100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن المؤمن المثالي ليس من عشاق العبادة، وإنما من عشاق العبودية.. وهناك فرقٌ بين العبادة، وبين العبودية!.. مثلا: إنسان مواظب على صلاة الجمعة، وقلبه يحترق لأن يكون من صفوف المصلين؛ ولكن يرى الزوجة في حالة نفسية كئيبة، فيقول: يا رب، أصلي في المنزل، وأجلس بجوارها.. لأن هذهِ مقتضى العبودية.

2. قبل أن تمارس الحلال، قل: يا رب، هذا لأتقوى بهِ على طاعتك!.. كل أشهى الطعام؛ ولكن قم بآداب تناول الطعام، من غسل اليدين، والتسمية قبل تناوله، والحمد، و.. الخ.. وعند النوم قل: أنام الليل؛ لأقوم صباحاً لعبادتك.. وعند الذهاب إلى الوظيفة قل: أذهب للدوام؛ لأكتسب المال الحلال، لأغني بها عائلتي.. أين الصعوبة في أن يقول الإنسان: يا ربِ، أقوم بهذا العمل، بهذا الداعي القربي؟!.. وهذا المقدار من أقل مصاديق "من أخلصَ للهِ أربعينَ صباحاً"، وانتظر بعد ذلك ينابيع الحكمة التي لا تنقطع أبداً.

3.  إن البعض عندما يصل الحديث إلى تربية النفس، وبناء النفس، وإلى القلب السليم؛ فإنه قد لا يصغي للحديث، ويقول: نحنُ أين وهذهِ المقامات أين؟.. تكلم عن الوضوء والغسل والتيمم؛ هذا الذي أنا مبتلى به.. وأما الحديث عن بناء النفس وتهذيبها؛ فهذا لهُ رجاله.. وأين نحنُ من هؤلاء الرجال!.. وهذا أول خطأ يرتكبهُ الإنسان، بل هذا ظلم.

4.  إن الإنسان -بعض الأوقات- يتعامل مع نفسهِ كتعامل الجاهليين مع بناتهم.. الجاهليون كانوا يدفنون بناتهم وهن أحياء، ونحنُ أيضاً ندفن أنفسنا ونحنُ أحياء..

5. إن الإنسان لا يختار روحه، هذهِ الأمانة الإلهية وصلت إلينا.. لنرجعها ليس فقط سالمة؛ وإنما كاملة مكملة.. بعض الناس يموت على غير الفطرة، يموت على الملكات الخبيثة.. أليست هذهِ جريمة بحقهِ؟!.. هذهِ الروح، الأمانة التي أُعطيت لك؛ على الأقل أرجعها لبراءة الطفولة، هذا أضعف الإيمان!..

6.  البعض من المؤمنين عندما يسمع بالصدقة الجارية، يقول: يا ليتني كنت ثرياً؛ لأبني مسجدا!.. ومن قال بأن بناء النفس ليس بأقل عند الله من بناء المسجد؟!.. المؤمن أشرف من الكعبة.

7. إن أفضل مشروع في زمان الغيبة، أن يبني الإنسان نفسه، لتصبح سراجا منيرا، وشمساً مشرقة!.. المؤمن عندما يصل إلى مرحلة من مراحل الإيمان الكبرى، يربي الناس بنظراته، وبدعواتهِ في جوف الليل..

8.  إن المؤمن كما أن لهُ: حمية غذائية، وبرنامجا اقتصاديا، وثقافيا؛ كذلك يجب أن يكون لهُ برنامج روحي مع نفسه.

9. إن التحديد في العمل أمرٌ مطلوب، ولهذا الشريعة وضعت فترات من التركيز العبادي، منها: شهر رمضان المبارك ثلاثون يوماً، وموسم الحج من يوم التاسع من عرفة إلى اليوم الثاني عشر، فالعبادات لها فترة زمنية مؤقتة، حتى يستجمع الإنسان كل طاقاتهِ وقواه..

10. إن الذي يعتقد أن كل الناس خيرٌ منه، هذا في مظان الرحمة.. في الحياة الدنيا الإنسان لا يعوّل على شيء، قد يقول قائل: أنا المصلي أرى أن هذا الذي لا يعرف القبلة أين؛ خيرٌ مني؟.. نعم هو خيرٌ منك، بدليل أن الأمور بخواتيمها؟!..

11. إن الإنسان الذي يستفز من أقل كلمة، هذا الإنسان يمشي في أرض مليئة بالألغام، في يومٍ من الأيام ينفجر فيهِ لغم..

12. إن المعرفة هي نصف الطريق، فالذي لا يعرف أينَ الطريق؛ لا يصل إلى شيء.. بعض الناس لديهم همم عالية، ولديهم رغبة في التكامل، والخروج من جاذبية الهوى إلى عالم الهُدى.. ولكن لا يعلم إلى أينَ يسير؛ هذهِ هي المشكلة الأساسية في هذا المجال..

13.  إن كل واحدٍ منا إما أنه يعيش: حالة الخوف، أو حالة الحزن.. والقرآن الكريم يقول: إن أردت أن تتخلص من هذين الكابوسين، عليك بقوله سبحانه وتعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.. فالولي هو الذي لا يخاف ولا يحزن، أما أبناء الدنيا فكلهم خوف، وكلهم حزن؛ لأنهم لم يرتبطوا بالمطلق، لم يرتبطوا بالحي القيوم..

14. إن البعض منا في العمل، وفي الجامعة، وفي المستشفى؛ يشارُ إليهِ بالبنان: هذا الإنسان إنسان متدين.. هذه الصفة إذا التصقت بالإنسان عن حقٍ أو باطل، عليه أن لا يعمل ما يخالف هذهِ الصفة الإيمانية!.. فربُ العالمين سريع الانتقام؛ لأن ذلك الإنسان أصبح يمثل خط الإيمان، فلابدَ أن يعطي هذا الوصف حقهُ.

15.  لو أنَ إنسانا عندهُ مشكلة قضائية كبيرة جداً، وأعطى ملفهُ لأقوى محام في هذا البلد؛ هذا الإنسان ينام قرير العين؛ وذلك لأنهُ جعل وكيلهُ أخبر الخبراء.. لذا فليتخذ الإنسان الله -عزَ وجل- وكيلاً، وينام قرير العين!..

16. إن المؤمن يمشي وعينهُ على السماء، فالنظر إلى السماء من موجبات انشراح الصدر.. إذا ضاقت الدنيا بالإنسان فلينظر إلى السماء، هذهِ السماء المادية!.. الذي رفع هذهِ السموات، وخلق الشمس والقمر، هل عاجز عن رعاية الإنسان في مسألته؟.. أينَ التراب وأينَ رب الأرباب؟..

17. إن المؤمن إذا لم يرفع سقف الهمة لديه؛ فإنه يتقاعس في مجال العمل.. فالذي يريد أن يقطع ألف متر مشيا مثلا، إذا مشى مئة متر؛ سوفَ لن يتعب لأنه مازال في بداية الطريق، وهناك أمامهُ عشرات الأضعاف.. أما الذي همتهُ في خطوة قريبة، فإنه يتعب من أول الطريق..

18. نحنُ في عالم الدنيا البعض منا روحه: إما نائمة، أو مغمى عليها.. فالذي روحه مغمى عليها، يحتاج إلى عناية من رب العالمين.. أما الذي ليسَ بمغمى عليه، فإنه ينام ويقوم، مثلا: نظر إلى ما لا يجوز، أو تكلمَ ما لا يجوز، ثم تذكر.. والتذكر من صفات غير المغمى عليه، فالمغمى عليه لا يتذكر؛ ولكنَ الغافل يتذكر.

19. إن للمؤمن سياسة، هذهِ السياسة لو اتبعناها لسددنا الأبواب على الشيطان.. سياسته أن ينزع فتيل الانفجار في حقل ألغامه.. المؤمن يعيش مع بشر، هؤلاء من الممكن أن يدخلوا عليه الأذى.. فالإنسان يحاول أن يتجاوز الموجة، حتى الإنسان الذي يُخشى منهُ الشر، يسكته بهدية أو بكلمة طيبة، المهم أن يعيش ذلكَ الجو الذي يجعله منسجماً مع رب العالمين.

20. {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}؛ أي يدركون الليل.. فالآية لا تقول بالضرورة أن هؤلاء طوال الليل في حال قيامٍ وركوع، إنما لهم وقفة مع رب العالمين في جوف الليل.. فالذي يريد مدارج الكمال، لابدَ وأن تكونَ لهُ وقفة مع ربهِ في الليل، ليس بالضرورة قيام الليل كله..

21.  إن الإنسان المؤمن باستطاعته مخادعة الشيطان.. يستيقظ قبلَ أذان الفجر بربع ساعة: خمس دقائق للوضوء والاستعداد، وعشر دقائق قيام الليل، فيصبح من أهل الليل.. ومن الممكن أيضا أن تكون مدة الصلاة خمس دقائق فقط، هذهِ الخمس دقائق ما وزنها في حياتنا اليومية؟!.. كم من الأوقات الضائعة في حياتنا اليومية؛ ولكن هذهِ عشر دقائق بينَ يدي الله -عزَ وجل- لا نبالي بها!..

22. إننا لا يستلذ بالعبادة، فالمشكلة في فقدان اللذة.. إن الذي يستثقل قيام الليل، مشكلته ليست في الوقت أو الاستيقاظ، بل المشكلة هي أن هذا الإنسان يعيش حالة من النفور الباطني.. فالذي لا يقبلُ على الله -عزَ وجل- في صلاته، يبدو أن هناك إعراضا من الطرف الآخر..

23. إن الذي لا يستذوق الليل؛ لينظر إلى سلوكهِ النهاري، حيث أن هنالكَ ترابطا واضحا أكيدا بينَ عمل الإنسان في النهار وفي الليل.. وعليه، فإن تنقيح السلوك النهاري؛ مقدمة لقيام الليل قياماً متميزاً..

24. إن الذي يُريد أن يصرف عن نفسهِ نار جهنم، لابد أن يعمل في هذهِ الحياة الدنيا.. وذلك من خلال ربط المعاصي بالعقوبات، فالمؤمن الذي يصل إلى هذهِ الدرجة من اليقين، ويرى ما وراء الحرام؛ عندئذٍ يرتدع بشكلٍّ تلقائي..

25. إن المؤمن عندما يقف أمام الحرام، ينظر إلى ملكوت ذلكَ الحرام ويقول: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}..

26. اللانهاية عندما تقسم على المحدود، النتيجة لا نهاية؛ أي كل دقيقة في حياتنا تساوي اللانهاية: إما في نار جهنم.. أو في منطقة الأعراف؛ المنطقة الحدودية بينَ النار وبينَ النعيم.. وإما في جنة الخلد.. هل تستحق هذهِ الدنيا أن نعطيها أكثر من الاهتمام اللازم؟..

27. إن الإنسان لا ينتظر الجريمة حتى تقع، لا ينتظر إلى أن يذهب ابنه في أحضان الرذيلة وغيرها من المفاسد، ثمَّ يحذره من فلان وفلان!.. بل عليه بسياسة الدفع قبل الرفع؛ فيحذّره قبل أن يصبح فريسة للغير، ولو ببيانٍ إجمالي دون التلفظ بكلامٍ فيهِ فُحش أو تعدٍّ.. فلا داعي للتفاصيل.

28. علينا أن نضاعف الهمة، ونضاعف الجهد؛ كي نقترب من الدرجة التي من الممكن أن نصلَ إليها.. فالإنسان من الممكن لو راقب نفسه، وبذل جهداً مضاعفاً، أن يصل إلى مرتبة أفضل مما هو فيها الآن.. فالعبد يوم القيامة ينظر إلى المراتب العالية، التي كانَ بالإمكان أن يصل إليها ولم يصل!.. عندئذ كم ستكون الحسرة في قلبه!..

29.  إن بعض سلب التوفيقات والخذلان في الحياة الدنيا، هو بسبب التصرف غير المناسب بالأموال التي رزقنا الله -عز وجل- بها..

30. إن المؤمن ليس على مستوى واحد، قد يكون بطلا في بعض الأيام والساعات، وفي بعض الحالات يتحول إلى قزمٍ صغير.. المؤمن بين النفخ الملكي، وبين الوسوسة الإبليسية.. ولهذا البعض منا يرتكب بعض الأخطاء، أو بعض الصغائر، وعندما يعود إلى رشده، يستغرب من قيامه بذلك العمل!..

31. (وسكنتُ إلى قديم ذكرك لي).. هذهِ العبارة لها معان منها: أن الشيطان يقول للإنسان: أنتَ على خير، أنسيتَ ليالي القدر كيفَ كنتَ تبكي من خشية الله؟.. وبعد موسم الحج يقول: أنت الآن حاج بيت الله الحرام، أنتَ الآن رجعت كالذهب النقي.. فيستسلم الإنسان لهذه الإيحاءات الشيطانية، ويركن إلى ما هو فيه.. فالمؤمن لو أُهمل، وأوكله الله -عز وجل- إلى نفسهِ، لارتكبَ ما تقشعرَ منهُ الأبدان!..

32. إن الشيطان يضع خمسين فخاً، حتى يوقع الإنسان في يومٍ ما.. ويا لها من مهلكةٍ قاسية، بعد استقامة سنوات، وإذا بالإنسان يختم حياتهُ بعاقبةٍ غيرِ حميدة!..

33. إن المؤمن يمزج العمل الدنيوي بالذكر الكثير.. هذا هو السقف الذي رُفعَ لنا، لنصل إلى مرحلةٍ من المراحل، لا نرى في الوجود إلا هو (لا إله إلا الله)؛ أي لا مؤثر في الوجود إلا هو..

34. إن البعض يشد الرحال إلى مدينة المصطفى (ص)، أو يذهب بعدَ اللتيا والتي وبظروفٍ شاقة إلى حرم سيد الشهداء، وفي ذهنهِ عشرات الحوائج.. فيرجع البعض وهو يعتب على الله ورسوله والمعصوم؛ لأن حاجته لم تقض!.. وكأن الإمام يقصد طلباً للحوائج!.. هذهِ المعاملة معاملة تجارية، أينَ الحُب من هذا الأمر؟..

35.  إن الذي يرجع إلى الله -عز وجل-؛ يتحول وجوده من معمل للسيئات، إلى معمل للحسنات.. لأن رب العالمين التفت إليه وغيّر من كيانه.

36. إن الإنسان إذا عرفَ فلسفة الحكم، وعملَ بالحكمِ لتلكَ المصلحة؛ هذا لا يُسمى عبداً.. العبد للهِ -عزَ وجل- شأنهُ شأن الجُندي في ميدان القتال.. هنالك قانون عسكري في كل العالم يقول: امتثل ثم سل!..

37. كم من الجميل أن يكون للمؤمن عالمه الخاص، وهو وسط أناس يعيشون الغفلة!.. ورد في الحديث الشريف: (ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل بين الفارين).. هؤلاء كأنهم فروا من الزحف، وهو الوحيد الذي بقي مقاتلاً بين يدي الله عز وجل.

38. من أسعد لحظات العمر، سحر الجمعة، حيث يقوم الإنسان بين يدي الله -عِزَ وجل- وينادي ربه: (اللهم!.. أنت السلام، ومنك السلام، ولك السلام، وإليك يعود السلام).. هكذا يقول، ويتوقع من رب العزة والجلال، أن يرد عليه السلام.. وهناك من يعيش هذا السلام الإلهي، في الدنيا قبلَ الآخرة.

39. إن كل واحد منا يعرف ما هو فيه، ويعرف مستواه الفعلي، وأيضاً يعرف مستواه الشأني أو المقدر.. وعليه، فإنه هو بطاقاته وبقدراته، من الممكن أن يكون أفضل مما هو عليه الآن.. فهذه الفجوة الكبيرة التي بين الواقع الفعلي وبين الواقع الذي كان من الممكن أن نصل إليه، علينا معاهدة الله -عز وجل- أن نقللها.. لا نقول: أن نردمها تماماً؛ لأن الردم -تقريباً- شعار غير عملي.. ولكن نقلل هذه الفجوة قدر الإمكان!..

40. إن هزة مريم -عليها السلام- للنخلة كانت هزة بسيطة، ولكن الله -عز وجل- ببركة هذه الهزة البسيطة، أسقط عليها رطبا جنيا!.. فالمؤمن يسعى سعيه ورب العالمين يقدر.. التقدير ليس مفصولاً عن التدبير، فالذي لا يُدبر لا يُقدر له.

41. إن من الكيد الإبليسي، أن لا يدع الإنسان يستخرج الكنوز التي في باطنه.. فكلنا لدينا هذه القابليات، ولكن من حيل إبليس، أن يحول بيننا وبين استخراج هذه الكنوز.

42.  إن القرآن الكريم يقول: {لَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} لم يقل: لنطيبن حياته.. فالإنسان عنده أرواح أخرى، هذه الأرواح حبست في عالم آخر، لا تنزل هذه الأرواح إلا لمن يستحق!.. ولا يعني ذلك أن غيرنا حيٌ، ولكن حياته غير طيبة.. هو في الأصل لا حياة له..

43. إن الإنسان عندما يتفتح ذهنه في الحياة، ويرى النعم الإلهية عليه، فيقرأ بعض الكتب المتعلقة بصفات الله -عز وجل-.. فهو من ناحية لم يصل إلى البلوغ الكامل، لأن حب الله -عز وجل- يحتاج إلى قلبٍ بالغ، وهو لم يصل بعد إلى مرحلة البلوغ القلبي.. ومن ناحية أخرى، فيه بوادر هذا الحب الإلهي بالممارسة، وبالعبادة..

44. إن من بين العبادات المورثة للحب الإلهي -كما هو مجرب- قيام الليل، حيث أنه من المعروف: أن صلاة الليل؛ تُرسخ هذه المحبة الإلهية.

45. إن المؤمن الذي يدمن الطاعة، بعد فترة من السير في طريق القرب إلى الله -عز وجل- إذا أذنب ذنباً يرى أن الأرض لا تحتمله، ويريد أن يهرب إلى زاوية لا يراه الله -عز وجل- حياءً وخجلاً؛ فلا يجد هذه الزاوية!.. الإنسان يعيش هذه الحالة!.. والذي يعيش هذه الحالة، هو في معرض الرحمة الإلهية..

46. إن المحبة جسرٌ وصراط للارتباط بمن أحببناه!.. البعض يقول: نحن بحمد الله ورثنا محبة آل البيت عليهم السلام.. ولكن علينا أن نتنبه: أنه لا ضمانة لبقاء لهذا الحب!.. هذا الحب إذا بقي إلى يوم لقاء الله -عز وجل- فهو رأس مال كبير، ولكن من المعروف أن المعاصي والذنوب، تسلب هذه المودة بالتدريج!.. إلى درجة قد ينظر الإنسان إلى قلبه، فلا يجد مثل هذه المودة والمحبة..

47. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.. لو حكمنا هذه الآية في حياتنا اليومية، لا نبالغ ونقول: لتحولت كل الحياة إلى سعادة!.. ولكن على الأقل لسددنا أبواب الشر على أنفسنا، لأن الذي يدفع بالتي هي أحسن، فإن رب العالمين يتصرف في قلب الطرف المقابل.

48. إن لمؤمن حزنه في قلبه، وبشره في وجهه.. فالشكوى وبيان الحال، إذا لم يكن فيه فائدة، لماذا يضيع الإنسان الأجر؟.. فليجعل ذلك في قلبه، ويقدم الشكوى لمن بيده مقاليد الأمور!.. إن الإنسان قد يضيق صدره جداً لمشكلة ما، فإن كان ولا بد، أذكر شكواك لمن يمكن أن يقدم لك حلاً في مصيبتك.. إذ لا بأس أن يشكو لمؤمن!..

49. إن هناك محطات عبادية مختلفة في حياتنا.. البعض منا -مع الأسف- يكتفي بهذهِ الأعمال العبادية، لماذا لا نتجاوز العمل العبادي إلى عمل تأملي؟.. إنه لمن المناسب للمؤمن أن يتخذ هذهِ المحطات -ومنها ليلة الجمعة، وسحر كل ليلة- لأجل إيجاد عملية التغيير..

50. إن الإيمان حالة انكشاف الرؤيا الباطنية لهذا الوجود.. حيث أن هناك فرقا بين إنسان يعتقد الوجود لله -عز وجل- من خلال قانون العلية؛ أي لكل علة معلول، فللكون علة، وعلة الكون هو رب العالمين، حتى الطفل يفهم هذهِ المعادلة.. وبين من يعيش حالة الوجود الإلهي.

51. بدل من أن نكثر من حجم العمل، ونحاول أن نرهق أنفسنا بالعمل، لنحاول أن نعمق من حجم الكمال الباطني الذاتي.. فالمؤمن إذا صار لله محبوباً، يصلي ركعتين لله -عز وجل- تفتح لهُ الآفاق..

52.  إن الذي يستثقل العبادات الثقيلة: الصوم في الصيف، والقيام في الشتاء، من الممكن أن يعوّض التقصير في العمل العبادي من خلال تنمية ذاته، وتصفية ذاته..

53. إن رب العالمين جعل أدوات التلذذ أدوات حسية، هنالك قنوات لاكتشاف أو لجذب التلذذ: العين ترى المناظر الجميلة تتلذذ، الأنف يشم، يستذوق الطعام باللسان.. إذن، إن كل هذهِ المظاهر التلذذية، تجري على هذهِ المنافذ الخارجية.. أما السعادة، فهي أمر آخر ما وراء التلذذ..

54. إن السعادة على ما نفهمهُ نحنُ بنظرة واقعية: أن يكون للإنسان هدف ومحور حقيقي، وهو يسعى تجاه هذا المحور.. إنسان لهُ هدف، وهذا الهدف هدف مقدس، وليس هدفاً حيوانياً.. هدفه يتناسب مع فطرتهِ، ومع عقلهِ، وفي كل يوم يخطو خطوة إلى الأمام.. المؤمن هكذا: فركعة من صلاة الليل، ودينار يُعطيها لفقير؛ يحقق هذا الهدف.

55.  إن المؤمن يبحث عن الأعمال الشاقة نسبياً؛ لأنهُ كُلما تقدمَّ في الطاعة خطوة، رأى بأن هذهِ لبنة في ذلك الصرح العظيم..

56. إن الخطوة الأولى في طريق السعادة، أن يحصر الإنسان همتهُ في أمرٍ معقول، وهذا الأمر المعقول نستفيدهُ من كتاب الله -عز وجل- وهي تحقيق العبودية.. فالإمام الصادق -عليه السلام- يقرر مبدءاً أول، وهو: ما كل من أراد شيئاً قدر عليه، ولا كل من قدر على شيء وفق له.

57.  لابد أن نعرف أن الشيء قد ينال، ولكن هذا الشيء الذي نالهُ الإنسان، لا يكون مقدمةً للتوفيق.. ولا كل من وفق، أصاب لهُ موضعاً.. إذن، أين السعادة؟.. يقول (عليه السلام): (فإذا اجتمع: النية، والقدرة، والتوفيق، والإصابة؛ فهناك تمت السعادة).. عندما تكتمل هذهِ الحلقات جميعاً، بدءاً بالنية والقدرة والتوفيق والإصابة، فهنالك تجب السعادة.

58. إن الإنسان لا هو مسير ولا هو مجبر، الأمر (لا جبر ولا تفويض، ولكنْ أمرٌ بين أمرين).. نعم نحن نختار ما نشاء، ونفعل ما نشاء، ورب العالمين مكننا من الأسباب.. ولكن كما يقال: لله -عز وجل- ما يعبر عنهُ هذهِ الأيام في عرف الدول بحق النقض، إذا أراد أن يقطع شيئاً قطعهُ، ولا يتمم سببيته.. لذلك المؤمن في وضعيتهِ مع رب العالمين، يطلب من الله -عز وجل- أن يتمم سببية الأسباب..

59. إن هنالك قضية لابد أن نلتفت إليها، وهي أن العبادات: المستحبات والواجبات؛ لها أنوار، هذهِ الأنوار قد لا نلتفت إليها في الحياة الدنيا.. ومن هنا الذي يريد السعادة الكاملة، عليهِ أن يستمتع بنفحات كل العبادات والطاعات، لا ينتقص واجبا ولا مستحباً؛ لأن لكل عبادة -كعالم الفيتامينات في عالم الطبيعة- علقة من هذهِ السعادة..

60. إن النظر المحرم ظلم، والقرآن يعبر عن هذا بأنهُ ظُلمٌ للنفس: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}، لماذا يسمى ظُلماً؟.. لأن الإنسان بهذهِ الحركة يؤخر مسيرته التكاملية.. اعلموا أن كل معصية من المعاصي، هي حركة إعاقة لمسيرة الإنسان في قربهِ إلى الله تعالى، فظُلم النفس هو العنوان الأول، الموجب لسلب سعادة الإنسان..

61. ما المانع قبل النوم، أن يصفي الزوجان ما بينهما من خلافات أو سوء فهم؛ كي يبدءوا نهارا جديدا؛ لأن النهار إذا بدأ بالمشاكسة، يبقى طوال النهار متوترا!.. كم من الجميل أن يبدأ الإنسان نهاره؛ لا بشربة من القهوة والشاي، وإنما بالصفاء بين الزوجين!..إن من موجبات الحذر والاحترام في هذا المجال، الالتفات إلى الانتقام الإلهي..

62. إن المؤمن الذي هو تحت مجهر المراقبة الإلهية، أقل هفوة في حياته، ربُ العالمين يذكرهُ بخطأه.. لذا على المؤمن كلما وقع في بلية ولو صغيرة، قبل أن يتبرم يقف هنيئة ويقول: ما الذي فعلتهُ اليوم، حتى حدث ما حدث؟.. هذهِ الصفة من صفات الموالين لأهل البيت عليهم السلام..

63. إن الذي يصل إلى حقيقة المراقبة والمحاسبة، هذا الإنسان سوفَ ينضبط تلقائياً.. هل رأيتم في يوم من الأيام إنسانا يتحكم في نبضه، أو يتحكم في رئته، أو يتحكم في أعضاء بدنهِ الباطنية؟.. بالتأكيد لا، فهو يعلم أن كل ذلك مبرمج.. والمؤمن كذلك يصل إلى هذهِ الدرجة، يرى برمجة ثابتة في حياته..

64. إن الذي يعيش الخشية من الله -عز وجل- من الطبيعي أن تسري هذهِ الخشية في الجوارح، فيتحول إلى إنسان خاضع.. فإذن، الخشية تكون في عالم القلب، والخضوع في عالم الخارج..

65. إن الذي يحب ولا يترجم هذا الحب، هذا عنده حب، ولكن ليست عندهُ مودة.. ولهذا في القرآن الكريم، عندما يصل الأمر إلى ذوي القُربى، يقول: {لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ولم يقل: المحبة.. الحب قد يكون واقعاً، ولكنه غير مترجم عملياً، فلا مودة فيه.. لذا ربُ العالمين جعل ما بين الزوجين ما هو أرقى من المحبة، ألا وهي المودة.

66. ليست الرحمة في الحياة الزوجية، أن يدلل الإنسان زوجتهُ فحسب!.. فيذهب للأسواق، ويأتي لها بالهدايا طلباً لسكوتها مثلاً.. بل الرحمة معنى أعمق وأكثر جوهرية: يحمل همها، ويرى نقصها، ويحاول أن يسد هذا النقص.

67. إن السعادة الزوجية في الدنيا، والاستقرار الأسري؛ لهُ دور في تسريع حركة الإنسان في القرب على الله عز وجل!..

68. إن البعض منا يقال له: فلان قال عنك كذا -وهي تهمة محضة-؛ ينقلب رأساً على عقب، وينهار عصبياً، ولعلهُ يغمى عليه، ويصاب بالصداع.. والحال بأنه يعلم أن ما قيل لا قيمة له.. إن الإنسان يسقط من عين الناس فيبالي، ويسقط من عين الله بمعصية ارتكبها؛ وهو لا يبالي..

69. إن الشيطان عندما يُدمر عشا زوجيا، أو يلقي الخلاف بين زوجين، كأنهُ يطير إلى السماء فرحاً أنهُ قام بمهمة كُبرى.. لأنه بذلك يكون قد أوقع الرجل في مشاكل نفسية، منعته من طريق الكمال الأخروي والدنيوي.. وهكذا بالنسبة للزوجة.. ولهذا يد الشيطان واضحةٌ جداً في كُلِّ خلافٍ أسري.

70.  إن من مناشئ الدمار الأسري، مسألة الانفلات في عالم النظر، عندما يتحكم الإنسان في نظره؛ يبقى قلبه نظيفاً..

71. إن الإنسان غير معصوم، وقد يغضب خطأ أو سهوا.. وهنيئا لإنسان يلتفت إلى خطأه عند الخطأ!.. لأن الالتفات بعد فوات الأوان لا ينفع..

72. مما يثير الأسى أننا لا نرى آثار الأعمال كما ينبغي، والسبب في ذلك ليس النقص في المقتضي، بل وجود المانع.. لذا فالمقتضي لا يؤثر أثره: عودة رطبة تجعلها على النار مدة طويلة، تبقى العودة من دون اشتعال، نعم إذا جفت الرطوبة، ويبست هذه الخشبة؛ فإن كبريتة واحدة تكفي لتشعل النار في هذه العودة.. نحن مشكلتنا في هذه الرطوبات المانعة في وجودنا.

73. إن النظر من موجبات تشويش الباطن، الإنسان الذي لا يضبط نظره ولا يضبط قوله؛ أي أنه مبتلى بفضول النظر وفضول السمع.. هذا الإنسان من الممكن أن يفقد كثيرا من البركات الإلهية في هذا المجال.. هنالك عقوبات في مقابل المخالفات، وهنالك بركات تُفقد في مقابل بعض المخالفات حتى غير المحرمة؛ فكيف بالمخالفات التي هي محرمة؟!..

74. إن بعض المجاهدات القاسية على النفس، من الممكن أن تفتح الآفاق الكبرى للإنسان.. لعل نظرة فيها مجاهدة، وفيها معاناة؛ في يوم من الأيام من الممكن أن يُعطى الإنسان درجات عالية، وهذه الرواية شاهد على ذلك: (من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء؛ لم يرتد إليه بصره حتى يزوجه الله من الحور العين).

75. إن الملكوت هي أن ينظر الإنسان إلى الأشياء على أنها بيد الله، وعندئذ يرى الوجود منسجماً معه، لا يخاف من الأشياء؛ لأن نواة الأمور كلها بيد رب العالمين.

76. إن المؤمن بغضه لنظره ولجوارحه، من الممكن أن يصل إلى الدرجات العالية من التقوى، وانكشاف ملكوت السماوات والأرض، ومنها ملكوت الحياة الزوجية.. وكيف أن الزوجة أمانة إلهية، وكيف أن الزوج أيضاً أمانة إلهية بيد الزوجة.. وهنيئاً لمن أدى حق هذه الأمانة!..

77. إن البعض يريد أن يصل للملكوت الأعلى من خلال حياة رغيدة، ورفاهية، وأكل، وشرب، واستمتاع!.. هذه ليست السنة الإلهية في الوجود، إنما البلاء للأمثل فالأمثل، (المؤمن ككفتي ميزان؛ كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه)..

78. إن أحد العلماء الكبار في النجف الأشرف، أراد أن يتكلم بآخر الوصايا، وإذا به يوصي بصلاة أول الوقت؛ أي أن مفتاح هذه الخزائن كلها الصلاة في أول الوقت.. واللطيف أنه لم يقل: الصلاة في أول الوقت بتوجه؛ أي حتى قيد الخشوع لم يذكره.. المهم في أول الوقت.. فالذي يصلي في أول الوقت فترة من الزمن، تفتح له أبواب الخشوع.

79. كم من الجميل أن يشكو المؤمن همه إلى الله -عز وجل- في خلوة من الخلوات يقول: يا رب أكفني ما أهمني!.. هذا همي بين يديك، علمك بحالي يُغني عن سؤالي!.. على الأقل إن لم تأخذ قضاء الحاجة فوراً، رب العالمين يبرد قلبك؛ بيده يجعلك تقبل بالأمر الواقع رغم أنه مر.

80. ليس كل مؤمن يستحق المعاشرة، إذا رأيت مؤمنا له عين وله بصيرة باطنية، إلزم هذا الإنسان.

81. إن الإنسان في العمل التبليغي، عليه أن لا يستعجل الثمار الآنية.. فالفكرة تتغلغل إلى باطن الشخص، وقد لا يعمل بها، ولكن يبقى كملف مستور في حاسوبه.. بعد سنوات في ساعة من الساعات، وإذا به يستذكر هذه النقطة، ويصبح منطلقا لتغيير منهج حياته.

82. لماذا ينظر الشاب إلى ما لا يجوز النظر إليه؛ سواء كان حقيقةً أو صورةً؟.. هناك تفاعلات في الباطن، والشاب الذي يدمن النظر إلى الحرام، هذا الشاب تتغير تركيبتهُ الهرمونية.. فهذهِ الغدة تابعة للأوامر الإلهية.. ما دام هناك خيال محرم؛ فإن الغدة تفرز، وهذا الإفراز يدخل في الدم، والدم يجري في العروق.. وإذا بهذا الإنسان يسلب الاختيار.

83. إن الإنسان عندما ينظر إلى المستقبل، يراه مجهولا تماما، وبفضل الله -عز وجل- من الممكن أن يعيش الإنسان حالة الأمل.. ولكن هل هناك من يقسم على القرآن الكريم، أنه سيموت على الحالة التي يريدها الله -عز وجل-؟.. من المؤكد لا!.. لأن هذا الأمر يحتاج إلى يقين جازم!.. فبما أنه ليس هناك ضمانة، فإن قلوبنا لا تقوى على هذا القسم.. وبالتالي، فنحن على خطر عظيم!..

84.  إن البعض قد يقول: أنا بحمد الله صاحب مجالس حسينية، وقد بنيت مسجدا.. وبالتالي، فإني أتوقع من أولادي السير على طريق الهدى تلقائياً!.. متى كان الجو أو البناء بحد نفسهِ من موجبات الترقي؟.. لابد من عمل!..

85. قال الصادق (ع): (من روى على مؤمن رواية، يريد بها شينه وهدم مروته ليسقط من أعين الناس؛ أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان).. حتى الشيطان يزهد في هذا الزبون الذليل، وهذا الإنسان الدنيئ؛ لأنه يحب أن يكون أتباعه على مستوى، وهذا الإنسان أخس من أن يكون من أتباعه.. يا لها من عاقبة؟!..

86.في عالم المعنى، يقول العلماء: (لا تكرار في التجلي)، هل هناك إنسان يستذوق الصلاة يقول بعد فترة: أنا مليت من الصلاة؟.. هذا الكلام يصدر من إنسان لا يعرف معنى الصلاة، أما الذي عندهُ شيء من المعراجية؛ فإن متعته في الحياة هي الصلاة.

87. إننا -مع الأسف- نزلنا الذكر من عالم الفكر، إلى عالم القلب، ثم إلى عالم الجارحة!.. فالجارحة آخر محطة.. ونحن نريد لآخر الدرجات، أن تكون أول الدرجات..

88. بالنسبة إلى ذكر الله -عز وجل- فإن القلب والفكر في عالم الرؤى، يعتقد بوجود صورة جميلة في هذا الوجود.. هذه الصورة الجميلة، هي مبدأ كل جمال في عالم الطبيعة والأنفس، فهذه اليد التي نقشت هذه الصور الجميلة، هو نفسه الذي نقف بين يديه في الصلاة ونناجيه.

89. إن المؤمن طبيعته طبيعة طموحة؛ وعليه ما المانع عندما يرى سيرة الأنبياء والصالحين، أن يقول: يا رب، أتمنى أن أكون مثلهم؟..

90. إن المؤمن إذا وصل إلى درجة من الشفافية، يصبح كالأجهزة النقالة.. ويصل إلى درجة من الصفاء الروحي، بحيث يستقبل الأخبار، وهذا الشيء ممكن في حياة الناس.. ولهذا وردَ في الروايات: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور اللَّـه)..

91. إن المؤمن الذي يعيش في نفسه حالة من الحسد الباطني، أو الكبر الباطني، أو البغضاء الباطني.. هذا القلب قلب محجوب، لا يدخل نار جهنم صاحبها؛ لأنه لم يمارس الخطيئة، ولكن هذا القلب كيف يكون محطة للتجليات الإلهية؟.. التجليات الإلهية محلها القلب، وهذا القلب القذر لا يمكن أن يكون محطة لذلك..

92. إن الذي يثبط العزائم، هو التفكير في التجلية والتخلية.. هذا هو المكلف، وهذا شغل رب العالمين.. على العبد أن يقوم بالتخلية المجردة حتى يخفف عليه التكليف، ويرفع من مستوى أمله.. والبقية يتعهد بها الله -عز وجل-.. فإذن،ً علينا أن نعمل جميعاً على تصفية الملكات الباطنية، فإن هذا باب واسع من أبواب التفضل الإلهي على العبد.

93. إن الذي يكثر من أكل الملح، كلما غط في النوم، فإنه يرى في منامه الشلالات، والماء المثلج البارد.. فالذي يعطش في النهار، يرى الماء في الليل.. والذي في قلبهِ عطش إلى إمام زمانهِ، دائماً يفكر فيه، ويراهُ في النوم وفي اليقظة..

94. إن البعض يقول: (الأئمة -عليهم السلام- زبائنهم كثيرون.. والذي لا زبائن له؛ هو رب العالمين)، نعم، الله -عز وجل- ليس له زبائن، وزبائنه قليلون.. والزبائن يدعون أنهم زبائن!.. يسيرون قليلاً ثم ما بين فترة وأخرى يرتدون.. ما أكثر السالكين، وأقل الواصلين!.. فالقضية تبدأ تكلفاً، وبعد ذلك تنفتح الحجب..

95. كل واحد منا خلقه الله -عز وجل- على نور الفطرة، هذا النور الأولي.. وكل مخلوق من الطبيعي أن يبحث عن خالقه، وعن مصدر اللغز بالنسبة إليه.. ولكن -مع الأسف- نحن بذنوبنا وبآثامنا، أوجبنا ما يحول بيننا وبين هذا النور.

96. إن الضمور الروحي سرعان ما ينكشف في الصلاة بين يدي الله.. فالأمر لا يحتاج إلى تجارب معقدة، وإلى براهين في هذا المجال (الصلاة معراج المؤمن)، فمن لم يعرج في صلاته؛ فلا صلاة له!..

97. علينا أن نجأر إلى الله -عز وجل- ونطلب منه المدد، ونطلب منه ذلك العلم.. ليس العلم بكثرة التعلم -كما في الخبر- وإنما هو نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء.. وهنيئاً لمن شملته الرعاية الإلهية!..

98.  إن المؤمن يشكر الله -عز وجل- على ما أنعم به عليه، ولكن إذا كان هذا النعيم يصد المؤمن عن ربه؛ فليطلب من الله -عز وجل- أن يأخذه منه..

99. لماذا اليأس من الدرجات العليا، مهما بلغنا من السوء؟.. فالجاهليون أصبحوا بدريين وأحديين، أو تعلم أن البدريين أقل منا!.. لأن البدريين ما سمعوا كلام أمير المؤمنين (ع)، وما رأوا أحاديث أهل البيت -عليهم السلام- وما أحيوا ذكر الحسين (ع)، وكما هو معروف: أن إقامة ذكر الحسين من أفضل أنواع الذكر، وسبب لجلب الرحمة الإلهية..

100. لماذا هذا التأكيد على مسألة الحسد، ومذمومية الحسد.. إن الحسود إنسان غير مؤدب أمام الله عز وجل، الإنسان الحاسد كأنه يقول: يا ربِ، لماذا أنعمت على فلان، أسلب منهُ هذهِ النعمة؟!.. ومن هو الإنسان حتى يطلب من الله -عز وجل- أن يسلب النعمة؟!.. كم هذا سوء أدب!..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج