100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن زاد المؤمن الدائم الاستغفار.. لا تؤجل الاستغفار إلى أن تذهب للعمرة؛ أفضل أنواع التوبة بعدَ الخطيئة مباشرةً، قل: يا رب!.. هذهِ الجريمة طازجة، وهذهِ أداة الجريمة، وأنا المجرم؛ ماذا تفعل؛ الأمرُ إليك؟..

 

2.  كم من الجميل أن تستمر براءة الطفولة، وتتصل ببراءة ما بعد البلوغ، البراءة القهرية والبراءة الاختيارية!.. ولهذا على أولياء الأمور أن ينتبهوا على الشباب من سن الرابعة عشر إلى الثامنة عشر..

 

3. إن علاقة المؤمن بربه علاقة سرية.. البعض قد يرى مناما لطيفا، أو كرامة معينة في نفسهِ، أو بعض الفتوحات الربانية؛ ولكنه لا ينقل ذلك لأحد.. فالكتمان هو أول شروط السالكين إلى الله -عزَ وجل- كي لا يشتهر.. فإذا اشتهر يترك خلفهُ النعائق، هو يهرب من الشهرة، فكيف يقول ما يوجب لهُ الشهرة؟..

 

4. إن المؤمن في قمة النشاط الذهني، يعيش حالة التسليم المطلق.. أوَ تعلم ما معنى لا إله إلا الله؟.. هذهِ الكلمة البسيطة، تعني: لا مؤثر في الوجود إلا أنت!..

 

5. إن هنالك ثلاث جمل في آخر دعاء كميل، هذه الفقرات الثلاث هي: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيبا عندك، وأقربهم منزلة منك، وأخصهم زلفة لديك).. إنها عبارات جداً كبيرة، وفخمة، ورائعة!.. والذي يستجاب في حقه هذا المضمون، فهو من أثرى الناس في عالم الوجود!.. ولكن -مع الأسف- نقرأها على نحو الاستحباب!..

 

6. {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}؛ أي يا رب!.. ما دمت بين يديك، وجعلت بيني وبينك حبلاً ممدوداً من الدعاء، فأنا سعيد!.. فالسعيد هو الذي يمشي وهو على صلة بمبدأ السعادة في الوجود!..

 

7. إن المؤمن يريد ذرية، ليحقق بعض آماله التي لم يحققها.. وهنيئاً لمن ينظر إلى الذرية من هذا المنطلق، من منطلق إدامة الوجود!.. ورب العالمين شكور رؤوف، وهو أجلّ من أن يهمل هكذا إنسان!.. فأجره يستمر إلى القبر.

 

8. إن أراد الإنسان أن تُقضى له الحوائج، فليعيش الحالة اليونسية.. يونس (ع) في بطن الحوت انقطع بهِ كل شيء، { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، البعض قد يلتزم بالذكر اليونسي أربعمائة مرة؛ ولكن لا يوجد جواب.. بينما نبي الله يونس (ع) قالها مرة واحدة، فنجاه الله -عز وجل- من الغرق.. السبب في ذلك أن يونس (ع) قالها بالكيفية اليونسية؛ أي بانقطاع وتوجه.

 

9. إن إقامة مناسبات أهل البيت (ع) سروراً أو حزناً، من مصاديق إحياء أمرهم (ع)، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): (رحم الله امرأ أحيا أمرنا).. (رحم) فعل ماض، أي أن هذه الرحمة محققة الوقوع، لمن أحيا أمرهم (ص)..

 

10. إن الأئمة (ع) وعلى رأسهم النبي المصطفى (ص)، هؤلاء مثلوا الخلافة الإلهية، وحققوا هذه الآية بأعلى صورها: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.. فنحن عندما نحيي ذكرهم، نريد أن نكرِّم هذه الصفة..

 

11. إذا كانت الصفا والمروة من شعائر الله، فألا يكون الحسن والحسين (ع) من شعائر الله، وهما اللذان يمثلان خط الرسالة في زمانهما؟..

 

12. إن الذين يقيمون مناسبات أهل البيت (ع) حزناً أو سروراً، يجب أن يراجعوا في سيرة المعصوم، ما هو تحت عنوان: أخلاقهم (ع).. وإلا فإن ذكر الفضائل أمر جيد، ولكن لا ينبغي أن نجعل الإمام والمقتَدى والمعصوم بمثابة لوحة فنية، نصفها ونعلقها على الجدران، من دون أن يكون لهذه اللوحة وقع في حياتنا المعاشة. 

 

13. إن الأئمة (ع) أرادوا أن يعلمونا من خلال حركاتهم وسكناتهم، أن نكون في منتهى درجات التعبد الشرعي.. لذا نجد أدعيتهم وتعابيرهم موزعة على نشاطات الإنسان من الصباح إلى المنام؛ من أجل غرس روح العبودية في كل حركة وفي كل سكنة.

 

14. إن عطاء الموسم العبادي، هو أن يعيش الإنسان حالة من حالات التذكر المستمر، والمعية الإلهية الدائمة.. وأن يتأسى بأئمة أهل البيت (ع) وبالنبي المصطفى (ص)، وألا يغفل عن ذكر الله -عز وجل- قدر الإمكان.. نحن لا ندعو إلى الذكر الدائم، فهذا قد يكون شعارا لا يتحقق في حياتنا، وإنما إلى تقليص الغفلة إلى أدنى مستوياتها الممكنة، فإن هذه ثمرة كبيرة من ثمار مواسم أهل البيت (ع).

 

15. كيف نحول الصلاة على النبي وآله من شعار إلى شعور؟.. الأمر يحتاج إلى حركة باطنية، حركة مع النفس.. فينبغي للمؤمن قبل أن يصلي على النبي وآله، أن يقف هنيئة مع نفسه، ويستجمع فكره؛ ليصلي على النبي وآله صلاة حقيقية، فيها معنى، وفيها مغزى.

 

16. إن من أهم الآداب الباطنية للدعاء: الالتفات للمدعو.. الإنسان الداعي إذا لم يلتفت إلى الله عز وجل، والساهي الذي لا يرى مدعواً؛ فهذا الإنسان كيف يتحقق في حقه الدعاء؟..

 

17. إن الصلاة على النبي وآله من صفات الله عز وجل، ولهذا نحن نستن بهذه الصفة، كما أمرنا الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.. أي أنتم أيضاً تخلقوا بأخلاقي، وصلوا عليه وسلموا تسليما.

 

18. البعض يقول: إن المراد من {سَلِّمُوا تَسْلِيمًا}؛ قد يكون معنى أرقى من السلام اللفظي، قد يكون -والله العالم- المراد هو التسليم الفعلي، وليس المراد فقط السلام القولي.. أي كما أنكم تصلون على النبي وآله -وهذا أمر جيد-، ولكن أثر الصلوات: أن يكون الإنسان في مقام العمل مسلِّماً ومستسلِماً في كل شؤون الحياة.

 

19. إن هنالك مناسبة أكيدة بين الإكثار من الصلاة على النبي وآله، وبين صلوات الله على عبده.. {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.. فالذي يكثر من الصلاة على النبي وآله؛ فإن جائزته في هذه الحياة الدنيا، أن يصلي رب العالمين عليه.. أي أن رب العالمين يهيئ الأسباب للمؤمن، من خلال الربط على القلب -على الفؤاد- ، في أن يخرج من الظلمات إلى النور.

 

20. إنه من المناسب للإنسان الذي لا توجه له بشكل كامل، بدلاً من أن يقول: "اللهم صلِّ على النبي وآله"، ويحتاج إلى خطاب مع الله عز وجل، أن يستعمل هذه الصيغة الجميلة المروية عن الإمام الصادق (ع): (صلوات الله، وصلوات ملائكته، وأنبيائه، ورسله، وجميع خلقه؛ على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته)..

 

21. إنه من الملاحظ من خلال النظر في مجمل الشريعة، أن الله -عز وجل- يريد للمؤمن أن يكون ذاكراً له في كل حركة وفي كل سكنة.. إذ لا تخلو حركة من حركات الحياة: من قص الظفر، إلى حلق الشعر، إلى دخول الحمام، إلى الخروج من الحمام، إلى دخول المساجد وغير ذلك؛ إلا وهنالك ذكر مأثور في هذه الحالة، وكأن الله -عز وجل- يريد أن يقول: لا تنس ذكري في كل حال!..

 

22. نحن مأمورون لا أن نستن بالنبي (ص) فحسب -النبي (ص) بشر من البشر، ولكنه أكمل البشر- وإنما نحن مأمورون بأن نستن بسنة الله عز وجل، وأن نتخلق بأخلاق الله عز وجل..

 

23. إن الشفاعة تحتاج إلى سنخية.. فالنبي (ص) عندما يشفع لأحد، فإنه يشفع لمن هو يستحق الشفاعة.. فالذي يحب أن ينال الشفاعة؛ لابد أن يحقق سنخية ما بينه وبين النبي الأكرم (ص)، ويطلب من الله -عز وجل- أن يعينه على الاستنان بسنة النبي (ص)..

 

24. إن الحركة التكاملية القربية إلى الله عز وجل، من أدق الحركات في عالم الوجود.. فالتقرب إلى الله عز وجل، والتعرف على طرق مرضاته وسبيله، عملية ليست أقل من التعرف على جزئيات عالم الأبدان.. والأمر يحتاج إلى نوع من أنواع الثقافة، والمعرفة في هذا المجال..

 

25. كم من الجميل أن يكون هنالك تفاعل باطني تجاه أهل البيت (ع) -أي عواطف جياشة نحو هذه الذوات المقدسة- بالإضافة إلى المعرفة.. والمعرفة لها مراحل ودرجات، وأدنى درجة المعرفة هو الاطلاع على سيرتهم الإجمالية..

 

26. إن النبي (ص) حقق العبودية بأجلى صورها في حياته، وما جعل لنفسه اختياراً في الوجود.. فالنبي كان مسلِّماً لأمر الله عز وجل، ونحن مطالبون بهذا المعنى؛ أي أن نقبل بحكم الله ورسوله إلى درجة الرضا القلبي، لا العمل الظاهري فحسب!.. فإن المعنى الأساسي للمؤمن الذي جمع صفات النبي (ص)، هو الإحساس بالعبودية المطلقة في كل حركة وسكنة.

 

27. ينبغي علينا أن نقتدي بالنبي الأكرم (ص)، الذي كان مظهراً من مظاهر الجمع بين الحق الإلهي والحق البشري.. والقضية بسيطة جداً!.. فالذين هجروا الناس، والذين تقوقعوا، ذلك لأن هؤلاء رأوا الناس في قبال الله عز وجل.. ولكن لو أن الإنسان غيّر نظرته، ونظر إلى الخلق على أنهم عيال الله، فإن حبه لله عز وجل، يسري إلى حب مخلوقاته.

 

28. إن حركات النبي (ص) كانت تحت مراقبة دقيقة من أصحابه.. ونحن نستلهم الدروس من ذلك: أن القائد الإسلامي -إمام الأمة وقائد الأمة- عليه أن يعلم أن الأمة في حال رصد لحركاته وسكناته.. لذا، على المؤمن -خصوصا الذي برز إلى السطح، واستلم بعض المهمات الاجتماعية والرئاسية- أن يكون مراعياً لرقابة الخلق، ورقابة الخالق.. فإن رب العالمين أيضاً يحب المؤمن أن يقوم بما يورث له حسن السمعة في التأريخ..

 

29. إن الحزن إذا كان حزنًا رسالياً -كما في حزن نبينا وآله عليهم الصلاة والسلام-؛ هذا أمر مطلوب.. فطبيعة المؤمن أن فيه الكثير من الشفافية، ومن الحس المرهف، تجاه ما يحدث في هذه الأمة.. فهذا حزن مقدس، والله -عز وجل- يكّرم هذا الإنسان، الذي يعيش همّ الأمة، وهمّ الرسالة..

 

30. إن المؤمن إنسان لا يتكلم إلا بدليل.. والكلام فيما لا يعني؛ يجعل الإنسان في مظان الوقوع في الأخطاء الكبيرة.. (من كثر كلامه؛ كثر خطؤه.. ومن كثر خطؤه؛ قل حياؤه.. ومن قلّ حياؤه؛ قلّ ورعه.. ومن قلّ ورعه؛ مات قلبه.. ومن مات قلبه؛ دخل النار).
 

31. نلاحظ في بعض الأزمات العائلية أن منشأ ذلك، أن الرجل والمرأة يختلفان على شؤون العيش، وعلى تفاصيل المعيشة، وعلى المتاع الزائل؛ فهذه صفة خارجة من مدرسة النبي وآله (ص)، لأن غضبهم -عليهم السلام- غضب رسالي.. فعندما يرى منكراً، يغضب..

 

32. إن القهقهة ليست من سمات المؤمن.. وفي نفس الوقت المؤمن إنسان عاطفي، يلتقط الأمور.. فإذا تعجب لشيء، أو إذا أعجبه شيء، أو إذا سمع مزحة معقولة؛ أيضاً يبدي انفعاله من خلال ابتسامة جميلة..

 

33. إننا نلاحظ أن أهل الخدمات الاجتماعية، ليست لهم حالة الشفافية الروحية، فبعضهم يقول: انشغالنا مع الناس، لم يترك لنا مجالاً للخلوة مع رب العالمين.. وكذلك أهل التوجه الروحي والعبادة المركزة، أيضاً لهم مصيبة الانكفاء عن الخلق، وعدم تحمل الغير و..الخ.. بينما نجد أن النبي (ص) بسيرته الحسنة، أراد أن يثبت للأمة أنه يمكن الجمع بين الصفتين: بين التوجه إلى الله -عز وجل- بما لا يرقى إليه بشر.. والاهتمام بالطبقات المستضعفة في الأمة، وتفقد حال الرعية.

 

34. إن من الملاحظ في بعض البيئ الاجتماعية، أن الذي له دور قيادي في تلك الدائرة -ولو رب الأسرة- عندما يرى منكراً؛ قد يجاري المنكر، وقد لا يتكلم شيئاً، لئلا يخسر الطرف المقابل.. بينما التكليف النبوي، يعلمنا أن يكون الإنسان حاسماً في ضبط الدائرة الإنسانية التي حوله.. ويقف أمام المنكر بكل ما أوتي من قوة، كما كان النبي (ص) قد ربى أصحابه على مثل هذا الأدب.

 

35. إن المصلح الاجتماعي من أول صفاته، أن يكون ممتلكاً للقلوب.. فإن القلب إذا انقاد؛ الفكرة والعقل ينقادان أيضاً..

 

36. إن المؤمن لا يبدي ردة فعل فجائية وآنية، تجاه كل ظاهرة سلبية.. فلو رأى حركة سلبية في الأسرة، فإنه يتغافل؛ أي لا يبدي انزعاجاً فجائياً، وإنما يدرس الأسباب الخفية، ليحاول أن يعالج ويتدارك الأمر.. فهذا التغافل ليس تغافل الغافلين، وإنما تغافل الإنسان الذي ينتظر الفرصة المناسبة لعلاج القضية.

 

37. إن الرزق إذا تجاوز عن حده، أصبح من موجبات الانشغال والالتهاء، فالاستغناء الظاهري أرضية للاستعلاء الباطني، وهذه قاعدة معروفة (ما قل وكفى؛ خير مما كثر وألهى).. وعليه، فإن المؤمن طلبه من الله عز وجل، أن يعيش حالة الكفاف..

 

38. لماذا لا نقتدي برسول الله (ص) في أسلوب تعامله مع العصاة والمنحرفين؟.. فبدلاً من استعمال أساليب: الزجر، والتخويف بعذاب الآخرة فقط؛ علينا أن نستعمل هذه الأساليب العاطفية والإقناعية، من أجل انتشال الشاب والشابة من أوحال الرذائل.

 

39. إن الإنسان العاقل الذي يرى عجائب خلقة الإنسان، وعجائب خلقة الوجود.. يعلم أن هذا العجيب في هذا الكون، وفي هذه الأرض العجيبة، ضمن المجرات العجيبة، خلق لأجل هدف مقدس، ألا وهو الوصول إلى خالقه..

 

40. إن الله -عز وجل- يريد أن يصل العبد إليه، من خلال الاحتكاك بالعوامل السلبية.. أراد له في هذه القطعة الزمنية: (من التكليف إلى الوصول إليه)، أن يعيش حالة الكدح، حالة السقوط والقيام، حالة المواجهة: الانتصار تارة، والهزيمة تارة أخرى.. ولذا فالمؤمن الذي يعلم هذه السياسة الإلهية؛ يتمنى في أعماق قلبه أن يُبتلى، لأجل أن يصبح الابتلاء مقدمة للوصول إلى درجات التكامل.

 

41. إن بعض الناس أرادوا من الدنيا أن تكون حديقة الآخرة، لا مزرعة!.. وهناك فرق بين المزرعة وبين الحديقة.. فالمزرعة فيها زراعة، وفيها مزعجات، وفيها ديدان ضارة، وفيها ما فيها من الآفات؛ أما الحديقة فليست كذلك!..

 

42. إن المؤمن ينظر إلى الوجود برمته على أنه من الله عز وجل.. فمن أحب أحداً أحب آثاره، والوجود بكل أبعاده من آثار الله عز وجل، ومن أهم الآثار في عالم الوجود: المخلوقات الشاعرة الحية، ومن أقرب الموجودات الشاعرة الحية: الإنسانة المؤمنة، والإنسان المؤمن.. وبالتالي، فإن هذا الحب كلما زاد وتجلى؛ كلما انعكس في حياة الأمة أكثر.

 

43. نحن في حياتنا اليومية نعيش هذه الاعتبارات: الوظيفية، الزوجية، الأبوة، الأمومة... إلخ من العناوين.. ومن أقدس العناوين وأجلها وأعظمها وأدومها، هي: علاقة العبودية.. فالإنسان الذي يعيش مشاعر العبودية لله عز وجل، من الطبيعي جداً أنه يتأقلم سيكولوجياً وفسيولوجياً على وفق هذه الضابطة، أي أن جسمه يتأقلم على وظائف العبودية..

 

44. إن دور الشيطان هو الوسوسة، أي التصرف في الجوانح إلى أبعد الحدود، وهنا النقطة المخيفة!.. فالشيطان ليست له قدرة على الجوارح، ولكن له القدرة على الجوانح؛ لذا فلا ينبغي للإنسان أن يعوّد الخبيث.. فهذا الخبيث إن عوّدته في موقف، أو موقفين، أو ثلاثة؛ فإنه يصل إلى درجة يكون له السلطان والولاية عليك.. ومن المعلوم أن من أهم خصوصيات السلطان، أنه يأمر وينهى، وتُمتثَل أوامره ونواهيه.

 

45. إن الذين بسوء فعلهم تمادوا في الحرام النظري، إلى درجة سُلب منهم الاختيار.. من الممكن أن يرتكبوا أقبح الأمور؛ لأنه سُلب منهم الاختيار في هذا المجال، وعندئذ يتحقق ذلك المسخ.. ولا شك أن الذي وصل إلى هذه الدرجة، يحتاج إلى عناية إلهية كبرى، فهو هنا وقع في الدوامة، لذا فهو يحتاج إلى التجاء شديد بسفينة النجاة، لكي يُنتشل مما هو فيه.

 

46. مع الأسف ما يرى هذه الأيام من حالة إظهار الزينة عند المحجبات.. لماذا هذا التذبذب؟!.. إن كانت امرأة مؤمنة محجبة، لماذا لا تراعي الحدود؟!.. والبعض يعطي التبريرات الواهية، وكأن الإنسان يريد أن يتحايل على الشريعة بما أمكن من قوة!.. وهذا خلاف الحيطة في الدين.. فإن طبيعة المؤمن أنه إذا وقع بين احتمال سلبي وإيجابي، أنه يأخذ الجانب السلبي، من باب الحفاظ على دينه.

 

47. نحن لا نكتفي بعنوان التشيع، هذا العنوان فخرٌ لنا في الدنيا والآخرة؛ ولكن المهم هو الالتزام بلوازم هذا الرضوان.. إن هذا الحب المتوقد بالفؤاد للنبي وآله، هذا الحب رأس مال عظيم؛ فلنسأل الله -عز وجل- أن يبقيه معنا إلى ساعة الاحتضار..

 

48. إن الإنسان المبتلى، والفقير، والإنسان المحاط بسلسلة من الأزمات؛ هذا الإنسان قريب إلى الرحمة والمغفرة.. بينما المكفي الفارغ، الإنسان الذي حياته مُؤمنَة، وباله ليس مشغولاً بعمل ما؛ فإن هذا في مظان وسوسة الشياطين..

 

49. إن هناك فرقا بين الاستغفار من الذنب كحالة من حالات التخلص من وخز الضمير، كما يفعل بعض الناس فيستغفر لا تقرباً إلى الله عز وجل؛ وإنما ليتخلص من الوخز الباطني.. وبين الاستغفار في سياق العودة إلى الله عز وجل: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ}، فالتوبة التي هي بعد توبة الله عز وجل، لها قيمة: رب العالمين رجع إليك، وعاد إليك، وارتضاك عبداً، ثم ذكًّرك بالتوبة.

 

50. المؤمن قد يلاقي ربه بأعمال بسيطة، وعليهِ بعض التبعات، ولهُ بعض الذنوب، وقد يكون سببا في غواية الآخرين.. ربما يكون التعويض صعبا؛ ولكنه ممكن.. لذا، يجب عدم اليأس من رحمة الله عز وجل.

 

51. إن على المؤمن عندما يستقي علمه من روافد المعرفة: كالقنوات، والمواقع، والكتب، والصحافة، والمجلات؛ أن يكون حريصاً جداً على مسألة انتقاء ما هو الجيد.. إذ أنه من المعلوم يوم القيامة أن الإنسان يأتي وهو يئن من الساعات التي أمضاها، ورأى ما لا يحسن ولا يجمل.. فليس الاجتناب فقط عما هو حرام، بل من الاستماع إلى ما لا يحسن ويحل الاستماع إليه..

 

52. إن علينا أن نتعلم قواعد التعامل مع الغير عند الاختلاف؛ لأن من مناشئ الفتن أن نعيش مع بيئة، أو مع كتلة، أو مع فئة تختلف معنا في الرأي.. ومن مهارات المؤمن، التكيف مع الطرف الذي لا يوافقه في الرأي.

 

53. يقول الإمام علي (ع) في وصف المتقين: قد (تخلى من الهموم، إلا هماً واحداً انفرد به).. الذي يعيش هماً واحداً، وهو كسب رضا الله -عز وجل- حتى مع الغير؛ فإنه لا يبالي بما سوى الله عز وجل.. فالمتقي هو من يجعل همه الذي يشغله صباحاً ومساءً، كيف يرضي الله -عز وجل- في تعامله مع نفسه، وفي تعامله مع أسرته، وفي تعامله مع المجتمع الكبير.

 

54. ينبغي للإنسان المؤمن، أن يُعذر ذوي القناعات وذوي اليقين.. فإن الإنسان إذا وصل إلى قناعة ومشى على وفق قناعته، ليس لك الحق أن تناقشه في السلوك الخارجي المنبعث من هذه القناعة.. فإذا أردت أن تغير الموقف الخارجي؛ لابد أن تغير من تلك القناعة التي أوجدت له هذا الموقف..

 

55. إن الإنسان وهو في بيته إذا عظم الخالق في نفسه؛ فإنه سيرى أن كل شيء في هذا الوجود صغير!.. عندما يرتفع الإنسان في الطائرة؛ يرى الأشياء صغيرة أمام عينيه.. فكيفَ إذا سما بروحه؟.. وكيف إذا سما بقلبه؟..

 

56. يبدو كلما تتقدم الأيام، تزداد خدمة الإنترنت.. ولعل ضعف شبكة الإنترنت؛ رحمة للبعض، حتى لا يتشاغل كثيراً.. ولكن هذا الغزو الثقافي وصلنا، ويوم عن يوم تزداد شبكات الإنترنت سرعة ودقة وإغراءً.. فليس الحل هو بالمقاطعة، وإنما الحل هو بضبط هذه الأمور، وبمراقبة الأجهزة، ووضعها في مكان عام؛ وتوجيه الأحداث: بتجنب مشاهدة، أو تصفح البرامج والصور المخلة بالآداب.

 

57. إن النظر عندما يكون على مصراعيه، وينظر الإنسان إلى كل ما هبّ ودبّ؛ فإنه من الطبيعي أن تزدحم نفسه بهذه الصور.. فإذا أراد أن يجلب التركيز في صلاة، أو في قراءة، أو في مطالعة؛ فإنه يفتقد ذلك.. لأن هذه الصور المتزاحمة، تتوارد على خاطره.. وبالتالي، فإنه يفتقد ذلك التركيز الذي يراد في حركة حياته.

 

58. طوبى لمن كان في عملهِ، فتذكر عظمة الله -عزَ وجل- فجرت دموعه خشيةً منه!.. هذه الدموع لها هيبة الأنبياء وغيرهم، (ذكر الله خاليا، ففاضت عينا).

 

59. إن هناك حالة من حالات الارتباط بين كف النظر وبين العفة الباطنية، وبين النظر إلى ملكوت السموات والأرض، والارتباط بالنور الإلهي المنتشر في هذا الوجود.. والذي لا يتحكم في بصره وفي جوارحه: قولاً، وسمعاً، ونظراً؛ فهذا الإنسان محجوب عن النظر إلى ملكوت السموات والأرض.

 

60. إن ترويض النفس على التلذذ بالألم، إذا كان شرعياً، ولأهداف سامية؛ لا ضير فيه.. ولا يجوز الاتباع الأعمى، فيما يقوم به الهندوس أو البوذيين من تحمل للألم؛ لأجل الوصول لأهداف باطلة غير عقلائية.. فالرياضة الشرعية هي ترويض النفس على تحمل ما جاءت به الشريعة من الأوامر والمنهيات: مثل قيام الليل، وصيام شهر رمضان، وتحمل مشقة السفر إلى حج بيت الله الحرام.. كل هذه رياضات معقولة، وهادفة، ومتزنة، تتحملها النفس بكل يسر وسهولة.. قال علي (ع): (إنما هي نفسي أروضها للتقوى؛ لتأتي آمنة يوم القيامة).

 

61. إن هذه العين التي من الممكن أن تكون رافداً للمحرمات من الأمور، لماذا لا نجعلها من كاميرات الاعتبار؟.. قال تعالى: {فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}..

 

62. إن الله -عز وجل- هو الذي جعل المودة والرحمة، أما الذي يوجب تشتت العائلة، وهدم العش السعيد؛ فهو العبد.. وذلك بسبب سوء أعماله؛ مما يوجب سلب هذه المودة والرحمة.. فرب العالمين هو الذي جعل هذه المودة، وبإمكانه أن يسلبها من الإنسان، عندما يكفر بهذه النعمة..

 

63. إذا أردنا أن نحقق الهدف من الوجود بكل أنحائه ونشاطاته، ومنه: طلب العلم، والعبادة، وغيره؛ لابد أن نلتفت إلى هذه الحقيقة: أن {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}.. وعليه، فإن كل حركة وسكنة في حياتنا اليوم، إذا لم نربطها بالحي الذي لا يموت، بالحي القيوم؛ فنحن مغبونون أيما غبن!.. لو أن الإنسان أمكنه أن يتنفس النفس متقرباً إلى الله عز وجل؛ فليفعل!..

 

64. ما المانع أن يفتح الإنسان المصحف، ولو كان على شاطئ البحر وفي مكان مريح، وهو في غاية النشاط.. ولكن نحن -مع الأسف- نعطي للدنيا أفضل الأوقات، وإذا جاء وقت الرب؛ نعطيه ساعة النعاس، وساعة الكسل؛ فنقوم لصلاة الليل بتثاقل..

 

65. إن العرب الجاهليين وأدوا بناتهم، ونحن وأدنا أنفسنا -دفناها-.. قالوا في تفسير هذه الآية: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}؛ أي أخفاها بالجهالة والفسوق والمعصية.. ودفن النفس وهي حية تعبير أبلغ من الإماتة، وأبلغ من القتل!..

 

66. إن العلوم على تنوعها وبكل تخصصاتها، تعمل على البحث عن مواد الطبيعة وظواهرها.. والأرقى من ذلك هو البحث عن واهب الوجود: صفاته وجلاله، وكماله وقدرته، وتجلياته في نفوس عباده، وما يريده منا في شتى شؤون الحياة.. إن هذا العلم لا شك أنه أقدس من العلم الأول؛ لذا لا بد لنا أن نختار من العلم الديني، ما يكون عوناً لنا للوصول إلى هذه المرحلة.

 

67. إن الذي لم ير شيئاً من الجمال الإلهي المتجلي في وقفة من وقفاته في الليل، أو في النهار، أو في سفرة مباركة إلى بيت الله الحرام، أو في مشاهد الأئمة (ع).. عليه أن يطلب من الله -عز وجل- أن يفتح له الستار المسدل على هذه المناظر الجميلة، ليتعلق فؤاده بذلك.. فإذا تعلق؛ سعى في أن يصل إلى جوهر ذلك الجمال، وإلى واهب ذلك الجمال.

 

68. {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}.. رب العالمين يقول: قل كذا، ولكن عندما يصل إلى نفسه تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، فيلغي كلمة (قل) فيقول: {إِنِّي قَرِيبٌ}؛ حتى الواسطة في هذا المجال ملغية هنا..

 

69. إن الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}!.. كلمة (اخسأ) تقال للحيوان نجس العين، لا تقال لبني آدم!.. في عرصات القيامة العبد يريد أن يتكلم مع ربه مع حبيبه، ولكن الله -عز وجل- يقول: انتهت العلاقة!.. اليوم دار جزاء ولا عمل، وفي دار الدنيا كان العمل ولا جزاء!..

 

70. لماذا لا نتأمل الجهد الذي يبذله غواصو البحار، للوصول إلى الأعماق المرجانية في المحيطات مثلاً؟.. هم يغوصون عشرات الأمتار، ويعرضون حياتهم للخطر، ليكتشفوا سمكة صغيرة.. ونحن هذه النفوس التي بين أيدينا، هذه النفوس التي بها نكتسب الخلود أبد الآبدين، هل حاولنا أن نغوص في بحار أنفسنا، لاكتشاف النقاط المظلمة والمضيئة فيها؟.. أليس من الواجب أن نفكر في هذا السبيل الذي يستلزم الكدح ويستلزم الفرار؟..

 

71. هل نحن نعيش في حياتنا حالة الخوف من شيء؟.. أم أننا نائمون لا نكاد نجد عدواً في هذه الحياة؟.. أليس القرآن الكريم يأمرنا أن نتخذ من الشيطان عدواً: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}؟.. هل عشنا حقيقة هذه العداوة؟.. هل عشنا حقيقة هذه المعركة غير المتناسبة؟..

 

72. إن الذي يريد أن يصل إلى مرحلة اللقاء الإلهي، لا بد من أن يحدد المنهجية في الهدف، وتحديد السبيل الموصل.. وخاصة إذا رأى الإنسان في وجوده بعض بوادر الفساد.. فإن القضية تحتاج إلى منهجية، وإلى دراسة، وإلى تأمل.. ومن أفضل الدروس في هذا المجال: التأمل الفردي أو ما يعرف بالسير الأنفسي، إذ على المؤمن أن يغتنم الفرص ليخوض في أعماق وجوده، ليرى مكامن الشيطان وفخاخه في أعماق وفي سويداء القلب..

 

73. إن الذي يعيش حالة من المراقبة الإلهية الشاملة لسلوكه، هذا الإنسان سوف لا يفكر في الحرام فضلاً عن ارتكاب الحرام، وهذا ما يسمى بالعصمة النازلة.. فالعدالة تتحقق بترك الحرام والمعصية وعدم الهم بالحرام، والمعصوم بلغ الذروة في هذا المجال.. وكذلك الإنسان المؤمن، بإمكانه أيضاً أن يصل إلى درجة من التكامل الباطني، بحيث أنه لا يفكر في الحرام فضلاً عن التخطيط والبرمجة لدخول ذلك العالم.

 

74. إن الذين يرون في أنفسهم تميزاً علمياً وعملياً، وميلاً إلى العبادة وإلى المجاهدة، ويلتزمون بنوافل الليل، ويستشعرون حلاوة الحب الإلهي، ويتذوقون المناجاة مع رب العالمين؛ هؤلاء ليكونوا على حذر تام؛ لأن الشيطان لهم بالمرصاد..

 

75. إن من موجبات الحسرة يوم القيامة ساعات النوم، والمعصية هي أيضا من موجبات الحسرة.. ولكن أوقات المعاصي محددة، أما النوم فهو السلطان الأكبر.. النوم يأخذ ثلث الحياة، وخاصة في سنوات الشباب.. وفي يوم القيامة، يرى الإنسان أن ثلث عمره ذهب هباء منثورا، وهذا الأمر يوجب الحسرة.

 

76. لماذا لا نختم عملنا اليومي بذكر الله عز وجل؟.. ذلك الذكر الذي وصل إلينا من خلال مولاتنا فاطمة الزهراء (ع)، عند الصلاة وقبل النوم، لماذا لا نحول ثلث العمر إلى بركة؟..

 

77. المطلوب هو الذكر الخفيف في زحمة الحياة، ليكون المؤمن على اتصال لا ينقطع.. فالشيطان في قلوبنا كالماء النجس، هذا الماء إذا كان متصلا بماء طهور كان طاهرا، وإذا انقطع عنه أصبح نجسا.. إذا كان القرآن متصلا بالرب، هذا الشيطان النجس يزال.. فالذي ينقطع عن ذكر الله -عز وجل- يصاب  بهذه البلية.

 

78. إن الليل النموذجي، هو ذلك الليل الذي لا ينقطع فيه المؤمن عن ذكر الله..

 

79. إن العرفان والسير والسلوك، كل ذلك يتلخص في هذه النقطة: أن نعيش حالة العداوة.. من الضروري للإنسان أن يعيش هذا الهاجس.. والشيطان له سفيره في الباطن، والسفير هو الهوى والشهوات.. فإذن، إن لهذا العدو الذي يريد أن ينتقم منا، موطئ قدم في أنفسنا.. فهلا تنبهنا لذلك؟..

 

80. إن الإنسان في الليل بإمكانه أن يذهب إلى العرش، ودعاء الجوشن من أفضل صور المناجاة.. فيا حبذا لو يلتزم الإنسان بهذا الدعاء، ولو بفقرات منه: (يا من لا يضيع أجر المحسنين!.. يا من لا يبعد عن قلوب العارفين!.. يا أجود الأجودين)!.. رب العالمين له صوت يسمعه قلب المؤمن.

 

81. إن الليل فرصة جيدة للعمل.. البعض -مع الأسف- يتخذ جوف الليل محطة بلون واحد، بينما الليل هو عبارة عن مائدة إلهية متنوعة، يأخذ منها الإنسان ما يشاء على مزاجه، لا يجبر نفسه على شيء معين.. فبضاعة رب العالمين ثمينة.

 

82. يقول الإمام علي (ع) في وصف المتقين: (ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم)!.. إنه تعبير جميل جداً!.. فكما أن هنالك مسجدا يوقف على المصلين، وغير المسلم لا يدخل في ذلك المسجد، فإن النفس كذلك هي بمثابة المسجد أيضاً، لابد أن نراعي أو نجعل بوابات محكمة على باب النفس؛ لئلا يدخل في الأرضية العلمية والفكرية ما لا يرضي، وقد يضر العبد في مقام التعامل مع المفردات الحياتية.

 

83. إن الذي يريد أن يتلقى العلم الإلهي، لابد وأن يهيئ الأرضية، فرب العالمين يهدي من يشاء.. ولكن هذه المشيئة مشيئة حكيمة، فإذا رأى في العبد قابلية وصلاحاً؛ يؤهله لأن يتلقى الفيض الإلهي.. فالذي يريد أن يتلقى هذا الفيض الإلهي، لابد وأن يحقق في نفسه القابلية.. ومن موجبات تحقق القابلية والمسانخة: الإكثار من الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى..

 

84. إن الذين يريدون أن يصلوا إلى مقام تلقي الحكمة؛ لابد لهم من أن يراقبوا هذا اللسان، الذي كلما أطلقته في الباطل وفيما لا يعني؛ فمن الطبيعي أن تنضب موارد الحكمة في القلب..

 

85. لو حاول الإنسان أن يفرغ ذهنه من كل خاطرة لمدة خمس دقائق؛ فإنه لا يمكنه ذلك.. فالذهن لا يمكن أن يكون فارغاً من فكرة أو من خاطرة أو من رؤية.. والقلب أيضاً لا يمكن أن يكون فارغاً.. بل لابد أن يحب شيئاً.. فهذا القلب إذا لم تربطه بالمبدأ الأعلى، من الطبيعي أن يرتبط بما دون ذلك، وإن كان تافهاً..

 

86. إن رب العالمين جواهره مخفية، تحتاج إلى إصرار، ومتابعة لسنوات حتى تتفتح الأبواب.. ولا تيأسوا من وعورة الطريق، فهنالك جوائز مؤجلة!..

 

87. إن من روافد الموانع بالنسبة إلى الحركة التكاملية: مسألة الخلاف الزوجي، والخلاف العائلي، والخلاف الاجتماعي.. إذ نلاحظ أن المؤمن إذا ابتلى بإحدى هذه الصور من الخلاف؛ فإن كثيرا من جهوده في هذا المجال تصادر.. ومن هنا عليه أن ينزع فتيل الانفجار، أو يحاول أن يقضي على كل بؤرة من بؤر الفساد المتوقعة في حياته بشكل عام.

 

88. إن المراد بحسن الخلق هو الحالة الجامعة، بمعنى أن يكون الإنسان مستقيماً في كل حركاته الباطنية.. حيث أن للإنسان حركات في الظاهر، وحركات في الباطن: ميلاً، وحباً وبغضاً، وانجذاباً وابتعاداً؛ فكل هذه الحركات الباطنية؛ لابد وأن تكون منسجمة مع رضا الخالق.

 

89. إن المعصية بعد المعصية؛ هي علامة الخذلان.. إنسان يعصي في هذه الساعة، وبعد ساعة يكرر المعصية؛ كأنما يراد له أن يبقى في غيه.. لأن مرتكب الذنب بعد الذنب، إنسان مخذول وغير موفق.

 

90. إن رب العزة والجلال بناؤه على أن لا يتدخل في شؤون الخلق بالعنوان الأولي، وإلا إذا تدخل سلباً أو إيجاباً، فمن الممكن أن العبد يوم القيامة يتذرع بذلك.. ولكن لا يمكن أن ننفي أثر المباركة، وهو أن الله -عز وجل- يسوق العبد ولو إلقاءً في الروع.. فيغير مجرى حياة العبد، من خلال هذه الإلهامات اللامتوقعة، وهذه التوجيهات التي لم تكن في الحسبان.

 

91. إذا أردت أن تزهد طفلة في دميتها التي تتعلق بها كثيرا فالحل الطبيعي: أن تصبر على هذه البنت إلى أن تصبح بالغة رشيدة، وإذا بها هي بنفسها ترمي هذه الدمى خارجاً.. نحن بمثابة هذه الطفلة، والدنيا بالنسبة لنا بمثابة الدمية.. فلابد لنا من البلوغ، فإذا بلغ أحدنا بلوغاً: نفسياً، وعقلياً، وفطرياً، وشرعياً؛ عندئذ يرى الدنيا أصغر بكثير مما يظنه الناس، ويصبح هو يحتقر الدنيا..

 

92. إن على الإنسان أن يسأل رب العالمين دائماً، أن لا يرفع نظرته المباركة عن عشه الزوجي طرفة عين أبداً، إذ لو أوكل الأمر إليهم، لانقلبت الأمور رأساً على عقب..

 

93. البعض -مع الأسف- يلاحظ عنده حالة الاثنينية في التعامل!.. ففي داخل المنزل تراه لا يُكلم، وأما في الخارج فإنه يحاول أن يطبق ما ورد في الروايات عن حقوق المؤمنين، والحث على حسن التعامل، وإدخال السرور على قلب المؤمن!.. وكأن الإنسان لا شعورياً يعتقد بأن روايات إدخال السرور على قلب المؤمن، لا تنظر إلى الزوجة!..

 

94. إن الطاعة بعد المعصية؛ هي علامة التوبة.. شخص ارتكب حراما، وبعده مباشرة سيق إلى طريق من طرق الخير؛ فهذه علامة الإنابة.. مثلا: إنسان عصى ربه فاغتاب، ثم وفق لصدقة معتبرة؛ هذه علامة التوبة، وقبول التوبة.. مادام الإنسان قد وفق للطاعة؛ أي لولا قبول رب العالمين والرضا، لما وفق لمثل تلك الطاعة.

 

95. إن المؤمن في مسألة إختيار الزوجة ينبغي له الإكثار من الدعاء، في أن يختار رب العالمين هو بحكمته وبعنايته من يكون لصيقاً بالإنسان.. فالحياة الزوجية نوع من أنواع الالتصاق، خيراً كان أو شراً.. إن الحياة الزوجية من الصداقات الإجبارية فأوله اختيار، ولكن إدامته إجبار.. كم من الصعب أن يتصور الإنسان بأنه سيعيش مع صديق رغم أنفه!..

 

96. إننا نلاحظ -بعض الأوقات- أن المؤمنة ترفض الكفء المؤمن من ناحية قلة ذات اليد.. فالمؤمنة التي تفوت على نفسها فرصة الاقتران برجل مؤمن، اعتماداً على هذا المانع؛ فإن الله -عز وجل- من الممكن أن يبتليها ببعض أنواع البلاء؛ لأن رفض الكفء المؤمن فيه نوع من عدم الاكتراث بالصفة الإيمانية.. وهذا الأمر مما قد يؤدي إلى بعض العقوبات الإلهية في هذا المجال.

 

97. إن مشكلتنا تكمن في أن البعض منا يعيش الغفلة المطبقة، والبعض يعيش الغفلة المتقطعة.. وهذا أفضل من الأول؛ فهو ميت دماغيا.. البعض هكذا يصلي وينتعش، ولكن وبمجرد أن ينتهي من الصلاة يعود إلى إغماءته..

 

98. إن الإنسان السالك إلى الله عز وجل، يمكنه أن يتقرب إلى الله تعالى من خلال زوجته.. ولكن بشرط أن ينظر إلى الزوجة بوصفها الإيماني، لا بوصفها أنها بنت فلان.. وهنا الفارق بين المؤمن وغير المؤمن!.. فالمؤمن ينظر بالدنيا للآخرة، وأما غير المؤمن فينظر إلى الدنيا.. المؤمن يتزود منها، والكافر أو المنافق يتمتع بها.

 

99. إن الانتكاسات الإيمانية، تنتج بعد كفران النعمة كفراناً بليغاً.. فإذا كانت النعمة الإلهية كبيرة، وكان الكفران أيضاً كبيراً، ووقع الكفران بعد النعمة؛ فإنه ينكسر الإنسان أيما انكسار!..

 

100. إن هذه العناوين العريضة: كيف أحب الله؟.. وكيف أخرج حب الدنيا من قلبي؟.. لا يمكن أن يجاب عليها بكلمة واحدة، إذ أن هنالك خطوات كثيرة.. إن الإنسان الذي لم يعظم الله -تعالى- في نفسه، من الطبيعي أن الدنيا تكبر في عينه.. فإذا كبرت الدنيا في عينه، كيف يُخرجها من قلبه؟!.. بينما إذا ازداد حباً لله عز وجل، وتعلق بالله سبحانه وتعالى، وعظم الخالق في نفسه؛ فإن الدنيا تصغر في عينه.. فإذا صغرت الدنيا؛ لا يتعلق بذلك..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج