100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. عندما يرى المؤمن أن حزنه نابع من تقصيره في العبودية: فلم يوفق لطاعة معتبرة، أو عزم على ترك معصية، وفي ساعة الامتحان وقع فيها.. أو أنه يعيش حالة الغفلة والبعد عن الله عز وجل؛ فإن هذا الحزن مقدس وعلى المؤمن أن يدعو ويقول: يا رب، زدني حزنا!.. لأنه بمثابة المنبه، يجعله يتنبه إلى أن هناك شيئا ما، أورثه هذا الحزن.

2. إن الحزن الذي منشؤه الدنيا والحرص عليها، هو حزن شيطاني، إذ أن الإنسان يحزّن نفسه دون سبب: هو وضعه جيد، في نعمة ظاهرية وباطنية؛ ولكنه قلق من المجهول، ويعيش في خوف من المستقبل.

3. إن رأيت حزنا في قلبك، ابحث عن القلوب المحيطة بك، لعلك كنت سببا في شعور إنسان بالألم والأذى؛ فعجّل رب العالمين لك العقوبة في الدنيا، أن جعل في قلبك هذا الحزن، ليخفف عنك العذاب يوم القيامة.

4. إن الذي يستيقظ بعد طلوع الشمس، ويرتاح لذلك لأنه أكمل نومه.. هذا الإنسان لم يرتكب حراما، ولكنه قد يحرم من صلاة الفجر شهرا كاملا؛ لأنه فرح بعدم توفيقه للقاء رب العالمين..

5. إن الإنسان يتعجب عندما يرى شابا بكامل قواه، وعندما يسأل: ما وصيتك؟.. يقول: أوصي أن يصلى عني صلاة آيات، أو قضاء صلوات واجبة!.. هو الآن معافى، ويأتي إلى المسجد، ووقت صلاة، ومكان صلاة.. فتراه يتكلم فيما لا داعي له، ولا يقضي ما عليه من الصلوات الواجبة!..

6. إن الصلاة القضائية، من الممكن أن تكون عند الله -عز وجل- أفضل من الصلاة الأدائية؛ لأنه ربما عندما يستيقظ لصلاة الفجر، وبين الطلوعين؛ يدخله شيء من العجب، ويرى في نفسه شيئا من التميز.. أما بعد طلوع الشمس، فإنه يشعر بشيء من الخجل والوجل والتقصير.

7. إن الحوائج الكبرى تعطى في صلاة الفجر، لما فيها من ثقل على الإنسان.. والقرآن الكريم يقول: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}؛ لأن هناك حركة للملائكة بين الطلوعين؛ حيث أن ملائكة الليل ترتفع، وملائكة النهار تنزل.. فهنيئا لمن كان من الذاكرين!..

8. إن من صفات المؤمن أنه لا يعتني بغير اليقين.. وكل ما يورث له الظن، الأصل فيه عدم الجدية، يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}..

9. إن كل ما يرد في فكر المؤمن وعقله، عليه أن يذهب به إلى مختبر العقل والفهم الدقيق.. فإن كان هذا الظن يوجب له الارتياح، أو إذا كان هناك إمضاء شرعي لهذا الظن، نتعامل معه معاملتنا مع اليقين.. أما إذا كان الظن غير معتبر: كالمنامات، والأبراج، وقراءة الكف والفنجان؛ فإن هذه الأمور لا تورث اليقين.

10. إن الذي يتأثر بالظن، ويتأذى، ويخجل، وقد يصاب ببعض العوارض العصبية.. إن هذا الشخص غير مأجور في ابتلائه؛ لأنه هو من أوقع نفسه في البلاء..

11. فرعون كان يقتل الأطفال، ولكن عندما وقع موسى بيده تحول من عدو قاس إلى إنسان لين، وجعله ابنا له.. إن معنى ذلك أن القلب بيد الله عز وجل، (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يصرفها كيف يشاء).

12. عندما يذهب الإنسان للأسباب الظاهرية، عليه أن يذهب إلى أن هذا السبب بيد الله -عز وجل- ولو شاء لأزال سببيته..

13. عندما تقضى حاجة المؤمن فإن أول خطوة عليه القيام بها، هي أن يشكر الله -عز وجل- فمن شكر الله على النعم، سيسخر له رب العالمين أسبابا أخرى، من باب: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.

14. قبل أن تفكر في شخص، وقبل أن تفكر في أمر، وقبل أن تفكر في قرار؛ قل: يا رب!.. سددني، خذ بيدي، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا!.. وخاصة في القرارات المصيرية، إذا أردت أن تقوم بعمل هام جدا، صلّ ركعتين، وقل: يا رب خر لي، واختر لي في عملي هذا!..

15. إن من لم يحمل فعل أخيه على الأحسن، قد يقع في يوم من الأيام في ورطة وفي هتك مؤمن، فإذا تورط في هذه العملية، كأنه هدم الكعبة.. لأن المؤمن أشرف من الكعبة كما ورد عن الإمام الصادق (ع): (المؤمن أشرف من الكعبة)، وقد ورد أيضا: (المؤمن بنيان الله في الأرض)، فالذي يهدم هذا البنيان بكلمة، كأنه أعان على هدم الكعبة.

16. إن الشيطان يوسوس للإنسان في اليقظة وفي المنام.. فالشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه؛ لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

17. إذا رأى الإنسان مناما مزعجا أو مفرحا، ولم يجد من يعبر له هذا المنام؛ عليه القيام بخطوتين: الخطوة الأولى: الكتمان؛ من كتم منامه وأسره، كفاه الله شره.. والخطوة الثانية: دفع صدقة.. حيث أن بعض الهبات الإلهية معلقة على الصدقات، فتكون هذه الصدقة إما دفعا للبلاء، أو جلبا للنعماء.

18. إن الإنسان لا يستطيع ضبط خواطره في كل ساعات نهاره وليله، فمن يريد أن يضبط خواطره عليه أن يمتحن نفسه في صلاته.. وبالتالي، فإنه يضرب هدفين بسهم واحد: الهدف الأول: أنه أوجب له الإقبال في الصلاة، والهدف الثاني: أنه دخل دورة تدريبية في ضبط فكره في الصلاة..

19. إن الإنسان بإمكانه أن يتخلص من الخواطر بأن لا يوسع من دائرة خياله.. فالإنسان الذي يسمع كثيرا، ويتكلم كثيرا، وينظر كثيرا؛ يجعل جهازه الباطني جهازا مشوشا..

20. إنه لمن المناسب للمؤمن أن يتنبه للسجدة، سواء كان في المسجد أو كان في المنزل.. فمن يقدم على هذه الخطوة، يصبح مدمنا عليها، مثلما يدمن الإنسان الذي يتناول الحشيشة؛ فإنْ تناولها لمرة واحدة، لا يستطيع تركها.. فهل رب العالمين الذي جعل خاصية الإدمان في حشيشة صغيرة، لا يمكن أن يجعل الإدمان الإيجابي: أي الإدمان الروحي، والإدمان التكاملي، في حركة من الحركات؟..

21. إن السجود هو أشرف حركة بدنية، لأن رأس الإنسان عادة ما يرمز إلى: العظمة، والتكبر، والكبرياء، والعلو، ويمثل القيادة.. فيلاحظ أن هذا الرأس في السجود، يتطأطأ أمام رب العالمين.. لذلك نجد أن تذوق السجدة من ألذ لذائذ العيش عند أهلها..

22. إن من صفات المؤمن، كما نعرف من دعاء كميل، أنه يطلب من الله -عز وجل- أن يكون لسانه لهجا بذكر الله عز وجل.. (واجعل لساني بذكرك لهجا، وقلبي بحبك متيما)..

23. إن الله -عز وجل- لا يُدخل في دائرته الخاصة، إلا من ارتضاه.. فالصلاة لقاء مع رب العالمين، وليلة القدر اجتماع في ساحة السلطان.. في الليالي العبادية الإنسان يدخل في قاعة السلطان العامة، أما الصلاة فهي معراج المؤمن؛ أي اللقاء الخاص.. ولهذا القرآن الكريم يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.

24. إن من أفضل ما يقرأ قبل الصلاة الواجبة: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ}.. وكذلك: (اللهم!.. اجعلني من الذاكرين و لا تجعلني من الغافلين).. فالاستنجاد بالله وأوليائه قبل الصلاة، من موجبات الإقبال فيها.

25. إن المؤمن وهو يطلب جزئيات الأمور يختمها بقوله: (يا رب!.. أفوض الأمر إليك).. (اللهم!.. فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك).. حتى يجمع بين الحالة الإبراهيمية في الانقطاع لله -عز وجل- والحالة الموسوية، في طلب المدد والقوة منه -جل وعلا- في جزئيات الأمور.

26. اغتنموا السجدة الأخيرة في الصلاة الواجبة.. فإذا أدركت الإنسان الرقة، فليطيل في سجدته الأخيرة أكثر من الركعات الثلاث والأربع.. وليكن السجود بعد الصلاة الواجبة أيضا، سجود اعتذار بين يدي الله.. إذ أنه بالإمكان من خلال هذه السجدة، أن ينفخ الروح والحياة في الصلاة الميتة.

27. إن صلاة القضاء قد يكون لها دور في تكامل العبد، أكثر من صلاة الأداء.. والصلاة غير الخاشعة، قد يكون لها دور في تقريب العبد إلى ربه، أكثر من الصلاة الخاشعة.. والسبب هو حالة الاستحياء والخجل، وعدم العجب الذي ينتاب العبد.. فيسدده رب العالمين ببركة حالته هذه، ولهذا جاء في الحديث: (أنين المذنبين أحب إلي من تسبيح المسبحين).

28. حتى سوء الظن الباطني يعاتب عليه الإنسان، هو لم يرتكب حراما.. ولكن لا شك أن الإنسان الذي يعيش حالة سوء الظن الباطني، لابد أن يظهر ذلك في فلتات لسانه، ولطالما عاقبنا من لا يستحق العقوبة، على سوء الظن هذا.

29. إن من يخاف ضررا عليه بالمعوذتين صباحا ومساء، وبقصد الالتجاء؛ لا مجرد لقلقة لسان.. فهل يحق للشيطان أن يوسوس دائما، والله -عز وجل- ليس له الحق أن يبطل ما يوسوس به الشيطان، وهو أرأف بالناس؟!..

30. نفهم من بعض المستحبات أن الإنسان الذي يريد أن يدخل ببحر الصلاة بقوة وبإقبال؛ لا بد وأن يعتني بالمقدمات السابقة للصلاة.. فالإنسان الذي يقف للصلاة بدون توجه؛ من الطبيعي أن لا تفتح له الأبواب..

31. إن هناك فرقا بين الواجب والمستحب: فالإنسان يقوم بالواجب؛ خوفا من غضب الله، أو طمعا في جنته.. ولكن المستحب هو الفعل الذي إذا قام به العبد أثيب، وإذا ما قام به لا يعاقب.. إذن، ليس فيه خوف، نعم فيه طمع.. وعليه، فإن التقرب بالمستحبات، من الممكن أن تكون من هذه الزاوية، أقوى من التقرب بالواجبات.

32. من المهم معاقبة الجوانح على تلك الحركات السلبية التي في أعماق القلب، فضبط الجوارح ليس بالصعب جدا، ولكن المشكلة الأرقى -ونحن غير مكلفين بها شرعا- هي السيطرة على المعاصي الجوانحية هذه الحركات غير محرمة، ولكن هناك عبارة عن روح الله (ع)، بأنها كالدخان الذي يسود المكان، فيزيل بهاءه..

33. إن من الأدخنة التي تسود القلب، احتقار الآخرين.. على الإنسان أن لا يحتقر أحدا.. بل كل ما رأى أحدا يقول: هذا خير مني؛ لا باعتبار حاضره، وإنما باعتبار خواتيم عمله..

34. إن أبواب السماء تفتح بدءاً من ساعات السحر، حتى طلوع الشمس.. فهذا الوقت من الأوقات التي تنغمر فيه الرحمة الإلهية، خصوصا بالنسبة إلى الرزق.. عن الجواد (ع): (وذكر اللّه بعد طلوع الفجر، أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض).. نحن مشكلتنا أننا جعلنا الأرزاق تساوي المال، والحال أن المال آخر الأرزاق: فأول الرزق الإيمان والاطمئنان النفسي.

35. المؤمن صياد الفرص، يغتنم كل الأزمنة وكل الأمكنة وكل الحالات.. ويلجأ إلى الله تعالى؛ كي يفتح له الأبواب المغلقة.

36. إن من التعقيبات أيضا، السكوت في المصلى ساعة من الزمن: لا يصلي نافلة، ولا يقرأ دعاء، ولا يتلو قرآنا.. إنما يفكر في عظمة الله، وفي ضعف الإنسان، وفي قلة حيلته.. فهذه الحالة تعتبر من ضمن التعقيبات، ويا له من فوز!..

37. إنه لمن المناسب، أن يبني الإنسان غرفة للصلاة في منزله، لأن من امتياز هذا المكان أن فيه بركة؛ فهو كلما دخل هذا المكان تذكر بعض الليالي الخاشعة.. والبعض تتقاطر دموعه على السجدة، فيتذكر أنه قبل فترة كان خاشعا، أي أنه هو الذي تغير؛ وإلا رب العالمين لم يتغير لطفه.

38. إن تسبيح الزهراء (ع) من أفضل تعقيبات الصلاة، وهي هدية النبي (ص) إلى ابنته فاطمة (ع)، وهديتها إلى محبيها إلى يوم القيامة.. قال الإمام الصادق (ع): (مَن سبّح تسبيح فاطمة الزهراء -عليها السلام- قبل أن يُثني رجليه من صلاة الفريضة؛ غفر الله له.. وليبدأ بالتكبير)..

39. إن هناك بعض المعايير والموازين هي بمثابة مختبر، يجب أن يدخل الإنسان نفسه في هذا المختبر؛ إن خرج الختم: أن النتيجة إيجابية؛ فهو على خير.. منها مضمون الرواية: (إذا أردت أن تعرف مالك عند الله، فانظر ما لله عندك)؛ أي ما وزن الله عندك؟..

40. إن هنالك بشارة لجميع المؤمنين، وهي أن الشياطين والأجنة، لا تصل إلى أعضاء بدن الإنسان.. فالشياطين والجن لو كان لهم سلطة على الأبدان، لذكر ذلك القرآن الكريم، فمن منا يدّعي أن الشيطان دفعه إلى المعصية دفعا؟!.. فإذن، إن الأمر سهل ما دامت القضية وسوسة، فالذي يلتفت إلى منافذ قلبه، ينجو من هذا الشر.

41. إن الإنسان يحرم كل يوم في كل فريضة، وحاله حال المحرم في الميقات.. فالتكبيرة الأولى، تسمى تكبيرة الإحرام.. والصلاة معراج المؤمن؛ فكما أن الحج والعمرة سفرة أفقية على الأرض، فإن الصلاة سفرة عمودية إلى السماء.

42. إن المؤمن قبل تكبيرة الإحرام، يستعد للقاء الإلهي.. ما المانع أن يطيل الوقت قبل التكبيرة؟.. ويقول: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.. فكما أن وجهك الظاهري إلى جهة القبلة، لماذا لا توجه قلبك الباطني إلى جهة الرب أيضا؟.. وهنيئا لمن استدر دمعة بمقدار جناح بعوضة، ثم بعد ذلك قال: الله أكبر!..

43. إن الله -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه الكريم:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}.. طبعا هناك فرق بين ذكر العبد لربه، فهذا الإنسان المسكين يذكره لقلقة لسان.. وذكر الله -عز وجل- لعبده، يقلب كيانه!..

44. بعض العلماء يقول: ليس هناك مانع أبدا، أن تبكي على مشكلة من مصائب الدنيا، وبمجرد أن تدمع عيناك، ويرق قلبك؛ تحوّل الحالة إلى رب العالمين.. هذا ليس فيه أي شك أو شبهة، ولا رياء.. بل العكس، يضيق صدر الإنسان من الدنيا، فيحول هذا الضيق للآخرة.. ولعل الله يبتلي المؤمن ببعض هذا الضيق حتى يذكره به!.. فإذن، إن المؤمن يشكر الله أن ابتلاه بهذه المصيبة، حتى يذكر رب العالمين.

45. ورد في الروايات: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، أي من صلى في غير المسجد، صحت صلاته، ولكنها ناقصة ليس فيها كمال.. فالذي يسمع: (حي على الصلاة) ولا يكلفه الأمر سوى خطوات إلى المسجد؛ من الممكن أن يكون بعيدا عن الرحمة الإلهية.

46. إن الفترة من البلوغ إلى العشرين، هي قمة الشهوات.. فالذي تجاوز هذه المرحلة، يكون قد تجاوز المرحلة الحرجة.. فليستقم على إيمانه، ليكون من الذين ينطبق عليهم هذا الحديث الشريف: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله..).

47. إن إمام الجماعة يراعي أضعف المأمومين في أداء صلاته، ولكن رب العالمين يراعي أقوى المأمومين في إعطاء الأجر والثواب.

48. إن الأذان والإقامة مقدمتان مهمتان للدخول في بحر الصلاة.. ومن أحكام الأذان والإقامة: أنه من لم يؤذن ولم يقم ودخل في الصلاة، ثم تذكر قبل أن يركع؛ يمكنه أن يقطع صلاته، ثم يؤذن ويقيم.. وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أهمية الأذان والإقامة.. والذي يتركهما تكاسلا وزهدا فيهما، يعتبر من صور الكسل الذي لا يقبل أبدا.

49. إن الإنسان الموحد هو الذي لا يرى مؤثرا في الوجود سواه، والموحد إنسان هادئ نفسيا، مفوض متوكل لا اعتراض له.. فالتوحيد أساس كل فضيلة أخلاقية.

50. قال الله -تعالى- في كتابه الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. فعلق الفلاح على الخشوع في الصلاة.. لم يقل يخشعون، لم يستعمل الفعل، إنما استعمل اسم الفاعل، لأن هذه صفة راسخة فيهم.. حيث أن من يخشع قد تخونه نفسه، أما الخاشع فهذه صفة أصيلة فيه.

51. لماذا الصلاة هي خير العمل؟.. لأن الإمام علي (ع) يقول في حديث عجيب: (واعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك)؛ أي كل نشاطك اليومي تبع لصلاتك..

52. إن هناك فرقا بين الخواطر، وبين ما استقر في صفحة النفس.. فالرياء المبطل، هو الرياء المستقر، وليس الذي يرد على نحو الخاطرة.. وقد ورد في الرسالة العملية -مع أن هذه مسألة أخلاقية-: وأما الخواطر فلا تبطل الصلاة، وخصوصا إذا تأذى منها الإنسان.. إذا تأذى الإنسان من خاطرته، فهو إنسان مخلص.

53. إن من نعم الله علينا، أنه لا يؤاخذنا بالرياء بعد العمل، مثلا: إنسان ذهب إلى الحج وأتقن حجه، وخشع في صلاته، ونقل ذلك إلى الآخرين؛ رب العالمين أكرم من أن يضيع أجره.. الرياء المبطل هو ما كان أثناء العمل، أما الرياء اللاحق؛ فإنه لا يفسد العمل.. وكذلك الحال بالنسبة إلى العجب.

54. إن عبادتنا هي إما عبادة العبيد الخائفين، أو عبادة التجار.. فهل هذا يخل بالإخلاص، أم لا؟.. فقيها: لا، الصلاة صحيحة.. أما عرفياً وأخلاقياً؛ فإن هذا بعيد عن الإخلاص..

55. أين نحن وعبادة أمير المؤمنين، الذي كان يقول: (إلهي!.. ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك.. ولكن وجدتك أهلاً للعبادة؛ فعبدتك)؛ هذه هي عبادة الأحرار.. والإنسان المؤمن يحاول أن يترقى في عبادته، ليصل إلى هذه الدرجة.

56. عندما يدخل الإنسان الجنة، فإنه يرى من الجمال الإلهي ما تندهش منه العقول، يقال له: اذهب إلى القصور وإلى الحور؛ ولكن قلبه لا يطيق فراق هذه الحالة، لأنه يرى أن ما هو فيه من الانشغال بهذا الجمال الإلهي، لا يقاس بالجمال المادي.. ومن هناك قيل: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}!..

57. إذا كان صرف المال الفاني في غير محله يعد تبذيرا، ويجعل الإنسان من أخوان الشياطين؛ فكيف بما هو أرقى من المال، عندما يصرف في غير محله، ألا وهو العمر والوقت؟!..

58. إن المؤمن في أيام حياته، لا بد أن يقرأ الألفاظ المشكلة في القرآن الكريم، على الأقل في المصحف الذي بهامشه تفسير بسيط.. لو أن إنسانا هوى فتاة أجنبية، وأرسلت له رسالة؛ ألا يبحث في القاموس كي يعلم ما الذي تقوله هذه المحبوبة؟!.. فكيف إذن بإنسان يدعي أنه يحب رب العالمين، ولا يعلم ماذا يقول؟!..

59. إن الذكر قسمان: ذكر لفظي، وذكر قلبي.. لا بأس للمؤمن أن يتخذ وردا بين وقت وآخر؛ فكل أربعين يوما يختار وردا معينا، ويلتزم به خلال ذهابه وإيابه.. ومن أفضل الأذكار سورة التوحيد، خصوصا في شهر رمضان حيث أن تكرارها ثلاثا بمثابة ختمة، وفي شهر رمضان كل آية بحكم ختمة.. انظر إلى العدد التصاعدي من الأجر لمن كان له قلب!..

60. قد يكون الإنسان عادلا، وهذا ممكن!.. ولكن الغفلات ألا تستحق أن يسجد الإنسان لربه -عز وجل- وحالته حالة نبي الله يونس؟!.. وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}؛ إنه وعد إلهي بمعاملتنا معاملة يونس، ومن أصدق من الله حديثا!..

61. إن من موجبات تأخر الشفاء عند بعض المؤمنين: مخالفة الحكم الشرعي.. إذ أن الإنسان بعض الأوقات عندما يمرض، قد يراجع الطبيب من غير زاوية شرعية.. مثلا: امرأة مؤمنة تمرض، فتراجع طبيبا، مع وجود طبيبة في نفس المستوى؛ فتكشف من بدنها ما لا يجوز كشفه.

62. إذا كان فيك مرض، فزر مريضا، وقف على رأسه وقل: يا فلان!.. أدع لي، وأنت قل: آمين!.. حيث أن دعاء المريض في حق من زاره مستجاب.. وخاصة إذا كان هذا المريض المؤمن ملهوفا، ولا يزوره أحد.. هذا الدعاء يخرق الحجب!..

63. هناك طلب بلسان المقال، وهناك طلب بلسان الحال.. رب العالمين إذا رضا عن عبد، دبر أمره، واستجاب له، وإن لم يصرح بالطلب.. فشعاره: (علمك بحالي يغنيك، عن سؤالي).

64. الإنسان الذي لا يعيش الهواجس المعنوية: فإن أقبل يشكر الله على هذه النعمة، وإن أدبر لا يعيش المرارة أبدا ولا يتألم لذلك.. هذا الإنسان بعيد كل البعد عن الدائرة المقدسة!.. إنما المؤمنون المرهفون، الذين يحملون هذا الهم، عندما تنتابهم حالة الإدبار، وخصوصا في الصلاة الواجبة؛ يعيشون حالة الألم العميق.

65. بعض أنواع الإدبار قد يكون من باب اللطف؛ فرب العالمين قد لا يعطي بعض المزايا الروحية والمعنوية للعبد؛ لئلا يعيش حالة العجب والغرور.. ورد في الحديث: (سيئة تسوءك؛ خير من حسنة تعجبك).

66. إن المؤمن عندما يصاب بحالة الإدبار، إن رأى سببا ظاهريا: إرهاقاً بدنياً، أو تعباً نفسياً؛ قد لا يقلق هذا الإدبار كثيرا.. ولكن إن تكررت هذه الحالة فمن الممكن أن تكون هذه إشارة إلى أن هناك خللا في تركيبته الباطنية.. عندئذ عليه بسبر غور النفس، وعمل استقراء لواقعه ولحاله.

67. إن الذي يتلذذ باللذائذ المعنوية؛ سوءا كانت لذائذ جوف الليل، أو لذائذ الصلاة الواجبة؛ يعيش حالة الجفاء مع المخلوقين، ومع الوقت يعيش حالة التقوقع والانعزال عن الناس.. ومع الأسف قد يظن أنه على خير!.. نعم، هم ليسوا بمثابة {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، ولكن ليست هذه هي الحالة الفضلى أو المثلى للإنسان الكامل.

68. نحن غير محاسبين على الخواطر اللااختيارية، إنما الحساب على الخواطر الاختيارية.. إذا صلى الإنسان، وطوال الصلاة وهو يدفع ويقارع الخواطر اللااختيارية، ولا يتابع الخيوط؛ هذا الإنسان إنسان خاشع، وصلاته مقبولة، وإن لم يخشع.. لأنه كان في حال مجاهدة مع نفسه.

69. كلما زاد المرء إيمانا وتألقا، وإصرارا على السير في طريق رب العالمين؛ كلما كثف الشيطان جهوده في صده عن السبيل.

70. {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، إن كيد الشيطان في حد نفسه قوي جدا، ولكن أيضا القرآن يصفه بالضعف، لأن الذي يدفع شره عن الإنسان، هو الذي خلقه.. فالشيطان مخلوق لله عز وجل، وناصيته بيد الله عز وجل؛ فيكفي أن ينهاه ويأمره بعدم الاقتراب من هذا الإنسان المؤمن، الذي يكثر الاستعاذة بالله عز وجل.

71. إن الاستعاذة حركة قلبية قبل أن تكون حركة لسانية: فيها خوف، وفيها أمل، وفيها فرار، وفيها التجاء.. كل هذه المعاني إذا اجتمعت في قلب إنسان، يصدق عليه بأنه إنسان مستعيذ.. والله -عز وجل- في عون عبده الذي يكثر من الالتجاء به، خاصة قبل الأعمال الصالحة، وقبل كل عمل ذي بال .

72. لا مانع أبدا أن تجتمع محبة الله مع الخوف منه؛ لا الخوف من الانتقام، فالمحبوب لا ينتقم من حبيبه.. بل الخوف الذي كان يؤرق مضاجع الأولياء طوال التاريخ؛ ألا وهو: الخوف من مقام رب العالمين، {مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}؛ والخوف من سلب حالة الإقبال، والخوف من وضع حجاب بينه وبين العبد.

73. إن على الإنسان أن يستشعر وجود ربه معه دائما، فيرى بأن الله أقرب إليه من حبل الوريد ومن نفسه، ويعيش هذه العلاقة المتصلة.. فهذا الإحساس هو نعم الضمانة لعدم الاقتراب من المعصية، هل رأيتم إنسانا في محضر السلطان يعصي أوامره؟..

74. إن المؤمن بين وقت وآخر، في خلوة في جوف الليل، أو على ضفة نهر، ينظر إلى علاقته مع ربه: يسأل نفسه: هل رب العالمين راض عنه أم لا؟.. إذا كان يقطع بعدم الرضا؛ عليه أن يغير مجرى حياته.. وإذا لم يقطع بعدم الرضا، بل شك في الرضا؛ أيضا المسألة خطيرة.. فلابد أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، فيقطع نسبيا -حسب الظواهر- برضا رب العالمين عنه، أو بسخطه عليه.

75. إن البعض لا يخاف من الموت، لأنه قد أدى كل ما عليه من: صلاة، وصوم، وحج، وخمس، ورد مظالم... الخ، فليس هناك ما يخافه.. وهذه حالة راقية جدا في الإنسان، وقد يكون صاحب هذه الحالة من عامة الناس.. وعليه، فإن المؤمن في كل وقت يحاول أن يستقرئ هذه العلاقة؛ ليصل إلى مرحلة النفس المطمئنة التي ترجع إلى الله عز وجل، فلا يدخل الجنة فحسب!..

76. إن الذي يحاول أن ينقل الهدى الإلهي إلى القلوب، على حسب طاقته وعلى حسب قدرته؛ رب العالمين سوف يعينه على مسؤوليته: يشرح صدره للموعظة الباطنية، ولموعظة الغير، ويجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه..

77. إن من المحطات التي يحتاج فيها المؤمن إلى مراقبة مضاعفة، وإلى تأمل شديد: لحظات ومجالس الغفلة عن ذكر الله عز وجل.. فالإنسان أحيانا يمكنه أن يجنب نفسه هذه المجالس، فإذا رأى الجو لاهيا ساهيا؛ يخرج باختياره.. ولكن -بعض الأوقات- يبتلى الإنسان بحرج اجتماعي، فلا يمكنه الخروج بسهولة.. عندئذ المؤمن المراقب يحتاج إلى جو مضاعف من الذكر والالتفات القلبي.

78. إن الالتفاتة الإلهية للعبد، هي التفاتة ثابتة في كل الحالات.. رب العالمين كما ينظر إلى المسجد، ينظر إلى مجالس الحرام.. فالأكوان متساوية المثول بين يديه تعالى.. وعليه، فإنه لا فرق في هذه الرقابة الإلهية، بين مجالس الطاعة ومجالس المعصية.. وهذه الالتفاتة إلى النظرة الإلهية، من موجبات انضباط العبد.

79. إن الذي يقاوم الأعداء ويصمد أمامهم بينما يفر القوم، هذا الإنسان له تميز، وهو بعين الله عز وجل.. كذلك الذاكر بين الغافلين، أيضا له تميز في هذا المجال، ومن الممكن أن ينظر رب العالمين إلى هذا العبد نظرة لطف، ويباهي به الملائكة.

80. إن الإنسان بإمكانه أن يشغل نفسه بالذكر الخفي، عن النبي (ص) قال: (خير الذكر الخفيّ).. و(لا إله إلا الله) ذكر شريف، وامتيازه: أن الإنسان يستطيع أن يلهج به دون أن يحرك شفيته.. وبالتالي، فإنه من الممكن أن يعوّض هذه الغفلة في مجالس الغافلين، بأن يشغل نفسه بهذا الذكر، دون أن يشعر به أحد؛ لئلا يتهم بالرياء.

81. إن الإنسان الذي يدمن طاعة ربه، ويتوجه إلى ربه توجها بليغا مركزا متصلا؛ جسمه لا كجسم سائر الناس.. فكما في عالم التسافل، النفس المنشغلة بالشهوات، هذه الآثار الشهوية تنعكس على الأبدان؛ كذلك في عالم العلو الذي ينشغل بالمعاني الإلهية السامية، أيضا جسمه يتفاعل مع حالته القلبية.

82. المؤمن يحب أشياء كثيرة في هذه الحياة، ولكن هناك نقطة في القلب، أو جهة في القلب، أو مكان في القلب؛ هذا المكان لا يدخله إلا الله عز وجل (القلب حرم الله، فلا تُسكن حرم الله غير الله)..

83. إذا ترك القلب دون مراقبة، قد تتسلل بعض الأمور إلى قلب المؤمن.. وبالتالي، يسكن قلبه حب غير الله عز وجل، والشيء إذا استقر في القلب يصبح أميرا.

84. إن التوجه والإقبال من باب الاستحسان المطلوب في الفرائض، وفي المستحبات كذلك.. ولكن في خصوص صلاة الليل -والله العالم- نفس قيام الليل، وهجران الفراش؛ فيه ملاك!.. حتى لو صلى الإنسان صلاة الليل وهو مدبر، أو متناعس؛ فإن هذا القيام في حد نفسه أمر مبارك، ورب العالمين يحب هذه الحركة.

85. إن الإنسان قد ينام -أحيانا- في السجود الأخير من صلاة الليل، إلى أن يستيقظ لصلاة الفجر.. مؤمن قام من دون أي إلزام، وألزم نفسه أن يقف بين يدي ربه، فخشع في ركعتين ولم يخشع في الباقي؟.. أو لا تحتمل أن الله -عز وجل- يحب هذا المنظر الجميل؟!..

86. إن هناك عبارة للإمام العسكري (ع)، لو كتب الإنسان هذه العبارة في محراب عبادته؛ فإنها تنعشه وتحركه لصلاة ليل خاشعة!.. عن الإمام العسكري (ع): (إن الوصول إلى الله -عزّ وجل- سفر، لا يدرك إلا بامتطاء الليل).. إنها عبارة راقية جدا!.. فأهل قيام الليل، يصلون إلى الله -عز وجل- وصول الراكبين، لا وصول الراجلين.

87. إن المؤمن لا ينخدع بحالات الإقبال الموسمية.. فما هو فيه من الإقبال القلبي عند الكعبة -مثلا- هو من شرافة الكعبة.. وهو لم يتغير، ومازال كما كان قبل مجيئه إلى هذه المشاهد المشرفة، من قسوة القلب.. فحالة الإقبال هذه منحة إلهية، ولطف إلهي.

88. فرق بين أن يفقد الإنسان ألف دينار مثلا، ثم يكسب ألف دينار، فهو رجع إلى ما كان عليه.. وبين إنسان مات أعز ولده، هذا الإنسان ملفوف بغلاف من الرحمة الإلهية الغامرة، ولكن بشرط: الرضا بقضاء الله وقدره أولا، والتسليم له ثانيا، ومحبة ما كتب الله -عز وجل- له ثالثا..

89. إن الإنسان الذي عينه على قلبه، هذا من مصاديق الذاتية والأنانية المحمودة.. ولكن المؤمن الأرقى تكون عينه في السماء، لا في النفس.

90. إن هناك فرقا بين جاهدوا فينا، وجاهدوا في سبيلنا: أي الذي جهاده في الله عز وجل؛ يريد أن يصل إلى الله، لا في خدمة دينه.. والوعد بالهداية، مترتب على الذين جاهدوا فينا، لا في سبيلنا.

91. إن الإنسان الذي ينسحب من الجدال بعد أن يتبين أنه على باطل، هذا عمل حسن؛ ولكن الأعظم والأعلى درجة: أن يكون الحق معه، وينسحب، ويقول للطرف المقابل: أنت افترض أن الحق معك!.. فعن رسول الله (ص): (من ترك المراء وهو مبطل؛ بنى الله له بيتا في ربض الجنة.. ومن ترك المراء وهو محق؛ بنى الله له بيتا في أعلى أجنة)..

92. إن من مواصفات الإنسان السائر إلى الله -عز وجل- أنه إنسان له همّ، وله سبيل في هذه الحياة.. هناك نقطة يحب أن يصل إليها، حياته غير مبعثرة: ليس في السفر على هيئة، وفي الحضر على هيئة.. ليس في الجلوات على هيئة، وفي الخلوات على هيئة.. بل هو إنسان يمشي مشية مضطردة ثابتة، وبخطى متوازنة.

93. إن هناك فرقا بين الحالات الشعورية، وبين الموقف الاستراتيجي للإنسان في هذه الحياة.. فالإنسان عليه أن يمشي مع ربه مشية متزنة؛ أي لا يقرب المعاصي، ويؤدي واجباته.. وأما النفحات فهي هبات من الله -عز وجل- وهو قد يعطى الهبة وقد لا يعطى الهبة.. مثل الموظف الذي يعمل بكامل نشاطه، ويأخذ راتبه الشهري، وفي بعض الأشهر يعطى العلاوات التشجيعية.. ولكن إذا لم يأخذ العلاوة، هل يستقيل من العمل؟..

94. إن الإنسان عليه أن يعمل بوظيفته، ولا تهمه النتائج.. فالإنسان يصلي صلاة لا أفكار فيها، وبعد ذلك أعطي الإقبال أو لم يعط؛ فهذا شأن الرب وليس من شأن العبد.. العبد عليه بالعبودية، ورب العالمين يعمل بمقتضى الربوبية.

95. إن العبد في بعض الأوقات، لا يقدر نعمة الإقبال الروحي.. مثلا: إنسان يأتي إلى المسجد فيصلي صلاة خاشعة، وعلى باب المسجد يتكلم كلام هذر وباطل.. فهذا الإنسان من الطبيعي أن لا يعطى حالة الإقبال مرة أخرى؛ لأنه أعطي الهدية ورماها جانبا؛ فهو لا يستحقها.

96. إن على العبد ألاّ يستسلم إن استمرت حالة الإدبار فترة طويلة، بل عليه أن يقدم الشكوى إلى الله عز وجل.. وخير ما يعبر عن هذه الحالة، كلام الإمام السجاد (ع) في مناجاة الشاكين: (إِلَيْكَ أَشْكُو قَلْباً قاسِياً مَعَ الْوَسْواسِ مُتَقَلِّباً، وَبِالرَّيْنِ وَالطَّبْعِ مُتَلَبِّساً، وَعَيْناً عَنِ الْبُكاءِ مِنْ خَوْفِكَ جامِدَةً...).. إن دعا بهذا الدعاء مرة واحدة بتوجه، يرجى أن ترجع إليه حالة الإقبال مرة أخرى.

97. إن المؤمن يجمع بين التكليفين: بين العمل الجوانحي، والعمل الجوارحي.. إذ علينا أن نجمع بين الكم والكيف، وعند التعارض بينهما؛ نقدم الكيف على الكم، لا أن نلغي الكم أساسا؛ بل نطعم الكم بكيف راق.. تقول الرواية: (ركعتان مقتصدتان؛ خير من قيام ليلة والقلب ساه).

98. إن زيارة المعصوم عن بعد -بعض الأوقات- تكون أكثر شوقا وأعظم أجرا من الزيارة التي عن قرب، بسبب تلك الحرقة الباطنية التي في قلب ذلك المؤمن..

99. إن القضية ليست قضية دعاء، بل قضية اجتهاد وعمل وسعي.. الدعاء مرطب، ويهيئ الجو المناسب.. أما الذي لا يعمل، ولا يجتهد؛ فهذا دعاؤه لا يستجاب.

100- إن على الإنسان أن يعيش هاجس الخوف من عدم رضا الله -عز وجل- عنه، فيحتمل ذلك في كل يوم، وفي كل لحظة.. فهذه وسوسة: عقلائية، منطقية، من نوع راق.. هل هناك إنسان لديه شهادة اعتماد: أن الله قد رضي عنه؟...


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج