100 كلمة قصيرة لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1- إن الزهراء (ع) من نوادر التاريخ التي جمعت في شخصيتها -رغم قصر عمرها- جهات من الكمال متنوعة، من الصعب أن يحوز أحد على جهة من تلك الجهات من دون مجاهدة وتسديد.. ومن هنا اكتسبت ذلك الموقع المتميز من قلب المصطفى (ع)، حيث عبر عنها تعبيرا لم يعبر به عن أحد من الخلق، حينما قال: فداها أبوها!.. ومن قبل ذلك حازت على رتبة ربانية، يغبطها عليها جميع الخلق، عندما جعل الله تعالى رضاه مطابقا لرضى فاطمة (ع)، وهل هناك دليل على العصمة أعظم من ذلك؟!..

2- إن حياة البشرية اليوم، قائمة على أساس البرمجة والتخطيط.. ومن أهم الأسس في هذا المجال: دراسة الإمكانيات الموجودة، ثم البحث عن الإمكانيات الممكنة، ثم البحث عن نقاط الضعف والخلل، ثم التفكير في علاج تلك النقاط وتحويلها إلى نقاط قوة.. فإذا تمت هذه الدراسة في جميع تلك الفروع، فقد تمت بذلك الهيكلية العامة للتخطيط الناجح.. ومن المعلوم أن السائر على طريق واضح، لا تهمه ساعة الوصول ما دام مطمئنا من صحة مسيرته..

3- إن الله -تعالى- خلق هذا الكون المحير وفق برنامجه الذي لا نحيط علما به، فهذه الجينات الوراثية في الخلية الحية، ما هي إلا برنامج مكتوب بتلك اليد البديعة، وهي التي تضع الخلية الأولى في مسار التكامل السريع، وإذا بها تتحول -وفق ذلك المخطط المرسوم- إلى أرقى موجود على وجه الأرض!.. وعليه، فإن برمجة حياتنا اليومية، صورة من صور التخلق بأخلاق الرب، وهل من ضير في أن نتشبه بأخلاق الحكيم المتعال؛ ولكن في حدود القدرات البشرية؟..

4- إن قصر الحياة في هذه الدنيا، يجعل أحدنا حريصا على اغتنام أية فرصة من فرص العمر، وخاصة أن حياة أحدنا يكتنفها جهل ما قبل البلوغ، وضعف ما قبل الممات؛ فلم يبق إلا أيام عنفوان الشباب بما فيه من نشاط وحيوية.. والذي يحز في النفس، ويثير بالغ الأسف: أن سكر الشباب يشغل البال عن كثير من الأمور، التي لا يمكن تعويضها لاحقا.. ومن المعلوم أن الندامة يوم القيامة من أشد صور التعذيب، عندما يرى الفرد تلك الفرص الذهبية التي مرت عليه مر السحاب من دون اغتنام!..

5- إن من المناسب -إذا أراد أحدنا أن يفكر في هندسة حياته من جديد، أو تصحيح مسيرة منحرفة فيها- أن يجعل مثل هذا التفكير المصيري، في ساعة خلوة مع ربه، وخاصة في الأوقات المباركة.. فلئن كان باب الوحي مسدودا على غير الأنبياء (ع)؛ فإن عالم الإلهام والإلقاء في الروع، أمر متعارف في حياة المؤمنين.. ومن الواضح أن الله -تعالى- شفيق بعباده إلى درجة لا تحتملها عقولنا، وهذا من مقتضيات علاقة الخالقية والمخلوقية، حيث أن الخالق يحب مخلوقه أكثر من حب المخلوق لنفسه.. أو ليس هو أقرب إلينا من حبل الوريد؟!..

6- إننا نؤكد على ضرورة التعامل مع النفس تعامل الشريك مع شريكه، بل أكثر من ذلك..

7- إن من المناسب أن يلزم الإنسان نفسه في بعض مراحل حياته بعمل استحبابي: سواء كان ذكرا لفظيا، أو عملا عبادياًً، مع مراعاة الرفق والتدرج في ذلك؛ فإنه صورة من صور التدريب على الالتزام بقرارات النفس، فإن طبيعة النفس الإنسانية تتهرب من الالتزام بما يخالف المزاج والشهوة.. فهنيئا لمن ترقى بنفسه الأمارة بالسوء، إلى نفس لوامة لما يفوتها من الخير، لتتحقق أخيرا بفضل من الله ورحمة: المرحلة العليا من كمال الإنسان.. ألا وهي مرحلة النفس المطمئنة؛ لترجع إلى ربها راضية مرضية!..

8- إن من الأمراض الشائعة والتي من الممكن القول بأنه لا يخلو منها فرد، ألا وهي حالة التبرم والضيق، وعدم الإحساس بالانبساط النفسي، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة حتى على البدن.. ومن هنا يشير القرآن إلى هذه الحقيقة من خلال التعبير بـ{يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}؛ أي أنه كلما ارتفعنا في طبقات الجو العليا؛ كلما صعبت علينا عملية التنفس.. وعليه، فإن الأزمة لا تكون سببا لفوات المنافع الأخروية فحسب!.. بل سببا لمعيشة الضنك التي تنتظر المعرضين عن ذكر الله تعالى..

9- إن الحياة الدنيا في واقعها ضيقة جدا، وحدودها المادية تجعل التحرك فيها محدودا، حيث أن المجال غير مفتوح لأن يحقق الإنسان كل طموحاته في الحياة الدنيا.. ومن هنا يبتلى بنكسة بعد أخرى عندما يخسر رغبة من رغباته، أضف إلى أن طبيعة المتاع الدنيوي سرعان ما يوجب الملل؛ لأنه لا تجدد فيه..

10- إن الله -تعالى- يدعونا إلى الحياة السعيدة، من خلال ما رسمه لنا من خطة الحياة.. فإذا رأى عبده عاكفا على طاعته؛ فإنه سيمنحه تلك المنحة النادرة التي لا يصل إليها أحد من عشاق الهوى: ألا وهو شرح الصدر، والذي إذا وصل إليه العبد؛ فإنه سيرى كل ما في الوجود -إلى جنبه تعالى- صغيرا وإن كبر عند الناس..

11- إن من آثار انشراح الصدر: الإحساس بحالة التمدد في خط الوجود، بحيث يرى كل شيء بمنظار الوقوع في خط الأبدية.. فكل إيجاب -عاقبته السلب في خط الزمن المستوعب للبرزخ والقيامة- لا يمكن أن يعد إيجابا بل هو عين السلب.. فإن من الغباء بمكان، أن يكدس الإنسان موجبات الشقاء الأبدي في الحياة الخالدة، مقابل سويعات من الأنس المحرم، وهو يعلم بفنائية اللذة وبقائية التبعة!.. ومن هنا نعتقد أن تذكر الموقف المخجل مع رب العالمين حينما يقول: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} لهو نعم الرادع في هذا المجال، عند الهم بارتكاب المعصية..

12- إن من بركات شرح الصدر: توفيق العبد لأن يكون مرشحا في دائرة الدعوة إلى الله تعالى؛ فإن شرف دلالة العبيد على الله -تعالى- شرف عظيم.. ومن المعروف أن من أراد أن يأخذ المولى بيده، فليحاول الأخذ بأيدي العباد من التائهين عن طريق العبودية، فإن معظم التسديد يأتي في عالم توسعة آثار الشريعة في نفوس العباد، وتحكيم قواعد الحاكمية في البلاد..

13- إن منشرح الصدر موجود لطيف رقيق، لا يخرج عن طوره بل يعيد الخارجين عن أطوارهم إلى نصابهم.. ومن هنا صاروا مصدر خير في الأرض، كما ذكر القرآن الكريم بالنسبة إلى المسيح، حينما ذكر نعمة الله تعالى عليه قائلا: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ}..

14- لا بد لكل إنسان أن يكتشف الخارطة الداخلية لنفسه، ليحدد موضع الهوى من وجوده.. فإن المولود يولد على الفطرة الإلهية، وينمو مع نموه: العقل الذاتي والاكتسابي، وبموازاة ذلك تنمو عنده الغريزة، ويبلغ نضجها عند البلوغ، وحينئذ يقع الصراع بين جنود العقل وجنود الغريزة..

15- إن المرحلة الأولى في صراع الهوى مع العقل، تتمثل في محاولة عزل العقل عن الشرع، فيبدأ صاحب الهوى يبحث عن فلسفة كل حكم ليعمل به، فإذا لم يقتنع بها عقله القاصر، ترك العمل بدعوى العقلائية والتحرر الفكري.. وفي المرحلة الثانية تحاول جنود الهوى محاصرة العقل ومنعه من أن يتحكم في الإرادة -وبالتالي في السلوك- وفي هذه المرحلة تكون المعركة بين غالب ومغلوب.. وفي المرحلة الثالثة تحتل جنود الهوى مملكة العقل، وإذا بالعقل لا حاكمية له في تلك المملكة، وحينها يرى صاحب الهوى الغالب: المنكر معروفاً والمعروف منكرا.. والإنسان في هذه المرحلة يصل إلى درجة الختم على القلب، فله عين لا يبصر بها، وله سمع لا يسمع به، وله قلب لا يفقه به..

16- إن من مشاكل العصر الحديث؛ إعطاء الإباحية بعدا فلسفيا.. فذهب بعضهم إلى أن كل إنسان حرّ ما لم يصطدم بحرية الآخرين، وهي مقولة تساوي إلغاء إنسانية الإنسان وإلحاقه بالبهائم التي لا تعرف قيداً في الحياة.. فبأي منطق جاز لنا أن نتيح للإنسان أن يفعل ما يشاء، والحال أن الهوى -وهو أمير وجوده- لا يعرف قبيحاً شرعياً ولا عرفياً؟!.. وهل يمكن أن ننكر وجود ممارسات في الحياة، تضر بالإنسان كفرد، سواء في بعده النفسي أو البدني؟..

17- إن من مناشئ غلبة الهوى: عدم التحكم في الحرام الأول بعد البلوغ، فإن للحرام الأول قبحه عند المكلف، ولكن بتكرار الممارسة، يفقد الحرام قبحه إلى أن يصل الإنسان إلى درجة يرى نفسه غير قادر على السيطرة على نفسه، رغم قناعته التامة بقبح ما يرتكبه.. ومن هنا كانت مراقبة الوالدين أيام البلوغ، ضرورية في هذه المرحلة..

18- إن من أسباب غلبة الهوى: جهل الإنسان بعاقبة اتباع الهوى، فإن الربط الدائم بين المقدمات والنتائج من مقتضى التفكير السليم، فأي عاقل يقدم على لذة فانية تعقبها حسرة دائمة سواء من جهة: الندامة النفسية، والفضيحة الاجتماعية، والعذاب الأخروي؟!..

19- إن طبيعة الإنسان تبحث عن اللذائذ، فإذا أردنا أن نردعه عن بعض اللذائذ المحرمة، فلا بد لنا من طرح البديل الصالح المتمثل باللذة الحسية المباحة.. ولكنّ هناك صنفين آخرين من اللذائذ، يسدان فراغاً كبيرا في النفس.. فهناك التلذذ العلمي، إذ أن لاكتشاف المجهول لذته التي لا تنكر، وهنالك التلذذ الروحي بالحديث مع مصدر السعادة واللذائذ في الحياة، ألا وهو الإله الذي خلق اللذائذ كلها حسية ومعنوية..

20- إن التلذذ عبارة عن: ارتياح باطني، نتيجة للوصول إلى المقصود.. فالذي بذل جهده في تحويل مقصوده الحسي إلى مقصود معنوي، فإنه سيلتذ أيضا عند الوصول إلى مقصوده المعنوي.. ومن هنا كانت لذة أهل العبادة والفكر، ليست بأقل من لذة أهل الهوى، بل أكثر وأكثر؛ لأن اللذائذ الحسية متقطعة ومكلفة، والمعنوية باقية وبلا كلفة..

21- إن للشهوات عاصفة فجائية، فإذا قاومها الإنسان متذكرا عاقية الصبر عليها، ولذة الفوز بالتغلب عليها؛ فإنها تتلاشى وخاصة مع التكرار.. والأمر في كثير من الأحيان لا يحتاج إلا إلى بضع دقائق من التحكم في الإرادة، لتخمد نار الشهوات بتسديد من الله تعالى، الذي يتدخل في قلب عبده في مثل تلك اللحظات، مصداقا لقوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ}..

22- إن من نعم الله -تعالى- على عبده أن يريه ملكوت الحرام، فإذا انكشف له ذلك، كان من السهل عليه اجتناب الحرام الذي يشمئز منه اشمئزازا، كمن يرى بالمجهر الجراثيم القاتلة في الطعام الشهي، فينصرف عنه من دون مجاهدة.. وكذلك من يرى بمجهر القلب السليم الجراثيم الخفية الباطنية في كل محرم؛ فإنه سيرتدع من دون مجاهدة مضنية..

23- إن مصاحبة أهل الهوى من سبل الوقوع في الهاوية، فما الداعي لصرف الإنسان عمره وماله في علاقات اجتماعية عريضة مع كل الفئات، وفيهم من لا ينفعه في دنيا ولا آخرة؟!.. وقد ورد أن أقل ما يكون في آخر الزمان: درهم من حلال، أو أخ يوثق به..

24- إن من الأمور التي تكثر فيها الشكاوى، هي حالة التذبذب والمرحلية في العلاقة مع رب العالمين.. إذ أن البعض -مع الأسف- يكثف سعيه وجهده في مواسم معينة -كشهر رمضان مثلاً - وكأنه المطلوب منه التعبد في هذه الأشهر فقط!.. بينما المفروض للمؤمن أن تكون علاقته وطيدة مع ربه في كل الأحوال: في السراء وفي الضراء.. وفي كل الأزمنة، فلا فرق في شهر رمضان أو شوال.. وفي كل المواطن تكون حالته واحدة، فسواء كان في بيت من بيوتات الرحمن، أو في أي من ديار الله الواسعة..

25- إن حالات الإقبال المرحلي، إنما تكون حجة يوم القيامة على كل من يختلق الأعذار، لتبرير تقصيره في حق الله تعالى.. فمن المعلوم أن من أراد شيئاً، بذل جهده سعياً لتحصيله مهما كانت الظروف.. ومن هنا فإن العتاب الإلهي بليغ يوم القيامة، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.. إذ لا شك في قبح مثل هذه العلاقة التي لا يرتضيها الإنسان لنفسه، فكيف برب العالمين؟!..

26- إن عالم القرب الإلهي، ليس مجرد قطرات من الدموع تذرف من خشية الله.. فإذا ما افتقد الإنسان إلى بصيرة تدفعه للمضي قدماً إلى الإمام، فإن مآل هذه الحالة إلى زوال سريع.. فلابد إذن من إدراك بعض المفاهيم الإسلامية المهمة، التي من شأنها توثيق علاقة الإنسان بربه.. منها: علاقة الخالقية، وعلاقة المخلوقية، وعلاقة الرازقية..

27- لا شك في أن للمحيط الذي يعيش فيه الإنسان، الأثر الكبير على سلامة الروح والارتباط بعالم الغيب..

28- إن اللذائذ المعنوية لا تقاس بأي لذة في الوجود، ومن هنا فإن أهل الجنة يوم القيامة ينشغلون بالنظر إلى وجه الله -تعالى- عن الحور والقصور..

29- إن الذي يحضر المائدة الإلهية ثم يقابل ذلك بكفران النعمة، فلا يأمن على نفسه هذا العذاب الذي هدد به حواري عيسى (ع)، إذ قال تعالى: {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}.. فالذي تنزل عليه هذه المائدة في ليلة القدر مثلاً، ثم في نهاره يبادر بالمعصية، لا شك في أنه سيكون عرضة للعقوبة الشديدة من الإدبار وقسوة القلب..

30- إن الإنسان الذي يستيقظ من غفلته ويبصر، فإذا هو قابع في مزبلة نتنة؛ لا شك في أنه سيتحرك للخروج مما هو فيه..

31- لا شك في أن شرح الصدر تفضل إلهي على العبد، ولكن لهذا التفضل موجباته؛ فإن المسألة ليست جزافية، حيث أن هنالك تهديدا من الرب -تعالى- لمن أعرض عن ذكره: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ}.. فإذن، هنالك ترابط بين ذكر الله وبين شرح الصدر..

32- إن الإنسان ضيق الصدر؛ إنسان متشائم، يعطي الأمور أكبر من حجمها، ونظرته دوماً سوداوية للحياة.. والحال بأن المؤمن ينبغي أن يكون كالبحر، يستقبل المشاكل بصدر رحب..

33- إن المؤمن لا يعيش حالة التذبذب في السلوك؛ فتارة يكون مع الناس مقبلاً، وتارة تراه مدبراً، بلا وجه سبب أو دليل.. بل يتعامل مع الناس بكل أريحية، كما كان النبي وأئمة الهدى (ع)، حيث كانوا يعيشون حالة واحدة في الخلوة والجلوة، في الحرب والسلم..

34- إن البعض قد تكون حالة ضيق الصدر طبعا راسخاً فيه، ولعله بسبب تأثيرات بيئية أو وراثية.. فعليه أن يضاعف الجهد في هذا المجال حتى يتغلب على طبعه، ولا شك في أن له عند الله الأجر المضاعف لما يتحمله من المشقة..

35- إن المؤمن كلما ازداد بلوغاً ورشداً فكرياً وعاطفياً، كلما عاش مأساة غيبة إمام زمانه (ع) أكثر.. وبالعكس، فإن إهماله لهذا الأمر، علامة على ابتعاده عن مصدر النور..

36- إن من موجبات الهم والغم أن يرى الإمام مقبوض اليد، لا يمكنه أن يقوم بوظيفته، ويغير في هذه الأمة.. ومن هنا فإنه يعيش (ع) حالة التألم الشديد، لما يرى عليه من تخلف شيعته وتشتتهم.. إذ أن الإمام يحتاج إلى أنصار وأعوان على مستوى من المسؤولية، وهذا مما يؤخر تعجيل مهمته (ع).. ولو أذن للإمام باستعمال الغيب والإعجاز، لكان خرج منذ سنوات عديدة، ولكنه ينتظر الظرف الاجتماعي المناسب، والذي يمكن أن يعينه على حركته المباركة..

37- إن من وظائف زمان الغيبة: الارتباط الشخصي بالإمام (عج)، من خلال الدعاء، وإهداء الأعمال له (ع)؛ فإنه يسعد كثيراً بذلك، ويردها أضعافاً على صاحبها.. إلا أنه يتألم أيضاً من عدم مراعاة الأمانة فيما يهدى إليه (ع)، عن النبي (ص) أنه قال: (لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبّ إليه من عترته، ويكون أهلي أحبّ إليه من أهله، ويكون ذاتي أحبّ إليه من ذاته).

38- إن السنة الإلهية قاضية بأن يبتلى المؤمنين بمختلف المحن، كما في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}.. ومن ناحية أخرى، فإن البلاء نتيجة طبيعية للخطايا، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}.. وبما أن كل بني آدم خطاؤون، فإنهم جميعا معرضون للبلاء المكفر للسيئات..

39- إن الإخفاق الدائم، والتراجع المستمر إلى الخلف، والتسافل إلى مهاوي الفشل المدقع؛ تجعل من الإنسان موجوداً ضعيفاً، وكائناً متخاذلاً لنفسه، قبل أن يكون مخفقاً في مجتمعه، وفي جميع شؤون حياته.. لذا، فإن القدوة الحسنة في هذه الحال، تعتبر أمراً ضرورياً ولازماً؛ لتدفع بالبائس إلى الأمام، ولتسير بالمتخاذل إلى سبل الفوز والنجاح، بعد أن ذاق مرارة الفشل ولوعة الانهزام..

40- إن طبيعة المؤمن طبيعة سخية منفقة، فلا يساوم في إخراج ما عليه من الواجب الشرعي، أو يتردد في إنفاق شيء في سبيل الله؛ لأنه يعتقد بأنه إنسان مستخلَّف على المال.. وأن الله -تعالى- هو المعوض والرازق، وهو الذي يخلف على عبده؛ فلا يخاف فقراً، ولا يمنعه بخلاً ؛ بل على العكس.. فهو يحسن استخدام ما في يديه من النعمة قبل أن تحول النعمة إلى غيره، وتبدد في كل لغو وباطل، وحينئذ يتحسر على ما فرط في جنب الله، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

41- إن الغريزة المودعة في الوجود الإنساني -ذكراً كان أو أنثى- ليست أمراً مقصوداً بذاته، بل جعلت وسيلة لتحقيق التجاذب بين الجنسين، ليترتب عليه بعد الوصال المشروع: حالة الأنس، والمودة، والرحمة.. وما يستتبعه من تشكيل الأسرة الصالحة، والتي هي نواة للمجتمع الصالح..

42- لما كانت حالة المودة والعلاقة العاطفية المتأججة أول أيام الزواج في معرض الزوال -نتيجة لتقادم العمر، والتهاء كل من الزوجين بمشاكل الأسرة المعقدة- فإن البديل الذي يضمن استمرارية العلاقة بينهما هي: حالة الرحمة التي أشارت إليها الآية الكريمة: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.. ومن هنا لا تتزعزع أركان الأسرة الإسلامية إلى آخر العمر، رغم كل العقبات..

43- إن سياسة الإسلام في ردع المفاسد الأخلاقية، تكمن في تجنيب الفرد عوامل الإثارة: نظرة، وحديثاً، ولمساً، وخلوةً، ومزاحاً، واختلاطاً؛ بدلا من معالجة تبعات تلك الإثارة من الحالة الهجومية عند الإخفاق من الوصول إلى الهدف المنشود، أو الاستبدال السريع لأفراد الهوى، نتيجة للملل الذي يحدثه تكرر المتشابهات..

44- إن من نعم الله العظيمة على عبده، أن يرزقه حالة المقبولية والتأثير في القول، ولا شك بأن ذلك فرع مباركة الله -تعالى- ورضاه لعمل عبده.. فمن المعلوم أن الله -تعالى- إذا ارتضى عملاً بارك فيه، وإن بركته لا حدود لها، وقد كان رسول الله (ص) متميزاً بهذه الصفة، حيث كان يفتح مغاليق القلوب بكلمات قصيرة حتى أنه اتهم بالسحر..

45- إن الحسد من أغرب الأمراض النفسية ، فهو لا يعرف ضيقاً أو سعةً جغرافية، ولا يعرف مادة أو معنى..

46- إن مشكلة الأمراض القلبية، أنها أمراض خفية تبرز من دون إشعار مسبق، فضلاً عن أن علاجها في غاية الصعوبة؛ لعدم وجود أدوات وآليات توصل إلى القلب.. ومن هذه الأمراض الحسد: وهو تمني زوال النعمة عن الغير، ويشبهه الغبطة في كونه تمنٍ مجرد للنعمة من دون الرغبة في زوالها عن المحسود..

47- إذا كان الإنسان لا يمكنه أن يقتلع الجذور السوداء من نفسه، فإنه يمكنه أن يظهر حالة المقت والمعاتبة لنفسه.. وهنيئاً لمن يعيش حالة الاثنينية التي أشار لها أمامنا الصادق (ع) حيث قال: (من لم يجعل له من نفسه واعظا، فإنّ مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا).. أضف إلى أن الإنسان إذا تكلف وجاهد نفسه خلافاً لصفته السيئة، فإن ذلك سيتحول بعد فترة إلى ملكة راسخة في النفس، بتسديد وتوفيق من الله تعالى..

48- إن الإنسان إذا رأى في نفسه بوادر الميل إلى أكثر من سلبية، بأن يرى مثلا: أن فيها علواً واستكباراً على الغير، أو حقداً وضغينة على الأبرياء من الخلق، أو أنه لا يطيق لأحد أن يتنعم دونه، أو يشتهي الحرام؛ فليحذر من نفسه، وليحاول علاج ذلك بالتكلف، ثم يجأر إلى الله تعالى..

49- من المعلوم أن موارد الحياة الدنيا محدودة، فلا يمكنها أن تحقق مراد كل فرد فيها.. ومن الطبيعي أن الذي يلهث وراء متاعها الزائل، أن يجر قهراً لحالة من حالات المناظرة لما للآخرين من النعم، وبالتالي يقع في الحسد.. ومن هنا، فإن الذي يريد أن يسلم من هذا الداء: عليه أن ينظر إلى سخافة الدنيا أولاً، وإلى فنائية ما فيها ثانياً، وأن يصل إلى ملكوتها ثالثاً..

50- لا شك في أن الإنسان موجود ذو شعور وأحاسيس، ومن غير المعقول أن يرى الكمالات: دنيوية أو أخروية، ولا تطمح نفسه إليها، ثم إن ذلك باعثا على الهمة والنشاط، ويدفع التقاعس والكسل.. ومن هنا فإن الغبطة أمر مباح ومندوب، وهي: تمني مثل ما للغير من النعم، ولكن دون دوافع مرضية خبيثة، كما هو الحال في الحسد..

51- كم من الجميل أن يحب الإنسان المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه، فيكون له مرآة لعيوبه، وفي نصحه أمين.. فبدلاً من أن يبادله حسداً، ويموت حسرة وكمداً؛ يبادر إليه ناصحاً بلزوم الشكر، ومذكراً إياه بأن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن كل ما فيها من نعيم مصيره إلى زوال..

52- إن من أعظم المكاسب، أن يصل الإنسان إلى حالةٍ يجد فيها نفسه عبداً مملوكاً لله عز وجل.. وهي مشاعر باطنية، لا تلمس، ولا تشم، ولا ينكرها إلا من لا عقل له.. مثلها مثل تلك المشاعر التي تنتاب الإنسان في شؤونه الحياتية: مشاعر الأمومة، والزوجية، والوظيفة، وما شابه ذلك..

53- إن الإحساس بالعبودية يجعل الإنسان منضبطاً في سلوكه، مؤدياً لحقوق الخالقية والمخلوقية، يسلم بكل ما جاءت به الشريعة بلا حرج أو تبرم: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.. نحن في مقام الاعتراف نقر بأننا عبيد، لنا مالك، ولسنا بأحرار، إذ نقول: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.. ولكن مع الأسف، في مقام العمل هل نحن نعيش حالة العبيد!..

54- إن الذي يدعي العبودية، لابد وأن يقدم شهادة إثبات، كما هو ديدن أولياء الله، وأنبيائه على مر التأريخ.. حيث كانوا يقدمون قرابين تثبت تلك العبودية الحقة لله عز وجل.. فهل فكرت يوماً، ما هو القربان الذي تثبت فيه أنك عبدٌ لله تعالى؟!..

55- لابد لنا في كل مناسبات الأئمة (ع) أن نذكّر أنفسنا، بضرورة الاطلاع على سيرتهم العطرة؛ للاقتداء بهم، وإتباع منهجهم القويم.. وإن بدا ذلك محالاً، غير أنه علينا أن نسلك الطريق الذي سلكوا قدر الإمكان.. وعلي (ع) يؤيد هذا، إذ يقول: (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك؛ ولكن أعينوني بورع، واجتهاد، وعفة، وسداد).

56- إن من يريد معرفة منزلته عند الله عز وجل، فلينظر ما لله عنده، فليقيّم نفسه بمراجعة سريعة لحياة الأئمة (ع)، إذا كان سائراً على طريق الهدى أم أنه من المنحرفين.. إذ أن دعاوى الحب كثيرة، بل قد يقع -أحياناً- اللبس عند البعض، فيخلط بينه وبين الهوى والميل.. والحال، بأن الحب الحقيقي مبني على قاعدة اعتقادية متينة، مدعمة بالإتباع الكامل، والعمل بمقتضى هذه المحبة.. يقول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}..

57- وجب علينا تقوية علاقتنا بأئمتنا (ع)، بأن نعرف موقعهم في الأمة.. إذ أنهم أجمل ما خلق الله -تعالى- في الوجود، فهم: أعلام الهداية، ومصابيح الدجى؛ بهم تتبين السبل، وتتبدد الظلمات.. أوجب الله -تعالى- علينا محبتهم، ومن المعلوم أن المحبة لا تكون إلا بالمعرفة، وأن كليهما: أي المعرفة، والمحبة؛ يوجب الإتباع المطلق.. فالمحب لمن أحب مطيع.. ولكن نحن -مع الأسف- تستهوينا العلوم والمعارف في كل ما هب ودب.. فهل نحن على إلمام -ولو بشكل بسيط- بما هو متعلق بالقادة العظام، الذين ندعي محبتهم؟!..

58- لا يختلف اثنان في مظلومية الحسن (ع)، فهو المظلوم في حياته وفي استشهاده، من قبل أعدائه ومن شيعته.. إن المعاناة التي تعرض لها الحسن (ع) تفوق معاناة الحسين (ع)؛ نظراً لتسلمه مقاليد الأمور، فهو كان خليفة معترفاً به من الجميع، ومع ذلك واجه ما واجه من التجاوزات والخذلان من المقربين وغيرهم، وكابد مرارة الصبر على هذه المكاره السنوات الطوال.. في حين أن الحسين (ع) كانت مأساته الحقيقية في كربلاء، وإن كان ما تعرض له (ع) كيفاً أعظم من أخيه الحسن (ع)..

59- إن إحساس الفرد بأنه وجود مبتور عن جذوره وأصوله العائلية، لمن موجبات الإحساس بالوحشة والانفراد، وهذا بدوره يهيئ الأرضية الكافية لأن يبحث الإنسان عن أول ملجأ نفسي يركن إليه، ولو كان ذلك مخالفا للعقل والشرع.. وهو ما نلاحظه في بعض الفتيات المحرومات من الحنان الأسري، بما جعل من السهل إيقاعهن في شباك الرذيلة بأول ابتسامة!..

60- إن الاعتقاد بحتمية القضاء والقدر، يوجب حالة اليأس عند الإنسان.. وبالتالي، فإنه قد يوهم نفسه بأن قدره هو الشقاء الأبدي، ولا فائدة من التوبة والتورع عن المحرمات، وهذا بالتأكيد مما يؤدي إلى ترك التعبد والدعاء، والتمادي في الحرام.. في حين أن الذي يعتقد بتصرف الله -تعالى- المطلق في الأشياء؛ فإنه يحذوه الأمل دوماً برحمة الله الواسعة وكرمه؛ فيسير متوكلاً عليه -تعالى- في كل حركاته وسكناته، سائلاً إياه التوفيق لما يوجب له الخير، كما لا يقوم بأمور توقعه في التهلكة.. ومن هنا جاء في الحديث: (ما عبد الله بشيء مثل البداء)، أو (ما عُظِّم الله -عزّ وجلّ- بمثل البداء).

61- إن البحث عن السعادة هو غاية الجميع، إذ -بلا شك- أنه لا يوجد أحد لا يحب أن يكون سعيداً، بل إن كثيراً من السلبيات من المعاصي والمنكرات منشؤها حب السعادة.. فالذي يدمن المسكرات، أو يسهر الليالي الحمراء، أو يعكف على المحرمات؛ فإنه يريد أن يعيش عالم اللذة والسعادة.. فإذن، ما من موجود إلا وينشد اللذة، بل حتى الحيوانات فهي عندما تذهب إلى المرعى تنشد اللذة بطعامها وشرابها..

62- إن السعادة هي أن يصل الإنسان إلى بغيته، إن كانت حقة أو باطلة، محللة أو محرمة.. لذا فإنه يعيش العذاب ولا يهنأ له عيش -وقد يصل الأمر إلى حد الانتحار-، ما دامت الموانع حائلة بينه وبين ما يريد.. ولا شك في أن بني آدم مجموعة من الآمال والطموح، وأن السعيد هو الذي يحقق أقصى قدر ممكن من آماله.. ومن هنا فإنه يكون في معرض الانتكاسات المتوالية، إذ ليست الأمور دائماً وفق ما يشتهيه الإنسان..

63- إن المفهوم الإسلامي الصحيح للسعادة، هو الوصول إلى رضوان الله تعالى، بتحقيق هدف الخلقة والوجود، ألا وهو العبودية الحقة لله تعالى، حيث يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}؛ وليست هي في الآمال المتفرقة، المشتتة للذهن، والباعثة على الحسرة..

64- إن وحدوية المأمول توجب الطمأنينة وراحة البال، وخاصة إذا كان هنالك تجاوب مطرد، لا كما في الأماني الدنيوية، إذ كلما تعلق بها الإنسان اشتد نفورها منه، فالله -تعالى- يؤكد هذه الحقيقة، إذ يقول: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه باعاً، ومن تقرب إلي باعاً تقربت إليه ذراعاً..)، وهو أيضاً القائل {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...}،{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ }،{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ...}، فهلا شمرنا السواعد، وشددنا الهمة لنيل هذه السعادة الأبدية الحقة؟!..

65- بمقدار انطباق السلوك الحياتي وفقاً لما جاءت به الشريعة من الأوامر والنواهي، فإنه تتحقق للإنسان حالة البرد والاطمئنان، وهي الحالة التي نعيشها بعد كل وجبة دعائية أو بكاء على مصائب أهل البيت(ع).. حيث نعيش لذة وارتياحا نفسيا، لا يقاس بأي متعة من المتع المادية.. جاء عن علي(ع): (إنما السعيد من خاف العقاب فآمن، ورجا الثواب فأحسن، واشتاق إلى الجنة فأبلج).

66- إن الإنسان الجاهل إنسان غير سعيد، فهو يعيش حالة الفراغ والخواء الروحي.. بينما العالم تراه يأنس بما في بطون الكتب، فيأخذ كتاباً في التفسير أو الحديث، ويعيش مع العلماء.. ويقرأ القرآن الكريم؛ فيعيش لذة الخطاب والحديث مع رب العالمين، كما هو حال الأئمة (ع)..

67- من المعلوم أن الإنسان دائماً يحب أن يعيش حالة الارتباط بالآخرين، وأفضل أنواع الارتباط هو الارتباط بالحي الذي لا يموت.. قيل للصادق (ع): (إن من سعادة المرء خفة عارضيه، فقال: وما في هذا من السعادة، إنما السعادة خفةّ ماضغيه بالتسبيح).. نعم، إن البعض حاله هكذا: ترى لسانه لا يفتأ يتحرك، ولا يمل من ذكر الله..

68- إن البلاءات العائلية والاجتماعية من موجبات القلق وتكدير صفو العيش للعبد، قال رسول الله (ص): (أربعٌ من سعادة المرء: الخلطاء الصالحون، والولد البارّ، والمرأة المؤاتية، وأن تكون معيشته في بلده)..

69- إن أصحاب المتع الدنيوية دائماً يلهثون وراء الملذات، متعة تلو الأخرى؛ ولهذا فهم لا يعيشون حالة الاستقرار.. نعم، أسعد الناس من ترك لذة فانية للذة باقية..

70- إن التمادي في ارتكاب الذنوب سبب -والعياذ بالله- في ختم القلب، حيث يطبع على قلب الإنسان، فلا يرى المنكر منكراً، ولا يستهويه المعروف، فيكون حاله كما يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.. وهذه -بلا شك- مرحلة خطيرة من انطفاء النور الإلهي في نفس الإنسان، وتورث العاقبة السيئة، كما هو حال أصحاب الأئمة (ع)..

71- إن البعض قد يعوّل على المنامات، فإذا رأى مناماً مزعجاً يرتب عليه أثراً بليغاً، ويعيش حالة القلق.. بينما يفتروض به كتمان الأمر، وثم النظر إلى سلوكه: إن رأى موجباً لذلك؛ تنبه من غفلته.. وإلا قام بدفع الصدقة، وهي تدفع البلاء..

72- علينا أن نحسن استغلال ما لدينا من الهبات الإلهية، وخاصة المعنوية منها؛ لئلا تتحول إلى وبالٍ ونقمة علينا.. إذ بلا شك أن كل إنسان يحمل رصيداً من الملكات الطيبة، والبذور المعنوية، التي تحتاج إلى رعاية وحرص مستمر.. لتتجذر وتستقيم في النفس، وإلا فما الفائدة من تعريض النفس لمشقة العبادة: صوماً، وحجاً، وصلاة.. ومن ثم الركون إلى الهوى، واقتراف المحرمات؟!.. فقد ضاع الجهد، وذهب هباءً منثورا.. والله -تعالى- يشير إلى هذه الحقيقة، حيث يقول: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ...}..

73- إن المؤمن بأعماله التعبدية، وتقواه للمولى -جل وعلا- يرقى سلم التكامل.. وبالتالي، فإنه يظفر بالفوز والنجاة دنيا وآخرة.. بينما العبد العاصي بارتكابه للمحرمات، يكون في حال تسافل وتسافل، حتى يصل إلى حافة الهاوية، التي تورثه الندامة، وسوء العاقبة، ومن ثم الخسران الأبدي..

74- إن قابليات الناس بالنسبة لتلقي الوعظ والإرشاد مختلفة، تبعاً للطف والتوفيق الإلهي، فهي: تارة تكون قابلية منفتحة متطلعة لكل ما يقال، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ }.. وتارة أخرى معرضة منغلقة، كما يقول تعالى: {وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}.. مما يؤكد أن الله -تعالى- إذا أحب عبداً فتح شهيته للعبادة، وألهمه فعل الطاعات، لأنه يحب تقرب هذا العبد.. والعكس صحيح، فالذي يكون مبغوضاً عند الله تعالى، فإنه يكره عمله، حتى أنه -كما ورد في الروايات- يعجل له في الإجابة، لأنه يكره سماع صوته!.. أو يملي له بالنعم، فيشغله بها عن ذكره والتقرب إليه..

75- إن من الكواشف المهمة الدالة على شفافية القلب؛ تفاعله: مع ذكر الله تعالى، وفي عزاء سيد الشهداء (ع)، وتأثره في ذكر إمام زمانه صاحب الأمر (عج).. فلا شك أن تفاعله في هذه المواطن الثلاث، ليس اعتباطياً، بل كاشف على سنخية وارتباط بهذه المبادئ المقدسة.. ومن هنا فالذي لا يجد تفاعلاً، فإن عليه أن يبحث عن العلة؛ فإن كان العرض طارئاً نفسياً أو بدنياً أو ما شابه ذلك فلا ضير، ولكن المشكلة إذا كان نتيجة تراكم الرين على القلوب.. قال أمير المؤمنين (ع): (ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب)..

76- إن البعض -مع الأسف- يرتكب الذنوب معولاً على شفاعة أهل البيت (ع)، والحال أن المؤمن لا يعول على الأمور الظنية، وما لا يوجب اليقين.. فمن يضمن له أنه مع تراكم هذه الذنوب، سيكون مستحقاً للشفاعة؟!.. ومن يدري إلى أين تجره؟!.. ربما إلى حيث لا تنفع فيه الشفاعة؛ إلى الكفر والعياذ بالله.. فلنعتبر بما يقوله أمير المؤمنين (ع): (لا تتّكلوا بشفاعتنا، فإنّ شفاعتنا قد لا تلحق بأحدكم إلاّ بعد ثلاثمائة سنة)!..

77- إن صاحب الصغائر هو صاحب الكبائر، فلا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.. إن البعض -مع الأسف- قد يتساهل في النظرة المحرمة، ويقول: ما الضير ما دام النظر بلا شهوة وريبة!.. فيظن أن النظرة المريبة محاولة إيقاع الفريسة في الشباك، وأن نظرته بريئة!.. والحال بأن كل ما فيه إثارة، ويوجب الانجرار إلى المعصية؛ هو حرام.. حتى النظر إلى الأفلام التي قد تكون الممثلة فيها ميتة من عشرات السنيين.. إن علة التحريم هي الإثارة التي تؤدي إلى فقدان السيطرة، ومن ثم الانجرار إلى المعصية الكبرى..

78- إن الإنسان الملتفت إلى نفسه، قد لا يرى فيها عظمة أو فخراً، بأنه استطاع أن يغلب هواه في موقف ما أثاره.. لأنه يحمل في داخله الحياء من المحسن الرب -تعالى- الذي بدأه بالتفضل، وأسبغ عليه بالنعم، من دون طلب أو استحقاق منه، فكيف يجازيه بالنكران والمعصية!..

79- إن التوكل لا ينافي العمل بالأسباب أبداً، فهو يسعى وإذا حصّل ما يريد؛ سخره في طاعة الله عز وجل..

80- إن من المهم جدا أن نعيد تقييم أنفسنا من جديد، عندما يمر علينا موسم عبادي: كشهر رمضان ومحرم، لنرى ما هي العطاءات التي خرجنا منها؟.. وهل أنها كانت متناسبة مع قوة عطاء الموسم؟.. وهل أننا حافظنا على تلك العطاءات؟.. وما هو الاستثمار الأفضل لها بعد انتهاء الموسم؟.. فإن الكثير يعيش حالة الارتياح لما كان فيه، دون أن يكون قلقا لما سيكون عليه!.. والشيطان -كما اعتدنا عليه- حريص على مصادرة مكتسبات المؤمن في أول منعطف في حياته.. فهل نحن حذرون من ذلك؟..

81- لا شك بأن النجاح في أي مشروع في الحياة، لا يأتي من فراغ، وليس وليداً للصدفة؛ وإنما هو حصيلة لعناصر ثلاثة رئيسية: الأسباب المادية، والأسباب المعنوية (الروحية)، ومباركة الله -تعالى- لعالم الأسباب..

82- إن توفر الأسباب والمتطلبات، يشكل عاملا أساسيا للتقدم نحو الهدف المقصود.. إذ من غير توفر البذور، أنى للزارع أن يستفيد من الأرض، ويجني الثمار الشهية؟!.. وكيف لطالب العلم الدراسة، ما لم تتوفر لديه الكتب والأجواء المناسبة؟!..

83- من المعلوم أن بركة الله -تعالى- لا حدود لها، وإذا حلت في شيء سهلت العسير، وباركت في القليل؛ فإن الأمور طر بيده، ولا يعجزه شيء، وقادر على التصرف والتغيير في الأسباب وقلب الموازين.. والتاريخ دلل على ذلك، فذكر تصرفه -سبحانه وتعالى- في القلوب، وربطه للأفئدة، وتدخله في عالم الأسباب: لأم موسى، وفرعون وزوجته، وأهل الكهف، وفي غار ثور، ويوم بدر..

84- لابد أن يكون للإنسان مخزون من القيم والمبادئ، التي تسيّره وتشكل الضابطة له في كل حركاته.. فالذي لا يمتلك قواما فكريا متميزا، سيكون عرضة للتذبذب في سلوكياته، فيوماً يخشى الله في نفسه، ويوما آخر يعيش حالة التسيب فيفعل الأعاجيب!..

85- إن الإنسان الذي يسعى في عالم الأسباب، ويبذل جهده فيما يرضي الله تعالى؛ سيكون محطاً للألطاف الإلهية، فيحظى بالتسديد والتوفيق في شتى مجالاته الحياتية..

86- لا يقتصر أثر التوكل على الحياة الفردية فحسب، بل أنه حتى في الساحة الإسلامية: في القتال، ولتحقيق النصر على الأعداء؛ فإنه يلزم الجمع بين عنصري: التوكل، والعمل بالأسباب..

87- لا شك في أن التوكل على الكمال المطلق؛ باعث على تحقيق النجاح، وموجب للسعادة دنيا وآخرة..

88- من يأوي إلى حصن منيع، ما ضره أن يتكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب!.. إن المؤمن يعيش حالة الاستقرار والهدوء النفسي في كل الأحوال، فلا تهزه التقلبات والأزمات الشديدة؛ لأنه وجود مرتبط بعالم الغيب..

89- إن المؤمن مقدام، واثق من نفسه، لا يهاب شيئاً، يجعله يتردد أو يخاف؛ لأنه يعلم بأن وراءه مددا كبيرا من رب العزة والجلال..

90- إن المؤمن يحمل ثقة بالله تعالى، واعتقاداً بأنه الضار النافع، فلا يشغل باله بالأمور الظنية من الأوهام، كالسحر وما شابه ذلك.. بل يسلم أمره لله، ويعمل بما ورد من المعوذات والأدعية المشروعة المحصنة في هذا المجال..

91- أن العبد بسوء تصرفه وعصيانه، قد يخرج من هذا الركن الوثيق، فيكله الله إلى نفسه، ويا له من خسران عظيم!..

92- إن لقبول الأعمال مقياسا، لا يكشف زواياه ويعرف خوالجه؛ إلا من جعل تلك الأعمال ممتثلة نصب عينيه، ظاهرة بارزة أمامه.. فمن المعلوم أن الذي يستعجل هلال العيد، ويترقب ظهوره، ينظر إلى تلك الثمار اليانعة، التي قد حان قطافها ليحصدها..

93- إن الإنسان كلما تقدم في العمر، ازداد رشداً وبلوغاً فكرياً أكثر في أمور الحياة.. فلماذا هذا السكون والثبات في المجال العبادي: صلاة، وصوماً، وحجاً... الخ؟!..

94- إنه لمن المناسب جداً استغلال اللحظات الأخيرة من الشهر الكريم: بالاستجداء من الرب الكريم، وإكثار الدعاء والتضرع إليه تعالى؛ فإنها من مواطن الإجابة.. حيث تتغير الأجواء وترتفع المائدة الإلهية: فلا يعد النوم عبادة، ولا النفس تسبيحاً، ولا الدعاء مجاباً، ولا الأعمال مقبولة، والأهم من ذلك أنه يصير بين يدي الشياطين التي تترقب هذه الفرصة للانتقام منه شر انتقام!.. فهل أعددنا العدة لهذه الحملة الشعواء؟!..

95- مثل أحدنا كمثل من تزود من غدير ماء عذب، ليواجه صحراء قاحلة قاسية، لا يجد سوى السراب والنصب فيها.. غير أنه من الممكن أن تتبدل هذه الأرض القاحلة إلى واحة غناء.. وذلك بالعمل المستمر، والكدح الدائم..

96- لا يختلف اثنان في حال الناس يوم العيد من: السرف، والترف، والتبذير؛ بحجة أن اليوم عيد فلنفعل ما نريد!.. والحال بأن ذلك ما هو إلا وهم في وهم، فما الفرق بينه وبين فرح الأطفال الذين يترقبون العيد؛ شوقاً للهدايا واللبس الجديد!.. فليس العيد لمن لبس الجديد؛ إنما العيد لمن أمن الوعيد، وللمؤمن الذي وفق للصيام والقيام، ونال المغفرة والرضوان.. فهنيئاً لهكذا إنسان!..

97- إن المؤمن يجب أن يكون يقظا حذرا؛ لما ينتظره -من قبل الشياطين- ليلة العيد.. حيث أنه لابد أن يكون مدافعاً حذقاً كالجندي؛ ليذب هو عن نفسه، ويطرد غارات إبليس اللعين وجنوده، من أفعال جوارحه، واعتقادات جوانحه..

98- إن تعهد العبادة والمداومة عليها بعد شهر الرحمة والرضوان: بالتزام الصلاة في المساجد، وتلاوة القرآن، وقراءة الدعاء، وتخصيص وقت للتفرغ والعبادة في سحر الليالي؛ تمثل صدق وفاء العبد في جنب الرب جل وعلا.. حيث وإن اختلفت الأزمنة وتباعدت؛ سيبقى المحب دائم الصلة بمن هوى وأحب..

99- إن المراقبة الواعية من العبد لنفسه؛ تجعله دائم النشاط والهمة في التقرب والعبادة، بعيداً تمام البعد عن الكسل والفترة.. كالمراقب للنبتة؛ الذي يسعى دائماً لأن يتعهدها بالسقاية والرعاية.. بعكس الذي لا يكترث لها؛ فإنها حتماً ستفقد رونقها، وتذبل بعدما كانت مضرباً للروعة والجمال..

100- إن مناجاة الله -تعالى- في الخفاء، تجنب المرء الوقوع في الشعور بالرياء.. فهو وحده في جوف الليل؛ يسرح، ويمرح، ولا يخشى شيئاً..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج