لقاء خاص
عنوان الخطبة :

البعد المعنوي في حياة الشيخ بهجت (قدس)

س1: كانت لسماحة الشيخ الفقيد (رحمه الله) صلاة متميزة، تدعو إلى خشوع الآخرين.. ما هي التوصيات في هذا المجال؟..
ج:
إن الشيخ المبرور -رحمه الله، وحشره مع أوليائه- كان يوجد التأثير الكبير في نفوس من كان يصلي خلفه.. فالصلاة هي قمة اللقاء مع الله عز وجل، والصلاة الخاشعة {.. وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.. حيث أن الإنسان يحاول جاهداً أن يخشع في صلاته، ولكن بعد أن يبدأ بالصلاة، وإذا بنفسه تخونه ويذهب يميناً وشمالاً.. سألت سماحته (رحمه الله): كيف يصلي الإنسان صلاة خاشعة؟.. كان جوابه: "أن الخواطر على قسمين: خواطر تأتي أثناء الصلاة قهراً، وخواطر تأتي اختياراً".. الخواطر القهرية: هي الخواطر الإجبارية التي تهجم على المصلي، دون تعمد منه.. وأما الخواطر الاختيارية: فهي متابعة الخواطر القهرية.. فالنفس أو الشيطان أحدهما يذكر المصلي بحادثة: إما مثيرة للغضب، أو للشهوة.. فالخواطر: إما وهمية: لا قيمة لها لا سلباً ولا إيجاباً.. وإما تثير الغضب: كتذكر مشكلة قديمة.. وإما تثير الشهوة: كتذكر منظر شهوي، أو صور محرمة.. فإذن، متابعة الخاطرة اختيارية، وهذه الخطوة الأولى التي هي من الشيطان، لم يكن للمصلي دور فيه ولكن عليه ألا يتابع.. رب العالمين لا يؤاخذ بالخواطر اللااختيارية.. إذا طبقنا هذه النظرية لسماحته على صلواتنا، على الأقل ننتقل إلى مرحلة الصلاة الخاشعة ذهنياً، بمعنى: أن الذهن لا يشرد ويُصفى.. أما مسألة الخشوع القلبي، والحركة المعراجية؛ فهذا يحتاج إلى معرفة.. والذي كان يصلي خلفه (رحمه الله)، يعلم شيئاً من الأجواء التي كان يعيشها سماحته.

 

س2: كان شيخنا الفقيد (رحمة الله عليه) يؤكد على مسألة الصلاة على النبي وآله..  فما هو وجه هذا التأكيد برأيكم؟..
ج:
إن الصلاة على النبي وآله (ص) يبدو من نظرة الشيخ (رحمه الله)، أن القضية فوق مستوى الذكر المجرد؛ فهي جلب لنظرة النبي وآله.. طبعاً الصلاة التي تصل إليهم؛ لأن هناك صلاة صادرة، وصلاة واصلة.. فالصلاة دعاء، وهذا الدعاء قد يستجاب وقد لا يستجاب كأي دعاء، للأسباب المانعة: لغفلة، أو لكونها لقلقة لسان، أو لوجود الذنوب المانعة للإجابة.. هذا الدعاء إذا استجيب، فإن هناك التفاتة من النبي وآله (ص) للمصلي.. سألت سماحة الشيخ (رحمه الله): إن الإنسان يتحير بين اختيار طريقين: فالإنسان لا يعلم هل يمشي في هذا الطريق أو هذا الطريق؟.. وطلبة العلم إجمالاً يعيشون هذه الحيرة: بين الخطابة، وبين التحقيق، وبين البحث العلمي المعمق، وبين التأليف.. فالوديان العلمية كثيرة ومتشعبة، فأي طريق يجب أن يسلكه الإنسان؛ كي يرضي صاحب الأمر (عج)؟.. فكان جوابه (رحمه الله): "أكثر من الصلاة على النبي وآله؛ تكشف لك الحجب".. معنى كلامه: أن الإنسان عندما يكثر من الصلاة على النبي وآله (ص)؛ تصبح له التفاتة من عالم الغيب؛ أي من النبي وآله (ص).. أحد العلماء له تعبير جميل، يقول: "فرق بين إنسان تحت الرعاية مع الالتفات، وتحت الرعاية بلا التفات".. تارة يكون الإنسان في رعاية رب العالمين، وهو ملتفت لهذه الرعاية، من خلال منام صادق، أو ما يسمى بالمكاشفة.. وتارة لا يعلم هذه الأمور، ولكن في مقام العمل هو إنسان مسدد، وكأن هناك يداً غيبية ترعاه يميناً وشمالاً.. مثله مثل الجدول: بعض الأوقات الماء هو الذي يرسم الجدول، أي أثناء سيره يشق طريقه.. وبعض الأوقات يكون الجدول مرسوماً، فالماء يجري بما هو موجود، وينساب باتجاهه.. فرب العالمين كأنه جدول حياة البعض، أي صبّ لهم جدول الطريق، فهو يرى أن ماءه يجري في قنوات مرسومة سلفاً.

 

س3: ذكرتم بالنسبة إلى الصلاة على النبي وآله (ص) شروطاً.. ما هي هذه الشروط، وكيفية الصلاة؟..
ج:
الصلاة هي "اللهم"!.. وأصلها: يا الله!.. فعندما يقول الإنسان: يا الله!.. لابد أن يستحضر المخاطب.. مثلاً: عندما يحاور إنسان إنساناً آخر، فإنه يلتفت إليه، وعينه تكون باتجاهه، ويستحضر وجوده معه.. كذلك الذي يحب أن يناجي ربه؛ لابد أن يعيش هذا المعنى.. وهذا طبعاً شيء يثير الأسف أن نقول: عاملوا رب العالمين، كمعاملتكم للمخلوقين على الأقل!.. فإذن، إن الصلاة على النبي وآله عبارة عن دعاء.. وهذا الدعاء له شرائط، وإلا لا يعقل أن الإنسان يلقلق بلسانه، ويعطى آثار الذكر القلبي، إلا اللهم من باب التفضل!.. قد يتساءل البعض: هل نتوقف عن الذكر اللفظي؛ لأنه ليس فيه أي توجه، فهو مجرد لقلقة لسان؟..
أولاً:
هذا خير من العدم، فشغل الفم بالذكر؛ خير من شغله بالكلام الباطل، أو بالطعام مثلاً.
ثانياً:
القضية كقضية سنابل القمح: فالإنسان قد يمتلك آلاف السنابل وهي فارغة، ولكن قد يتفق وجود حبة في هذه السنابل.. وكذلك بالنسبة للإنسان: فقد يصلي مائة مرة، وهو لاهٍ، ولكن مرة واحدة يتوجه؛ وهنا بيت القصيد!..

 

س4: إن البعض يمسك السبحة، ويسبح ويصلي على النبي وآله، ولكن دون حضور قلبي، مجرد لقلقة لسان.. مسألة قبولها عند الله -عز وجل- كيف تكون؟..
ج:
حسب الموازين، الاستجابة فرع الحضور.. ولكن رب العالمين واسع كريم!.. فالذي يشغل لسانه بالذكر، على أمل أن يلتفت إليه؛ سيلتفت إليه ولو التفاتة إجمالية.

 

س5: ورد في مضمون إحدى الروايات: أن الإمام علياً (ع) رأى إنساناً يستغفر ثم يعصي.. فقال له: "أستغفر الله من استغفارك".. فما وجه هذا، بالنسبة إلى الحضور القلبي؟..
ج:
إن الاستغفار من دون حضور القلب، قد يعد من مصاديق الوهن، وعدم توقير المولى.

 

س6: ذكرتم أن الله -سبحانه وتعالى- قد يعطي المؤمن بعض المكاشفات، أو الأمور الغيبية.. هل بالإمكان أن نعول على هذه المكاشفات؟..
ج:
لا يعول عليها، ونحن عادة نتحاشى الحديث في هذا المجال؛ لأنه قد يفتح باب الوهم.. كان سماحته (رحمه الله) من أنصار الكتاب والسنة والعترة، ولا يخوض بما وراء ذلك.. البعض -مع الأسف- أنشأ مدارس موهومة، وجمع مريدين واصطلاحات، وكأن الحركة التكاملية، والسير إلى الله -عز وجل-؛ أشبه بحركة حزبية.. وُجّه لسماحته (رحمه الله) سؤال عن الأوراد، فقال: "عليكم بمفاتيح الجنان، هذا كتاب دعاء، ادعوا الله -عز وجل- بهذا الموجود"، وكان يقول: "الإنسان على المائدة المعنوية، عليه أن ينظر إلى طعامه".. فالبعض ينظر إلى الآخرين، ولكن عليك بما رزقك الله -عز وجل- من طعام معنوي في هذا المجال، {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} إلى الغير.

 

س7: كثيراً من الناس عندما يسمعون كلمة "العرفان" يتراجعون؟..
ج:
هذا
له سبب، وذلك لكثرة المزيفين طوال التاريخ.. فالذين كانوا في قبال أهل البيت (ع)، كان لهم هوى في هذا التوجه؛ لأن هذا يشغلهم عن خط أهل البيت (ع).. وأهل البيت كانوا في رأس المقاومة لهذه الوجودات التي كانت غاصبة للحق الطبيعي، وبالتالي الذي كان يدعو في زمانهم إلى: العبادة، والصومعة، والرهبنة، وحياة الاعتكاف؛ كان يلاقي هوى في نفوس الظالمين.. وعليه، يجب أن نبتعد عن الاصطلاحات في هذا المجال.. علينا أن نعيش جو العبودية، والعبودية تتمثل في الرسالة العملية.. كان (رحمه الله) يؤكد في كتاباته على أن: "الرسالة العملية، هذا هو الفقه الظاهري.. وإن أردت شيئاً في هذا المجال، عليك بباب جهاد النفس من كتاب الوسائل"، يكفيك أن تقرأ هذا الباب "جهاد النفس" من كتاب الوسائل، مع الرسالة العملية.. هذا هو الدين.. وتيسيره لهذه الحركة، هي من مزايا شيخنا الفقيد (رحمه الله).

 

س8: قرأت في أحد عبارات الفقيد الغالي: "إذا وجدت نفسك في حالة ذكر الله -عز وجل- لدقيقة واحدة، فلا تصرف نفسك عن ذلك باختيارك، ولا تبال بالانصراف والغفلة غير الاختياريين"؟..
ج:
إنها عبارة من العبارات الرائعة!.. ولعل في كلمة له (رحمه الله) يشبهها بالنور: "إذا وجد هذا النور في قلبك، فوسع هذا النور"!.. اغتنم الفرصة!.. الذين يعتبون على الزمان، وعلى عدم وجود الأستاذ، وعلى تكالب الأهواء؛ معظم هؤلاء رب العالمين أعطاهم منحة!.. حتى أصحاب القلوب القاسية، رب العالمين يمنّ عليهم: في سفرة حج، أو في عمرة، أو في مشهد من المشاهد.. في ساعة من ساعات الليل والنهار، يمنّ عليهم بالتفاتة ربوبية.. ولكن -مع الأسف- هو يصرف وجهه، رب العالمين يقبل عليه، وهو يدبر عنه.. مثلاً: صلى صلاة في أولها كانت خاشعة، -خشوع إجمالي- ولكن هو باختياره يذهب هنا وهناك.. معنى كلامه (رحمه الله): أنه مادام هناك التفاتة وإقبال ولو لدقائق، أنت لا تصرف وجهك، دع الحالة تذهب تلقائياً، لا تغلق هذه النافذة باختيارك!.. أنت بمثابة إنسان في محضر الملك، فهذا اللقاء لابد أنه سينتهي، لذا عليك استغلال كل لحظة.. لا أن تذهب لتجلس مع الخدم والحشم في القصر، مادام هناك سعة من الوقت.. فنحن هذا مثلنا!..

 

س9: ذكرتم في ضمن الإجابة، مسألة الأستاذ في السير والسلوك.. ممكن توضحون الأمر؟..
ج:
سئل سماحته (رحمه الله) عن الأستاذ فكان جوابه: "أستاذك علمك".. تارة يكون الأستاذ عبارة عن وجود ناطق يتكلم ويمشي، وتارة عبارة عن معلومة.. في أواخر حياة سماحته (رحمه الله) كثر التأليف حوله، فهو من الشخصيات النادرة التي كثر التأليف عنه، وعن أقواله، وكلماته؛ وهو حي يرزق!.. هناك مجلدين، ولعله وصل إلى ثلاثة مجلدات، من الكلمات الحكمية التي كان يلقيها أثناء الدرس، أو غير الدرس، جمعها أحد تلامذته.. فمن كان يتمنى أن يجلس معه، فليطلع على هذه الكلمات المدونة!.. سماحته (رحمه الله) ما وصل إلى هذه المقامات، إلا من خلال العمل بكلمات أساتذته.. والفاصل الزمني بينه وبين أساتذته في العرفان، قرابة خمسين عاماً -تقريباً- لأنه تركهم وانتقل إلى قم، وأثناء إقامته في قم، لم يكن له أستاذ.. هو شق طريقه، والسنوات التي كان فيها في محضر أساتذته سنوات قصيرة، قياساً إلى عمره المديد.. فإذن الأستاذ هو العلم.. نعم، إن وجد الأستاذ نور على نور!.. ولكن إذا لم يوجد الأستاذ، ليس معنى ذلك أن يقف الإنسان حائراً.

 

س10: بالنسبة إلى الأستاذ: هل تصرون على وحدة الجنس بالنسبة إلى الأستاذ؟..
ج:
بالتأ
كيد!.. لأنه مع وجود اختلاف الجنس، هناك مجال للهفوات، ودخول الشيطان في الطريق.

 

س11: من أساتذة سماحة الشيخ (رحمه الله) السيد علي القاضي.. ما هي المنقولات التي نقلها عنه؟..
ج:
إن القضية التي كان يكررها أكثر من مرة، وينقلها تارة بالإجمال، وتارة بالتفصيل، وهي: أن السيد القاضي (رحمه الله) في أواخر حياته، أراد أن يلخص مدرسته الأخلاقية في كلمات مختصرة، فتفاجأ أنه ذكر "الصلاة في أول الوقت".. وكأن هذا العمل مفتاح كل الكمالات، حتى أن سماحته كان يقول: "لا أتذكر أنه كان يقيد الصلاة بكونها خاشعة"، وكان يقول لفترة: كنت أكتم هذا الحديث عن الغير، لعل البعض قد يستهزئ!.. لأنه يتوقع من السيد القاضي، أن يفصل ويأتي باصطلاحات.. ولكنه كان يعلق ويقول: "نعم، هذا هو الأمر الواضح والطريق".. الحق معه؛ لأن من لا يصلي في أول الوقت، هذا الإنسان في مقام العمل لا يوقر مولاه حق التوقير.

 

س12: سماحة الفقيد الراحل -أعلى الله مقامه- كان كثير الزيارة للإمام الرضا (ع) برأيكم: ما سبب هذه الزيارة، وما هي توصياته في هذا المجال؟..
ج:
إن
الإمام الرضا (ع) كما كان يقول زميله العلامة الطباطبائي: "إن ألطاف الإمام الرضا (ع) حسية" أي يدركها كل أحد!.. فرق بين لطف غيبي، وبين لطف محسوس.. فكان سماحته (رحمه الله) من مدمني زيارة الرضا (ع)، بما لا يخل بسير الدراسة، لقد كان حريصاً أن يكون هذا السفر أيام العطل.. هو وأمثاله من العلماء عندما يقفون أمام المشاهد، تكون حالتهم أرقى من حالة الزيارة، وكأنه حديث مع الطرف المقابل.. كان سماحته (رحمه الله) عندما يقف أمام ضريح السيدة المعصومة، وأمام ضريح الرضا (ع) كأنه يحدثهم، وكأنه يكلمهم!.. وكان يكثر من الزيارة الجامعة.. وله كلمة حكمية في هذا المجال: "ليس المهم أن تذهب إلى الحرم، المهم أن يأتيك الحرم".. لأن الحرم إذا جاء، أنت أينما تكون؛ سكن قلبك.. أي لا ينبغي الاكتفاء بالزيارة الظاهرية للمشاهد، بل ينبغي للإنسان أن يعمل صفقة مع المعصوم.. بحيث عندما يرجع إلى بلده، يجلب معه هذه النفحات التي أُعطيها في تلك السفرة.

 

س13: كثيراً ما نلاحظ من بعد الزيارة، يكون لدينا نفحات.. ولكن عند الرجوع إلى البلاد تقل هذه النفحات، وقد تتلاشى نهائياً.. كيف الحافظ عليها؟..
ج:
إن
النفحات التي نعيشها هي من ضيافة المعصوم، وليس من كمالاتنا نحن.. بعض الأوقات الإنسان يُغش بهذه النفحات، ويظن أنه على شيء.. فهذه ضيافة المعصوم ورب العالمين!.. لذا عليه أن يعمل من أجل إيجاد جو خاص بنفسه عندما يرجع إلى وطنه!.. فالزائر مثله كالغواص في أعماق البحر: خارج البحر في الهواء العادي، يتنفس بشكل طبيعي.. أما إذا نزل إلى أعماق البحر، حيث لا هواء؛ لابد أن يعمل ويعيش على ما يعينه في هذا المجال.

 

س14: هل كان لسماحته (رحمه الله) مدرسة أخلاقية.. وماذا كان يوصي تلاميذه؟..
ج:
سماحته (رحمه الله) لم يكن في هذا الصدد: أن ينشئ مدرسة أخلاقية بمعناها الاصطلاحي، أي كأنها قضية حزبية: لها مبادئ، ولها أصول.. كان دأبه: "الدعوة إلى العمل بالكتاب، وروايات أهل البيت".. وسماحته (رحمه الله) كان من أشد المروجين لمجالس أهل البيت (ع).. فما من مناسبة من مناسباتهم: ولادة، ووفاة؛ إلا وكان يقيم العزاء حتى في سفره.. وفي مشهد الرضا (ع)، مجالسه معروفة!.. فهكذا كان يروّج للعمل بالمسلّمات، كان يقول: "أنتم اعملوا بالواضحات التي عندكم، ورب العالمين يفتح لكم الأبواب لاحقاً".. فالإنسان عندما يعمل بالمسلّمات الواضحة كما في الخبر: (من عمل بما علم، رزقه الله علم ما لم يكن يعلم).. أما مسألة المريدين: فسماحته (رحمه الله) كان في هذا المجال غير مكثر، ولا يسمح أن تتحلق حوله حلقات، وأن يعرف الناس باسمه، وأن هؤلاء أبوابه اللاصقين.. كان هناك عدد محدود جداً، بخلاف البعض.. عندما جاء أحدهم لينشر كلاماته الملتقطة من الدروس وغيرها، قال له: انشر الكتاب، ولكن لا تذكر اسمي.. وعندما كانوا يصرون عليه من أجل طباعة بعض كتاباته، كان يقول: كتب الأقدمين لم تطبع، حيث أن هناك مخطوطات لم تطبع حتى الآن، وهم أولى مني!.. وكأن القضية قضية دور!..

 

س15: في هذه العجالة نريد كلمة قصيرة في حق هذا الرجل العظيم (رحمه الله)؟..
ج:
من أواخر كلماته التي سمعته منه (رحمه الله) في اللقاءات الأخيرة، "كان يؤكد على ألا نعمل ما يوجب الندامة.. يقول: بعضهم ذهب من الدنيا، وأصبعه في فمه"؛ كناية عن الحسرة.. قبل أن يذهب من هذه الدنيا، وضع إصبعه في فمه، وعض على يده قبل أن يعض عليها يوم القيامة، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا}.
من توصياته (رحمه الله):

أولاً: كان يوصي دائماً "بالمحاسبة والمراقبة؛ لئلا يبتلى بالندامة لاحقاً".. هو وسيرة أسلافه من العلماء الأبرار، يعدون المراقبة، هي العمود الفقري للسير إلى الله عز وجل.. (رحمه الله) كان يقول معنى كلامه: "أن الذي ليست عنده مراقبة، لا يصل إلى شيء".. طبعاً المراقبة المستمرة، وكأن الإنسان من دون هذه المراقبة، لا يحقق شيئاً.
ثانياً: كان يوصي بهذا الدعاء المأثور عند الشدة، حتى كأنه عرف به: (اللهم!.. اجعلنا في درعك الحصينة التي تجعل فيها من تريد).. ثلاث مرات صباحاً ومساءً.
ثالثاً:
كانت له كلمة حول صلاة الوحشة، كان يقول نقلاً عن علمائه السلف: "ما المانع أن يصلي الإنسان صلاة الوحشة كل ليلة، لكل من مات ودفن بذلك اليوم"؟.. يقول الإنسان: يارب، هذه الليلة آلاف المؤمنين ذهبوا إلى جوارك، فأنا أصلي صلاة الوحشة لهم جميعاً.
رابعاً:
أيضاً كان يؤكد على "دعاء الفرج ساعة الأذان"، وهذا أيضاً ضمن القواعد، حيث أن السماء تفتح أبوابها في ساعة الأذان.

 

كلمة أخيرة: إن الأمر لم يأت من فراغ، فهو قبل سن البلوغ كان له مراقبة لنفسه، وكان ملتزماً ببعض الأمور.. ثمانون سنة من العمل الدائب والتزكية، من الطبيعي أن تنتج هذه الثمرة.. هناك الكثيرون لهم قرب متميز من رب العالمين، ولكن نسوا مع المنسيين.. أما شيخنا الفقيد (رحمه الله) فقد فتح له رب العالمين باباً من أبواب الشهرة اللاإرادية، فهو كان يهرب من الشهرة في حياته.. ونتوقع أنه ستكون لمدرسته الأخلاقية -بالمعنى الذي ذكرناها آنفا- صداً أكثر مع الأيام!.. بعض الشخصيات تعرف قيمتهم بعد موتهم، كما هو المتعارف!.. هناك أسرار وجهات في شخصية الشيخ (رحمه الله)، وله أمور قد يصعب للبعض استيعابها.. رب العالمين له عباد وأولياء، يعطيهم شيئاً من الأسرار الربانية.. ولعل بعض هذه الأسرار، تنكشف بعد وفاته.. رحمه الله، عاش سعيداً، ومات سعيداً، وحشره الله مع أوليائه والصدّقين والشهداء والصالحين، وأرضى عنه إمام زمانه (عج)، إذ كان يمثل نيابته العامة.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج