100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إذا كان هنالك ميل لدى أحدكم لهذه المجالس للعمل القربي، فليشكر رب العالمين على هذه النعمة، وليشكر رب العالمين أن فتح شهيته على ذكره، وحب التقرب إليه.. ومن ناحية أخرى، الأمر يحتاج إلى رعاية هذه النبتة.. فهذا البرعم الذي خرج من الأرض، يحتاج إلى رعاية مضاعفة.. وإذا هذب الإنسان نفسه، ونمى في نفسه ملكات الخير؛ فإن الله –عز وجل– سيأتيه بالمدد..

 

2. لا طريق للتكامل، إلا من خلال المراقبة المتصلة بكل حركة وسكنة.. فترك الحرام، وأداء الواجب؛ مقدمة لدخول الجنة بلا ريب.. ولكن هذا لا يكفي!.. دخول الجنة شيء، والعلو في درجات الجنة شيء آخر.. فالجنة ليست جنة واحدة، وإنما هي درجات لا نهائية.. وهناك من يدخل الجنة ضيفاً على أهل الجنة، ويعيش أبد الآبدين فيها، وهو كلٌّ على الغير!..

 

3. إن الإنسان كلما زاد إيماناً، كلما زاد طمع الشياطين فيه.. الشيطان يريد زبائن مؤمنين ملتزمين، وإلا فإن الذي يرخص بنفسه، لا يحتاج إلى طبل ومزمار.. والشيطان يتلذذ في أن يغتال ضحيته.. وعليه، فإننا نرى أن شهر شوال هو شهر الانتكاسة؛ لأن ما قبله من الأشهر كلها فيها محطات عبادية.. لذا فإنه علينا أن نستعد لمواجهة هذه الانتكاسة!..

 

4. إن من السهل أن يسير الإنسان في موكب في السنة مرةً أو مرتين: أيام عاشوراء، وأيام الأربعين، وفي وفاة أمير المؤمنين (ع).. ولكن هل هذا معنى الاستقامة؟!.. أن نخصص في السنة ثلاثة أيام أو أربعة أيام، لإظهار الولاء؟.. من منكم يعيش في السنة على قوت ثلاثة أيام؟!..

 

5. إن بعض الناس يأتي إلى أماكن العبادة في المواسم ولسان حاله: يا رب!.. نحن عاكفون على الحرام، ولكن بين فترة وفترة نطل عليك ونتفقدك، عسى أن تغفر لنا!.. هو يأتي إلى هذا المكان مع نية البقاء على المعصية.. أليس هذا استهزاء برب العالمين؟!..

 

6. إن الله -عز وجل- إذا رأى في الإنسان حالة عطش، فإنه سوف لن يهمله أبداً!.. والإنسان بعد فترة من التيه والضلال والبحث هنا وهناك؛ فإنه سيعيش حالة من حالات الاطمئنان، إذا علم الطريق إلى الله -عز وجل- ولو لم يصل!..

 

7. إن الإمام –عليه السلام– يعيش ما يعيش في هذا العصر، فلا نزيده ألماً؛ مراعاة لقلبه، فهو أبونا في هذا العصر.. علينا أن نراعي هذا الأب الشفيق على الأمة، نراعيه بالدعاء له بالفرج، فلو أن الإمام في يوم من الأيام قال: يا رب!.. هذا الولي يدعو لي طوال عمره، اللهم!.. كن له ولياً وحافظاً وناصراً ودليلاً!.. هل عند ذلك تبقى مشكلة في حياة هذا الإنسان؟.. 

 

8. إن هنالك جفاء غير متعمد لصاحب العصر والزمان (عج).. ما الفرق في تعاملنا اليومي بينه وبين أبيه أبي محمد الحسن بن علي العسكري (ع)؟.. هو إمام كأبيه، نعتقد بإمامته، وبعصمته، وبعلمه.. ولكن لا أدري لماذا ينقصنا هذا التفاعل الشعوري، وهو أن نعيش حقيقة قيادته لهذه الأمة، وحياته، ورعايته؟..هذه الحقوق الكثيرة لإمامنا (عج) ألا تستوجب منا وقفة شكر؟..

 

9. إن يوم الجمعة هو يوم صاحب الأمر (عج) المتوقع فيه ظهوره، لذا على المؤمن أن يكرر له الدعاء بالفرج، ويدفع صدقة عن ذلك الوجود الطاهر، لدفع البلاء عنه، وعمن يحبه، والنيابة له في الأعمال، وغير ذلك.. والأهم أن نكون من الدعاة إلى طاعته، والقادة إلى سبيله.. وأن نمهد لدولته الكريمة، بدلاً من التشاغل بعلامات الظهور الظنية، أو الوهمية، أو ما شابه ذلك، والبحث في المتاهات التي ليست لها ثمرة عملية.

 

10. إن المؤمن إذا أذنب ذنباً، واستحى بعد ذلك، هذا في مظان الرحمة الإلهية.. بل إن الله -عز وجل- يقول في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}، فالمتطهر هو كثير العودة إلى الله -عز وجل-، والتواب كثير التوبة.. وكثير التوبة؛ أي كثير المعصية.. ولكن بشرط عدم الاستهزاء بالله -سبحانه وتعالى.

 

11. إن أحدنا يقوم بالأمر، لا يطلب المدح والثناء؛ ولكنه إذا مدح يفرح بهذا المدح، وخاصة إذا كان المدح يصب في طريق الرسالة، لأن فيه دعما لطريقٍ إيماني.. ولكن عليا (ع) عندما كان يمدح، كان يتألم بحسب الظاهر!.. وكان يُظهر هذا التأذي ويقول: (اللهم!. اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون)!.. نعم، الذي عظم الخالق في عينه، ما قيمة الخلق الفاني لينظر إليه؟..

 

12. إن المؤمن وقت الصلاة، هو كوقت سؤال الله -عز وجل- لموسى، فأذن له في الحديث معه.. لذا  فليكثر الإنسان من الحديث مع ربه بالدعوات المسنونة.. يفضل أن يكون لكل مؤمن فقرات محفوظة: فقرة من دعاء كميل، أو فقرة من دعاء أبي حمزة، أو فقرة من مناجاة التائبين، أو فقرة من مناجاة المحبين.. فينسق بين هذه الأدعية في حديث عصري مع رب العالمين..

 

13. إن الإنسان عندما يقيم الصلاة الفقهية بتقييداتها من: استقبال القبلة، الكون على طهارة، عدم التحرك، الطمأنينة.. يستطيع بعد الانتهاء من هذه الصلاة، أن يبدأ صلاة لغوية، فيستثمر هذه الفترة التي بعد الفريضة، في حديثٍ مفتوحٍ مع رب العالمين: ساجداً، أو جالساً، أو متكئاً، وفي أي حالة من الأحوال يتحدث مع ربه!.. فهو ليس ملزماً بالطهارة، ولا باستقبال القبلة، وإذا نام في سجوده واستيقظ.. يستطيع أن يكمل المناجاة مع رب العالمين.

 

14. إن الإنسان إذا فقد شهيته للطاعات؛ -كأن يدخل المسجد، فيشعر أنه في مكان كئيب لا يستطيع التحمل، فيصلي ويخرج بسرعة دون تعقيبات.. وفي شهر رمضان يعد الأيام عدّا، ليصل ليوم العيد- فهذه أول المصيبة.. وأما إذا رأى في نفسه حرصاً وجوعاً معنوياً: كأن يصلي الصلاة المستحبة، ولا يشبع.. ويصلي الفريضة، ولا يشبع.. ويحضر المسجد أو المأتم.. إذا وصل إلى هذه الدرجة، فليعلم أنه وصل!.. هذه الشهية المتغيرة علامة على أن الإنسان قد رشح، لأن يكون نديم السلطان، ورب العالمين يعرف زبائنه!..

 

15. إن الإنسان بعض الأوقات يعمل مع المجتمع: خادماً لهم، ومروجا للشريعة، وقاضياً للحوائج، ومفرجا للكروب!.. وهو في مقام العمل ينسى هذا الموقف الروحاني، وينسى الله -عز وجل- وهو يعبد الله.. وعندما يؤذن المؤذن ويقول: (حي على خير العمل)!.. يكون هو في نقاش حامي الوطيس مع أفراد مجموعته؟!..

 

16. هنيئاً لمن كان لها زوج رسالي!.. إذا كان هذا الزوج يحمل هذا البعد الرسالي، على الزوجة أن تهيئ له الأجواء المناسبة، فتقول له: أنت اعمل لآخرتك، وأنا عون لك.. لا أن تجعل العمل الرسالي بمثابة الزوجة الثانية، فتغار من الدين والشريعة والعمل الرسالي، كما تغار من ضرة لها.. فالمرأة التي تنظر بهذا المقياس الرسالي؛ تختلف نظرتها إلى الوجود.

 

17. إن الإنسان المؤمن يفوض أمره إلى الله -عز وجل-، ولكن بعد أن يؤدي ما بوسعه من تكليف بشري.. أما أن نهمل جانب التخطيط والعمل المنظم، بدعوى أن الله -عز وجل- سيتولى المباركة في الأمر؛ فهذا ليس من سنن الأنبياء والمرسلين..

 

18. صحيح أن الحمل تسعة أشهر، ولكنه يحدد مسيرة تسعين سنة، أو ما يعادل حياة الإنسان.. مع الأسف، أحيانا لا يكون للأب والأم برنامج في الفترة التي تنفخ فيها الروح في الجنين، لماذا لا يكون لنا برنامج في هذه الفترة؟.. فهنالك آداب شرعية واردة: أن تسميه باسم النبي (ص) وتقول: اللهم!.. إني سميته باسم نبيك، ثم تدعو لهذا الحمل.. هو لا زال مضغة، لا زال جنينا، لم يتشكل بعد.. وأنت تدعو الله -عز وجل- له.

 

19. إن الإنسان عليه أن يكون بمستوى انتظار إمامه (عج).. فالذي ينتظر ضيفاً، نرى بعض شواهد الصدق على انتظاره: شوقاً، وتهيئةً، وغير ذلك.. فإذا كان كذلك دخل تحت الرعاية الأبوية المباشرة له.. القرآن الكريم يقول: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم}، فما المانع أن يُزين الإيمان في قلبك، على يدي ولي أمره، الذي جعله خليفة في هذا العصر على من فوق الأرض وتحت السماء؟!..

 

20. إن الآباء والأمهات -هذه الأيام- يقتلون بأيديهم فلذات أكبادهم، ويلقونهم في غيابات الجب.. وذلك عندما يقومون بشراء أجهزة الاتصالات الحديثة والسريعة، والقنوات الفضائية.. وإذا في جوف الليل، والأبوان نائمان، وقد يكون الأب مشغولا في صلاة الليل.. وإذا بهذا الشاب المراهق، يتسلل من فراشه كاللصوص، ليفتح الجهاز إلى ما يشيب الرأس من الصور، التي لم تكن تخطر على بال أحد قبل سنوات ماضية.

 

21. إن ما نقوم به في ليلة القدر، لا يساوي هذا الشعار القرآني {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}!.. إن على الإنسان أن يعيش حالة من التوتر في ليلة القدر؛ لأنه وقت تقديم الامتحان.. فعلينا أن نعيش في تلك الليلة حالة من الاستنفار القصوى؛ لأننا لا نعلم ماذا سيحمل لنا الفجر؟.. فعند مطلع الفجر ترفع أوراق العباد وملفاتهم إلى السماء!.. ولا ندري هل كُتبنا في ظل الذين غُفر لهم أم لا؟..

 

22. إن الناس عادة عندما يكون لهم مريض يكررون هذه العبارة: (يا من اسمه دواء، وذكره شفاء)، والذي لا مريض له، يجتاز العبارة بسرعة.. بينما على المؤمن أن يكررها أثناء الدعاء لشفاء الأمراض القلبية!.. فالقلب الذي يستذوق الحرام، قلب منكوس!.. إذ أن هناك فرقا بين إنسان يرتكب المنكر، وبعد لحظات تجري دموعه على خديه!.. وبين إنسان يستذوق ذلك العمل!..

 

23. إن الذي تمر عليه المواسم العبادية في شهر محرم وصفر، وفي موسم رمضان والحج.. دون أن يلمس تغييراً في هذه الروح -والتي شأنها أعلى وأسمى من ذلك البدن- ولم يطهرها من الشوائب والعوالق، مثله كمن يتناول دواءً طلباً للاستشفاء ولكن لا يجده مؤثراً.. والسبب فى ذلك أنه على شكل الدواء، وليس هو الدواء نفسه؛ وإلا كان مؤثرا.. فالهدف من هذه المجالس أن يخرج الإنسان بتغيير جوهري في ذاته.

 

24. إن عداء الشيطان الأصيل لبني آدم، فهو لا ينفك عن الإنسان حتى يرديه قتيلا.. فلو أنه يئس من ارتكابه للحرام، تراه يلهيه ويخدره بالحركات العاطفية، ويلقي عليه البكاء والخشوع؛ مغفلاً إياه عن التحرك لتغيير ذاته.. وما أن يتحرك للتغيير، فإنه سيجلب عليه بخيله ورجله، ويستنفذ كل طاقته وقواه؛ ليصده عن الحركة..

 

25. لو ذهب الإنسان إلى أجمل بقاع العالم: حيث البحر الهادئ، وأشجار النخيل الباسقة، والجبال العالية المكتسية بالأشجار الاستوائية الجميلة، والمناخ اللطيف، والنسيم العليل.. ولكن ماذا بعد ذلك؟.. هذا كمال للطبيعة لا للإنسان.. فهو إنسان مسافر، إنسان متفرج، اجتاز هذه المنطقة وعبرها، ما الذي دخل في جوفه؟..

 

26. إن باب الوصول إلى الله -عز وجل- مفتوح للجميع، ومن أراد وصل.. حيث أنه -تعالى- لا يحتجب عن خلقه إلا أن تحجبهم الأعمال دونه، وكم هم الذين حققوا درجات من القرب الإلهي، وهم من العامة، من أهل الوظائف وغيرهم.. فلنفتح شهيتنا على هذه الدرجات، وأول زاد السفر إلى الله، هذه الهمة للخروج من هذا الواقع.

 

27. إن الذي يريد أن يصل إلى لقاء ربه، لابد أن تكون له خارطة ودليل، تبين له منعطفات الطريق وموانعه، والأعداء والأصدقاء.. كم من الذين أمضوا شطراً من عمرهم، ثم اكتشفوا أنهم لم يكونوا على الطريق الصحيح.. وإن ما كانوا عليه، كان يقودهم إلى طريقٍ معاكس لطريق النجاة والسعادة.

 

28. أن الكمال كل الكمال، والفخر كل الفخر، أن يجمع الإنسان بين نشاطه الدنيوي -بأفضل ما يكون- وبين تكامله الروحي.. فليس المطلوب الاعتكاف في المسجد، أو الرهبانية، أو أن يكون الجميع من رجال الحوزة.. وإنما أن يحاول -وهو في حركته في الحياة- أن يكون قلبه مع رب العالمين..

 

29. إن غاية سعي المؤمن أن يصل إلى درجة من التكامل، بحيث يتحول الذكر بالنسبة له إلى هواء يستنشقه.. ولو أنه نسي ذكر الله -عز وجل- فإنه يعيش حالة الاختناق، والذي يجعله يبادر إلى ذكر الله عز وجل، ليعيد الحيوية إلى قلبه وفؤاده.. فمثل هذا الإنسان لا يخاف عليه من الغفلة؛ لأنه كلما أراد أن يغفل؛ فإن هذا الاختناق الباطني يدعوه إلى الذكر، مصداقًا لقوله تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}.

 

30. هنيئاً لمن أوصل براءة الطفولة ببراءة التقوى: حرصاً، وعنايةً، ومراقبةً، ودعاءً.. فإن جزاءه -كما في مضمون بعض الروايات- بأن يحشر مع الأئمة العدول.. ومن المعلوم أن الذي يقدم قرباناً لله عز وجل، فإن الله –عز وجل- يحفظ له ذلك في ذريته، بأن يبارك له فيهم، ويجعلهم من أهل التميز والصلاح. 

 

31. إن رب العالمين له طريقته في تربية عباده، وإذا رأى مادة قابلة في عبده؛ فإنه يوصله إلى ذلك العلم الذي لا نفاذ له.. وهذا هو القسم الآخر من الزاد العلمي، والذي يسمى بالعلم اللدني، أو العلم الإلهي، أو العلم الإلقائي..

 

32. إن الإنسان بطبعه يحب الجمال، والوصول إلى القمة وإن كان محالاً؛ إلا أن التمني ليس حراماً.. فلعل الله -عز وجل- يفتح عليه يوماً، ويصل إلى مراده، وإن لم يصل إلى القمة.. ولكن في الحركة بركة، وخير له من الجلوس في الحضيض، وفي الوديان السحيقة..

 

33. يقال بأن الحركة الإلهية شبيهة بالحركات الغرامية.. فمن المعلوم في غرام البشر بعضهم لبعض -هذا الذي نراه بين الشباب والفتيات- أن العشق البشري كماء البحر، كلما شرب منه الإنسان ازداد عطشاً.. بينما الحب الإلهي يفوق ذلك بكثير، ومن مشى على الطريق وصل.. إذا كانت القاطرة خارج السكة؛ فإنه لا أمل في الوصول.. ولكن إذا جعلناها على السكة، ولو بدفع خفيف؛ فإن القاطرة تمشي؛ لأنها وقعت على الطريق..

 

34. لماذا لا نحاول أن نصادق القاضي الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، ومن السموات مطويات بيمينه، والذي له الخلق والأمر؟.. فإذا صار يوم القيامة؛ فإن هذه العلاقة وهذا القرب في الحياة الدنيا سيشفع لنا كثيراً..

 

35. لو أن الإنسان وصل إلى مرحلة اليقين: بأنه سيقف بين يدي الله عز وجل؛ فهل يعمل ما يعمل، إذا كان يوجب له السخط الإلهي والفضيحة يوم القيامة؟!..

 

36. إن الزاد على نوعين: النوع الأول هو الزاد العلمي، أما النوع الآخر فهو الزاد العملي - زاد التقوى- والقرآن الكريم أشار إلى هذا الزاد في قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ}.. التقوى تُشعر بأن هنالك حالة من حالات الخوف، فالإنسان المتقي يعيش حالة الخوف، والذي لا خوف له لا تقوى له.

 

37. إن المؤمن الذي يُعطى بعض المنح الروحية، ثم يكفر بها بارتكابه لما يغضب الله عز وجل؛ فإنه يعرض نفسه لانتكاسات روحية خطيرة، حيث يصاب بإدبار شديد عجيب.. فالإنسان عندما لا يراعي هذا النور الذي يُعطى في هذه الليالي والأيام؛ فإنه يسلب منه بثمن بخس: بذنب واحد، أو زلة صغيرة؛ مما يضيع عليه جهداً كبيراً.. وليس معنى ذلك أنه طرد من رحمة الله عز وجل، ولكن هذا النور نور لطيف، هذا النور نور عزيز لا يعطى لكل أحد..

 

38. إن الذي تصور ذلك الجمال، وعاش في نفسه حقيقة التبرم على واقعه، ثم عزم على السفر؛ فإن أول خطوة يخطوها للأمام هي مراجعة الباطن.. إذ لابد لمن يريد أن يسافر إلى الله تعالى، أن يعقد مع نفسه جلسات ينظر فيها إلى كل منقصة في وجوده، في الجانحة والجارحة؛ ليكون مرشحاً للسير إليه..

 

39. إن هناك سجود يمكن أن نسميه سجود المحبة -سجود الاسترسال مع رب العالمين- وهذا السجود لا يحتاج إلى وضع الركبتين ورأس الإبهامين، فبإمكان المصلي أن يسترخي، ويضع صدره على الأرض، ويسجد ساعة وساعتين وثلاث وأربع ساعات حسب ما يحلو له..

 

40. إن الهمة نعمَ الزاد لوصول السائرين إلى الله تعالى!.. فإن المطلوب نفيس جدا، ولا معنى أن يعطى الإنسان نفائس الوجود، بما لا يليق مع تلك النفاسة!..

 

41. إن علامة قبول العمل: حجاً وعمرة، وصوماً وصلاة، وعزاءً.. ليس الترقب لمنام أو مكاشفة أو نور أو رائحة طيبة، وإنما هو حصول التغير الجذري في الذات، فمن رأى في قلبه اطمئناناً وإعراضاً عن المنكر ورغبة في الطاعة؛ فليعلم أنه على خير..

 

42. إن علينا أن نتبين معالم السفر الإلهي، هذا السفر الذي نحن فيه ونحن لا نشعر.. أجسامنا وحياتنا في حركة قسرية إلى النهاية، والحال بأن الأرواح على حالها..

 

43. من المعلوم أنه لابد للإنسان الذي يريد الحج أو العمرة، أن يتطهر في الميقات وينزع الثياب الدنيوية المخيطة، ويلبس ثياب الإحرام؛ ليدخل في الحرم الإلهي الأرضي.. إن الأمر كذلك بالنسبة لمن يريد السفر إلى الحق -تعالى- والدخول إلى ساحة العز الإلهي، أي أنه لابد أن يكون متطهراً، وهذا التطهر ليس إلا التوبة..

 

44. إن الاستغفار هو ورد المؤمن الدائم، وهو بمثابة الصابون والماء الذي يطهر الإنسان من الخبث والدرن، ويخلصه من الأمراض.. ومن دونه ينتفي تحقق الطهارة، والنقاوة الروحية للمؤمن..

 

45. من المعلوم أن عملية الغسل لا تحتاج إلى نية؛ إذ أن الطهارة حاصلة ومتحققة بمجرد صب الماء على البدن.. وكذلك الاستغفار، فالإنسان الذي يلتزم بالاستغفار، حتى لو أنه ارتكب ذنباً ثم نسيه، ولم ينوِ الاستغفار من هذا الذنب بعينه، فإن الطهارة متحققة..

 

46. إن أفضل ساعات السياحة الأنفسية والتوغل في عالم الغيب، هو عقيب الفرائض.. فلو أن إنساناً يحيي الموتى -وهذا قمة الإعجاز والكرامة- ولكنه يعيش حالة الشرود والغفلة في صلاته؛ فإنه ليس بشيء.. إن الذي لا يقبل في الصلاة؛ فإن رب العالمين لا يقبل عليه.. ومن لم يقبل عليه رب العالمين؛ لا وزن له في الوجود.

 

47. إن الذين يقنعون بالفقه الظاهري ولا يطمعون لما رواء الفقه، هؤلاء لا يصلون إلى جوهر العبادة.. أشبه شيء بمن يريد لقاء الملك، ولكنه يكتفي بالتواجد في ساحة القصر، ومراجعة ما يعرض في المكتبة من حياة الملك وسيرته وأوصافه.. فهو يبقى يحوم حول القصر دون التشرف بالمثول بين يديه.

 

48. إن الإنسان المؤمن يطمع فيما هو أعظم من التعبد بالفقه الظاهري، ويسعى أن يصل إلى درجة يدخل ساحة العز الإلهي.. ويحاول أن ينتقل من القشرة إلى اللب؛ من الملك إلى الملكوت.. والذي عرف الدين من خلال اللب والملكوت؛ فهذا الإنسان لا يخشى عليه من الارتداد عن طريق الله؛ لأنه وصل إلى معدن العظمة.

 

49. لنحاول أن نجعل أنفساً محلاً للألطاف والتجليات الإلهية.. رب العالمين ليست له صلة قرابة مع علماء الحوزات والفقهاء والمراجع، فمتى ما وجد القلب السليم؛ فإن رب العالمين يتجلى في ذلك القلب كالمرآة..

 

50. إن الذي يرى في جوف الليل لقاء مع المحبوب الأعظم، لا يمكنه أن ينام الليل، بل يكون مصداقاً لقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ }.. كلمة {تَتَجَافَى} مأخوذة من الجفاء؛ أي يجافي الفراش -يكره الفراش- الذي يصده عن قيام الليل..

 

51. إن طبيعة النفس الإنسانية طبيعة متمردة، ومن المعلوم أن الشيطان يسول للإنسان ويجعله متثاقلا ومتكاسلاً، وقد يقول للبعض: أن هذا الكلام كلام غير قابل للتنفيذ، ومعنى ذلك أنه يصبح راهباً وزاهدا، وتصبح متع الحياة كلها محرمة عليه.. ليحاول الإنسان المؤمن أن يخادع نفسه، ويخصص له مدة زمنية محددة، يكون في هذه المدة متميزاً؛ فإن النفس الإنسانية تنبعث بذلك..

 

52. ورد عن أهل البيت (ع) قولهم: (وإن أفضل زاد الراحل إليك، عزم إرادة يختارك بها).. ولكن المشكلة أننا لم نختر الله عز وجل.. فلابد للإنسان المؤمن أن يأخذ القرار للفرار، وكلما تأخر فإنه هو الخاسر.. فالذي ينام في الطريق عندما يستيقظ ويمشي؛ فإنه يصل.. لأنه على الطريق؛ ولكنه يصل متأخراً.. فكلما عزم على تعجيل هذه الحركة فهو الرابح..

 

53. ورد في الحديث عن الرسول الأكرم (ص): (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به).. نحن إلى أين وصلنا؟.. هذا الرأسمال الذي أخذناه من رب العالمين فيما صرفناه؟.. إن الإنسان -بعض الأوقات- إذا فكر في هذا المجال؛ فإنه سيسلب منه الراحة والنوم، ولكن ليسلب منه النوم ليلة أو ليلتين، وليعش في صراع نفسي؛ ولكنه سيخرج بعدها بقرار.

 

54. إن الذي يحب أن يسلك وادي العشق الإلهي، لابد وأن يكون متخففاً من مظالم العباد.. والذي في عنقه مظلمة لزوجة، أو لقريب، أو لرحم أو لغيره؛ فإن هذا الإنسان لا يسمو، وإن تقدم ورأى بعض ما يرى؛ ولكنه لا يقرب إلى ذلك المقام.

 

55. نحن لا نعلم متى يأتي الغضب الإلهي، وخاصة للذين أعطوا شيئاً من حلاوة القرب، ولو أن الملاحظ -مع الأسف الشديد- أن الإنسان يفرط بسرعة في المكاسب التي اكتسبها في الموسم، وذلك بمجرد الخروج منه.. هذه مناجاة فطرية لأحد العلماء الأجلاء يقول فيها: (يا ربي!.. أنا لا أريد هبات معنوية، وإذا أعطيتنى فاحفظها لي.. وإلا فماذا أفعل بهبة تعطنيها، ثم تأخذها مني)؟!..

 

56. إنه لمن الخسران أن يرتبط الإنسان بغير الله تعالى.. فكم من القبيح أن نرى فقيراً، يستجدي فقيرا مثله!.. الذين في الحياة الدنيا يجعلون عيونهم على الغير وأملهم بالغير، فهؤلاء مساكين، ورب العالمين يقول في شأنهم: (لأقطعن أمل كل مؤمل غيري).. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يركن إلى الناس، ولكن عليه أن لا ينسى أن الله -تعالى- هو السبب لكل ذي سبب، وهو سبب من لا سبب له..

 

57. لو التفت الإنسان إلى باطنه ونظر إلى تركيبة نفسه، لاكتشف أن هنالك طفلا في وجوده.. وهو هذا الذي يدفعه لهذه الحركات والاستمتاعات، التي هي دون مستوى الإنسان الراقي الكامل.. وعليه، لابد للإنسان أن يحاول تهذيب نفسه وتربيتها، ويحاول أن يصعد بها إلى مستوى البلوغ، بحيث لا ترى متاع الدنيا مغرياً كثيراً..

 

58. أشار القرآن الكريم إلى أن البعض له شيطان متخصص به: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ{.. ومن المعلوم أن العشى مرض يصيب الإنسان، وأن المصاب به لا يستطيع الرؤية في الليل.. والملاحظ أن القرآن الكريم استخدم هذه اللفظة: {وَمَن يَعْشُ} ولم يقل: (ومن يكفر بالله).. أي أن الذي يغطي نظره عن رؤية ذكر الله تعالى، فإن النتيجة هي أن يكون الشيطان رفيقاً له في كل أحواله.. ويا له من أمر مخيف!..

 

59. إن الإنسان المؤمن كلما تحرك نحو الله -عز وجل- ذلك الحصن المنيع؛ قويت جوانبه الروحية والعقلية؛ قياسأً لبقية الجوانب الأخرى.. أي كلما أمكنه من سد الثغور التي ينفذ الشيطان من خلالها إلى نفسه، كلما اقترب من ذلك الحصن الإلهي، وضعف تسلط الشياطين عليه.. وهنيئاً لمن استطاع أن يدخل الحصن الإلهي، وأصبح من عباد الله المخلَصين الذين ليس للشيطان عليهم سبيلا!..

 

60. إن البعض -مع الأسف- في قضايا الدنيا كله همة تحقيقاً لهدفه وأمانيه، إذ تراه يبذل قصارى جهده ويسهر الليالي يكد ويتعب.. حتى أن بعضهم -في عالم البحث العلمي- ينسى أن يأكل طعامه، والبعض ينسى زوجته وأولاده، وينام في متجره من أجل أن يرقي تجارته.. فلماذا في عالم المعنويات وفي عالم القرب إلى الله -تعالى- نفتقد هذه الهمة؟!..

 

61. إن الذي يطمح إلى قيام الليل قياماً متميزاً، فإن عليه مراقبة نفسه، والإقلال من المتاع في النهار.. فمن المعلوم أن كثرة الطعام والشراب؛ توجب الكسل.. وكثرة النوم؛ تضعف الجنبة الروحية.. فإذا كانت هذه آثار الطعام الحلال؛ فكيف إذا كان الطعام حراماً؟!..

 

62. لا يخفى دور الشيطان اللعين في تثبيط البعض ممن تورطوا بالتوغل في المعاصي والذنوب فيما سلف من حياتهم.. إذ أنه يعمل على تذكيرهم بذلك الماضي الأسود، ليبعث في نفوسهم اليأس من رحمة الله عز وجل، ويصدهم عن التحرك لتغيير واقعهم المرير، والالتفات إلى تعويض ما ضاع من العمر في الأباطيل.. فما من أمر بأشد عليه من أن يخرجوا من الأوحال والمستنقعات التي كانوا فيها..

 

63. إن من موجبات بعث الأمل في النفوس الراغبة للوصول إلى الله تعالى، التأمل في عظيم قدرته -سبحانه وتعالى- وبديع صنعه.. من المعلوم أن الإنسان في بداية تكوينه من أقبح الموجودات وأبشعها شكلاً، وإذا به يتكامل ويتكامل، ويتحول من طور إلى طور، ليخرج لنا هذا الوجود البديع الذي لا يشبع الإنسان من النظر إليه!.. فالرب الذي ينقش قدرته وجماله في عالم التكوين، قادر على أن يرسم الجمال في عالم الأرواح.

 

64. إن الحب هو المحرك في المسير إلى الله -عز وجل-، وهو يبدأ تكلفاً واعتقاداً؛ لأن ذلك الوجود وجود ما وراء الطبيعة، والإنسان بطبعه يحب عناصر الطبيعة.. إلى أن يأتي ذلك الوقت الذي يعرفك الرب جلاله، فأكثر الطلب في هذا المجال، فلو استجيبت لك بعد عشرين سنة؛ فأنت الفائز في مسيرتك!..

 

65. إن الذي لا يصلي الفجر، كالإنسان الذي لا يأخذ المضاد الحيوي في وقته.. فكيف يصلي ظهراً وليلاً، وهو من الصباح غافل عن ذكر الله عز وجل؟!..

 

66. إن الكثيرين جبابرة بلا شيء!.. لا مال متميز، ولا منصب متميز، لا جمال ولا كمال.. فما الذي يجعله يعيش التميز؟!.. فإذا كان المال؛ فإن فسقة الخلق أغنى منه وممن حوله، لماذا هذا التفرعن؟.. وكما يقول أمير المؤمنين (ع): (أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة نتنة، وهو فيما بينهما يحمل العَذِرَة)!.. فالإنسان الذي بهذه المثابة، هل له أن يتفرعن؟!..

 

67. إن من أجلّ أوصاف الإنسان على وجه الأرض، أن يكون خليفة لله عز وجل، بمعنى أن يكون عاكسا لصفات الرب في حدود البشرية..

 

68. إن أول درس أراد الله -عز وجل- أن يعلمه للملائكة وآدم؛ مسألة العبودية لله عز وجل.. فثمرة الحياة، وثمرة الرسالات، وثمرة الخلقة؛ هي أن يعيش الإنسان حالة التعبد لله عز وجل.. وهذه العبودية قد تظهر بأشكال مختلفة، قد توافق المزاج، وقد لا توافق المزاج.. فالعبودية الكاملة أن يكون الإنسان بين يدي مولاه، وكأنه لا اختيار له..

 

69. إن الإنسان العاصي، إذا أراد أن يتوب، فليطلب من الله -عز وجل- هاتين التوبتين: وهي أن يوفقه أولا للإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.. ثم يطلب من ربه أن يرجع إليه بالرحمة، ويرد عليه ما كان قد سلبه بمعصيته لله سبحانه وتعالى.

 

70. إن الآية تقول: {اهْبِطُواْ} وبعد الهبوط إلى الأرض يعيشون حالة العداوة {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}.. فلازمة الحياة الأرضية هي: هذه المشاكسات، والتداخلات، والتزاحمات بين المصالح.. وبالتالي، فإن من أراد أن يعيش في المجتمع، عليه أن يتجهز بما يعينه على عدم التورط في المعاصي، التي تتطلبها الحياة الاجتماعية.

 

71. إن الله -عز وجل- يأتي بالنبي من ضمن القوم، كي لا يحتج بالبعد النفسي، أو اللغوي، أو العشائري، أو الجغرافي.. ولئلا يعيش الناس، حالة من حالات الطرد التلقائي.. ولهذا نعتقد أن من أراد أن يبلّغ في قوم، فليبلغ في أمته.. حيث أن هناك تقاربا نفسيا وبيئيا وعرفيا، يساعد على إكمال المهمة.

 

72. إننا قد نجد -في حياتنا اليومية- إنسانا مؤمنا بالله عز وجل، والرسول (ص)، وأهل البيت (ع)، ويقوم بالطاعات.. فنرى منه منكرا واحدا، وإذا به يسقط من أعيننا.. فلا نخاف عليه الانحراف، وغضب الله.. ولكن ليست هذه من أخلاقيات الأنبياء، بل أخلاقياتهم أن يكون الإنسان خائفا على العباد، حتى لو بلغوا من الانحراف ما بلغوا.

 

73. هنيئا لمن وصل إلى مقام أن يكون بعين الله عز وجل: في حلّه وترحاله، في شبابه وكبر سنه، في دنياه وآخرته.. عندئذٍ ماذا ينقصه إذا كان بعين الله عز وجل؟.. وليكن في أحلك الظروف، فهو في أحسن الحالات.. (إلهي ماذا وجد من فقدك؟.. وماذا فقد من وجدك)؟..

 

74. نحن عادة نسمي في أول العمل ابتداءً، ثم في أثناء العمل ننسى نسبة العمل إلى رب العالمين، ولكن نوحا قال: {بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}؛ أي في أول العمل، وفي ختام العمل.. فهل أحد منا ذكر ربه في ختام العمل، عندما وصل إلى الهدف؟.. إن الإنسان عادة ينسى ربه، إذا حقق هدفه في الحياة.. فإذن، شعارنا جميعا في كل الأوقات: بسم الله مجراها ومرساها، في أول العمل، وآخر العمل، وعند الإقدام، وعند النجاح..

 

75. إن الأمور بيد رب العالمين.. فالفضاء والهواء والأرض والسموات، كلها بيد مالك الكون (ولا يمكن الفرار من حكومتك).. وعليه، فإن أحدنا إذا نسق حياته مع رب العالمين؛ فإنه يدفع عنه الهلكات، كما دفع عن موسى (ع).. وإذا غضب عليه؛ ينزل عليه النقم، كما ابتلى يونس (ع)..

 

76. إن على أحدنا إذا ابتليَ ببلية، فالخطوة الأولى بعد التوحيد والتهليل، أن لا ينسب النقص والظلم إلى الله -عز وجل- من حيث لا يشعر.. فعندما تتمنى خلاف ما أنت فيه؛ فقد اتهمت الله.. وبمجرد أن تقول: لو كان كذا؛ لكان هو الأفضل، في قبال المشيئة الإلهية، فكأنك تقول: يا رب أنت غير حكيم، وأنت غير رؤوف، وأنت غير لطيف بعبادك.. نعم، في مقام العمل، أنت اتهمت الله عز وجل: إما في علمه، وإما في حكمته، وإما في رأفته.

 

77. من منا لم يظلم نفسه؟.. فمن منا يدّعي أنه في لحظة من اللحظات، كان يقوم بأفضل ما يمكن القيام به من وظائف العبودية؟.. وإن كنا نصلي، ونقرأ القرآن، ونجاهد، ونسبّح.. ولكن من قال أن هذا هو العمل الأفضـل؟.. ومن أين لك هذا؟.. فإذا اشتغل وهو لا يعلم أنها الطاعة المتعينة، فهو ظالم.. فكيف إذا اشتغل بما هو دون الطاعة، من المباحات والمستحبات والمكروهات؟..

 

78. إن على الإنسان أن يعيش مشاعر نبي الله يونس (ع)؛ لأنه هو أيضا في ظلمات كثيرة: ظلمات الجهـل، وظلمات زمان الغيبة: ظلمة الانقطاع عن الحجة والولي، وظلمة الشهوات الباطنية، وظلمة المجتمع الذي يعيش فيه.. فكل هذه ظلمات، وهو غارقٌ في هذا البحر.. لذا عليه أن يقول كما قال يونس (ع): {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.. ولا داعي للالتزام بعدد معين، فلو قالَها مرة واحـدة بصدقٍ وإخلاص، لكان من الفائزين.

 

79. إن المدبر المعرض الآثم العاصي، إذا رجع إلى ربه بصدق، لا يعوّض الماضي فحسب!.. وإنما يحرز درجات من القرب إلى الله عز وجل، لم يكن ليصل إليها مع طاعة وهو مـدل على ربه، ويمنّ عليه.. نعم، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.

 

80. علينا أن نجعل تحركاتنا على وفق رضا الرب؛ إقداما و إحجاما.. فلا نجتهد بسرعة، في تشخيص الموضوعات.. بل علينا أن نتأمـل، ونتدبر.

 

81. علينا ألا نقطع الأمل بالآخرين، فالناس بين يدي رحمة الله عز وجل.. فأهل نينوى، نجاهم الله من العذاب، بعد توبتهم وإيمانهم.

 

82. في أصعب الظروف، وفي الظلمات علينا أن لا ننسى الالتجاء إلى رب العالمين.. فهو الذي جعل القانون هنا، وسلب القانون هناك.. وهو صاحب القانون، وهو رافع القانون.. فعلينا أن نلتجئ إليه في كل صغيرة وكبيرة، وإن أحاط بنا اليأس من كل جانب.

 

83. شتان بين استسلام الميت بين يدي الغسّال، يقلبه حيثما شاء من دون صراخ وأنين.. وبين الحمَامي عندما يقلب الإنسان أثناء التحميم والتدليك!.. فمادام هناك رفق وعمل موافق للمزاج، فترى الإنسان المُدلََّك بين يدي المدَلِّك في تمام الاسترخاء والتسليم.. أما إذا وصل إلى موضع جرح، وأخذ يدلك جرحه، بما يثير الألم، عندئذ يبدأ بالصراخ والاعتراض.. فالإنسان بين يدي الله عز وجل، عليه أن يكون كالميت بين يدَي الغسَّال، لا كالمدَلَّك بين يدي المُدلِّك.

 

84. {رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ}.. هذه هي النتيجة الطبيعية للبلاء، فالإنسان بعدما يتعافى من البلاء، لا يعطيه العافية فحسب!.. وإنما العافية ومعها بعض الإمتيازات..

 

85. إن علينا أن نحذر من حالة الاستهزاء بالتوبة!.. فالبعض منا يرتكب الفواحش، ويعمل بعض المنكرات، أو قد يتوغل في عالم الشهوات المحللة، على أمل أن يصل يوما من الأيام، ويعود إلى جادة الحق.. ولكن أنّى له ذلك؟!.. فالإنسان مادام لم يخرج من هذه الدنيا سالما، ومادام لم تختم له بالعاقبة الحسنة؛ فليتوقع في نفسه كل شيء..

 

86. إن الإنسان المؤمن لا يحسب حساباته، فقد ورد ما مضمونه: (عبدي!.. ادعني ولا تعلمني).. أي أنت اطلب مني الهدف، أما ما هي الوسيلة؟.. وما هي المراحل؟.. فاترك الأمر إليَّ!..

 

87.  إذا أراد الله عز وجل، أن يمنّ على عبدٍ فتح له باب الانكشاف الباطني، فعلى المؤمن أن يسأل الله عز وجل، أن يعطيه انكشافا بمقدار ما يحتاج إليه.. صحيح أن العلم لا يأتيه بكل أبعاده، ولكن يعطيه من العلم ما يرى به طريقه اليوم.

 

88. {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.. إن في هذه الآية درس للشاب، عندما يتعرض لموقف كموقف النبي يوسف (ع)، فليتذكر الكم الكبير من النعم الإلهية المتوجهة إليه، وليحذر هذه الصفقة الخاسرة، وأن تسلب منه هذه النعم بدقائق معدودة: هذا العلم المعطى، وهذه الحكم، وهذا الامتياز، وهذا القرب.. هل يبيعه الإنسان في هذا الموقف؟.. أبدا!..

 

89. إن طلب العافية خير للمؤمن، فالإنسان المبتلى في بدنه، وفي أمنه، وفي رزقه ليس من المعلوم أنه يثبت على الابتلاء.. وعليه، فإن طلب العافية خير من غير العافية، ولهذا قال يوسف (ع): {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}.. ولم يطلب من الله السجن.

 

90. إن المدد الإلهي تارة يكون إيقاعا للعزم في القلب× أي تثبيتا للفؤاد.. وتارة المدد الإلهي من قبيل العلم، فالعلم مدد من الله عز وجل..

 

91. إن الله -عز وجل- فياض، لا يمنع فيضه إلا موانع  العبد.. فهو عليم، يريد أن يمنَّ بعلمه على من يشاء بمقدار ما يشاء.. ولكن العبد بخطئه، وبجرمه، وجريرته، يُوجد هذه الحجب.

 

92. إذا أريد أن يصل إليك خير من أحد، ويرى الشيطان بأن هذا الخير من دواعي قربك إلى الله عز وجل، قد يتدخل في نفس ذلك الإنسان، وينسيه ذكرك؛ لئلا يصل إليك خير من الخيرات.. فالشيطان يحارب المؤمن حتى في هذه الزاوية..

 

93. {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. إن أحدنا إذا أراد أن يتعالى على الشهوات بكل أنواعها، لابد وأن يسلك هذا السبيل، وأن يصل إلى برهان من الله عز وجل.. وإلى حالة يقين واطمئنان، بأن ما ادخره الله -عز وجل- له في الآخرة، هو أفضل بكثير مما يرى في هذه الحياة الدنيا.. وما يريه لأوليائه في الدنيا من صور الجلال والجمال، هذا يشغله عن كل شيء.

 

94. {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي}؟.. ما هو الفارق بين الإتيان بالصلاة، وإقامة الصلاة؟.. إن القرآن الكريم بيّن لنا بأن هذه الركعات والألفاظ، ينبغي أن يكون لها آثار خارجية {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}.. فإذن، إن النهي عن الفحشاء والمنكر، هو أثر خارجي؛ يحقق مفهوم إقامة الصلاة.. ولو كل إنسان أقام الصلاة بهذا المعنى، لما بقي منكر في المجتمع..

 

95. إن الذي يحيي آمال الأنبياء والمرسلين، والذي يحقق الشريعة، بعد أفولها ولو تطبيقاً، هو الإمام (عج).. فلا أمل في الذين رفعوا شعار الدفاع عن الإنسان والمُثُل؛ فإن هؤلاء هم الذين ضحوا بالمثلِ والقيم.. وعليه، فلا بد من يدٍ غيبية، ألا وهي المهدي الذي سينزل مع ذلك النبي الصالح المسيح -روح الله- ليعيد النصاب إلى الأرض بين المسلمين وبين غيرهم.

 

96. {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.. إن أخوة يوسف بمجرد أن اعترفوا بالخطيئة، فإذا بأجواء الرحمة تحفهم جميعاً!.. فإذا كان الله -عز وجل- يغفر هذا الذنب العظيم، بمجرد استغفارٍ واعترافٍ بالخطيئة؛ فكيف بباقي الذنوب التي هي دون هذا الذنب العظيم؟.. وهذا درسٌ لنا جميعاً أن لا نيأس من رحمة الله عز وجل.. فكلنا يعلم أن قوام التوبة أمران: الندم على ما مضى -أي الاعتراف بالخطيئة- والعزم على عدم العود.. فما أسهله من طريق!..

 

97. ورد في الحديث الشريف: (أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى (ع): يا موسى!.. ادعني على لسانٍ لم تعصني به، فقال: أنّى لي بذلك؟.. فقال: ادعني على لسان غيرك).. فلا بأس أن يستغفر الإنسان، وخاصةً من كبار الذنوب، ويطلب من ذوي الوجاهة عند الله -عز وجل- أن يستغفر له أيضاً.. ومن المناسب أيضاً أن نتوجه إلى ذلك الذي هو أبو هذه الأمة -(أنا وعلي أبوا هذه الأمة)- فنستغفر ربنا، ثم نخاطب إمامانا(عج) بهذا الخطاب: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}..

 

98. إنه من الضروري جداً أن يطلب الإنسان من ربه أن يُبعد الشيطان عنه، وعن كل من يرتبط به.. فالمؤمن من الممكن أن يكون سداً منيعاً في حرز الله عز وجل، فلا سلطان للشيطان عليه لأنه مخلص.. ولكن الذين يعاشرونه، واللصيقين به قد يكونون منفذ الشيطان إليه.. وعليه، فإنه لا يكفي أن تدفع عن نفسك الشيطان، بل عليك محاولة إنقاذ غيرك.. فالشيطان قد يكون يأس منك، ولكن لم ييأس من الآخرين.

 

99. لو أننا ترجمنا التوحيد بكل أبعاده في حياتنا، لاستقامت أمورنا.. إن المعصية -وهي حركة جوارحية- والخيالات الباطلة -وهي حركة جوانحية-؛ كل ذلك يعود إلى عدم التوحيد.. والذي يرى الله كبيراً في نفسه، فيصغُرُ كل شيءٍ في عينه.. وبالتالي لا خيال فاسد، ولا همّ في المعصية.. فالذي يرى الله -عز وجل- حاضراً، ومهيمناً، ورقيباً، وعتيداً، ومجازياً، ومثيباً، ومنتقماً، وجباراً...الخ؛ هل ينقدح في نفسه الميل إلى المعصية؟..

 

100. هناك لفتة قرآنية ملفتة جداً: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ}.. إذن، هنالك مرحلتان: {فَاسْتَغْفِرُوهُ}؛ بمعنى تذكروا المعاصي، والندم على ما مضى.. ثم بعد ذلك لا بد من نقلة أخرى {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ}؛ أي ارجعوا إلى الله عز وجل.. فإذن، لابد من حركة مبرمجة منظَّمة للسير إلى الله سبحانه وتعالى.. فهذه دعوة قرآنية "توبوا" أي ارجعوا إليه.. وبعد أن استغفرتَ من ماضيك الأسود، الآن برمج للحركة إليه {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}.. فأنت إذا طلبتَ من الله عز وجل، سوف لن يخيّب رجاءك.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج