100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن حب المعاني، يختلف تماماً عن الحب المادي.. فهو يتصف بالاستمرارية، والتزايد، والعمل الجاد.

2. إن حب المعاني الكمالية، وحب المعاني الجميلة؛ هذا حب ثابت.. فالذي يحب: التضحية، والكرم، والتقرب إلى الله -عز وجل-، والإيثار، والعبودية؛ كل هذه المعاني المعنوية تبقى ولا تزول أبداً!..

3. إن الذي يحب المعنى، ويحب صاحب هذه المعاني الجميلة؛ هذا الحب لا ينقص أبداً!.. والشاهد على ذلك ما رأيناه في أصحاب النبي (ص) والأئمة (ع)، عندما كان يدخل الصحابي دائرة الحب الإلهي، وحب النبي (ص)، وحب المعاني المتجسدة في ذات النبي؛ كان يزداد يوماً فيوماً شوقاً إلى هذه المعاني..

4. إن حب المعاني يدعو الإنسان إلى العمل الجاد، الذي يقربه من هدف الخليقة.. حب الوجه، وحب الطبيعة؛ يسوق الإنسان إلى الشهوات.. أما حب المعاني؛ فإنه يدفع الإنسان إلى التأسي بهذه الأمور.. إذ من عشق شيئاً، تبع ذلك الشيء أينما كان.

5. إن حق الحسين (ع) عظيم على الأمة جمعاء، لأنه أحدث بشهادته هزة عنيفة أيقظت الأمة من سباتها.. وأي سبات أعظم من أن يستبدل خير الخلق إلى الله -تعالى- في زمانه، بشارب الخمور ومستحل الحرمات؛ زاعما إمرة المؤمنين!.. وإن ما آل إليه أمر الأمة، كان نتيجة طبيعية لمخالفة المنهج الرباني، الذي رسمه الله -تعالى- للأمة يوم الغدير.

6. إن الهدف من المجالس الحسينية، هي أن يخرج الإنسان بتغيير جوهري في ذاته.. علينا أن نذهب إلى هذه المجالس، بنية الاستفادة العملية.. وذلك من خلال محاولة تغيير جوهري للملكات الفاسدة في أعماق النفس؛ كرامة لهذه الدموع التي يقول عنها الإمام الرضا (ع): (فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام)!.. فكلام الخطيب الذي يقال في مجلس إحياء عزاء الحسين، هذا الكلام له قوة في التأثير؛ لأن هذا الكلام يصدر من على منبر الحسين (ع)، الذي نصب لتخليد ذلك الدم الذي أريق في سبيل الله عز وجل.

7. إن من أعظم وظائف المحبين أيام عاشوراء، هو تجسيد الحب، لا من خلال مظاهر العزاء فحسب، بل من خلال الترجمة العملية لهذا الحب!.. إذ أن الحب ما هو إلا التجانس بين المحب والمحبوب، وهذا التجانس لا يتم بالدعوى المجردة، بل بمحاولة التقريب بين الذات المحبة والذات المحبوبة في الصفات والملكات.. وأعظم قربان يقرب إلى الله -تعالى- في هذه الأيام، هو نفي إنية النفس الأمارة: اجتثاثا لملكة خبيثة، أو إقلاعا عن منكر نعكف عليه.

8. إن عاشوراء هي حركة متميزة في تاريخ الإسلام، بل من أعظم الحركات في الحياة البشرية!.. ونحن هذه الأيام نعيش العِبرة والعَبرة في مصيبة الإمام الحسين (ع).. فكما أن الاستماع للقرآن الكريم من دون إنصات؛ يوجب قساوة القلب، كذلك الاستماع لمصائبهم (ع) وكأنها قصص مأسوية دون تفاعل؛ توجب قساوة القلب أيضاً.

9. إن الذي تجلى في كربلاء هو بكلمة واحدة: نفي الإنية والذات.. إذ أن مشكلة بني آدم منذ خلق؛ هي حب الذات وحب النفس.. عندما يصف علماء العرفان والأخلاق الرتب الكمالية العليا، يذكرون مرحلة الفناء والاندكاك في الله -عز وجل-.. فبمقدار ما يستقيم العبد في الصراط المستقيم إلى الله -عز وجل- يُعطى مقام الولاية، ويُعطى مقام الاندكاك والفناء.. ففي يوم عاشوراء هذه الذوات أذيبت وانصهرت في بوتقة الحسين (ع)؛ ليقدمها بين يدي الله عز وجل.. ومن هنا قال: (فإني لا أعلم أصحاباً؛ أوفى ولا خيراً من أصحابي).

10. إن عمل الإمام (ع) متنوع، باعتباره القيادة الواعية الرشيدة، التي تريد تطبيق الإسلام.. فالحسين (ع): بكلماته، وبنظراته، وبحركته: قبل عاشوراء، وبعد عاشوراء؛ تمكن بقيادته الرشيدة من استغلال هذه الذوات.. وهذه مأساة تنحية الأئمة عن قيادة الأمة، فالأمة فيها ملكات وطاقات كبيرة جداً؛ ولكنها تحتاج أمثال: علي والحسن والحسين (ع) كي يستغلوا هذه الطاقات.. عندما يظهر الإمام (عج) لا يأتي بجيش من عالم آخر، بل يأتي بالجيش وبالقيادات من هذه الأمة.. عندما تكون القيادة في الأمة قيادة سماوية إلهية؛ الأمور تختلف كلياً.

11. إذا أردنا أن نصف ما جرى في كربلاء بعبارة موجزة، فإن من خير ما يقال في هذا المجال: أن الذين حضروا تلك الواقعة، لم تبق لهم ذوات حاكمة في قبال مرضاة الله سبحانه وتعالى.. وهذا هو مقام الفناء في الله، الذي طالما طرحه القوم نظرية في عالم التصور، إلا أنها تحققت على صعيد كربلاء في فتية صدقوا ما عاهدوا الله -تعالى- عليه.

12. إن البعض ظهيرة يوم عاشوراء، قد ينشغل بشيء من العزاء واللطم، وما شابه ذلك؛ ويؤجل الصلاة.. كيف نوفق بين هذا العمل، وبين موقف أبي ثمامة الصيداوي في يوم عاشوراء؟..

13. مع الأسف هنالك من ينظر إلى كل ما يتعلق بأهل البيت (ع)، وكأن هذه المعالم هي في قبال معالم التوحيد!.. بينما هما وجهان لعملة واحدة!.. إنه لمن الظلم الفاحش أن نجعل لأهل البيت (ع) حسابا، ولله -سبحانه وتعالى- حسابا آخر!.. وكأن الذي يذكر الحسين، ابتعد عن الله عز وجل، وكأنه ركز على شيء ما سوى الله.. هذا هو الحسين الذي كان في يوم عاشوراء، لا يفكر إلا في إقامة الصلاة بين يدي الله عز وجل، ويا لها من صلاة!..

14. إن صفة الذكورة والأنوثة من عوارض الأجسام، ولكن الروح تلك اللطيفة الربانية في الذكر والأنثى على حدٍ سواء.. يوم عاشوراء كانوا من جميع الفئات: الأم والزوجة، العبد والحر.. الأرواح لا أنوثة فيها ولا ذكورة، ولا مولى ولا عبد.. الأرواح نفحة من نفحات الله عز وجل، وسر من أسراره.. لذا، على الجميع أن لا ييأس في طلب العلا؛ فإن الله -عز وجل- لا ينظر إلى صورهم وأبدانهم، وإنما ينظر إلى قلوبهم: إذا رأى قلباً صالحاً للتكامل هيأه لمثل ذلك.

15. إن الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الإسلام مع الحسين (ع) كانوا من شرائح مختلفة.. فمنهم من هو قديم العهد في الوفاء لرب العالمين: كحبيب بن مظاهر، ومنهم من هو جديد العهد بالهداية: كالحر بن يزيد.. ولكن العاقبة كانت واحدة، ألا وهي الاستقرار في مقعد الصدق عند مليك مقتدر، مما يدفع أحدنا لعدم اليأس مهما غرق في بحر المعاصي، فإن الأمور بخواتيمها!..

16. إن من أشد صور الظلم، هو افتراء الكذب على الله تعالى، والتكذيب بآياته ألا وهو الظلم العقائدي.. فالذين لا يملكون فهماًً صحيحاً للدين، ويتعمدون تشويه الحقائق، بل وإنكار ما ثبت منها، في معرض الانتقام الإلهي الذي.

17. إن التعامل المستمر مع الأشخاص كالزوجة والأولاد، من موجبات عدم الاعتداد بوجودهم بعد فترة من الزمن.. ومن هنا تكثر الانتهاكات في هذا المجال، لعدم استشعار كيانهم على أنهم عيال الله تعالى.

18. إن من صور الظلم هو التعدي على أموال الغير، بقصد أو بغير قصد.. ومن هنا لزمت المبادرة إلى دفع الحقوق المالية، أو الاستحلال من الغير.. ومع الجهل بأصحابها، يدفع المال كرد للمظالم، ومجهول المالك؛ لئلا يطول الوقوف يوم القيامة.. فإن الله -تعالى- يغفر ما يتعلق به محضاً، ولا يغفر حقوق العباد فيما بينهم، إلا أن يرضي -تعالى- الخصماء بما لديه من فضل.

19. إن العشق المذموم هو الانجذاب القلبي الشديد نحو شخصٍ ما، مع الميل للوصول إليه بأي شكل كان، ولو على حساب العقل والعرف والشرع.. ومن هنا عدّه الحكماء مرضاً (ماليخوليّـا) لاختلال في السلوك، يتولد من الطمع، وينقطع بالوصل.. ومن هنا قالوا: بأن الوصل مدفن العشق!.. وبعبارة أخرى: منشؤه حب الشمائل.. ومن المعلوم: أن بهجة الشمائل تزول بتكرار النظر.

20. إن السبب الأساس للعشق الباطل هو: الفراغ القلبي والبطالة.. والقلب في كل حال يحتاج إلى ما يتعلق به لضرورة في طبيعته، فإذا لم يملأ فراغه بالحق، فلا بد من أن يملأه بالباطل.. وخير ما يصور هذه الحالة من الخواء الباطني، الذي يؤول إلى عشق الفانيات، هو قول الصادق (ع): (تلك قلوب خلت من محبة الله، فأذاقها الله حلاوة غيره).

21. إن الانحرافات الجنسية، كانت ولا تزال من الملفات الساخنة في حياة الإنسان، الذي أودعت فيه غريزة الشهوة، ضماناً لبقاء النسل البشري.. إلا أن الإنسان الظلوم الجهول، حوّلها إلى هدفٍ بدلاً من وسيلة، فلم يعد للبعض شغلٌ شاغل إلاّ العمل بما تقتضيه هذه الغريزة، وكأنها الهمّ الأوحد الذي خُلق الإنسان لأجله.

22. إن الإسلام عندما أمر المرأة بعدم التبرج، وعدم ظهورها بشكلٍ مثير، وكأنها البرج في التميّز والإلفات؛ أمرها بالمقابل بتلاوة آيات الله والحكمة، فتكون بذلك عنصر إشعاع فكر واستقامة في البيت الزوجي، بدلا من أن تكون عنصر استغلال واستثمار بيد الرجال.

23. إن الإسلام حارب بشدة حالة الميوعة الأخلاقية، وخاصة لدى الأنثى التي تمتلك قدرة غريزية في جذب الجنس المخالف.. وقد علق عليها الإمام علي (ع) عندما مَرّتْ امرأة جميلة بأصحابه، فرمقها القوم بأبصارهم فقال معلقا: (إن أبصار هذه الفحول طوامح).

24. إن لكل حركة تنموية فيها تربية لشيء، سواء لبذرة في التراب، أو لعظمة في البدن، لا بد لها من برمجة ومراحل.. وعليه، فإنه لا يوجد للإنسان أغلى من روحه التي بين جنبيه، فينبغي له الالتفات لها، والعمل بكل ما يوجب رقيها وتكاملها.

25. إن ممارسة بعض صور الفحشاء القبيحة عند الجنسين في سنوات المراهقة، تحدث شرخاً في النفس، يجعل صاحبه يشمئز من نفسه في سنوات الرشد.. ومن هنا لزم أن لا ندع فرصة للمراهقين، لممارسة الأمور التي تبقي تبعاتها النفسية إلى آخر العمر، ومع ذلك ينبغي التذكير دائما بعدم اليأس من رحمة الله تعالى.

26. إن الذي يبتلى بالتعامل القهري مع الجنس الآخر في العمل وغيره، عليه أن يلتفت إلى فقه التعامل مع الأجنبية أو الأجنبي بكل حدوده: من عدم الخلوة المريبة.. وعدم الاسترسال في الكلام الذي لا ضرورة له.. وعدم الظهور بمظهر الإثارة والفتنة.. فإن الضرورات تتقدر بقدرها.

27. إن من مصائب التعامل مع شبكة الإنترنت، هو الانجرار للمواقع التي تلهب نار الفتنة في النفوس، من دون وجود ما يخمد تلك النار.. فالإثارة متحققة في أوجها، بينما الإشباع الحلال يكاد يكون معدوماً.. فما هي النتيجة غير الكبت، والاندفاع نحو الحرام بكل صوره؟.. وفي السياق نفسه نتساءل: ما الداعي لتضييع لحظات العمر في المحادثة، التي لا تخلو في حالات كثيرة إما من: اللغو، أو مقدمات الانجرار إلى الحديث الشهوي المحرم؟..

28. إن المصيبة الكبرى في الخلاف الزوجي، تكمن في الضمور التدريجي في الجانب الروحي لكلا المتنازعين، إضافة إلى إصابة الجهاز العصبي بالخلل والاضطراب، وذلك لأن البال الموزع على مشاكل الحياة، لا يدع لصاحبه فرصة التفكير في الأمور المرتبطة بالمبدأ والمعاد.

29. إن من الآثار المهلكة للخلاف، هو تحقق أرضية الظلم والتعدي، وهي بدورها تحقق أرضية الطرد من الرحمة الإلهية، بمقتضى قوله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.. فإن الله -تعالى- يمهل ولا يهمل، وقد يصل العبد بعد مرحلة من المعصية إلى هذه العاقبة الوخيمة، التي وردت في قول المصطفى (ص): ( يهوي بها أبعد من الثريا)!..

30. إن الأولاد في السنين الأولى من أعمارهم، ينظرون إلى الأبوين على أنهما القدوة في الحياة.. فإذا اقترنت حياتهما بشيء من الظلم المتبادل، مع ما يصاحبه من المعاصي القولية والفعلية؛ فإنهم سيصابون بنكسة لا شعورية تجاه كل ما يرتبط بالدين وأهله، وذلك عندما تتهاوى في نظرهم تلك الرموز التي تمثل عندهم الدين، ولو كانوا مشتبهين في المصداق.

31. إن دائرة الخلاف الزوجي لا تنحصر بين الزوجين فحسب، بل تتعدى –ولو من دون قصد– إلى عائلتيهما.. مما يسبب شرخا واسعا في المجتمع، وهو بدوره يهيئ الأرضية لمختلف المفاسد الاجتماعية من: الغيبة، والنميمة، والتشهير، والتسقيط، وغير ذلك مما نحسبه هيناً، وهو عند الله عظيم.

32. إن العلاقة الزوجية ليست من قبيل المعاملة، ليتسلط أحدهما على الآخر تسلط المالكين، وليست من قبيل العقود المؤقتة، ليفكر أحدهما بالتخلص من الآخر متى شاء ذلك.. بل تمثل قمة التمازج بين الروحين، وهو معنى وصفهما بـ(الزوجية).. فكما أن خصوصياتهما الفردية تندك في الخلية الأولى المخصبة، والتي هي مقدمة لكائن بشري آخر، فإنه ينبغي بموازاة ذلك أيضا، أن يتخليا عن النوازع الذاتية داخل العش الزوجي.. وبذلك تتحول الأم –بروحها– إلى حاضن لروح الولد، كما كانت -برحمها- في يوم من الأيام حاضنة لجسمه.

33. إن بركات الأسرة السعيدة، لا تنحصر في هذه الحياة الدنيا، بل تتعدى إلى الآخرة بمقتضى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.. فهو استثمار لا يقاس به أي استثمار في الحياة الدنيا.. وقد روي عن النبي (ص) في هذا السياق انه قال: (إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وذريته وولده، فيقال‏:‏ إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول‏:‏ يا رب، قد عملت لي ولهم؛ فيؤمر بإلحاقهم به‏).

34. إن الانحرافات الزوجية ليست ناشئة دائما من الإصرار على المخالفة، بل من الجهل بالخلاف.

35. إن قيمومة الرجل على الأسرة، لا تعني بالضرورة التحكم الذي لا يستند إلى العقل والشرع، وإنما هو تخويل له من الشارع، لأن يكون حاكماً أميناً في إدارة شؤون الأسرة.. فإن أي تجمع بشري من اثنين فصاعدا، لا يستقيم أمره من دون قيادة وإدارة.. والآية جعلت أساس هذا التحويل أمرين: الملكات الذاتية للرجل، وموقعه كزوج في الأسرة، {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ }، ومسئوليته في السعي لتأمين المعاش {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}.

36. إن القرآن الكريم يصف الصالحات بأنهن {قَانِتَاتٌ}، ومن مصاديق ذلك طاعة الزوج من غير معصية.. ومن الواضح أن الزوج عندما يرى من زوجته حاكمية مستقلة في قباله، فإنه سوف لن يستمر في علاقته معها طويلا.. فإن طبيعة الأسرة، لا تتحمل قيادتين شأنها شأن الدول والمؤسسات.. ويصفهن بأنهن {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ}، فإذا كان الزوج قلقا على تصرفات زوجته في غيابه -مالا وعرضا- فإن هذا الإحساس سوف يهدم جو الثقة، الذي هو أساس الأنس الزوجي.

37. إن طاعة الزوجة، ليس تلك الطاعة العمياء، التي يرى الرجل معها وكأنه يعيش في معسكر، وهو يمثل قائد ذلك المعسكر.. وإنما هي حالة القبول من الزوجة، بعد المناقشة وطرح الحلول البديلة.. فإذا أحس الزوج برجحان عقل في زوجته، فإنه سيكف تلقائيا عن التحكّم بها، وإجبارها على ما يريد.

38. إن على المرأة أن توازن دائما بين سلبيين: العناد والإصرار على موقف معين.. وبين إيجابيات تحمل شيء من الحرمان، مقابل تخفيف التوتر في الحياة الزوجية.. فليس من العقل أن تحصل المرأة على ما تريد من متاع الدنيا، مقابل بذلها لشيء من دينها أو راحتها النفسية.

39. إن من الخطأ الفادح أن تلجأ المرأة -في مقام الدفاع عن ذاتها- إلى كشف أسرار الرجل، فإن الرجل سوف يلجأ تلقائيا في المقابل إلى كشف أسرارها، والبيوت كما يقال أسرار.. فالنتيجة هي استغلال أعدائهما لنقاط الضعف المستورة فيهما، وفضحهما في المجتمع.. وما قيمة الحياة الزوجية بعد المصالحة، إذا وقع الهتك الاجتماعي؟!..

40. إن للغيرة حدودها المعقولة.. فإن متابعة الرجل في كل صغيرة وكبيرة، تجعله ينفر من عشه الزوجي.. وبالتالي، يبحث عن البدائل الأخرى خارج المنزل، فيقع إما في الحرام والغرام المدمر، وإما في هجر البيت الزوجي بما فيه من تضييع الأولاد، وجعلهم فريسة بيد الأقدار.. فإن الأم لا يمكنها التحكم في المنزل غالباً.

41. إن على الزوجة أن تكون واقعية في التعامل المالي مع الزوج، فإن تحميل الزوج فوق طاقته، ومطالبته بما لا يقدر عليه؛ لمن موجبات النفور والنزاع، وخاصة مع عدم رضا الزوج بما يبذله.. فإن المأخوذ حياء، واستسلاما لدفع المشاكل؛ كالمأخوذ غصباً!..

42. إن على الشاب قبل الزواج أن يستوعب المواصفات الضرورية في المرأة، فالمطلوب هو الحد المقبول من الجمال أو الملاحة.. فإن الجاذبية الأنثوية، لا تتوقف دائما على الجمال بمعناه المادي، فهذا سر من أسرار الله تعالى.. أضف إلى ضرورة وجود المنبت الاجتماعي الطاهر، إذ لا يمكن إنكار الأثر اللاشعوري للبيئة الأسرية في كل سنوات الرشد والبلوغ.

43. إن من أهم مواصفات الزواج الناجح، هو وجود حالة الاستسلام في الطرفين للعمل بأوامر الشريعة عند كل خلاف.. فإذا كان هناك مرجع للإفتاء في الحياة، فلا معنى لوجود خلاف أبداً.. إذ الخلاف فرع وجود ذاتين متنازعين، ومع وجود الشرع، فلا معنى لهذا التنازع.. فـتأمل جيدا في قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}..

44. قد يرغب البعض في الزواج من غير الملتزمات، على أمل الإصلاح في المستقبل.. ولكنها مجازفة غير مضمونة النتائج، وخاصة مع بقاء الانحراف بعد العقد.. فمن الممكن جداً أن تغلبه هي بمنكرها، لا أن يغلبها هو بمعروفه، وخاصة مع وجود حالة من الغرام المتبادل.

45. إن خير البنات للحياة الزوجية، هي البنت التي تأنس الحياة المنزلية، ولا ترغب في التحرك كثيرا خارج المنزل، اختلاطا بالرجال، وحرصا في اقتناء مغريات الدنيا؛ إلا بمقدار الضرورة.. فإن الزوجة عندما ينشغل ذهنها كثيرا بما عدا الزوج والأولاد؛ فإنها لا تعطي الزوج حقه بشكل طبيعي!..

46. إنه لمن المناسب أن يعتاد المؤمن على الانشغال بالذكر -ولو كان لفظيا– فإن حركة اللسان، تؤثر يوما ما على القلب.. ومن المعلوم أن القلب إذا اشتغل بذكر الله تعالى، كان ذلك أكبر ضمانة لعدم الوقوع فيما يسخط الله تعالى.. وبذلك لا تبقى دقيقة في حياته، من دون استثمار لحياته الباقية.

47. إنه لمن المؤسف حقا، أن ينشغل البعض بمختلف أنواع اللهو، بدعوى قتل الفراغ، وكأن الوقت عدو لدود يجب قتله!.. فإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدلّ على أنه نسى الهدف الذي خلق لأجله!.. ونسى أن مَثله في هذه الدنيا، كمَـثل راكب استراح في ظل شجرة ثم رحل عنها.

48. إن المؤمن موجود هادف ومسؤول عن كل أموره، فلا يكون اختياره للأمور اختيارا عشوائيا.. وعليه، فلا بد من اختيار البلدان التي لا يخشى في السفر إليها، على دينه ونفسه وأهله.. إذ ما هو الرجحان في بذل المال فيما لا يزيده من الله -تعالى- إلا بعدا؟.. وهو يعلم أنه لا يزول قدمه عن الصراط يوم القيامة، حتى يُسأل عن ماله فيما أنفقه؟..

49. إن البعض يتحلل من كثير من القيود عند السفر، والحال أن الله -تعالى- رقيب ومطلع على العبد في كل حال.. فالمرأة العفيفة هي التي ترعى كل ما يوجب حفظ أنوثتها، ولو كانت في غير بلاد المسلمين: تمسكا بحجابها، وعدم خوضها في ما يخوض فيه البطالون من النساء والرجال.

50. إنه لمن الضروري الاهتمام الجاد بأمر المطعم والمشرب في بلاد الكفر، فإن البدن إذا نبت على الحرام، يتحول إلى آلة لارتكاب المنكر.. وحدود الله -تعالى- ينبغي مراعاتها في كل صغيرة وكبيرة، إذ لعل المولى أخفى عقابه في محرم استصغره العبد، ولو في أكلة أو شربة!..

51. يجب مراقبة الأحداث والمراهقين عند اصطحابهم إلى بلاد، يغلب عليها الفجور والمنكر.. فبعض الانحرافات تبدأ من تلك الأجواء الملوثة.. وكم من المؤلم أن يدفع الأب ولده -ولو من دون قصد- إلى مستنقع المنكر!.. وذلك بأمواله التي جعله الله -تعالى- قيّما عليها.

52. إن من الأمور اللازمة في السفر، هو الاهتمام بأمور الصلاة، وما يلازمها من الطهارة، والوقت، وغير ذلك.. فإن ظروف السفر، تجعل الإنسان يهمل علاقته برب العالمين، في مجال الأحكام الشرعية والسلوكية.. ومن المعلوم أن المؤمن، يعيش حالة واحدة من الالتزام في جميع الأحوال، سواء في حال الإقامة أو السفر {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

53. إنه لمن المناسب استغلال حالة ارتياح الأسرة في السفر، وذلك بعرض المفاهيم والبرامج التي تحتاج إلى جو منشرح ومنبسط.. فإن القلوب والعقول، أكثر استعدادا لتلقي الموعظة في السفر، وبذلك نحوّل السياحة إلى برنامج فكري وتربوي، لتحقيق العائلة النموذجية المؤمنة.

54. إن فترة الفراغ في الصيف، نعم الفرصة لتقوية الجانب العلمي!.. فيحسن بالمؤمن أن يتخذ لنفسه برنامجا ثقافيا منظما، بدلا من المطالعات المتفرقة، التي لا يخرج بعدها بحصيلة كبيرة.. لذا، يجب تقديم العلوم الأساسية للفرد المؤمن، ومنها: التفسير، والحديث، والفقه.

55. إن من أجمل أنواع السياحة، تلك السياحة الروحية التي يسيح الإنسان فيها بقلبه -وهو في الحياة الدنيا- إلى عالم ما وراء الطبيعة (وهو ما يسمى بالموت الاختياري).. ومن المعلوم أن هذه اللذة المكتسبة في هذه السياحة المجانية والمتاحة دائما -وخاصة في جوف الليل- لا تقاس بلذائذ الدنيا، فإن لذة المعية مع المحبوب الأول، كيف تقاس بلذة مصاحبة مخلوقاته الفانية؟!..

56. إن من أهم أمراض العصر: (الاكتئاب المرحلي، والمزمن) نتيجة لليأس المتكرر في تحقيق الأهداف في الحياة.. إذ من المعلوم أن الإنسان، لا يصل إلا إلى جزء يسير من طموحاته.. وعليه، ففي كل خيبة أمل يصاب بنكسة قهرية، وما يصاحبها من الأمراض النفسية والبدنية، نتيجة لذلك.

57. إن الحل لا يكمن في أن نحقق كل طموحاتنا في الحياة، فإن هذا لم يتسن لأحد من الخلق -إذ حتى الأنبياء لم يحققوا طموحاتهم في الدعوة- بل الحل أن نتعلم كيف نتجاوز مشكلة الإخفاق والفشل في الحياة، بأقل خسائر ممكنة.. وهذا يحتاج إلى ثقافة خاصة في هذا المجال.

58. إن اليأس يكون تارة بالنسبة إلى: (عناصر الحياة)، وتارة يكون بالنسبة إلى (رحمة الله تعالى).. والأول يفقد الإنسان سعادته الفانية، والآخر يفقد الإنسان سعادته الدائمة.. وقد عدّ علماؤنا اليأس من رحمة الله بأنه من الكبائر الموبقة.. وعليه، فلا بد من التخلص من هذه المشكلة بشقيها، لأن الإنسان يحتاج إلى الراحة في الدارين.

59. إن من موجبات اليأس الدنيوي: الاصطدام بأولى عقبة في الحياة.. فالذي لا يتمتع بصدر رحب لمواجهة المشاكل، وقدرة على استيعاب الأزمات، ينسحب إلى الوراء في أول أزمة.. ولا يحاول اقتحام ساحة الحياة في جولة ثانية، وهذه من إفرازات البيئة المترفة التي تُـعوّد الإنسان على الإتكالية، وتلبية ما يريد.

60. إن الإنسان لا ينبغي أن يكون مثاليا وخياليا في نظرته للوجود، والأفراد.. فقد قال رسول الله (ص): (مازلت أنا ومن كان قبلي من النبيين والمؤمنين، مبتلين بمن يؤذينا.. ولو كان المؤمن على رأس جبل، لقيض الله عز وجل له من يؤذيه؛ ليؤجره على ذلك).. وها هم الأنبياء -وهم قمة الخلق- لم يسلموا من كلام المخلوقين، وتهمهم الباطلة.. وعليه، فليس الحل هو الفرار من الخلق، وإنما الثبات أمامهم.. فإن الذي ينفع هو الذي يمكث في الأرض.

61. إن الإصرار على أسلوب ومنهج واحدٍ في الحياة، من موجبات اليأس.. فالمطلوب من العاقل، أن يغير أساليبه الحياتية وفقا للمتغيرات.. فليس أسلوب الشدة أو اللين ناجحين دائما، بل لابد من استعمال كل أسلوب في موضعه.. وعليه، فإذا أخطأ الإنسان في ذلك، فإنه سيواجه نقمة الآخرين، وعدم تجاوبهم.. وهذا بدوره يستلزم اليأس من التأثير على الغير، بل التفاهم معهم.

62. إن من موجبات اليأس: الاعتماد على الآخرين في كل صغيرة وكبيرة، والاهتمام برضاهم، ولو على أساس باطل.. فالذي يهتم برضا الآخرين، وحب قلوب الخلق، فإنه سيصطدم بحقيقة عدم وفاء الخلق له!.. فتراه يأتيه الضرر ممن كان يركن إليه، وفي ذلك درس عملي من رب العالمين، بعدم الركون إلى أحد سواه تعالى.

63. إن العبد إذا وصل إلى مرحلة اليأس من رحمة الله -تعالى-؛ فإنه سيفقد القدرة على تغيير أي شيء في حياته.. وهو ما يتمناه إبليس، الذي يريد أن يبقى العبد في دائرة المعاصي إلى آخر عمره.. ومن هنا قال القرآن الكريم: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.

64. إن هنالك ظروفا يمر بها الإنسان بشكل ضاغط، ينجرف فيها نحو المعصية مثل: مرحلة المراهقة، واستيلاء ساعة الشهوة والغضب، والعيش في بلاد الكفر والفساد، والإحاطة الإجبارية برفاق السوء.. ومن المعلوم أن هذه الأمور، مما توجب سرعة الاستجابة الإلهية عند طلب التوبة، إذ للعبد عذره.. ولكن بشرط عدم التمادي في المنكر على أمل التوبة اللاحقة.

65. إن التائب الحقيقي عندما يعود إلى الله تعالى، يكون سريعا في الحركة إليه.. إذ أن إحساسه بالماضي المظلم، دافع له لتسجيل مستقبل مشرق، للتعويض عما فاته في أيام جاهليته.. ومن المعروف أن تجاوز المعصية في مرحلة من المراحل، يعطي صاحبها القوة لتجاوز المعاصي في المراحل التالية؛ لأنه نجح في مخالفة دواعي الغريزة والهوى.. وهذا هو الحل الجامع عند الميل إلى كل معصية.

66. إن من الخطأ معاملة أهل المعاصي الذين تابوا إلى الله -تعالى- توبة نصوحة، معاملة فيها شيء من الازدراء والتنقيص باعتبار الماضي.. إذ من المعلوم أن (الإسلام يجُـبّ (يمحو) ما قبله).. وأن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).. وأنه (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار).

67. إن الذي يساعد على انتهاك حقوق المؤمن: عدم امتلاك هذه النظرة الإلهية، نتيجة لتكرار التعامل معه.. ومن المعلوم أن المعاملة المتكررة، تذيب الجانب الرسالي في الجانب الشخصي.. فيتعامل أحدنا مع المؤمن؛ ناسيا انتمائه للرب المتعال، وهو الذي لا يرضى بوهن عبده.. ومن هنا كان الحق سريع الانتصار له، وخاصة إذا كان ممن لا ناصر له غيره.

68. إن للمؤمن على المؤمن حقوقا في أبعاد مختلفة.. فمنها البعد المادي: إذ أن مسألة المواساة بالمال وتفريج الكروب، من أعظم سبل التقرب إلى الله تعالى.. فترى القرآن الكريم يقرن الصلاة -وهي عبادة فردية- بالزكاة وهي عبادة اجتماعية.. ومع انفصال كل عن الآخر، لا يعطي كل منهما ثماره كاملة.

69. إن من حقوق المؤمن على أخيه المؤمن؛ الاهتمام بالبعد النفسي.. فنحن نعلم أن الأذى النفسي والاضطراب الباطني، من أهم المشاكل التي تعيق العبد عن التقدم في المجال الدنيوي والأخروي.. ومن هنا كان تفريج همّ المؤمن -ولو بشطر كلمة- من موجبات انتشال ذلك الإنسان من هاوية مدمرة.

70. نظراً لأن تفريج همّ المؤمن مرتبط بعالم ما وراء البدن، فإنه يلزم على من يريد أن يتصدى لهذا الجانب، أن يسعى لتكوين خبرة عالية في هذا المجال.. فإننا نلاحظ هذه الأيام، مدارس نفسية مختلفة لاكتشاف البواطن، وتقديم الحلول.. وهي وإن لم تكن مصيبة في كل أبعادها، إلا أنها تعين صاحب الفكر على أن يعطي سعيه الفطري الطبيعي، بعدا أكاديميا.

71. ليس هناك ما يمنع شرعا وعقلا، أن يبحث الإنسان عن هموم الآخرين؛ بدلا من انتظار مراجعتهم له.. فإن البادئ بالإحسان خير من المجيب بعد الطلب.. فإن رأى الإنسان علامة من علامات الاضطراب السلوكي في أخيه المؤمن -وخاصة إذا كان من الأرحام- فعليه التعجيل بدراسة الحالة، واجتثاث جذور الفساد قبل استفحالها.

72. ينبغي الحذر التام عند معاشرة الذين لديهم درجة من درجات الحساسية، وسرعة التأثر، وخاصة في مجال التعامل مع النساء.. فليس كل إنسان يعيش حالة المنطقية والعقلانية في حياته.. فالعاقل هو الذي يلحظ الخصوصيات الفردية لكل واحد منهم عند التعامل معهم، ولا يقيس الجميع بمسطرة واحدة.

73. إن من حقوق المؤمن على أخيه: حفظ كرامته الاجتماعية.. فإن الشارع المقدس حرم الغيبة -رغم تحقق العيب- لأنه لا يرضى أن ينشر ما يسيء إلى سمعة المؤمن.. إذ أن للمؤمن حالات متفاوتة، فقد يزل قدمه في مرحلة من المراحل.. وعليه، فلو شهر الإنسان عيب أخيه في مرحلة من مراحل الضعف، فقد كسره، بما يجعله لا يرجع إلى صوابه عندما يتأكد السقوط الاجتماعي على كل حال.

74. إن نشر فضائح الآخرين -وخاصة مما لا يتوقع منهم ذلك- مما يسيء إلى الخط الإيماني.. وبالتالي، قد يوجب حالة من الارتداد عند البعض، عندما يرى مثل تلك الأخطاء ممن له سابقة في طريق الاستقامة.. فالحل في هذه الحالة، هو إعانته على الخروج مما هو فيه؛ لئلا يكون انحرافه ذريعة لانحراف الآخرين.

75. إن الروايات الصادرة عن المعصومين (ع)، تشدد كثيرا في مسألة خطورة إسقاط المؤمن عن أعين الناس.. ويا له من عقاب أليم عندما يهدد الإمام الصادق (ع) قائلا: (من روى على مؤمن رواية، يريد بها شينه وهدم مروته ليسقط من أعين الناس؛ أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان).. وكم حقير من لم يقبله حتى الشيطان نصيرا له!..

76. إن المنشأ الرئيسي للنفاق (بمعنى إظهار خلاف ما يبطنه الفرد) هي: الرغبة الشديدة للعبد في أن يكون محمود السمعة بين العباد، إما: حباً لحسن الذكر، أو مقدمة للوصول إلى متاع الدنيا بواسطة الوجاهة بين الخلق.. ومن دوافع ذلك أنه يرى أن باطنه لو انكشف على الخلق لفروا منه، وعليه فإنه يضطر دائما لتصنع الصلاح.

77. إن من منن الله -تعالى- على عبده، أن ستر على باطنه.. فمثل الملكات الخبيثة فيه كجيفة منتنة مجمدة، لا تظهر رائحتها الكريهة إلا عندما تذوب.. ومن هنا كان يوم القيامة هو اليوم الذي تبلى فيه السرائر.. فلنحسن سرائرنا، قبل أن ننفضح على رؤوس الأشهاد.

78. روي عن علي (ع) انه قال: (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعنيهم).. وبالبرهان المنطقي نعلم: أن من كبر ما دون الله في عينه؛ فقد صغر الخالق في نفسه!.. إن الالتفات لهذه المعادلة المخيفة، من دوافع عدم الاهتمام بنظرة الناس واحترامهم.. وهي خطوة أولى، للتخلص من النفاق.

79. إن من موجبات النفاق، وتصنع الصلاح الكاذب؛ هي عقدة الحقارة.. فقد روي عن علي (ع) أنه قال: (نفاق المرء؛ من ذل يجده في نفسه).. والذي لا يرى في داخله رصيدا من الملكات الصالحة، يبحث عن الرصيد الخارجي من ثناء الآخرين.. وبذلك يغفل عن عمارة الباطن الذي يحاسب على أساسه، ويبقى معه أبد الآبدين، وينشغل بالصور الذهنية الجميلة في نفوس الغير (وهي واقع الشهرة).. وهل النفوس باقية لتبقى معها تلك الصور الخيالية؟..

80. إن من مظاهر النفاق، النفاق الوظيفي: وهو أن يعطي الإنسان لنفسه صورة حسنة في المجال الوظيفي.. والحال أنه يعلم بأنه لم يلتزم بشروط العقد.. وهي خيانة توجب حرمة المال الذي يأخذه.

81. إن النفاق الأسري: هو أن يظهر الإنسان كلمات الود لأهله، والحال أنه يخونها في الغيب: بنظرة محرمة، أو بلقاء محرم.. وهو لا يعلم أن الله تعالى -لو أراد- فإنه يفضح الإنسان في جوف بيته.. فكما يستر العيوب لمصلحة؛ فإنه يكشفها لمصلحة أخرى أيضا!..

82. إن النفاق الاجتماعي: هو أن يظهر المدح والثناء لشخص في حضوره، ليطعنه في الخلف في غيبته.. وقد وصف النبي (ص) هذا الصنف بأن الله -تعالى- لا ينظر إليهم يوم القيامة، وذلك لأنه يدل على حقارة في النفس، والله -تعالى- كريم لا يعبأ باللئيم.

83. إن النفاق العلمي: هو أن يظهر الإنسان مقدرته في الجانب العلمي، وهو ليس أهلا له، وخاصة في المجال الديني.. فترى كثيرا يظهرون آراءهم في أمور الدين، وهم لم يطلعوا على النصوص الشرعية التي على أساسها يتم الحكم.. والحال أنهم لا يتدخلون في التخصصات الأخرى؛ احتراما لها.. فهل أن الدين -وهو مرتبط بالغيب- أقل أهمية من علوم الطبيعة، وهي مرتبطة بعالم الحس؟..

84. إن هناك النفاق العبادي: وهو أن يظهر الإنسان بمظهر الملتزمين، ويستبطن المخالفة في السر.. بل يتظاهر بدرجة من الخشوع في الظاهر، زيادة عما في باطنه.. وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: (ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب؛ فهو عندنا نفاق).. إن على المؤمن أن يكتم حالاته القلبية؛ لئلا يصاب بالعجب من ناحية، ولئلا يتخذ ذلك وسيلة لإظهار الفضل على العباد.

85. إن من علامات المنافق: الارتباك، والتذبذب في المواقف؛ لأنه يتحرك على وفق المصالح المرحلية، فلا يعيش حالة المبدئية في الحياة.. ومن المعلوم أن الإنسان المصلحي، لا قيمة له حتى عند أصحاب المصالح.

86. إن المنافق ينشط مع الناس، ويكسل إذا كان وحده.. فالذي يهمه رأي الناس فيه، يبرمج حياته على أساس كسب الوجاهة الاجتماعية.. وكم تكون خسارته يوم القيامة، عندما لا يجد مغيثا ممن كسب رضاه في الدنيا!..

87. إن الذي يحب حسن الذكر، فليسلم أمره إلى الله تعالى، فهو الذي أدرى بمصلحة الشهرة أو عكسه.. وهو الذي لو أراد أن يروّج لعبد من عبيده، نشر ذكره في الآفاق.. فهذا اسم نبيه المصطفى (ص) يقترن باسمه في: الأذان، والصلاة، والشهادتين.. أو ليس هذا هو الخلود في الذكر، فلم نبحث عنه عند غير الخالد؟..

88. إن الالتفات إلى وجود سنن إلهية ثابتة في الحياة البشرية، إلى جانب السنن في الحياة الطبيعة؛ يدعو الإنسان إلى كشف هذه السنن أولاً، والالتزام بها ثانيا.. لأن نتائج السنن الإلهية واحدة في جميع الدهور.. وكما أنه لا استثناء في الطبيعة إلا بالمعجزة، فكذلك لا استثناء في قانون التعامل الإلهي مع البشر، إلا بالمعجزة أيضا.

89. إن المراد بالسنة الإلهية: هي الطريقة الواحدة في تعامل الله -تعالى- مع خلقه.. وقد طرح القرآن نماذج من هذه السنن، فذكر أن عاقبة المرجفين والمنافقين في المدينة، هو إغراء النبي (ص) لقتالهم وطردهم من المدينة.. واعتبر القرآن هذه سنة الله -تعالى- بالانتقام من أعداء الدين.. ومن الملفت في الآية، أنها أشارت إلى أن قلب النبي (ص) بيد الله تعالى، فهو الذي يغريه بقتال المنافقين، كما يدعوه إلى الرأفة بالمؤمنين.

90. إن الذي يعرض عن ربه، لا يجد وليا ولا نصيرا، لقوله تعالى: {ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا}.. فيعيش عالم الوحدة والعزلة القاتلة.. فالله -تعالى- هو خير ذاكر وجليس، وماذا وجد من فقده، وماذا فقد من وجده؟..

91. إن الدعاء من دون سعي مناسب؛ لا أثر له.. إذ لم يجعل الدعاء عوضا عن عالم الأسباب، بل هو إما: لتسبيب سبب مناسب (إذ الحاجة إلى لئام الناس أمر مذموم)، أو لتأثير السبب المناسب (إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى)، أو لانتخاب السبب الأفضل (إذ المطلوب هو جريان الخير عن يد كرام خلقه)، أو لجعل النتيجة الحاصلة مما فيه الخير والصلاح واقعا (إذ لعل الذي أبطأ عن العبد هو خير له).

92. إن الله -تعالى- لو رأى المصلحة في أن يخرق قوانين الطبيعة؛ فإنه سيخرقها لمن شاء سواء كان (نبيا)، كجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وكفلق البحر لموسى.. أو (وليا) ولهما نماذج مختلفة في التاريخ.. إذ أن الإعجاز بالنسبة لنا، لا بالنسبة إلى الله تعالى.. فمن وضع القانون، هو القادر على أن يرفعه متى شاء.. هذا الاعتقاد يجعل المؤمن لا يحس بطريق مسدود في الحياة أبدا.

93. إن الرزق لا يأتي إلا بقدر وحساب، وذلك مرتبط بسعي العبد.. فالمتكاسل في عمله، أو المقصر في اكتساب مهارات الحياة، أو التبذير لما رزقه الله تعالى؛ عليه أن يتحمل القدر الإلهي في تقتير الرزق كنتيجة لعمله.. فإن الله -تعالى- يأبى إلا أن يجري الأمور بأسبابها.

94. إن من السنن الإلهية في عالم الأبدان هو: الابتلاء بالأمراض والعاهات، عند من لا يتقن رعاية دابة الروح وهو (البدن).. وعليه، فما يحل بالعبد من الأمراض لا يؤجر عليه، إذا كان هو المسبب لذلك.. فالذي لا يراعي القواعد الطبية والحمية الغذائية، يعرّض نفسه للآفة.. وبالتالي، سيفوّت عليه الكثير من الطاعات، التي تحتاج إلى سلامة البدن.

95. إن من السنن الإلهية في عالم الأرواح: أن الذي يعرض عن ذكر الله تعالى، فإنه سيبتلى بمعيشة الضنك والضيق، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}، فتراه: متبرما كئيبا، لا يرى أملا مشرقا في الحياة.. ومن المعلوم أن لذائذ الحياة بالنسبة إليه، أشبه بمخدر ينسيه ما هو فيه من الانقطاع عن مصدر السعادة في الحياة.. وتشتد المصيبة عنده، عندما يتقدم في العمر، إذ لا تشغله لذائذ الدنيا، ولم يتعرف على لذة الآخرة.

96. إن الإعراض عن الذكر كما يتحقق بالعناد والعصيان، وتحدي رب العالمين؛ فإنه يتحقق أيضا بالإدبار الاختياري بعد الإقبال.. وهذه قاعدة معروفة في طريق السالكين إلى الله تعالى: وهي أن من لا يعرف قدر الإقبال الممنوح له -سواء بمجاهدة، أو بلا مجاهدة- فإنه سيحرم ذلك فترة من الزمن؛ عقوبة له.

97. إن جعل الود في القلوب، لمن أحبّه مقلب القلوب؛ من السنن الإلهية.. أوليس خالق القلب أولى من صاحب القلب في التقليب، حسب ما يراه من المصالح؟.. فهذا إبراهيم الخليل، أسكن ذريته في واد غير ذي زرع عند بيته المحرم، فطلب منه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.. فرأينا كيف تحوّل ذلك الوادي الموحش، إلى مجمع لصالحي البشر طوال التاريخ.. أضف إلى الرزق الذي لم ينقطع عن ذلك البلد ببركة دعاء الخليل (ع).

98. إن رقابة الله -تعالى- في السر والعلن، من مفاتيح المباركة الإلهية في وجود الإنسان ونسله، بحيث لا يندثر ذكره بموته.. فهذا إبراهيم (ع) بعدما دعا لذريته بهوى القلوب، ورزق الثمرات، ختم ذلك بالدعاء {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء} مما يستفاد أن الإحساس بالمراقبة الإلهية، مفتاح البركات في حياة الإنسان، سواء في حياته وبعد موته.. ويكفي في مباركة الله -تعالى- في حياة إبراهيم (ع): أن جعل النبي الخاتم (ص) من نسله، وأمره باتباع ملته.

99. إن من المفاهيم التي قد لا يستوعبها البعض، ضرورة التخلق بأخلاق الله -تعالى- كما ورد عن النبي (ص).. بمعنى أن يكمل الإنسان جميع بذور الخير في نفسه، ليحّولها إلى شجرة نامية في أعلى درجات النمو.. وهذا هو معنى الفناء في الله.. بمعنى أن لا تبقى له خصوصيات بشرية، تنافي مقتضى الإرادة الإلهية في عالم الصفات والأفعال.

100. نلاحظ أن استعمال القرآن الكريم لكلمة (الرحيم)، أكثر من كلمة (الرحمن).. الأولى يقال: أنها دالة على الرحمة الخاصة بالمؤمنين، في مقابل الرحمة العامة لكل البشر.. مما يستفاد منه اشتداد الرحمة لمن اتخذ إلى ربه سبيلا!..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج