100 كلمة قصيرة لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1- إن شهر رمضان شهر تجلي الكرم الإلهي، الكرم الذي لا حدّ له.. شهر رمضان شهر تجلي الرحمة، الرحمة التي لا حدود لها.. شهر رمضان شهر تجلي المغفرة، المغفرة التي لا حدود لها.. ولهذا يقال: من لم يغفر له في شهر رمضان، فمتى يغفر له؟.. وعن أبي عبد الله (عليه السلام): (من لم يغفر له في شهر رمضان، لم يغفر له إلى قابل، إلاّ أن يشهد عرفة)..

2- إن الحجاج عادةً: إما لا يعطون أوسمة، أي يُكتفى بالطعام والشراب.. أو يمنحون أوسمة مؤقتة، أي أنهم يعطون أوسمة، ولكنها تسلب منهم بعد الرجوع إلى أوطانهم..

3- إنه لمن المناسب أن يراقب الإنسان نفسه، وهو في حالة الخصام والغضب.. وذلك بأن يعيش حالة من الاثنينية، وهو ينظر إلى شكله في المرآة، ويقيّم هذا الشخص الذي يراه على أنه إنسان آخر، ويحكم على تصرفاته وشكله، ليرى كيف أن الشيطان يتمثل في صورته!.. وكذلك يراقب باطنه، بأن ينظر إلى دواعي هذه الخصومة، وهل أنها رحمانية أو غير رحمانية..

4- إن الوجاهة الاجتماعية بمثابة الهواء الذي يتنفسه الكائن الحي، وعليه فإن من يسقط إنسانا عن أعين الآخرين، فإنه يقضي على حياته من خلال خنقه، إذ سلب منه الهواء الذي يتنفسه.. وليس من العجب بعدها، أن نرى بعض الروايات ترجح إثم هذا الإسقاط على إثم الزنا، وذلك لأن الزنا أمر يتم في ستر وخفية، ومن السهل أن يعود صاحب هذه المعصية إلى حياة الاستقامة، بعد الندامة الصادقة والتوبة النصوح.. فتأمل في هذا النص النبوي: إن الرجل قد يزني فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه!..

5- إنسان يتعالى عن متطلبات ذاته!.. وإذا به في ساعتها يعطى درجة من درجات استشعار حلاوة السيطرة على النفس، فكيف إذا استمرت المجاهدة في دروب مختلفة من دروب الحياة؟!..

6- إذا جمع الإنسان الفترات الضائعة، فإنه بعد فترة من الجمع، سيراها فترة طويلة من الحياة.. هذه الساعات تحتاج إلى برمجة، وهنالك عدة برامج لساعات الفراغ.. مثلا: هنالك أسلوب الذكر.. والذكر درجات: هنالك ذكر مع تركيز، وهنالك ذكر بلا تركيز.. طبعاً الذكر مع التركيز له قيمة كبرى، ولكن أيضا الذكر بلا تركيز خير من العدم..

7- إن القليلين هم الذين يعيشون حقيقة هذا السفر -الموت- ويعدون له العدة.. والمصيبة الكبرى أن الإنسان بمجرد أن يذهب من هذه الدنيا، يستفيق على سفره.. ولكنه يستفيق وقد وصل إلى المحطة الأخرى، وليس له زاد في تلك المحطة.

8- إن الذهاب إلى المقابر، هو من المحطات الجميلة في حياة الإنسان المؤمن.. نعم، يكون ذلك إذا حولنا المذاق.. فمن الأمور التي يهتم بها الإنسان المؤمن، تغيير ذائقته وذوقه والحلاوة التي يستشعرها في وجوده.. إن المؤمن يصل إلى درجة، تتحول لديه المذاقات.. قطعة الحلوى لذيذة وحلوة، إلا أنها لا تغري المؤمن كثيرا..

9- أيهما أكثر تواجداً: الذهب عند محلات الصاغة، أو الذهب في مناجم الذهب؟.. هذا الذهب في المحل، مأخوذ من المنجم.. فإذا كان الإنسان يحب الذهب، فليذهب إلى المنجم ليحصل على الكنوز.. وهذه المودة المجعولة بين الزوجين، وهذه الرأفة المجعولة في قلوب الأمهات الرواحم (وعطفت علي قلوب الحواضن، وكفلتني الأمهات الرواحم ).. هذا الأنس، وهذه المودة، وهذه اللذة، هي من مجعولات الله عز وجل.. فهنيئا لمن أوصل نفسه بهذه اللذة!..

10- إن اللفظ عملية متعلقة بعالم الأبدان: الزفير يخرج، وأوتار الصوت تتحرك، والحنجرة والفم والفكان، كل ذلك يتحرك ليقول الإنسان: الله أكبر!.. فما قوام هذا التكبير، أو الاستغفار؟.. إنه هواء يخرج من الرئتين، والهواء الخارج هواء سام، هو عبارة عن ثاني أكسيد الكربون.. فالأذكار اللفظية كلها من هواء فاسد، ولا يعني شيء في الواقع..

11- لا نرى في مجتمعاتنا أناسا متميزين في هذا المجال.. إنهم قلة!.. لأن أغلبهم ينتقم منهم بين المملكتين: بين مملكة الدنيا، ومملكة الآخرة..

12- إن الذين يريدون أن يصلوا إلى شهر رمضان متميز، فتحقيق ذلك يتم من خلال القرآن الكريم.. لأن الصيام -حسب الظاهر- هو: عملية كف عن الطعام، والشراب، وباقي المفطرات.. ولكن هذا الكف أو هذا الصوم يحتاج إلى منهج، وإلى خلفية فكرية؛ والقرآن الكريم هو الجزء المكمل، من خلال إعطاء الإنسان الرؤية الكونية المناسبة..

13- إن الإنسان عندما يصوم، يسيطر على غرائزه، وعلى نزواته، وعلى ما ألفه طوال السنة، ولكن العقل أيضاً يحتاج إلى برنامج.. والذي يتكفل هذا البرنامج، هو القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم هو الذي يفلسف الحياة، ويفلسف حركة الإنسان؛ وعندئذ هذا الكف البسيط -الذي هو فعل من أفعال الفم، والمعدة، والأمعاء... الخ- يتحول إلى عملية هادفة..

14- إن الإنسان الذي بملء اختياره، يكف نفسه عن الطعام والشراب وغيره من الصباح إلى الليل، فإن هذا الجوع يُفَّتح مسارب النفس..

15- إن نفس عملية الجوع من موجبات انفتاح البعد الفكري، والثقافي، والتوعوي عند الإنسان.. (البطنة تذهب الفطنة)!.. فإذا كانت البطنة تذهب الفطنة، معنى ذلك أن العكس -وهو الصيام- يفتح الآفاق للتدبر والتأمل في كتاب الله عز وجل..

16-  إن من الأشياء التي ينبغي أن يصر عليها كل حاج: أن يبقي هذه الطهارة الباطنية.. فالإنسان يرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه، ولكن هذه -حتى الحج المقبول- ليس فيها ضمانة أبدية.. لذا لابد من أن نحافظ على هذه الغرسة المباركة لتؤتي أكلها كاملة، من خلال الحركة في الحياة.. فعندما نرجع إلى الأوطان، لنرجع على نهج إبراهيم الخليل (ع)، في كل أبعادنا الحياتية، وما ذلك على الله -عز وجل- بعزيز..

17- لقد منَّ علينا رب العالمين بهذه المنة، أن جعل النظر اختيارياً، والقول اختيارياً.. فكما أن الإنسان إذا أطبق شفتيه، بإمكانه أن يمنع نفسه من القول، وينشغل بالذكر الباطني الخفي دون أن يعلم به أحد.. فالعين كذلك؛ إذ جعل رب العالمين عليها جفنين اختياريين، والإنسان بإمكانه أن يطبقهما عند النظر.. أضف إلى أن من الخواص التي جعلها الله -عز وجل- للعين، أن الإنسان بإمكانه أن ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه؛ أي لا يحدق فيه، ولا ترتكز تلك الصورة في باطنه، عندما يصرف نظره عنه..

18- إن من المبادئ الأساسية في النجاح في حركة الدعوة إلى الله عز وجل: البحث عن الدوافع الحقيقية.. ففرق بين النية التلقينية، وبين النية الواقعية..

19- إن من دقائق الأمور ومن لطائف الأمور ومن مشكلات الأمور -الذي هو أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة-: البحث عن النوايا الباطنية.. ولطالما الإنسان يغلف دواعيه الذاتية والإنية والدنيوية بمنطلقات إلهية، ولكن الله -عز وجل- ناقد بصير، وأدرى بنا من أنفسنا!..

20- إن الإنسان أشبه شيء بالسفينة الواقفة، والسفن الشراعية قديما كانت تعتمد على حركة الهواء: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا}، {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ}.. فرب العالمين من صفاته أنه يُزجي ويحرك.. إن سفننا قد تكون محملة ببضائع غالية ونفيسة، ولكن إذا لم تكن هنالك قوة مزجية، قوة محركة، فالذي يزجي الفلك، والذي يزجي السحاب؛ إذا لم يتدخل في دفع الإنسان إلى الجهة التي يريدها، فإن هذا الإنسان سوف لن يصل إلى الساحل المقصود..

21- إن علينا أن ننظر إلى ميولنا بشكل طبيعي؛ فإن الميل التكلفي قد لا يثمر نتيجة..

22- من يريد أن يكون متميزا في باطنه وسلوكه، لابد أن يكون مطلعا على الأوليات.. والعلم مخزون عند أهله، فاقتبسوه من مظانه.. وهذه الأيام الكتب المؤلفة في هذا المجال ليست بالقليل..

23-  كما أن للبذرة حركتين: حركة جوهرية في الداخل، وحركة بيئية في الخارج، وبكمالهما تنمو البذرة.. فكذلك للنفس الإنسانية: حركة جوهرية، تتمثل في تحريك قواها الداخلية، وحركة خارجية تتمثل في المؤثرات البيئية، والتي نسميها العقل الجمعي، أو التأثير اللاشعوري لمجموعة بشرية، تتحرك نحو محور واحد..

24- إن للإنسان تكوينا بدنيا وتكوينا نفسيا.. فكما أن هناك جسماً يتحرك، فهناك روح تنمو.. ولهذا فإنه في الوقت الذي نهتم فيه بالنمو الجسمي لأولادنا، يتحتم علينا أن نهتم بأرواحهم ونموها، هذا النمو الذي يبلغ أوج فورانه -تكاملاً أو تسافلاً- في مرحلة المراهقة..

25- إن من الأمور الواضحة: أن العبد لو رأى وسطا مراقبا يحتج على المنكر؛ فإن فكرة الحرام لا تنقدح في نفسه أساسا، لما يراه من الاستنكار العرفي لذلك!.. ومن هنا كانت الدعوة إلى العيش في البيئ السليمة، والتحذير من العيش في بلاد المنكر - وخاصة إذا أضيف إليها الكفر- وذلك لأن من آثاره هو إحساس الفرد بالحرية المطلقة، والتي تفتح له المجال لكي يحلق في عالم البحث عن التنوع والحداثة في صور المنكر!.. أضف إلى فقدان المنكر لصورته البشعة، وهو ما نسميه بملكوت الحرام..

26- إن الكلمة الطيبة بمثابة البذرة الصالحة التي تنتظر الظرف الملائم للإنبات، وكثيرا ما يكابر الطرف عند النصيحة -وخاصة في ساعة الغضب- ولكن سرعان ما يعود إلى رشده.. فإن الكلمة الطيبة الصادرة من نية حسنة، وحرص على الهداية؛ تقع موقعها في النفوس..

27- إن الانتساب إلى العظيم بالذات، يوجب العظمة بالعرض.. فهذه الأنفاس التي لا قيمة لها في باقي الأيام، تتحول إلى تسبيح (وأنفاسكم فيه تسبيح)!.. والنوم يتحول إلى عبادة (ونومكم فيه عبادة)!.. وخلوف فم الصائم ذو الرائحة الكريهة، يتحول إلى ما هو أطيب من المسك!.. كل ذلك من بركات الضيافة الإلهية في هذا الشهر، فطوبى لمن تعرض لها بشرطها وشروطها!..

28- إن الشريعة الخاتمة تربط دائما بين البعد الفردي للعبادة وبين البعد الاجتماعي لها، فلا يريد منا أن نعيش حالة الرهبانية والصومعة، بل يريد منا أن نعيش حالة العبودية الجامعة، ومنها الاهتمام بأمور المسلمين، سواء في طعامهم المعنوي (إرشادا وهداية) أو طعامهم المادي (إفطارا للصائمين)..

29- إن الشكاية من قسوة القلب بعد رقته ولينه، أثناء التفاعل مع أجواء الدعاء؛ لهو خير دليل على حياة القلب، وعلى إيمانه وتمسكه بقيم الارتباط مع المولى.. إذ أن المحب يحاول التحليق في ساحة أنس المحادثة، ورونق الهمس مع المحبوب، ويأبى الفراق والهجر بعد الوصال والقرب.. بيد أن الله -عز وجل- وبحكم كونه (المعشوق) يستدعي إلى ساحته العشاق والمحبين، وما أكرمه سبحانه وتعالى!.. فيداه وعلى الدوام مبسوطتان بالعطية، وبابه مفتوح على مصراعيه لمحبيه ومتيميه..

30- إن مائدة القرآن الكريم من أغنى المعارف الإنسانية، لأنها تستمد موادها من مبدع هذا الوجود، وهو الكتاب الذي لا يصل الباطل إليه على مر الدهور.. وينبغي أن نعلم أن قوانين القرآن في عالم السنن الاجتماعية، هي كقوانينه في عالم المعادلات الطبيعية، وذلك لأن صاحب الخلق هو صاحب الأمر والتشريع.. ومن هنا، فإن المستوعب لهذه الحقيقة، يتعبد بكل ما جاء في الشريعة، وإن لم يفهم أسرارها.. فمتى استوعبنا أسرار الطبيعة، لنستوعب أسرار ما وراءها؟..

31- إن الكريم أثناء ضيافته لخلقه، يغض الطرف عن العراقيل والموانع، التي تعوق اتصال السائل به تبارك وتعالى.. فمن باب أولى بالسخاء الإلهي أن يتجاوز تلك العقبات التي نصبها العبد في الطريق، لنيل العطايا الإلهية والعطايا الربانية.. فالإله -عز وجل- بكرمه وجوده، يزيل كل العراقيل والعقبات.. فالشياطين مغلولة، والحجب مرفوعة، والأرزاق مبسوطة.. فتبارك الله أكرم الأكرمين!..

32- إن ضيافة المولى عز وجل، تكون لكل عباده الوافدين إليه، والمقبلين عليه.. ولا تكون ضيافته مقتصرة على عدد معين من الناس، أو تكون ضيافته -تبارك وتعالى- بالانتخاب والاختيار.. فالمائدة معدة للجميع..

33- إن الانتساب إلى الله -عز وجل- من ناحية الزمان، أثناء أشهر الضيافة الخاصة.. أو الانتساب به -عز وجل- من ناحية المكان، أثناء التشبث بأستار الكعبة؛ يستشعر المنتسب لله من هاتين الناحيتين بحالة من الاطمئنان الروحي.. بيد أن هذه الحالة من الانتساب، قد لا تكون موجودة ومتوفرة، إلا إذا سنحت الفرصة الإلهية للتوفيق لها.. لذا فإن جو التصنع العبادي، يربط الإنسان بمولاه وخالقه في كل الأحوال، مواكباً للزمان والمكان.. فصلاة الليل والتهجد، لهي خير معين لعلاج القلب، من حالات القبض المتعددة..

34- إن المؤمن دائماً ما يحاول الوصول إلى رضا المولى عز وجل، في كل حركاته وسكناته.. ويصاب بنوع خاص من الحسرة والندم، إذا حصل أي تقصير في البين.. فحينما يحس بالتقصير والتضييع، فإنه حتماً سيتعالى صوته بالنحيب والبكاء، لتقصيره الدائم، ملتمساً المعذرة من رب العالمين.. عندئذ سيشعر بتقشع غمام القبض من قلبه..

35- إن للمؤمن وقفات ومحطات مع المولى سبحانه وتعالى، يتزود منها كل ما يحتاجه من مصادر الطاقة الروحية؛ ليعيش حراً طليقاً في هذه الحياة، فيعيش حلاوة المحبة والأنس.. لذا، يجب على المؤمن الفطن أن يستغل وقته بذكر الله عز وجل، وبتفعيل الأجواء العبادية في كل أوقات حياته..

36- إن الابتعاد عن أجواء المعصية والخطايا، تجعل القلب في حالة من الاطمئنان والاستئناس، في حال ارتباطه بالمولى.. وتجعل القلب دائماً منبسطاً منشرحاً لذكر الله، ومرتعاً لرضاه تبارك وتعالى..

37- إن الارتباط بالمولى عز وجل، وسيلة لأن يشكو المؤمن له همه، وأحزان قلبه.. لذا، فإنه من المناسب جداً أن تكون الصلاة موضوعاً لعلاج القلوب..

38- إن المؤمن يعتمد في أثناء ارتباطه بالله -عز وجل- على أسس قوية البنيان، تتطلب منه الاتصال بالباري -عز وجل- في كل الأوقات.. وذلك بعد جمع عناصر التكامل المنشودة المبعثرة..

39- إن اللجوء إلى الضرب والألفاظ النابية في الحياة الزوجية، تشكل قمة السقوط الروحي، الذي يذهب ببهاء الحياة الزوجية.. ويحدث شرخا من الصعب إن يلتئم، حتى بعد عودة الصفاء مرة أخرى..

40- إن الوهم بروافده العديدة، من موجبات شحن الباطن بكم كبير من الصور الباطنية، التي لا تلامس اليقين أبداً.. ومن هنا أمرنا القرآن بعدم اتباع الظن، وما ليس لنا به علم.. وإننا مسؤولون عما نحققه، نتيجة لتصديق الأوهام، والظنون الباطلة..

41- إن الذرية الصالحة تعد الملف المفتوح للإنسان، عندما ينتقل إلى عالم الانقطاع عن كل سبب.. يضاف إليها الصدقة الجارية، والعلم الذي ينتفع به.. ويا له من فوز عظيم، إذ يحتاج العبد إلى حسنة واحدة ترجح كفة أعماله، وإذا بالبركات تـنهمر عليه من ولد صالح له، لم يكن ذلك في حسبانه!..

42- إن الإعراض والغضب سلاح نافع، ومن هنا جعل الهجران في المضاجع من وسائل التأديب عند صدور الحرام من الزوجة.. ولكن تكرار استعمال هذا السلاح -بمبرر وبغير مبرر- يفقده قيمته في ما لو استعمل في محله يوما ما!.. فالذي يكثر من الغضب، فإن غضبه لا يحمل قيمة رادعة، بل قد يوجب سخرية أو تمرد الطرف المقابل.. هذا ناهيك عن الضرب الذي هو أسلوب التعامل مع البهائم، قبل أن يكون مع البشر!.. إلا في الحدود التي أذن بها الشارع الحكيم..

43- إن مسألة مواجهة كيد الشيطان من أعقد مسائل المواجهة، وذلك لأن هذا العدو اللدود، يجمع بين (خاءات) ثلاث: الخفاء، والخبث، والخبرة.. فمن ناحية: يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه، ولنتصور معركة أحد طرفيها: جيش مدرب لا يمكن رؤيته، أوَ هل يمكن للخصم أن يقاوم ذلك الجيش لحظة واحدة؟.. ومن ناحية أخرى: يعيش حالة الحسد المتأصل لبني آدم الذي كانت خلقة أبيهم آدم (ع) مصادفة لأول أيام شقائه، ومن هنا أضمر الحقد الدفين لاستئصال الجنس البشري، وسوقه إلى الهاوية.. ومن ناحية أخرى: له تلك الخبرة العريقة في عملية الإغواء، والتي شملت محاولات التعرض لمسيرة الأنبياء والمرسلين (ع) وإن باءت بالفشل بالنسبة لهم.. ولكن ما حالنا نحن الضعفاء والمساكين؟..

44- إن القرآن الكريم يحذر من خطوات الشيطان.. إذ أنه لخبرته ودهائه، لا يجر الإنسان إلى المعصية بضربه واحدة -لعلمه بعدم الانقياد له في المحرمات الكبيرة- ولكن بخطوات مدروسة، يجعل العبد يتورط بها، منتقلا من معصية إلى معصية.. ومثاله التطبيقي في عالم هوى النساء: هو الابتداء بالنظرة، ثم الابتسامة، والسلام، والكلام، والموعد، واللقاء حيث الارتماء في أحضان الشيطان المنتقم، وإن كان ظاهره هو الارتماء في أحضان بنات الهوى!..

45- إن للشياطين على الأرض مواطن تجول فيها وتصول، ومنها: الأسواق، وبلاد الكفر، ومواطن غلبة المعاصي كاختلاط الجنسين.. وعليه، فإنه ينبغي للمؤمن أن يتدرع بأقوى الأسلحة قبل النزول إلى تلك المواطن، لئلا تطمع فيه الشياطين.. وليعلم أن من تلك المواطن: مجالس الغافلين المسترسلين في الباطل الذين قال عنهم القرآن الكريم: {.... وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}..

46- إن من الخطأ بمكان، أن ننظر إلى منزلة النبي الأعظم من خلال مناقبه المثلى، لأجل التعظيم المجرد طلبا: للشفاعة، أو قضاء الحاجة -كما هو متعارف بين العامة- ناسين الهدف الذي من أجله بعث النبي الأكرم (ص)، ألا وهو تخليص البشرية من كل شوائب الشرك: جليّها وخفيّها.. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال اتخاذ النبي (ص) أسوة وقدوة، لا بمعنى الوصول إلى نفس مدارج النبي من الكمال، وإنما التشبه به قدر الإمكان..

47- إن القرآن الكريم ينفي بشدة أن يكون انفتاح أبواب الرزق المالي من سبل الكرامة الإلهية، بل هو باب من أبواب الابتلاء واستدراج العبد ليزداد إثما.. نعم، يتحول إلى كرامة للعبد عندما يصبح المال أداة لسد ثلمة في المجتمع إكراما ليتيم، أو حضا على طعام مسكين.. ولكن المشكلة أن المال الوفير يلازم غالبا حالة البطر والاستعلاء، ليتحول أخيرا إلى طوق من النار، نتيجة ما بخل به العبد في حياته الدنيا..

48- إن الرضوخ والرضا بالقدر والقضاء لهو من سبل النجاة، وطرق الخلاص، لمن أراد الوصول سالماً في سلك الناجين إلى المولى عز وجل.. حيث نتخطى العقبات بكل حزم ورباطة جأش؛ لينهل الراضي ما ينهل من معين الرضا الإلهي اللامتناهي..

49- إن المنعم -عز وجل- يمنّ على عباده بنعم جسيمة، تكاد لا تعد ولا تحصى.. والرحمن اللطيف يصب على عشاقه فيض الرحمة صبا؛ ليرتوي العاشق من كأس المحبة، ويتجرع حلاوة اللقاء؛ لتكون نعمة خالدة من نعم المولى عز وجل.. إلا أن المبعدين والمناوئين لله عز وجل، يتجرعون حلاوة العطية شربة بعد أخرى، وتتوالى عليهم النعم، وتتفاقم عليهم العطايا؛ ليميز الإله بين المؤمن المحب والمنافق الخادع..

50- إن البلاء الإلهي الذي حمله الإنسان في عنقه، يحتم عليه أن يصبر، ويقنع، ويرضى، ولا يسخط، ولا يجزع.. حيث أن العين الإلهية، قد يبصر بها المستبصرون بكل حذاقة؛ ليروا أن المولى ما أصابهم من بلية، ولا مصيبة، إلا أنها توافق مصلحتهم البشرية بطبيعة الرحمة الإلهية.. فالإنسان يختلف من حال إلى حال في تقبل هذا المصاب وهذه البلية، ومن هذا المنطلق يختلف حال الإنسان في التقبل والرضا من شخص إلى آخر..

51-  إننا نرحب بكل حركة من شأنها الغور في أعماق النفس، بدلا من الالتهاء بالشهوات البهيمية التي لا تعد مزية لبني آدم ، بل هي من سمات كل دابة تدب على وجه الأرض!.. ولكن لنا أن نتساءل ونقول: أنه ما دامت النفس من مصاديق الغيب، وما هو مرتبط بما وراء الطبيعة، فكيف يمكن بالأدوات المادية الوصول إلى المجاهيل العميقة لما وراء المادة؟!..

52- إن الذي يعتقد بمبدأ لهذا الوجود، لا بد له أن يطلب هذه الطاقة السحرية، من خلال الالتجاء إلى منهج رسمه خالق تلك الطاقات، ومخرجها من العدم.. فهو الأدرى بأسرار خلقه، وخاصة مع الالتفات إلى أنه لم يخلق شيئا في عالم الوجود، أشرف من هذه اللطيفة الربانية المودعة في القالب البشري..

53- إننا نلخص نظرتنا في النجاح للارتباط بالطاقة الكونية -بمعناه الصحيح لا الإدعائي- في اتباع مراحل ثلاث، مستعينين في ذلك بمثال مادي يتمثل فيمن يريد أن يرى صورة الشمس في مرآة عاكسة: فالخطوة الأولى تتمثل في امتلاك مرآة صقيلة.. ومن ثم إزالة العوائق المانعة من ذلك الانعكاس.. ومن ثم توجيه المرآة نحو مصدر النور، توجيها مباشرا..

54- إن الانجذاب المتبادل بين مصدر الطاقة والمتلقي لها، يشبه التجاذب الكوني، الذي نراه متجليا في المجرة والذرة على حد سواء!.. وهو الذي يمثل العروة الوثقى التي تمنع الوجود من الانفصام.. ومع كل ذلك، فإن لهذا الانجذاب حالات مد وجزر، بحسب الزمان (الأشهر والليالي المباركة).. والمكان (الأمكنة المنسوبة إليه كالحرمين والمساجد والمشاهد المشرفة).. والحالات (ساعات التضرع والانقطاع).. فطوبى لمن كان مده أكثر من جزره!.. بل طوبى لمن لا جزر له!.. أوَ هل نطمح إلى ذلك في خضم لعبة الحياة؟!..

55- إن نجم عاشوراء يتألق دائما، وإنَّا نعتقد أن الحركة الحسينية ستزداد تألقاً في العالم على مرور الأيام.. فالدم الحسيني هو الذي يمد هذا الطريق بعوامل الثبات والاستقامة.. حيث الفناء في الله ولله وبالله وإلى الله -تعالى- أخيراً، ويقوي هذا الدرب على مر الأجيال.. وهو الذي حفظ الإسلام، وإلا لتعرض للتحريف كما هو في بقية الأديان الأخرى..

56- إن معرفة الأعداء قد تكون في رتبة مقدمة على معرفة الأصدقاء، لأن دفع الضرر –كما هو معروف– أولى من جلب المنفعة.. فعلينا أن نبحث عن الأعداء الذين يصدون عن مسيرة التكامل.. وعلى رأس الأعداء: الشيطان الذي أمرنا الله تعالى بعداوته..

57-إن أغلب الناس يأنسون بما يؤتيهم الله تعالى من المتاع العاجل، والحال أن من أفضل أنواع العطاء الإلهي: هو ما تعلق بعالم المعنى، والذي لا زوال له ولا اضمحلال!.. ومن ذلك ما أطلق عليه القرآن الكريم من تعبير (الحكمة) والتي من آثارها: أنها تجعل الإنسان يميز طرق الحق عند مفترقاتها.. وهل يهلك الناس إلا من خلال سلوكهم غير السبيل الذي أمر الله تعالى باتباعه؟..

58- إن من الأعداء التي نغفل عنها هي: النفس التي بين جنبينا.. ولا نعني بذلك مجموع قوى النفس بما فيها القوة العاقلة، بل نعني بها: ذلك الجانب الشهوي والغضبي من النفس، والذي يدعو صاحبها لكل ما يوافق جاذبية الهوى، ونار الغضب، من دون أن يقيم وزنا لشريعة أو عرف..

59- إن من الخطأ الفادح الأنس الباطني بالكفار أو المشركين.. حيث أن الارتياح النفسي مقدمة لعدم النظر إلى باطلهم بعين الاشمئزاز والنفور.. وهذا بدوره يؤدي إلى تعدي منكرهم إلى حياتنا من دون التفات.. ومن مآسي الحياة معهم هو فقدان المنكر لصورته المظلمة في أعيننا، فمن الخطورة بمكان أن لا يرى الإنسان -بعد فترة من العيش مع المنحرفين- المنكر منكرا.. إذ كيف يمكن ردع من لا يرى المنكر قبيحا؟!..

60- إن علامة بغضنا للصفات والملكات، هو عدم الإحساس بالحقد تجاه من نعاديهم، وذلك فيما لو زالت عنهم تلك الصفات.. فمن الملاحظ أن البعض يعيش حالة العقدة من فرد لموقف شخصي عابر قد انتهى زمانه، إلا أنه يعيش حالة الحساسية التي لا مبرر لها في علاقته معه إلى آخر عمره.. فالأمر أشبه بمرض منه إلى موقف..

61- إن الذي يعيش حالة العداوة القهرية تجاه الآخرين، ولكنه يعيش حالة التبرم مما هو فيه، فإنه في مظان الرحمة الإلهية، التي تتصرف في قلب العبد، فتنزع عنه حالة الغل التي دخلت فيه كرها.. ومن هنا يمن الله -تعالى- على أهل المدينة الذين كانوا من شرائح متنافرة كالأوس والخزرج، والمهاجرين والأنصار، إذ ألف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمته إخوانا..

62- إن من مصاديق الإعجاز الاجتماعي -كسنة لله تعالى في خلقه- هو أن الذي يدفع العدو بالتي هي أحسن، يرى آثارا غريبة في أنه كيف يتحول العدو-بتسديد من الله تعالى- إلى وليّ حميم، كما ذكره القرآن الكريم.. فإن العدو قد لا يعترف بحسن تصرفك، إلا أنه سيضمر لك الاحترام القهري الذي يمنعه من أن يضرك شيئا بمقتضى عداوته..

63- إن الصياد الماهر لا بد وأن يتحلى بصفات عديدة منها: معرفته بالصيد الذي يستحق صرف العمر من أجله، ومعرفته بطريقة الصيد المناسبة، ومن ثم معرفته بكيفية الاستفادة من الصيد بعد الاستيلاء عليه.. فلنحاول أن نطبق هذه الأمور على حركة الحياة.. فنقول: إن الإنسان لابد وأن يبحث عن الفرص النادرة في أيام عمره، والتي هي بمثابة الصيد الذي لابد له من صياد ماهر.. فما هي هذه الفرص؟..

64- إن البعض لا يكاد يبالي بالمستحبات الواردة في الشريعة، وكأنها أمور هامشية لا ترتبط بحركة الحياة.. والحال أن هذه الأعمال دخيلة في تصفية الذات من خلال التوجه إلى مصدر كل فيض في الوجود، وحملها على مخالفة الشهوة التي لا تنتهي عند حد، وبالتالي شحذ عنصر الإرادة، ذلك العنصر الذي بفقدانه فقد الكثيرون سيطرتهم على زمام أمورهم؛ فأوقعهم -رغما عنهم- في دوامات من التيه والتخبط..

65- قد يتساءل البعض أن هناك قسما من المهتمين بالعبادات البدنية المختلفة، لا نكاد نرى لهم تميزا في مقام التعامل قياسا إلى الآخرين، فما الجواب؟.. إننا نعتقد -كإجابة على هذا التساؤل الوجيه- أن هذا البعض لم يجعل العبادة عنصرا إلى جانب العناصر الأخرى.. فالإسلام دين البصيرة والتعقل، والحركات العبادية بمفردها لا تربي الكيان المتكامل.. وعليه، فإن مزج المعرفة الواعية، مع الحركة الجهادية هو الذي يوجب إيتاء الثمار الكاملة في هذا المجال..

66- إن من أهم الأعمال في كافة الشهور، هو الاستغفار الحقيقي الذي يستبطن الإنابة الصادقة بما فيه الشعور بالندامة، التي تجعل المنكر حقيرا في نظر صاحبه، وإذا لم يصل العبد إلى هذه النقطة؛ فإنه لا يؤمن منه العودة إلى المعصية في ساعة الغفلة، وهجوم الشياطين، وإحاطة أصدقاء السوء به.. وبالتالي، فإن تحريك اللسان بالاستغفار الساهي، لا يغير الواقع أبدا..

67- إنه لمن المناسب أن يستعد الإنسان للمحطات العبادية قبل أن يتفاجأ بها، فإن النفع الذي يفوت العبد لا يعلم مقداره؛ إلا بعد انكشاف الحجب يوم القيامة.. فمثلا: إن الليلة الأولى من شهر رجب من الليالي الأربع التي كان علي (ع) يحب أن يفرغ نفسه فيها للعبادة، وكان الغسل في أولها من دواعي المغفرة الواسعة.. أولا يعد فوت هذه الفرص، خسارة في التجارة المربحة مع رب العالمين؟!..

68- إن البعثة حركة، ينبغي أن نوجدها في أنفسنا.. لأن الإنسان إذا ترك نفسه فإنه لن يتغير، شأنه شأن الحجارة التي على قمم الجبال، فهذه الحجارة لولا الرياح والزلازل، تبقى على حالتها ملايين السنين.. والإنسان كذلك إذا لم يوجد هذا الانقلاب الكبير في نفسه؛ فإنه سيبقى على ما هو عليه.. لأن طبيعة الإنسان هي: الركون، والرضا بما هو فيه.. والتحول والتغير والانقلاب نحو الأحسن، يحتاج إلى حركة جديدة ومضاعفة..

69- إن من الأمراض الروحية وأوبئة النفس المريضة، مرض التبرم والخشونة في التعامل مع الآخرين.. ويعد هذا التصرف الشنيع وبالاً على من قام به، حيث يذهب بأعمال الدنيا هباء، وتبقى تبعاته في الآخرة.. فالتبرم والخشونة والضيق في التعامل مع عبيد المولى عز وجل، ما هي إلا صراع واحتدام للخواطر النفسية، والرغبات الروحية، بإعادة طريق الإرادة والعزيمة.. وكأن قوة الإرادة أمر صعب مستصعب، خارج عن يدي المنتكسين والمتبرمين.. وكأن النفس الأمارة هي من تسوق الروح الطاهرة، والنفس الراقية، في طريق التعامل مع الخلق؛ لتكون عقبة تعوق الوصول إلى الحق..

70- إن الإيمان المتكامل الرصين، لا يحد بكثرة التعبد والتقشف عن طلب الدنيا بشتى صورها.. ولا تعد مسألة الكفاف عن التملق في السؤال والعطية، أمراً إيمانياً بحد ذاته.. إلا إذا صوحب بحسن الأدب والخلق؛ ليكون المؤمن مؤمناً صالحا، ويتقرب إلى رضا الله، ويطرق بابه من حيث يحب.. وأما عن الحالات الإيمانية السامية، والتي لا تدرك بالحواس، ولا تدرك بظواهر الأمور، فهي شتى وكثيرة.. لكن إذا أردنا أن نبحث عن المؤمنين، نجدهم قد هذبوا أنفسهم، وألزموها بحسن الأدب والخلق، والكف عن أذية الغير، والابتعاد عن التصرفات المنحرفة التي نزّه الله عباده عنها..

71- من باب الوحشية والهمجية في التصرف البهيمي لدى البعض، أن يحذو حذو من يقول: (الصراع من أجل البقاء).. فالكل يسعى لأن يبقى في هذه الدنيا؛ ليحظى بالمقدار الأكبر من أيامها، وليغترف بالحد الأقصى من لياليها: بالعز والإباء، وينهش القوي الضعيف، ويتسلط العزيز على الذليل.. فمن لطف الباري على عباده، ومحبته لهم، أراد انتشالهم من مهاوي الرذيلة، ومن حضيض الوحشية؛ ليحثنا ويرغبنا لأن نتشبه به عز وجل، وليرقى بأرواحنا من ساحة الملك إلى دائرة الملكوت، فتبارك الله رب العالمين!..

72- إن الخشونة في التعامل تبدأ كحالة طارئة، لتتحول إلى ملكة في النفس يصعب اقتلاعها، وإن كان ممكنا بصعوبة.. لأن الملكة حصيلة الأفعال، سواء في جانب الخير أو الشر..

73- إن التبرم والخشونة، قد تكون أمراً شنيعاً ومريعا إذا تجسد بـ(المؤمنين الرساليين) على الرغم من كل تلك العلوم الجمة التي امتازوا بها.. فإن الإنسان الخشن يتحول بالتدرج إلى إنسان ممقوت في الوسط الذي يعيش فيه، مما يفقده حالة التأثير الإيجابي.. فمن الممكن أن يتعمد الطرف المقابل مخالفة المعروف، نكاية به، وذلك لخطأ في أسلوب التعامل..

74- إن المؤمن قد يصل بعد المجاهدة المستمرة، إلى مرحلة يمكنه السير في عالم الأنفس، متلذذا بلذة تفوق لذائذ عالم الآفاق.. فهل جربت أن تسترخي في ساعة من ساعات إقبال القلب، مطبقا جفنيك لتسيح في عالم باطني، حيث بعض مشاهد التجلي الإلهي في عالم القلب، بما فيها من صور مشعة، وجمال يدرك ولا يوصف.. إذ أن من تجلى في هذه الطبيعة الخلابة، فإنه قد تجلى بأضعافها في عالم النفوس الدائبة في السير إليه.. ولكن -مع الأسف- هم الأقلون عددا!..

75- إن الله -عز وجل- قد أودع سننه في الكون بنظام دقيق، تعطي لكل حق حقه، وتفرض لكل منا نصيبه في الدنيا: من الشقاوة والسعادة، والفرح والتعاسة.. ومن شفقة المولى ورحمته بنا، أنه جعل هذه الانتكاسات تنصب في جانب واحد من جوانب حياتنا، إلا أن البعض من الذين انتهجوا سبل الخشونة والغلاظة، قد مزجوا تلك الآهات والأحزان بقريناتها من جوانب الحياة المختلفة من المرح والسعادة؛ لتغدو حياتهم بأسرها مزيجا من التعاسة والأسى، رافعين أعلام الحزن، ناشرين رايات الكآبة..

76- إن الله -عز وجل- تولى الأبدان بالتربية والرعاية، ولكن ترك أمر الروح إلى الإنسان.. هذا خلق الله {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}!.. فقد تولى الوجود التكويني بالرعاية {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}.. أما الإنسان فلنا أن نتساءل: ما الذي منحه لهذه الروح، وهذه اللطيفة الربانية التي دنسها في حالات كثيرة؟!..

77- إن هناك غموضا في التكاليف العملية يوميا، ولطالما اتخذ الإنسان موقفا خاطئا في حياته، فاستمر سنوات طوال وهو ضحية سلبيات ذلك الموقف.. وهذا لا يحتاج إلى جبرائيل، ولا يحتاج أن يكون الإنسان نبيا.. فالله -عز وجل- يقول في حديث شريف عن النبي (ص): (ما تقرّب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وإنه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتى أحبه.. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها.. إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته....) ولهذا قالوا: (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله)!..

78- إن الإنسان حينما يغضب يكون قلبه مرتعاً للشيطان، ويكون وسيلة طيعة في يديه -عليه اللعنة- يحاول وبشتى الطرق أن يسلب الإنسان جوهر إيمانه من لبه؛ ليتمثل به، وليصبح شيطاناً أنسياً يسير على وجه هذه البسيطة.. لذا فإن أخذ المؤمن لبعض القرارات المصيرية في حال الغضب، قد تعرضه لكثير من البلاءات، والتي هو في غنى عنها ما التزم الحنكة والفطانة..

79- إن دراسة الأمور دراسة واعية، لأسباب بعض الأعراض الروحية، والأمراض الوجدانية.. تجعل كل منا يفهم ما أصيب به من ابتلاء، وما تعرض له من خطر، وما سيلحقه من ضرر.. فيهمّ الإنسان وبفطرته الناضجة؛ لأن يصحح ما قد فسد، ولأن يقوّم أمر نفسه، ولأن يبنيها بالآمال بعدما بنيت بالآلام..

80- إن الله -عز وجل- وبحكم ربوبيته ووحدانيته، قد فرض على نفسه الرحمة والعطف.. فحينما نهرب منه عز وجل، نعود إليه مسرعين؛ لنرتمي بأحضان حبه، ولننال كرم عطفه.. مقرّين بالذنوب، وبثقلها على ظهورنا، طالبين الصفح الجميل بدموع التوبة والاستغفار، ملّحين عليه بالصفح والتسامح.. فمن باب أولى بالمحب أن ينتهج نهج الحبيب سبحانه وتعالى، وأن يصفح وقت العذر، ويسامح عند المقدرة..

81- إن الأمراض الروحية، وبحكم كونها أوبئة فتاكة وقاتلة لرونق الأرواح، ومغايرة لشذى عبيرها، تلحق الأضرار الجسيمة على هذه الأرواح.. لتصيّرها آلة طيّعة بيد الأهواء والصراعات الباطنية؛ ولتجعل من المحتدم مع عبيد الله -عز وجل- جسداً منفراً، وروحاً فارغة..

82- إن تراكب المعاصي وتراكمها على القلب، لتغطيه بالحجب، وتتستر عليه بالأكنة.. تجعل الإنسان موجوداً ثائراً، يغاير خلاف الواقع، خادعاً نفسه بالتكامل، بعيداً عن التخاذل والتسافل.. فمن باب أولى بنا أن نغسل قلوبنا من زيغ الأهواء والتبعات، ولنتمثل بالله عز وجل؛ لننال توفيقه ورضاه.. حيث أن الذي يفقد الشفقة في التعامل مع الخلق، عليه أن يتذكر حاجته إلى شفقة مولاه.. فلنرحم من في الأرض؛ ليرحمنا من في السماء..

83- إن من أهم قواعد المدح والذم: عدم اللجوء إليهما من دون مناسبة، فإن أقوال المرء من جملة أفعاله التي يحاسب عليها، فإذا رأى خيرا في الكلام تكلم، وإلا فالسكوت خير له!.. إذ من الواضح أن السكوت هو الأصل والحالة الطبيعية للإنسان، في حين نرى أن البعض يختلق الأعذار للتكلم مع الآخرين، وإعادة سرد الأمور المعلومة التي لا تفيد في الدنيا ولا في الآخرة!.. وقد أكدت الأحاديث على التزام الصمت، وجعلته من علامات الحكمة: (إذا رأيتم المؤمن صموتًا فادنوا منه!.. فإنه يلقى الحكمة).. وقد كان هذا الصمت دومًا هو الصفة الغالبة على الأنبياء والأوصياء والصالحين..

84- إن من القواعد المهمة في المدح والذم: عدم المبالغة في المدح والذم.. وترك استخدام عبارات أفعل التفضيل والمبالغة، مثل: ما أحسن خلق فلان، أو ما رأيت مثله!.. بل يكتفي بالتقييم الموضوعي المناسب للمقام.. وقد رأينا بعض المتشرعين يتوقفون عن استخدام مثل هذه التعابير، لاحتمال وجود شبهة الكذب فيها..

85- إن على المؤمن أن يبتعد عن التزكية المطلقة للأفراد.. أي عدم إعطاء ضمانة أبدية وثقة مطلقة للشخص الذي نود تزكيته، لزواجٍ أو عملٍ مثلاً.. بل يمكن الاكتفاء بالقول أنه (ثقة إلى الآن) أو (بحسب الظاهر) أو (هكذا أعرف عنه).. إذ كيف يستطيع أحدنا -وهو لا يملك ضمانة لنفسه ولعاقبتها- أن يضمن عاقبة غيره؟!..

86- إن أرقى صورة للحياة السعيدة: هي عيشة العبد في هذه الحياة، مستشعرا روح العبودية لله -تعالى- في كل حركاته وسكناته.. فالذي يعيش هذه الحالة حقيقة لا تكلفا، ودائما لا متقطعا، ورغبة لا كرها؛ فإنه هو السعيد بما لا وصف بعده!.. إذ لا سعادة في الوجود حقيقة، مع عدم الانسجام مع واهب هذا الوجود..

87- إن من الحكمة الإلهية أن جعل التكامل بشكل تدريجي، ففي عالم الأجنة هناك العلقة، والمضغة...، وفي عالم النبات هنالك البذرة، والساق، والأوراق... ، وكذلك فإنه في عالم الأرواح هنالك قانون التدرج.. أي أن تكامل الأرواح هو أيضاً له مراحل، إلا ما ورد ذكره من النوادر التي ذهبت مثلاً في التأريخ..

88- إن الولاية لا تنحصر بالفكر والاعتقاد: بأن يعتقد أن الوصي والخليفة هو علي (ع).. ولا بالمشاعر القلبية: بأن نهتف باسمه، ونفرح يوم ميلاده، ونحزن يوم استشهاده.. ليس الأمر كذلك.. إذ إن هناك حركة ثالثة؛ وهي أن يشايع علياً (ع) قولاً وفعلاً..

89- إن الإنسان بطبعه يميل إلى الغفلة والنسيان، والتحرر من القيودات المخالفة لمزاجه.. وقد أشار القرآن الكريم لهذه الحالة بوصف صريح، إذ يقول تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، وهذا بدوره مدعاة للركون والتثاقل إلى الأرض.. بينما الله -تعالى- يريد لعبده السمو والتعالي في مدارج الكمال.. ومن هنا خصه بالتزامات شرعية تعبدية، ومن هذه التشريعات: الصلاة التي هي قربان كل مؤمن ومعراجه إلى ربه، حيث قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}..

90- إن البعض -مع الأسف- يعلق الآمال العريضة على شفاعة أهل البيت (ع)؛ مغفلاً العمل بمنهجهم، واتباع سيرتهم العطرة.. والحال بأنهما جناحان يطير بهما الإنسان..

91- إن الذي يريد أن يصل إلى مقام الشفاعة، لابد وأن يقرن ذلك بالعمل والاستنان بسنة النبي وأهل بيته (ع).. وإن لم يوفق للعروج إلى مدارج الكمال وغلبة الهوى، فعندئذ النبي الأكرم -بإذن رب العالمين- سيُعْمِل شفاعته لهذه المادة القابلة..

92- إن كلَّ منتسب إلى الله تعالى، مكتسبٌ للخلود وللتقديس، بالإضافة إلى صفة المخلوقية.. فإذا تفاعلت هذه الروح واستغرقت بعوالم القرب، فإن الإنسان يصير في حالة ذهول شديد، بحيث وكأن البدن يعزل عن الروح.. فهنيئاً لمن وصل إلى تلك الدرجة من الاتصال بالمبدأ جل وعلا!..

93- لا شك في أن كل حركة في الحياة لها ظاهر وباطن، فكم من الجميل أن يتطابق ظاهر الإنسان وباطنه: أي أن ظاهره إنسان ملتزم مصلي في المسجد جماعة، بينما حقيقته مزرية، يعمل ما يعمل في السر.. فقطعاً هذا الإنسان سيكون محروماً من الخشوع في الصلاة.. بل الأجمل أن يكون باطنه خيراً من ظاهره!..

94- إن القلب المشغول بأمور الدنيا ومفاتنها، لا شك في أنه سيكون غير صالح لاستقبال إشارات عالم الغيب، خلافاً للقلب الصافي المروّض، بحيث لا يشغل إلا بمولاه جل وعلا..

95- إن من الطرق الأساسية للوصول إلى الصلاة الخاشعة: أن يصل الإنسان إلى مرحلة ضبط الخواطر.. فبلا شك أن من أصعب الأمور، أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة؛ أي أن لا يفكر إلا بما يريد، ووقتما يريد.. فهذه من درجات التكامل التي قلما يصل إليها الإنسان، وجائزته أن يصلي ركعتين في جوف الليل، كما قال النبي (ص) لأبي ذر: (يا أبا ذر!.. ركعتان مقتصدتان في تفكّرٍ، خيرٌ من قيام ليلة والقلب ساهٍ)..

96- إن الذي يريد أن يدخل في بحر الصلاة الخاشعة، ويحلق في جوار المولى جل وعلا.. عليه أن يتخلى عن كل الشواغل، ويتحضر فكرياً وقلبياً للصلاة..

97- إن مشكلة الإحباط من الأمور التي يعاني منها الكثير هذه الأيام، إلى حد توصل البعض إلى حالة الشلل، فيفقد أمله في الحياة الناجحة، ليصبح أخيرا فريسة للوهم والتخبط، وترك الأمور تسير بشكل مسيب.. وبذلك يكون أمره أشبه بسائق فقد سيطرته على سيارته، ليرتطم في كل ساعة بعقبة من العقبات إلى أن يسقط في الهاوية..

98- إن الصلاة من مصاديق الذكر الكثير، الذي أشار إليه القرآن الكريم، إذ يقول تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}.. أضف إلى أنها طهارة للقلب، مما يدنسه من كل أنواع القذر والكدر، وهذا ما نستجليه من قول علي (ع): (إن الله جعل الذكر جلاء للقلوب).. وأيضاً بها يتحقق وحدوية توجيه القلب إلى الحق المتعال، وبالتالي لا يركن العبد إلى سوى مولاه عز وجل..

99- إن أفضل ما يقرب العبد إلى مولاه عز وجل، هو الصلاة بين يديه تعالى؛ فإنها سبيل المعرفة الموجبة للتفاعل الفكري والقلبي مع الله تعالى.. ومن هنا عدت الصلاة الخاشعة، مؤثرة في الخلاص من الذنوب، كما يقول النبي الأكرم (ص): (مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلاّ بُعداً)..

100- لا شك في أن الصلاة مشروع كبير، وقد يستغرق عمراً طويلاً، لتحقيق الخشوع بين يدي المولى جل وعلا.. ولكن المؤمن من سماته، أنه لحوح لجوج في طلب المقامات العليا من رب العزة والجلال.. ولنا أن نستفيد من حديث للنبي الأكرم (ص): (إن المصلي ليقرع باب الملك.. وإنّه من يدم قرع الباب؛ يوشك أن يفتح له)..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج