100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن ليلة القدر ليلة مصيرية، فرب العالمين في هذه الليلة يكتب مقدرات الفرد، ومقدرات أمة الإسلام، ويكتب مستقبل المسلمين في هذه السنة.... لذا قبل أن يجف المداد، وقبل أن يطلع الفجر، وقبل أن تصعد الملائكة إلى الله -عز وجل- بمقدرات المسلمين؛ فليسأل المؤمن الله -عز وجل- أن يغير من مقدراته.. نعم، في اللحظات الأخيرة، من الممكن أن يصرف رب العالمين البلاء عن هذه الأمة بدعوات المؤمنين.

 

2. يجب على المؤمن أن يدعو لإمامه (عج) بلهفة وبتضرع.. كل من له حاجة، حاجته ما قيمتها في مقابل حوائج الإمام (عج)؟!.. فالإنسان همه نفسه، ولكن الإمام همه الأمة.. الإنسان همه دَينه ومريضه، والإمام همه محبوه في شرق الأرض وغربها.. الإمام يسمع استغاثة البعض يقول: يا مهدي أدركنا!.. وهو لا يمكنه أن يفعل شيئاً.

 

3. لنحذر الانتقام الإلهي في حق من تمت عليهم الحجة.. فالنعم لها ضريبة، ولها حجة على العباد.. والذي يعرف أكثر؛ الحجة قد تمت عليه بدرجة أعظم!..

 

4. إن على الإنسان أن لا يقول: سأستقيم سنة كاملة، لأن الشيطان سيأتيه ويقول له: أنت لا تصبر عن الحرام.. وبالتالي، فإنك لن تستطيع على استقامة سنة.. ولكن ليقل: يا نفسي، بعد شهر رمضان، أستقيم في شهر شوال فقط -اخدع الشيطان- وفي ذي القعدة سوف أرجع للحرام -مثلا- على فرض المحال.. فإذن، على المؤمن أن يقاوم المنكر أربعين يوما، أو شهرا كاملا، حتى لو أسابيع؛ ليرى بعد ذلك نفسه في عالم آخر، وفي درجات عالية.

 

5. إن أصحاب الحسين (ع) متعددون في كل عصر وفي كل طبقة، فإن كانت الطبقة الأولى في يوم عاشوراء، ففي كل عصر وفي كل قرن هنالك أصحاب للحسين (ع).. لماذا لا نلتحق بهذه الجامعة؟.. لماذا لا نلتحق بهذا الركب الحسيني؟.. وهذه المسيرة بدأت وتستمر ولن تتوقف، إلا عندما تعطي هذه الثورة ثمارها الكاملة، وهذه الثمار لا تؤتى إلا مع ظهور ولده المهدي (عج). 

 

6. لنحاول أن نحول أيام العزاء إلى أيام للتزكية.. من المعلوم أن شهر رمضان هو شهر التزكية، ببركة الصيام والمناجاة.. وكذلك هذه الأيام، فهي أيام التزكية بدفع حسيني.. فمن المناسب استثمار هذه الحالة العاطفية التي نعيشها، فإنها نعم الزاد للخروج في هذا الموسم بهذه النقلة الجوهرية!..

 

7. إن من موارد ظلامة الحسين (ع) -غير ذلك الظلم الذي وقع على بدنه الشريف، وعلى خيامه، وعلى عائلته- هو ظلمه من قبل شيعته ومحبيه، بعدم معرفتهم إياه حق المعرفة..

 

8. لا بأس أبداً بأن تقيّم الموقف، وأن تحلل الشخصية وآثار الشخصية.. أما أن تتعدى من الفعلِ إلى الذات، هنا النقطة الحمراء، هنا الخطورة!.. فهناك إنسان كثر في عرصات القيامة سيكونون مفلسين.. لماذا تورط نفسك بما لا جدوى منه؟..

 

9. إن العاطفة الجياشة إذا لم تصب في مرحلة تحويل الأفكار إلى حركة في الجوارح، فإن الشيطان يدخل، ويأتي ليحول البكاء على سيد الشهداء (ع) -هذا البكاء الذي هو في عداد البكاء من خشية الله –عز وجل- في رفع العبد إلى أعلى الدرجات، هذا البكاء الإلهي، هذا البكاء الرسالي- إلى أداة من أدوات التخدير.

 

10. إن لحظات البكاء في الخلوات بفعل الإنسان، وبتذكره لمصائب الحسين (ع)، لا تقاس ببكائه عند حضور المجالس؛ لأن الجو الجماعي قد يكون هو المؤثر، ولعل الأنفاس القدسية للآخرين هي المؤثرة.. ولكن الإنسان عندما يكون في جو خالٍ، فالأمر يعود إليه، لا للجو، ولا للمأتم، ولا للخطيب، ولا للأجواء المباركة.. بل هو من تفاعل بنفسه، هنيئاً لمن كان كذلك!..

 

11. إن على المؤمن في المواسم العبادية، أن يحاول اكتشاف كل ما هو جديد، وعليه أن يكون على أفضل حالة مرت عليه.. فإذا رأى أن حالته في هذا الموسم كحالته في الموسم السابق، -ولنفترض أن حالته في الموسم السابق، كانت حالة متميزة- فهو ليس برابح، لأن من تساوى يوماه فهو مغبون، وكذلك من تساوى موسماه.

 

12. الإنسان الذي ينظر إلى قلبهِ فلا يرى فيهِ شيئاً إلا الله، هنيئاً له!.. إن الله -تعالى- يقول: (أيّما عبد اطلعت على قلبه، فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري؛ توليت سياسته، وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه)؛ أي جزاء الذي يفرغ قلبه من كُل شاغل سواه، ربُ العالمين يُصبح مربياً له.. نحنُ أهملنا هذهِ المراتب، وحرمنا هذهِ المراتب لسوءِ اختيارنا.

 

13. إن البعض يهتم في بناء منزل -أي يصرف جهداً مضاعفاً- فبعض العلماء يقول: بأن هذا يصرف جهداً لبناء مربط لفرس روحه!.. حيث أن هنالك روحا راكبة على فرس وهو البدن، ولهذا فإن البدن هو مربط وإسطبل.. والبعض يهتم بإسطبل فرس روحه، ولا يهتم بروحه التي بين جنبيه!..

 

14. إن على المؤمن أن  يتذكر الموت لا بنحو التذكر الذهني، حيث أن هناك فرقا واضحا بين التذكر الذهني وبين المعايشة.. فهذا حاله أشبه ما يكون بالطالب قبل الامتحان بأسبوع إذ يهجر النوم، ويترك اللعب، والتلفاز، حتى أن البعض ينسى طعامه؛ لأنه أقدم على مرحلة المعايشة.. وكذلك الإنسان الذي يتذكر الموت بشكل تلقائي، سوف تتغير معالم الحياة عنده.

 

15. إن الإنسان كلما زاد ذكرا للموت، كلما اتزن في مشيته؛ فالقضية ليست قضية رعب وخوف، وتذكر أمور سوداوية.. بل العكس، فإن الإنسان الذي يتذكر الموت، يزداد صلابة في الحياة..

 

16. إن البنية العلمية ضرورية في مجال القرب إلى الله عزّ وجلّ، نحن مشكلتنا عندما نذكر السير والسلوك والأخلاق والعرفان؛ يتبادر إلى الذهن الأمور الروحية فحسب، والحالات الشعورية، والعواطف!.. والحال بأن هذه حركة من الحركات، وكل حركة تحتاج إلى بصيرة.. فالسفر يحتاج إلى علم بالمبدأ وبالمنتهى، وبالطريق.. فإذا كانت هذه الأمور تحتاج إلى معرفة، فكيف بحركة النفس إلى الله عزّ وجلّ؟!..

 

17. إن الإنسان بعض الأوقات لا يكفر بالقول، وإنما يكفر بالعمل: كأن يتمنى غير ما وقع عليه، فكأنه يقول: يا رب أنت لم تكن موفقاً في قضائك وقدرك، ولم تكن حكيماً عندما سلبتني قرة عيني؟!..

 

18. إن على المؤمن أن يكون طموحا، وخاصة عندما يذهب إلى بيت الله الحرام: في عمرة، أو في حج.. فهو في ضيافة الله، وفي بيت الله، وأمام الباب، والحطيم والملتزم والمستجار، فليسل الله -عز وجل- حاجة كبرى، ولا يقتصر على الأمور الدنيوية البسيطة، كالمال والزوجة والأولاد.

 

19. إن الإنسان الذي له سلسلة من الحوائج، ويراها غير مقضية، عليه أن لا ييأس.. فهنالك بعض صور العطاء الإلهي في عرصات القيامة، مما يجعل الإنسان يعيش الأمل الآن.. وليس معنى ذلك أن يركن المؤمن إلى شيء من هذا القبيل، ولكن إذا حرصنا على الاستقامة وزلت بنا الأقدام، فرب العالمين سيعوضنا ويتدارك الموقف.

 

20. إن رب العالمين من الممكن أن يعجل فرجَ وليهِ مئة سنة، أو خمسين، أو عشر سنوات، أو سنة واحدة؛ ببركات دعوة مؤمن أو مؤمنة؛ يدعو بها من كُل وجوده.. فيأتي النداء الإلهي لوليهِ المهدي: يا أبا صالح المهدي، قدمنا من فرجك سنةً كاملة لدعوة فلان المتشبث بأستار الكعبة.. يا تُرى إمامنا بم يدعو لهُ، هذا الذي صار سبباً لفرجهِ سنة، أو سنتين، أو عشرة، أو عشرين؟.. وما ذلكَ على الله بعزيز، خزائنهُ بينَ الكافِ والنون!..

 

21. إن هنالك عتابا على المؤمنين في زمان الغيبة قائم منذُ أن غاب -صلوات الله وسلامهُ عليه- إلى يومنا هذا؛ ألا وهو أن تعاملنا مع هذا الإمام ليس على المستوى المطلوب.. فنلاحظ بأن هنالك جفوة من المؤمنين تجاهه، فالبعض في زمان الغيبة علاقتهُ بإمام زمانهِ كعلاقتهِ مع الإمام الهادي والإمام العسكري -عليهما السلام-.. صحيح هما أبوان له، ولكنّ هناك فرقاً بين إمامٍ قائمٍ يدعو الناس إلى طاعة الله -عز وجل- وبين إمام توفاهُ الله شهيداً!..

 

22. إن من ثمرات ذكر الموت، أن يخطط الإنسان ويبرمج لنفسه في هذه الدنيا قبل الانتقال إلى تلك النشأة. 

 

23. إن الإنسان يعيش في هذه الدنيا حياة جميلة، ولكن القرآن الكريم يقول: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}؛ أي هذه الحياة هي عبارة عن لهو ولعب، والحياة الحقيقية في الآخرة.. ولكن نحن لا نفهم هذه المعادلة.. المشكلة هي أن عقولنا قاصرة عن فهم هذه المعاني.. أو رأيتم تعبيرا أشد من هذا التعبير؛ تحقيراً لما نحن منشغلون به؟!..

 

24. إن هنالك لوحات فنية مقطعة، تعطى للطفل، وأمامه صورة كاملة، ويطلب منه أن يركب هذه القطع حتى يحصل على الصورة كاملة.. فالفرائض، وترك المحرمات، حتى بعض المستحبات؛ هذه كلها تجتمع لتشكل هذه الصورة الكاملة.. أما الذي يعمل ببعض الواجبات، فهذا الإنسان غير مستعد، وصورته هزيلة، وناقصة.

 

25. إن الإنسان الذي تفوته صلاة الفجر لأيام، هذا إنسان في دينه ثلمة.. ومن الممكن أن يكون مصداقاً لحديث الإمام زين العابدين (ع): (اللهم!.. إني كلما قلت قد تهيأت وتعبأت، وقمت للصلاة بين يديك وناجيتك.. ألقيت علي نعاساً إذا أنا صليت).. نعم، إن النعاس من الممكن أن يكون علامة من علامات الطرد من رحمة الله عز وجل.

 

26. إذا بقي في حياة الإنسان حرام ولو صغير، فإن هذا الحرام سيؤخره عن قافلة التكامل.. فمثلا: بعض الأشخاص كل أموره جيدة، ولكن يغلب عليه المزاح، إن هذا السلوك يؤخره عن مسيرة التكامل.. إنه تصرف بسيط، ولكن من الممكن أن يكون من العقبات في درجات الآخرة.

 

27. إن كل حديث عن أئمة أهل البيت -عليهم السلام- لابد أن يترجم في ساحة الحياة.. إنهم ليسوا لوحات نعلقها على الجدران!..

 

28. إذا أراد الإنسان أن يستعد للآخرة، فعليه بهذا المثلث المبارك: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، واشتمال المآثر والمكارم..

 

29. منذ أن غاب -صلوات الله وسلامهُ عليه- أصبحت الحجة أكمل علينا؛ قياساً إلى من كان في زمان إمامنا الصادق (عليه السلام).. لأن من كان في زمان الإمام الصادق -عليه السلام- بلغتهُ حجج ستة من أئمة أهل البيت (ع)؛ أما نحنُ في زمان الغيبة، فقد بلغتنا الأقوال من اثني عشر إماما..

 

30. إن الذي يخاف من الجن، أو العين، أو السحر؛ فإن الشريعة جعلت معوذات في القرآن الكريم من أجل أن تقيه  مما يخاف منه.. ولكن يجب أن يكون التعوذ بتوجه، كأن يقوم الإنسان في جوف الليل، ويغتسل ويصلي ركعتين لله عز وجل، ثم يستعذ بالله.. أما عندما يأخذ الإنسان السبحة، ويسبح ألف مرة من دون توجه، فإنه من الطبيعي أن لا يحصل على أثر؛ لأنه لم يذكر ولم يستعذ بالله..

 

31. في زمان هذهِ الثورة المعلوماتية، الذي يدعي أنهُ قاصر، ولا يمكنهُ الوصول لأبواب المعرفة؛ فهذا حجتهُ داحضة.. الحمد لله هذهِ الأيام الفضائيات، والمواقع، والكتب، وأدوات المعرفة الحديثة؛ كلها حجة علينا.

 

32. إن الحسين (ع) في يوم عاشوراء كان على بدنه أثران: أثر يبكي، وأثر يفرح.. الأثر الذي يبكي آثار السنان والرماح، والأثر الثاني آثار الجراب على بدنه الطاهر، حيث كان يتفقد الفقراء في المدينة.. هذا سلوك أهل البيت (ع): الجمع بين الانشغال بالله عز وجل، في سفرة، أو في تألق روحي.. وفي التنزل إلى مستوى عامة الناس، قضاءً لحاجة، وأمراً بمعروف، ونهياً عن منكر.

 

33. إن الموت بالنسبة لنا يعتبر صورة من صور الفناء، والحال بأن الموت بداية الحياة الباقية والحياة الأبدية.. فالموت حقيقة راهنة في حياتنا، نفر منه، وهو يلاقينا شئنا أم أبينا.

 

34. إن الذي يعصي الله -عز وجل- وهو مؤمن، هذا الإنسان يقول بلسان الحال: يا رب هذه عيني لي، وأنا الذي أتحكم بعيني.. أوجهها هنا وهناك على حسب مزاجي.. والحال بأن العبد العاقل يقول: هذه كاميرا إلهية راقيه جداً، وستبقى معي سبعين أو ثمانين سنة، لذا لابد أن أعمل وفق الضوابط.. ولا منة على الله -عز وجل- عندما أغض بصري عن الحرام، لأنها هي ملك لله تعالى..

 

35. هنيئاً لمن قال في جوف الليل، أو في موقف من مواقف الخلوة، أو في أرض عرفة، أو تحت قبة الحسين (ع):  يا رب!.. كما حسّنت جسمي في عالم التكوين، حسّن روحي في عالم التشريع.. وليس هذا بدعاء، ولكن كما يقول الإنسان عندما ينظر إلى المرآة: اللهم!.. حسن خُلقي كما حسنت خَلقي..

 

36. إن البعض عندما يمر بثواب الأعمال، ويقرأ بأن هناك أجراً عظيماً لمن قام بهذا العمل البسيط، فإنه يستغرب!.. فالمسألة ليست مسألة قراءة الدعاء، والثواب ليس لمن قرأ، بل لمن دعا!.. والدعاء يكون بتذلل، وفيه معرفة للمخاطَب.. والذي يشك في الثواب هذا متهم بأحد أمرين: بالشك في قدرة الله عز وجل، أو الشك في كرم الله.. إن الله كريم، وقادر.. إذن، لمَ الشك في هذه الأجور الكبيرة؟!..

 

37. إن صاحب المعصية، في كنف الله عز وجل، إن أبدوا حركة إيجابية (وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي).. فرب العالمين يبحث عن العاصين.. إذ أن أنين المذنبين أحب إلى الله -عز وجل- من تسبيح المسبحين.

 

38. إن الله -عز وجل- يداوي عباده بالمحن والمصائب، ليطهرهم من الذنوب والمعاصي.. فالذي تاب إلى الله -عز وجل- ثم بدرت منه هفوة؛ فإن الله -عز وجل- يمحصه في الدنيا قبل الآخرة..

 

39. إن الله -عز وجل- أوحى لداود (ع): (يا داود!.. لو يعلم المدبرون عني شوقي لعودتهم، ورغبتي في توبتهم، لذابو شوقا إلي)!.. فرب العالمين يشتاق لتوبة عبده.. نعم، لأنه هو الذي خلقه، وهو الذي نفخ فيه روحاً من عنده.. فإذا كان الله -عز وجل- يشتاق إلى العاصين، وإلى توبتهم، فكيف بالمقبلين عليه!..

 

40. إن الإنسان الذي تشهد الشهادتين، وآمن بولاية أمير المؤمنين (ع)، يكون قد قطع نصف المسافة أو أكثر من النصف.. وما بقي إلا أن يلتزم ببعض الواجبات البسيطة، ويترك بعض المحرمات.

 

41. إن الكثيرين يشتكون من جفاف الدمع، والكثيرين يشتكون من عدم الخشوع في الصلاة: يأتي موسم محرم لا تذرف له دمعة على سيد الشهداء، ويذهب للحج عشرين شهرا لا يخشع في موقف من مواقف الحج.. هذا مرض وفقر ما دونهُ فقر!..

 

42. أو تعلم أن مثل الصلوات مثل المضاد الحيوي، الذي لا يأخذ المضاد في ساعاته من الممكن أن لا يؤثر أثرهُ..

 

43. إن معرفة الله ومعرفة أوليائه، من الممكن أن تتحصل عن طريق القراءة، والتدبر، وأخذ الدورات.. ولكن هنالك طريقا غير متعارف.. {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}؛ أي أنهم آمنوا بجهدهم، ولكن الله -عز وجل- زادهم هدى، وكشف لهم الطريق.. فأولياء الله -عز وجل- عندما تثبت أقدامهم على الطريق، يعرفون ما لا يعرفه حتى العلماء.

 

44. إن الذين يشعرون بالفقر العلمي والعملي والشعوري، أول خطوة لهم أن يحيوا هذا الوقت الميت.. الوقت الذي يمر على الإنسان بينَ الطلوعين لا يُقاس بهِ وقت من الأوقات، إنه وقت عجيب!.

 

45. إن هنالك محبة من العبد لربه، فإذا أحبه الله -عز وجل- جعل هذه الجذوة تشتعل.. وهنالك محبة بسيطة في نفس العبد، يوجدها في نفسه: تكلفاً أو تلقيناً.. ولكن إذا وجدت هذه الشعلة، فإن رب العالمين يصب الزيت على هذه الشعلة البسيطة، لتصبح شعلة تملأ وجود الإنسان.

 

46. فليكن منطقنا منطق لقمان، فنقول: يا رب إننا نريد الكفاف!.. ما لنا والمال الكثير!.. نتعب ونكد ونحرق زهرة شبابنا، لينتفع الورثة من بعدنا!.. ولكن إن كنت ترى أن عبوديتنا بالمال الكثير، أكرم به وأنعم!.. فأنا في خدمتك.. وعندها، فإنك ستعينني وتعصمني.. فمنّ علينا بما شئت!..

 

47. إن الإنسان المؤمن في هذه الحياة الدنيا يعيش براحة تامة، ويفوض أمره إلى الله -سبحانه وتعالى- في كل شيء.. فلقمان أعطي هذه الحكمة؛ لتفكره، وحبه لله عز وجل.. وعليه، فإن عاقبتنا مرتبطة بهذا البعد الباطني.. فتصفية البواطن من الشوائب، سبيل لأن يفجر الله -عز وجل- فيها الحكمة تفجيراً.

 

48. إن ترك بعض المعاصي، أو كل المعاصي السمعية والنظرية والقولية، أمر سهل جداً.. فالذي يريد أن يصل إلى درجات القرب الإلهي، هل يثقل عليه أن لا يسمع الغناء مثلاً؟!.. فإذن، إن الخطوة الأولى أن لا يكون هنالك مزاحم.. والمعاصي مزاحمة.

 

49. ما على الإنسان إلا أن يخلص النية لله عز وجل، فيجعل عمله كله لله عز وجل.. وهذا لا يكلف إلا نية بسيطة، وهي أن يقول: يا رب!.. أنا من هذه الساعة إلى أن أموت، كل ما أقوم به من طاعة قربة إليك.. وإذا بلحظات العمل، وكأنه في المسجد.. والأخت المؤمنة أيضا كم تمضي من الوقت في المطبخ والغسيل وغيره!.. بإمكانها أن تحول حياتها إلى معبد، من خلال هذه النية.. فبهذه النية المجانية، نحول المستقبل الذي لا لون له، إلى لون إلهي!..

 

50. إن الزوجين المتجانسين في الرؤى والأفكار، يشكلان أفضل عش زوجي؛ لأنهم يتسابقان على التكامل، ويعين أحدهم الآخر في هذا المجال!..

 

51. إن يوم القيامة هو يوم المفاجآت الكبرى.. يأتي المؤمن يوم القيامة، ولعله عالم، ولعل في جبهته الثفنات، وكل التوقعات أنه يدخل الجنة بلا حساب.. فإذا به يقف على باب جهنم، ويقال له: هذا سهمك من زنا فلان، وهذا سهمك من عمل فلان.. فطوبى لمن رفع المفاجآت في الدنيا، قبل الورود إلى الآخرة!..

 

52. إن مشكلتنا أننا لا ندعو بالدعاء، وإنما نقرأ الدعاء.. وفرقٌ بين الدعاء وبين قراءة الدعاء، كالفرق بين الماء الذي يروي الغليل، وبين كلمة الماء التي لو تلفظت بها ملايين المرات لا تروي لك ظمأ، إنما قطرات من الماء هي التي تروي الغليل..

 

53. إن المؤمن وجود جامع، وخريطة متكاملة: له علاقة بالله، وله علاقة بالخلق، وله سفر من الخلق إلى الحق، ومن الحق إلى الخلق... فهو إنسان متنوع كما كان النبي وآل النبي.

 

54. إن الإنسان في عالم البرزخ والقيامة له مشاكل كثيرة: الخلوة، والوحشة، والمدّاقة في الحساب.. فمن الممكن في مسألة بسيطة، أن يوقفوا الإنسان عليها سنوات طويلة، وكل سؤال يبقى عليه عشرة أو عشرين سنة.. عندئذ ما الذي ستعيشه النفس من العذاب في عالم البرزخ، حتى لو خرج منها منتصراً!..

 

55. يجب على الإنسان عندما يذهب للمعصوم (ع)، أن يطلب منه إصلاح أمره، ويقلع قلبه عن حب الدنيا، ويفتح له الآفاق المبهمة.. وليطلب منه أن يطلب من ولده المهدي (ع) أن يكون كفيلاً له.. لأنه يتيم، فكلنا أيتام.. واليتيم ليس علاجه بالمساعدات المالية، وإنما يحتاج إلى رعاية، وإلى احتواء نفسي.. فإذا صار بناء الإمام (ع) أن يحتويه في زمان الغيبة، فإنه يفعل فيه الأعاجيب!..

 

56. إن من أشد أنواع العذاب في الحياة الدنيا، هي حالة بعض المؤمنين، الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مذبذبين بين ذلك.. إن البعض وصلوا والبعض سقطوا، ولكن المشكلة بمن خرج من الدنيا ولم يصل إلى النعيم المعنوي.. فهو ليس من أهل الدنيا في لذائذهم، ولا يشارك أهل النعيم المعنوي في سكراتهم في جوف الليل..

 

57. إن حضور المجالس الحسينية، والاستفادة من المذكرات المأخوذة من القرآن الكريم والسنة، له مزية وضريبة.. المزية: هي أن الإنسان يتعلم، ويزداد فهماً لمقاصد الشريعة.. ولكن في نفس الوقت هنالك ضريبة: وهي أن الإنسان عندما يتعرض لهذا الإشعاع النوري، وثم -لا قدر الله- يخالف.. فإن رب العالمين قد يتأخر في مسألة العفو عنه والمغفرة له..

 

58. إن وظيفة الوعظ والإرشاد، وإيصال النور والهدى إلى القلوب، ليست هذه وظيفة علماء الدين، وإنما كل فرد مسؤول عن رعيته.. وعلى الجميع أن يتقن المحاضرة، ويفهمها جيداً، ويتابعها في ذهنه، وعندما يرجع إلى المنزل، فإن هنالك من لم يوفق لعذر أو لغير عذر للحضور، فيحاول أن يروّج للهدى في أسرته.. وعندما يذهب للعمل يحاول أن يكون مصباح الهدى بمستواه..

 

59. إن المؤمن يبادر في رأس كل سنة خمسية إلى إبراء الذمة مما يسمى برد المظالم، ومجهول المالك.. ألم يقع الإنسان منذ أيامه الأولى إلى الآن، في إتلاف مال الغير، سهواً أو عمداً!..

 

60. إن من الأهوال في عرصات القيامة والبرزخ التبعات المالية.. ولذلك فإن المؤمن، يجب أن يكون منضبطا ودقيقا في أموره المالية.. ولكن لو تورط فهنالك طريقة للتعويض: إما بالدفع لمن يعلمه أو لورثته، أو إذا كان الشخص مجهولاً، يعطي ذلك للحاكم الشرعي، فيصل إلى الله عز وجل.

 

61. إن الذي ينظر إلى الخلق على أنهم عيال الله -عز وجل- يتسع صدرهُ لهؤلاء.. وهذهِ سمة النبي (ص) في تعاملهُ مع أعتى الكفار في زمانه، حيث كان يدعو لقومه، ويقول: (اللهم!.. إهد قومي؛ فإنهم لا يعلمون).. تحمل منهم ما تحمل؛ وهذهِ ثمرة الاعتقاد بأن الخلق عيال الله.

 

62. إن يوسف (ع) صار صديقاً، ليس لمجاهدته وهربه من زليخا.. وإنما السر هو في قوله: {... رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}.. ما قال: السجن أنفع لي..  بل قال: يا رب!.. إن خلوتي في ذلك السجن، أحب إليّ من خلوتي مع زليخا.. وهنيئاً لمن وصل إلى هذه المقولة!.. يرى أن ليلة خلوة مع رب العالمين، تسوى لذائذ الدنيا بقضها وقضيضها.

 

63. إن الله -عز وجل- إذا رأى فاضلية في عبده منذ نعومة أظفاره، يصب عليه من رعايته صباً صباً!.. فعلي (ع) له أخ باسم عقيل، وله أخ باسم جعفر.. لماذا رب العالمين رشح علياً، لأن يكون مع النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-؟..

 

64. إن الذين يعيشون في بلاد الغرب، ينتظرون نهاية الأسبوع، فيذهبون للجبال، وشواطئ الأنهار، والبحار؛ للراحة والاستجمام، ثم يرجعون إلى عملهم مرة أخرى.. فلماذا لا نحاول نحن أيضاً أن نجعل لأنفسنا ختام أسبوع، نتفرغ فيه من الانشغال بمتاع الدنيا؟..

 

65. إن السكرة في ساعة الاحتضار، مرتبطة بالسكرة في الحياة الدنيا في تعاملنا اليومي.. فالإنسان عندما يسكر بالمال، أو بالجاه، أو بالرئاسة، أو بما فيه من مرحلة الشباب.. فإن كل هذا السكر يجتمع في ساعة الاحتضار {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} فما يفر منه الإنسان، فإنه ملاقيه لا محال..

 

66. لا بد أن ننتبه أن التوغل في التلذذ، أيضاً له صفعات في الدنيا، وإن كان الأمر حلالاً..

 

67. إن لكل إنسان محور اهتمام في هذه الحياة، وهذا المحور يتجلى للإنسان عند الموت.. فسكر الرئاسة، وسكر الشباب، وسكر الالتفات إلى غير الله -عز وجل- يأتي في تلك الساعة.. هنا الندامة والحسرة، التي تجعل الإنسان في ساعة الاحتضار، يموت مرات ومرات.

 

68. إن المؤمن كريم على الله عز وجل.. فليدعوه أن يأخذ أمانته وهو في عنفوان شبابه، وعلى كرامته، قبل أن يذل ويهان.. ولعل -والله العالم- من يبتلى بهذه العاقبة، كان قد قصر في حق أبيه، الذي مات قبل عشرات السنين، فأراد الله -عز وجل- أن يذيقه شيئاً من الذل في الدنيا قبل الآخرة.. وهذا من موجبات الأسف والندامة في ساعة الاحتضار.

 

69. إن الإنسان الذي يصفي حسابه أولاً بأول، هذا الإنسان لا يحتاج إلى سكرات الموت.. فرب العالمين في غنى عن تعذيب عبده المؤمن.. ولهذا فإن الطريق إلى تصفية كل هذه الأهوال: السكرات، والضغط، والمحاسبة، وعذاب القبر.. حتى المساءلة في عرصات القيامة، هو: المحاسبة، والمراقبة.

 

70. إن على المؤمن أن يدعو الله -عز وجل- في جوف الليل -مقدمةً لذلك اليوم احتياطاً- بالدعاء الذي علمه الرسول (ص) لهذا الفتى أثناء الاحتضار، فيقول: يا ربي!.. أنا أقرأ هذا الدعاء النبوي قبل ساعة الشدة-: (يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، اقبل مني اليسير واعفُ عني الكثير، إنك أنت الغفور).

 

71. إن الإنسان عندما يعالج سكرات الموت، ويبقى على وعيه، ويتشهد الشهادتين وهو مطمئن.. فإن هذه بادرة إيجابية، وهي علامة أن المراحل الأخرى أيضا -إن شاء الله- مراحل سهلة.

 

72. إن من موجبات تخفيف سكرات الموت، أن يقوم الإنسان ببعض الأعمال الصالحة، ويهديها إلى عزرائيل (ع).. فبهذا العمل يكون قد صادق هذا الملك، فهو غير مخيف.. فهو ملك من ملائكة الله كجبرائيل.. فجبرائيل مسؤول الوحي، وميكائيل مسؤول الأرزاق، وإسرافيل مسؤول الصور، وعزرائيل من هذه المجموعة الطيبة. 

 

73. إن الإنسان من الممكن أن يُحيي ليلة القدر من الغروب إلى مطلع الفجر، ولكن لم يذرف دمعة واحدة، ما قيمة هذا الإحياء؟!.. ( ركعتان مقتصدتان في تفكير؛ خير من قيام ليلة والقلب ساه).. أو تعلم أن من موجبات قسوة القلب، أن ترغم نفسك على قراءة القرآن والدعاء إرغاماً؟!..

 

74. إن ساعة الاحتضار ساعة ثقيلة على النفس.. هل يمكن لأحد أن يتصور حالة الألم والعذاب الذي يصيبه، إذا تم استخراج ظفر من بدنه وهو حي؟!.. فكيف إذا أريد فصل روحه عن بدنه؟.. ولهذا فإن الحل الجامع لكل هذه الأحوال، هو عبارة عن تصفية الحساب.. إن بعض الذين ذهبوا من الدنيا، لم يشعروا بالموت إلا بما يشبه وخز الإبرة، وإذا به ينتقل من الدنيا إلى نعيم لا يوصف!..

 

75. لماذا ضيق القبر، أو الضغط بسبب سوء الخلق؟.. لأن الإنسان يكون قد ضغط قلب الزوجة، فرب العالمين يضغط قبره.. القلب والقبر ألفاظهما متشابهة: فمن يضيق على القلوب؛ يضيق عليه في القبور.. فالحساب دقيق، ورب العالمين لا يهمل أحدًا.

 

76. ما يمنع الإنسان أن يصلي في كل ليلة صلاة الوحشة، ويقول: "اللهم!.. إني أصلي هذه الصلاة، لرفع الوحشة عن كل من يحمل في قلبه حب النبي وآله"؟!.. فهذا الإنسان الذي طول عمره، كان يفكر في موتى المؤمنين، ويصلي صلاة الوحشة لكل ميت في هذه الليلة؛ هل يبتلى بوحشة القبر؟..

 

77. إن من أفضل صور المناجاة، عندما يكون الإنسان متوغلا في الدنيا، فرحا بمناسبة من المناسبات السعيدة، عندئذ يناجي ربه ويقول: (فما لي لا أبكي؟!.. أبكي لخروج نفسي.. أبكي لظلمة قبري.. أبكي لضيق لحدي.. أبكي لسؤال منكر ونكير إياي..).. هذا الدعاء في تلك الليلة له طعم، وقراءة هذا الدعاء أيضًا من موجبات تخفيف الحساب، وتيسير الأمور.

 

78. إن مشكلة السائرين والسالكين، ومريدي طريق القرب إلى الله -عز وجل-، أنه يتوجه للتدين فترة من الزمن.. وعندما لا يُكشف له حجاب، ولا يرى نوراً، ولا مزيةً، ولا يُوسع له في رزقه!.. وقد يكون مبتلى بمرضٍ لا يُشفى من ذلك المرض؛ فإنه يرجع إلى ما كان عليه!.. بينما عليه أن يكون صادقاً، ومكابداً، ومجداً.. ولا يستعجل في قطف النتائج!..

 

79. إن بعض العلماء يقول: إن البرزخ هو عالم حساب الجوارح.. فهناك عقائد في الذهن، وملكات في عالم القلب، وحركات في عالم الجوارح.. والإمام الصادق (ع) يقول: (والله!.. أتخوف عليكم من البرزخ).. قيل له: ما البرزخ؟.. فقال: (القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة).. فالإمام -عليه السلام- يريد أن ننتبه إلى جوارحنا.. إن الإنسان المؤمن إذا صلحت سريرته وحسن اعتقاده؛ يكون قد تجاوز تقريباً ثلثي الطريق..

 

80. إن البر لا يكون فقط للوالدين المؤمنين، وذلك بنص القرآن الكريم: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.. فهذا لمن كان أبواه مشركين، فكيف إذا كانا من أهل بكاء على أهل البيت، ويقيمون الصلاة، ولكن أخلاقهم فيها شيء من الغلظة، أو البخل!.. فهذا غير مجوز أن يقوم الإنسان بما يوجب له العقوق؟.. بل هذا مما يوجب قساوة القلوب، وضيقا في الأرزاق، وسقما في البدن.

 

81. إن الصلاة عمود الدين، والصلاة المتقنة، هي عبارة عن شيك أبيض.. فرب العالمين يعطينا في كل فريضة صك، ويقول: اكتب ما شئت.. عن علي بن أبي طالب -(ع) أنه قال: (من صلى لله -سبحانه وتعالى- صلاة مكتوبة؛ فله في أثرها دعوة مستجابة).. ونحن -مع الأسف- نمزق الشيكات البيضاء الصادرة من البنك المركزي.. فلماذا تفويت هذه الفرصة؟..

 

82. إن الجنة مضمونة للمؤمن، فالإنسان الذي يموت على الشهادتين، وعلى حب أهل البيت، ويكون له بعض الهفوات.. فإنه يمحص في نزع الروح، أو في القبر، أو في البرزخ، وأخيراً في نار جهنم.. وفي النهاية يدخل الجنة.. ولكن لماذا يقنع الإنسان بالطبقة الأولى في الجنة؟.. ولماذا لا يطمع أن يكون من رفقاء النبي وآله؟..

 

83. إن إخلاص النية في السير إلى الله يكون بمعنى البناء القلبي، أي أن الحركة والانبعاث نحو العمل، تكون بالدواعي الإلهية.. هذه هي النية الحقيقية، ولكننا عندما نستقرئ أعماق النفس، ونسبر أغوارها، فإننا نلاحظ أن هناك أمورا خفية جدا، هي التي تحرك الإنسان نحو الله -سبحانه وتعالى- وهي ليست الدواعي الحقيقية.. وهذا ليس من الإخلاص الحقيقي.

 

84. إن تحقيقا لذات، أو التلذذ، والارتياح الروحي، أو التخلص من مشاكل الحياة؛ لا ينبغي أن يكون هدفا للإنسان السائر إلى الله عزّ وجلّ.. لأن هذا من مصاديق الشرك الخفي، ولهذا ربُّ العزة والجلال يؤخر بعض المنح المعنوية، وبعض الكرامات، لأجل أن لا يكون العبد مشركاً في حركته إلى الله سبحانه وتعالى.

 

85.إن الإنسان الذي يريد أن يتحرك إلى الله -عزّ وجلّ- ولو حركة بسيطة، ولو حركة أولية.. عليه قبل كل حركة أن ينظر إلى الذنوب والمعاصي في النفس.. فالذنوب والمعاصي بمثابة الإنسان الملطخ بالقذارة، حتى لو لم يكن على علم بها.. فهذا الإنسان -عندما يراد إدخال فئة على سلطان من السلاطين، بمجرد أن يروا هذه القذارة- يمنع من الدخول على ملك الملوك، الذي لا يتقبل إلا الطاهر المطهر..

 

86.إن السفر هذه الأيام في الطرق الجبلية، وفي الطرق الثلجية؛ يجعل المسافر يسأل عن المنعطفات الحادة، وعن مواضع الثلوج والانزلاق والمهاوي.. فهذا شيء طبيعي، فكيف بالسفر إلى ربّ الأرباب؟.. لذا، فإن المعرفة النظرية للعقبات في هذا المجال، هي نعم الزاد للمسافر إلى الله عزّ وجلّ.. فالعقبات شيء، والإعداد شيء آخر.

 

87.إن بعض الناس لأجل كسب مادي بسيط، لأمور أرضية، يتحلى بالصبر.. فقد يصبر أربع سنوات للحصول على شهادة جامعية، أما عندما تصل القضية إلى عالم الأنفس، فإنه يتوقع أن يصل -في أربعين يوما، أو في شهر رمضان المبارك، أو في حجة، أو في عمرة، أو في موسم معين- إلى مستوى الصالحين، والذين وصلوا إلى درجات عالية من الكمال.. وهذا خلاف السنة الإلهية في خلقه.

 

88.إن على الإنسان أن يتحلى بالصبر.. حيث أن من الأشياء التي تجعل الإنسان يتراجع بعد أن سافر خطوات نحو الأمام، أن يأتيه الشيطان ويقول له: أنت جاهدت كثيراً، ولكن لم تحصل على نتائج معجلة.. فالإنسان المستعجل في قطف الثمار، لا يمكن أن يصل إلى أيّ درجة من درجات التكامل..

 

89.إن الله -عزّ وجلّ- يبارك في السعي الموجود، ولا يبارك العدم.. فالبركة في الوجود، والوجود الذي ينسجم مع خطه.. فهو -تعالى- لا يتولى إنسانا جاهد نفسه في غير مرضاته -عزّ وجلّ- وجاهد نفسه في غير الأسلوب الشرعي، وعبد الله في غير ما أمر الله -عزّ وجلّ- فهذا الإنسان لا يصل إلى شيء..

 

90.إن بعض الناس يعتمد على سبيل التقدير، دون التدبير، وشعاره في الحياة: (لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم).. فهو يرى أنّ الله هو مسبب الأسباب، ولا يعتني للأسباب في هذا المجال أبداً.. وهذه نظرة انحرافية، إذ ليس معنى التقدير والاعتماد على المدد الغيبي، أن يجلس الإنسان في حالة استرخاء، من دون سعي وكدّ في هذا المجال..

 

91.يجب أن نتحلى بكلّ أوامر الشريعة طولاً وعمقاً، وكلّ أمر إلهي نحاول أن نطبقه كما أراده الله عزّ وجل: فهو أمرنا بالعبادة، ولكن بشكل متوازن.. وأمرنا بالاهتمام بالزوجة والأولاد، ولكن بشكل متوازن.. وأمرنا بالسعي للرزق، ولكن بشكل متوازن.

 

92.إن من الوصايا التي هي بمثابة الدستور الأساسي، في حركة العبد الحركة إلى الله عزّ وجلّ، الصدق في الحركة.. حيث أن هناك بعض الناس تستهويهم الحركة الروحانية، فيقدم في فترة من الفترات بقوة وبنشاط، ويبدأ بدفع قضية، لكنه سرعان ما يتباطأ، ويستسلم للدعة والخمول.. وهؤلاء لا يصدق عليهم عنوان: السالكون إلى الله عزّ وجلّ..

 

93.إن الإنسان الصادق في حركته إلى الله عزّ جلّ، يعيش في محضر الله عزّ وجلّ.. ومادام يعيش في محضر الله عزّ وجلّ، ما الفارق عنده بين الليل والنهار؟!.. وبين المسجد والبيت؟!.. وبين الوطن والغربة؟!.. إنه يعيش حالة من حالات الرقابة الإلهية، ولهذا فإن الأمر بالنسبة له، لا يختلف أبداً في هذه الحالة.

 

94.إن الناس في أمور دنياهم: في أمور زواجهم، وفي تجارتهم، وفي طلبهم للدرجات والشهادات العلمية؛ لهم حالة من حالات الإصرار والمتابعة.. بينما عندما يصل الأمر إلى طريق الجنة والخلود والنعيم المقيم؛ لا توجد عندهم تلك الهمة وذلك الإصرار!..

 

95.إن المعصية المتعمدة، وخاصة المتكررة، من علامة الكذب في السير إلى الله عزّ وجلّ.. لذا يجب أن نفرق بين المعصية العابرة، والمعاصي المتقطعة المستتبعة للندم، وبين المعصية المتكررة، ولو كانت معاصي صغيرة.. وبالتالي، فإن علينا أن نحاول بشتى الطرق، أن لا نجعل للمعصية أثرا في حياتنا..

 

96.إن السير الهادئ الخفيف، بلا إتعاب للنفس والبدن، مع عدم المعصية.. أبلغ في الوصول إلى الله -عزّ وجلّ- من إتعاب البدن بالعبادة والكدح، ولكن مع المعصية..

 

97.إن الله -عز وجل- أراد أن يرفع من مستوى البشر، كما نقرأ في آية الكرسي: {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}؛ إذ نسب الإخراج إلى نفسه.. وعليه، فإنه -تعالى- إذا أراد أن يختص العبد باللطف، فإنه يجعل القرآن شفاءً لدائه.. فالآيات القرآنية فيها صفة الإعجاز، وفيها صفة التأثير الذاتي.. والقلوب المستعدة الخالية من الشوائب، عندما تسمع القرآن الكريم -القرآن فيه جهة الباعثية؛ تفتح الآفاق، وتشرح الصدر- تدعو الإنسان، وتحثه على العمل.

 

98.لماذا نستشعر التميز عن الآخرين، بمجرد بعض النفحات البسيطة المتقطعة؟.. والحال أن هناك أمرين لا يعلمهما إلاّ الله عزّ وجلّ، أولاً: الجهل بالبواطن، وثانياً: الجهل بعواقب الأمور.. ومع وجود الجهل بهاتين الصفتين، فإن الإنسان لا يمكن أن يعيش التميز، فمع ستر العواقب والبواطن، المؤمن لا يستعجل بالحكم على الأشخاص أبداً.

 

99.إنّ الإحساس بالتفوق الذي لا مبرر له عقلاً ولا شرعاً، قد يوجب في بعض الحالات منع الهبات المدخرة للعبد.. إضافة إلى سلب الهبات الفعلية، وهذا معنى الانسلاخ من الآيات، الذي وقع فيه أمثال بلعم.

 

100. علينا أن نعلم أن الإنسان الذي لا يستعدُّ للكدح والمجاهدة، لا يمكن أن يكون من السالكين.. طبعاً هذا في أول الطريق، أما مع الاستمرارية، فإنه يتحول الأمر إلى عالم آخر يستذوق الالتزام، ويلتزم بشوق وبرغبة؛ لأنّ في التزامه رضا المحبوب..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج