه كل وقت ، وكان له مصحف يعرف باسمه ، ويقال : إنه نظر إليه عمر يوما وقال : وعاء ملئ علما ، ولي بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بيت مال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان ، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما ، وكان قصيرا جدا ، يكاد الجلوس يوارونه ، وكان يحب الإكثار من التطيب ، فإذا خرج من بيته عرف جيران الطريق أنه مر ، من طيب رائحته . ( الإصابة : ت 4955 ، وغاية النهاية : ج 1 ص 458 ، والبدء والتاريخ : ج 5 ص 97 ، وصفة الصفوة : ج 1 ص 154 ، وحلية الأولياء : ج 1 ص 124 ) .
( 4 ) حكاه عنه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 134 .
( 5 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 134 مرفوعا .
( 6 ) فتح الباري لابن حجر : ج 11 ص 345 ، المعجم الصغير للطبراني : ج 1 ص 262 ، مسند أبي حنيفة : ص 54 ، جامع مسانيد الامام أبي حنيفة : ج 1 ص 406 ، البداية والنهاية لابن كثير : ج 6 ص 30 ، تفسير القرطبي : ج 10 ص 167 . ( * )

/ صفحة 102 /
* ( يبنى إسرا ءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين ( 47 ) واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيا ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) * ( 48 ) * ( وأنى فضلتكم ) * في موضع نصب عطف على * ( نعمتي ) * أي : اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم * ( على العلمين ) * على الجم الغفير من الناس ، كقوله : * ( بركنا فيها للعلمين ) * ( 1 ) ، يقال : رأيت عالما من الناس يراد به الكثرة ، أو تفضيلي إياكم في أشياء مخصوصة كإنزال المن والسلوى ، والآيات الكثيرة كفلق البحر وتغريق فرعون ، وكثرة الرسل فيكم ( 2 ) * ( واتقوا يوما ) * يريد يوم القيامة * ( لا تجزى ) * أي : لا تقضي * ( نفس عن نفس شيا ) * حقا وجب عليها لله أو لغيره ، كقوله : * ( لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيا ) * ( 3 ) وهذه الجملة منصوبة الموضع صفة ل‍ * ( يوما ) * والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره : لا تجزي فيه ، حذف الجار ثم حذف الضمير ، ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئا من الأشياء * ( ولا يقبل منها شفعة ) * هذا مختص باليهود ، فإنهم ( 4 ) قالوا : " آباؤنا يشفعون لنا " فأويسوا ، لأن الأمة مجتمعة على أن لنبينا صلوات الله عليه وآله شفاعة مقبولة وإن اختلفوا في كيفيتها ، وإجماعها حجة * ( ولا يؤخذ منها عدل ) * أي : فدية ، لأنها معادلة للمفدي * ( ولا هم ينصرون ) * يعني : مادلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة ، والتذكير بمعنى العباد والأناسي كما قالوا : ثلاثة أنفس . سورة البقرة / 49 و 50 * ( وإذ نجينكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون
* ( هامش ) *
( 1 ) الأنبياء : 71 .
( 2 ) في نسخة : منكم .
( 3 ) لقمان : 33 . ( 4 ) في بعض النسخ : لأنهم . ( * )

/ صفحة 103 /
أبنائكم ويستحيون نساءكم وفى ذا لكم بلاء من ربكم عظيم ) * ( 49 ) أصل * ( ءال ) * أهل ، ولذلك صغر بأهيل ، فأبدلت هاؤه ألفا ، وخص استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم ( 1 ) ، و * ( فرعون ) * علم لمن ملك العمالقة ، مثل قيصر لملك الروم ، وكسرى لملك الفرس * ( يسومونكم ) * من سامه خسفا إذا أولاه ظلما ، وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم * ( سوء العذاب ) * ويريدونكم عليه ، و " السوء " مصدر السيئ ، وسوء الفعل قبحه ، و * ( يذبحون ) * بيان ل‍ * ( يسومونكم ) * ، ولذلك ترك العاطف ، وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه كما أنذر نمرود ، فلم يغن عنهما تحفظهما وكان ما شاء الله أن يكون ، والبلاء : المحنة إن أشير بذلكم إلى صنيع فرعون ، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء . * ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجينكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون ) * ( 50 ) * ( فرقنا بكم البحر ) * فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم ، يقال : فرق بين الشيئين وفرق - بالتشديد - بين الأشياء ، والمعنى في * ( بكم ) * أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم ، فكأنما فرق بهم ، ويجوز أن يراد بسببكم وبسبب إنجائكم ، ويجوز أن يكون في موضع الحال بمعنى : فرقناه متلبسا بكم . وروي : أن بني إسرائيل قالوا لموسى : أين أصحابنا لا نراهم ؟ فقال : سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم ، قالوا : لا نرضى حتى نراهم ، فقال : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة ، فأوحى الله إليه : أن قل بعصاك هكذا ، فصارت فيها كواء فتراءوا
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع تفصيله في الفريد في إعراب القرآن للهمداني : ج 1 ص 288 . ( * )

/ صفحة 104 /
وسمع بعضهم كلام بعض ( 1 ) * ( وأنتم تنظرون ) * إلى ذلك وتشاهدونهم لا تشكون فيه . * ( وإذ وا عدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظلمون ) * ( 51 ) أي : وعدنا موسى أن ننزل عليه التوراة ، وضربنا له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة ، وقيل : أربعين ليلة ، لأن الشهور عددها بالليالي ( 2 ) ، ومن قرأ * ( وا عدنا ) * فلأن الله تعالى وعده الوحي ، ووعد هو المجئ للميقات إلى الطور * ( ثم اتخذتم العجل من بعده ) * أي : من بعد مضيه إلى الطور * ( وأنتم ظلمون ) * باتخاذكم العجل إلها . * ( ثم عفونا عنكم من بعد ذا لك لعلكم تشكرون ( 52 ) وإذ ءاتينا موسى الكتب والفرقان لعلكم تهتدون ) * ( 53 ) سورة البقرة / 54 * ( من بعد ذا لك ) * أي : من بعد ارتكابكم الأمر العظيم * ( لعلكم تشكرون ) * النعمة في العفو عنكم * ( و ) * اذكروا * ( إذ ) * أعطينا * ( موسى الكتب والفرقان ) * أي : الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا فارقا بين الحق والباطل يعني التوراة ، كقولك : رأيت الغيث والليث ، أي : الرجل الجامع بين الجود والجرأة ، ونحوه قوله : * ( ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضيآء وذكرا ) * ( 3 ) أي : الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا ، ويجوز أن يريد ب‍ * ( الكتب ) * : التوراة * ( و ) * ب‍ * ( الفرقان ) * : البرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من
* ( هامش ) *
( 1 ) رواه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 139 ، وابن الأثير في الكامل : ج 1 ص 187 .
( 2 ) وهو قول الأخفش ، ونسبه الطبري الى بعض نحويي البصرة . راجع معاني القرآن : ج 1 ص 264 ، وتفسير الطبري : ج 1 ص 319 .
( 3 ) الأنبياء : 48 . ( * )

/ صفحة 105 /
الآيات ، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام ، أو انفراق البحر ، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه ، كقوله : * ( يوم الفرقان ) * ( 1 ) يريد يوم بدر . * ( وإذ قال موسى لقومه يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذا لكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ) * ( 54 ) * ( و ) * اذكروا * ( إذ قال موسى ) * لعبدة العجل من قومه بعد رجوعه إليهم : * ( يقوم إنكم ) * أضررتم * ( أنفسكم باتخاذكم العجل ) * معبودا ، والبارئ : الذي برأ ( 2 ) الخلق بريئا من التفاوت ومتميزا بعضهم من بعض بالصور والأشكال المختلفة * ( فتوبوا إلى ) * خالقكم ومنشئكم * ( فاقتلوا أنفسكم ) * أي : ليقتل بعضكم بعضا ، أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده . روي : أن الرجل كان يبصر ولده وقريبه فلم يمكنهم إمضاء أمر الله سبحانه ، فأرسل الله عليهم ضبابة ( 3 ) لا يتراءون تحتها ، وأمروا أن يحتبوا ( 4 ) بأفنية بيوتهم ، وأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهارون ، وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل ، البقية البقية ، فكشفت الضبابة ونزلت التوبة ، فسقطت الشفار من أيديهم وكانت القتلى سبعين ألفا ( 5 ) . * ( ذا لكم ) * إشارة إلى التوبة مع القتل * ( خير لكم عند بارئكم ) * من إيثار الحياة *
( هامش ) *
( 1 ) الأنفال : 41 .
( 2 ) في نسخة : خلق .
( 3 ) الضبابة : السحابة ، الغيمة . ( لسان العرب : مادة ضبب ) .
( 4 ) احتبى بالثوب : اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها . ( القاموس المحيط : مادة حبا ) .
( 5 ) رواها عن ابن عباس الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 122 - 123 ، وعن أبي صالح السمرقندي في تفسيره : ج 1 ص 120 . ( * )

/ صفحة 106 /
الفانية ، وكرر ذكر بارئكم تعظيما لما أتوا به مع كونه خالقا لهم * ( فتاب عليكم ) * تقديره : ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم * ( إنه هو التواب الرحيم ) * القابل للتوبة عن عباده ، الرحيم بهم . * ( وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون ) * ( 55 ) قيل : إن القائلين هذا القول هم السبعون الذين صعقوا ( 1 ) ، أي : لن نصدقك في قولك * ( حتى نرى الله ) * عيانا ، وهي مصدر من قولك : جهر بالقراءة ، كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها ، وانتصابها على المصدر ، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء ( 2 ) بفعل الجلوس ، أو على الحال بمعنى ذوي جهرة ، و * ( الصعقة ) * نار وقعت من السماء فأحرقتهم ، وقيل : صيحة جاءت من السماء ( 3 ) ، والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه فخروا صعقين ميتين . * ( ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) * ( 56 ) ثم أحييناكم * ( من بعد موتكم ) * لاستكمال آجالكم * ( لعلكم تشكرون ) * نعمة الله بعدما كفرتموها إذ رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة ، أو لعلكم تشكرون نعمة البعث بعد الموت . سورة البقرة / 57 و 58 * ( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 123 ، والبغوي أيضا في تفسيره : ج 1 ص 74 .
( 2 ) القرفصاء : أن يجلس الرجل على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بالثوب . ( الصحاح : مادة حبا ) .
( 3 ) نسب هذا القول الطبري في تفسيره : ج 1 ص 329 الى الربيع . ( * )

/ صفحة 107 /
طيبت ما رزقنكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) * ( 57 ) وجعلنا * ( الغمام ) * يظلكم ، وكان ذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس ، وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه * ( وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) * كان ينزل عليهم الترنجبين مثل الثلج ، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه * ( كلوا من طيبت ما رزقنكم ) * على إرادة القول * ( وما ظلمونا ) * يعني : فظلموا بأن كفروا هذه النعمة وما ظلمونا ، فاختصر لدلالة وما ظلمونا عليه . * ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطيكم وسنزيد المحسنين ) * ( 58 ) * ( القرية ) * بيت المقدس ، وقيل : أريحا من قرى الشام ( 1 ) ، أمروا بدخولها بعد التيه ، و * ( الباب ) * باب القرية ، وقيل : هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها ( 2 ) ، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا ، وقيل : السجود أن ينحنوا داخلين ليكون دخولهم بخشوع ( 3 ) ، وقيل : طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوها ( 4 ) * ( وقولوا حطة ) * هي فعلة من الحط كالجلسة والركبة ، وهي خبر مبتدأ محذوف ، أي : مسألتنا حطة ، والأصل النصب بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة ، فرفع ليعطي معنى الثبات ، كقوله : * ( فصبر جميل ) * ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله ابن زيد . راجع تفسير الماوردي : ج 1 ص 125 .
( 2 ) قاله عكرمة عن ابن عباس كما في تفسير ابن كثير : ج 1 ص 94 .
( 3 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 9 ، وعنه الطبري في تفسيره : ج 1 ص 339 - 340 .
( 4 ) ذكره السيوطي في الدر المنثور : ج 1 ص 173 باسناده عن مجاهد وعكرمة .
( 5 ) يوسف : 18 و 83 . ( * )

/ صفحة 108 /
وروي عن الباقر ( عليه السلام ) أنه قال : " نحن باب حطتكم " ( 1 ) . * ( وسنزيد المحسنين ) * أي : ومن كان محسنا منكم كانت تلك الكلمة سببا في زيادة ثوابه ، ومن كان مسيئا يغفر له ويصفح عن ذنوبه . * ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) * ( 59 ) أي : فخالف الذين عصوا ووضعوا مكان * ( حطة ) * ، * ( قولا غير الذى قيل لهم ) * أي : ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم يمتثلوا أمر الله ، وقيل : إنهم قالوا مكان " حطة " : " حنطة " ( 2 ) ، وقيل : قالوا : حطا سمقاثا ( 3 ) ، أي : حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم ( 4 ) ، وفي تكرير * ( الذين ظلموا ) * زيادة في تقبيح أمرهم ، وإيذان بأن إنزال العذاب عليهم لظلمهم ، و " الرجز " العذاب ، وروي : أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا من كبرائهم ( 5 ) . * ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين ) * ( 60 ) سورة البقرة / 61 عطشوا في التيه فاستسقى موسى لهم ودعا لهم بالسقيا * ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر ) * واللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فقد روي : أنه حجر حمله
* ( هامش ) *
( 1 ) العياشي : ج 1 ص 45 ح 47 ، وعنه البحار : ج 7 ص 46 .
( 2 ) قاله عكرمة عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 1 ص 343 - 345 .
( 3 ) في نسخة : سمقاتا .
( 4 ) قاله ابن عباس وابن مسعود . راجع تفسير ابن عباس : ص 9 ، وتفسير الطبري : ج 1 ص 344 ح 1030 .
( 5 ) حكاها الشيخ في التبيان : ج 1 ص 268 عن ابن زيد . ( * )

/ صفحة 109 /
معه من الطور ، وكان حجرا مربعا له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين ، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي هي له ( 1 ) ، وإما للجنس ، أي : اضرب الشئ الذي يقال له : الحجر ، فقد روي عن الحسن : أنه لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه ، قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ( 2 ) ، * ( فانفجرت ) * أي : ضرب فانفجرت * ( منه اثنتا عشرة عينا ) * لكل سبط عين * ( قد علم كل أناس ) * يريد كل سبط * ( مشربهم ) * عينهم التي يشربون منها * ( كلوا ) * على إرادة القول * ( واشربوا من رزق الله ) * مما رزقكم الله من الطعام والشراب وهو المن والسلوى وماء العيون ، وقيل : الماء ينبت منه الزروع والثمار فهو رزق يؤكل منه ويشرب ( 3 ) ، * ( ولا تعثوا ) * العثي : أشد الفساد ، أي : لا تتمادوا في الفساد * ( مفسدين ) * أي : في حال إفسادكم . * ( وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وا حد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله ذا لك بأنهم كانوا يكفرون بايت الله ويقتلون النبين بغير الحق ذا لك بما عصوا وكانوا يعتدون ) * ( 61 ) * ( وإذ قلتم ) * نسب قول أسلافهم إليهم * ( يموسى لن نصبر على طعام وا حد ) * أرادوا بالواحد مالا يختلف ولا يتبدل ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه البغوي في تفسيره : ج 1 ص 77 عن ابن عباس وعطاء .
( 2 ) ذكره عنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 144 .
( 3 ) حكاه في الكشاف : ج 1 ص 144 . ( * )

/ صفحة 110 /
يداوم عليها كل يوم لا يبدلها جاز أن يقال : لا يأكل فلان إلاطعاما واحدا ، ويراد بالوحدة : نفي التبدل والاختلاف * ( فادع لنا ) * أي : لأجلنا * ( ربك يخرج لنا ) * أي : يظهر لنا ويوجد لنا * ( مما تنبت الارض من بقلها ) * البقل : ما أنبتته الأرض من الخضر ، والفوم : الحنطة ، ومنه فوموا لنا أي : اختبزوا ، وقيل : هو الثوم ( 1 ) . قيل : إنهم كانوا قوما فلاحة فنزعوا إلى أصلهم ، ولم يريدوا إلا ما ألفوه وضروا به ( 2 ) من الأشياء المتفاوتة ، كالبقول والحبوب ونحو ذلك ( 3 ) . سورة البقرة / 62 - 64 * ( قال أتستبدلون الذى هو أدنى ) * أي : هو أقرب منزلة وأدون مقدارا ، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار ، فيقال : هو أدنى ( 4 ) المحل وقريب المنزلة ، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك ، فيقال : بعيد المحل وبعيد الهمة ، يريدون الرفعة والعلو * ( اهبطوا مصرا ) * أي : انحدروا إليه من التيه ، ويمكن أن يريد الاسم العلم ، وصرفه مع اجتماع السببين : العلم والتأنيث لسكون وسطه ، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد * ( وضربت عليهم الذلة ) * أي : جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم فيها كما أن من ضربت عليه القبة يكون فيها ، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب ، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة : إما على الحقيقة ، وإما لتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية * ( وبآءو بغضب من الله ) * أي : صاروا أحقاء بغضبه من قولهم : باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له * ( ذا لك ) * إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة
* ( هامش ) *
( 1 ) نسبه الشيخ في تبيانه : ج 1 ص 275 ، والماوردي في تفسيره : ج 1 ص 129 الى الربيع بن أنس والكسائي .
( 2 ) ضروا به : تعودوه . ( الصحاح : مادة ضرا ) .
( 3 ) قاله الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 145 وقال : ويدل عليه قراءة ابن مسعود : " وثومها " .
( 4 ) في بعض النسخ : داني . ( * )

/ صفحة 111 /
وكونهم أهل غضبه * ( بأنهم كانوا يكفرون ) * أي : بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء قتلوا زكريا ويحيى وشعيا وغيرهم * ( بغير الحق ) * معناه : أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا * ( ذا لك ) * تكرار للإشارة * ( بما عصوا ) * بسبب معصيتهم واعتدائهم حدود الله في كل شئ . * ( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصرى والصبين من ءامن بالله واليوم الاخر وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( 62 ) * ( إن الذين ءامنوا ) * بألسنتهم وهم المنافقون * ( والذين هادوا ) * تهودوا ، يقال : هاد وتهود إذا دخل في اليهودية ، وهو هائد والجمع هود * ( والنصرى ) * جمع نصران ، يقال : رجل نصران ، وامرأة نصرانة ، والنصراني الياء فيه للمبالغة كالتي في أحمري ، لأنهم نصروا المسيح * ( والصبين ) * من صبأ إذا خرج من الدين ، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية ، وعبدوا الملائكة أو ( 1 ) النجوم * ( من ءامن ) * من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا * ( وعمل صلحا فلهم أجرهم ) * الذي يستوجبونه بإيمانهم وأعمالهم ، ومحل * ( من ءامن ) * رفع بالابتداء ، وخبره : * ( فلهم أجرهم ) * ، لتضمن * ( من ) * معنى الشرط ، والجملة خبر * ( إن ) * ، أو نصب بدل من اسم * ( إن ) * والمعطوف عليه ، وخبر * ( إن ) * : * ( فلهم أجرهم ) * . * ( وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ( 63 ) ثم توليتم من بعد ذا لك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخسرين ) * ( 64 )
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : و . ( * )

/ صفحة 112 /
* ( و ) * اذكروا * ( إذ أخذنا ميثقكم ) * بالعمل على ما في التوراة * ( ورفعنا فوقكم الطور ) * حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق ، وذلك أن موسى ( عليه السلام ) جاءهم بالألواح ، فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة فأبوا قبولها ، فأمر جبرئيل فقلع الطور من أصله ورفعه فوقهم ، وقال لهم موسى : إن قبلتم وإلا ألقي عليكم ، حتى قبلوا وسجدوا لله تعالى ملاحظين إلى الجبل ، فمن ثم يسجد اليهود على أحد شقي وجوههم * ( خذوا ) * على إرادة القول ، أي : قلنا : * ( خذوا مآ ءاتينكم ) * من الكتاب * ( بقوة ) * أي : بجد ويقين وعزيمة * ( واذكروا ما فيه ) * وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه * ( لعلكم تتقون ) * رجاء منكم أن تكونوا متقين * ( ثم توليتم ) * ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به * ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته ) * وتوفيقه للتوبة * ( لكنتم من الخسرين ) * لخسرتم . * ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خسين ( 65 ) فجعلنها نكلا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) * ( 66 ) سورة البقرة / 67 و 68 * ( السبت ) * مصدر سبتت ( 1 ) اليهود إذا عظمت يوم السبت ، المعنى : * ( ولقد ) * عرفتم * ( الذين اعتدوا منكم ) * أي : جاوزوا ماحد لهم في السبت من تعظيمه واشتغلوا بالصيد ، وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا ظهر يوم السبت ، فإذا مضى تفرقت ، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد ، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، * ( فقلنا لهم كونوا قردة خسين ) * أي : كونوا جامعين بين القردية
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : سبت . ( * )

/ صفحة 113 /
والخسوء * ( فجعلنها ) * يعني : المسخة * ( نكلا ) * عبرة تنكل من اعتبرها ، أي : تمنعه * ( لما بين يديها ) * لما قبلها * ( وما خلفها ) * وما بعدها من الأمم والقرون ، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها ، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين ، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من الأمم * ( وموعظة للمتقين ) * الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم ، أو لكل متق . * ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين ( 67 ) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهى قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذا لك فافعلوا ما تؤمرون ) * ( 68 ) كان في بني إسرائيل شيخ موسر قتله قرابة له ليرثوه ، فطرحوه على طريق سبط من أسباط بني إسرائيل ، ثم جاءوا يطلبون بدمه ، فأمرهم الله أن يذبحوا * ( بقرة ) * ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبرهم بقاتله * ( قالوا أتتخذنا هزوا ) * أتجعلنا أهل هزؤ أو مهزوءا بنا أو الهزؤ نفسه * ( قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين ) * أي : من المستهزئين ، ليدل على أن الاستهزاء لا يصدر إلا عن الجاهل ، وقرئ : " هزؤا " ( 1 ) و : " هزءا " ( 2 ) مثل كفؤا وكفؤا ، وبالضمتين والواو فيهما * ( قالوا ادع لنا ربك ) * أي : سل لنا ربك ، وكذا هو في قراءة عبد الله ( 3 ) * ( ماهى ) * سؤال عن حالها
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وشعبة . راجع السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 157 ، والتبيان : ج 1 ص 293 ، والكشف عن وجوه القراءات للقيسي : ج 1 ص 247 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 250 .
( 2 ) قرأه حمزة وإسماعيل والمفضل وعبد الوارث . انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 157 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 315 ، والبحر المحيط : ج 1 ص 250 .
( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 148 . ( * )

/ صفحة 114 /
وصفتها ، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى ، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن * ( قال ) * موسى * ( إنه ) * سبحانه * ( يقول إنها بقرة ) * لامسنة ولافتية ، فرضت البقرة فروضا أي : أسنت * ( عوان بين ذا لك ) * أي : نصف وسط بين الصغيرة والكبيرة ، وجاز دخول * ( بين ) * على * ( ذا لك ) * ، لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر ، وجاز أن يشار به إلى مؤنثين لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم * ( فافعلوا ما تؤمرون ) * أي : ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به ، ويجوز أن يكون بمعنى أمركم أي : مأموركم ، تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير . * ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر النظرين ( 69 ) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهى إن البقر تشبه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون ( 70 ) قال إنه يقول إنها بقرة لاذلول تثير الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ) * ( 71 ) سورة البقرة / 70 و 71 * ( فاقع ) * توكيد ل‍ * ( صفراء ) * ( 1 ) ، ولم يقع خبرا عن " اللون " ، و * ( لونها ) * فاعله ، لأن اللون من سبب الصفراء ومتلبس بها ، فلا فرق بين أن يقول : صفراء فاقع لونها وصفراء فاقعة ، وعن وهب : إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها ( 2 ) . والسرور : لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه ، وقولهم : * ( ماهى ) * مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها ليزدادوا بيانا لوصفها . وروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ،
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة زيادة : كما يقال : أسود هالك .
( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 148 . ( * )

/ صفحة 115 /
ولكن شددوا فشدد الله عليهم ، والاستقصاء شؤم " ( 1 ) . * ( إن البقر تشبه علينا ) * أي : إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح * ( وإنآ إن شآء الله لمهتدون ) * إلى البقرة المراد ذبحها ، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل . وفي الحديث : " لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " ( 2 ) أي : لو لم يقولوا : * ( إن شآء الله ) * . * ( لاذلول ) * لم تذلل للكراب ( 3 ) وإثارة الأرض * ( ولا ) * هي من النواضح ، ف‍ * ( تسقى الحرث ) * و * ( لا ) * الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى : لا ذلول تثير ( 4 ) وتسقي ، على أن الفعلين صفتان ل‍ " ذلول " ، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية * ( مسلمة ) * سلمها الله تعالى من العيوب ، أو معفاة من العمل سلمها أهلها منه ، أو مخلصة اللون من سلم له كذا إذا خلص له * ( لاشية فيها ) * لم يشب صفرتها شئ من الألوان ، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها ، وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية : إذا خلط بلونه لونا آخر ، ومنه ثور موشي القوائم * ( قالوا الن جئت بالحق ) * أي : بحقيقة وصف البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها * ( فذبحوها ) * ، وقوله : * ( وما كادوا يفعلون ) * استبطاء لهم واستثقال لاستقصائهم ، أي : ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم ، وقيل : وما كادوا
* ( هامش ) *
( 1 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 151 ، ونحوه السمرقندي في تفسيره : ج 1 ص 128 - 129 .
( 2 ) رواه الطبري في تفسيره : ج 1 ص 390 ، وعنه السيوطي في الدر المنثور : ج 1 ص 190 ، ونحوه السمرقندي في تفسيره : ج 1 ص 129 ، والقرطبي أيضا في تفسيره : ج 1 ص 452 .
( 3 ) الكراب : حرث الأرض للزرع . ( القاموس المحيط : مادة كرب ) .
( 4 ) في نسخة زيادة : الأرض . ( * )

/ صفحة 116 /
يذبحونها لغلاء ثمنها ( 1 ) ، وقيل : لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ( 2 ) . فأما اختلاف العلماء في أن تكليفهم كان واحدا وهو ذبح البقرة المخصوصة باللون والصفات أو كان متغايرا وكلما راجعوا تغيرت مصلحتهم إلى تكليف آخر فمذكور في كتاب مجمع البيان ( 3 ) ، فمن أراد ذلك فليقف عليه هناك . والنسخ قبل الفعل جائز ، وقبل وقت الفعل غير جائز ، لأنه يؤدي إلى البداء . * ( وإذ قتلتم نفسا فاداراتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ( 72 ) فقلنا اضربوه ببعضها كذا لك يحى الله الموتى ويريكم ءايته لعلكم تعقلون ) * ( 73 ) سورة البقرة / 74 خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم * ( فاداراتم ) * أي : اختلفتم * ( فيها ) * واختصمتم في أمرها ، لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي : يدفعه ، أو تدافعتم بأن طرح بعضكم قتلها على بعض فدفع المطروح عليه الطارح ، أو دفع بعضكم بعضا عن البراءة واتهمه * ( والله مخرج ) * أي : مظهر * ( ما كنتم تكتمون‍ ) * - ه من أمر القتل ( 4 ) ولا يتركه مكتوما ، وهذه جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه وهما " ادارأتم " و " قلنا " ، والضمير في * ( اضربوه ) * إما أن يرجع إلى النفس على تأويل الشخص ، أو إلى القتيل لما دل عليه قوله : * ( ما كنتم تكتمون ) * ، * ( ببعضها ) * ببعض البقرة ، والتقدير : فضربوه فحيي * ( كذا لك يحى الله الموتى ) * فحذف لأن ما أبقي يدل على ما ألقي ، روي : أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما ، وقال : قتلني فلان ، فقتل ولم يورث قاتل بعد ذلك ( 5 ) * ( ويريكم ءايته ) * دلائله
* ( هامش ) *
( 1 ) قائل ذلك ابن عباس . راجع تفسيره : ص 11 ، وتفسير الماوردي : ج 1 ص 141 .
( 2 ) نسبه الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 142 الى وهب .
( 3 ) في ج 1 - 2 ص 136 فراجع .
( 4 ) في نسخة : القتيل .
( 5 ) رواها الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 153 . ( * )

/ صفحة 117 /
على أنه قادر على كل شئ * ( لعلكم تعقلون ) * أي : تعملون ( 1 ) على قضية عقولكم في أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء النفوس كلها ، لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث . وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتل ( 2 ) مع تقدمه ، لأن الغرض ذكر قصتين كل واحدة منهما تختص بنوع من التقريع ، فلو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة وذهب الغرض في ذلك . * ( ثم قست قلوبكم من بعد ذا لك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهر وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغفل عما تعملون ) * ( 74 ) * ( ثم قست قلوبكم من بعد ذا لك ) * المعنى في * ( ثم ) * استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها من إحياء القتيل وغير ذلك من الآيات * ( فهى ) * في قسوتها مثل الحجارة * ( أو أشد قسوة ) * منها ، والمعنى : أن من عرفها شبهها بالحجارة أو قال : هي أقسى من الحجارة ، أو من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها * ( وإن من الحجارة ) * بيان لفضل قسوة قلوبهم على الحجارة ، والتفجر : التفتح بالسعة والكثرة ، والمعنى : أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير * ( وإن منها لما يشقق ) * أي : يتشقق ، أدغم التاء في الشين ، أي : ينشق طولا أو عرضا فينبع منه الماء * ( وإن منها لما يهبط ) * أي : يتردى من أعلى الجبل ، والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله ، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ( 3 ) ما أمرت به * ( وما الله بغفل عما تعملون ) * أيها المكذبون ،
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : تعلمون .
( 2 ) في نسخة : القتيل .
( 3 ) في نسخة : تعقل ، وفي اخرى : تقبل . ( * )

/ صفحة 118 /
ومن قرأ بالياء ( 1 ) فالمراد : عما يعمل هؤلاء أيها المسلمون . * ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) * ( 75 ) الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمين ، أي : * ( أفتطمعون أن يؤمنوا ) * لأجل دعوتكم فيستجيبوا * ( لكم ) * كما قال : * ( فامن له لوط ) * ( 2 ) ، * ( وقد كان فريق منهم ) * أي : طائفة من أسلاف اليهود * ( يسمعون كلم الله ) * في التوراة * ( ثم يحرفونه ) * كما حرفوا صفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وآية الرجم * ( من بعد ما عقلوه ) * أي : فهموه وضبطوه ولم يبق لهم شبهة في صحته * ( وهم يعلمون ) * أنهم كاذبون ، يعني : إن حرف هؤلاء فلهم سابقة في ذلك . * ( وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ( 76 ) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) * ( 77 ) سورة البقرة / 78 * ( وإذا لقوا الذين ءامنوا ) * يعني : اليهود * ( قالوا ءامنا ) * بأنكم على الحق ، وبأن محمدا ( صلى الله عليه وآله ) هو النبي المبشر به في التوراة * ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) * أي : صاروا في الموضع الذي ليس فيه غيرهم * ( قالوا ) * أي : قال بعضهم لبعض * ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) * بما بين لكم في التوراة من صفة محمد ( صلى الله عليه وآله ) * ( ليحاجوكم به عند ربكم ) * ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه ، جعلوا محاجتهم به وقولهم : هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ، كما يقال : هو عند الله
* ( هامش ) *
( 1 ) وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن . راجع كتاب السبعة في القراءات لان مجاهد : ص 160 ، والكشف عن وجوه القراءات للقيسي : ج 1 ص 248 ، وتفسير البغوي : ج 1 ص 87 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 267 . ( 2 ) العنكبوت : 26 . ( * )

/ صفحة 119 /
هكذا ، أو هو في كتاب الله هكذا بمعنى واحد ، أو يكون المراد ليكون لهم الحجة عليكم عند الله في إيمانهم بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) إذ كنتم مخبرين بصحة أمره من كتابكم * ( أفلا تعقلون ) * أن ذلك حجة عليكم * ( أولا ) * يعلم هؤلاء اليهود * ( أن الله يعلم ما يسرون ) * من الكفر * ( وما يعلنون ) * من الإيمان . * ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون ) * ( 78 ) * ( أميون ) * لا يحسنون الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها * ( لا يعلمون الكتب ) * أي : التوراة * ( إلا أمانى ) * إلا ماهم عليه من أمانيهم : أن الله يعفو عنهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، وقيل : إلا أكاذيب مختلقة ( 1 ) من علمائهم فيقبلونها على التقليد ( 2 ) ، كما قال أحدهم : هذا شئ رويته أم تمنيته ، أي : اختلقته ، وقيل : إلا مايقرؤون ( 3 ) ، من قول الشاعر : تمنى كتاب الله أول ليله ( 4 ) وهذا من الاستثناء المنقطع كقوله : * ( مالهم به من علم إلا اتباع الظن ) * ( 5 ) ، * ( وإن هم ) * أي : وماهم * ( إلا يظنون ) * أي : يشكون وهم متمكنون من العلم بالحق . * ( فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله
* ( هامش ) *
( 1 ) في بعض النسخ : مختلفة .
( 2 ) نسبه الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 150 وابن كثير أيضا في تفسيره : ج 1 ص 111 الى ابن عباس ومجاهد .
( 3 ) قاله الفراء في معاني القرآن : ج 1 ص 49 ، وأورده في مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 145 ونسبه الى الكسائي والفراء .
( 4 ) البيت غير منسوب لأحد ، وعجزه : وآخره لاقى حمام المقادر . انظر العين للفراهيدي : ج 8 ص 390 ، ولسان العرب : مادة " مني " ، والكشاف : ج 1 ص 157 .
( 5 ) النساء : 157 . ( * )

/ صفحة 120 /
ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) * ( 79 ) * ( فويل للذين يكتبون الكتب ) * المحرف * ( بأيديهم ) * تأكيد ، كما تقول : رآه بعينه وسمعه بأذنه ، والويل : كلمة التحسر والتفجع وهو في الآية العذاب * ( ليشتروا به ثمنا قليلا ) * أي : ليأخذوا به ما كانوا يأخذونه من عوامهم من الأموال ، وصفه بالقلة لأن متاع الدنيا قليل ، وقوله : * ( مما يكسبون ) * أي : من الرشى . * ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) * ( 80 ) وقالت اليهود : * ( لن تمسنا النار ) * أي : لن تصيبنا النار * ( إلا أياما معدودة ) * أي : قلائل أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل ، وعن مجاهد : قالوا : مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما ( 1 ) ، * ( فلن يخلف الله عهده ) * متعلق بمحذوف تقديره : إن اتخذتم عنده عهدا فلن يخلف الله عهده ، و * ( أم ) * إما أن تكون معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى : أي الأمرين كائن على سبيل التقرير ، لأن العلم واقع بكون أحدهما ، وإما أن تكون منقطعة بمعنى : بل أتقولون . * ( بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيته فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ( 81 ) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون ) * ( 82 ) سورة البقرة / 83 * ( بلى ) * إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله : * ( لن تمسنا النار ) * أي : بلى تمسكم النار على سبيل الخلود بدلالة قوله : * ( هم فيها خلدون ) * ، والسيئة هنا :
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه عنه الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 152 - 153 . ( * )

/ صفحة 121 /
الشرك ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ( 1 ) وغيرهم ( 2 ) وهو الصحيح ، لأن ما عدا الشرك لا يستحق به الخلود في النار عندنا ( 3 ) * ( وأحطت به خطيته ) * أي : أحدقت به من كل جانب كقوله : * ( وإن جهنم لمحيطة بالكفرين ) * ( 4 ) ، أو أهلكته كقوله : * ( إلا أن يحاط بكم ) * ( 5 ) و * ( أحيط بثمره ) * ( 6 ) ، والمراد : سدت عليه طريق النجاة ، وقيل : المراد بذلك الإصرار على الذنب ( 7 ) . وفي قوله : * ( والذين ءامنوا ) * الآية وعد لأهل التصديق والطاعة بالثواب ( 8 ) الدائم كما أوعد قبله أهل الجحود والإصرار على الكبائر الموبقة بالعقاب الدائم . * ( وإذ أخذنا ميثق بنى إسرا ءيل لا تعبدون إلا الله وبالوا لدين إحسانا وذى القربى واليتمى والمسكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ) * ( 83 ) * ( لا تعبدون ) * إخبار في معنى النهي ، كما يقال : تذهب إلى فلان تقول له كذا وكذا ، يراد به الأمر ، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنه كأنه قد سورع إلى امتثاله فأخبر عنه ، ويؤيده قراءة عبد الله وأبي : " لا تعبدوا " ( 9 ) ، ولابد من إرادة
* ( هامش ) *
( 1 ) هو قتادة بن دعامة بن وائل السروسي البصري التابعي ، ولد أعمى ، سمع أنس بن مالك وغيره من التابعين ، وروى عنه جماعة من التابعين ، توفي سنة 117 ه‍ ، وقيل : 118 ه‍ وهو ابن ست وخمسين ، وقيل : ابن خمس وخمسين . ( تهذيب الأسماء واللغات : ج 2 ص 157 ) .
( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره : ج 1 ص 89 وزاد : عطاء والضحاك والربيع وأبا العالية .
( 3 ) انظر التفسير المنسوب الى الإمام العسكري ( عليه السلام ) : ص 304 - 305 ح 147 ، والتبيان : ج 1 ص 325 ، وتفسير الميزان : ج 1 ص 216 .
( 4 ) التوبة : 49 .
( 5 ) يوسف : 66 .
( 6 ) الكهف : 42 .
( 7 ) قاله عكرمة والربيع بن خيثم على ما حكاه عنهما البغوي في تفسيره : ج 1 ص 89 ، وأورده المصنف في مجمع البيان : ج 1 ص 148 ونسبه الى عكرمة ومقاتل .
( 8 ) في نسخة : بالصواب .
( 9 ) حكاه عنهما الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 159 ، وأبو حيان في بحره : ج 1 ص 282 . ( * )

/ صفحة 122 /
القول ، ويدل عليه قوله : * ( وقولوا ) * ، وتقدير قوله : * ( وبالوالدين إحسانا ) * : وتحسنون بالوالدين إحسانا أو أحسنوا ، وقيل : إن قوله : * ( لا تعبدون ) * جواب القسم ، لأن أخذ الميثاق في معنى القسم ، كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون ( 1 ) ، وقيل : معناه أن لا تعبدوا فلما حذف " أن " رفع ( 2 ) ، كقوله : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ( 3 ) سورة البقرة / 84 و 85 * ( وذى القربى ) * أي : وبذي القربى أن تصلوا قرابته ، وباليتامى أن تعطفوا عليهم بالشفقة والرأفة ، وبالمساكين أن تؤتوهم حقوقهم * ( وقولوا للناس حسنا ) * أي : قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه ، وقرئ : " حسنا " ( 4 ) و " حسنى " ( 5 ) على المصدر كبشرى ، وعن الباقر ( عليه السلام ) : " قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم " ( 6 ) * ( وأقيموا الصلوة ) * أي : أدوها بحدودها وأركانها * ( وءاتوا الزكوة ) * أعطوها أهلها * ( ثم توليتم ) * هذا على طريق الالتفات ، أي : توليتم عن الميثاق وتركتموه * ( إلا قليلا منكم ) * وهم الذين أسلموا منهم * ( وأنتم معرضون ) * عادتكم الإعراض عن المواثيق .
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله الزجاج في معاني القرآن : ج 1 ص 162 ، والزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 159 .
( 2 ) راجع معاني القرآن وإعرابه للزجاج : ج 1 ص 162 ، والبغوي في تفسيره : ج 1 ص 90 .
( 3 ) البيت لطرفة بن العبد ، وعجزه : وأن اشهد اللذات هل أنت مخلدي ؟ راجع ديوانه : ص 31 ، وخزانة الأدب : ج 1 ص 119 و 463 ، وج 8 ص 507 و 579 .
( 4 ) بفتح الحاء والسين وهي قراءة حمزة والكسائي ويعقوب والمفضل وخلف والأعمش . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 162 ، والكشف عن وجوه القراءات للقيسي : ج 1 ص 250 ، والتيسير في القراءات للداني : ص 74 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 316 ، وتفسير البغوي : ج 1 ص 90 ، والبحر المحيط : ج 1 ص 284 .
( 5 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع والحسن وابي وطلحة بن مصرف . راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 162 ، والبحر المحيط : ج 1 ص 285 .
( 6 ) الكافي : ج 2 ص 165 ح 10 . ( * )

/ صفحة 123 /
* ( وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ديركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) * ( 84 ) * ( لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم ) * أي : لا يفعل ذلك بعضكم ببعض ، جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلا أو دينا ، وقيل : المعنى فيه أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ( 1 ) * ( ثم أقررتم ) * بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه * ( وأنتم تشهدون ) * عليها ، وقيل : أنتم تشهدون اليوم يا معاشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ( 2 ) . * ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديرهم تظهرون عليهم بالاثم والعدوا ن وإن يأتوكم أسرى تفدوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذا لك منكم إلا خزى في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما تعملون ) * ( 85 ) * ( ثم أنتم هؤلاء ) * استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم ، يعني : ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون ، يعني : أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلا لتغير الصفة منزلة تغير الذات ، كما تقول : رجعت بغير الوجه الذي خرجت به ، وقوله : * ( تقتلون ) * بيان لقوله : * ( ثم أنتم هؤلاء ) * ، وقيل : * ( هؤلاء ) * موصول بمعنى " الذين " ( 3 ) . وقرئ :
* ( هامش ) *
( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره : ج 3 ص 171 .
( 2 ) حكاه الزمخشري في تفسيره : ج 1 ص 160 ، والبغوي أيضا في تفسيره : ج 1 ص 90 .
( 3 ) قاله الزمخشري في تفسيره : ج 1 ص 160 ، والرازي أيضا في تفسيره : ج 1 ص 172 . ( * )

/ صفحة 124 / *
( تظهرون ) * بحذف التاء ( 1 ) و " تظاهرون " بإدغامها ( 2 ) ، والأصل تتظاهرون ، أي : تتعاونون عليهم * ( وإن يأتوكم أسرى ) * وقرئ : " أسرى " ( 3 ) * ( تفدوهم ) * أي : وأنتم مع قتلكم من تقتلون منهم إذا وجدتموه ( 4 ) أسيرا في أيدي غيركم فديتموهم ، وقتلكم وإخراجكم إياهم من ديارهم حرام عليكم كما أن تركهم أسارى في أيدي غيركم حرام عليكم ، فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم ؟ ! وقرئ : * ( تفدوهم ) * لأن الفعل بين اثنين ، و * ( هو ) * ضمير الشأن و * ( محرم عليكم إخراجهم ) * خبره ، ويجوز أن يكون مبهما تفسيره * ( إخراجهم ) * ، * ( أفتؤمنون ببعض الكتب ) * أي : بالفداء * ( وتكفرون ببعض ) * أي : بالقتال والإجلاء ، وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس ، والنضير كانوا حلفاء الخزرج ، فكان كل فريق منهم يقاتل مع حلفائه ، فإذا غلبوا خربوا ديارهم سورة البقرة / 86 و 87 وأخرجوهم ، وإذا أسر رجل من الفريقين فدوه . والخزي : قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير ، وقيل : الجزية ( 5 ) * ( ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب ) * الذي أعده الله لأعدائه ، وقرئ : " تردون " ( 6 ) و " يعملون " بالتاء والياء ( 7 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) قرأه الكوفيون . راجع التذكرة في القراءات السبعة لابن غلبون : ج 2 ص 317 ، والسبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 163 ، والبحر المحيط : ج 1 ص 291 .
( 2 ) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر . راجع التبيان : ج 1 ص 334 ، وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد : ص 163 ، والبحر المحيط : ج 1 ص 291 .
( 3 ) قرأه حمزة والحسن وابن وثاب وطلحة وابن أبي اسحاق وعيسى والأعمش والنخعي . انظر الحجة في علل القراءات السبع لأبي علي الفارسي : ج 2 ص 109 ، والتذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 317 ، والبحر المحيط لأبي حيان : ج 1 ص 291 .
( 4 ) في نسخة : وجدتموهم .
( 5 ) حكاه الرازي في تفسيره : ج 3 ص 174 عن الحسن .
( 6 ) وهي قراءة عبد الرحمن السلمي كما نسبه إليه ابن خالويه في شواذ القرآن : ص 15 ، وزاد في البحر المحيط : ج 1 ص 294 : ابن هرمز .
( 7 ) قرأه الحرميان وأبو بكر والمفضل ويعقوب وخلف . راجع التذكرة في القراءات لابن = ( * )

/ صفحة 125 /
* ( أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) * ( 86 ) أي : رضوا ب‍ * ( الحيوة الدنيا ) * عوضا من نعيم الآخرة * ( فلا يخفف عنهم ) * عذاب الدنيا بنقصان الجزية وكذلك عذاب الآخرة * ( ولا هم ينصرون ) * أي : لا ينصرهم أحد بالدفع عنهم . * ( ولقد ءاتينا موسى الكتب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن مريم البينت وأيدنه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) * ( 87 ) * ( الكتب ) * التوراة ، آتاه إياها جملة واحدة * ( وقفينا ) * أي : أتبعنا ، من القفا ، وقفاه به : أتبعه إياه ، أي : أرسلنا على إثره كثيرا من الرسل ، كقوله : * ( ثم أرسلنا رسلنا تترا ) * ( 1 ) ، و * ( عيسى ) * بالسريانية : أيشوع ، و * ( مريم ) * بمعنى الخادم * ( البينت ) * المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والإخبار بالمغيبات * ( وأيدنه بروح القدس ) * بالروح المقدسة ، كما يقال : حاتم الجود ، لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث ، وقيل : بجبرئيل ( 2 ) ، وقيل : باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره ( 3 ) .
* ( هامش ) *
= غلبون : ج 2 ص 317 ، والكشف عن وجوه القراءات للقيسي : ج 1 ص 252 - 253 ، والبحر المحيط : ج 1 ص 294 .
( 1 ) المؤمنون : 44 .
( 2 ) وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي والضحاك . راجع تفسير ابن عباس : ص 13 ، وتفسير الحسن البصري : ج 1 ص 107 ، وتفسير الماوردي : ج 1 ص 156 ، والتبيان : ج 1 ص 340 وقال : وهو أقوى الأقوال .
( 3 ) قاله الضحاك عن ابن عباس كما حكاه عنه الشيخ في التبيان : ج 1 ص 340 ، والماوردي في تفسيره : ج 1 ص 156 . ( * )

/ صفحة 126 /
والمعنى : * ( ولقد ءاتينا ) * يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم * ( أفكلما جاءكم رسول ) * منهم بالحق * ( استكبرتم ) * عن الإيمان به ، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم ، ويجوز أن يريد : ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم ، ثم وبخهم على ذلك ، ودخول الفاء لعطفه على المقدر ، ولم يقل : وفريقا قتلتم لأنه أريد الحال الماضية ، لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب . * ( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) * ( 88 ) * ( قلوبنا غلف ) * جمع أغلف ، أي : هي خلقت مغشاة بأغطية لا يصل إليها ما جاء به محمد ( صلى الله عليه وآله ) ولا تفقهه ( 1 ) ، مستعار من الأغلف الذي لم يختن ، كقولهم : * ( قلوبنا في أكنة ) * ( 2 ) ، ثم رد الله عليهم بقوله : * ( بل لعنهم الله بكفرهم ) * أي : ليس ذلك كما زعموا : أن قلوبهم خلقت كذلك ، لأنها خلقت على الفطرة ، لكن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم من رحمته * ( فقليلا ما يؤمنون ) * فإيمانا قليلا يؤمنون ، و * ( ما ) * مزيدة ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، ويجوز أن يكون القلة بمعنى العدم . * ( ولما جاءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكفرين ) * ( 89 ) سورة البقرة / 90 و 91 * ( كتب من عند الله ) * هو القرآن * ( مصدق لما معهم ) * من الكتب المنزلة : التوراة والإنجيل وغيرهما ، لا يخالفها ، وجواب * ( لما ) * محذوف وهو نحو كذبوا
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : تفهمه .
( 2 ) فصلت : 5 . ( * )

/ صفحة 127 /
به وما أشبهه ( 1 ) ، وقيل : إن قوله : * ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) * في موضع جواب * ( لما ) * الأول وكرر " لما " لطول الكلام ( 2 ) ، وقيل : إن جواب الثاني أغنى عن جواب الأول ( 3 ) * ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) * يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم ، يقولون : اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ، وكانوا يقولون : قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ( 4 ) * ( فلما جاءهم ما عرفوا ) * من الحق * ( كفروا به ) * بغيا وحسدا وحرصا على الرياسة * ( فلعنة الله ) * أي : غضبه وعذابه * ( على الكفرين ) * أي : عليهم وضع الظاهر موضع الضمير ( 5 ) . * ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكفرين عذاب مهين ( 90 ) وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) * ( 91 ) " ما " نكرة منصوبة مفسرة لفاعل " بئس " ، أي : بئس شيئا * ( اشتروا به
* ( هامش ) *
( 1 ) وهو قول الأخفش في معاني القرآن : ج 1 ص 319 ، والزجاج في معاني القرآن : ج 1 ص 171 ، والزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 164 .
( 2 ) حكاه الرازي في تفسيره : ج 3 ص 180 ونسبه الى المبرد .
( 3 ) قاله الفراء في معاني القرآن : ج 1 ص 59 ، وعنه الرازي في تفسيره : ج 3 ص 180 .
( 4 ) اختلفوا في إرم عاد ، فقال بعضهم : هو اسم قبيلة ، وقال آخر : هو اسم مدينة ، ثم اختلفوا فيها ، فمنهم من قال : هي أرض كانت فاندرست ، ومنهم من قال : هي الاسكندرية وإليه ذهب الزمخشري ، ومنهم من قال : هي دمشق ، وروى آخرون : هي مدينة باليمن بين حضرموت وصنعاء بناها شداد بن عاد . ( معجم البلدان : ج 1 ص 212 ) .
( 5 ) في نسخة : المضمر . ( * )

/ صفحة 128 /
أنفسهم ) * والمخصوص بالذم * ( أن يكفروا ) * واشتروا بمعنى باعوا * ( بغيا ) * أي : حسدا وطلبا لما ليس لهم ، وهو مفعول له * ( أن ينزل الله من فضله ) * أي : على أن ينزل الله من فضله الذي هو الوحي والنبوة * ( على من يشآء من عباده ) * ويقتضي حكمته إرساله * ( فبآءو بغضب على غضب ) * فصاروا أحقاء لغضب متوال ، لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه ، وقيل : بكفرهم بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) بعد عيسى ( عليه السلام ) ( 1 ) ، وقوله : * ( بمآ أنزل الله ) * مطلق في كل كتاب أنزله الله ، وقوله : * ( بمآ أنزل علينا ) * مقيد بالتوراة * ( ويكفرون بما وراءه ) * أي : قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة * ( وهو الحق مصدقا لما معهم ) * منها غير مخالف له ، وفيه رد لمقالتهم ، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها * ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) * اعتراض ( 2 ) عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة ، والتوراة لا ترخص في قتل الأنبياء . * ( ولقد جاءكم موسى بالبينت ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظلمون ) * ( 92 ) يعني : * ( جاءكم موسى ) * بالمعجزات الدالة على صدقه * ( ثم اتخذتم العجل ) * إلها معبودا من بعد مجيئه ، أو من بعد موسى لما مضى إلى ميقات ربه * ( وأنتم ظلمون ) * وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها ، فتكون الجملة حالا أو تكون اعتراضا بمعنى : وأنتم قوم عادتكم الظلم . سورة البقرة / 93 و 94 * ( وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتينكم بقوة
* ( هامش ) *
( 1 ) نسبه السمرقندي في تفسيره : ج 1 ص 137 الى مقاتل .
( 2 ) في بعض النسخ : اعترض . ( * )

/ صفحة 129 /
واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمنكم إن كنتم مؤمنين ) * ( 93 ) كرر سبحانه ذكر * ( الطور ) * ورفعه فوقهم ، لما في الثانية من الزيادة غير المذكورة في الأولى مع ما فيه من التوكيد * ( واسمعوا ) * لما أمرتم به في التوراة * ( قالوا سمعنا ) * قولك * ( وعصينا ) * أمرك * ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) * أي : تغلغل في بواطنهم وتداخلها حب العجل والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ ، وقوله : * ( في قلوبهم ) * بيان لمكان الإشراب ، كقوله : * ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) * ( 1 ) ، * ( بكفرهم ) * أي : بسبب كفرهم * ( قل بئسما يأمركم به إيمنكم ) * بالتوراة ، لأنه ليس في التوراة عبادة العجل ، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم ، كما قال قوم شعيب : * ( أصلوتك تأمرك ) * ( 2 ) ، وكذلك إضافة الإيمان إليهم ، وقوله : * ( إن كنتم مؤمنين ) * تشكيك في إيمانهم ، وقدح في صحة دعواهم له . * ( قل إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صدقين ) * ( 94 ) * ( خالصة ) * نصب على الحال من * ( الدار الاخرة ) * والمراد الجنة ، أي : خالصة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق كما تزعمون في قولكم : * ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ) * ( 3 ) ، و * ( الناس ) * للجنس ، وقيل : للعهد وهم المسلمون ( 4 ) * ( فتمنوا الموت ) * لان من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة
* ( هامش ) *
( 1 ) النساء : 10 .
( 2 ) هود : 87 .
( 3 ) البقرة : 111 .
( 4 ) حكاه الماوردي في تفسيره : ج 1 ص 161 عن ابن عباس ، وانظر الفريد في إعراب القرآن للهمداني : ج 1 ص 342 . ( * )

/ صفحة 130 /
الوصول إلى نعيمها ، كما روي : أن عليا ( عليه السلام ) كان يطوف بين الصفين بصفين في غلالة ، فقال له ابنه الحسن ( عليه السلام ) : ماهذا بزي المحاربين ، فقال : يا بني لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت ( 1 ) . ويروى : أن حبيب بن مظاهر ( 2 ) ضحك يوم الطف ، فقيل له في ذلك ، فقال : وأي موضع أحق بالسرور من هذا الموضع ؟ ! والله ما هو إلا أن يقبل علينا هؤلاء القوم ( 3 ) بسيوفهم فنعانق الحور العين ( 4 ) . * ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظلمين ) * ( 95 ) هذا من المعجزات لأنه إخبار بالغيب ، وكان كما أخبر به ، وفي الحديث : " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه ، وما بقي على وجه الأرض يهودي " ( 5 ) ، * ( بما قدمت أيديهم ) * أي : بما أسلفوا من موجبات النار من تحريف كتاب الله والكفر بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) وغير ذلك من أنواع الكفر ، والتمني : قول الإنسان بلسانه : ليت لي كذا * ( والله عليم بالظلمين ) * تهديد لهم . سورة البقرة / 96 * ( ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يود
* ( هامش ) *
( 1 ) رواها في الكشاف : ج 1 ص 166 ، وأوردها في مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 164 .
( 2 ) أبو القاسم حبيب بن مظهر أو مظاهر بن رئاب ابن الاشتر الأسدي الكندي ثم الفقعسي . وكان ذا جمال وكمال ، وفي وقعة كربلاء كان عمره 75 سنة ، وكان يحفظ القرآن كله ، ويختمه في كل ليلة من بعد صلاة العشاء الى طلوع الفجر ، قال أهل السير : إن حبيبا نزل الكوفة وصحب عليا ( عليه السلام ) في حروبه كلها ، وكان من خاصته وحملة علومه ، استشهد مع الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء سنة 61 ه‍ . ( أعيان الشيعة : ج 4 ص 554 ) .
( 3 ) في نسخة : الطغام .
( 4 ) رجال الكشي : ص 79 ، سفينة البحار : ج 1 ص 203 - 204 .
( 5 ) رواه البغوي في تفسيره : ج 1 ص 95 عن ابن عباس عنه ( صلى الله عليه وآله ) ، ونقله في الكشاف : ج 1 ص 167 مرفوعا . ( * )

/ صفحة 131 /
أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) * ( 96 ) هو من وجدت بمعنى علمت في قولهم : وجدت زيدا ذا الحفاظ ، ومفعولاه " هم " و * ( أحرص الناس ) * ، ونكر * ( حيوة ) * لأنه أراد على حياة مخصوصة متطاولة * ( ومن الذين أشركوا ) * محمول على المعنى ، لأن معنى * ( أحرص الناس ) * أحرص من الناس ، وجاز ذلك وإن دخل الذين أشركوا تحت الناس لأنهم أفردوا بالذكر من جهة أن حرصهم أشد ، ويجوز أن يراد : وأحرص من الذين أشركوا ، فحذف لدلالة * ( أحرص الناس ) * عليه ، وفيه توبيخ شديد لأن حرص المشركين على الحياة غير مستبعد لأنها جنتهم ولم يؤمنوا بعاقبة ، فإذا زادوا عليهم في الحرص وهم مقرون بالجزاء كانوا أحقاء بأعظم التوبيخ ، وقيل : أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم : عش ألف نيروز ( 1 ) ، وقيل : * ( ومن الذين أشركوا ) * كلام مبتدأ ، أي : ومنهم ناس يود أحدهم ، على حذف الموصوف ، كقوله : * ( ومامنآ إلا له مقام معلوم ) * ( 2 ) ( 3 ) ، والضمير في * ( وما هو ) * لأحدهم ، و * ( أن يعمر ) * فاعل ل‍ " مزحزحه " ، أي : وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره ، وقيل : الضمير لما دل عليه يعمر من مصدره و * ( أن يعمر ) * بدل منه ( 4 ) ، ويجوز أن يكون * ( هو ) * مبهما و * ( أن يعمر ) * مبينه ، والزحزحة : التنحية والتبعيد ، وقوله : * ( لو يعمر ) * في معنى التمني ، وكان القياس : لو أعمر إلا أنه أجري على لفظ الغيبة لقوله : * ( يود أحدهم ) * كقولك : حلف بالله ليفعلن ، فقوله : * ( لو يعمر ) *
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 168 عن ابن عباس ، والبغوي في تفسيره : ج 1 ص 96 عن أبي العالية والربيع .
( 2 ) الصافات : 164 .
( 3 ) حكاه الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 168 ، والبغوي في تفسيره : ج 1 ص 96 .
( 4 ) انظر الفريد في إعراب القرآن للهمداني : ج 1 ص 343 - 344 . ( * )

/ صفحة 132 /
حكاية لودادتهم . * ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ( 97 ) من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكبل فإن الله عدو للكفرين ) * ( 98 ) روي : أن عبد الله بن صوريا - وهو من أحبار فدك - سأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عمن يهبط عليه بالوحي ، فقال : جبرئيل ، فقال : ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك ، فنزلت ( 1 ) جوابا لقوله وردا عليه * ( قل ) * يا محمد : * ( من ) * عادى جبرئيل من أهل الكتاب * ( فإنه ) * نزل القرآن ، أضمر ما لم يسبق ذكره ، وفيه فخامة لشأنه ، إذ جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه * ( على قلبك ) * أي : حفظه إياك وفهمكه بإذن الله ، أي : بتيسيره وتسهيله ، والمعنى : أنه لا وجه لمعاداته حيث نزل كتابا * ( مصدقا لما بين يديه ) * من الكتب فيكون مصدقا لكتابهم ، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما يصحح الكتاب المنزل عليهم * ( وهدى وبشرى ) * أي : وهاديا ومبشرا * ( للمؤمنين ) * بالنعيم الدائم ، وإنما أعاد ذكر جبرئيل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لفضلهما ، فأفردهما بالذكر كأنهما من جنس آخر ، وهو مما ذكر : أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات . الصادق ( عليه السلام ) كان يقرأ جبريل وميكال بغير همزة . سورة البقرة / 99 - 101 * ( فإن الله عدو للكفرين ) * أراد عدو لهم ، وضع الظاهر موضع الضمير ليدل
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع أسباب النزول للواحدي : ص 33 ، وتفسير البغوي : ج 1 ص 96 ، والكشاف : ج 1 ص 169 ، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف : ص 9 ما لفظه : ذكره الثعلبي والواحدي والبغوي فقالوا : روى ابن عباس أن حبرا . . . ، ولم أقف له على سند ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح . ( * )

/ صفحة 133 /
على أنه سبحانه إنما عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة كفر . * ( ولقد أنزلنا إليك ءايت بينت وما يكفر بها إلا الفسقون ( 99 ) أوكلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ) * ( 100 ) * ( ءايت ) * أي : معجزات ظاهرات واضحات * ( وما يكفر بها إلا ) * المتمردون من الكفرة ، وعن الحسن : إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره ( 1 ) ، واللام في * ( الفسقون ) * للجنس ، والأولى أن يكون إشارة إلى أهل الكتاب * ( أو كلما ) * الواو للعطف على محذوف ، معناه : * ( أ ) * كفروا بالآيات البينات * ( وكلما عهدوا ) * واليهود موصوفون بنقض العهد ( 2 ) قال سبحانه : * ( الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ) * ( 3 ) ، والنبذ : الرمي بالشئ ورفضه ، وقال : * ( فريق منهم ) * لأن منهم من لم ينقض * ( بل أكثرهم لا يؤمنون ) * بالتوراة وليسوا من الدين في شئ ، فلا يبالون بنقض الميثاق ولا يعدونه ذنبا . * ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) * ( 101 ) * ( كتب الله ) * يعني : التوراة ، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لها كافرون بها نابذون لها ، أو يريد القرآن نبذوه بعد أن لزمهم أن يتلقوه بالقبول ، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله ، يعني : أنهم يعلمون ذلك ولكنهم يكابرون ويعاندون ، ونبذوه * ( وراء ظهورهم ) * مثل لتركهم وإعراضهم عنه .
* ( هامش ) *
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في كشافه : ج 1 ص 171 .
( 2 ) في بعض النسخ : العهود .
( 3 ) الأنفال : 56 . ( * )

/ صفحة 134 /
* ( واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن وما كفر سليمن ولكن الشيطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هروت ومروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الاخرة من خلق ولبئس ماشروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) * ( 102 ) سورة البقرة / 103 المعنى : أن هذا الفريق المذكور من اليهود نبذوا كتاب الله * ( واتبعوا ما تتلوا الشيطين ) * أي : واتبعوا كتب السحر التي كانت تقرأها الشياطين على عهد ملك سليمان وفي زمانه ، وكانوا يقولون : هذا علم سليمان ، وبه يسخر الجن والإنس والريح * ( وما كفر سليمن ) * هذا تكذيب للشياطين ودفع لما بهتوه به من العمل بالسحر وسماه كفرا * ( ولكن الشيطين ) * هم الذين * ( كفروا ) * باستعمال السحر وتدوينه في كتب يقرؤونها ويعلمونها * ( الناس ) * يقصدون بذلك إغواءهم * ( وما أنزل على الملكين ) * ( 1 ) ، قيل : هو عطف على * ( ما تتلوا ) * أي : واتبعوا ما أنزل على الملكين ( 2 ) ، * ( ببابل هروت ومروت ) * ( 3 ) عطف بيان للملكين علمان لهما ، والذي أنزل عليهما علم السحر ابتلاء من الله للناس ، من تعلمه منهم وعمل به كان
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة زيادة : عطف على السحر ، أي يعلمونهم ما انزل على الملكين و .
( 2 ) قاله الزجاج في معاني القرآن : ج 1 ص 183 .
( 3 ) بابل بكسر الباء : اسم ناحية الكوفة والحلة ، وقيل : بابل العراق ، وقيل : أول من سكنها نوح ( عليه السلام ) ، وهو أول من عمرها ، وكان قد نزلها بعقب الطوفان ، فسار هو ومن خرج معه من السفينة إليها لطلب الدف‌ء فأقاموا بها وتناسلوا فيها وكثروا من بعد نوح ( عليه السلام ) . ( معجم البلدان : ج 1 ص 447 ) . ( * )

/ صفحة 135 /
كافرا ، ومن تجنبه أو تعلمه لأن لا يعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا ، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر * ( فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى ) * ( 1 ) * ( وما يعلمان من أحد ) * أي : وما يعلم الملكان أحدا * ( حتى ) * ينبهاه و * ( يقولا ) * له * ( إنما نحن فتنة ) * أي : ابتلاء واختبار من الله * ( فلا تكفر ) * أي : فلا تتعلم معتقدا أنه حق فتكفر * ( فيتعلمون ) * الضمير لما دل عليه من أحد ، أي : فيتعلم الناس من الملكين * ( ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) * أي : علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك ( 2 ) والنشوز والخلاف ابتلاء منه * ( وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) * لأنه ربما يحدث الله عنده فعلا من أفعاله وربما لم يحدث * ( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) * لأنهم يقصدون به الشر * ( ولقد علموا ) * أي : علم هؤلاء اليهود * ( لمن اشتريه ) * أي : استبدل * ( ما تتلوا الشيطين ) * على كتاب الله * ( ماله في الاخرة من خلق ) * أي : نصيب * ( ولبئس ماشروا به أنفسهم ) * أي : باعوها * ( لو كانوا يعلمون ) * أي : يعملون بعلمهم ، جعلهم حين لم يعملوا كأنهم لم يعلموا . * ( ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) * ( 103 ) يريد * ( ولو أنهم ءامنوا ) * برسول الله * ( واتقوا ) * الله فتركوا ماهم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين * ( لمثوبة من عند الله خير ) * أي : * ( لو كانوا يعلمون ) * أن ثواب الله خير مما هم فيه ، وقد علموا ولكنه سبحانه جهلهم لتركهم
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 249 .
( 2 ) الفرك - بالكسر والفتح - البغضة عامة ، أو خاص ببغضة الزوجين . ( القاموس المحيط : مادة فرك ) . ( * )

/ صفحة 136 /
العمل بالعلم . وجواب * ( لو ) * قوله : * ( لمثوبة من عند الله خير ) * ، وإنما أوثرت الجملة الإسمية على الفعلية لما في ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ، والمعنى : لشئ من الثواب خير لهم ، وقيل : إن جواب * ( لو ) * محذوف يدل الكلام عليه أي : لاثيبوا ( 1 ) .
* ( يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا را عنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكفرين عذاب أليم ) * ( 104 ) كان المسلمون يقولون لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا ألقى إليهم شيئا من العلم : * ( را عنا ) * يا رسول الله ، أي : راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه ، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها وهي " راعينا " ، فلما سمعوا بقول المسلمين : * ( را عنا ) * افترصوه ( 2 ) وخاطبوا الرسول به وهم يعنون تلك اللفظة عندهم ، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو * ( انظرنا ) * من نظره : إذا انتظره * ( واسمعوا ) * وأحسنوا سماع ما يكلمكم به النبي ( صلى الله عليه وآله ) بآذان ( 3 ) واعية حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة ( 4 ) وطلب المراعاة ، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن مثل سماع اليهود حيث قالوا : * ( سمعنا وعصينا ) * ( 5 ) ، * ( وللكفرين ) * أي : ولليهود الذين سبوا رسول الله * ( عذاب ) * مؤلم . سورة البقرة / 105 - 107 * ( مايود الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله الزجاج في معاني القرآن : ج 1 ص 187 ، والزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 174 .
( 2 ) افترص فلانا ظلما : اقتطعه ، أي : تمكن بالوقيعة في عرضه . ( أقرب الموارد ) .
( 3 ) في بعض النسخ : باذن .
( 4 ) في نسخة : الاستعانة .
( 5 ) البقرة : 93 ، النساء : 46 . ( * )

/ صفحة 137 /
عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم ) * ( 105 ) * ( من ) * الأولى للبيان ، لأن * ( الذين كفروا ) * جنس تحته نوعان : * ( أهل الكتب ) * والمشركون ، والثانية مزيدة للاستغراق ، والثالثة لابتداء الغاية . والخير : الوحي ، وكذلك الرحمة كقوله : * ( أهم يقسمون رحمت ربك ) * ( 1 ) والمعنى : أن اليهود والمشركين يرون أنفسهم أحق بالوحي فيحسدونكم ، وما يحبون * ( أن ينزل عليكم ) * شئ من الوحي * ( والله يختص ) * بالنبوة * ( من يشآء ) * ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة * ( والله ذو الفضل العظيم ) * إيذان بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم ، كقوله : * ( إن فضله كان عليك كبيرا ) * ( 2 ) . * ( ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلهآ ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ( 106 ) ألم تعلم أن الله له ملك السموا ت والارض ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير ) * ( 107 ) نسخ الآية : إزالتها بإبدال أخرى مكانها ، وإنساخها : الأمر بنسخها ، ونسؤها : تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل ، وإنساؤها : أن يذهب بحفظها عن القلوب ، والمعنى : أن كل * ( ءاية ) * نذهب بها على ما توجبه الحكمة وتقتضيه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معا ، أو من إزالة أحدهما إلى بدل ، أولا إلى بدل * ( نأت بخير منهآ ) * للعباد ، أي : بآية العمل بها أحوز للثواب * ( أو مثلهآ ) * في ذلك الثواب * ( ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) * فهو يقدر على الخير وما هو خير منه وعلى مثله في ذلك و * ( أن الله له ملك السموا ت والارض ) * فهو يملك تدبيركم ويجريه على حسب
* ( هامش ) *
( 1 ) الزخرف : 32 .
( 2 ) الاسراء : 87 . ( * )

/ صفحة 138 /
مصالحكم ، وهو أعلم بما يتعبدكم ( 1 ) به من ناسخ ومنسوخ * ( ومالكم ) * سوى * ( الله من ولى ) * يقوم بأموركم * ( ولا نصير ) * أي : ناصر ينصركم . * ( أم تريدون أن تسلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمن فقد ضل سوآء السبيل ) * ( 108 ) لما بين سبحانه أنه مدبر أمورهم أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به ، وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحته آباء اليهود على موسى من الأشياء التي كانت عقباها وبالا عليهم ، كقولهم : * ( أرنا الله جهرة ) * ( 2 ) وغير ذلك * ( ومن يتبدل الكفر بالايمن ) * بأن ترك الثقة بالآيات وشك فيها واقترح غيرها * ( فقد ضل سوآء السبيل ) * أي : ذهب عن قصد الطريق واستقامته . * ( ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم من بعد إيمنكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير ) * ( 109 ) سورة البقرة / 110 - 112 معناه : تمنى * ( كثير من أهل الكتب ) * كحي بن أخطب وكعب بن الأشرف وأمثالهما * ( لو يردونكم ) * على معنى : أن يردوكم يا معشر المؤمنين ، أي : يرجعوكم * ( من بعد إيمنكم كفارا حسدا ) * منهم لكم بما أعد الله لكم من الثواب والفضل ، وانتصب * ( حسدا ) * بأنه مفعول له ، وتعلق قوله : * ( من عند أنفسهم ) * ب‍ * ( ود ) * أي : ودوا ذلك وتمنوه من قبل أنفسهم وشهواتهم لا من قبل الميل مع الحق ، لأنهم ودوا ذلك * ( من بعد ما تبين لهم ) * أنكم على * ( الحق ) * فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ؟ ! ويجوز أن يتعلق ب‍ * ( حسدا ) * أي : حسدا من أصل نفوسهم فيكون
* ( هامش ) *
( 1 ) في نسخة : يتعبد .
( 2 ) النساء : 153 . ( * )

/ صفحة 139 /
على طريق التوكيد * ( فاعفوا واصفحوا ) * أي : فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة * ( حتى يأتي الله بأمره ) * الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلال من سواهم من اليهود بضرب الجزية عليهم * ( إن الله على كل شئ قدير ) * فهو يقدر على الانتقام منهم . * ( وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير ) * ( 110 ) لما أمر سبحانه المسلمين بالصفح عنهم عقبه بالأمر بالصلاة والزكاة ليستعينوا بهما على ما شق عليهم من شدة عداوة اليهود لهم كما قال : * ( واستعينوا بالصبر والصلوة ) * ( 1 ) ، * ( وما تقدموا . . . من خير ) * من صلاة أو صدقة أو غيرهما من الطاعات تجدوا ثوابه * ( عند الله إن الله بما تعملون بصير ) * عالم لا يضيع عنده عمل عامل . * ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى تلك أمانيهم قل هاتوا برهنكم إن كنتم صدقين ( 111 ) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( 112 ) الضمير في * ( قالوا ) * لأهل الكتاب ، والمعنى : وقالت اليهود : * ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ) * وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان * ( نصرى ) * فلف بين القولين ، ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله ، وأمنا من الالتباس لما علم من الخلاف بين الفريقين ، ونحوه قوله : * ( وقالوا كونوا هودا أو نصرى ) * ( 2 ) . والهود جمع الهائد ، ووحد اسم " كان " حملا على لفظ " من " في قوله : * ( من كان هودا ) *
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 45 .
( 2 ) البقرة : 135 . ( * )

/ صفحة 140 /
وجمع خبره حملا على معناه * ( تلك أمانيهم ) * إشارة إلى أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ( 1 ) ، و ( 2 ) أمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني الكاذبة أمانيهم * ( قل هاتوا برهنكم ) * أي : حجتكم * ( إن كنتم صدقين ) * في قولكم : * ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى ) * ، وفي هذا دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو باطل ، وهات بمعنى أحضر * ( بلى ) * إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة * ( من أسلم وجهه لله ) * أي : من أخلص نفسه لله لا يشرك به غيره * ( وهو محسن ) * في عمله * ( فله أجره ) * الذي يستوجبه ، ويجوز أن يكون * ( من أسلم ) * مبتدأ ويكون * ( من ) * متضمنا معنى الشرط وجوابه * ( فله أجره ) * ، ويجوز أن يكون فاعلا لفعل محذوف ، أي : * ( بلى ) * يدخلها * ( من أسلم ) * ويكون * ( فله أجره ) * معطوفا على يدخلها * ( من أسلم ) * . * ( وقالت اليهود ليست النصرى على شئ وقالت النصرى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتب كذا لك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون ) * ( 113 ) سورة البقرة / 114 * ( على شئ ) * مبالغة عظيمة ، أي : ليسوا على شئ يصح ويعتد به ، كقولهم : أقل من لا شئ * ( وهم يتلون الكتب ) * الواو للحال والكتاب للجنس ، أي : قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب * ( كذا لك ) * أي : مثل ذلك الذي سمعت به وعلى ذلك المنهاج * ( قال ) * الجهلة * ( الذين ) * لا علم عندهم ولا كتاب ، كعبدة الأوثان والدهرية ونحوهم قالوا لأهل كل دين : ليسوا على شئ ، وهذا توبيخ لهم حيث نظموا نفوسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم * ( فالله يحكم ) * بين
* ( هامش ) *
( 1 ) في بعض النسخ زيادة : حسدا .
( 2 ) في نسخة : أو . ( * )

/ صفحة 141 /
اليهود والنصارى * ( يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون ) * فيريهم من يدخل الجنة ومن يدخل النار عيانا . * ( ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابهآ أولئك ماكان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزى ولهم في الاخرة عذاب عظيم ) * ( 114 ) * ( أن يذكر ) * في موضع النصب بأنه المفعول الثاني ل‍ * ( منع ) * ، تقول : منعته كذا ، ومثله * ( وما منع الناس أن يؤمنوا ) * ( 1 ) ، ويجوز أن يكون منصوبا بأنه مفعول له بمعنى : منعها كراهة أن يذكر ، وهو حكم عام في جنس * ( مسجد الله ) * وأن مانعها من ذكر الله في غاية الظلم . وروي عن الصادق ( عليه السلام ) : " أن المراد بذلك قريش حين منعوا رسول الله دخول مكة والمسجد الحرام " ( 2 ) ، وبه قال بعض المفسرين ( 3 ) . وقال بعضهم : إنهم الروم ، غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه إلى أن أظهر الله المسلمين عليهم في أيام عمر ( 4 ) فصاروا لا يدخلونها * ( إلا خائفي