سورة النور
[5]

أعوذ بالله من ا لشيطان الرجيم

{سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}(النور 1-3).
تصادف هذه الأيام ذكرى وفاة الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) والتي هي رمز قدسية العفاف في عالم الإسلام، لذا فقد عقدنا العزم على تفسير سورة النور خلالها. ويعزى السبب في اختيار هذه السورة إلى أن أكثر آياتها تقريبا تدور حول الشؤون المتعلقة بالعفة.

[6]
السورة الوحيدة التي تبدأ بمثل هذه الآية {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} هي هذه السورة. هناك سور كثيرة تبدأ بآية ( كتاب أنزلناه) أي تشير إلى القرآن كله.
ولكن هنا تشير الآية إلى هذه ا لسورة بمفردها. ويتضح منها أن هناك اهتمام خاص بمفاد هذه السورة.
تعلمون أن السورة معناها مجموعة الآيات الشريفة التي تبدأ بالبسملة ثم تنتهي بشكل تبدأ بعده بسملة أخرى. القرآن من الكتب التي ليس فيها فصل وباب وقسم. إلا انه مقسم إلى سورة وكل سورة تبدأ (بسم الله الرحمن الرحيم) (هناك سورة واحدة في القرآن لا تبدأ بالبسملة وهي سورة التوبة المترجم)، وتدل البسملة التي تأتي بعد تلك الآيات على انتهاء السورة السابقة. ويقال ان كلمة "سورة" مشتقة من "السور" ويقصد به الجدار المحيط بالمدينة أو القرية أو القصبة، وسور البلد يراد به الحائط المرتفع الذي يبني حول المدينة. ويبدو هنا وكأن كل سورة محاطة بجدار أو سور، وهذا هو وجه تسميتها بالسورة.
والقرآن جزأه الرسول(صلى الله عليه وآله) بنفسه سورا، لا إن المسلمين جزؤوه لاحقا.
أي أن القرآن منذ نزوله، نزل مجزءا إلى سور.
تبدأ الآية الأولى بعبارة {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا}، ثم بعدها جاءت عبارة {َفَرَضْنَاهَا} لتؤكد ان القضايا المتعلقة بالعفاف قضايا في غاية الأهمية، أي على العكس مما يتصور بنو الإنسان في وقتنا الحاضر من خلال توجههم صوب تسهيل وتبسيط العلاقات الجنسية، والاستخفاف بها ايضا، ويسمون ذلك اعتباطا باسم"الحرية" أو السير نحو "الحرية الجنسية"، وأن كل ما عرضه القرآن من أساليب لصيانة العفاف، وما صرح به من عقوبات للتهتك، وما بينه من جزاء على تلويث سمعة النساء العفيفات واتهامهن كذبا بالتحلل، وما جاء فيه من ترغيب

[7]
بالزواج، وخلاصة القول:كل ما أورد في ما يتعلق بباب العفاف، أراد التأكيد من خلاله على أنّ هذه القضايا تحظى بأهمية وجدية قصوى، ولها حكم الفرض ولا مجال للتسامح فيها. وإنّ أحد أسباب تعاسة عالم اليوم هو الاستهانة بأصول العفاف والتقوى في الشؤون الجنسية، وهو ما سنتعرض له في ما بعد.
{سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} وفرضنا التمسّك بما ورد فيها، يعني أنّنا نهتم بها ولا نستهين بشأنها {وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَات}ٍ قد يراد جميع آيات السورة، أو كما ذكر العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: إنّ المراد بها الآيات التي جاءت في وسط السورة، وهي التي تشكل في الواقع عمودها الفقري.
تتحدّث سائر آيات هذه السورة عن الأخلاق والآداب الجنسية. أما تلك الآيات فتتعلق بأصول العقيدة، وسنبيّن وجه تناسبهما في ما بعد. وعلى كلّ حال يقول القرآن أنّنا قد انزلنا في هذه السورة آيات بينات لإيقاظكم وتوعيتكم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
ربما أنكم تعلمون الفارق بين "التفكّر" و"التذكّر". التفكر يكون في الموارد التي يجهل فيها الإنسان قضية ما ولا يعلم شيئا عنها. أما التذكر فيكون في المسائل التي تدرك فطرة الإنسان صحتها بشكل تلقائي، ولكن يجب تذكيره بها ولفت نظره إليها. القرآن يشير إلى هذه المسائل على وجه الخصوص بصفة "التذكر" وربما يعود أحد أسبابها إلى احترامه للإنسان، وكأنه يريد أن يقول له أننا نلفت انتباهك إلى هذه الأمور، وهي أمور لو أنّك فكّرت فيها لوقفت على حقيقتها إلاّ أنّنا ننبهك إليها ونذكرك بها.

[8]
تختص الآية التالية لها بذكر عقوبة الزنا، فتقول:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}(النور2).
بينت هذه الآية ثلاث نقاط وهي:
أوّلاً: إن الزاني سواء كان رجلاً أم امرأة يجب أن يعاقب، وعقوبته بينها القرآن وهي "مائة جلدة" لكل واحد منهما.
ثانياً: يحذر المؤمنين أن لا يقعوا إزاء هذه العقوبة تحت تأثير عواطفهم فيقولون إن المائة جلدة شديدة الألم فيا حبذا لو ننقص شيئا منها، فهنا ليس موضع رأفه أو شفقة. يقول إياكم والانسياق وراء العواطف والتهاون في تنفيذ هذا الحد، أو تتصوروا حسب المصطلح الحديث ان هذا العمل "غير إنساني"، كلا، بل هو عمل إنساني.
ثالثاً: لا تنفذوا هذه العقوبة خفية، لأنهما شرّعت من أجل أن تكون عبرة للآخرين. ولا بد من وجود جماعة من المؤمنين ليشهدوا تنفيذ هذه العقوبة. والمراد هنا هو أن تنفذ العقوبة بشكل يجعل الناس جميعاً يعلمون أن هذا الرجل الزاني أو تلك المرأة الزانية قد أقيم عليه الحد. إذن هذه العقوبة يجب أجراءها علناً لا خفية.
أريد التحدث مفصلا عمّا ورد في النقطة الأولى بشأن قانون عقوبة الزنا. فما هي الحكمة من عقوبة الزنا؟
تلاحظون غالبا فيما إذا قرأتم الكتب التي تتناول هذا الموضع أنها حددت السبب في عقوبة الزنا بأنه يعود إلى "سيادة الرجل". ففي الأدوار التي كان فيها الرجل هو سيد الأسرة - بمعنى أنه كان المالك لها، وليس للمرأة فيها أي

[9]
حق وإنما هي أداة بيده لقضاء حاجاته، وكان الرجل يعتبر نفسه مالكا للمرأة - حينما تزني المرأة، تصبح في نظر الرجل وكأنها منحت شيئا هو من ممتلكاته إلى شخص آخر، ولهذا السبب شرعت عقوبة الزنا.
من الواضح أن هذا الكلام ليس له أي أساس في أحكام الإسلام. وعقوبة الزنا في الإسلام لا تقتصر على المرأة، بل الرجل يعاقب عليها والمرأة. {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}
ولو كان الأمر كذلك لما فرضت أي قيود أو حدود على الرجل، ولكانت المرأة هي الممنوعة من الزنا لوحدها- ولعل مثل هذه القوانين كانت سائدة في بعض أرجاء العالم بحيث تمنع الزنا على المرأة فقط، وتبيحه للرجل - في مثل هذه الحالة يجوز للقول أنّ الحكمة من عقوبة الزنا هي "سيادة الرجل". ولكن في الإسلام كلاهما - رجلا وامرأة - محرم عليهما الزنا. ومعنى هذا الكلام إن الرجل بإمكانه تحقيق رغباته الجنسية في إطار الزواج فقط. والزواج معناه قبول سلسلة من التعهدات والمسؤوليات. وكذلك المرأة يحق لها قضاء رغباتها الجنسية في إطار الزواج فقط، شرط القبول بسلسلة من التعهدات والمسؤوليات.
إذن الرجل لا يحق له إشباع غريزته الجنسية بدون وجود الزواج. وكذلك المرأة ليس لها مثل هذا الحق. وبناء على هذا فإن حرمة الزنا لا تختص بالمرأة وحدها، وإنما تشملهما كليهما.
قد تثار هنا مسألة أخرى وهي أن المتعارف في أوربا اليوم أن الرجل والمرأة إذا كانا بتعبير الإسلام محصن ومحصنة يمنع عليهما الزنا. أي إذا كان للرجل زوجة وللمرأة زوج لا يحق لأي منهما أن يزني. ولكن لا يمنع ذلك على غير المتزوج رجلا كان أم امرأة. وطبعا لا يجوز لغير المتزوج الزنا بالمتزوجة،

[10]
كما لا يجوز لغير المتزوجة الزنا مع المتزوج. ولكن الرجل غير المتزوج والمرأة غير المتزوجة ليس عليهما أي منع. ولكن لماذا يمنعون ويجوزون على هذه الشاكلة؟
يتصورون في أوربا أن الحكمة من تحريم الزنا على المتزوج هي أنه يكون بهذا العمل قد خان زوجته وهضمها حقها. والحكمه في تحريم الزنا على المتزوجة أنها تهضم بهذا العمل حق زوجها. إذن فالرجل غير المتزوج ليست له أية مسؤولية أمام أحد، والمرأة غير المتزوجة لا مسؤولية عليها أمام أحد. فلا إشكال إذن في ممارسة أي منهما للزنا.
أما في رأي الإسلام فهناك مسألتان هذه القضية وهما:
أولاً: ليس للرجل والمرأة إشباع رغباتهما الجنسية خارج إطار تشكيل العائلة، سواء كان للرجل والمرأة، سواء كان للرجل زوجة أم لم يكن، أو سواء كان للمرأة زوج أم لم يكن.
الإسلام أولى أهمية استثنائية للعائلة بحيث منع أي إشباع للغريزة الجنسية خارج نطاق العائلة، واعتبر المحيط العائلي هو الموضع المناسب لتلبية متطلبات الرغبة الجنسية، ولم يسمح للرجل والمرأة الاستمتاع ببعضهما الآخر خارج المحيط العائلي.
ثانياً: مسألة عقوبة الرجل المحصن والمرأة المحصنة. حيث أقر الإسلام عقوبتين، والعقوبة التي أقرها للإنسان المحصن أكثر شدة. وقد وضع عقوبة عامة وهي مائة جلدة، والأخرى هي الرجم.
أحد الأمور التي توطد أسس البناء العائلي والجو العائلي هي هذه المسألة التي يعزى إليها سبب تصدع أركان البناء العائلي في العالم الأوربي، وفي مجتمعنا أيضا كلما توغلنا في السير على النهج الأوربي ازداد لدينا مستوى الإنهيار في بناء العائلة.

[11]
وحينما كان مجتمعنا متمسكا حقا بأحكام الإسلام، أي أن الشباب لم تكهن لهم قبل الزواج أية صلات مع امرأة أو فتاة، ولم تكن لهم صديقة، وهكذا كانت الفتيات أيضا، كان الزواج بالنسبة لهم أمنية.
الفتي حينما يبلغ الخامسة عشرة من عمره يتولد لديه شعور طبيعي بالحاجة إلى الزوجة، وهكذا الحال بالنسبة للفتاة. وكان من الطبيعي أن الفتى يتمنى الزواج، لأنه بواسطة الزواج يتحرر من الحدود المفروضة عليه في مجال الاستمتاع بالمرأة، ويدخل في إطار حرية الاستفادة منها. وحينها لا تكون ليلة الزفاف أقل سعادة من الليلة التي يمسي فيها الملك ملكا. لأنه هذه المرأة تعتبر بالنسبة لهذا الشاب من الناحية النفسية أول مخلوق أخرجه من تلك المحدودية إلى أجواء الحرية. وكذلك بالنسبة للفتاة فإن ذلك الفتى هو أول من أخرجها من ذلك القيد إلى جو الحرية.
وهذا هو العامل الذي يجعل الفتيات والفتيان الذين لم يكونوا قد رأوا بعضهم من قبل يألفون بعضهم بعد الزواج إلى حد بعيد. لا أريد القول هنا أن عدم رؤيتهم لبعضهم قبل الزواج إلى حد بعيد. لا أريد القول هنا أن عدم رؤيتهم لبعضهم قبل الزواج عمل صحيح، لأن الإسلام لهم الرؤية. ولكن حتى وإن لم يكونوا قد رأوا بعضهم من قبل فإنهم يتعلقون ببعضهم حتى آخر العمر.
أما النظام الاجتماعي في الغرب فيبيح للشاب وللشابة حرية العلاقات الجنسية ما دام أحدهما لم يتزوج. فتكون نتيجة ذلك أن الزواج يصبح قيدا يحددهما، قبل الزواج كانت لكلّ منهما الحرية في إقامة علاقة مع من يشاء.
ولكن تصبح علاقته بعد الزواج مقصورة على شخص واحد. وهذا هو السبب الذي يدفع الشاب الذي يوشك على الزواج أن يقول: إنني منذ اليوم أدخلت

[12]
نفسي في السجن، وكذلك الفتاة يصبح الزوج سجانها إي أن الزواج يسلب الشخص حريته الجنسية ويفرض عليه قيدا.
أما الزواج في النظام الاجتماعي الإسلامي فيعني الخروج من القيد إلى الحرية. ومن الطبيعي أن الزواج الذي يبنى أساسه على الخروج من القيد إلى الحرية ينتج عنه الثبات والاستقرار. أما الذي يشيد بناؤه على فقدان الحرية والدخول في التقييد فهو أولا، لا يتمتع بالثبات والاستقرار. أي أنه يؤدي إلى الطلاق السريع، وثانيا: أنّ الشاب الذي جرّب - على حد قول الأوربيين - عشرات أو أحيانا مئات الفتيات، والشابة التي جربت عشرات ومئات الرجال، هل يمكن الآن أن يتقيد بشخص واحد؟ وهل يمكن تقييده؟
تحريم الإسلام للزنا لا يقتصر سببه على أن هذا حق ذلك الرجل وذاك حق تلك المرأة. إذن فالرجل غير المتزوج والذي لا تقع عليه أية مسؤولية أمام أيّة امرأة، والمرأة غير المتزوجة التي لا مسؤولية عليها إزاء أي رجل، لا مانع أمامهما من ممارسة هذا العمل! والرجل الذي لا يرغب في الزواج طوال حياته يكون مطلق العنان، وكذلك المرأة التي لا تميل إلى الزواج طوال حياتها يطلق له العنان. الإسلام يرفض هذا رفضا. فأما القبول بالحرمان المطلق، وأما الجنوح إلى الزواج والالتزام بما يفرضه من مسؤوليات.
ومن هنا شرع الإسلام للزنا عقوبة، وجعل عقوبة الزنا المجرد عن طمس حقوق امرأة أو سحق رجل، هي الجلد. ويحكم الإسلام على الرجل المحصن الذي يزني لا بدافع ضغط الشهوة الجنسية طبعا، على المرأة المحصنة التي تمارس الزنا لا بدافع الغريزة الجنسية طبعا وإنما بدافع النزوة والهوى، بالرجم.

[13]
لاحظوا إلى أي حد يعير الإسلام أهمية لمثل هذه الاعتبارات ! العالم الأوربي كان يقول ابتداء إن الزنا لغير المتزوج ولغير المتزوجة ليس جريمة.
يقول برتراند راسل: إلاّ أن يوقع جراحة:فإذا لم يحصل جرح فلا ضير. ووصل بهم الحال إلى أنّ برتراند راسل يقول صراحة: لا مانع من الزنا بين المتزوج والمتزوجة، فما المانع في أن يكون للمتزوجة عشيق تمارس معه الهوى في مكان، وزوج تعيش معه الحياة الزوجية؟ فيكون لها في الوقت ذاته زوج عشيق؟ تمارس مع ذاك الهوى، وتنجب لهذا الأطفال. ولكن تقدم تعهدا باستخدام موانع الحمل عند ممارسة الهوى مع العشيق.
ولكن هل راسل نفسه يصدق هذا الكلام؟ أي عاقل يصدق إن امرأة تحب شخصا وتعشقه، وتكون زوجة لزوج غيره وتتعهد أن لا تنجب طفلا إلا للزوج.
كل امرأة ترغب في أن يكون لها ولد تجد فيه تجسيدا وذكرى للرجل الذي تحبه لا أن يكون أمامها ذكرى لرجل تمقته. ثم ما الضمانة على عدم الحمل من الرجل الذي تحبه ثم الصادق الوليد برقبة زوجها؟
يبدو أن القرآن قد التفت إلى هذا الجانب فقال: {أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} هذه من القوانين الثابتة التي لا تغيرها متطلبات العصر ولا يمكن لها تغييرها. فهي من مبادئ الحياة البشرية ولا يطالها التغيير.
ثم قال بعد ذلك: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} ليس هنا موضع رأفة أو تسامح، فما أن يثبت الأمر لا يمكن بعد ذلك التهاون فيه. وتؤكد الجملة اللاحقة على عدم إجراء هذا الحكم، أي إقامة الحد على الزاني والزانية، خلف الأسوار وبعيدا عن أنظار الناس. بل لا بد وأن يقام أمام الأنظار ويشيع خبره في كل مكان ليكون واضحا في الإسلام يبدي أهمية فائقة لقضية العفاف، لأن الغاية من إقامة الأحكام الجزائية هي التأديب وتربية المجتمع. فلو أنّ امرأة زنت


[14]
وعوقبت خفية حتى ولو بالإعدام فان عقوبتها لا تجدي في المجتمع أثرا. وفي عصر صدر الإسلام متى ما كانوا يريدون إجراء هذه الأحكام - وكانت قلّما تجرى إذ بما أنهم كانوا يطبقون هذه الإحكام فإن الزنا نادراً ما كان يقع - كانوا يعلنون ذلك على الملأ.
ما أجمل ما قيل هنا: (لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا)( نهج البلاغة: الحكمة70). فقد كانت أوربا، قبل قرنين أو ثلاثة حينما كان القانون السائد فيها هو قانون الكنيسة، تنتهج أشد الأساليب تطرفا في تحديد العلاقات الجنسية، وكانت تطرح ضد الإسلام سلسلة من المؤاخذات.
كانت العلاقة الجنسية في قانون الكنيسة رذيلة حتى مع الزوجة الشرعية. بل إنهم كانوا ينظرون إلى المرأة كموجود نجس ذاتا، ومقاربة المرأة كان عندهم عملا قذرا حتى مع المرأة كان عندهم عملا قذرا حتى مع المرأة الشرعية. ولهذا السبب كان الشخص المنزه والمقدّس في رأيهم والجدير ببلوغ المراتب الروحية الرفيعة هو الشخص الذي لم يقارب امرأة في حياته ولم يلمس امرأة قط.
والباب لديهم ينتخب من بين الأشخاص الذين قضوا حياتهم في العزوبة، بل وكانت العزوبة ذاتها "مقدسة" لديهم. كانوا يقولون أن هذا العمل المقدس جدير بان يؤدّيه أشخاص لم يخالطوا النساء طوال حياتهم. ومثل هؤلاء الأشخاص قليلون طبعا، وهم الذين يصبحون في ما بعد قساوسة وكاردينالات، أو يبلغ بعضهم درجة البابوية. وكانوا يقولون أن أكثر الناس لا يستطيعون العيش بل زواج، وإذا نحن قلنا لهم لا تتزوجوا يضطرون لممارسة الزنا وهو عمل أقبح، بل ويحرصون على ممارسة الجنس أكثر فأكثر، ولهذا أبيح الزواج من باب " دفع الأفسد بالفاسد".

[15]
أما الإسلام فعلى العكس من ذلك فقد ذم العزوبية وقال: (إن الأرض تضج إلى الله من بول الأعزب)(ورد نظير هذه الروايات بشأن الأغلف الذي لم يختن ). ويقدس الزواج.
يذكر لكلمة "المحُصَن" أو "المحُصِن" في القرآن معنيان، تارة تستخدم للمرأة المتزوجة على وجه الخصوص بمعنى إنها في حصن الزواج، وتستخدم تارة أخرى بمعنى المرأة العفيفة وان كانت غير متزوجة. والمراد هنا هو المعنى الثاني
فالذين يرمون النساء العفيفات بسهام التهمة والتشكيك في عفتهن ولا يأتون بأربعة شهود يجب أن يقام عليهم الحد.
الإسلام لا يقبل أي ادّعاء بلا دليل. لكن بعض الادعاءات تقبل ولو بكلمة من امرأة واحدة، مثل القضايا المتعلقة بالنساء حين تقول المرأة شيئا عن ذاتها مثلا حينما يريد شخص طلاق زوجته، فما أن الطلاق لا يجوز أثناء العادة الشهرية، لهذا تُسأل المرأة هل هي طاهرة أم في وقت العادة؟ إذا قالت طاهرة يكفي، وإذا قال أنها في حالة العادة يقبل قولها. فلا يقال عند ذاك بوجوب الأتيان بشاهدين، بل إن كلامها وحده معتبر.
في بعض الحالات لا بد من وجود شاهدين من الرجال كما هو ا لحال الدعاوى المالية.
ولكن في قضايا الشرف حيث حرمة الشرف وتلوث العفاف يؤكد الإسلام على أن الشاهدين العدلين لا يكفيان أيضا. أي لو جاء عادلان ممن يثق الناس بهما ويصلون خلفهما أو يلقلّدونهما ويقولان أنهما رأيا امرأة معينة قد زنت، يرى الإسلام إن هذا لا يكفي، فأنتما شخصان. وحتى إذا كانوا ثلاثة أشخاص،

[16]
فالإسلام يقول. لا يكفي. ولو جاء أربعة عدول وشهدوا فحينذاك يعتبر الإسلام تلك المرأة متهمة، ويعتبر كلامهم دليلاً كافياً.
قد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك فهذا الأمر لا يحدث، فمن أين يأتي أربعة شهود ويشهدون إن امرأة قد زنت؟ نقول: وهل جعل الإسلام قضية الزنا مبنية على المتابعة والمراقبة والتفتيش؟ الإسلام حينما يقول أربعة شهود لا يستهدف من وراء ذلك إشاعة المراقبة والمتابعة حتى يقال إن هذه الشروط مرهقة ولا تحصل حتى حالة واحدة من مائة ألف حالة أن يأتي أربعة ويدلوا بمثل هذه الشهادة. الإسلام يريد إثبات أقل ما يمكن من حالات الزنا. ولو حصلت ألف حالة زنا في الخفاء فهي في الإسلام أهون من اتهام امرأة عفيفة بالزنا.
الإسلام لا يريد وقوع الزنا، لكنه لا يريد ذلك عن طريق الشهود والعقوبة، بل وضع لهذا المورد سبلا أخرى. ولو طبقت أساليب التربية الفردية والتعاليم الاجتماعية الإسلامية لما وقع الزنا. لا أن يعاقب على الزنا إذا ما وقع ليردع عن وقوعه. أجل، لقد سنّ العقوبة أيضا لمن لا تجدي فيهم نفعا تلك التربية، ليعلموا أن هناك السوط أيضا وهناك القتل، وهناك القتل حتى بالرجم.
إذن قلنا بوجوب توفر أربعة شهود، أضف إلى أن في الشهادة خطر على الشاهد فلو رأى شخص امرأة تزني ولم يكن هناك ثلاثة آخرون يشهدون معه يجب عليه أن يلزم الصمت. أو إذا رأى الزنا شخصان، يجب أن يلزما الصمت، أو إذا رأى الزنا ثلاثة، يجب أن يلزموا الصمت. لأنهم إذا شهدوا يقال لهم شهادتكم لا تكفي، وإذا كانت غير كافية لا يقال لهم أذهبوا إلى بيوتكم ! وإنما يقال لهم: بما أنكم شهدتم ولم تستطيعوا إثبات مدّعاكم فأنتم إذن قاذفون، ويجب أن يجلد كل واحد منكم ثمانين جلدة. وهذا هو قول القرآن أن الذين يرمون النساء العفيفات

[17]
بالتهمة ولا يأتوا بأربعة شهداء، اضربوهم ثمانين جلدة حتى وإن كانوا صادقين لأنهم بقولهم هذا يتهمون امرأة بشرفها.
ولكن هل يقتصر الأمر على هذه العقوبة البدنية؟ كلا، بل هناك عقوبة اجتماعية أخرى وهي: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}(النور4). وهذا يعني إسقاط اعتبارهم الاجتماعي. لماذا؟ لأنهم اتهموا امرأة عفيفة بالزنا ولم يستطيعوا إثبات تلك التهمة.
العقوبة الثالثة هي:{ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}(النور4). وهنا يختلف المفسرون: هل {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} عقوبة أخرى في معزل عن {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} أم هي ذاتها، أي كلتاهما عقوبة واحدة؟ البعض قالوا أنها واحدة، على أساس أنّ {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} يُعتبر سبباً لـ{وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}. أي أنهم صاروا فسقة بسبب هذه التهمة، وبما أنهم اصبحوا فسقة، فشهادتهم غير مقبولة، بل ولا يقبل منهم كل ما تشترط فيه العدالة، فلا يجوز مثلا إجراء صيغة الطلاق عند أحدهم، ولا يصلى خلفهم، وإذا كان أحدهم مجتهدا لا يجوز تقليده. لأن الشرط في كل هذه الإعمال هي العدالة. وعلى هذه فمجموعة الكلي عقوبة واحدة.
إلا أن البعض قال إنهما عقوبتان، إحداهما عدم قبول الشهادة، والثانية هي صفة الفسق. وبما إنهم عقوبتان، إحداهما عدم قبول الشهادة، والثانية هي صفة الفسق. وبما أنهم فسقة فان سائر آثار الفسق تترتب عليهم. وهذان الأمران يمكن فصلهما عن بعضهما. ولو أن هذا الشاهد الذي لم يستطع إثبات ادعائه تاب، تزول عنه صفة الفسق، أي يمكننا اعتباره عادلا، فنصلي خلفه وإذا كان مجتهدا أمكن تقليده، كما ويجوز له تبوأ منصب القضاء "لأن القاضي تشترط فيه العدالة" لكن شهادته لا تقبل، لأن تلك العقوبة بمعزل عن هذه. وهذا هو السبب

[18]
الذي يجعل البعض يعتقد أن عدم قبول شهادة مثل هذا الشخص ليس فسقه، لأن هذه عقوبة أخرى غير تلك فاعتبار الإنسان فاسقا - في رأي الإسلام عقوبة - وعدم قبول شهادته عقوبة أخرى.
من هنا يتضح معنى الآية التالية: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(النور5). وهذا الاستثناء يمكن حمله ابتداءً على ثلاثة احتمالات الاحتمال الأول: هو أن الشخص لو ادّعى ولم يستطع إثبات مدعاة وأعلن عن توبته لا يجلد، وشهادته من بعد هذا تقبل، وهو ليس بفاسق. إلا إن مثل هذا الاحتمال لم يقل به أحد. فأي شخص ما أن يتهم امرأة ولا يستطيع إثبات التهمة لا بد وأن يجلد.
الاحتمال الثاني : انه إذا تاب تقبل شهادته ولا يعتبر فاسقا. أي ترفع عنه العقوبات الاجتماعية ويعاد إليه اعتباره.
الاحتمال الثالث: إن شهادته لا تقبل إلى الأبد. أي أن العقوبات الثانية لا تزول عنه و{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} استثناء من العبارة الأخيرة، أي يعاد إليه الإعتبار بالقدر الذي يسمح بالصلاة خلفه، وتقليده، وتعيينه لمنصب القضاء. لكن شهادته لا تقبل أبدا. ولا يستبعد أن يكون الاحتمال الثالث هو الأصح، أي {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} استثناء من {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} والآية التالية هي:
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ}(النور/6-7).

[19]
وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مفاده انّ رجلا إذا اتهم امرأة بالزنا يجب عليه الإتيان بأربعة شهود، وليعلم أنه إذا لم يأت بأربعة شهود يجلد، إذن فما عليه إلاّ إن يلزم الصمت.
ولكن إذا كان الذي شاهد المرأة تزني هو زوجها، فما هو موقفه؟ هل يجب عليه تهيئة أربعة شهود حتى يأتي إلى حاكم الشرع ويصرح له أن زوجتي قد زنت؟ فإذا أراد البحث عن الشهود الأربعة يكون هذان قد أتما فعلتهما.
وإذا كان الشاهد شخصا غير الزوج يقال له إذا لم يكن معك شهود، إلزم الصمت ولا تتحدث بشيء، فما شأنك وهذا؟ وإذا تكلمت تجلد.
أما الزوج فيجب أن يقسم بالله أمام الحاكم أربع مرات ويشهد الله أن ما يقوله صدق وأنه غير كاذب. أي إن الشهادة مرة واحدة لا تكفي، بل لا بد من أربع شهادات تقترن كل واحدة منها بالقسم بالله. وهل هذا يكفي؟
كلاّ، لا يكفي، بل يقول في الخامسة لعنة الله عليّ إن كنت كاذبا. وهل انتهى الأمر عند هذا الحد فيقال للمرأة لقد ثبت عليك الزنا؟ كلا، بل يقال للمرأة إن زوجك قد لاعنك، أي اقسم أربع مرات ولعن نفسه في الخامسة. فما هو قولك أنت؟ فإذا أقرت أقيم عليها الحد، وإذا سكتت ولم تدافع عن نفسها، فهذا بحكم الإقرار. ولكن يوضع أمامها خيار آخر، فيقال لها: أنت أيضا تقسمين مثل زوجك أربع مرات انه كاذب، وتقولين في الخامسة أن لعنة الله عليّ إن كان زوجي صادقا.
فإذا رفضت القيام بهذا العمل يتضح إذن أنها زنت وتعاقب. ولكن إذا أرادت الدفاع عن نفسها فما هو العمل؟ أي إن الرجل أقسم أربع مرات ولعن نفسه إن كان كاذبا، وكذا أقسمت المرأة أربع مرات إن زوجها كاذب، وقالت في الخامسة




[20]
أن لعنة الله عليها إن كان زوجها صادقا. فما حكم الإسلام في مثل هذه الحالة؟ هل يعتبر الرجل هنا بحكم القاذف فيجلد؟ كلا. وهل تعتبر المرأة مذنبة فيقام عليها الحد، وهو الرجم؟ كلا. فما العمل إذن؟
يقول الإسلام هنا: ما دام الأمر قد بلغ هذا الحد، يجب التفريق بينهما ولا داعي للطلاق، لأن هذا العمل بحكم الطلاق، وتنفسح العلاقة الزوجية بينهما إلى الأبد. وهذا يسمى في الفقه بـ"اللعان" أو "الملاعنة ".
وقعت مثل هذه الواقعة في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله) وبحضوره، ويقال أن شأن نزول هذه الآية كان فيها. إذ جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ) ذات يوم رجل اسمه هلال بن أميه وهو في حالة ذعر وقال: يا رسول الله رأيت بعيني زوجتي في حالة زنا مع الرجل الفلاني. فأعرض عنه الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأعاد الرجل كلامه ثانية، وقال في الثالثة: الله يعلم إننّي صادق غير كاذب. ثم نزلت هذه الآيات، ودعا الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم هلال بن أميّة، ودعا زوجته أيضا. وكانت زوجته من أعيان المدنية وقبيلتها كبيرة وأقاربها كثيرون. وكان هلال قد جاء أيضا مع قومه وأبناء قبيلته.
كانت تلك المرة الأولى التي يجري فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللعان، فأمر الرجل أن يقسم بالله أربع مرات، ويجعل لعنة الله عليه في الخامسة إن كان ن الكاذبين. فتقدم الرجل ممتثلا أمر الرسول وادعى ما قاله له. وقيل للمرأة اقسمي أربع مرات أن زوجك كاذب. سكتت المرأة أول الأمر وانعقد لسانها عن الكلام، وأوشكت على الاعتراف لكنها نظرت في وجوه قومها وقالت في نفسها: لا أفعل ما يجلب على قومي العار ويلحق بهم الانكسار.
حينما أقسم هلال بن أمية أربع مرات وأراد أن يلعن نفسه في الخامسة، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعلم أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، إياك وأن

[21]
تكون رميت زوجتك بهذه التهمة كذبا؟ واتق الله ‍‍: فقال: يا رسول الله، الله يعلم أنني غير كاذب، وكذلك المرأة حينما أقسمت أربع مرات إن زوجها كاذب، وأرادت أن تقول: غصب الله عليّ ... قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): اتق الله، أن ما في الآخرة اشد مما في الدنيا. إياك أن تكذبي كلام زوجك إن كان قوله حقا. وهنا انعقد لسانها وأوشكت على الإقرار، لكنها قالت أخيرا: لعنة الله عليّ إن كان من الصادقين. وعند ذاك قال لهما الرسول: أنتما من هذه الساعة لستما زوجاً لبعضكما.
ثم جاء في الآية التالية: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ}(النور10). أي لولا فضل الله عليكم لأنزل أحكاما اشد. قد تتصورون أن الأحكام التي أنزلناها عليكم هنا أحكاما شديدة، ولكن اعلموا أنها من فضل الله ورحمته ومظهر قبوله التوبة، وانّ هذا مما تقتضية مصلحتكم.
تأتي بعد هذه الآية الآيات المسماة بآيات "الإفك" والإفك هو التهمة، وتتعلق هذه القضية بحدث تاريخي وهو أن إحدى زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) اتهمت خلال واقعة تاريخية من قبل المنافقين. ويعتقد أهل السنة أن تلك المرأة هي عائشة، بينما يرى بعض الشيعة أنها مارية القبطية. ولعلكم تظنون أن القضية يجب أن تكون بالعكس، أي أن يقول الشيعة أنها عائشة ‎، ويقول السنة أنها مارية. فماذا يؤكد السنة إنها كانت عائشة، ويصر المتعصبون من الشيعة أنها كانت مارية؟
سبب ذلك يعود إلى أن هذه التهمة اتخذت في ما بعد -سواء في وجهة نظر عامة الناس، أم في رأي الآيات القرآنية بشأن تلك المرأة المتهمة - صيغة تبعث

[22]
على الفخر بحيث لم يبق معها شك في أن التهمة الموجهة إلى تلك المرأة كانت كذبا وأنها قد زكيت والقضية لا أساس لها من الصحة. وهذا هو سبب تأكيد أهل السنة أن تلك المرأة المتهمة التي تثبت نزاهتها عن هذا العمل القبيح مائة بالمائة كانت عائشة، وحرص بعض الشيعة على إثبات مثل هذه المفخرة لمارية القبطية.
أما تفاصيل تلك القضية وآيات الإفك التي نزلت فيها فسنرجيء الحديث عنها إلى مجلس آخر إن شاء الله. وصلى الله عليه وآله الطاهرين.


[23]
أعوذ بالله من ا لشيطان الرجيم

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}(النور/ 11-12)
تسمى هذه الآيات بآيات الإفك. الإفك معناه الكذب العظيم الذي اختلقة بعض المنافقين بشأن زوجة رسول الله لغرض الإساءة إليه (صلى الله عليه وآله) (2)(خلاصة هذه القصة نقلا عن أهل السنة: إن عائشة زوجة الرسول دخلت بستانا لقضاء الحاجة اثناء عودة المسلمين من إحدى غزواتهم، وهناك سقطت عصابة رأسها فظلت تبحث عنها وتأخرت - نتيجة ذلك - عن القافلة، ثم أنها دخلت المدينة متأخرة برفقة صفوان الذي كان يسير خلف القافلة لمساعدة المتخلفين عنها. وفي أعقاب هذه الحادثة روج المنافقون تهما ضد زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله).. يستفاد من
[24]
هذه الآيات قضايا تربوية واجتماعية ذات أهمية بالغة، وقد نتعرض نحن في عصرنا الحالي لابتلاءات من هذا القبيل.
تؤكد الآية إن الذين جاءوا بهذا الإفك هم عصابة منكم. وبهذا الأسلوب ينبه القرآن المسلمين والمؤمنين إلى وجود مجاميع بينهم تتظاهر بالإسلام ولكنها تستهدف من وراء ذلك مقاصد خطيرة. أي أن القرآن يريد القول أنّ اختلاق هذا الإفك على يد تلك الفئة لم يكن عن جهل أو غفلة، بل كان عملا مقصودا ومبيتا يرمي إلى الإساءة إلى الرسول وانتهاك حرمته، إلا أنهم لم يحققوا غايتهم تلك.
يذكر القرآن إن هؤلاء عصبة منكم، وكان قصدهم شرا لكن النتيجة جاءت خيرا: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. لا تظنوا أنّ في هذه الحادثة انتكاسة لكم أنتم أيها المسلمون، أبدا بل أن هذه القصة مع ما فيها من مرارة كانت خيرا للمسلمين. ولكن لماذا يعتبر القرآن هذه القصة ذات مردود إيجابي مع إنّها كانت تنطوي على مرارة فضيعة؟ هذه القصة وضعت حدّاً لانتهاك حرمة الرسول (صلى الله عليه وآله) وبقيت تتداولها الألسن أياما متوالية _ حوالي أربعين يوماً _ إلى أن نزل الوحي وتوضّحت الأمور تدريجيا. والله يعلم بما جرى على الرسول والمقربين إليه خلال هذه المدة‍.
أما قول القرآن انه خير فيعزى إلى سببين هما:
أولا: إن هذه الفئة المنافقة قد كشف عنها. من أكبر المخاطر التي تهدد المجتمعات هو تداخل الخنادق واختلاط الصفوف. فالمنافقون والمؤمنون كلهم في خندق واحد. وما دامت الأوضاع مستقرة فلا خطر في ذلك. ولكن ما أن يتعرض ذلك المجتمع إلى هزّة حتى يلحق به المنافقون أفدح الأضرار. ولهذا فالأحداث التي تمر بالمجتمع تؤدي إلى الكشف عن الوجوه.

[25]
وإذا وقع للمجتمع بلاء يقف المؤمنون إلى جانب المؤمنين، ويمزق المنافقون حجب نفاقهم ويقفون في الخندق الذي ينبغي لهم الوقوف فيه. وهذا خير كبير للمجتمع.
المنافقون الذي وضعوا هذه القصة بقي لهم منها - حسب تعبير القرآن _ "الإثم" فقط، والإثم بمعنى وصمة الذنب. فأولئك المنافقون قد سقطوا من الاعتبار ما بقوا على قيد الحياة.
ثانيا: إن الذين لفقوا هذه التهمة لفقوها عن وعي، إلاّ أن سائر المسلمين صاروا كأداة لهذه الزمرة، فأكثرية المسلمين مع ما تتصف به من الإخلاص والإيمان ونزاهتهم عن الأغراض والمساوئ إلا أنهم اتخذوا من قبل هذه الزمرة كأداة إعلامية ولكن لا عن قصد أو عن وعي. وهذا ما يبينه القرآن لشلك واضح.
من المخاطر الكبيرة التي تواجهها المجتمعات أن يكون أفرادها غير واعين. في مثل هذه الحادثة يتخذهم العدو - إن كان ذكيا - ضد أبناء مجتمعهم. فهو يختلق قصة ثم يلقيها في أفواه هؤلاء الناس غير الواعين فيشيعونها بأنفسهم.
الكلام الذي يختلقه العدو من واجبكم وأده في مهده، لأن العدو يستهدف أساسا أشاعته، والواجب يحتم عليكم عدم نقل ذلك الكلام لأي كان حتى تحبطوا بصمتكم هدف العدو (أشيع مثلا في وقت ما، وربما لا زال شائعا حتى الآن بين البعض ان الفلسطينيين نواصب، والنواصب غير السنة. السني هو الذي يعتبر أبا بكر هو الخليفة الأول وعليا (عليه السلام) هو الخليفة الرابع، ولا يعتقد ان الرسول نصب خليفة من بعده، وان الناس قد اختاروا أبا بكر. السني يحب أمير المؤمنين لأنه يعتبره الخليفة الرابع. اما الناصبي فهو من يكره عليا. السني مسلم، لكن الناصبي كافر ونجس، ونحن لا نستطيع معاملة الناصبي كمسلم. ويشيع البعض أن الفلسطينيين نواصب. والبعض الآخر يقل كلامهم إلى الآخرين، وغيره ينقله إلى شخص آخر وهكذا. فإذا كانوا نواصب فهم كفرة، وهم واليهود في خانة واحدة.ومن المؤسف أن أحدا لا يدرك ان هذا الكلام من وضع اليهود الذين يختلفون لكل موقف كلاما لأجل إزالة مشاعر التعاطف مع الفلسطينيين.
الصهاينة يعلمون ان الايرانيين شيعة ويحبون عليا ويعتقدون ان كل من يبغضه كافر. في حين اننا عندما كنا في مكة في إحدى السنوات كنا نلتقي هناك بالكثير من الفلسطينيين، وجاءنا أحدهم وسألنا: ما حكم المسألة الفلانية في الحج؟ ثم انه قال: انا شيعي، ورفاقي هؤلاء سنة. فاتضح ان من بينهم شيعة أيضا. ليل خالد(فدائية فلسطينية شاركت في عدة عمليات خطف طائرات) هذه المرأة المعروفة، شيعية وقد ذكرت ذلك بنفسها خلال عدة لقاءات أجريت معها في مصر. إلا أن العدو الصهيوني يسخر عملاءه ليشيعوا ان الفلسطينيين نواصب.
في مثل هذه الحالات يحذر القرآن المسلمين من أمثال هذه الفئة التي تسيء إلى جماعة منكم تلفظ بالشهادتين كما تلفظون بها أنتم )

[26]
الفائدة الثانية من هذه القصة هي أن المسلمين أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه، مما أدى إلى إيجاد الوعي بينهم. أي انهم وقفوا على حقيقة تلك الفئة من جهة، وعرفوا موضع خطئهم من جهة أخرى.
في أحد الأيام بعد أن انتهيت من درس التفسير جاءني صديق من أحد الأحياء البعيدة في طهران - ولا أريد هنا حتى ذكر اسم ذلك الحي - ودعاني إلى الركوب معه في سيارته القديمة، وفي أثناء الطريق قال لي: هل تعلم لماذا جئت بك إلى هنا؟ لقد سمعت انهم في مسجد الجواد( عليه السلام) لا يقولون في الأذان "أشهد أن عليا ولي الله " قلت له: لنذهب ونرى هل انهم حقا لا يقولون ذلك، وأردفت قائلا: رحم الله والديك إن اجهدت نفسك لترى على أدنى الاحتمالات هل انهم يقولون أم لا يقولون.
ولكن أحيانا يأتي شخص ويقول بشأن مسجد الجواد مثلا: انهم لا يقولون فيه:"اشهد أن عليا ولي الله "، ويقول شخص آخر: أنا سمعت أيضاً أنهم هناك لا يقولون::"اشهد أن علياً ولي الله" حتى تبلغ الأمور حدّاً تجد فيه كل الناس يقولون. سمعنا أن مسجد الجواد لا تذكر فيه جملة "أشهد أن عليا ولي الله ‎" في

[27]
الأذان.
ولكن ما رأي الإسلام في هذا؟ الإسلام يقول: متى ما سمعتم مثل هذا الكلام لا تذكروه أمام أحد أبدا. أن كنت في شك منه أذهب وتحرّاه بنفسك. وإذا لم تكن لديك رغبة في التحقق من صحة الأمر لماذا تذيعه للآخرين؟ لا يحق لك أبدا إفشاؤه.
كانت هناك قرية نصف أهاليها من المسلمين والنصف الآخر يهود، وكانت تبعد عن "جتل"(يبدوا انه اسم لمزار) مسافة فرسخين. وكان اليهود يدّعون أن "جتل" لهم وانهم هم الذين بنوه. والمسلمون يقولون بل هو لنا. اليهود يقولون لنا لأنه لا منارة فيه.
والمسلمون يقولون هو لنا لأن فيه منارة. واحتد الصراع بينهم وقتل ناس وجرح آخرون. ولكن لم تكن لديهم عزيمة تكفي ليذهبوا ويروا هل فيه منارة أم لا.
الفائدة الثانية المستقاة من قصة الإفك هي توعية المسلمين. والقرآن ذكرها لتبقى على الدوام يقرؤها الناس باستمرار ويأخذوا منها العبر. فإياك وإن تصبح أداة وإذاعة للآخرين.
الله وحده يعلم كم اختلق اليهود - بالدرجة الأولى - والبهائيون الذين كانوا أداة بأيديهم من أمثال هذه القصص. أحيانا يشيع اليهودي أو المسيحي شيئا ضد المسلمين وينتشر بين الناس حتى يجد طريق إلى الكتب تدريجيا ويصبح عند المسلمين من المسلمات مثل قصة إحراق الكتب في الإسكندرية.
بعد أن فتح الإسكندر بلدان مصر وإيران والهند، بني مدنا باسمه أي "الإسكندرية" وتوجه إليها العلماء وانشئت فيها مكتبات كانت في الواقع

[28]
مدارس وتضم كتبا كثيرة. وبالنسبة لمكتبة الإسكندرية في مصر كانت قد تعرضت - كما يؤكد المسلمين وحتى تاريخ المسيحية - للنهب والإحراق عدّة مرات قبل أن يفتحها المسلمون. فبعد أن اعتنق إمبراطور روما الشرقية الديانة المسيحية. خرب مدرسة ومكتبة الإسكندرية لأنه كان يذهب إلى أن الفلسفة تتعارض مع الديانة ولا بد أنكم على علم بأن سبعة من فلاسفة الإسكندرية التجأوا إلى إيران، إلى بلاط انو شيروان. ومعنى هذا أنه لم تبق هناك مكتبة.
أثبت اليوم مؤرخون مسيحيون مثل "ويل ديورانت "وغيره أن مكتبة الإسكندرية كانت قد تعرضت لحوادث مرات متعددة قبل أن يفتح المسلمون الإسكندرية، وحينما دخلها المسلمون لم تكن فيها مكتبة.
ومن جهة أخرى فان الفتوحات الإسلامية سواء في إيران أم في مصر أم أماكن أخرى قد دون المؤرخون المسيحيون والمسلمون وقائعها بالتفصيل، وخاصة فتح الإسكندرية الذي أرّخ وقائعه المؤرخون المسيحيون بالتفصيل.
وبعد ذلك كتبت في القرنين الثاني والثالث للهجرة كتب مهمة من قبيل:"تاريخ اليعقوبي" و"تاريخ الطبري" و"فتوح البلدان" للبلاذري التي تتحدث معظم مواضيعها عن أحداث القرن الأول الهجري، وسلسلة إسنادها مرتبة ومنظمة ولم يذكر أي مؤرخ وجود مكتبة في الإسكندرية أحرقها المسلمون.
قال "ويل ديورانت" في هذا الصدد:"كان هناك قس يقيم في الإسكندرية وقد دوّن كل تفاصيل وقائع فتح الإسكندرية، والكتاب موجود حاليا، وليس فيه أي ذكر لإحراق المكتبة".
ولكن ذكر شخص أو شخصان في القرنين السادس والسابع للهجرة أي بعد مضي ستة قرون - ولم يكن هذان من المؤرخين، وإنما من اتباع الديانة

[29]
المسيحية - أن تلك المكتبة أحرقت أثناء فتح الإسكندرية على يد المسلمين، وكان غرضها دفع التهمة عن المسيحية، وقالا في ذلك الصدد: أنّ عمرو بن العاص حين دخل الإسكندرية وجد فيها مكتبة ضخمة، فكتب إلى الخليفة لمعرفة رأيه في ما يجب فعله بتلك المكتبة. فكتب إليه الخليفة يقول: إن كان ما فيها موافقا للقرآن، فالقرآن حسبنا، وإن لم يكن موافقا، فماذا نفعل بما يخالف القرآن! احرقها كلها. فأحرق عمرو بن العاص المكتبة.
ثم أن المسلمين أنفسهم نقلوا في ما بعد في القرنين الثامن والتاسع تلك القصة من تلك الكتب من غير أن يفكروا في أن تلك القضية لو كانت صحيحة لنقلها مؤرخو القرن الأول.
ثمة قرائن أخرى دالّة على كذب هذه القصة. وقد سبق لي وأن تحدثت في ثلاثة مجالس عن اكذوبة احراق مكتبة الإسكندرية(راجع مقالة"احراق المكتبات في إيران ومصر"في كتاب "الإسلام وإيران") وكتب شبلي نعمان رسالة في هذا الموضوع. والمحققون والعلماء والمؤرخون لا يشكون في كذب هذه القصة.
إلاّ إنّ الأعداء وأدواتهم ينقلون هذه الأكاذيب عن وعي والأصدقاء ينقلونها بلا وعي حتى بلغ الأمر مرحلة حينما يريدون الاتيان بمثال في المنطق "في كتاب الفلسفة والمنطق للصف السادس الاعدادي" (في العهد الشاهنشاهي) عن القضية المنفصلة يقولون نظير ما قاله خليفة المسلمين عن مكتبة الاسكندرية "إن كان ما فيها موافق للقرآن، حسبنا القرآن، وإن كان ما فيها مخالف للقرآن، فماذا نصنع بما يخالف القرآن، إذن أحرقها". أوردوا في كتب المرحلة الأعدادية أن المسلمين كان دأبهم إحراق الكتب.


[30]
ذكر شبلي نعمان أن الإنجليز بعدما احتلوا الهند وانشأوا فيها المدارس، وضعوا لها مناهج دراسية بأنفسهم، وحينما أرادوا التمثيل في المنطق للقضية الحقيقية المنفصلة ذكروا هذا المثل بالذات ليغرسوا في أذهان الطلبة المسلمين والهندوس بأنّهم أمّة تحرق الكتب منذ القديم."هذه الأمور يذكرها شبلي نعمان وبعد أن وجدتها في كتب مدارسنا الأعدادية أدركت حقيقة الأمر بشكل جيّد".
ثم إننا تناقلناها لساناً عن لسان بدون التأكد من صحتها. بحيث لو أننا قنا بكذبها لأعلن البعض استغرابهم وقالوا ما كنّا نحسب أن هذه القضية كاذبة.
وقول القرآن {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} يريد منه إنّ هذا درس لكم أيّها المسلمون إقرأوا قرآنكم وخذوا منه العبر لكي لا تكونوا بعدها أبواقاً إعلامية للأعداد ولما يبثونه من إشاعات. ثم يقول: أن الذين جاؤا بهذه القصة لحقتهم عواقب ذنبهم كل حسب ما ارتكب من الذنب، وإن أحدهم قد تحمل القسم الأعظم من ذلك الأثم "والمقصود به عبدالله بن أبي بن سلول" {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وبالإضافة إلى سوء المصير والسمعة في هذه الدنيا حيث بقي يُسمى برئيس المنافقين ما دامت الدنيا. ويذيقه الله أيضا عظيم العذاب في الآخرة.
{لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}
كان من الممكن أن يعبر القرآن عن هذا المعنى بالقول: أيها المسلمون لماذا أسأتم الظن بإخوانكم المسلمين لما سمعتم هذا الخبر ولم تحسنوا الظن بهم؟ ولكنه لو عرضه بهذا المعنى لكان قد عرض موضوعا في غاية البساطة، ولكنه قال: لماذا أسأتم الظن بأنفسكم؟ أي يجب أن تفهموا أنكم بناء واحد وجسد واحد. وعلى المؤمنين أن يعتبروا أنفسهم أعضاء في جسد واحد، فإذا

[31]
نسبت لأحدهم تهمة تكون وكأنها موجهة ضدهم كافة، وإن عرض أي مسلم كأنه عرض الجميع.
النقطة الثانية هي أن القرآن لم يقل: لماذا لم تظنوا بأنفسكم خيرا؟ بل قال: لماذا لم يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا؟ هنا ذكر الرجل والمرأة سوية، أي لا فرق بين الرجل والمرأة. ثم يدخل كلمة الإيمان في السياق، أي أن الإيمان هو ملاك الوحدة والاتحاد. أي أن المؤمنين يعتبرون نفسا واحدة انطلاقا من مبدأ الإيمان. أي انه يريد القول أيها المؤمنون والمؤمنات لو وجهت إلى أحدكم تهمة، هل يذيعها ويتحدث بها حيثما جلس ويقول نُسِبَت إلىّ مثل هذه التهمة؟ كيف إذا نُسبت لأحدكم تهمة يفهم أنّه يجب عليه التزام الصمت ولا يعمل على إشاعتها في حين إذا نسبت إلى إخوانه المؤمنين وأخواته المؤمنات لا يتخذ نفس الموقف؟ {لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}.
لماذا حينما سمعوه لم يقولوا: هذا إفك. سكت رسول الله مدّة شهر، في حين كان المسلمون الغافلون يتناقلون تلك الأكذوبة في مجالسهم وكلّ واحد منهم يقول: سمعت كذا؟ القرآن يقول: كان ينبغي أن تقولوا: هذا إفك منذ اليوم الأول. وعليكم الآن ان تقولوا حين سماع مثل هذا الإشاعات: هذا إفك مبين.
{لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ}(النور13). أي أنكم ملزمون برعاية الأحكام والقوانين التي حددها الإسلام لسلوككم. وأية تهمة تسمعونها بحق أي شخص مسلم- مادامت لم تثبت_ يجب أن تعتبرونها أكذوبة، وأنها كذب عند الله، وعبارة "عند الله" بمعنى في الأحكام الشرعية.

[32]
التكليف واضح جداً. فإذا سمعنا شخصاً يتهم فرداً أو جماعة أو مؤسسة، ما هو تكليفنا؟ هل تكليفنا أن نسكت؟ أم نقول "الله أعلم"؟ أم نقول: لا ندري ربّما صحيح وربّما غير صحيح؟ أم نتحدّث في المجالس ونقول سمعنا يقولون هكذا؟ ما هو موقفنا؟ طالما لم تقم البينة الشرعية، وطالما لم يثبت لدينا شرعا - كأن يشهد أربعة عدول في قضايا الزنا، وشاهدان عدلان في القضايا الأخرى، وهذا هو معنى البيّنة الشرعيّة هنا، وعندها يترتب علينا واجب آخر - لا يحق لنا التحدث بذلك، ولا يحق لنا أن نقول: لا نعلم، أو نقول ربما للقضية أساس أو ربما لا أساس لها، ولا يحقّ لنا أن نسكت، بل يجب أن نكذّب الخبر ريثما يثبت شرعا وحينها يجب علينا التصدي لتلك الظاهرة السلبية.
يقع علينا بطبيعة الحال في كل حالة تكليف معين. في بعض المواقف يجب علينا الوقوف بوجه ذلك العمل، وفي مواقف أخرى يجب على الحاكم الشرعي اتخاذ الإجراءات الرادعة كقضية الزنا مثلا. والقرآن يقول: انتم أيها المسلمون إذا تناقلتم مثل هذه الإشاعات ترتكبون إثما عظيما، إلا أن الله غفر لكم هذا الذنب، وعليكم أن تحاذروا من ارتكاب مثل هذا العمل مستقبلا.
{وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النور14).

ولكن أي ذنب هذا الذي انهمكنا فيه، ونقلناه؟ {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}(النور15). وكنتم تظنونه أمراً هيّناً: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}(النور15). لأن القضية هنا تخصّ كرامة المسلمين، وفي هذا المورد بالخصوص يمسّ بكرامة الرسول (صلى الله عليه وآله) فلماذا حينما سمعتموه لم

[33]
تقولوا لا يحق لنا الخوض في هذا الحديث؟ {وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا}(النور16). ولا يقتصر الموقف عند حد الامتناع عن الكلام ‎، بل لا بد من تكذيب الخبر: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}(النور16).
أن الله يعظكم أيها المسلمون أن لا تعودوا لمثل هذا الذنب: {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}(النور17).
ويجب عليكم أن لا تكونوا أداة إعلامية تشيع ما يلقيه العدو في الأفواه: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(النور18). فهو تعالى عالم بكل شيء وأنزل عليكم هذه الآيات على أساس حكمته.
جاء في الأخبار حديث مفاده: إذا رأيتم أهل البدعة عليكم بالتصدّي لهم. الجميع مكلّفون بالتصدّي للبدعة. مثلاً الصلاة على النبي مستحبة في كل زمان ومكان. وقد ينهض أحد الحاضرين في مجلس الخطابة ويرفع صوته بالصلاة على النبي لأجل إزالة حالة الملل، هذا أمر جيد. ولكن إذا توهّم أحد أن هذه الممارسة سنة إسلامية أو حكم شرعي، فهذه بدعة وليست من الدين في شيء. وليس في الإسلام أمر يقضي بالصلاة على النبي أثناء خطبة الخطيب.
توجد لدى الإيرانيين عادة يا حبذا لو تجتنب، وهي الصلاة على النبي عند إضاءة المصابيح. وقد يقول قائل: إن الصلاة على النبي مستحبة في كل أوان.
وأنا أيضا أؤيد صحة ذلك. إلاّ أن لهذا العمل ماضٍ سيء في إيران وهو عبادة النار وتكريم النار.
ولئلا تتداخل قضية احترام إضاءة المصباح مع مسألة عبادة النار.
يأمر الإسلام أتباعه إذا صلّى أحدهم أن ينشدّ بكل وجوده إلى الله. ومع ذلك يكره للمصلي الصلاة في مقابل شخص جالس لأنه تشم منه رائحة عبادة الإنسان. كما ويُكره أن تكون هناك صورة أمام المصلي بسبب ما تفوح به من رائحة عبادة الأشكال. ويكره أيضا وجود مصباح أمام المصلي لكي لا تشم منه

[34]
رائحة عبادة النار. ومن الأفضل أن لا يصلى على النبي عند إضاءة المصابيح في بلد كان أهله في الماضي يعبدون النار. وأريد من كلامي هذا الإشارة إلى أن مثل هذا العمل يسمى "بدعة".
هناك أشياء كثيرة يصدق عليها مفهوم البدعة، ولكنها شائعة بين الناس وخاصة عند النساء مثل: حساء أبي الدرداء، ومائدة أبي الفضل. هذه المسميات وخاصة عند النساء لا وجود لها في الإسلام، بلا أنّ الإسلام يأمر بالإنفاق وبإطعام الناس، ثم يُهدى ثواب هذا العمل للرسول(صلى الله عليه وآله) أو لأمير المؤمنين أو للزهراء أو للحسن أو للحسين، أو أي واحد من الأئمة، أو لأبي الفضل العباس صلوات الله عليهم ولا مانع من إهداء ثوابه لأموات باذل الطعام. ولكن إذا أعد شخص في داره مائدة مع كل رسومها وسننها - التي لا أعلم تفاصيلها - وتصور أن ذلك من أحكام الإسلام فهذه بدعة يجب القضاء عليها.
هناك أشخاص يدخلون بدعا في الدين،كان يأتي شخص ويقول: أنا النائب الخاص لإمام الزمان، مثل علي محمد الباب، هذا الشخص يسمى من أهل البدعة. ورد في الحديث: "إذا لقيتم أهل البدعة باهتوهم"، أي ناقشوهم وأدحضوا دليلهم، مثلما أبهت إبراهيم(صلى الله عليه وآله) ذلك الشخص الكافر في زمانه: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}(البقرة/258).
بعض الناس من ذوي الثقافة المحدودة يفسر المباهتة هنا بمعنى نسبة التهم والأكاذيب إليهم، بذريعة أن أهل البدعة أعداء الله وأنا أنسب إليهم الكذب. ثم انه ينسب تهمة البدعة لأي شخص يضمر له عداء شخصيا ثم يبدأ بتلفيق التهم ضده. لا حظوا لو ابتلي المجتمع بمثل هذا الداء بحيث يعتبر الشخص خصومة.

[35]
أهل بدعة ويفسر حديث "باهتوهم" بمثل هذا التفسير، ما الذي سيحل بذلك المجتمع؟ تلاحظون حينها تلفيق الأكاذيب الواحدة تلو الأخرى.
لقيني ذات يوم عالم كبير "والعالم يخطىء أحيانا" وقال: لقد سمعت أن رجلا - وسمى شخصا بعينه وكان رجلا متدينا بمعنى الكلمة - يقول "لم أكن أود ذكر الكلام الذي قاله لكنني مضطر لذكره لتدركوا مدى ضحالة مجتمعنا" لقد كان خيراً أن محسن جنين الزهراء قد اسقط لأنه لو كان قد بقي حيا لخلق للإسلام اثني عشر مصيبة أخرى ! فقلت له: ولماذا تتلفظ بهذا الكلام بحق شخص مسلم؟ فأنا أعرف هذا الرجل عن كتب فهو عندما تذكر فضائل الأئمة يبكي.
لاحظوا كم يلفق الشخص ضد الآخر. المجتمع الذي يلفق الأكاذيب والتهم والبهتان وعده الله بالعذاب. جاء في الآية التالية:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(النور19).
كما تتضمن الآيات اللاحقة مزيدا من التأكيد على المؤمنين أن لا يتبعوا الأكاذيب التي يبثها الآخرون ويصبحون جهازا إعلاميا للتشهير بأنفسهم.


[37]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيم، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(النور/ 19-21).
ذكرنا أن القرآن يؤكد كثيرا على وجوب نقاء الأجواء الإسلامية من التهمة

[38]
والافتراء والبهتان والقول السيء. والمسلمون مكلفون بوأد كلّ ما يسمعونه عن إخوانهم وأخواتهم المؤمنات طالما لم يبلغ حدّ اليقين القطعي - لا بمجرد الظن والتصور - وأن لا يتناقلوه حتى بصورة "لقد سمعت" ما دامت ليست فيه أية بينة شرعية، لأن نقل الكلام على هيئة "سمعت ان ..." هو نوع من إشاعته أيضا.
والإسلام يرفض أي نوع من الإشاعة لمثل هذه الأقاويل والأخبار القذرة الدنيئة فقد جاء في الآية {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي أنكم لا تعلمون مدى جسامة هذه الجريمة ولا تعلمون حجم العقوبة المقررة لها.
الإسلام يريد أن تتوطد أسس المجتمع الإسلامي على أساس الثقة المتبادلة وحسن الظن والقول الحسن، لهذا السبب حرم الغيبة إلى الحد الذي جعل القرآن الكريم يقول عنها:
{وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا}(الحجرات12). وعلى هذا الأساس يؤكد القرآن بصيغ وأساليب شتى على هذه القضية، ومن جملة ذلك ما ورد ي الآية الشريفة:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. وهذه الآية من الآيات التي تحمل معنيين وكلاهما صحيح.
أحد الذنوب الكبيرة التي توعّد القرآن بالعذاب الأليم جزاء لها هي إشاعة الفحشاء بين الناس. هناك من يروج لإشاعة الفساد بين الناس لأغراض مادية أو لأطماع أخرى. وأكثر هذه الأغراض في عصرنا الحاضر أغراض استعمارية. يريدون إشاعة الفحشاء بين الناس لأنه ما من شيء يضعف العزائم مثل شيوع الفساد والفحشاء. إذا كنت ترمي إلى صرف شباب بلد ما عن القضايا الجادة

[39]
والمصيرية وتلهيهم عن النشاط والعمل المثمر الذي يهدد مصالح القوى الاستعمارية، ما عليك إلا أن تشيع الفساد وتكثر من المشروبات الكحولية، والملاهي والمراقص وفسح المجال أمام سبل الاتصال والعلاقات بين الفتيان والفتيات. وبنفس القدر الذي يضعف فيه الهيروئين والترياق القوى الجسمية والروحية للشباب، ويوهن مشاعر الكرامة والرجولة والقوة منهم، كذلك يفعل الفساد في المجتمع.
لدى الأمريكيين برنامج يستهدف إفساد العالم بأسره وخلاصته: انشر الفساد أكثر تكون مرتاح البال من الشعوب. يقال إن مدير إحدى المجلات كتب في عدد هذا الأسبوع(نلفت نظر القارئ إلى أن هذه المحاضرات القيت في العهد الشاهنشاهي البائد).
"سأقوم بعمل تكون نتجته أن لا توجد في طهران حتى عشر سنوات أخرى فتاة باكرة واحدة من سن العاشرة فما فوق" وهذا كله يجري وفق خطط وبرامج.
أما السبب الذي جعل الإسلام يؤكد على أهمية العفة فهوا أن الطاقات الإنسانية كامنة فيها. قد لا يصدق أحدنا أن الإدارة الإنسانية كامنة في الجهاز التناسلي، لكن حقيقة الأمر هي هذه.
الإسلام لا يعارض العلاقات الجنسية ولكن يريدها أن تكون ضمن إطار العائلة، ولا يؤيد ما تذهب إليه الكنيسة والمذهب الكاثوليكي. إلا أنه لا يجيزه خارج الزواج الشرعي.
ويستهدف الإسلام من وراء هذا، المحافظة على روح النخوة والنبل والشهامة والإنسانية والشرف عند الرجل المسلم والمرأة المسلمة. وسنتحدث

[40]
بمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع في الآيات التالية الواردة بشأن الحجاب.
يقول القرآن الكريم عمن يريد إشاعة الفاحشة لقتل هذه الروح الإنسانية:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقد حددت الآية نوع العذاب الأليم للإشارة إلى أهمية وحساسية هذه القضية في الرؤية الإسلامية. هذا تفسير للآية التي تتحدث عن إشاعة الفحشاء بين أهل الإيمان.
أشير هنا إلى قضية لغوية حول معنى حرف الجر "في" لإلقاء الضوء على المعنى الثاني للآية. هذا الحرف يأتي أحيانا بمعني يشير إلى الظرف المكاني، وأحيانا بمعنى "بشأن" أو "فيما يخص". ويمكن تفسير هذه الآية على الوجهين وهو تفسير صحيح، وينطبق كلاهما مع سياق آيات الإفك. وبهذا يكون المعنى الثاني للآية هو:"الذين يحبون إشاعة الفاحشة عن أهل الإيمان" أي ليس المراد: الذين يحبون إشاعة الفساد ذاته بين الذين آمنوا، بل أن تشيع تهمة الفساد بشأن الذين آمنوا، أي أن يساء إلى سمعتهم.
هناك عدد من الناس لديهم ما يمكن أن يصطلح عليه علم النفس اليوم باسم "العقدة"، فحيثما شاهدوا شخصا له مكانة بين الناس يبادرون إلى إشاعة ما ينتقص منه حسداً منهم له لعدم قدرتهم على مجاراته. يقولون في أنفسهم: ما دمنا لا نستطيع بلوغ منزلته إذن فلنحاول الهبوط به. والطريق إلى ذلك يتم بمنتهى الدناءة عبر تلفيق الإشاعات ضدة. ولا شك في أن الإثم الناتج عن هذا العمل لا يعلم مداه إلا الله !
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات مرة لأصحابه: " ألا أخبركم بشر الناس؟ قالوا: بلي يا رسول الله قال: الذي يمنع رفده ويضرب عبده ويتزود وحده، فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا. ثم قال: إلا أخبركم بمن هو شر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله .

[41]
قال: الذي لا يرجى خيره ولا يؤمن شره فظنوا أن الله فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا، ثم قال ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال المتفحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمن لعنهم وإذا ذكروه لعنوه؟(الكافي ج2/290 ح7)
وإلى هنا توقف الرسول. ومعنى هذا إنه لا يوجد من هو شر من هذا.
إذن فالمعنى الثاني للآية هو أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة بشأن الذين آمنوا لهم عذاب أليم. ثم يقول: {فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} لم يقولوا لنا سابقا أن لكل ذنب عذاب في الدنيا والآخرة، بل وان الكثير من الذنوب لا عذاب لها في الدنيا. ولكن لكل ذنب عقوبة في الآخرة. إلا أن ثمة ذنوب لا يتغاضى الله عن المعاقبة عليها حتى في الدار الدنيا. أحد الذنوب التي لها عقوبة في الدنيا - ويمكن تجربة ذلك عمليا ! - هو ذنب التهمة وهدر كرامة الآخرين. فمن يتهم الآخرين بالباطل سيقع هو في نفس هذا المأزق يوما ما، فقد يأتي شخص مثله ويتهمه بالباطل، أو يفتضح أمره وتهدر كرامته بشكل أو آخر.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي أن الموضوع على قدر عظيم من الأهمية بحيث أنّ الله يعلم خطورته وأنتم لا تعلمونها.
{وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيم} أي كل ينبغي أن يصيبكم عذاب عظيم بسبب غفلتكم هذه إلا أن الله بفضله منع عنكم ذلك.
ثم يأتي تأكيد آخر هو: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} وهذه الآية حثٌّ على عدم اتباع الشيطان. وقد يقول قائل: نحن لا نعرف الشيطان ولا نراه، فمن أين لنا أن نفهم أن هذا موضع لقدم الشيطان فلا نضع قدمنا فيه؟ والحقيقة أن هذا الأمر لا

[42]
يحتاج إلى رؤية. اعرفوا الشيطان من وساوسه. فمتى ما شعرتم بوسوسة الشيطان في قلوبكم يدعوكم فيها إلى ارتكاب القبيح والمنكر، فهناك خطوات الشيطان، فهو قد تقدمكم ويدعوكم للسير خلفه. وهذا مما لا يستلزم الرؤية بالعين، بل تحرز رؤيته بالقلب. {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} عليه أن يعلم أن من يتبع خطوات الشيطان { فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.
{الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} هذا تأكيد آخر على أنكم أيها المسلمون كنتم على شفا حفرة في عهد الرسول، وان مجتمعكم كاد أن يسقط فيها لولا وجود الرسول. واعلموا أنه لو وقعت مثل هذه القضية في عصور أخرى وكثرت الإشاعات التي تنتهك أعراض المسلمين، فأنكم ستسقطون وتقعون في مهلكة كبرى "كما هو حالنا اليوم" {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} أي لولا فضل الله عليكم لما كان أي واحد منكم طاهرا {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
الآية اللاحقة تتعلق بهذه القضية، ولكن تتناولها من جانب آخر وهو:
{وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(النور22).
يشير القرآن هنا إلى مسألة تتعلق بامتناع الأثرياء وأولي الفضل عن الإنفاق. والمراد هنا بالفضل المال والثروة، وأولوا الفضل بمعنى الأغنياء.
كلمة "الفضل" تستخدم في يومنا هذا بمعنى الفضل العلمي فقط، ونحن اليوم إذا قلنا هذا رجل فاضل فمعناه أنه رجل عالم. إلاّ أن القرآن يطلق كلمة الفاضل على من لديه مال وثروة حصل عليها من سبل مشروعة. ومن جملة

[43]
ذلك ما ورد في سورة الجمعة وهي قوله: إذا قضيت الصلاة {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}(الجمعة10). أي إذهبوا للكسب والتجارة والحصول على المال من سبل مشروعة.
يقول القرآن: على الأغنياء وأصحاب الثروة المشروعة أن لا يقسموا على قطع العطاء عن المستحقين، حيث كان بعض أغنياء المسلمين يقدمون العون إما للمهاجرين أو للمساكين أو لأقربائهم، ولكنهم في أحد المواقف - ويبدو انه هذا الموقف - رأوا منهم ما يغيض ويبعث على الغضب. ولهذا قالوا: عجيب أمر هؤلاء القوم نحن نساعدهم لوجه الله وهم يستغلون هذا العون ويرتكبون المعاصي ! نحن نساعدهم لوجه الله وهم يلفقون الأكاذيب ويبثون الإشاعات! ولهذا السبب عزموا على قطع العون عمن كانوا يساعدونه من الفقراء الذين شاركوا في قضية الإفك تلك، وأقسموا أنهم لن يقدموا لهم أي عون بعد الآن. إلا أن القرآن الكريم يحرص على وحدة المجتمع الإسلامي أكثر من أي شيء آخر.
مع ان هذه القضية كان فيها إفك وتهمة كبرى وارتكب عامة المسلمين خطأ في هذا الصدد، انبرى القرآن لإصلاح الخطأ الماضي وقال لعامة المسلمين:
أنكم اخطأتم حينما جعلتم أنفسكم أداة لبث إشاعة تلك العصابة. وبعد أن عزم الأغنياء على قطع معوناتهم عن الفقراء، فبما أن قطع تلك المعونات من شأن أن يؤدى إلى عزل تلك الفئة عزلا تاما، جاء الأمر بالصفح عنهم: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} بعد نزول هذه الآية قرر الأغنياء عدم قطع معونتهم عمن كانوا يقدمونها له.
أود هنا الإشارة إلى نقطة معينة وهي أن من لا يعرف الإسلام لا يدرك انه

[44]
ينتهج أسلوب المحبة في أعلى درجاته ولكن في الموضع المناسب. كثيرا ما يصرح المسيحيون ويشيعون أن الدين المسيحي دين المحبة والإحسان والتسامح. وما الدليل على ذلك؟ الدليل هو أن المسيح (عليه السلام) قال: إذا صفعك أحد على خدك الأيمن صَعِّر له خدك الأيسر. لكن الإسلام دين العنف والشدة والسيف، لا صفح فيه ولا تسامح ولا محبة.
هذا خطأ فاضح. الإسلام دين سيف ودين محبة. دين عنف ودين لين. وفي هذا تكمن عظمة الإسلام لأنه يبيح القسوة في موضعها والعفو في موضعه.
ولو لم يكن هذا منهج الإسلام: أي الرد على العنف بالعنف، والمنطق بالمنطق والتعامل بالمحبة في الموضع الصحيح، بل وحتى استعمال أسلوب المحبّة في مواضيع الإساءة، لما قبلناه. الإسلام لا يأمر أبداً بأنّه إذا صفعك شخص متجبر على خدك الأيمن قدم له خدك الأيسر، وإنما يقول { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) البقرة/194). ولو لم يكن هذا منطق الإسلام لا أعتبر ذلك منقصة فيه.
وبما أن الدين المسيحي دين غير عملي فقد ظهر اتباعه كأكثر الشعوب وحشية. وما انفك أولئك الذين كانوا يشنون الدعايات ضد الإسلام، ويمسكون الإنجيل بأيديهم وينادون: هذا كتاب المحبة، نراهم اليوم يقذفون عشرات أطنان "المحبة" على فيتنام (ألقيت هذه المحاضرة في أيام الحرب الفيتنامية) هذه هي المحبة التي يدعوهم إليها الإنجيل! لقد تحولت تلك المحبة إلى قنابل، وحتى قنابل نابام تحرق الأطفال والشيوخ والنساء.
الإسلام أول ما ينتهج أسلوب المحبة. ولكن حيثما وجدها لا تجدي، لا يبقى ساكتا. قال الإمام علي (عليه السلام) في وصف الرسول (صلى الله عليه وآله):

[45]
"طبيب دوّار بطبّه قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه"(نهج البلاغة: الخطبة 106) أي أنه طبيب في إحدى يديه مرهم وفي الأخرى أدوات الجراحة. فما يمكن معالجته بالدواء عالجه بالدواء، وما تعسر علاجه بالمرهم لا بد من استخدام المبضع والسكين وأدوات الكي، أي أنه يستخدم أسلوبي الغلظة واللين.
وجاء في القرآن الكريم عند الحديث عن الدعوة إلى الله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصلت34). اعلم أيها الرسول أن الحسنة والسيئة لا تستويان وحتى السيئات لا تستوي في ما بينها وكذلك الحسنات، وعليك أن تدفع السيئات بأفضل الحسنات. فإذا أساء الآخرون عليك أن تُحسن. ثم يشير إلى خصلة نفسية ويقول، إنّ عدوّك إذا أساء إليك وأحسنت أنت إليه، ستلاحظ أن خاصية الإحسان هنا في مقابل الإساءة كخاصية الكيمياء، أي انه يقلب ماهيّة الأشياء فتجد فجأة من كان عدوّاً لدودا يتحول إلى موال حميم.
من ذا الذي يقول أن الإسلام لا يأمر بالمحبة؟! ومن ذا الذي يدعي إن الإسلام ليس دين المحبة؟! ولكن حيثما لا تجدي المحبة، لا يهادن، بل ينتهج أسلوب الغلظة، ويستعمل السيف. نلاحظ في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي حياة أمير المؤمنين(عليه السلام) الكثير من مصاديق {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
وردت في دعاء "مكارم الأخلاق" كلمات تثير الانتباه: ((اللهم أعنّي على الإحسان إلى من يسيء إلىّ، واصل رحم من قطع رحمي، ومن ذكرني في غيبتي بسوء أذكره في غيبته بخير، وما إلى ذلك من الجمل.
وللخواجة عبد الله الإنصاري في هذا المجال تعبير لطيف يقول فيه:

[46]
الإساءة في مقابل الإساءة من صفات الكلاب"أي أنّ الكلب إذا عضّ كلبا، يلتفت إليه الآخر ويعضه. وإذا أساء إنسان لآخر ورد عليه الإساءة فهو لم يأت بشيء جديد وإنما قلّد الكلاب. وإذا ضرب الإنسان كلبا، يدهمه ويعضه" أما الإحسان في مقابل الإحسان فهو من فعل الحمير"أي إذا أحسن شخص لآخر ورد عليه بالإحسان فإنه لم يأت بشيء جديد فالحمار أيضا - إذا حكّ بأسنانه كتف حمار آخر، فيأتي الآخر فورا ويحك بأسنانه كتف الحمار الأول. وأن مقابلة الإحسان بالإحسان عمل تفهمه حتى الحمير". أما الإحسان في مقابل الإساءة فذاك من فعل الخواجة عبد الله الأنصاري.
يقول: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} على الأغنياء أن لايقسموا، ولا تثار نخوتهم الدينية هنا. إن كان أولئك قد أساءوا فعليكم أن تُحسنوا وأن {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} ياله من تعبير لطيف! يابني الإنسان اصفحوا عن بعضكم لأنكم مذنبون وترجون أن يصفح الله عنكم. ويجب عليكم أن تعاملوا عباد الله بمثل ما ترجونه من الله. ولا تستخدموا أسلوب الشدّة لأنه من المحتمل معالجة المذنبين عن طريق الإحسان، فإذا ما تعذر ذلك يمكن حينذاك استخدام أسلوب الشدة.
من جملة الخصال الحمية التي كان يتصف بها الأئمة (عليهم السلام) أنهم كانوا يشترون الرقيق ويبقونهم في دورهم مدة من الزمن، لأن الحكمة من الرق في الإسلام هي أن يطوي الرقيق دورة "من الكفر إلى العتق" ويجتازون ممرا يكونون فيه خاضعين لتربية أشخاص مسلمين. وقد اكتسب الإسلام من هذا الجانب فوائد إنسانية كبيرة.

[47]
كان من جملة الأعمال التي يمارسها الأئمة هو هذا العمل - لأن أحد أبواب إنفاق الزكاة هو شراء الرقيق وعتقهم - ولكن لا بمعنى أن يشترى الرقيق والعبيد من هذا الجانب ويطلق سراحهم من ذلك الجانب بدون أن يحظوا بأية تربية إسلامية، بل يا حبذا لو كان العبد قد تلقى قبل ذلك التربية الإسلامية، وأما إذا لم يكن كذلك فينبغي أن يعيش مدة من الزمن في عائلة مسلمة حقيقية ليتعلّم منها الأخلاق والآداب الإسلامية عمليا، ومن ثم يُعتق. كان الأئمة الأطهار يفعلون هذا كثيرا، وكان العبيد يتعرفون خلال مدة بقائهم في دورهم على حقيقة الإسلام، ويصبحون مسلمين حقيقيين.
كان ثمة عبيد كثيرون في دار الإمام زين العابدين ( عليه السلام)، وكان يدون في دفتر خاص جميع ما يرتكبونه من أخطاء خلال السنة، إلى أن يحل اليوم الأخير "أو الليلة الأخيرة" من شهر رمضان حيث كان يجمع من في داره من العبيد ويقف هو في وسطهم ويستخرج دفتره وينادي كل واحد منهم باسمه ويقول: يافلان هل تذكر أنك ارتكبت في كذا يوم كذا ذنب؟ فيقول:نعم. ثم كان يقول:اللهم إن هؤلاء كانوا ملك يدي وقد أساءوا لي، وإني عبدك قد تجاوزت عن كل ذلك.
اللهم وإني عبدك المقصر أمامك فتجاوز عن ذنبي. وكان يعتقهم جميعا لوجه الله. وهكذا يتضح لنا أن الأصل الأول في الإسلام هو التسامح.
أجل، الإسلام لا يتهاون في القضايا الاجتماعية لأن مثل هذا الصفح والتسامح لا يتعلق بشخص أو فرد فقط وإنما يتعلق بعموم المجتمع. فلو أن أحد سرق مثلا تقطع يده، فهنا لا يمكن لصاحب المال أن يتغاضى أو يقول عفوت عنه لأنه حتى وإن عفا فإن المجتمع لا يعفو عنه، وهذا ليس حقه فحسب، بل هو حق المجتمع.
ذكر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يسير ذات يوم بمفرده - كما هو شأنه على

[48]
الدوام حيث كان في أيام خلافته يسير بمفرده ويلج حتى في الأماكن الخالية ويستطلع الأوضاع بنفسه - في أحد الدروب بين البساتين في الكوفة، وسمع صوت استغاثة ينادي: الغوث! وكان من الواضح أن هناك شجار. فأسرع نحو مصدر الصوت، وما أن وصل حتى وجد أنّ العراك قد انتهى بين شخصين.
فأراد الإمام أخذ الضارب، فسارع إليه المضروب وقال: لقد عفوت عنه. فقال له الإمام: إن عفوت عن حقك، إلا أن هنالك حق للسلطان، أي حق للحكومة وهي التي يجب أن تعاقب عليه. وهذا مما لا يمكنك التنازل عنه لأنه ليس من حقك.
كان الغرض من الإتيان بهذا المثال هو أن الحق العام لا يمكن العفو أو التنازل عنه. والإسلام لا يتسامح في شأن الحقوق العامة، ولكن يمكن التسامح في الحقوق الخاصة. فإذا كان هناك من يقدم العون لشخص ثم تبين له في ما بعد أنه شخص مذنب، وأراد أن يقطع عنه العون فذلك شأن يتعلق به. ولكن عليه أن يعفو جهد المستطاع. ولهذا السبب يأمر القرآن بالعفو والتسامح ويحث على اتباع سبيل الإحسان والمحبة جهد الإمكان.
لا أعتقد أن القرآن أكدّ على شيء مثل تأكيده على حرمة التهمة - وخاصة أتّهام النساء - إذ قال في هذا المورد: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النور/ 23 -24).
هذا منطق القرآن، ولكن ليس هنا مجال الحديث عنه بشكل تفصيلي. القرآن يقول صراحة إن عالم الآخرة عالم حي وكل شيء في حي. وكل عضو فيه يشهد على ما أرتكب، اليد تشهد على ما ارتكب،

[49]
والرجل تشهد على ما اقترفت، وكلّ من العين والأذن تشهد بما اقترفت. والجلد - وهو كناية عن الأعضاء التناسلية - يشهد على ما اقترف اللسان هناك يختم عليه ويقال له: اسكت ودع الجوارح والأعضاء تتحدث بنفسها، واللسان لا يتكلم هناك إلا بما اقترف هو بذاته.
يقول القرآن: يوم تشهد علي هؤلاء الأشخاص ألسنتهم " لأن الذنب كان باللسان" وأيديهم وأرجلهم بما اقترفت: { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ}
إذا كانت هناك امرأة - والعياذ بالله - فاسدة، فإن فسادها يؤدي إلى الانتقاص من شرف زوجها، إلا أن فساد الرجل لا يقدح بشرف زوجته. ولهذا سر نفسي خاص. ذكرت في سلسلة المقالات التي نشرتها قبل بضع سنوات في إحدى المجلات النسائية عن حقوق المرأة - ردّاً على ما كانت تنشره تلك المجلة - السر الكامن من وراء هذه الحالة. وأنّ الكثير من أحكام الإسلام تقوم على أساسها فإذا فسدت المرأة لا يمكن للزوج حينذاك ادعاء الشرف لنفسه. ولكن مهما كان الزوج فاسدا، لا يعتبر الناس زوجته فاسدة - إن كانت شريفة ذاتا - بل يقولون أن زوجها فاسد وهي لا ذنب لها. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن المرأة هي شرف الرجل في جوانب العفة والشرف، إلاّ إن جوانبها الأخرى الفردية والذاتية لا علاقة لها بالزوج. أي إذا كانت المرأة فاسدة، فذلك يعتبر تدنيسا لشرف الرجل ولكنها إذا كان فيها نقص آخر فلا يحتسب ذلك على الرجل. فلو كانت المرأة مثلا كافرة أو منافقة فلا صلة للرجل بذلك. ولهذا السبب يضرب القرآن مثلا بامرأتي نوح ولوط. فهذان كان كلاهما نبيين حين كانت زوجتاهما كافرتين ومرتبطتين عقائديا بخصومهما. هنا يقول القرآن: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} والمراد هنا طيب الشرف.
الرجل الخبيث الفاسد يفقد الغيرة ويقبل بالزوجة الفاسدة ولا يغيظه ما هي عليه

[50]
من الفساد. إلا أن الرجل الطيب والشريف لا يمكن أن يقبل أبدا بامرأة غير شريفة. وهذا يحصل طبعا وفقا لنوع من الاختيار. فالطيبون يطلبون الطيبات والخبيثون يطلبون الخبيثات. وهذا لا يعتبر حكما شرعيا، بل بيان لقانون طبيعي.
نلاحظ أن الشبان الشرفاء يطلبون شابات شريفات والفتيات الشريفات يرتضين لأنفسهن أزواج شرفاء. أما الشاب الفاسد فلا يأبه كثيرا للزواج من فتاة كانت قد "جربت" - كما يصطلحون هم على ذلك - عشرات الشبان. والروح الخبيثة للشخص الفاسد تحبذ المرأة الخبيثة، والروح الخبيثة للمرأة الفاسدة تهوى الرجل الخبيث. إلاّ إنّ الروح الطيّبة للرجل الشريف تميل إلى المرأة الصالحة، الروح الطيبة للمرأة الشريف ترتضي الرجل الشريف.
كيف تتحدثون عن شرف الرسول (صلى الله عليه وآله) بهذه الكيفية؟ من المستحيل أن تكون ي أسرة أي من الأنبياء أمثال هذه المفاسد. أجل قد يقع الكفر بين أفراد عوائل الأنبياء أو أن يكون ابنه كافرا، ولكن من المستحيل أن يكون فاسقا.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}(النور/27-29).

سبق وأن أشرت إلى أن القرآن يولي أهمية فائقة لقضية العفة والنزاهة في العلاقات الجنسية بين الأشخاص، وذلك يبتني على حكمة وأسباب أسلفت

[52]
القول فيها.
أما الأساليب التي شرعها الإسلام لهذه الغاية فهي شيئان:
الأول: إنّه أقرّ سلسلة من التدابير لتهدئة الغريزة الجنسية.
والثاني: أنّه شرع لهذا العمل عقوبات معينة.
الآيات الأولى التي فسرناها غرضها هو بيان عقوبة الفحشاء: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، ولكن العقوبة وحدها - كما نعلم - غير كافية للقضاء على الجريمة والمعصية. ومهما كانت العقوبة قاسية، فهي ليست كفيلة بردع الناس عن ارتكاب الجرائم، سواء كانت تلك الجرائم تتعلق بقضايا العفة أم بالسرقة أو القتل أو ما شابه ذلك، أم من نوع عدم الحيطة والحذر كتلك التي تقع أثناء السياقة. ومن الخطأ التمسك بجانب العقوبة فقط من أجل الحيلولة دون وقوع الجريمة. وإنما ينبغي البحث عن أسبابها وعللها، وإزالة تلك العلل والأسباب. أما العقوبة فيصار إليها في حالة الأشخاص غير العاديين، أي حيثما تنعدم بشكل طبيعي علل وأسباب وقوع الجريمة وتحصل فقط من باب التمرد والطغيان.
اضرب لذلك مثلا في قضية السرعة في السياقة. فهناك تأكيدات دائمة على السواق بأنّ لا تتجازو سرعة السيارة داخل المدينة 40 كم في الساعة مثلا.
وقد يخالف الشخص ويعاقب، ولكن إذا لم تدرس الأسباب والدوافع الأساسية فهو لا يبالي مهما كانت العقوبة صارمة، وخاصة في قضية السياقة التي تحمل عقوبتها معها لأن الشخص الذي يسوق سيارته بسرعة جنونية داخل المدينة أو في الطرق الخارجية معرض للخطر أكثر من غيره، هو وسيارته. ولكن في الوقت ذاته لا الخطر على حياته وعلى ماله يردعه، ولا العقوبة، وذلك لوجود أسباب أخرى تدفعه إلى السير بسرعة.

[53]
العقوبة تحاول أن تكون كلجام لكبح جماحه، إلا أن تلك الأسباب تضغط عليه من جهة أخرى وترغمه على السير بسرعة. كأن يكون سائق سيارة أجرة مثلا وحالته المعيشية تفرض عليه الإسراع في نقل المسافرين للحصول على أجور أكثر وإداء ما تفرضه عليه متطلبات الحياة. ومعنى هذا أن هناك دوافع أخرى ترغمه على الإسراع في السياقة حيث لا تجدي معها العقوبة نفعا. فلا بد إذن من بحث ودراسة الأسباب الأساسية لهذه الظاهرة، والسعي لحلّها، كأن يكون العمل سبع ساعات في اليوم وبشكل هادئ كاف للحصول على الأجور الكافية لتمشية متطلبات حياته ونفقات أسرته. وفي مثل هذه الحالة لا يقدم الشخص على السياقة بسرعة جنونية يخاطر فيها بنفسه ورأسماله. وأمثال هذه العلل والأسباب موجودة في ظاهرة السرقة، والشراب، والزنا، والقتل، وجميع أنواع الجرائم الأخرى.
إذن لا بد من القضاء على تلك الأسباب. فنحن من جهة ندعو إلى ترك الشراب وننشر على الدوام صوراً على صفحات الحوادث في الصحف عن نتائجه المأساوية. ولو أجرينا احصاءً لتبين لنا أن لحالة الشراب والسكر دور في نصف حوادث القتل والجريمة واصطدم السيارات والزنا. في حين تتوفر من جهة أخرى موجبات التشجيع على الشراب، والأشعار التي تقرأ على الناس تدعو إلى السكر والشراب، ومحلات بيع الخمور منتشرة أكثر من سائر المحلات الأخرى.
قضية العفاف والزنا تدخل في هذا الإطار أيضا. فالإسلام قد شرع عقوبة صارمة لجريمة الزنا ولكن تلاحظون أنه لم يعول كثيرا على العقوبة وحدها.
ولهذا جعل طريق إثبات هذه الجريمة صعبا، إضافة إلى أنه لم يطلب من الأشخاص التجسس لاكتشاف وقوع الزنا، بل أنه يقبح هذه الممارسة. ومع أنه


[54]
سنّ عقوبة صارمة للزنا إلاّ أنّه لا يستهدف القضاء على هذه الظاهرة عن طريق العقوبة وحدها. ولم يأمر بالتجسس في هذا الحقل: {لاَ تَجَسَّسُوا} ( الحجرات/12)
إذن فما هي الوسيلة التي يجابه بها الإسلام وقوع الجرائم؟ هناك طرق متعددة، كالإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافة إلى أسلوب التربية التي يجب أن ينشأ عليها الناس. ناهيك عن وجوب بناء أسس الحياة بشكل لا يقود إلى الغواية والضلال وتمهيد الأرضية لوقوع الجريمة.
ذكرنا في محاضرة سابقة أن الشريعة استهدفت إشباع الغريزة الجنسية عن طريق الزواج، وهي تعارض العزوبية إلى حد بعيد"وستمر علينا لاحقا الآيات: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}(النور32). التي تشجع على الزواج وهو ما سنعرض له في حينه".إذن هناك تشجيع شديد على الزواج ومحاربة مستمرة ضد العزوبية من أجل عدم توفير موجبات الزنا (ان تشريع الإسلام للزواج المؤقت لم يأت تلبية لإشباع نزوات عدد من الأشخاص المتزوجين من امرأة واحدة أو اثنين او ثلاثة أو حتى أربعة، ليكون الزواج المؤقت طريقا للتنوع أمامهم وينالوا ثواب ذلك!! ليس لهؤلاء فيه أي ثواب، بل قد ينطوي على ذنب. وانما شرع هذا النمط من الزواج للظروف التي يتعسر فيها الزواج الدائم بما يشترط فيه من أعباء ثقيلة.
ومن جانب آخر بما أن الإسلام ينهي عن العلاقات الجنسية المتحللة، لهذا شرع الزواج المؤقت الذي هو عبارة عن زواج ضمن تعهدات إلا أنها تعهدات حرة، أي خاضعة لما يتفق عليه الطرفان. كأن يتعين مصير الطفل الناتج عن مثل هذا الزواج. والإسلام إنما أباح هذا الزواج في الظروف التي يتعسر فيها الزواج الدائم، ولكي لا يبقى المرء في حالة من العزوبية، لأن العزوبية بذاتها تنطوي على الكثير من المفاسد )
ولكن هل الزواج وحده كاف. فما أن يصبح للرجل زوجة وللمرأة زوج حتى تشبع رغباتهما ولا يبقى لديهما أي اندفاع جنسي نحو الآخرين ويصبحا كالحيوانات التي يكتفي كل منها بزوجة.

[55]
الحيوانات تتصرف وفقا لعامل الغريزة ولم تخلق حرة في رغباتها. الحمام وبعض أنواع الحيوانات الأخرى يعيش زوجا زوجا. ولا يصدق هذا على حيوانات أخرى كالغنم والخيل التي تعيش حرة لا تعرف مسألة الزوجية، وهناك حيوانات لا تقبل بالجنس الآخر - وخاصة الوحشية منها - إلا في حدود إنجاز عملية الحمل. الحيوانات التي تعيش زوجيا، هذه خاصية غريزية موجود فيها. فلا الذكر يمد عينه إلى الإناث الأخرى، ولا الأنثى تمد عينها إلى الذكور الأخرى.
إلا أن الإنسان في كل شهوة من شهواته يجب أن يؤدي جميع أعماله بشكل ينسجم مع ما عليه من تكليف لا بأسلوب الغريزة والإكراه استنادا إلى ما يتمتع به من حرية واختيار. ولهذا بات شرط الزواج ضروريا للإنسان إلاّ أنه غير كاف لوحده. فقد يقع بصر الرجل على امرأة أخرى فتثور رغبته، وخاصة إذا كانت المرأة قد جعلت نفسها في حالة مثيرة، وهكذا الحال بالنسبة للمرأة إزاء رجل آخر. وهذا هو السبب الذي جعل الإسلام يضع قيوداً للعلاقة بين الرجل والمرأة بحيث لا تكون مثيرة للشهوة. وهذا ما يتضح بصورة أكثر جلاء في الآيات التي سنقرؤها في ما بعد.
تتعلق الآيات التي تليت في بداية البحث بـ"الاذن" وعدم جواز دخول الشخص إلى دار غيره بدون إذن مسبق. هذه الآيات لا تختص بقضية المرأة ولكن تدور ضمن محورها. وهذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} أي لا تدخلوا على حين غرة بيوتا أخرى غير بيوتكم بما في ذلك بيت الأم والأخت - والأخ بطريق أولى - قبل الاستئذان والسلام والاستئناس بمعنى وجود السكينة والأمن عند أهل الدار إزاءكم.

[56]
وهذه النقطة في غاية الوضوح وهي إن الحياة الداخلية والعائلة لكل إنسان خاصة به تماما ولا يحق لأحد اختراقها لأن ذلك يسبب الفزع والاضطراب عند صاحب الدار. القرآن يؤكد على ضرورة إزالة هذا الفزع مسبقا عن طريق الإذن والاستئناس.
لم يكن من المتعارف في القديم أن البيوت تغلق أبوابها. "وكذلك الحال الآن في بعض القرى". أما في الوقت الحاضر فالبيوت في المدن مغلقة أبوابها ولا بدّ لمن يريد الدخول من قرع الباب أو ضرب الجرس. وكان من عادة العرب في الجاهلية الدخول إلى بيوت الآخرين بلا إذن بل كانوا يعتبرون الاستئذان حطا من شأن المستأذن. وهذا حكم جاء به الإسلام وأمر بعدم دخول بيوت الآخرين بغير إذن حتى وأن كانت الباب مفتوحة.
{وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} ولا تدخلوا بيتا بدون السلام من الداخل على صاحب البيت. وقد أقرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه السنة، أي إذا أراد أحد دخول دار يجب أن يعلمهم أولا لكي يرتبوا أنفسهم ويستعدوا، ولا يدخل مالم يقال له "تفضل". ومن الأفضل طبعا أن يستأذن المرء بدلا من "التنحنح" بذكر الله، كأن يقول:" الله أكبر" أو "سبحان الله" والمتعارف حاليا أن الناس يقولون عند الاستئذان "يا الله" وهي سنة حسنة.
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يدخل بيتا حتى يستأذن، وحتى دار بنته فاطمة الزهراء سلام الله عليها كان يقف خلف الباب وينادي:"السلام عليكم يا أهل البيت " فإذا أذن له يدخل، وإذا لم يسمع الإذن يكرر ثانية: " السلام عليكم يا أهل البيت" إذا أُذن له يدخل، وإذا لم يصل الأذن إلى سمعه، كان يسلم ثالثة - مخافة إن لم يكونوا قد سمعوا - وإذا لم يأته الأذن في المرة الثالثة يعود ويقول أما

[57]
أنهم ليسوا في البيت أو أنهم في وضع لا يسمح لهم باستقبال أحد، ولم يكن يضجره ذلك.
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بمعنى أن مصلحتكم في هذا العمل. ويجب أولا أن تطبقوه، ثم تعلمون فائدته لا حقا.
هناك قصص تعرفونها في هذا الحقل، فهناك مثلا قصة "سمرة بن جندب" الذي كان شخصا سيئ الأخلاق، ووقفا في ما بعد في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي أيام معاوية مواقف مشينة. هذا الشخص كانت له في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نخلة في دار أحد أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ). وبما أن نخلته كانت في دار ذلك الرجل، فقد كان له حق الدخول إلى هناك ورعايتها، ولكن كان ينبغي عليه الاستئذان متى ما أراد الدخول، إلاّ أنّه لم يكن يستأذن، بل يدخل إلى دار ذلك الرجل بغتة؟ ومن الطبيعي أن كل إنسان يكون في داره في حالة لا يحب أن يراه الآخرون عليها" ويثير غضبه. فنبهه صاحب الدار عدّة مرات على ضرورة الاستئذان، إلا أنه لم يأبه لذلك. فجأة الرجل إلى رسول الله (صلى الله وعليه وآله ) وشكا إليه الأمر، فاستدعى الرسول سمرة بن جندب وأمره بالاستئذان إلا أنه أبى، فقال له رسول الله: أنا اشتري هذه النخلة منك وأعطيك خير منها في موضع آخر، فرفض.
فقال له: أعطيك نخلتين بدلا منها، فلم يوافق، وحتى أنه عرض عليه عشرة بدلا منها. فابي. فقال له: اضمن لك بدلا منها نخلة في الجنة. فقال: لا أريد نخلة في الجنة ولا أستاذن في الدخول على نخلتي. واثبت بهذا الأسلوب انه رجل متجبر "وكما سبقت الإشارة فان الإسلام يأتي أولاً من باب اللين، وإذا لم تتحقق النتيجة المرجوة يلجأ إلى أسلوب القوة" فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب الدار أن يقلع الشجرة ويلقيها أمامه، وقال:"إنه رجل مضار وإنه لا

[58]
ضرر ولا ضرر على مؤمن".
ثم يقول القرآن: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} فإذا لم يكن في الدار أحد فما هو الواجب؟ هل يقول القائل: ما دامت الدار لا أحد فيها يأذن لنا، وليس فيها امرأة حتى يقال: دخل عليها فجأة، إذن فنحن مسموح لنا بالدخول؟ كلاّ، لأن عدم دخول دار الغير لا ينحصر سببه في وجود امرأة في الدار، بل لا يجوز اقتحام الحياة الخاصة للناس بلا إذن منهم. فحتى لو لم يكن أحد في الدار لا يجوز دخولها إلاّ أن يؤذن لكم، أي لديكم إذن مسبق بدخولها كأن يكون صاحب الدار قد أعطاك المفتاح أو قال لك أدخل إلى هذه الدار.
أما إذا استأذنا وبدل أن يقول لنا صاحب الدار: تفضلوا، قال: ارجعوا رجاء فأنا لا استطيع استقبالكم حاليا. ماذا يكون الموقف في مثل هذه الحالة؟ يقول القرآن صراحة: يجب أن ترجعوا ولا يسؤوكم ذلك. هذا حكم أسمى حتى من حياتنا المعاصرة لكننا لا ندرك كنهة.
يؤكد القرآن هنا على عدم الضجر أو الاستياء إذا أعلن صاحب الدار اعتذاره عن استقباله في الوقت الحاضر، إذا قد يكون لديه عمل أهم. فإذا واجهه صاحب الدار بهذه الصراحة يجب عليه أن يكون على درجة من رحابة الصدر بحيث يتقبل ذلك. ولكن يلاحظ اليوم العكس، فلا صاحب الدار قادر على التصريح بحالته للقادم، ولا القادم لديه من رحابة الصدر بحيث يتقبل ذلك ولا يستاء منه. ولهذا السبب تحصل في مجتمعنا حاليا في أمثال هذه المواقف واحدة من الحالات الثلاثة التالية:
الأولى: أن يضطر صاحب الدار إلى أن يقول لأطفاله كذبا بأن يخبروا القادم انه غير موجود أي أنه يرتكب ذنبا من الكبائر. ويتصور البعض أنه قادر في هذا الموقف على التورية. في حين أن التورية لا تجوز إلاّ في المواقف التي

[59]
تستوجب الكذب أي حيثما يترقب على عدم قولها مفسدة، كأن يأتي رجل شاهرا السلاح ويريد قتل شخص بغير حق، فيسأل: هل فلان موجود؟ فيقال له: لا، غير موجود هنا.
ويقال في أمثال هذه المواقف: من أجل أن لا تعتاد على الكذب يجب أن تضمر في قلبك شيئا آخر، فتقول غير موجود، وتضمر في قلبك إنه غير موجود "هنا". لا أن يكذب المرء كما يحلو له تحت ذريعة التورية! يقول للأطفال: قولوا غير موجود واقصدوا أنني غير موجود في الغرفة الأمامية مثلا. فأنت ما دمت قادرا لى الصدق، لماذا تلجأ إلى أسلوب التورية؟ بإمكانك القول: أنني موجود ولكني غير قادر على استقبالك.
يقال: إن أحدهم جاء إلى داره ذات يوم ومعه ضيف، ولما دخل إلى الدار تشاجرت معه زوجته قائلة: لماذا جلبت معك ضيفا وليس لدينا شيئا في الدار نقدمه له، أنني لا أوافق بتاتا على دخوله الدار. فبقي الرجل حائرا ماذا يصنع مع ضيفه. فأرسل إليه أحد الأطفال ليخبره أن أباه غير موجود في الدار. فصاح الضيف، لقد جئنا أنا وإياه سوية. فرفع الرجل صوته من داخل الدار: قد يكون في الدار بابين وقد خرج هو من الباب الآخر !
في أغلب الأحيان تقع حالات شبيهة بهذه فحينما يأتي أحدهم ويفتح الباب ويقول: لا أدري إن كان صاحب الدار موجودا أم لا، لأذهب وأرى. هذا كذب مفضوح لأن الذي جاء من داخل الدار يعلم هل صاحبها موجود أم لا، ولكنه يريد أن يذهب ويرى هل يأمره بالصدق أم بالكذب.
ومع أن الجميع يعلمون حقيقة الأمر، أي الضيف يعلم، وصاحب الدار يعلم أيضا، إلا أن هذه القضية يتكرر وقوعها على الدوام !
إذن الحالة الأولى هي التي يقع فيها الكذب.

[60]
أما الحالة الثانية فهي النفاق، كأن يقول صاحب الدار للضيف: تفضل، لقد شرفت وجلبت معك السرور والبهجة! إلاّ أنه في قلبه يلعنه ويقول: ما هذا البلاء الذي نزل علي في هذه الساعة، لدينا آلاف المشاغل، يا لهم من أناس غير مؤدبين؟! وبعد أن يذهب الضيف يقف أمام زوجته وأطفاله ويسب ويشتم. كيف ينشأ الأطفال في مثل هذه الحالة حينما يشاهدون أباهم يحترم الضيف ويستقبله نفاقا، ولا يتجرأ على مصارحته بحقيقة موقفه؟
الحالة الثالثة: يعتذر صاحب الدار عن استقبال القادم، أو يخرج إليه من يعتذر عن استقباله. وفي مثل هذه الحالة يكون موقف صاحب الدار سليما إلا أن الضيف يستاء من ذلك الموقف ويظل يتحدث به أمام الناس حيثما حل ورحل، ويقول لقد ذهبت إلى داره ولم يستقبلني. لا يقول أنني لم أذهب بإذن مسبق، أو انه كان معذورا حقا. ينبغي على مثل هذا القادم أن يحمل صاحب الدار على محمل خير وأنه كان معذورا حقا، وأنه قد واجهة بصراحة ولم يكذب عليه.
ولكن هناك حالة رابعة يرتضيها الإسلام وهي أن يعتذر صاحب الدار من القادم - فيما إذا كان معذورا عن استقباله - ويجب أن لا يستاء القادم عن مشاهدته لهذا الموقف. القرآن يأمر بهذه الحالة الرابعة وهي قوله:
{وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} ولكن هل ينطبق هذا الحكم على كل موضع يقيم فيه الناس، كالمحل، والدكان والفندق، ومحل العمل وما شابه ذلك، أم يختص بالدار السكنية؟
يقول القرآن: أنه يختص بالدار السكنية الخاصة ومحل العمل الخاص، ولا ينطبق على سائر الأماكن العامة. فلا داعي للاستئذان مثلا لدخول الدكان أو الفندق أو السوق.
كان هناك شخص ساذج ولكنه شديد التدين ذهب يوما إلى الفندق لرؤية

[61]
أقاربه هناك، وبقي وافقا عند باب الفندق وأرسل شخصا ليستأذن له بالدخول، من غير أن يلتفت إلى أن هذا مكان عام يدخله الناس ويخرجون منه بشكل طبيعي وبكثرة ولا حاجة للإذن. وهذا هو قول القرآن:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} كأن تكون محلات تجارية وليست مسكنا خاصا. ولكن يجب أن يكون لديكم عمل هناك، وإذا لم يكن لديكم عمل فلا داعي للمضايقة: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}.
نأتي بعد ذلك إلى ذكر آيات الستر (هذه الآيات تسمى بآيات الستر، أما الآيات الواردة في سورة الأحزاب عن زوجات الرسول، والتي تسمى في الفقه والحديث بـ "آيات الحجاب" فهي خاصة بزوجات الرسول والأحكام الخاصة الواردة بشأنهن )
هذه الآيات الواردة في سورة النور لا تسمى في الفقه أو الحديث باسم آيات الحجاب. وتتضمن أحكاما بالستر للمرأة أمام الرجل، وكذلك أحكاما عن ستر العورة لكل من الرجل والمرأة ) {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}(النور30). في هذه الآية مسائل كثيرة جديرة بالبحث، وقد أطنب المفسرون في بيان المراد من الآية: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}
يرى بعض المفسرين أن هاتين الجملتين يراد بهما ستر العورة. لأن من جملة الواجبات التي فرضها الإسلام على كل من الرجل والمرأة هو ستر العورة عن غير الزوج إذ لا يجوز النظر إلى عورة الغير مهما كانت صلة القربى وحتى الآباء والأمهات يحرّم عليهم النظر إلى عورات أبنائهم وكذلك الأخوات والأخوة، ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا الأزواج في ما بينهم. وهذا من المسلمات في الشريعة الإسلامية المقدسة.
يشير القرآن هنا إلى أنّ {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ } فما معنى هذا وما الحكمة منه؟

[62]
الحكمة من ذلك أن الإسلام لا يريد للناس أن تنشغل أذهانهم وتتوفر أمامهم أسباب إثارة شهوتهم اكثر مما تستوجبه الطبيعة في إشباع الغريزة الجنسية.
كل ما لا يراه الإنسان لا يفكر فيه. وبما أنّ عورات الناس مستورة على الدوام عن بعضهم الآخر - في التقاليد الإسلامية طبعا لا في التقاليد الأوربية - لهذا لا يفكر أحدهم في عورة الآخر. بل أن هذا الأمر مغفول عنه ولا يخطر على ذهن أحد.
فكر الإنسان وعقله وقلبه أنزه وأسمى من التفكير في أمثال هذه المسائل، بل وليست هناك من ضرورة تدعوه إلى ذلك. ولأجل أن لا تنشغل أفكار الناس وأذهانهم في هذه الأمور، ولكي تبقى بعيدا عن التفكير في أمثال هذه المواضيع، أمر الإسلام بستر العورة. وكانت النتيجة التي جناها من هذا الحكم أنه حافظ على الدوام على أذهان اتباعه منزهة وطاهرة وتترفع عن هذه القضايا الدنيئة. بل ولا حتى تفكر في هذا الجانب أساسا.
من جملة التقاليد المستهجنة المتفشية في أوربا وفي شمالها على وجه الخصوص، وهي آخذة بالأنتشار في أماكن أخرى من العالم، وتلقى التشجيع من أشخاص من اضراب "براتراند راسل"، هي قضية إبراز العورة ومكافحة ستر العورة. يؤكد راسل في كتابه الموسوم "في التربية ": ان قضية ستر العورة يجب أن تزول تماما.
في حين يحرص القرآن على التمسك بهذا الأدب خاصة وأنه قال في الجملة التالية: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
إذن يرى البعض أن {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} معناها ستر عورتهم عن الأنظار. وأن معنى {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } أي يغضوها عن النظر إلى عورات الآخرين.

[63]
ولكننا نعتقد أن لهذه الآية معنى اشمل. {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} أعم من معنى ستر العورة، وكذلك: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} لها معنى أشمل من هذا المعنى. أما ما جاء في الروايات في أن:( كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنها من النظر" (الكافي2: 36 ح1)
يستبعد أن يكون المراد منه هنا أنه يشمل الجملتين، بل ونحن نجزم تقريبا أن: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } لا تختص بمسألة النظر للعورة، بل لعلها تشمل بشكل أكبر قضية النظر لغير العورة. "الغض" معناه النقصان في النظر والصوت، وغض البصر يراد به تقليل البصر وعدم تركيزه على الشيء المنظور إليه (شرحت معنى "الغض" و"الغمض" والفرق بينهما في كتاب لي في هذا الحقل عنوانه "الحجاب" ولا أكرر ذكر الموضوع هنا)
وجاء في الآية اللاحقة: {وقل للمؤمنات... فروجهن) (النور: 31) على النساء أيضا أن لا ينظرن إلى عورات بعضهن - إن كان المراد هنا هو العورة - وأن يحفظن أنفسهن من الزنا أو على قول البعض - من أنظار الآخرين.وكل ما ذكرنا في ما سبق عن حفظ الفرج وغض البصر في الآية السابقة ينطبق على هذه الآية أيضا.
كما وردت أحكام أخرى عن ستر النساء، وهي: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(النور31). وهذا فيه كلام مفصل سنأتي عله في محاضرة قادمة. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

[64]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(النور31).

تتحدث هذه الآية والآية التي سبقتها عن واجب الرجل والمرأة إزاء

[65]
بعضها الآخر إضافة إلى مسألة ستر العورة. الآية الأولى موجهة إلى الرجل وفيها نهي عن النظر إلى ما لا يحل له ‎، ووجوب ستر العورة أو بمعنى أرفع اجتناب الزنا. إذن فعلى الرجل أن يعف بصره عن النظر الحرام ويحفظ ذاته عن الفحشاء. والآية المتعلقة بالرجال أقصر من الآية المتعلقة بالنساء. والشيء الإضافي الوارد فيها ما هو إلاّ لأجل التأكيد على أن هذا الأمر يضمن خيركم وسعادتكم وإن الله أعلم منكم وعليم بأموركم.
تحتوي الآية الثانية على أحكام للنساء وفيها نفس الحكمين الواردين في الآية الأولى مع اختلاف الضمائر من مذكرة إلى مؤنثة، أي على المؤمنات غض أبصارهن وحفظ فروجهن.
أشير هنا إلى مسألتين بشأن النساء، وهما:
أولا: قد تتوهم بعض النساء أنّ الرجال فقط لا يحق لهم النظر إلى النساء: "هل لا يستطيعون النظر إليهن مطلقا، أم النظر بريبة وتلذذ؟ هذا ما سنأتي على ذكره في ما بعد".
ويتصورن أن المنع يشمل الرجال، حيث لا يجوز لهم النظر، أو لا يجوز لهم النظر بريبة وتلذذ، وإن المرأة غير ممنوعة من النظر إلى الرجل. في حين أنه لا يوجد أي فرق في ذلك.
فإن كان النظر محرما، فهو محرم على الاثنين، وإذا كان جائزا، فهو جائز لكليهما.
لكن البعض يتصور أن الرجل فقط لا يجوز له النظر بتلذذ، أما المرأة فيجوز لها أن تنظر إليه وتقلبه ببصرها كيف تشاء.
كلا، القضية ليست على هذه الشاكلة. القرآن لا يرى أي فرق في النظر بين


[66]
الرجل والمرأة. طبعا بعض النساء يدركن هذا الحكم، ولكن لعل الكثير منهن لا يفهمن هذا.
ثانيا: وهذه قضية تعرفها الأكثرية، وربما لا يعرفها البعض القليل وهي التصور الموجود بان المرأة يجوز لها النظر إلى كل المرأة حتى عورتها، والرجل فقط لا يجوز له النظر إلى عورة رجل آخر. وهذا التصور باطل، فعورة المرأة محرمة على المرأة،وحتى المرأة لا يجوز النظر إلى عورة بنتها، ولا البنت لعورة أمها، ولا الأخت لعورة أختها.
القرآن يأمر الرجل ي هذا المجال ويأمر المرأة بمثله، ويأمر المرأة بمثل ما يأمر به الرجل. إلا أنه جعل للمرأة واجبا آخر لم يجعل للرجل مثله وذلك هو تكليف المرأة بستر نفسها وهذا ما لم يكلف به الرجل. أي أن هذه التكليف للمرأة دون الرجل. وقد عبر القرآن عن ذلك بالقول: {ولا يبدين زينتهن "، طبعا ليس المقصود من ذلك وسائل الزينة حتى وإن كانت ملقاة جانبا - كالأساور مثلا - وإنما المقصود وسائل الزينة حينما تكون على بدن المرأة، لأنه يساوى رؤية المرأة ذاتها. وعلى النساء أن لا يبدين زينتهن من غير فرق في ذلك بين الزينة التي يمكن فصلها عن البدن كالأساور والخاتم، أو الأشياء التي تلصق بالبدن كمواد التجميل مثلا.
المرأة لا يجوز لها إظهار زينتها إلاّ في حالتين: الأولى تتعلق بالزينة ذاتها، أو كما عبر عنها القرآن بالزينة الظاهرة. وسأشير في ما بعد إلى المراد من الزينة الظاهرة.
والاستثناء الآخر يخصّ الأفراد من غير الزوج أي أن المرأة يباح لها إظهار زينتها حتى غير الظاهرية أمامهم وهم الآباء والأبناء، وابن الأخ، وابن الأخت،

[67]
وأبناء الزوج. إضافة إلى أشخاص آخرين مستثنين من هذه القاعدة سأشير إليهم لاحقا.
وقبل الدخول في تفسير هذه الآية أشير إلى نقطتين لإلقاء مزيد من الضوء على هذا الموضوع، وهما:
الأول: لماذا كلفت المرأة بستر نفسها ولم يكلف الرجل؟ أي لماذا ذكر الستر باعتباره واجبا للمرأة وليس للرجل؟ وسر هذا الأمر وضاح لا لبس فيه، وهو أن مشاعر المرأة والرجل تجاه بعضها ليست متشابهة، ولهما من حيث الخلقة وضع غير متشابه. فالمرأة هي التي تتعرض للهجوم من عين الرجل ويده وجوارحه الأخرى، ولا يتعرض الرجل لمثل هذا الهجوم من المرأة. وجنس الذكور والإناث في عالم الطبيعة كلّه على هذه الشاكلة، ولا يختصّ هذا بالرجل والمرأة. جنس الذكر خلق في عالم الكبيعة كمُستَلم بينما جُعلت الأنثى كمخلوق يتعرض للهجوم من الذكر. وإذا نظرتم إلى جميع الحيوانات تجدون الذكر هو الذي يجري على الدوام وراء الأنثى. هكذا الحال بالنسبة للحمام والدجاج والخيل والحمير والعصافير والأسود والأغنام وغيرها. والأنثى مع أنها تطلب الذكر إلاّ أنها لا تجري وراءه. لهذا السبب نجد في بني الإنسان أن الرجل هو الذي يذهب ويخطب المرأة، الفتى يذهب لخطبة الفتاة، وهذا أمر طبيعي وفطري.
ظهر في الآونة الأخيرة أشخاص جهلة - أو أريد لهم أن يكونوا جهلة - انبروا للحديث عن المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة - وهم غير مدركين للفارق بين التشابه والتساوي ويتصورون أن الفوارق بين الرجل والمرأة فوارق في الجنس فقط وفي الأعضاء التناسلية، ولا توجد بينهما اختلافات أخرى، ويقولون: ما هذه العادة القبيحة؟ ولماذا يذهب الفتيان دوما لخطبة الفتيات؟

[68]
ولابد أن يتغير هذا التقليد من الآن فصاعدا لتذهب الفتيات لخطبة الفتيان! ومثل هذا العمل يعتبر.
أولاً: محاربة لقانون الخلقة. ولو تم استبدال قانون الخلقة السائد في جميع الحيوانات - من حيث ثنائية الجنس - لأمكن هنا تغيير هذه القاعدة.
ثانياً: إن هذا العمل قد أدّى بحد ذاته إلى رفع قيمة الأنثى. أي إن الذكر خلق بشكل جعل منه طالباً، ولا بد له من نيل رضا الأنثى، وانطلاقا من هذه القاعدة فهو يضع نفسه في خدمتها على الدوام. في الكثير من الحيوانات ومنها الإنسان تقع نفقة الأنثى على عاتق الذكر.((تكون هذه الحالة لدى الحيوانات على الأقل خلال فترة حمل الأنثى أو أثناء حضانتها للبيض)). وقد خلق الذكر بشكل ما أن تعلن الأنثى عن استعدادها للقبول به حتى يضع نفسه تحت تصرفها.
وهذه تعتبر أسسا لحكمة كبرى في عالم الخلقة.
تدخل قضية "المهر" ضمن هذا الإطار أيضا. أي أن المرأة تظهر نفسها بشكل تقول فيه للرجل: أنك أنت الذي تحتاج إلىّ، وأنا لست بحاجة إليك، والرجل هو الذي ينبغي أن يظهر استعداده لتقديم شيء للمرأة لأجل أن تقول له: "نعم" والقرآن يصور الصداق بأنه نحلة، أي هدية على سبيل التعارف. والذين يتصورون أن المهر ثمن للمرأة مخطئون في تصورهم هذا. القرآن يؤكد أن المهر أو الصداق نحلة، أي هدية. مثلما تقدمون الهدية لشخص لكسب وده لينجز لكم عملاً ما، فأنتم الذين تقدمون له الهدية، وليس هو الذي يقدمها لكم.
التعبير الذي يستخدمه القرآن هو "الصداق"،أي بمعنى الشيء المقدم كعلامة للصدق ودليل على الإخلاص، وليس بمعنى النزوة أو لأجل الشهوة، بل لأجل الزواج، ومنطلقة الحقيقة وليس المخادعة.
وضعية المرأة تختلف في اصل الخلقة عن وضعية الرجل. فالمرأة تتزين

[69]
لتجتذب إليها الرجل، إلاّ أن الرجل لا يمكنه أبدا اجتذاب المرأة عن طريق الزينة.
المرأة والزينة، والمرأة والجواهر، موجودان مقرونان مع بعضهما على الدوام، المرأة مخلوق ناعم ورقيق، وكل المخلوقات الأخرى تكون فيها الأنثى هي مظهر الجمال والرقة والزينة، وحينما يراد أن لا تقع فتنة يجب أن يقال لذي الجمال أن لا يظهر نفسه، ولا يقال ذلك لذي الخشونة والقوة، أي يقال لمن لديه القدرة على الاجتذاب أن لا يقود إلى التمهيد لأسباب الضلال والغواية.
في عالم اليوم هناك اتجاه نحو حالة أخرى. ويمكنني القول صراحة أن هذه الحالة من غير الممكن أن يكتب لها الدوام، وسيجد الساعون إليها أنفسهم في ختام المطاف أنهم يناطحون صخرة وسيضطرون إلى العودة إلى قانون الطبيعة. وذلك هو ما يلاحظ اليوم من جهود تبذلها النساء للظهور بمظهر الرجولة، وما يفعله الرجال والشبان للظهور بمظهر انثوي، ما هي في الواقع إلاّ نزوات صبيانية يمارسها بنو الإنسان اليوم، ولكنها سريعا ما ستزول، وهي من الظواهر الخاصة بعصرنا هذا ومصيرها إلى الزوال سريعا وخاصة عند الفتيان الذين يحاولون التشبه بالنساء في الزي والحركات والزينة، بحيث أن المرء حينما يواجه أحدهم لا يدري أفتىً هو أم فتاة، أو كما يقول البعض: "لابد من أجراء دراسات عميقة وموسعة ليفهم المرء هل هذا فتى أم فتاة؟!" وهذه الظاهرة تتعارض مع قوانين الخلقة وأصول الفطرة وإضراب هذه النزوات الصبيانية الحمقاء كثيرة عند بني البشر لكنها لا تبقى طويلا.
إذن فالرجل والمرأة عند الاختلاط مع بعضهما لا يملكان ما يسمى بالحرية المطلقة، أي لا يحق لهما الاتصال مع بعضها كيفما اتفق، والسبب الذي جعل المرأة مكلفة بستر نفسها لا الرجل، وهو ما أشرت إليه آنفا. هذه مسألة.

[70]
أما المسألة الأخرى فهي ما السبب الأساسي لهذا التشريع؟ وما هي ضرورته؟ ولماذا هناك قضية اسمها الأجنبي وغير الأجنبي؟ ولماذا يجب على المرأة ستر نفسها عن الأجنبي؟ وما السر الكامن وراء هذا التشريع وما فائدته؟
الميزة الأولى لهذا التشريع، نفسية، أي أيجاد السكينة الروحية. ففي كل مجتمع تقوم فيه علاقات المرأة بالرجل على أساس العفاف - في حدود التعاليم الإسلامية التي أشرت إليها ولا تتزين المرأة ولا تتظاهر بزينتها خارج إطار الزواج، ولا تجعل من نفسها أداة لإثارة شهوات الرجال، والرجال أيضا لا يركضون وراء اللذة خارج حدود العلاقة الزوجية عن طريق العين واليد وما إلى ذلك، تبقى الأرواح والقلوب هادئة مطمئنة. وكل مجتمع تسوده عكس هذه الحالة يعيش في قلق واضطراب نفسي.
يزعم بعض الأوربيين أن ابتعاد الرجل والمرأة عن بعضهما يسبب لهما اضطرابا نفسيا وعقدا روحية. إلاّ أنّ تجربة القرن الماضي أثبتت بكل وضوح بطلان هذا الزعم، إذ كلما اتسعت الحرية في الشؤون الجنسية تتفاقم معها وطأة الإثارة عند الأشخاص، لأن الغريزة الجنسية عند الإنسان (كما هو الحال في عدة غرائز أخرى مثل غريزة حب الجاه، وغريزة طلب العلم، وغريزة العبادة) غير محدودة بسعة جسمية معينة،بل لها استيعاب نفسي واسع.
الغرائز المحدودة بسعة جسمية معينة مثل غريزة الطعام، فالإنسان قادر على تناول كمية محدودة من الطعام لا يستطيع تجاوزها. ولكن ماذا عن الملكية؟ هل هي مثل الطعام؟ فإذا ملك الإنسان مائة ألف دينار هل يقنع؟ لا، فهو بعدما يملك المائة ألف دينار تتوق روحه للمائتين، وإذا صار لديه مائتي ألف دينار يتعطش للخمسمائة، وإذا صار مليونيرا يطمح مليارديرا. وان اكثر الناس ثروة في العالم يكون أشدهم تعطشا للحصول على المزيد منها.

[71]
وماذا عن حب الجاه؟ حب الجاه على نفس الشاكلة أيضا. قد يطمح الإنسان أن يكون رئيسا لنقابة، ولكن هل إذا أحرز هذا المنصب تمتلئ نفسه ويكتفي؟ لا بل تنبعث في نفسه طموحات جديدة، فيميل مثلا للحصول على منصب مدير بلدية. ولو أعطى العالم بأسره وقيل له: أنت ملك على كل هذا العالم، تراوده حينذاك هواجس أخرى ويتولد لديه طموح بملكية كرة أرضية أخرى والسيطرة عليها. وهكذا الحال في الغريزة الجنسية عند الإنسان.

[73]
أعوذ بالله من ا لشيطان الرجيم:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(النور35).
سمّيت هذه السورة بسورة النور لوجود هذه الآية فيها والتي تعد من الآيات المشكل معناها من حيث التفسير وخاصة بسبب وجود الجملة الأخيرة التي تستلزم الكثير من التدبر والتأمل. وكل واحد يفهم منها على قدر سعته واستيعابه، لأن الآية اللاحقة ورد في آخرها بعد ذكر المثل، قوله تعالى: { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} جاء أيضا في آيات أخرى: إن الله يضرب

[74]
الأمثال للناس ولكن لا يدرك مغزاها إلاّ العالمون.
يستدل من هذا أن الأمثال الواردة في القرآن لها عمق لا يستوعبه أي كان. ونحن من بعد الاستعانة بما قاله المفسرون المتقدمون، وبما جاء في الروايات، نحاول في ما يلي عرض مجموعة من الآراء بشأن هذه الآية الكريمة: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.
بما أن السماوات والأرض عندما يأتي ذكرها في القرآن لا يذكران باعتبارهما جزءا من المخلوقات في العالم، بل باعتبارهما كل المخلوقات العلوية والسفلية الموجودة في عالمي الغيب والشهادة. وحينئذ يكون معنى الآية أن الله نور الكون كله. إذن أطلقت في بداية هذه الآية كلمة "النور" على الله تعالى.
ما يفهمه الإنسان من كلمة "النور" ابتداءً هو هذا النور المحسوس الذي لم يفهم علماء الفيزياء حقيقة كنهة حتى الآن. القدر المسلّم به هو أن في هذا العالم شيء اسمه النور. وأن كان أدراك حقيقته صعب من الوجهة العلمية.
بعض الأجسام نورية وتشع النور كالشمس مثلا، والنجوم، والمصابيح التي يضيئها الناس. ولولا هذه الأنوار لكان العالم يتخبط في ظلمة تغمره بأسره. إلا أن وجود هذا الضوء هو الذي ينير العالم. وهذا هو ما يسمّى بالنور الحسّي والمادّي.
من البديهي أن المراد من {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وليس هذا النور المعروف لدينا.
فهذا النور واحد من مخلوقات الله. جاء في مطلع سورة الأنعام المباركة:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(الأنعام/1). الله سبحانه وتعالى خالق هذا النور. وليس هو ذلك النور. وهذا

[75]
الموضوع لا جدال فيه من وجهة نظر القرآن، لأن هذا النور مخلوق، خلقة الله، بل وحتى أن القرآن يتحدث على الدوام عن مصدر هذا النور، أي الشمس والكواكب التي تعتبر بحد ذاتها من مخلوقات الباري جل ذكره. إذا كان هناك من يحمل نظير هذا التصور عن الله تعالى، ويظن - كما تظن العجائز - أنه تعالى عبارة عن زجاجة من النور فوق العرش، وهذا النور كنور الكهرباء ونور الشمس وما شابه ذلك، فإن مثل هذا الشخص يوجد خلل في إيمانه. فهذه النور نراه بأعيننا، في حين يصف القرآن الله بأنه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(الأنعام/1). يتصور أن الله نور من جنس هذا النور فقد افترضه جسما يرى.(ينسب إلى العقيدة المانوية أنها كانت تقول بأن الله نور - من نوع هذا النور المعروف - ويسمونه بالنور الأعظم وعلى كل حال فإن كل من يعتقد بهذا الاعتقاد فهو على باطل ).
إلا أن كلمة النور لا ينحصر مصداقها في النور الحسي، بل وضعت هذه الكلمة للدلالة على ما هو ضوء ومضي، أي ما هو واضح وموضح لغيره. ونحن نسمى هذا النور الحسي نورا لأنه واضح لأعيننا وموضّح لغيره. ونحن نستطيع أن نسمي كل ما هو واضح وموضح لغيره نورا، حتى وأن لم يكن جسما أو شيئا محسوسا. على سبيل المثال نحن نسمي العلم نورا، وجاء في الحديث:
((العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء))(بحار الأنوار: ج 1، ص 225)
وهذا الكلام صحيح ودقيق لأن العلم واضح بذاته وموضح للعالم أمام بصر الإنسان. ولكن من البديهي أن العلم نور ليس من جنس نور الكهرباء والشمس وغيرهما ولا هو شيء جسماني ومحسوس، ومع هذا فنحن نسميه نورا، وكذلك نسمي العقل نورا. العقل بذاته نور. والقرآن الكريم يسمي الإيمان نورا ‎،

[76]
وذلك قوله:
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}(الأنعام/122).
وهذا النور هو نور الإيمان وبصيرة القلب. ومن الطبيعي أن نور الإيمان ليس من نمط نور المصباح أو نور الشمس أو الكهرباء وما شابه ذلك. الإيمان بذاته حقيقة غير جسمية صفته الإضاءة والإيضاح لأنه يحدث في باطن الإنسان نوعا من الإيضاح والكشف ويدله على الهدف والغاية وإلى طريق السعادة.
حينما نفهم كلمة النور بهذا المعنى، أي بمعنى الحقيقة الواضحة، والموضحة، ثم لم نحدد هل وضوحها للعين أم للقلب أم للعقل، ولم نعين كيفية وضوحها، يصح عندها أن نعتبر الله تعالى نورا بهذا المعنى. أي بمعنى الحقيقة الواضحة الدالة على ذاتها.
وانطلاقا من هذه الرؤية ما من شيء يعتبر نورا في مقابل الله، بمعنى أن كل الأنوار في إزائه ظلمات. لأن الشيء الوحيد الواضح بذاته هو الله فقط. وأما بقية الأشياء فإن كانت واضحة وموضحة فهي في الحقيقة ظلمات في ذاتها، وأنه هو تعالى الذي أعطاها صفة الوضوح والإيضاح. جاء في القرآن الكريم في وصف الباري عز وجل: {{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(الحديد3). والظاهر بمعنى الواضح. إن الله هو خالق الأشياء، أي بمعنى هو مبديها ومظهرها.
وجاءت كلمة النور في الأدعية والروايات كاسم من أسماء الله. ووردت في مطلع دعاء كميل جملتان تؤيدان هذا المعنى وتخاطبان الله تعالى بالقول:"يا نور يا قدوس" ولعل السبب في مجيء كلمة "يا قدوس" بعد كلمة "يا نور" لكي

[77]
لا يتوهم أحد أن الله نور، مثلما توهم المانويون، بمعنى أن الله ليس نوراً جسمياً محسوساً، فهو نور ولكنه لا من جنس هذه الأنوار.
وردت قبل هذه العبارة جملة تستلزم مزيدا من التأمل، وهي:" وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء". هذا التعبير على قدرٍ عالٍ من الرقة والسمو بحيث أني عاجز عن العثور على نظير له. الأدباء والشعراء يعبرون عن المحبوب بالشاهد، أي الذي يحضر في ذلك المحفل وينيره بوجوده، وإذا غاب عنه أظلم.
وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام) في دعاء كميل: " وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء" إذا لم يكن نور وجهك فكل شيء مظلم، أي ليس ثمة شيء، بل كل شيء في ظلمة العدم، ولا يعني هذا أن الأشياء موجودة ولكن في ظلام، مثلما نكون نحن في ظلام الليل.
وردت رواية في كتاب "التوحيد" للشيخ الصدوق مفادها أن رجلا من غير المسلمين جاء إلى علي (عليه السلام) وسأله: أين الله؟ فأمر عليه السلام أن يؤتوه بحطب فجاؤه به فاضرم فيه النار ويبدو أنّ الوقت كان ليلاً، فأضاء المكان فسأله أمير المؤمنين عليه السلام أين موضع الضوء؟ قال الرجل: أنه موجود في كل مكان. فقال له (عليه السلام): النور مخلوق من مخلوقات الله، وهو موجود أينما أضاء. والله سبحانه وتعالى موجود في كل مكان فيه نوره، ونوره موجود في كل مكان. "وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء".
إذن أحد جوانب القضية هي: هل يجوز إطلاق كلمة "النور" على الله تعالى أم لا؟ نعم يمكن ذلك استنادا إلى أن الأئمة أطلقوا هذه الكلمة من جهة، ولأنّ ظاهر هذه الآية القرآنية يدلّ على هذا المعنى من جهة أخرى، كما أن هذا لا يتعارض مع الدليل العقلي من جهة ثالثة. ولكن يجب أن نعلم أننا إذا قلنا بأن الله نور فليس مرادنا بأنه من نوع هذا النور الحسي - والعياذ بالله - لأن هذا النور

[78]
الحسي من خلق الله تعالى.
المعنى الوحيد المقصود من قولنا بأن الله نور هو أن الله واضح في عالم الخلقة وموضح لغيره. وكل نير غيره إنما يستمد نوره منه. الله ظاهر بذاته ولم يظهر شيء آخر، وهو ما تظهر به جميع الأشياء الأخرى، وتتضح بنوره الأعيان. بهذا المعنى يمكن إطلاق كلمة "النور" على الله تعالى.
إضافة إلى هذا يتسم النور بخصائص أخرى وتلك هي قضية الهداية والتوجيه التي تلازم وجود النور. وهذا الموضوع سنعرض له في ما بعد.
ثمة مسألة أخرى وهي أننا نسمي الله "نورا" ولكننا لا نسميه ابدا "بالنور الأعظم" لأن هذا يعنى وجود أنوار كبيرة وصغيرة وأن الله هو أكبرها وأعظمها. بل نقول أنه نور بمعنى أن كل ما سواه ظلمة. وحينما نقيس الأشياء الأخرى - باستثناء الله تعالى - مع بعضها، يكون بعضها نورا، وبعضها ليس نورا. العلم - مثلا - نور، والعقل نور، والإيمان نور، والبصر نور وبهذا المعنى يكون الله نور النور( في كتاب "مفاتيح الجنان" دعاء مجرب في إزالة حرارة البدن، وهو: "يا نور يانور النور يامدبر الأمور..")، لا "النور الأعظم"، أي أن كل الأنوار بالنسبة له ظلمة، وأنه هو الذي منحها النور.
أشرنا إلى القرآن الكريم أطلق على جملة من الأشياء اسم "النور"، من جملتها أنه أطلق على ذاته اسم "النور" ، أي أنه نور خلقه الله: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(المائدة/15-16). إذن معرفة الله نور.
لو سئل إنسان بسيط عن معنى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، لقال أن المراد هو هذا النور الحسي. ولكن الإنسان الأكثر فهما يمكن أن نبين له أن الله ليس واهبا للنور.

[79]
فقط ‎، وإنما هو بذاته نور حقا، والنور من أسماء الله، ولا ينحصر معناه في النور الحسي. هذا هو معنى الجملة الأولى من الآية.
أما الجملة الثانية فجاءت كمثل لنور الله وليس لذاته. يقول: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وقد جعل لمخولقاته أنوارا ليهديهم. وورد هنا ذكر مثل لنور الله الذي يهدي به الناس. وقد تضاربت الأقوال في معنى هذا النور، حيث يضرب لنوره مثلا بواحدة من الآلات القديمة المستخدمة لإنارة الأبنية الكبيرة والمعابد الواسعة، وهي المشكاة.
في ما مضي كان يعد مكان خاص في الجدار يوضع فيه مصباح. والمثل الذي يضربه القرآن هو أن هذا المصباح موضوع في جسم شفاف كالقنديل أو الزجاجة، ومن الواضح أن المصباح حينما يكون في زجاجة يكون نوره أشد وأكثر بسبب الاحتراق التام أو بسبب انعكاسه عبر الزجاج. وهذا المصباح في زجاجة موضوعة في غرفة ويوقد من أفضل أنواع الزيت وهو زيت الزيتون السريع الاشتعال.
كان هذا المصباح أفضل أداة للإنارة صنعها الإنسان حتى ذلك الوقت. وقد ضرب الله تعالى لنفسه مثلا بهذا المصباح في مثل هذا الحال ويوقد بمثل هذا الزيت. ثم يقول: أننا نضرب الأمثال ونترك التدبر فيها للناس. وقد أشرنا مرارا إلى أن دأب القرآن هي دعوة الناس للتفكير، وهذه الدعوة لا تقتصر على القول المباشر، بل يعمد أحيانا إلى عرض الموضوع بشكل يثير الفكر ويدفعه إلى التدبر لكي يتوصل إلى مدى ذلك الموضوع.
وبهذا المثل يكون القرآن قد حقق الهدف الذي يتطلع إليه، أي أنه لم يدفع المفسرين وحدهم إلى التفكر في هذا الموضوع، بل حتى غير المفسرين انهمكوا في التفكر في هذا المعنى لمعرفة المراد من هذا المصباح، وهذه المشكاة، وهذا

[80]
الوقود، وهذه الشجرة المباركة، وكيف يضيء ذاتيا بلا أن تسمه النار؟لقد فكر ابن سينا مع أنه لم يكن مفسرا، في هذه الآية واستنتج منها شيئا وشرح ما توصل إليه. وكذلك كتب الغزالي - الذي لا يحسب في عداد المفسرين - كتابا في معنى هذه الآية الشريفة. ويعتقد كل منهما أن المثل الذي ضرب في هذه الآية قد ضرب للإنسان. مع الاختلاف طبعاً في نمط الصياغة الذي عرضه كل منهما.
أحد حقول الفلسفة هو معرفة الإنسان وعلم النفس الإنسانية. والفيلسوف يستند في المسائل النفسية على القوة العاقلة أكثر من أي شيء آخر، ويرى أن جوهر الإنسان هو عقله، وكمال الإنسان بكمال قوته العقلية، وسعادته أيضا رهينة بكمالها سواء العقل العملي أم العقل النظري، والنظري منه بالدرجة الأولى. ولهذا السبب حينما قيل: أنّ هذا المثل بشأن الإنسان، اعتبروا ذلك حول الجوهر الأساسي للإنسان الذي هو قوته العقلية، وطبقوه على المراحل والمراتب التي صنفوا القوة العقلية على أساسها. فقالوا أنّ المقصود من المشكاة هو العقل الهيولاني. أي العقل في مرحلة القوة والاستعداد المحض. والمراد من الزجاجة وكل ما يؤدي إلى مضاعفة النور هي مرحلة "العقل بالملكة"، والمراد من المصباح هو مرحلة "العقل بالفعل"، والمقصود من الشجرة، شجرة الفكر، إلى آخر ذلك.
وبغض النظر عن مدى صحة هذا الرأي الذي يبدو لي أنه رأي مستبعد، فإن ابن سينا لا يقول أنه مفسر للقرآن، إلاّ إنه طبّق تعابير القرآن على ما قاله في باب مراتب العقل، وبلا أن يقول أنه قصد تفسير الآية. بينما عرض الغزالي رأيه بشكل يوحي وكأنه قصد تفسيرها.
وقال آخرون أن الله عز وجل لم يقصد من مثل المصباح والمشكاة والزجاجة إلاّ أمراً واحداً فقط وهو أن ذلك النور قوي جدا، كمصباح شديد

[81]
التوهج في الليل في مثل هذا المسجد.
وأردوا أن المقصود من الآية هو أن النور الإلهي، والهداية الإلهية واضحة وبينة كالمصباح المتوهج في الليلة الظلماء.
وفسرت هذه الآية في رواياتنا بشكل آخر وهذا يدل بحد ذاته على أن هذه الآية كمثل الإنسان ولكن لا تنطبق على عقل الإنسان ولا على إيمانه، وإنما شبهت بجسمه، كصدر وقلبه ونور الإيمان، وكيفية استقرار نور الإيمان في قلبه ‎، وروحه في جسده. إذن فالروايات اعتبرت هذه الآية تشبيها للإنسان، ولكن للجانب الإيماني فيه.
وجاء في روايات أخرى أنّ هذه الآية تمثيل للإنسان، ولكن ليس لكل إنسان مؤمن، وإنما لخاتم الأنبياء فقط، استنادا إلى ما ورد في آخر الآية وهو قوله تعالى: { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} التي يستدل منه أن الحديث يدور هنا عن النور الذي يهدي به الله الناس. وفسرت على أن المراد من المشكاة صدر رسول الله وجسمه. والمصباح هو نور الإيمان ونور الوحي في قلبه. ثم يكون المراد من {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} هو الإشارة إلى انتقال النور من المصباح إلى القنديل، ويرمز إلى اقتباس علي لنور(عليه السلام) الولاية والإيمان من الرسول ( صلى الله عليه وآله )، فالمقصود بالزجاجة هو علي (عليه السلام). أما الشجرة المباركة التي كل هذا النور منها فهو إبراهيم (عليه السلام ). وبما أن الشجرة وصفت في هذه الآية بأنها لا شرقية ولا غربية، فإن الرواية هنا تشير إلى قوله تعالى : {{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا}(آل عمران/67). أي لم يكن منهجه على دين النصرانية ولا على دين اليهودية: {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا}.(آل عمران/67).
إذن هذا تفسير آخر لهذه الآية ولهذا المثل الوارد فيها. وأنا لا أدعي قطعا

[82]
صحة الرأي الذي أعرضه بشأنها. واعتقد أنه تعالى قد ضرب لنا مثلا لنتأمل ونتدبر فيه، وقد جعله مثلا شاملا يفهم منه هداية الله لجميع الكون، أي أن هذا الكون عبارة عن دار، ولكنها ليست مظلمة بالمرة، بل أن فيها مصباحا متوهجا وذلك هو نور الله. وهذا هو ما أشار إليه القرآن الكريم في آيات أخرى أيضا، وفيه نقطة حساسة وهي أن جميع ذرات الكون تسبح باسم الله، أي أنها كلها على علم بوجوده.
[83]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(النور35).
جرى البحث في تفسير هذه السورة على معنيين، أحدهما إطلاق النور على الله تعالى شأنه وذلك هو قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، والمعنى الثاني هو المثل الذي جاء ذكره في الآية الكريمة ويشبه فيه داراً فيها مصباح مضيء،

[84]
وهذا المثل ليس لذات الله، بل لنوره.
أشرت سابقا إلى أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي استحوذت على اهتمام المفسرين وغير المفسرين. وأعرض عليكم في ما يلي موضوعا يساعد إلى حد ما في إيضاح مفاد هذه الآية، وذلك أنه جاءت في رواياتنا في باب "معرفة الله" قضية تبدو في الوهلة الأولى وكأنها في غاية الصعوبة وهي أن كل شيء يُعرف بالله، وأما هو فيعرف بذاته، بل وجاء في رواياتنا تعبير عجيب هو:
" كل معروف بغيره مصنوع" في حين أننا نتصور - ونظن عدم وجود طريق آخر سواه - ان العالم تكون معرفته بواسطة العالم، أي نعرف المخلوق بالمخلوق، وأيضا نعرف الله بواسطة المخلوق.
حتى أن بعض الكتاب المسلمين - وأول من بدأ به هم المصريون ثم سرى إلى غيرهم - قالوا: أن معرفة الله تتم أساسا عن طريق مخلوقاته، وإنما يعرف بعد معرفة مخلوقاته. وحددوا مصدر هذا الطريق الوحيد بالقرآن الكريم.
من المؤكد أن حصر معرفة الله بهذا الطريق دون غيره يعتبر خطأ تماما.
وهذا الأسلوب مفيد للناس المبتدئين فقط من أجل تذكيرهم بالله. وهذا ما فعله القرآن الكريم ذاته وجعل خلق الله دليلاً وبرهاناً عليه. ولكن لا يحصل الإنسان من هذا الطريق إلاّ على صورة إجمالية ومبهمة عن الله تعالى.
القضية الأخرى هي أننا نجد في القرآن موضوعا آخر - أشرت إليه في المحاضرة السابقة - وهو مبدأ الهداية. أي أن القرآن لا يعتبر أيّاً من المخلوقات ضالا وأعمى، بل يعتبرها جميعاً مبصرة ومهتدية. هذا باستثناء الإنسان الذي يهتدي إلى الطريق بنفسه - على اعتباره مكلفا - أو قد يضل نسبيا في تكليفة (استميحكم عذرا بسبب عرض هذه المواضيع المعقدة. إلا أنها علىكل حال آية قرآنية ولا يمكن التهاون ي بيان معناها ).

[85]
تصرح الآيات القرآنية باهتداء جميع المخلوقات. نقل عن لسان موسى (عليه السلام) أن فرعون لما سأله عن ربه قال له: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(طه50).
وفي هذه الآية إشارة إلى برهانين: أولهما برهان النظام، ومعناه أن الله تعالى أعطى كل مخلوق ما يستحقه وما ينبغي له. أما الثاني فهو الهداية: {ثُمَّ هَدَى} بمعنى انه بصر كل مخلوق بمصيره وهدفه وطريق كماله.
قال الله عز وجل في القرآن الكريم {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}(الأعلى/2-3). ووجدت المفسر الوحيد الذي التفت إلى هذه النقطة هو الفخر الرازي، ويبدو أنه هو الذي قال أن الله جعل آية وبرهانا للخلق، وآية وبرهانا آخر للهداية.
وبما أن الكون عبارة عن ماكنة، فإنّ له حسابه الخاص. وبعبارة أخرى هو نظام المخلوقات الذي يعتبر أصلا. كما أن كل واحد من الموجودات لديه شيء غامض شبيه بالغريزة يقوده إلى الإمام وهو ما يمكن اعتباره أصلا آخر. ولكن كيف يهدي الله كل واحد من المخلوقات إلى غاية معينة؟ هذه القضية شبيهة بقضية المعرفة، بمعنى أن كل موجود يُهدى أوّلاً نحو الله، ثم نحو غاية أخرى، أي أن الله غاية الغايات. وكل غاية تتّخذ غائيّتها منه تعالى.
بما أن الله نور السماوات والأرض، فكل شيء يستمد نوره من عنده، وهذا هو معنى أن كل شيء يُعرف بالله، والله يُعرف بذاته، وكلّ شيئ ظاهر بالله والله ظاهر بذاته، وكلّ شيئ يُهتدى إليه عن طريق الله، إلاّ الله فإنه يُهتدى إليه بذاته. وهذا هو السبب الذي يجعل القرآن يعتبر لكافة الموجودات ولكافة الذرات نوعا


[86]
من الحياة والشعور. ويؤكد بعد آيتين أو ثلاث.
{{أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} وهذه نتيجة طبيعية لما سبقت الإشارة إليه. والنتيجة المنطقية لـ{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} هي: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}(الإسراء/44).
ومثلما تختلف الموجودات في درجاتها ومراتبها، تختلف تبعاً لذلك درجات هدايتها، للجماد هداية في حدوده، وللنبات هداية في حدوده، وكذلك الحيوان، والإنسان له درجات للهداية في حدوده أفرادا وجماعات (لا أريد التوسع أكثر في هذا الجانب من الآية. وقد أشرت في بعض مؤلفاتي إلى أن البعض يتصور ان الله من وجهة نظر القرآن غائب وخفي، وأن الإنسان قادرا على كشفه من خلال الكون فقط. وبينت أن هذا الرأي مغلوط، وأن القضية على العكس تماما وان مثل هذه المعرفة - إذا توفرت - معرفة ناقصة. والمعرفة الصحيحة هي أن يعرف الإنسان العالم بواسطة الله، لا أن يعرف الله عن طريق العالم. وقد وردت في هذا المجال تأكيدات كثيرة في كلمات الأئمة (عليه السلام) وخاصة في نهج البلاغة ).
أشرت في المحاضرة السابقة إلى أن الروايات وغيرها من كلمات المفسرين والعلماء قد جاءت فيها آراء مختلفة بشأن المراد من هذا المثل.
فالبعض اعتبره رمزا للعالم كله، بمعنى أنّ عالم الوجود ليس عالما مظلما، بل فيه أقوى المصابيح توهجا. إذن عالم الوجود ليس عالما مظلما وأعمى. واعتقد آخرون أن هذا المثل للإنسان وسبق لنا وأن تحدثنا عن الإنسان في محاضرات سابقة، وأقدم في ما يلي عرضا ملخصاً وشاملاً لكل تلك الآراء.
يقولون: أن الهداية على نوعين: هداية طبيعية، وهي موجودة حتى في الطبيعة الجامدة. وهداية حسية: ومعناها أن جميع حواسنا هذه هي مشاعل هداية

[87]
موجودة لدى الإنسان أو الحيوان. فالهداية الغريزية يراد بها أن لكل حيوان مجموعة غرائز تقوده نحو غايته. والهداية العقلية: يراد بها أن القوة العاقلة بحد ذاتها نور منح للإنسان ليستفيد منه في التدبر والتفكر. والدين أيضا يعد نوعا من الهداية تسمى بهداية الوحي.
رأي البعض أن هذا المثل يقصد به الهداية العامة للموجودات، وقال آخرون أنه للإنسان (في حين قال غيرهم أن المراد به كل أنواع الهداية التي لدى الإنسان من حس وعقل وغريزة وحتى هداية الوحي، فيما اعتقد آخرون كابن سيناء بأنه خاص بالهداية العقلية).
ورأى آخرون أن ذلك ينطبق على هداية الوحي مثلما جاء في الروايات ‎، وأن المراد من المشكاة هي صدر النبي (صلى الله عليه وآله )، والمصباح هو نور الوحي الذي نزل عليه، إلى آخر ذلك.
ولكن لا مانع من انطباق هذه الآية - المبينة لنور الهداية الإلهية التي شملت الكون بأسره - على جميع هذه المعاني خاصة المعنيين الواردين في الروايات وكلاهما بشأن الإنسان، إحداهما بشأنه كفرد مؤمن، والأخرى بشأنه كمجتمع. ويحمل كل منهما معنى عميقا، خاصة الآية اللاحقة التي تقول: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}.
هناك سؤال يتبادر إلى الأذهان وهو: لماذا استخدم القرآن هذا النمط في التعبير؟ كان بميسوره أن يقول: كمشكاة فيها زجاجة، وفي الزجاجة مصباح.
فسرت رواياتنا هذه الآية على أساس أن المصباح أولا في مشكاة، ثم ينتقل منها إلى زجاجة. والسر الكامن وراء التعبير عن هذه الصورة بهذه الشاكلة هو أن المقصود من المشكاة النبوة، والمقصود من الزجاجة الولاية والإمامة، والمقصود من الشجرة المباركة التي انبثقت منها هذه الزجاجة وهذا المصباح، هو

[88]
إبراهيم (عليه السلام) وهي كلها جاءت نتيجة لدعاء إبراهيم (عليه السلام).
وجاء في الآية التي بعدها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}(النور/36-37).
ما هو المراد من {فِي بُيُوتٍ} هنا؟ لعل جميع المفسرين قالوا هو المصباح الذي ضربناه مثلا في مثل هذه البيوت. ومن الطبيعي أن هنالك سؤال يتبادر إلى الأذهان وهو أن ذلك المصباح كان كافيا أينما ذكر، فلماذا جاء كل هذا القيد.
بشأن ذلك المصباح في دار تتصف بكل هذه الأوصاف؟ هذا يؤكد الرأي القائل بأن هذا المثل قد ضرب بالإنسان. جاء في رواية وردت في تفسير الصافي: ((هي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى)) ( تفسير الصافي: ج3، ص 436) ولكن ما الفارق بني دور أولياء الله ودور غيرهم؟ بل لابد أن دور الآخرين افضل من دور الأولياء من حيث البناء والمظهر وما شابه ذلك.. ويستدل مما جاء في هذه الآية وكذلك مما جاء في الروايات أن المراد ليس البيوت الطينية والظاهرية، وإنما المقصود ذاتهم وأبدانهم، أي أن هؤلاء الناس أبدانهم مساجد ومعابد لأرواحهم. وتؤيد رواياتنا أن هذه هو المقصود من البيوت.
كان "قتادة" وهو من كبار فقهاء ومفسري أهل السنة في عصره يعيش في الكوفة. . ذهب في أحد أسفاره إلى المدينة وقصد الإمام الباقر ( عليه السلام) وعرض عليه ما كان لديه من أسئلة وحصل منه على الجواب، وتعجب من سعة علم الإمام وشهر إزاءه بالصغر. وقال للإمام صراحة بأنه واجه الكثير من العلماء لكنه لم يشعر بالاضطراب أمام أي منهم. . فقال له الإمام: أتعلم بين يدي من أنت جالس؟

[89]
بين يدي {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} فقال له قتاده: آمنت يا ابن رسول الله أن المراد من البيوت الواردة في القرآن ليس البيوت الطينية وإنما "البيوت البشرية".
تستفاد من هنا قضية في باب التوحيد وهي: سواء اعتبرنا تلك البيوت طينية أم بشرية - وهي طبعا بشرية - فإن القرآن يؤكد أن الله أذن بتكريم هذه البيوت واحترام شأنها. وحتى إن كان المقصود هو البيوت الطينية فنحن نعلم أن الدين الإسلامي قد فرض على الجميع احترام المساجد وتعظيمه وقال بحرمة تنجيسه وعدم احترامه، وإذا أصاب المسجد نجس يقع على الآخرين واجب كفائي في تطهيره بأسرع ما يمكن وإذا قال قائل: بأن هذا يتعارض مع مبدأ التوحيد، لأن المسجد ليس إلاّ طينا وترابا وحجرا وكذلك ذات الكعبة ليست إلا أحجارا نضدت فوق بعضها لا غير، فهل يجب على الإنسان تكريم واحترام الحجر والتراب؟ فنقول له: لا ليس للحجر أي احترام أو كرامة، وإنما التكريم لله ولعبادته. فالمعبد يحظى بالاحترام لكونه معبدا. وقد أذن لنا المعبود باحترامه.
ولا يدخل هذا في باب الشرك بل هو عين التوحيد. وهذا لا يختص بالمعبد وحده، لأن الله تعالى لو أذن كنا أن نحترم العابد لكونه عابدا، فليس احترامنا له شركا، بل هو عين التوحيد.
وبناء على هذا هو هل يعتبر وتكريم الرسول والأئمة (عليهم السلام)، أو حتى من هو أدنى منهم شأنا، شركا؟ لا، لأنهم: {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} فهو كما أمر بتكريم البيوت الطينية - أي المعابد - قد أمر أيضا باحترام البيوت البشرية التي هي معابد للأرواح، وهي أرفع منزلة من تلك البيوت الطينية، بل وان احترام البيوت الطينية إنما جاءها من احترام العابدين فيها.
والكعبة نالت احترامها من إبراهيم وإسماعيل والأنبياء الآخرين من

[90]
بعدهم، ومن كونها { أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}( آل عمران/96) وبما أنها أول بيت وضع لعبادة الله، فالإحترام الذي تحظى به نابع من العبادة: أذن حتى الكعبة تستقي احترامها من العابد ومن العبادة.
جاء في الروايات الشيعية وكذلك في روايات السنة أن المراد من هذه البيوت هم الناس الذين أكثروا العبادة حتى غدواهم بأنفسهم مساجد. حينما يصبح فعل الإنسان وحركته لله، وطعامه وشرابه وتفكيره ونومه لله لا يغدو بدنه إلا معبدا. قال علي (عليه السلام) في دعاء كميل: "يارب يارب يارب، قو على خدمتك جوارحي، وأشدد على العزيمة جوانحي، وهب لي الجد في خشيتك، والدوام في الإتصال بخدمتك". وهذا هو عين ما كان يتصف به، وقد منحه له ربه.مثل هذا الإنسان كل بدنه معبد، بل ومن أكبر المعابد. وحتى الكعبة لا يمكنها أن تزعم أنها مثل هذا المعبد.
وخلاصة القول هي أن "آية المَثَل" قد فسرت سواء من قبل المفسرين أو كما جاء في الروايات بأنها تعني الأنسان، واعتبر المصباح والمشكاة والزجاجة عن الهداية الإنسانية، إلا أن البعض قال أنها عند هداية العقل، في حين قال آخرون بأنها تعني هداية الوحي، أو حتى الهداية الحسية. ولكن ما تلك الدار التي فيها مصباح الهداية ذاك؟ في دار وجود الإنسان. وهداية الوحي على الخصوص بشأن أولياء الله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}.
نقل لي أحد الأشخاص موضوعا في غاية الإثارة قاله في أحد الأيام "السيد مهدي قوام" في أحد مجالس الوعظ والإرشاد حين عرض للآية الكريمة: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}( البقرة/114) وذكر أن هذا المعنى من

[91]
الظلم ينطبق على كل من يمنع بدنه أن يكون مسجدا لروحه ومعبدا لذكر الله، وأحد أنماط ذلك هو "أن قتل المؤمن يعدل خراب المسجد"، والنمط الآخر له هو أن قتل أولياء الله فيه تخريب لأكبر المساجد.
أما "الغدو والآصال" التي ورد ذكرها في الآية فقد قال المفسرون أن المراد منها طوال الوقت، لا بمعنى أن التسبيح يكون في الصباح والمساء، ويغفل عن ذكر الله في سائر الأوقات. من هم المسبحون الذين تقصدهم هذه الآية؟ هم {رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} والرجال هنا - كما قل المفسرون - لا بمعنى الجنس المقابل للنساء، بل معناه إلغاء الخصوصية، إضافة إلى قصد "أصحاب الهمّة". حينما يراد أحيانا ذكر الأشخاص من ذوي الهمة، يقال " رجل" أو "رجال". وهنا لا يختلف المعنى سواء كان المقصود ذكر أم أنثي. طبعا ورد اسم البيع والتجارة هنا كرمز للانشغال، وإلاّ فأي عمل آخر كالتدريس أو الخطابة أو الطب أو البناء، أو الهندسة وغيرها تدخل بأجمعها في هذا الباب.
ومن هنا يتضح اختلاف المنطق العرفاني للقرآن مع غيره من أنماط العرفان. فالقرآن لا يقول يجب أن يكفوا أيديهم عن العمل والوظائف والحدادة والهندسة والنجارة والتعليم وينشغلوا بذكر الله. بل يؤكد على عدم الغفلة عن ذكر الله. مثل هذا الإنسان يصبح بدنه مسجده حقا، لأنه يذكر فيه على الدوام اسم الله وتسبيحه وتقديسه. هذا الإنسان يمارس جميع الأعمال الصالحة التي يمارسها الآخرون، الآخرون يأتون مثلا إلى مكاتبهم ويقدمون الخدمة للناس، وهو أيضا يأتي إلى مكتبة ويقدم للناس خدمة أسو بالآخرين، ولكن الفارق يكمن في أنه لا ينسى ذكر الله في ذات الوقت الذي يؤدي فيه عمله.
قد يقول قائل: وهل من الممكن أن يؤدي الإنسان عملا ويذكر الله في

[92]
وقت واحد؟ أجل، هذا ممكن وخاصة إذا كان الإنسان كاملا، وحتى غير الكامل من الممكن أن يكون هكذا. وأقدم لكم هنا مثلا: قد تعتري الإنسان حالة من الفرح والبهجة لا ينساها. تصوروا أن شبابا يحب فتاة وهو مغرم بها، ويبذل جهوداً متواصلة لخطبتها وطلب يدها، وبعد مدة طويلة يأتيه جواب بالموافقة، فيغزو الفرح والسرور قلبه ويشعر ببهجة لا تضاهيها بهجة، ومهما يؤدي من أعمال فهو لا ينسى شيئا واحدا يبقى عالقاً في ذهنه على الدوام ويدغدغ مشاعره وعواطفه وذلك هو البشرى التي جاءته بالموافقة على الزواج من حبيبته.
وعلى العكس من ذلك إذا أصابت الإنسان - لا سمح الله - مصيبة، كأن يفقد أحد اعزائه، فهو حتى وأن أرغم نفسه على عمل معين يبقى الحزن مخيما على قلبه حتى حين أدائه لذلك العمل. والمؤمن الحقيقي يذكر الله على كل الأحوال بمثل هذه الصورة. الشيء الوحيد الذي لا ينساه على الدوام هو ذكر الله. بل وكل عمل يؤديه إنما يؤديه بحكم الله وامتثالاً لأمر الله، وذكر الله هو الذي يدفعه لأدائه.
حينما تتخذ "المعاملة" صيغة دائمة ومستمرة تسمى حينذاك " تجارة" ولكن قد يؤدى المرء أحيانا عملا مرة واحدة كأن يبيع داره، فهذه ليست تجارة وإنما بيع. وقد ضرب القرآن مثلا بمال الدنيا لأنه أكثر شيء يؤدي إلى غفلة الإنسان.
التجارة: عمل مستمر في التعامل والبيع والشراء، أما البيع فهو مجرد عمل عرضي يقع مصادفة. وأمثال هذه الأمور لا تلهي عن ذكر الله ولا عن الصلاة أو الزكاة. وإنما يبقى خوف الله شاخصا أمام الأبصار من ذلك اليوم الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار.
أسال الله التوفيق لكم جميعا.

[93]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(النور38).
استنتجنا من الآيات السابقة أن الله تعالى هو أصل جميع أنواع الهداية، وقد ضرب مثلا لنور هدايته وقال: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} أحد الآثار المترتبة على اهتداء الإنسان بنور الهداية الإلهية هي أن عمله يتخذ قيمة. فما معنى هذا القيمة؟
يؤدي الإنسان في هذا العالم جملة من الأعمال، بل أن جميع حياته عمل وجهد ونشاط، يستيقظ في أول الصباح ويبقى يمارس نشاطه حتى الليل، ولو نظر إلى نفسه أو إلى غيره لرأى الحياة برمتها حافلة بالعمل والحركة والسعي. ولو سأل نفسه: لماذا هذا السعي والعمل؟ من الطبيعي أن المقاصد والأهداف متفاوتة

[94]
تماما، إلا أن الجميع يسعون في نهاية المطاف نحو أمر واحد، وذلك هو السعادة.
الإنسان يسعى بشكل فطري لنيل السعادة لا الشقاء. ولو أنه سعى إلى أعمال تؤدى إلى شقائه فهو لا يؤديها بقصد الوقوع في الشقاء، بل بتصور في تلك الحالة أن سعادته تكمن في هذا العمل.
إذن من البديهي ومن المسلم به أن الإنسان يقصد من وراء سعيه وعمله وجهده بلوغ السعادة ولا يقصد أبدا من وراء ذلك أن يكون نصيبه الشقاء. وقد يحصل أحيانا أن يسعى الإنسان ويبذل جهودا كثيرة في هذه الدنيا متوهماً أن ذلك يوصله إلى السعادة المنشودة إلا أنه يدرك بعد مدة أن كل عمله ذاك كان عبثا أو قد تأتي عليه تلك الجهود بنتائج عكسية، ولو انه يبذل تلك المساعي لكان افضل له.
أحد آثار الأيمان بالله والاهتداء بنوره هو أن يصبح لعمل الإنسان قيمة واقعية. أي أن يصبح في وضع يؤدي عمله إلى سعادته حقا سعادة أبدية. وهنا تعرض قضية توضحها الآية اللاحقة بشكل أكثر صراحة وهي هل العمل الصالح الإنسان أو العمل السيء، له صلة بإيمانه أم لا؟ وهل كل عمل صالح يفعله الإنسان يؤدي إلى سعادته على الأحوال حتى وأن لم يهتد بنور الهداية الإلهية، وأن العمل السيء على كل الأحوال سيء على الإنسان حتى وأن كان مهتديا بنور الهداية الإلهية؟
هذه القضية كثيرا ما تثار اليوم وخاصة من قبل الشباب، ويقول ما الضرورة لأن يكون الإنسان مؤمناً حتى يقبل عمله عند الله؟ فالعمل الصالح صالح على كل الأحوال، ومادام الله غنيا فما الفرق عنده في أن يعرفه الشخص الذي يعمل صالحا أو سيئا، أو لا يعرفه؟ وأنه يجب أن لا يفرق بين عباده، سواء من يعرفه ويعظمه ويصلي ويصوم، أم من جهله، بل ويتمرد عليه ويعصيه، ولكن كلاهما

[95]
يؤديان عملا صالحا؟ وهذا ما يوجب عدم أخذ قضية الإيمان بنظر الاعتبار يوم القيامة، والذي يجب اعتباره هو العمل فقط. فإذا كان هناك شخص منكر لوجود الله وأنبيائه، لكنه أدى عملا صالحا يخدم البشرية، يجب على الله أن يدخله الجنة، وهكذا إذا عمل الإنسان الذي يؤمن بالله عملا صالحا يجب على الله أن يدخله الجنة. ولو أن الله سبحانه وتعالى فرق بين أمثال هذين يكون شأنه - والعياذ بالله - شأن رئيس الدائرة الذي يفرق بين من يعظمه ويتملق له وبين من لا يبدي له التكريم والتملق في حين أن الرئيس الجيد هو الذي لا يفرق بين أفراد دائرته على هذا الأساس، وإنما ينظر إلى عملهم فقط، يثيب من يتقن عمله.
هذه القضية يثيرها الكثير من الأشخاص على شكل سؤال واعتراض. وقد تناولت هذه القضية في القسم الأخير من كتاب "العدل الإلهي" وتحدثت عنها بالتفصيل. وأقدم لكم الآن مقتطفات من تلك المواضيع بما يتناسب مع هذه الآيات الثلاث.
لأجل الإجابة على هذا الاعتراض، نستطلع أولا رأي القرآن في ذلك.
نلاحظ القرآن لا يؤكد على العمل وحده وإنما يؤكد على العمل والإيمان سوية، ويصرح دائما بالقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. القرآن لا يعتبر الإيمان وحده كافيا لسعادة البشرية حتى يقول مثلا: "أنتم مؤمنون، فأنتم إذن سعداء مهما يكن عملكم ". ولا يعد العمل وحده كافيا لهذا الغرض حتى يقول: " الذين عملوا الصالحات سواء آمنوا أم لم يؤمنوا". بل يؤكد عليهما معا.
كان هناك بطبيعة الحال من يقول الفضل كل الفضل للإيمان، وليس للعمل أي شأن. وكما يوجد بيننا من يقول ليس للعمل دور في سعادة الإنسان، والدور للإيمان وحده يوجد كذلك من يدعي أن الإيمان لا أهمية له، وكل الأهمية للعمل،

[96]
وحتى القرآن يقول: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}(التوبة/120). ويقول في آية أخرى {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}(الكهف30).
هذا إضافة إلى السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذا الصدد وهو قولهم أن هناك الكثير من الأشخاص الذين قدموا خدمات كبرى للبشرية، وهم ليسوا مسلمين، بل وبعضهم لا يؤمن بوجود الله فالشخص الذي اكتشف البنسلين قدم للبشرية خدمة كبيرة فكان البنسلين سببا في معالجة الكثير من الأمراض المستعصية. وكذلك الحال بالنسبة للشخص الذي اكتشف اللقاح المضاد للكزاز، ومن هم على شاكلتهم. هل يمكن القول ان الله لا يقبل علمهم بجريرة عدم الإيمان؟
نتناول في ما يلي دراسة هذه القضية لنتعرف على حقيقتها. هنالك مبدأ عرضه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يمكن أن يوضح لنا أساس هذه القضية وهو ما جاء في سورة نبي اسرائيل:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا، كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}(الإسراء:/18-20)
خلاصة هذه الآيات أن الله لا يضيع أجر الإنسان في ذلك المقصد. فهو

[97]
تعالى جعل هذا العالم على هيئة مزرعة يحصد الإنسان ما يزرع فيها. . فمن يزرع حنطة يجني حنطة، ومن يزرع شوكا يجني شوكا. ولا يمكن أن يزرع زرعا ويتوقع ثمرا لزرع آخر. وحتى إذا كانت المزرعة ممتازة فلا يعني هذا أنها تدر ثمرا جيدا بغض النظر عن الزرع المغروس فيها. وكذلك الناس لهم في مساعيهم غايات شتى. صحيح أنهم جميعا ينشدون السعادة، ولكن في أي شيء يطلبونها؟ أحيانا يجهد الإنسان في هذه الدنيا ويكدح لكي ينال ثمرة جهده في هذه الدنيا ولا شأن له بالله وبالآخرة. ولكنه قد يعمل تارة أخرى لا لأجل نيل نتيجة مادية في هذه الدنيا وإنما للتقرب إلى الله والحصول على النتيجة في الحياة الأخرى.
القاعدة تقضي أن الإنسان إذا بذر لذلك العالم فلا بد وأن يجني المحصول هناك وإذا زرع لهذا العالم يحصل على النتيجة هنا القرآن يقول: {كلا نمد) أي أننا نفيض بمددنا على الذين يبتغون الله والحياة الآخرة، وكذلك على الذين يريدون الحصول على النتيجة في هذا العالم. ولكن مع وجود فارق واحد وهو بما أن هذه الدنيا دار تزاحم العلل والأسباب فإننا لا نضمن لمن يبتغي الدنيا الحصول على مبتغاه لأن غايته قد تتعارض مع مقاصد وموانع أخرى. فهو يبذر ليجني في الدنيا ولكن قد يفسد بذره ونحن لا نضمن لجميع الأشخاص نيل مقاصدهم ‎، ولا نضمن لشخص واحد نيل ثواب جميع أعماله. كثيرا ما تصاب البذور التي تبذر للدنيا بالآفات والفساد. أما ما يبذر لله وللآخرة فلا يتعرض لمثل هذه الآفات لأنها يسير في تناسق وانسجام مع قانون الطبيعة، بل ويدر محصولا أكثر مما زرعه الشخص.
فهل هذا المبدأ العام منطقي أم غير منطقي؟ كما جاء هذا الموضوع في آيات أخرى بصورة أخرى، كقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي

[98]
حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}(الشورى20).
والبذر يختلف هنا حسب نية الإنسان، أحدهما يزرع بنية الدنيا، والآخر يزرع بنية الآخرة. كما ويستفاد من الآيات القرآنية موضوع آخر مفاده أن من يسعى للدنيا لا يحصل على شيء من الآخرة، ولكن من يعمل للآخرة ينال - تبعا لذلك - الدنيا. وهذا حساب آخر. ويبدو أن هذا الطرح في غاية المنطقية، ولو كان غير هذا لكان بعيدا عن المنطق. وهو مما لا يمكن لأحد الاعتراض عليه.
أما رأي القرآن فيمن يقبل عمله وفيمن لا يقبل عمله فهو: أن من يعمل للدنيا لا بد وأن يكون لديه هدف، فإن كان يبتغي الشهرة والجاه والمحبوبية، ورفعة بلدة، والسمعة لأبناء قومه ودولته، غالبا ما يحصل على ما يهدف إليه. إلاّ أن العمل الذي يؤتى به لهذه الغاية لا يرتجى منه تحقيق غاية أخرى. أي أنه أتى بذلك العمل لا بقصد القربة إلى الله، بل لأجل التقرب إلى الناس، وهو يتقرب به إلى الناس إلاّ أنه لا يمكنه القول بالتقرب إلى الله. وهل يمكن للإنسان بلوغ مقصدين مختلفين في سفر واحد يقع أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب؟ إذا سار الإنسان نحو الشمال يصل إلى الشمال، وإذا توجه إلى الجنوب يصل إلى الجنوب. في أي طريق يسير الإنسان يصل في نهاية المطاف إلى نهاية ذلك الطريق.
وانطلاقا من هذه الرؤية يكون الإيمان شرطا لقبول العمل ‎، لا بمعنى أن الله تعالى يقول: من يتخضع لي أقبل عمله، ومن لا يفعل أرفض عمله، بل أن الذي لا يؤمن بالله ولا يروم التقرب إليه لا يصل إليه. والذي لا يطلب الآخرة لا يجوز اعطاءها له. في الآخرة يعطي للإنسان ما كان يطلب، ولا معنى لأن يعطى ما لم

[99]
يطلب. أجل لا يشترط في أصل قبول العمل الانتماء إلى الدين الإسلامي وإلى المذهب الشيعي. إذا كان الإنسان يؤمن بالله ويعتقد بالآخرة وجاء بعمل في سبيل الله وللآخرة فعمله بحد ذاته مقبول عند الله إلاّ إذا جاء بآفة تقضي عليه. كأن يكون عناداً أو كفراً (وهو ما سنشرحه في ما بعد). الذي اكتشف البنسلين أسدى لأبناء البشر خدمة، ولكن ماذا كانت غايته من وراء تلك الخدمة؟ الله جل شأنه يوصله إلى غايته حسبما تكون ولا يمكن أن يكافئه بما لم يطلب. من المستحيل - بل ولا معنى - لأن يصل إنسان إلى غاية لم يطلبها.
إذن ما ذكرناه من اهتداء الإنسان بنور الله - أو قل الأيمان بالحق - يضفي على عمل الإنسان قيمة، يعود سببه إلى أنه يغير طبيعة عمل الإنسان في هذه الدنيا. فإذا كان هناك شخصين أحدهما مهتد بنور الله والآخر غير مهتد يبدو ظاهرياً أنهما يؤديان عملاً واحداً، ولكنهما باطنيا يختلفان من السماء إلى الأرض { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }(فاطر/10)
فسرت هذه الآية على وجهين، كلاهما صحيح. وكما سبق وأن أشرت فإنه لا معنى أساسا لحمل آيات القرآن على معنى واحد. فقد نلاحظ تارة أن الآية تحتمل تفسيرين، يكون حينها كلاهما صحيحين وهذا م خصائص ومعجزات القرآن حيث تأتي تعابيره أحيانا بشكل يمكن حملها على عدة معان.
العدل معناه حسن العلاقات الاجتماعية، والظلم مؤشر على تفسخها فإذا كان مجتمع إسلامي يعرف الله، ويعتبر نفسه مجتمعا قرآنيا وينادي بنداء: (اشهد ا، لا إله إلا الله، وأشهد ان محمدا رسول الله، واشهد أن عليا ولي الله ) ولكنه لا يعير أهمية للمبدأ الذي يدعو إليه القرآن {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، بل تقوم

[100]
علاقات الاجتماعية على الظلم والكذب والفساد التهمة،‎ في مثل هذه الحالة لا يدّعي القرآن أن هذا المجتمع جدير بالبقاء، وإنما يؤكد أنّه يسير على طريق الزوال، مستندا في زعمه هذا على ذلك المبدأ، القائل بأن الفرد أو المجتمع يصل في نهاية المطاف إلى نهاية الطريق الذي سار عليه، ولكنه إذا لم يسلكه عليه أن لا يتوقع بلوغ تلك الغاية. إذا سلك الشخص أو المجتمع المادي طريق الحياة الدنيوية يصرح القرآن أنه يبلغ غايته. ولكن الشخص أو المجتمع المؤمن بالله إذا سلك ذلك السبيل الدنيوي خطأ لا يبلغ غايته. ولهذا السبب لا يرتجي الشخص المادي الذي لا يسلك الطريق إلى الله وإلى الجنة شيئا من الشؤون الآخروية، مثلما لا نرجو نحن في الدنيا بلوغ نهاية الطريق الذي لم نسلكه، وهكذا الحال بالنسبة للآخرة أيضا.
جاء بعد آية النور التي تركز في مضمونها - وفقا للروايت ووفقا لما يستشف من الآية ذاتها - على الهداية، وبعد قوله تعالى: { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} جاءت الآية: {لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}. أن تعابير القرآن تثير العجب، لأن جملة {يجزيهم الله) أما تعود على: (يهدي الله) واما تعود على: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) فلا فرق في أن نقول: أن الله يهديهم لهذا الغرض، أو أن نقول: أن المهتدين يعملون على هذه الشاكلة ولا ينسون الله. {لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} وهذا هو ما أشرت إليه من قبل، أي أن الإيمان يضفي على عمل الإنسان مثل هذه القيمة، فيستلم على اثر ذلك خير الجزاء.
ولكن كيف يحصل على خير الجزاء؟
من الواضح أن الآخرة فيها القرب من الله، والحياة الأبدية وغفران الذنوب وجنان الخلد. ولكن ماذا عن الحياة الدنيا ‎؟


[101]
لا يرى القرآن أي تناقض بين الآخرة والدنيا. فهل ثمة تناقض وتضاد بين الآخرة والدنيا؟ اضرب لكم في هذا المجال مثلا انظروا أنتم هل هو تناقض أم لا؟ وهو أن من يطلب سرب الجمال يحصل تلقائيا على الوبر والبعرور، إلاّ أن من يطلب الوبر والبعرور لا يحصل على سرب الجمال. وكذا من يطلب الآخرة ‎، يحصل على الدنيا، ولكن من يطلب الدنيا لا يحصل على الآخرة.
إذن الإنسان يجني من وراء عمله أكثر فائدة ممكنة وينال السعادة الأبدية الأخروية، والقرب إلى الله والنجاة من العذاب حينما يهتدي بنور الله ويعمل لله، عند ذاك: {لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} أي ينالون الدنيا والآخرة. ثم يضيف:
{وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}. وهذا منطق قرآني عام ورد في مواضع متعددة بصيغ مختلفة لكن مضمونه واحد وهو أن الذين يعملون لله ينالون ما يشاؤون: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}(الإسراء19).- هذا إضافة إلى - {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(ق/35).
وبما أن الطريق هنا طريق فطري ينسجم مع الطبيعة البشرية، لذلك يأتيهم فضل آخر لأشياء لم يطلبوها.وورد في تعبير آخر: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} (الشورى/20) وهنالك تعبير آخر غريب جاء في القرآن يفيد أن من يعمل سوءا يجزى بمثل عمله، ومن يعمل خيرا يكافأ عليه عدة أضعاف: {{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}( الأنعام/160)
وهناك أيضا منطق آخر في القرآن لطيف ونبيل وهو: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً

[102)
نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} الشرورى/ 23) هذا مبدأ في غاية الروعة. هكذا تكون صفة العمل إذا كان لله، أي حتى إذا كان فيه عيب أو نقص، فإن الله تعالى بفضله ولطفه يزيل تلك العيوب ويحولها إلى محاسن.
إذن هناك قضيتان:
الأولى: هي أن الله يضاعف العمل الصالح عشر مرات، هذا من حيث الكمية، بمعنى أن الباري تعالى يزيد في كمية العمل..
والقضية الثانية، هي الكيفية، العبد يؤدي عملاً نصف جميل ولكن يلاحظ في ما بعد أن الله يجعل عمله تام الجمال. وهذا كله فرع من المبدأ الأشمل الذي سبقت الإشارة إليه وهو أن من يهتدي بنور الله لا يضل ولا يشقى. وهذه المعجزات تحصل نتيجة الاستنارة بنور الإيمان: {لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا}.
المراد هنا أن العمل الذي أدّوه على أحسن ما يمكن يجزون عليه أحسن الجزاء. والعمل الذي أدّوه وأرادوا أنّ: {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} ثم يضيف إلى فضله: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} والرزق لا يقتصر طبعا على الطعام والشراب، بل يراد به هنا هذا الفضل وهذه الرحمة الإلهية. ومن الطبيعي أن مشيئة الله لا تأتي اعتباطا وبلا حساب، وإنما للذين بيّن خصالهم..
هذه الآية تتحدث عن عمل المؤمنين. ولكن ماذا عن عمل غير المؤمنين، أو المعاندين والجاحدين؟ هؤلاء ذكر لهم القرآن ثلاثة أمثلة، جاء منها هنا مثلان.
وكل واحد من هذه الأمثلة الثلاثة يتضمن موضوعا أساسيا.. يقول تارة هؤلاء أعمالهم كتل من تراب جاءت عليه الريح في يوم عاصف تحمل كل ذرة منه إلى مكان. . وجاءت بهذا المضمون آيات أخرى ولكنها لم تأت على هيئة المثال،

[103]
كقوله تعالى:
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}(الفرقان/23).
إذن يقول أحيانا عمل الكفار شيء - وليس لا شيء - ولكن الريح تحمله وتذروه في كل مكان. والمثل الآخر الذي يضربه لأعمال الكفار هو السراب الذي كلما دنا منه الإنسان وجده لا شيء، وليس إلاّ انعكاس الشمس على الرمل.. فالسراب ظاهره ماء ولكنه في حقيقته لا شيء. كما يشبه القرآن تارة أخرى بإنسان يتخبط بين أمواج البحر في ليلة ظلماء لا يقدر حتى على رؤية يده ‎، وكل واحد من هذه الأمثلة يسلط الضوء على جانب من جوانب الموضوع، الأول مثل لأعمال الكفار السيئة: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} (النور/40)
والآخر للذين يتوهمون أنهم يعملون عملا صالحان، ثم يظهر لهم في ما بعد أنه كان سرابا. والمثل الآخر لمن يعمل صالحا ثم يعمل بعده عملا يمحقه ويبطله من أساسا.

اللهم أني اسألك باسمك العظيم الأعظم، الأعز الأجل الأكرم يا الله ...

[105]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً ِلأَوْلِي الأَبْصَارِ، وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}(النور/39 - 49 ).
تتناول هذه الآيات عاقبة عمل الكافر، وما هو مصير من يتصور أنه عمل صالحا، وما هو مصيره إذا اقترف عملاً سيئاً. وأعرض هنا قضيتين كمقدمة

[106]
للموضوع. إحداهما المعنى الذي يقصده القرآن من كلمة الكافر. هل يقصد بهذه الكلمة كل من هو غير مسلم؟ أم أنّ الكافر يعني كلّ غير مسلم بالتقصير، ولا يشمل كل من هو غير مسلم بالقصور؟
يستعمل العلماء اصطلاحا له جذور دينية، ويجعلون كلمة الجاهل كمدار في التقسيم ويقولون أن الجاهل على نوعين: أما قاصر أو مقصر. ومن الطبيعي أن كل مخالف هكذا، أي أما أن يكون قاصرا أو مقصّراً . فإذا أرتكب الإنسان جريمة وهو لا يعلم فلا ذنب عليه وهو في هذه الحالة يكون قاصرا بسبب عدم علمه (خذ مثلا بنظر الاعتبار شابا يعيش في قرية نائية أو بين الجبال حينما تسأله عن مسائل الشكوك او السهو الذي يقع في الصلاة أو عن أية قضية شرعية أخرى كالخمس او الزكاة مثلا لا تجده يعرف لها جوابا، بل ولا تجده قد سمعها طوال حياته. مثل هذا الشخص يقال له والصلاة. وسار على ذات النهج الذي كان عليه والداه، وهو لا يعي هذه القضايا ولا يجد من يوعيه لها. وفي القوانين المدنية والحكومية لا يؤاخذ امثال هذه الأشخاص على بعض جرائمهم لأنهم لا يعلمون ولم يسمعوا طوال اعمارهم باسم "القانون المدني " ) .
ولكن قد يكون تارة أخرى فاهماً للموضوع ولكنه رغم معرفته يرتكب الجريمة بدافع الشهوة والهوى.
في القرآن تعبير عن هذا المعنى ولكن لا بصيغة القاصر والمقصّر، بل جاء هذا التعبير باسم ((المستضعف)) أي بمعنى الضعيف أو من لا تصل يده، وجاء في تعبير آخر: { مُرْجَوْنَ ِلأَمْرِ اللَّهِ}(التوبة/106) بمعنى أنّ هناك فئة يجب أن لا تحكموا مسبقاً على مصيرهم وما سيؤول إليه أمرهم، بل قولوا: متروكون لأمر الله فيهم يعمل ما يشاء، وهذا بحد ذاته تبشير بالرحمة. وقد لا يكون أمثال هؤلاء الأشخاص مسلمين، حيث توجد الآن أماكن في العالم- في أفريقيا وأمريكا وأوربا والشرق

[107]
وغيرها - أناس لم يسمع الكثير منهم باسم الإسلام، . وفي أماكن أخرى اتبعت الحكومات سياسات لا تسمح للناس بسماع شيء عن الله وعن الدين، وهؤلاء أيضا ينطبق عليهم معنى الكفر بشكل أو آخر، بمعنى أنهم غير مسلمين. ولكن لا أحد يقول عنهم أنهم كفار جاحدين أو معاندين. الكافر المعاند هو من عرض عليه الإسلام وفهمه ولكنه لم يعتنقه لمصلحة خاصة أو بسبب التعصب أو حب الجاه.
هذا هو معنى الكفر.
وكل غير مسلم حتى أن عرض (عليه السلام)، إذا لم يتخذ موقفا معاديا منه يمكننا إطلاق صفة الكافر عليه من جهة، ولا يمكننا ذلك من جهة أخرى. والقرآن الكريم حيثما يذكر: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} لا يقصد هذه الفئة وإنما يقصد الفئة التي عرضت عليها الحقيقة لكنها أبت قبولها عنادا. الكفر معناه التغطية، والذي يريد تغطية الحقيقة وإخفاءها مقصّر، وهؤلاء هم الذين يصفهم القرآن بالقول :
{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} (سورة النمل/14)
حقيقة الإسلام التسليم لا العلم وعدم العلم. والمعرفة وكشف الحقيقة لا تكفي وحدها ليكون الشخص مسلما. حينما تكشف الحقيقة للإنسان يجب أن يكون رد فعله ازاءها: "آمنا وسلمنا وصدقناه" هذا هو الإسلام. وإلا أسألكم:
هل الشيطان كافر أم لا؟ كافر بلا شك. والقرآن يصرح أيضا بالقول: {وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ}(ص74). ولكن هل الشيطان - الذي يسميه القرآن كافرا - كان يعرف الله أم لا؟ كان يعرفه أكثر من غره إلى درجة أنه قال: { فَبِعِزَّتِكَ} (ص/ 82) هل الشيطان لا يعرف الرسول (صلى الله عليه وآله ) وعباد الله؟ كان يعرفهم تمام المعرفة، لأنه قال:

[108]
{إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}(الصافات40).
بمعنى أن كان يعرف عباداً الله يسميهم المخلصين ويعلم أنه لا سبيل له عليهم. . وكان يعرف الأئمة أيضا كما يعرف الأنبياء، وكان يعتقد بيوم المعاد، وذلك قوله: { فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(ص79).
أبليس هذا الذي يعرف الله والرسل والمعاد - وهي الأركان الثلاثة التي نعتبرها شرطا للإسلام - وفي الوقت نفسه يقول فيه القرآن أنه كافر. لأن ملاك الكفر ليس العلم أو عدمه، ولا ملاك الإسلام هو العلم أو عدمه. ملاك الإسلام هو أن يعلم الإنسان ويسلم للحقيقة. وملاك الكفر هو أن يعلم ولكن يعارض الحقيقة التي تعرض عليه..
إذن وصف القرآن أعمال الكافرين كتل تراب هبّت عليه ريح عاصف، في موضع، أو كسراب يحسبه الظمآن ماءً، في موضع آخر، أو كظلمات في بحر، ينطبق بأجمعه على الناس الذين عرضت عليهم الحقيقة إلا أنهم في الوقت نفسه أعرضوا عن الإذعان لها.. القرآن يرسم لهذا الموقف صورة مدهشة هي: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ}(الأنفال/32) يقولون: اللهم إن كان محمد مبعوثا من عندك حقا فامطر علينا حجارة من السماء لكي لا نرى. وهذا هو معنى الكفر.
أما الطبقات الأخرى، فهم الناس الذين تنطبق عليهم كلمة الكافر بمعنى غير المسلم، هم القاصرون أو وفقا للتعبير القرآني: "مستضعفون" أو: { مُرْجَوْنَ ِلأَمْرِ اللَّهِ} ولعل أكثرية الكفار وغير المسلمين من هذا القبيل. وقد يكون بعض

[109]
القرويين والأميين وسكان المناطق النائية من هذا الطراز أيضا، أي لم تصلهم الحقيقة وحتى بعض العلماء أحيانا ينطبق عليهم نفس الوصف، على سبيل المثال اذكر هنا قصة الفيلسوف ديكارت الذي بدأ فلسفته من الشك، بمعنى أنه سلك طريقاً فلسفياً ثم أدرك أنه وصل إلى طريق مسدود. فألغي جميع المسالك وشرع ثانية من البداية. ثم أنك شك وقال: أريد أن اشك في كل شيء لأرى من أين أحصل على اليقين؟ لم يشك بالأمور الدينية فحسب، وإنما شك بجميع الأمور، وقال: لعله لا وجود لله ولا للأنبياء، أو لعله لا يوجد عالم، أصلا ولا وجود لحجم ولون وحرارة ومادة الوجود، وأن كل هذا وهم. إلا يرى الإنسان في النوم أحياناً عالماً فسيحاً ولا يشك أثناء النوم أنّ ما يراه حقيقة، ولكنه حين اليقظة يرى أن كل ذلك كان وهما. . ثم قال: أنني مهما شككت فأني لا أستطيع الشك في إنني اشك.
إذن هناك شك وهناك شخص شاك وهو أنا، إذن لو لم يكن أي شيء في العالم نبقى أنا وشكي موجودين. ثم قال: لقد عثرت الآن على نقطة وها أنا كنا أنا وشكي موجودين، هل لا بد من وجود شيء آخر سوانا لنكون أنا وأيّاه موجودين؟ ولاحظ على اثر هذا الإفتراض - الذي يستلزم شرحا طويلا - أنه لا يمكنه إنكار وجود الله. فالله موجود، والروح موجودة، والجسم موجود. وتدرج شيئا فشيئا نحو سائر الأشياء فقبل منها ما كان يقبله سابقا وأنكر البعض الآخر. ثم أتجه نحو الأديان. وهنا يشعر الإنسان أن ديكارت كان يتّصف بالواقعية والأنصاف. درس الأديان الموجودة في محيطة واحداً تلو الآخر، ووصل إلى نتيجة مفادها أن الدين المسيحي خير الأديان الموجودة. ولكنه قال: أنه لا يدعي أن الدين المسيحي خير الأديان الموجودة. ولكنه قال: إنه لا يدعي أن الدين المسيحي افضل الأديان في العالم، لأنه لا يعلم سائر الأديان الموجودة في العالم- وقد سبق لي وأن اشرت إلى أن العالم لم يكن قبل ثلاثمائة وخمسين

[110]
سنة كما هو عليه الآن - ومع هذا فلا زالت الكثير من الحقائق من الحقائق غير متكشفة للعالم، فما بالك في ذلك الوقت؟! قد تكون هناك أديان أخرى خير من الدين المسيحي. والمدهش في الأمر أنه حينما أراد أن يضرب مثلاً لبقعة من الأرض قد يكون فيها دين لا يعرفه قد يكون أفضل من المسيحية، ذكر إيران وقال قد يوجد في إيران دين خير من المسيحية.
مثل هذا الإنسان الذي لا يضمر في قلبه أي تعصب وإنما فتحه للحقيقة، حتى وأن لم يبلغها، فهو من المستضعفين والقاصرين ولا يمكن اعتباره كافراً بمعنى من تكشف له الحقيقة وعاندها وجحدها.
نأتي بعد هذا الموضوع إلى الحديث عن قبول العمل عند الله، أو حسب تعبير القرآن صعود العمل إليه. أن القبول عند الله ليس كالقبول عندنا الذي يعتبر مسألة تعاقدية. . جوهر وواقع أعمال الإنسان منوط بدرجة إخلاصه ونيته وطهارة روحه. أحياناً يصعد عمل الإنسان إلى الله { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر/10) وأحيانا أخرى يهبط إلى الأسفل: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}(المطففين7).
جاء في رواية أن الصلاة التي نصليها تخرق الحجب السبعة - بعد أن تتجسد على هيئة نور يصعد إلى الأعلى - أحيانا، وأحيانا أخرى يقال للملائكة الذين يصعدون بصلاته ليعرضوها على جهة أعلى: ((لفوها في خرقة)) وارموها على وجه صاحبها. الكثير من الصلوات تنزل بدل أن تصعد. وقد يعمل الإنسان أحيانا عملا صالحا حقا يقصد به القربة إلى الله ويتجسد على هيئة نور ويصعد إلى الأعلى. ولكن يأتي الشيطان في ما بعد ويوسوس له. أو أنه لم يكن وقت العمل.
[111]
يقصد الرياء، ولكنه في وقت آخر يجلس في مجلس فيطرأ على ذهنه خاطر كالقطة التي توضع في كيس وتحاول الإفلات منه بسرعة يجعله يرائي في عمله فيقول مثلا: بلغنا أن شخصا كان في ضيق وبذلنا له العون.. وهنا يؤمر بتنزيل عمله.
وإذا تكرر منه الرياء ينزل درجة أخرى وهكذا إلى أن يستقر به المقام في سجين، أي جهنم. ومعنى هذان العمل يصبح في مستوى شراب الخمر.
إذن لأعمال الإنسان نظام واقعي، ولأجل أن يصعد عمل الإنسان لابد وأن يقصد هو الصعود وهو ما نسميه بقصد القربة، أي أن تكون النية خالصة. وإلاّ فمن المستحيل أن لا يقصد الصعود ويصعد عمله تلقائيا. ومعنى قولنا أنّ الإنسان لابد وأن يكون لديه إيمان بالله وباليوم الآخر - وهو قصد القربة. ومن لا يقصد القربة يجب أن لا ينتظر صعود العمل، لأن مثله في ذلك يكون كمثل من يرمي حجراً نحو الأسفل ويقول: لماذا لا يسير هذا الحجر إلى الأعلى؟ والإيمان بالله وباليوم الآخر شرط لقبول العمل وصعوده.
ولكن في الوقت نفسه هناك آفة لهذا العمل تفسد الصالح منه، كالعناد مثلا والكفر، ومن خصائص العناد أنه يحب عمل الإنسان. فقد يعمل رجل مسيحي عملا يقصد به وجه الله، من البديهي أن عمله لا يضيع عند الله. ولكن هذا الشخص نفسه إذا عاند في موضع آخر، أي إذا سمع حديثا للرسول مثلا يقف منه فوراً موقفاً معارضاً، فمن الطبيعي أن يؤدي كفره هذا إلى إحباط عمله ذاك. أو قد يؤدي الرجل السني عملا يقصد به القربة إلى الله فيصعد عمله إلى الله طاهراً ومقبولاً، لكنه إذا عاند وأنكر إمامة أمير المؤمنين من الطبيعي أن تذهب كل أعماله هدرا.
وليس العناد وحده هو الذي يؤدي إلى هذه الحالة، بل ثمة أشياء كثيرة أخرى تؤدي إلى إحباط العمل. وليس الأمر مقصود علة معاندة النبوة والإمامة

[112]
أو التوحيد، بل هكذا الحال في الموارد الأخرى أيضا، كأن يأتي شخص ويسألني أمرا فأجيبه فيخبرني أنه سمع من شخص آخر جواباً آخر، ولكنني مع يقيني بصحة جواب الآخر لكنني أصر على رأي لأثبت أنني افضل علما من غيري، واضطر إلى انتهاج أسلوب اللف والدوران والتبرير للبرهنة على صحة قولي. هذا أيضا نوع من العناد، في مثل هذه الحالة لا يمكن أن تقبل صلاتي مع كل ما أتصف به من الأنانية العناد بحيث لا أتنازل عن رأي واعترف بخطئي. وهكذا الحال في صفة الحسد. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل الحطب"(أصول الكافي، باب الإيمان والكفر، باب الحسد، الحديث2) وجاء في رواية أخرى أن رسول الله مدحك عملا وقال: "لكل من فعله شجرة في الجنة. فقال له أحد الحاضرين : يا رسول الله إذن ما اكثر شجرنا في الجنة. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله: نعم إذا لم ترسلوا عليه نارا تحرقه"(بمعنى غير المسلم بما فيهم أهل الكتاب وغيرهم).
إذن انظروا أن الكافر إذا لم يكن يؤمن بالله وباليوم الآخر، ولا يؤدّى عملاً في سبيل الله لا يصعد عمله. وإذا أدى مثل هذا العمل ولكن مع الكفر والعناد فإنّ كفره وعناده يحبط عمله مثلما يحبط حسدنا أعمالنا. وكل عمل صالح يؤديه إذا لم يكن في سبيل الله وقربة لله فهو أجوف وسراب وميت لا روح فيه. فما بالك بالكافر إذا كان كفره عناداً وجحوداً، وإذا أضاف له ذنوبا أخرى. وإذا أرتكب الكافر ذنبا يكون أمره: { كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ}
ولكن لماذا مثل القرآن لهذا بالبحر اللجي، أي العميق، لأن هذا تشبيه لموضع لا يصل إليه النور على الإطلاق. وقد ثبت اليوم أكثر مما سبق أن النور يخترق الماء. فإذا كان في حوض ماء صاف يمكن مشاهدة قعر الحوض، ولكن إذا كان الماء كثير العمق فلا يصل إليه النور، وخاصة إذا تجاوز عمقه عدة آلاف من الأمتار، هناك يكون الظلام مطبقا.

[113]
كانوا في ما مضى يتصورن عدم وجود أي نوع من الحياة في أعماق المحيطات لأن النور لا يصل إلى ذلك الموضع على الإطلاق إضافة إلى شدة ضغط الماء. ولكن ثبت الآن وجود أحياء مائية هناك وأن الله خلق كائنات تعيش هناك وتنتج بذاتها ما تحتاج إليه من النور. إذن ذكر البحر اللجّي كمثل للموضع الذي لا يبلغه النور على الإطلاق. والقرآن هنا لا يذكر مجرد كلمة البحر - الذي قد يشمل بحاراً يصل النور إلى قعرها - وإنما يقول "بحر لجي" إشارة إلى أنه على درجة من العمق لا ينفذ إليها النور. والقرآن هنا لا يريد الإشارة إلى أن كل واحد من تلك الظلمات قد أحاطت بها، وإنما هي واقعة في قبضة عدة ظلمات بعضها فوق بعض كل واحد منها يمنع وصول النور، إضافة إلى سطح البحر متلاطم الأمواج ناهيك عن أن الجو كان ملبدا بالغيوم التي تمنع وصول نور الشمس وضو القمر.
وهذا التشبيه كله وكأنه يتحدث عن إنسان في قعر البحر وهناك عدّة عوامل تمنع وصول النور إليه. وهذا المثل على العكس تماما من ذلك المثل من ذلك المثل الذي ورد في آية النور، وفسر على عدة وجوه. ومن جملة ذلك أنه جاء في رواية أنه مثل المؤمن أيضا:
{ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} (النور/ 35).
هنا يفترض أناسا في موضع فيه نور على نور، نور فطرتهم، ونور النبوة،

[114]
في حين تجد في موضع آخر أناسا يعيشون في ظلمات بعضها فوق بعض، فقدان نور الفطرة بذاته ظلمة، إضافة إلى ظلمة العناد، وظلمة أخرى هي ظلمة الذنوب والمعاصي المتواصلة {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} لأن كل قطعة ظلام تقابل نورا، نور النبوة، ونور الوحي، وهداية الوحي. وحيثما لا تكون هداية الوحي فمعناه ظلمة. إضافة نور الفطرة وهداية الفطرة. وحيثما ينطفئ نور الفطرة فمعناه وجود الظلمة، وأيضا نور العمل الصالح لأننا أشرنا إلى إن {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر/10) ومن خواص العمل الصالح أنه ينير القلب..
إذن هذان المثلان اللذان ذكرهما القرآن أحدهما يشبه أعمال الكفار بالسراب. والمراد هنا أعمالهم التي بنوا عليها الآمال. ويؤكد أنهم ما لم يكن إيمانهم بالله سليماً ومالم يهتدوا بنور الله لا خير في عملهم. والمثل الثاني لذنوبهم. وذكر المفسرون وجوها عدة للسبب الذي جعل القرآن يذكر مثلين لذلك. ولعل أكثر وأفضل الوجوه هوان المثل الأول لعملهم الصالح والمثل الثاني لعملهم الشيء. وسبق أن أشرنا إلى أن القرآن يذكر مثلا آخر لأعمال الكافرين بأنه كتل تراب هبت عليه ريح عاصف. وهذا المثل لأعمالهم الصالحة التي يؤدونها بقصد القربة إلى الله إلا أن كفرهم أو أسباب أخرى أدت إلى إحباطه. والقرآن يؤكد على هذا المنطق سواء بشأن المسلم أم بشأن الكافر، فيقول: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}(الفرقان23). من الطبيعي إنّ الله تعالى لا يهدم العمل الصالح إذا كان صالحا إلاّ أن النظام التكويني يقضي بأن الذنوب التي يرتكبها هؤلاء تؤدي إلى إحباط علمهم..

[115]
هذه الأمثلة الثلاثة يذكرها الباري تعالى لأعمال الكافرين وكما أشرت فإنّ المقصود من الكفار هنا ليس كلّ من هو غير مسلم، بل الذين يتصدّون للحقيقة ويعارضونها، والآية الأخرى تتحدث أيضا عن مشهد من النور على العكس من الآيتين اللتين تتحدثان عن الحرمان من نور الوحي، والحرمان من نور الفطرة، أو ما يسمى بالظلمة .. وهي هنا لا تتحدّث عن الإنسان الذي يعارض الحقيقة، بل تشير إلى أن ذرات العالم مضيئة كلها بنور الله. وأن كل موجود في العالم يعرف ربه ويسبح له. والقرآن هو أول من ذكر أن الإسماع إذا كانت مضيعة والقلوب إذا كانت واعية وبصيرة يستشعر المرء حينها إن الوجود كله يذكر الله ويسبحه. وهو ما سنأتي على شرحه وبيانه في المجلس القادم بإذن الله. وصلى الله على محمد وآلة الطاهرين.

[117]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}(النور41).
المخاطب في هذه الآية هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يقول له: ألا تشاهد - أي تشاهد وترى - أن كل ما في السموات والأرض والطير كلها تسبح لله. وهو تعالى عليم بفعلهم.
تتحدث جميع الآيات التي فسرناها من سورة النور من أولها وإلى هنا عن مشاهد مختلفة من النور والظلمة، والظلمة طبعا لا تعني سوى الحرمان من النور وتصدق فقط على الناس الذين لا ينتفعون بأحد الأنوار التي خلقها الباري تعالى وكلّف الإنسان بالاستنارة بها. . الإنسان - على سبيل المثال - مكلف بالاستهداء

[118]
بنور الوحي والنبوة، والاستعانة بنور فطرته. ولكنه إذا لم يستغل تلك الأنوار يتخبط في الظلمة. ونور الله يملأ الوجود برمته: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}
تتحدث هذه الآية عن موضوع ذكره القرآن بعبارات مختلفة في مواضع أخرى. والحقائق التي يذكرها القرآن أسبق من الإنسان على الدوام، وهو أمر طبيعي - وعليه أن يحاول اللحاق بها ولا يرتجي أن يتحدث القرآن في حدود معلوماتنا دوما، لأن هذه المعلومات يمكن تطويرها وتوسيعها- وكل من يبغي الاهتداء بنور القرآن لا بدّ أن يصغي لنداء القرآن ليسمع فحواه. وأحد المواضيع التي يؤكد عليها القرآن هو تسبيح وتمجيد الموجودات لله. يشير القرآن في بعض المواضع إلى أن جميع ذرات الكون تسبح لله وتحمده. بمعنى أن الخشب والحديد - في منطق القرآن - يسبحان لله، وذرات الهواء تسبح له، وكل خلية ونواة تسبح له.
لننظر أولا ونرى هل القرآن يصرح بهذا أم لا؟ ثم نرى بعد ذلك كم استطاع الإنسان بفهمه وعرفانه وعقله الاقتراب من هذا المنطق القرآني؟
لقد صرح القرآن بهذا المعنى في مواضع متعددة وبعبارات مختلفة. اقرأ عليكم في ما يلي ما يحضرني منه. قال تعالى في كتابة الكريم: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}(الإسراء44). لا يمكن لأحد أن يزعم أنه وضع أذنه على هذه الشجرة أو على ذلك الحجر لكنه لم يسمع شيئا من التسبيح والثناء، ولا حتى من ذرات بدنه. القرآن يقول، إن جميع ذرات الكون، وكل خلية في اللحم والعظم والجلد والدم والشعر تسبح لله على الدوام، في حين أنا لا أسمع شيئا من ذلك هناك يقول القرآن بلى أنكم لا تفهمون شيئا من ذلك ولا تدركونه. لم يقل القرآن: لا تسمعون، بل قال: {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ}.

[119]
وهناك فارق بين هذين التعبيرين، لأنه لو قال: ((لا تسمعون)) فقد يعني ذلك أننا نفقه وجود مثل هذا الأمر ولكننا لا نسمعه، مثلما نفهم الآن أن هذا الجو مليء بالأمواج الراديوية التي تبثها مختلف محطات الإرسال في العالم، لكننا لا نسمعها. بينما يقول القرآن أنكم لا تدركون هذا الأمر فضلا عن عدم سماعكم أياه.
وقبل الانتقال إلى تفسير آيات أخرى، أورد في ما يلي الفرق بين "التسبيج" و"الحمد" في قوله: : {إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} لأن التسبيح والحمد من جملة ما نمارسه نحن، ولأجل أن نفهم ما المراد من قولنا في الصلاة "سبحان ربي العظيم وبحمده" أو قولنا: "سبحان ربي الأعلى وبحمده" أورد هذه المقدمة:
ينقسم الثناء على الله إلى شكلين: أحدهما التسبيح، والآخر الحمد.. التسبيح معناه التنزيه ـ أي تنزيهه عن كل ما ذاته مبرأة منه، وجعله فوق ما هو من شأن مخلوقاته وكل ما ينم عن نقص أو عجز. . وكلمة "سبحان" تعنى أساسا تنزيهه اعتباره محتاجاً، وكذلك تنزيهه من الظلم أو أن نشرك معه أحدا، أو نعتبره مركبا، أو نقول من أين جاء وكيف حصل؟ فالتسبيح إذن معناه أن ننفي عنه الصفات التي نعتبره فوقها واسم وأسمى منها.
الثناء على الله على غرار التوحيد التي ينطوي على صفحتي النفي والإثبات. فحينما نقول: "لا إله إلا الله "، ننفي وجود إله ومعبود غيره من جهة، ونثبته لذاته من جهة أخرى.
وكذلك الثناء على الله يحمل في الوقت نفسه معنيي النفي والإثبات. فالنفي بمعنى تنزيهه عن بعض الصفات التي لا يليق أن ننسبها إليه، وهو ما ذكره. إما الحمد فهو وصفه بالصفات الثبوتية فنقول: أن النعم كلها منه، والكمالات كلها له،

[120]
وأنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير. وهو بصير وحي وسميع وقيوم وملك ومؤمن ومهيمن وعزيز وجبار ومتكبر. وهذه هي الصفات الثبوتية.
إذن فنحن في قولنا: " سبحان ربي العظيم وبحمده" أو "سبحان ربي الأعلى وبحمده" نتصور في أذهاننا مجموعة كبيرة من النواقص وننزه الله عنها، ونتصور أيضا سلسلة من الكمالات وننسبها إليه. وعندما نقرأ في الصلاة سورة الإخلاص فهذه السورة فيها صفات سلبية وصفات إيجابية، ونقول بعدها "كذلك الله ربي" بمعنى أنه يتصف بهذه الكمالات وأنه منزه عن كل نقص كأن يكون له ولد أو يكون له شبيه.
القرآن يقول: أن عمل التسبيح هذا الذي تؤدونه بإرادتكم واختياركم، تؤدي جميع ذرات الوجود. هذه آية من آيات القرآن التي تتحدث عن التسبيح والحمد. كما توجد في القرآن ست سور تبدأ بتسبيح الله، وتسمى بسور المسبحات. سورة الحديد تبدأ بقوله تعالى: {سبح لله ما في السموات والأرض ) وتبدأ سورتا الحشر والصف بـ { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} وتبدأ سورة الجمعة والتغابن بقوله : { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} كما أن {سبح أسم) أمر يفيد التسبيح.
جاء التسبيح في هذه السور الخمسة بصورة الماضي في ثلاثة موارد، وبصورة المضارع في موردين. وتعني "ما" هنا أن كل شيء في السموات والأرض يسبح لله. ويقول القرآن:: أن جميع الموجودات تسجد لله، وهذه هي حقيقة السجود، أي أن سجود الإنسان ينم عن خضوعه. جميع الموجودات من شمس وقمر ونجوم تسجد لله. ومن الواضح أن ليس المراد هنا أن للشمس جبهة

[121]
تضعها على التراب. سجود الإنسان دلالة على غاية الخضوع (طبعا تسجيد ظاهري جدا. فالمصلى إذا كان فكره مشتتا هنا وهناك، حتى وإن سجد على التربة وظهر وكأن بدنه خاضع إلا أن روحه غير خاضعة أساسا ) من أجل أن تخضع الروح. إذن هناك آيات في القرآن استعملت كلمات: "سبح" و "يسبح".
كما أن هناك آيات أخرى جاءت على ذكر هذا الموضوع بشكل آخر، فبينت مثلا أن الجمادات أو النبات أو الحيوانات تنسق في ما بنيها على تسبيح كذا مقام مقدس معنوي إلهي. . يقول القرآن الكريم عن النبي داود: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(ص17).(داود من أنبياء بني إسرائيل، وقد أعطاه اليهود هو وسليمان صبغة يهودية وقالوا أنهما كانا من ملوك الدنيا ومن الميالين إلى الشهوات. إلا أن القرآن وصفهما بما يستحقانه من مكانة). ثم يقول بعد ذلك { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ}(ص/18-19).
ومن جملة الآيات التي تحمل هذا المعنى هي هذه الآيات من سورة النور، والمخاطب فيها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله ) {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (فسر بعض المفسرين معنى "الم تر" هل تعلم،وأرادوا تعميمها إلى غير الرسول (صلى الله عليه وآله) ولكن قال غيرهم بأن معنى "الم تر" هو هذا المعنى: ألم تشاهد، والمخاطب بها هو الرسول ) والمعنى هنا لا يخص المؤمنين وإنما كل أهل الأرض. والأسمى من ذلك أنه أضاف {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}، أي أن كل من الجبال والشجر والطيور والناس وكل كائن آخر عالم بتسبيحه وبصلاته. والمدهش في الأمر أنه عبر هنا عن هذا المعنى بالصلاة. فنحن سبق وأن أشرنا إلى أنّه عبّر عن هذا المعنى بالتسبيح تارة، وبالحمد تارة أخرى، ولكن هنا عبّر عنه بالصلاة. والظاهر أن بعض المفسرين قالوا: أن المقصود بالصلاة هو الدعاء، ولكن


[122]
في الحقيقة هي الصلاة، وروح الصلاة الدعاء.. القرآن نفسه عبر عن ذلك بالصلاة.
وهذا يعني وجود مثل هذه الآيات في القرآن الكريم ولا ينبغي التحقيق أولا في المقصود من التسبيح. القرآن يؤكد أن جميع ذرات الكون تسبح لله وتحمده ولكن بني الإنسان لا يفقهون هذه الحقيقة التي حينما ذكرها القرآن لم يكن يستهدف بقاءها لغزا غامضا لا يمكن حله إلى الأبد، بل صرّح بها لأجل أن نسعى لإدراكها وكشفها على قدر قابليتنا على استيعابها.
قلنا يجب أن نسعى في الخطوة الثانية لاستكناه الجهود التي بذلها بنو الإنسان بعد تلقيهم لتوجيهات القرآن في هذا السبيل، وكيف حاولوا تفسير هذه الآيات.
فسرت هذه المجموعة من الآيات على وجهين يمكن القول أنهما كلاهما يتسمان بالحكمة والعرفان، بعضها فسر تفسيرا حكميّا وقيل : أن مقصود القرآن من القول أن كل شيء يسبح لله هو التسبيح التكويني و"لسان الحال" ولسان الحال هو ما يقابل "لسان القال"، ومعناه أن يكون ظاهر الشيء معبرا عن حاله وعما يريد قوله، كأن يأتي إليك شخص يرتدي ثيابا رثة وأنت تتحدث مع صاحبك في الطريق ويقف أمامكما ويلوي رقبته ويمد إليكما يد الاستعطاء، ومع أنه لا يفتح فمه إلا أن حالته تعبر عما يريد قوله. هذا هو لسان الحال. ولكن حينما يأتي الشخص ويقول بلسانه: ساعدوني، أو تصدقوا علي. فهو ما يسمى بلسان القال. وعلى هذا الأساس فالكثير من حالات الإنسان الظاهرية تنمّ عما في ضميره، أو كما يقال أن ما يخفيه الإنسان يظهر في قسمات وجهه.
ولكن كيف ينم عما في ضميره؟ وهو إذا لم يتحدث كيف يستدل عليه؟ الحقيقة أن الكثير مما يريد الإنسان قوله يفهم من خلال حالته. ولعل الأشخاص حينما يلتقون يتفاهمون بلسان الحال أكثر من القدر الذي يتفاهمون به بالكلام.

[123]
وقد ذكرت في كتابي المطبوع تحت عنوان "مسألة الحجاب" أن الكثير من الأزياء والحركات تعبر عن لسان الحال. فالشخص حينما يسير وهو نافخ لغديه، ويحالو التحدث بصوت خشن ويضرب الأرض برجليه بقوة كأنه يريد الإيحاء للآخرين أن اخشوني وابتعدوا عني. وكذلك قد ترتدي بعض النساء ثيابا وتسير في الطريق وكأن ثيابها ومشيتها تعبّر بشدّة عن عفافها وسمو شرفها وكأنها تريد القول أنني امرأة شريفة وليحذر الفاسقون من الدنو مني (جاء في القرآن الكريم: يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادني أن يعرفن فلا يؤذين ) (الأحزاب: 59)
وقالوا في شأن نزول هذه الآية، وكذلك استنبطنا نحن أن المراد من: (ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين) هو ان يرتدين من الثياب ما لا يلفت إليهن أنظار الذين في قلوبهم مرض، ولا يطمع فيهن طامع ). أو قد يحصل العكس أحيانا كأن ترتدي المرأة ثيابا تريد القول من خلالها أنني امرأة فاسقة ومن شاء فليتبعني. وهذا هو ما يسمى بلسان الحال
قال البعض أن قول القرآن كل شيء يسبح لله، المراد به لسان الحال، لأن كل شيء هو من خلق الله، ومن خواص المخلوق أنّه يتّسم في جانب منه بالنقص وجانب آخر بالكمال، فالنقص من عنده والكمال من خالقه. إذن فهو في الواقع يصف خالقه بلسان حاله وكأن يريد القول: تبارك الله الذي خلقني. أما طريقة تسبيحه فكأن يقول إن كان فيّ نقص فهو مني، وأن الله تعالى منزه من هذا النقص.
لا ريب في أن كل مخلوق يسبح ويحمد خالقه بلسان حاله، فالمخلوقات تسبح الله بلسان التكوين. وكل أثر يسبح باسم موجده. ولكن هل هذا هو المراد من قول القرآن الكريم :
{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}؟ لا ولكن هناك تفسير آخر أيضا وهو.

[124]
التفسير الثاني - وقد سميته بالتفسير العرفاني - ومفاده: : صحيح أن المخلوقات تسبح خالقها بلسان حالها، إلا أن القرآن يضيف إلى ذلك: { وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} التسبيح بلسان الحال يفهمه الجميع. ناهيك عن أن القرآن يقول: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ.. ) أي جميع الأشياء والموجودات وليس العاقلة منها وذوات الشعور فقط. إلا أن الضمير "هم" في "تسبيحهم" يوحي بأن جميع الموجودات عاقلة ولها شعور. لأن هذا الضمير "هم" يستخدم في اللغة العربية للأشخاص وليس للأشياء. ومع أن القرآن يتحدث عن الأشياء إلا أنه جاء بضمير العاقل أي أنه يريد القول بأن جميع الأشياء عاقلة وذات شعور.
وجاءت في نفس هذه الآية كلمة "الطير"، ولولا وجود هذه الكلمة لقلنا أ، القرآن يتحدث عمن في السماء والأرض، فالذين في السماء هم الملائكة، والذين في الأرض هم بني الإنسان، والمراد بهم المؤمنين الذين: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} ولقلنا أن الناس والملائكة عالمون بتسبيحهم. . ولكن وردت كلمة "الطير" التي ليس لها عقل وشعور الناس والملائكة. يتضح إذن أن في عالم الطير أمورا لا نفقهها.
ذكر أن التفسير الأول حكمي. للحكيم أبي نصر الفارابي وهو من أكابر حكماء العالم الإسلامي عبارة عن جميلة - اعتقد أنها وردت في كتاب الفصوص - أكد فيها على هذا المعنى، أي معنى لسان الحال، وقال: "صلت السماء بدورانها والأرض برججانها والمطر بهطلانه" لأن جوهر وحقيقة الصلاة ما هي إلاّ التسليم للحق وإطاعة أمره. .
إلاّ أنّ مولوي العارف يقول: إن الإنسان العادي لا يدرك تسبيح وحمد الكائنات التي تفهم خالقها حقا وتقدسه وتسبحه وتحمده، وذكر هذا الموضوع في مواضع متعددة. وخلاصة القول أنه يقول: ما من ذرة في الكون إلا وهي سائرة على هذا المنوال .

[125]
لنرى الآن ما هو مراد القائلين بان ضجيج تسبيح الكائنات يملأ الكون. هل يقصدون أن الضجيج موجود الآن في الفضاء ونحن لا نسمعه كما هو الحال بالنسبة للأمواج الراديوية؟ كلا، بل يقصدون أن كل موجود وكل ذرّة في هذا الكون لها وجهان وجه نحو هذا العالم وهو وجه ميت. ووجه آخر نحو العالم الآخر وهو وجه ملكوتي يكون كل موجود وفقاً له حياً وذا شعور . ويقولون مثلا أن الخشبة التي تراها لا تدرك كل حقيقتها. وحتى أن أعمق العلوم البشرية الذي يصل حتى إلى عمق الذرات لا يدرك إلا وجها واحد منها. أما وجهها الآخر فهو خارج إطار الحس البشري. ولا يدركه إلاّ أصحاب الحقيقة والمعنى والقلوب الصافية، وحينما يتسنى لهم إدراكها يفهمون حينذاك إلى أي حد هي فاهمة ومدركة ومسبحة وحامدة.
النبي داود كانت تسبح معه الجبال والطير، ولو كنا إلى جانبه لما سمعناها لأن هناك أناس آخرون وكانوا إلى جانبه وما كانوا يسمعونها. داود كانت له إذن أخرى يدرك باطن وملكوت الأشياء. وذلك إذا افتحت أذان قلوبنا نستطيع أن نسمعها أيضا ولا يتوهم البعض أن هذه مرتبة بعيدة لا يبلغها إلا الأنبياء. كلا، ليس من الضرورة أن يكون نبيا. كان من جملة معجزات رسول ا لله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قبض قبضة من الحصا ورآها الناس تسبح وهي في كفه. ولم تكن معجزة الرسول في استنطاق الحصا بالحمد والتسبيح، وإنما تكمن في فتح أذان الناس ليسمعوا تسبيح الحصا لأن الحصا تسبح على الدوام.
أورد لكم في ما يلي مثلا لشخص موثوق من الجميع وكان قد عاش في وقت قريب لأثبت لكم أن هذه الأمور ليست خارقة للعادة إلى ذلك الحد الذي يتصوره البعض، وذلك هو الشيخ عباس القمي (رضوان الله عليه ‎) الذي كان يعرف بشدة التقوى. كان قد نقل هذه القصة من على المنبر في مدينة قم، وقد سمعتها

[126]
من إثنين من مراجع التقليد الأحياء حاليا وكانوا قد سمعوها منه أحدهما، آية الله الكلبايكاني الذي قال: كنت جالسا عند منبره وسمعته قال: كنت في شبابي على درجة عالية من صفاء القلب - وحاليا لست كذلك - وذهبت ذات يوم لزيارة وادي السلام وتناهي إلى سمعي وكأن أصواتا مهيبة تنبث من أماكن بعيدة وكان الصوت يشبه صوت بعير يراد كيه وهو يهدر . ولكن بعدما نظرت هنا وهناك لم أجد أثراً لبعير، لكن صوت الرغاء كان قويا، ولاحظت في الأثناء أشخاصا يتحركون في تلك الجهة البعيدة من وادي السلام، فتصورت أنهم يكوون جملا لهم، فسرت صوبهم وانتبهت إلى أن الصوت كان قادما من هناك ولكن لا أثر لجمل، بل أنهم جاءوا برجل ميت ليدفنوه، وأن الصوت صوت الميت، وأنا أسمعه بهذه القوة وهم لا يسمعوه.
فلا يتوهم أحد أن الجميع يسمعون كل ما في الكون من أصوات. بل أن هذا الصوت صوت آخر، والأذن يجب أن تكون من نوع آخر .
قال المجلسي الأول - وهو والد المرحوم محمد باقر المجلسي مؤلف كتاب بحار الأنوار - وكان رجلاً ورعاً وشديد التقوى وهو من تلاميذ الشيخ البهائي: ذهبنا برفقة الشيخ البهائي قبل ستة أشهر من وفاته لزيارة القبور في منطقة تخت فولاذ في اصفهان - والتي يقع فيها قبر بابا ركن الدين - ورأيت فجأة أنه التفت إلينا وقال: ألم تسمعوا شيئا ثم سكت وواصلنا مسيرنا ومنذ ذلك اليوم لاحظنا أن حالة الشيخ قد تغيرت نوعا ما وأخذ ينشغل بنفسه أكثر مما مضى، وصار في وضع يختلف عما مضى. . وخمنا نحن تلاميذه جرأة، واتفقنا أن اسأله عما حدث وسبب له هذا التغيير. فذهب إليه وسألته فقال لي: حينما مررنا بالمقبرة في ذلك اليوم سمعت صوتا انطلق من القبر قائلا: " يا شيخ فكر بنفسك أن أجلك

[127]
قريب، لماذا لا تفيق إلى نفسك ‍ " وبعدها بستة أشهر توفي الشيخ.
تلاحظون إذن أن الصوت الواحد يسمعه شخص من بين جماعة . ومن البديهي أن عالمنا أعقد وأعمق من هذا. والقرآن حينما يقول: أن ذرات العالم كلها تسبح لله ينبغي أن يقول أحدنا أنني لا أصغي لذلك لا أسمع !‍ وإذا لم تكن هذه الأصوات قد عثر عليها في المختبرات العلمية، فهذا الكلام منشؤه الجهل، والحقيقة شيء آخر غير هذا.
نقل عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال: أول ما نزل عليّ الوحي في غار حراء، وانزل جبرائيل الآيات الأولى من سورة العلق:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(العلق/1-5).

شعرت حينها وكأن العالم قد تغير بأجمعه، فانطلقت إلى الدار، وكنت كلما خطوت خطوة اشعر وكأن الحصا وكل ذرات الكون تحييني وتسلم علي وتكلمني. وهذا هو أساسا معنى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. وأي مكان هذا الذي يخلو من نور الله؟‍ وهل من الممكن أن يكون نور الله في موضع ويخلو ذلك الموضع من الوعي والشعور والإدراك ومن الطبيعي أن إدراك كل موجود منوط بدرجته الوجودية.
وعلى هذا فنحن حينما نقول أن الجمادات مجردة من الحياة فكلامنا صحيح بمعنى أنها لا حياة لها كحياة النبات. كلاّ، فالنبات له حياة، وللحيوان حياة أعلى، وللإنسان حياة أعلى وأكثر كمالا. الجمادات في أحد وجهيها لا حياة لها، ولكن لها في الوجه الثاني حياة وشعور وادراك . وهذه هي الحقيقة التي

[128]
علمناها القرآن في قوله:
{أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}.
سبق لي وأن أشرت إلى أن البعض قال أن معنى: " ألم تر؟" هو ألم تعلم؟ والمراد هو أن التسبيح يكون بلسان الحال. إلا أن المرحوم الفيض الكاشاني نقل في تفسيره "الصافي"(ج3، ص439) عن عالم كبير أن المخاطب في هذه الآية هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عالم كبير أن المخاطب في هذه الآية هو رسول الله (صلى الله عليه وآله ) أي أنك أدركت كل هذا بالشهود.
وبما أن الآية وردت فيها كلمة "من"، لذلك اعتقد البعض أنها تتسم بالشمولية، وتشمل الملائكة في السماء، والإنسان في الأرض. بيد أن آخرين اعتقدوا أن "من" هنا تختلف عن "ما" الواردة في مواضع أخرى، لأنها تنسب إليها فعلاً من نوع الأفعال الخاصة بذوات العقول. وأن استعمال "من" هنا لا يراد به القول هل المسبحين هم من الناس أم من الملائكة. ولكن بما أن العمل الذي يؤدونه شبيه بعمل الإنسان، لذلك استعمل بشأن الأداة "من " وليس "ما".
{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}
فسرت هذه الآية على وجهين: أحدهما أن الله عالم بصلاة وتسبيح هؤلاء جميعا . لكن الرأي الأفضل - وهو ما تدل عليه القرينة الواردة في الآية اللاحقة، لأن الآية اللاحقة تبين هذا المعنى - أنهم واعون ومدركون لصلاتهم وتسبيحهم :
{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

[129]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ}(النور/42-43).
هاتان الآيتان تتألف الأولى منهما من جملتين، وهي بمثابة تتمة لما ورد في الآية التي سبق تفسيرها ومفاد هاتين الجملتين "وهي بمثابة تتمة لما ورد في الآية التي سبق تفسيرها. ومفاد هاتين الجملتين {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} هو أن كل شيء لله وتحت أمره وليس ثمة موجود خارج إرادته ونفوذه

[130]
وقدرته والجملة الثانية هي {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} كلمة "المصير" مشتقة من الصيرورة، أي التبدل والتحول من حالة إلى أخرى، كقولنا صارت النطفة علقة، وصارت العلقة مضغة، وصارت المضغة عظاما، إلى أن صارت جنينا، وصار الجنين صبياً، وصار الصبي رجلاً. عالمنا هو عالم الصيرورة. فلو أخذنا بنظر الاعتبار قطعة خشب، فهذه الخشبة التي نراها اليوم لم تكن خشبة على الدوام بل كانت شيئا آخر ثم صارت "خشبا"، وهذا الخشب لن يبقى على هذه الحالة على الدوام وإنما سيتحول إلى شيء آخر.
والسؤال الذي يعرض على الأذهان هنا هو ما نهاية هذه التبدلات والتحولات التي يصبح التراب على أثرها إنسانا، والإنسان ترابا، والماء والتراب والهواء شجرة وتصير الشجرة حيوانا، ويصير الحيوان إنسانا؟ وإلى أين ستنتهي؟ وهل تبقى مستمرة بلا هدف؟ أم أن هذه الصيرورات تنتهي إلى الله، وهذه هي حقيقة المعاد؟ والواقع أن الآية: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} هي تعتبر عن هذه الحقيقة ومفادها هو نفس الآية الكريمة التي أمر القرآن أن يتلوها من يسمع بمصيبة، وهي، {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(البقرة/156). مع فارق أن تلك الآية فيها "إنا" التي يوحي ظاهرها أنها خاصة بالإنسان، بيد أن هذه الآية ليس فيها شيء يوحي باختصاصها بالإنسان. وتقول أن كل شيء لله ومن الله، وربما أن كل شيء من الله، فهذا دليل على أن كل شيء يؤول إليه
من جملة الأدعية التي يستحب قراءتها بين تكبيرات افتتاح الصلاة وهي التكبيرات الستة التي يستحب أداءها قبل تكبيرة الإحرام هو
[131]
الدعاء التالي:
"لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبدك وابن عبدك، ذليل بين يديك، منك وبك ولك وإليك ".
التوحيد معناه: منك وبك ولك وإليك. وجاءت الآن في هذه الآيات من سورة النور اثنان منهما، وهما: "لك" و"إليك" {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} ويبدو أن هذه الآية تعليل للآية السابقة، ليكون المعنى أن جميع الموجودات تسبح لله وتحمده لأنها منه وإليه وإلى هذا فإن وجودها تسبيح، وصيرورتها تسبيح، وحركتها تسبيح. أي بما أنها منه، فهي صائرة إليه.
والآية اللاحقة حتى وان كانت تتحدث عن كيفية نزول الأمطار- من تكاثف الغيوم وهطول المطر والحالوب وخصائصه - وهو ما يعتبر من جملة أعجاز القرآن، إلا أنني لا أتناولها بالبحث حاليا، وإنما أرجاؤها إلى المجلس القادم بإذن الله. وطالما كنا نتحدث في موضوع تسبيح الكائنات وعودتها جميعا إلى الله، رأيت أن أعرض موضوع أخر.
أن للدين رسالة لا يستطيع غيره النهوض بها، أي لا يستطيع العقل والعلم والفكر البشري أداء هذه الرسالة. ولو كان بميسور العلم والعقل البشري أداءها لاُنيطت به، ولما بعث الأنبياء. لقد منح الإسلام للعقل البشري أهمية فائقة وكذلك للتفكير والعلم والتجربة والمشاهدة، وهو ما عبر عنه القرآن بالسير في الآفاق والأنفس. ولكن ليس معنى هذا أن العلم والعقل والتجربة - مهما بلغ بها التقدم - ستصبح قادرة على تقديم الدلائل التي يقدمها الدين عن الكون والإنسان، وإنما هذه رسالة الدين وحده. وما يشاهده الإنسان إنما هو حقائق

[132]
بينها الدين وأيّدها العقل والعلم. أي كمال قال "ويليم جيمس": أنها جاءت من بعد توجيهات الدين، أي بعد ما عرض الدين حقائقا انطلق العلم ليستطلع حقيقة الأمر، وقد عثر على الأدلة المؤدية لصدقة.
وهذه هي أحد المهام التي يضطلع بها الدين، والتي تغير - حسب المصطلح العصري - رؤيتنا الكونية، أي تغير من نظرتنا للكون، فالعالم الذي نلمسه بحواسنا وندركه بعقولنا عالم من نوع أخر غير العالم الذي يرينا إياه نور الوحي. والحقيقة أنه نفس العالم ولكن بنسيج أعمق.
الوحي يقول لنا: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} .وكذلك يعرض لنا أشياء عن الإنسان. وهذا هو الأمر الأكثر أهمية. الإنسان لديه عين وأذن، وحاسة ذوق، وحاسة شم، وحاسة لمس، وعقل وفكر ولا شيء غيرها. ولكن الأنبياء يأتون ويقولون لنا: أيها الإنسان أن الكامن من وجودك أكثر من الظاهر منه. ولإيضاح هذا الموضوع أكثر أعرض في ما يلي مثلا شعيبا، ثم أتبعه بموضوع علمي.
أتذكر حينما كنا صغارا كانوا يعبرون عن الأطفال المحتالين جدا بأن ما يختفي منه تحت الأرض اكثر مما تراه منه فوق الأرض. ومعنى هذا أنه أكبر من هذا الحجم بكثير، وأكثر حيلة وذكاء. كان هذا هو المثل الشعبي.
توصل العلم الحديث إلى هذه الاكتشاف بشأن روح الإنسان. إذ كانوا يتصورون قديما إن جسم الإنسان هو هذا الذي يراه، وروحه هي التي يستشعرها في سره وفي ضميره، وبما أنه مطلع على ما في قرارة نفسه ما في سره وضميره، فهو وأن كان جاهلا بشيء آخر، غير جاهل بذاته. إلا أن علم التحليل النفسي أثبت أن جانبا صغيرا من روح الإنسان ظاهرا إما الغالبية العظمى منها فخافية على نفسه. ويمثلون لذلك بقطعة ثلج تلقي في حوض ماء فالظاهر منها هو الظاهر من

[133]
روح الإنسان والمغمور منها كالجزاء المغمور من روح الإنسان. ويسمى الجزء المخفي من ورح الإنسان بالشعور الباطن الذي يخفي ما يه حتى على الإنسان ذاته أحيانا. وينم عما في مكنونه أحيانا عند رؤية المنام أو عند الغضب.
للشاعر المولوي آراء في علم النفس تثير الدهشة. وبالرغم من أن علماء التحليل النفسي اكتشفوا هذه النظرية في القرن العشرين إلا أن هذا العارف وعارفين آخرين كانوا على اطلاع بأمثال هذه الأمور. يقول المولوي: أيها الإنسان لا تتوهم أنك قد عرفت باطن نفسك جيدا. ثم يورد أبياتا من الشعر مفادها أنك إذا خلعت ثيابك يوما ما واردت الاغتسال بماء النهر ووجدته قد راق وصفا وليس فيه كدورة ودخلت فيه وأحسست بوخزة فاعلم أ ن هناك شوكة قد نغزتك ولكنك لم تكن على علم بها، ولا يمكنك أن تراها، لكنك تشعر بها من خلال الألم الذي أصابك منها.
ثم يقول: أيها الإنسان إذا تصورت نفسك أحيانا أنك نقي وطاهر لا عيب فيك ولا نقص، ولكن لو دققت النظر لفهمت من وخزة أن في ذاتك أشياء لا علم لك بها.
ويذكر مثلا آخر يشبه فيها الإنسان بحوض ماء رسبت فيه أوساخ كثيرة ولكن إذا جاءه الإنسان صباحا وجده صافيا نقيا لا شائبة فيه، غير أنه ما أن تشرق الشمس وتشتد حرارتها حتى يطفو ما كان راسبا فيه وتظهر الأوساخ والقاذورات حتى أن الناظر لا يصدق أن أمثال هذه الأوساخ كانت راسبة في قعره. وأنت أيها الإنسان تنظر أحيانا إلى نفسك فتحمد ربك على ما تراه من صفائها ونقائها وخلوها من الرذائل، ولكنك واهم في تصورك هذا. دع الشمس تشرق، أو إذا مسك ضرّ أو شعرت بأي انزعاج حينها ستعرف ذاتك وترى أي

[134]
رواسب في أعماق نفسك تطفو على السطح حين الغضب وتتجسد على هيئة شباب وشتائم أو على هيئة الغيبة والتهمة وما شابه ذلك.
ومرادي من هذا أن أقول أن العلم الحديث كشف أن روح الإنسان بعضها ظاهر له والقسم الأكبر منها خاف عليه. جاء في القرآن الكريم: { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}(طه7).
سئل أحد الأئمة: ما أخفى من السر؟ قال: أن يكون في روحك شيء لا تعلمه. وجاءت في دعاء كميل جملة تجسد هذا المعنى تماما، وهو قول على (عليه السلام) اللهم إن في مساوئ يعلمها الملائكة الموكلين بالرقابة عليّ، ولكن: "وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم والشاهد لما خفي عنهم " أي أن في أعماقي أشياء لا تدركها، وأنت وحدك الذي تعلمها.
وإنما ذكرت هذا المثل الشعبي، وهذا الاكتشاف العلمي الذي توصّل له العلماء حديثا حول المقدار الخفي والمقدار الظاهر من ورح الإنسان، لأجل القول أنّ روح الإنسان ليست وحدها على هذه الشاكلة بل العالم كله هكذا، فالعالم نرى جزءا منه والجزء الأكبر شأنه شأن القسم المغمور من قطعة الثلج، وذلك هو باطن العالم وجوهره الذي لا ندركه. وهكذا بالنسبة لنا أيضا فنحن لدينا غير هذه العين عين أخرى، وغير هذه الأذن أذن أخرى، وغير حاسة الذوق هذه حاسة ذوق أخرى، وغير حاسة اللمس هذه حاسة لمس أخرى، ناهيك عمّا لدينا من قوى أخرى غيرها. وكما أشرت سابقا أن الرجل الورع التقي النقي القلب قد يسمع أصواتا في هذا العالم لا نسمعها نحن. والعلم الحديث يحتمل وجود حواس كثيرة، وحتى أن الحيوانات قد تشعر بأشياء لا نشعر نحن بني الإنسان بها.

[135]
جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: كنت قبل أن ابعث بالرسالة ارعى الغنم وكنت ألاحظ أنها تجفل أحيانا ولكني لم أكن استشعر شيئا. ولكني بعد ما بعثت نبيا سألت عن ذلك فقيل لي أن الحيوانات تسمع أصواتا لا يسمعها الإنسان. ولو سأل سائل: ما هي العبادة أساسا؟ إن الغرض من العبادة أساسا أن تتكون لدينا حالة نورانية. إن شئت أن تسميها الحاسة السادسة أو العاشرة أو الحاسة المائة، لعلنا نهتدي بها إلى عمق ذلك العالم، ومن أجل أن تتكون لدينا روح نفهم بها جوهر العالم. للفخر الرازي أبيات شعرية جميلة يقول فيها ما معناه: أنني طالما كنت في هذا العالم ولم أتعرّف على جوهره، فلا فائدة من بعده لأنني إذا متّ أموت أعمى، وذلك قول القرآن : {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(الإسراء72).
ولكن ما المقصود من الأعمى في هذه الآية؟ هل يراد به الشخص الذي لا عين له في رأسه؟ فهذه ليست جريمة ولا ذنب للإنسان فيها، وكم من أولياء الله كانوا عميانا. ينقل أن سيد احمد الكربلائي كان مشهورا بالورع والتقوى، وكانت له مراسلات مع العالم الكبير المرحوم محمد حسين الاصفهاني (رضوان الله عليه) أستاذ العلامة الطباطبائي. يقال أن سيد احمد كانت إحدى عينيه سليمة والأخرى لا يبصر بها، ينقل العلامة الطباطبائي أنه كتب في آخر رسالة له: "أود أن تصاب عيني الأخرى بالعمى لكي لا أرى شيئا غيره". أن مثل هذا الأعمى أكثر بصرا من أي بصير آخر.
كان أبو بصير - وهو من أصحاب الأمام الباقر (عليه السلام) - أعمى. وفي أحد الأيام قال الأمام الباقر (عليه السلام) لأصحاب حين كن جالسا معهم في مسجد المدينة:

[136]
سأخفى نفسي وأنا جالس هنا في مكاني، وكل من يأتي أسالوه عني أين أكون لتروا ما يقول. فجاء جماعة وسألهم أصحابه: هل تعلمون أين أبو جعفر؟ فكانوا يقولون: لا ندري (كان الإمام جالسا ولكنهم لا يرونه) وحينما دخل أبو بصير الأعمى، أشار لهم الإمام أن اسألوه هذا عن مكاني. فقالوا له: يا أبا بصير هل تعلم أين أبو جعفر؟ فقال: إذن ما هذه الشمس المشرقة الجالسة هنا؟!
هذا يدل على مقام الإنسان وما لديه من حواس لو أنه هذبها لاستطاع أن يبصر بها أشياء لا يراها أي صاحب بصر. وإذا كان الناس في ما مضى يستنكرون مثل هذا الكلام ويقولون ليس لنا أكثر من خمسة حواس، فالعلم اليوم اثبت وجود حواس أخرى للإنسان أو هي على أدنى الاحتمالات موجودة بالقوة.
إذن ما الذي تريد الآية الشريفة: {{وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(الإسراء72). قوله؟ من المؤكد أنها لا تقصد من كان فاقدا للبصر .
قال البعض في شأن نزول سورة "عبس" أنها نزلت بحق عثمان لأنه أبدى التكبر على رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله ) اسمه ابن ام مكتوم، وقال آخرون أنها نزلت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه لم يستقبل هذا الرجل كما ينبغي لأنه كان مشغولا بمناقشة بعض القوم لأجل هدايتهم. وعلى كل الأحوال فقد نزل الآية: ‎{{عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى}(عبس/1- 2). في أنّه عبّس وجهه "سواء كان المراد هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو شخصا آخر" وأعرض بوجهه حينما دخل الأعمى. لماذا؟ فالعمى الظاهرى لا يعد عيبا. إذن فالقرآن حينما يقول: { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} إنما يريد أن يبين للمسلم إنه ليست له هذه العين التي في رأسه فقط وإنما عليه أن يسعى ليفتح عين قلبه أو ما يسمى بالبصيرة.
وهناك آية أخرى تقول: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طه124). أي أن من يغلق منافذ قلبه أمام هذا النور ويبقيه على ظلمته يصيبه اثر ذلك في الدنيا حيث يبقى يشعر بالضنك والضغط على الدوام في حياته، وحتى لو اعطي سلطان الدنيا وكل ثرواتها لما نفعه ذلك شيئا ويبقى يستشعر الضيق وكذلك يوم القيامة نحشره أعمى، فيعترض هناك قائلا: { رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}(طه125). فيقال له: أنّ البصر في تلك الدنيا لا ينفعك في هذه الدنيا التي تستلزم بصرا آخر كان عليك أن تحصل عليه وأنت هناك: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}(طه126). بمعنى ان آياتنا كانت أمامك فلم ترها، أي انك كنت أعمى، ومن البديهي أن تكون هنا أعمى أيضا. وكل من كانت له بصيرة في الدنيا، فله بصيرة هنا أيضا. والبصر وحده ليس ملاكا.
وجاء في سورة الحديد(الحديد: 13، هذه الآية تثير العجب، بل أن القرآن كله مثير للعجب، فكله معارف منظمة ومرتبة وتدل على أنه نازل من عالم الروح) تصوير لمشهد من يوم القيامة هو: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} يقال لهم: أن هذه النور لا يمكن أن يستفاد منه الآخرون: {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}ا(لحديد/ 13) هذا النور ينبغي الحصول عليه في الدنيا. عودوا إلى الدنيا واحصلوا على هذا النور: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}(الحديد13).
قد تجد يوم القيامة شخصين يسيران سوية أحدهما يرى العالم كله نور، والآخر

[138]
يرى كل شيء مظلم، وذلك لأن الأول لديه نور باطني، وكل من لديه هذا النور يضيء بنور السموات والأرض، ويبدو كل شيء أمامه منيرا. ومن يكن مصباح قلبه مطفأ يرى الظلام يسود كل الأرجاء، فيبقى يلتمس هنا وهناك ويرجو الجيران أن يعيروه قبسا من نورهم. فيقال له: نأسف فهذا النور لايعار.
يصف رسو الله (صلى الله عليه وآله) شهر رمضان بالقول أنه:"شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله" في هذا الشهر أنتم ضيوف عند الله وهو المضيف. فافهموا على هذا القياس إلى أي مدى تفتح أبواب الرحمة في هذا الشهر لأنكم تعلمون طبيعة العلاقة بين الضيف والمضيف وأن المضيف هو الذي يحاول تكريم الضيف. ومتى ما حل ضيف على الكريم يلقى منه الرعاية والتكريم باعتباره ضيفا. وما عليكم إلا السعي للدخول على هيئة الضيف إلى مضيف هذا المضيف.
إنّ الذروة التي تبلغها الحالة المعنوية في شهر رمضان إنّما تكون في ليالي القدر ويجب علينا أن نؤدي على أقل تقدير في أيام وليالي القدر - وهي ليلة التاسع عشر والحادي والعشرين والثالث والعشرين - عملا يؤهلنا أن نحل ضيوف على مائدة هذا المضيف. وكل هذا الصوم، وتقييد النفس الأمارة بالأغلال، ومجاهدة الطباع النفسية، وتغليب الجوانب المعنوية على الطباع المادية، والإكثار من ذكر الله، والدعاء، وتلاوة القرآن، إنما الهدف منها هو الاستعداد لنكون في ليالي الأحياء هذه قادرين على الدخول كضيوف على مائدة خالقنا، لنتوب إليه ونستغفره ونطلب من الرحمة والسعادة لأنفسنا، ولإخواننا المؤمنين، ولمجتمعنا الإسلامي، ولإصلاح ذاتنا. العبادة هدفها أن تكون لدى الإنسان نورانية، فنحن نعبد الله من أجل أن تكون عبادته وذكره ونسيان غيره وسيلة لنا للخروج من هذه الظلمات، وليستنير قلبنا بنور الله.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً ِلأَوْلِي الأَبْصَارِ}(النور/34 -44).

هذه الآيات تكملة لآية النور وكلها تبتغي غاية واحدة هي جعل كل الكائنات في العالم تستنير بنور الله وتدبر بإرادة حكيمة واحدة. بينت الآية التي تناولنا تفسيرها في المجلس السابق أمرا عاما خافيا عن الأبصار، وذلك هو

[140]
تسبيح الموجودات وحمدها لله. إلا أن هذه الآية والآية التي تليها تبيّنان لنا ظاهرتين واضحتين للعيان في العالم، ولا سيّما أن هذا التعبير ورود في آخر هذه الآيات، وهو إننا ننظر إليها بعين بصيرة نظرة اعتبار.
تتعلق إحدى هاتين الظاهرتين بالريح والسحاب والمطر والثلج أو ما يسمّيه العلماء القدماء بـ"الكائنات الجوية"، فيما تتعلق الثانية بعلم الحيوان وخلق الحيوانات. ومن الطبيعي أنّ القرآن يبتغي من وراء ذلك هدفا محددا يختلف عن الهدف الذي يسعى وراءه العام المختص بالأحياء أو بالأنواء الجوية. فالقرآن يستهدف من كلّ هذه الأمور إيضاح الجوانب المتعلّقة بالتوحيد ومعرفة الله والأبعاد المعنوية.
أتحدّث أولا بإيجاز عن الآية الأولى التي تصف الأنواء الجوي، هناك مجموعة من الأحداث التي تقع لا في الأرض ولا في السماء - بما تعنيه من حدود الشمس والقمر والنجوم - وإنّما في الجو المحيط بالأرض وتسمى بالأحداث الجوية، من قبيل تكاثف الغيوم في الجو، وحركة الريح، وهطول الأمطار، ونزول الثلج والبرد، والعواصف والأعاصير التي قد تكون أحيانا نعمة أو قد تكون بلاء، وهي على العموم أمور تتوقف عليها حياة الكائنات الحية ومنها الإنسان. فلو كان الهواء ساكنا سكونا مطلقا كالماء في حوض راكد لا يتعرض لأية هزة، هل يمكن للإنسان أن يعيش في أية نقطة من الأرض حتى وإن كانت معتدلة المناخ؟
من الواضح جدا انه لولا المطر لما كان هناك نبات أو حيوان أو إنسان. أنا لم أحصي الآيات بنفسي، لكي بعض من أحصوها يدّعون أنّ (105) آية من آيات القرآن تتحدث عن الريح والسحاب والمطر والثلج وما شابه ذلك. وقد تطور علم الأنواء الجوية تدريجيا شأنه شأن العلوم الأخرى وخاصة بعد

[141]
اكتشاف الوسائل والأجهزة الحديثة التي لم تكن متوفرة في ما مضى، إذ أنّها سهلت كثيرا على العلماء فهم التغييرات التي تقع في الجو. كانت دراسة الغيوم- على سبيل المثال - عملا شاقا بالنسبة للعلماء قبل حوالي ألف سنة. وبما أنهم كانوا يلاحظون أحيانا أن الغيوم تهبط دون الجبال، كانوا يضطرون إلى صعود الجبال - يا لها من مهمة شاقة - لدراسة ورؤية الغيوم من هناك.
ذكر ابن سينا أنّه صعد مرّات عديدة إلى أماكن تكون السحب أسفل من الموضع الذي هو فيه. وتحدث في أحد كتاباته عما يتكون منه السحاب قائلا: اتضح لي كنه السحاب خلال إحدى جولاتي وتبين لي أنه يتكون أحيانا من الهواء نفسه - لأنهم قديما كانوا يعتقدون أن السحاب بخار فقط لا غير - لكن ابن سينا كان يعتقد أن الهواء نفسه يتحول إلى سحاب. وقد ثبت أن السحاب عامة عبارة عن هواء مشبع ببخار الماء. واليوم وبعد اختراع هذه الأجهزة صار بإمكانهم التحليق فوق السحاب بكل سهولة وبواسطة الطائرة العادية التي يركبها الناس وتطير بهم فوق السحب، حتى أن الإنسان ليظن إذا نظر منها أن كميات الناس وتطير بهم فوق السحب، حتى أن الإنسان ليظن إذا نظر منها أنّ كميات كبيرة من الثلج تراكمت على الأرض.وكذلك من بعد اختراع أجهزة الإذاعة كبيرة من الثلج تراكمت على الأرض وكذلك من بعد اختراع أجهزة الإذاعة والمخابرة وغيرها من الاختراعات الجديدة المفيدة في مجال الأنواء الجوية.
التعابير القرآنية في موضوع الرياح والسحاب والأمطار وما إليها، تعابير تثير الدهشة وخاصة بعد الاختراعات الجديدة في هذا المضمار، مع أن القرآن يسير في تعابيره هذه نحو الاتجاه الذي يهدف إليه. والقرآن يصب اهتمامه - في كل ما يعرضه - على موضوع التوحيد، لأجل إيجاد جسر يربط ما بين الإنسان وربه. إلا أن التعابير التي صاغها القرآن هنا تثير الدهشة والإعجاب لدى المطلعين على البحوث العلمية وخاصة في العصر الحديث، بل بدت لهم ضربا من الأعجاز. وأؤكّد خاصة على الحضور الكرام وطلبة الجامعات على الأخص

[142]
أن يطالعوا الكتاب الذي دون قبل عدة سنوات تحت عنوان "الرياح والأمطار في القرآن" ويقسم موضوع هذا الكتاب إلى بابين: الأول عن حركة الرياح وتراكم السحب وهطول الأمطار والثلج وما شابه ذلك وفقا لآخر النظريات العلمية الحديثة. ويأتي في الباب الثاني منه على ذكر الآيات القرآنية الخاصة بهذا الحقل الواحدة تلو الأخرى..
والحقيقة أن الإنسان إذا طالع هذا الكتاب تأخذه الدهشة والحيرة ويشعر قطعا أن معلوماته مستقاة من جهة علمية أخرى، ولا يمكن للرسول (صلى الله عليه وآله) باعتباره إنسانا أن يكون مطلعا على مثل هذه القضايا، بل إن الإنسان لم يكن على إطلاع بها حتى نصف القرن الأخير.
هناك آيتان في القرآن متشابهتان في المعنى وكأنهما آية واحدة، أو قل بينهما اختلاف ضئيل جدا. أحدهما هي هذه الآية (43) من سورة النور والتي نصها: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}، والأخرى هي الآية (48) من سورة الروم { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}.
تقول الآية الواردة في سورة الروم: إن الله عز وجل هو الذي يرسل الرياح، وأشير هنا إلى نقطة هي أن القرآن يأتي تارة بكلمة "الريح" مفردة، ويأتي بها جمعا تارة أخرى "الرياح" وبعد تقصي هذا المعنى تبين أن هذه الكلمة حيثما وردت مفردة فهي تحمل دلالة على الخراب والدمار والهلاك والعذاب. مثل قوله تعالى: {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ}(الذاريات41).وحيثما أريد التبشير

[143]
بالرحمة والخير تأتي الكلمة "الرياح". وقد اثبت العلم الحديث أن الرياح التي تحمل سحبا ممطرة لا تهب من جهة واحدة، بل من جهات عديدة وتتظافر سوية بهيئة خاصة فقط في الوقت التي تسبب فيه نزول الأمطار. والأعجب من ذلك هذا المعنى الذي يستفاد من القرآن، صرح ب