100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. سلوا الله -عز وجل- أن يعطيكم البينة والرحمة!.. البينة، لكي تروا الطريق.. والرحمة، لكي يدفعك في الطريق.. فإذا حاز الإنسان على مرتبة البينة والرحمة، سلك إلى الله -عز وجل- من دون أي تعثر..

 

2. {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}.. إنه أمر الوفـــاء الإلهي.. ففي خضم الأحـداث، وفي أعظم النكبات، رب العالمين ينجّي عباده، فهو غيور على أوليائه.. وعليه، فإنه ينبغي على المؤمن ألا يخاف ولا يحزن في كل تقلبات الحياة، ما دام يرى الله -عز وجل- له ولياً؛ فإنه كما أنقذ أصحاب نوحٍ، وأصحاب لوطٍ، وأصحاب صالح؛ فإنه ينقذه.

 

3. إن بعض الماضين من علمائنا الأبرار كان يقول: (عليكم بوجدان حالة العبودية).. فالإنسان إذا رأى نفسه عبداً، يهدأ كثيراً، فلا طموح له زيادة عما رزقه الله عز وجل.. وإذا رأى شهوةً من الشهوات، لا يرى نفسه مأذوناً بأن يسترسل في شهوته.. لأن وجوده من رأسه إلى قدميه بين يدي الله عز وجل، كخلقة العقل خلقه الله عز وجل، قال له: أقبلْ!.. فأقبل، وقال له: أدبرْ!.. فأدبر.. نعم، المؤمن كله عقل، وكله يشبه هذا الوجود الذي يقال له: أقبلْ!.. فيُقبل.. ثم يقالُ له: أدبرْ!.. فيدبر، من دون منّةٍ على الله ورسوله.

 

4. إذا أراد المؤمن أن يكون مؤثراً في عائلته، وفي عشيرته، فلتكن نصيحته لوجه الله عز وجل.. حيث أنه يلاحظ بعض الأوقات، أن الإنسان -من طرف خفي- يُشرك بالله عز وجل.. فهو يأمر زوجته ببعض صور الطاعة، وبالأخلاق الإسلامية، وبالمُثل -مثلاً- ليعود الأمر إلى نفسه.. لأنه يعلم لو أمر زوجته بالصلاح، فإنه سيكون مرتاحا معها.

 

5. إن من بركات الإنابة إلى الله عز وجل، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}.. فنحن عندما نلتزم بالشريعة، لا لأجل حيازة المقامات الأخروية فحسب!.. وإنما في الدنيا تنتظم أمورنا أيضا.. معنى ذلك أن الكوارث الطبيعية، من الجدْب، وما شابه ذلك؛ من روافد الذنوب المتتابعة؟!

 

6. {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}.. تقول بعض النصوص: أنه ما من أحد رأى موسى، إلا وأحبه.. فإذا كانت المحبة صادرة من قِبل الله عز وجل، هكذا يكون أثرها!..

 

7. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}.. يفهم من الآية: أن العمل الصالح قد يكون صالحا، ولكن لا يرضاه الرب.. ومعنى ذلك: أن الأعمال الصالحة ذات درجات، والمؤمن الكيس الفطن، هو الذي يشخص سلم الأولويات، ويقدّم الأهم ثم المهم.. وذلك بلا شك يحتاج إلى بصيرة إلهية، وإلى نفاذ في بصيرة الإنسان المؤمن.

 

8. {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}.. الغريب أن هذا العفريت مفسر بكتب التفسير: بأنه مارد خبيث، سبحان الله!.. مارد خبيث وله هذه القدرة!.. وإذا سمع إنسان عن كرامة أو قدرة خارقة لولي من أولياء الله الصالحين، أو لإمام من أئمة الهدى؛ يعتبرها خرافة ومبالغة وغلو؟!..

 

9. إن علينا ألا نستغرب من عطاءات رب العالمين، فرب العالمين إذا أراد أن يعطي عطاء، سخر الريح والطير والجن ودواب الأرض، لصالح الإنسان المؤمن، ولصالح الحركة الإيمانية.. فإذا كان رب العالمين سخر جنود السماوات والأرض لوليه، ينبغي أن يعيش الإنسان حالة من الأمن والأمان.

 

10. إن هناك دعاء جميلا لموسى (ع) عندما خرج من المدينة خائفا يترقب، ويا ليتنا جميعاً ندعو بهذا الدعاء، في مفترقات الطرق في حياتنا وما أكثرها!.. {قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ}؛ أي أنا لا أعلم سبيلي أين؟.. ومصيري أين؟.. وتكليفي أين؟.. وفي أي بلد أهاجر؟.. وإلى أي جهة آوي؟..

 

11. إن المؤمن عندما يقوم بعمل صالح، يحرز به رضا ربه إلى درجة من الدرجات.. فمن المناسب أن يستغل ذلك الموقف، ويدعو ربه بعد تلك الحركة الإيجابية.. فإن أبواب السماء تفتح في مثل هذه الحالات –الأبواب تفتح في أزمنة معينة: كساعة الزوال، ويوم الجمعة.. وفي أمكنة معينة: حول البيت، وفي أرض عرفة.. وفي حالات: كمثل هذه الحالة، وهي قضاء حاجة مؤمن، وعيادة مريض، وتشييع ميت مؤمن- فالمؤمن يستغل هذه الساعات في مناجاة ربه.

 

12. إن من المحطات المهمة جداً في حياة النبي موسى (ع) ما جرى له في جانب الطور، حيث رأى ناراً -نلاحظ بأن الله قام بأمرٍ تكويني- فالنبي موسى (ع) ذهب لأمر عادي من شؤون الحياة العادية، لكن الله -تعالى- جعل في هذه الحركة الطبيعية البركة الكثيرة.. فمن الممكن أن نعنون هذه الحركة تحت عنوان: (كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو)!..

 

13. إن النية إذا كانت إلهية، وإذا كان الغرض هو رضا الله عز وجل، فإن كثرة الشركاء لا تضر.. ففي عالم الأموال، إن الإنسان إذا شارك أحداً، فقد قسم رأس ماله.. أما في العمل الرسالي؛ فإن كثرة الشركاء لا يضر أحدنا، بل يزيده قوةً.. ومن هنا يقال كمثل: لو أن الأنبياء جميعا اجتمعوا في قرية واحدة، لما وقع النزاع بينهم؛ لأنهم يرون بأن العمل كله في خدمة الدين والشريعة.

 

14. لماذا الانتكاس في الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس؟.. المشكلة في هذه العبارة: {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}.. وكذلك في زماننا هذا، فإن وجود المهدي (عج) من دون إتباعٍ، ومن دون نصرة، لا يمكن الغلبة..

 

15. لو تدبرنا في القرآن الكريم، لوجدناه مليئا بالآيات التي تدعونا إلى السير إليه تعالى، وترك الانحدار والتثاقل.. فهو -سبحانه وتعالى- لا يرضى لعباده إلا بالحياة الأبدية في نعيمه المقيم..

 

16. إن الله -عز وجل- في قوله: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }.. وكأن الرب -تعالى- في حركة استعطافية، يستقرض من عباده -وهو الغني- بل ويمنيهم أيضاً بالأجر المضاعف، مع أن المال ماله، بل كل وجود الإنسان وعوارضه ملك له سبحانه.. وهذا منتهى الحنان واللطف!..

 

17. إن الإنسان الذي يخاف الموت ويضطرب من ذكره، فلا يذهب للمقابر، ويبتعد عن كل ما يذكره بالموت.. عليه أن يراجع نفسه؛ لئلا يتضمنه هذا العتاب الإلهي: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.. وهذا الكلام ليس خاصاً باليهود، وإنما المقياس مقياس عام، والذي يخاف الموت فإن هذا الإنسان لا يعد ولياً..

 

18. إن النبي الأكرم (ص) شبه الصلاة بالنهر، حيث قال: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟.. قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا).. فالنبي (ص) عندما قال: (يغتسل) أي أنه يدخل النهر.. أما الذي يستلقي على شاطئ النهر ويتشمس، أو ينظر إلى النهر، أو يجعل رجليه إلى الساق في النهر، فإن هذا الإنسان لا يرجع بالطهارة أبداً.

 

19. أحدهم قد يقرأ العرفان النظري والعملي؛ ولكنه لن يتقدم خطوة حتى تكتمل عنده الصورة!.. هذا هو الشيطان الذي جاءه ليؤخره ويبقيه في الخطوة الأولى إلى آخر عمره!.. فهو يريد المزيد حتى يضع رجله على الطريق، والذي يفكر بهذا المنطق؛ فإنه لن يصل إلى شيء، شعارنا دائماً وأبداً: (من عمل بما علم؛ رزقه الله علم ما لا يعلم)..

 

20. لو أن الإنسان في صحراء، وفي ظلام الليل، وقد اشتد به الجوع والعطش، حتى أوشك الموت.. ثم رأى سيارة، أو طائرة إنقاذ تنتشله من هذا المصير؛ فهل يمكن تصور مدى فرحه؟!.. إن رب العالمين أشد فرحاً بتوبة عبده!.. ما قيمتنا نحن المذنبين حتى يفرح هذا الفرح!.. وفي هذا دعوة إلى الجميع أن يغير مساره، وليس المطلوب ترك الدنيا؛ إنما تغيير القلب الذي يتعامل مع الدنيا.

 

21. إن الذي يستمر في المجاهدة في طريق الطاعة والعبودية -وخاصة في وجود ظروف مشاكسة- فإنه تتجلى له بعض صور عالم الغيب.. فالذي يمشي في طريق العبودية يعطى بعض الجوائز والنفحات، مثل: المنامات الصادقة، أو يرى بعض الصور الجميلة، أو يشم بعض الروائح الطيبة، ولكن لا ينبغي أن ينشغل بها عن الله -عز وجل- الواهب لهذه الأمور؛ فإنه لا يخلو من سوء أدب!..

 

22. كلنا صيادون نريد أن نصيد السعادة والراحة ، ولكن ما هو الطريق إلى ذلك؟.. وهنا وقع الكثيرون على قارعة الطريق من دون وصول!..

 

23. إن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن السعادة من مواصفات القلب.. فالقلب هو الذي يفرح ويحزن، ولا يوجد هنالك شيء في الخارج اسمه حزن أو سعادة.. نعم، يوجد منظر حزين، أو منظر مفرح.. ومادمنا اعتقدنا أن القلب هو الأداة التي يتحرى بها إدراك السعادة، فلابد أن نبحث عما يتناسب معه؛ أي ما يتسانخ مع عالم القلب أي العالم الباطني.. وما هو الجميل في عالم الخارج، لا يوجب الجمال والارتياح في عالم الباطن.. فلنبحث إذن عن مصدر آخر للسعادة!..

 

24. في قوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}، إشارة إلى الغضب الإلهي.. ومن المخيف أن هذا الغضب لا يعلم له معادلات معينة، وليس هنالك ما يحدد وقت حلوله على العبد.. ومن المعلوم أن هذه الدنيا دار ابتلاء، فالإنسان إلى أن يوسد حجر اللحد، كم يمر في اختبارات وامتحانات، والشياطين كم تكيد له إلى أن يصل؟!.. المسألة ليست متوقفة على معصية كبيرة أو صغيرة.

 

25. إن من مواطن حلول الغضب الإلهي، هو ما بعد المواسم العبادية: في الحج، وشهر رمضان، وأيام عزاء الحسين (ع)، وبعد استماع الموعظة، وتمام الحجة على العبد.. فقد يكون الإنسان على أكمل وجوه الطاعة، ولكنه بزلة واحدة يستوجب الغضب الإلهي!..

 

26. (اللهم!.. لا تنزع مني صالح ما أعطيتني.. اللهم!.. لا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا.. اللهم!.. ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبداً.. اللهم!.. ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً).. لقد كان النبي (ص) وهو المنزه المعصوم، يدعو بهذا الدعاء؛ وهو يبكي!..

 

27. إن رب العالمين رغبة منه في أن يقف عباده دائماً وأبداً بين يديه، أسقط عنهم أموراً كثيرة في الصلاة المستحبة.. وبالتالي، فإن الإنسان لو أخذه الشوق للقاء رب العالمين، وهو في العمل، أو المتجر، أو المزرعة، أو غيره؛ فبإمكانه أن يصلي لله ركعتين مقتصدتين، أي صلاة تطوعية ليست بفريضة ولا بنافلة رتيبة.

 

28. إن المشكلة في الخلافات الزوجية، أن كل من الزوجين في أغلب الحالات، لا يصلح أمره إلا إذا رأى تجاوبا من الطرف المقابل.. ومن المعلوم أن المطلوب هو أن يصلح الإنسان أمره؛ لا طلبا لشيء، بل يجعل إحسانه لوجهه الكريم.. ولو كان الأمر بخلاف ذلك؛ فإنه لا بركة في ذلك السعي؛ لأن الله -تعالى- لا يبارك فيما لم يكن لوجهه الكريم.

 

29. إن الإنسان في قطار العمر له حرية ولا حرية، كما في الحديث (لا جبر ولا تفويض؛ وإنما أمر بين أمرين).. فمنذ أن سقط من بطن أمه، وقطار العمر يسير به في حركة دائبة.. وفي كل يوم هو يبتعد عن الدنيا، ويقترب إلى محطة الآخرة.. وعندئذ فلو أنه أقسم على ملك الموت بأغلظ الأقسام لإمهاله، فإنه لن يستجاب له.. وعليه، فما دام هنالك مجال لاستثمار هذه المحطة النهائية، لماذا لا نستثمر ونستعد لذلك اليوم قبل طي الصحف؟!..

 

30. غالباً ما يكون سبب الخوف من الموت، هو التقصير في أداء الفروض والواجبات، والتخلص من التبعات والمظالم.. ومن هنا فمن الجميل، ومن موجبات الاطمئنان، أن يعمل الإنسان على تصفية حساباته، حتى لو باغته ملك الموت؛ يجد نفسه مستعدا للوفود إلى الضيافة الإلهية، التي لا تخطر على بال بشر!..

 

31. إن الحل الأساسي لعلاج الشرود في الصلاة هو تغيير الشاكلة، أي تغيير التوجه القلبي.. فالإنسان الذي هدفه في الحياة أن يحقق الأبدية والخلود في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لابد أن تكون همته على مستوى تلك الأمنية، فإن نيل المعالي لا ينال إلا بسهر الليالي!..

 

32. إن التكبير في الصلاة بمثابة جرس الإنذار، أي أنه عبارة عن عملية تنبيه للإنسان بأنه في حضرة الله عز وجل، وأن عليه أن: يلتزم بالأدب، ويستحي، ولا يغفل وهو في الصلاة.. فكم من القبيح أن يعاهد الإنسان ربه في بداية الصلاة: بأنه أكبر من أن يوصف، ومن ثم هو يغفل هنا وهناك؛ مستغرقا في توافه الدنيا!..

 

33. إن الوصول إلى ملكوت أسماء الله الحسنى، لا يتم إلا بالتطبيق العملي، والتخلق بأخلاق الله عز وجل، حتى لو دعا بهذا الاسم وهو في نفسه يحمل شيئاً من معناه، كان له التأثير الحقيقي والسريع..

 

34. (إذا رأيت قساوةً في قلبك، ووهناً في بدنك، وحرماناً في رزقك؛ فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك).. لك أن تتصور مثل هذا البلاء العظيم، الذي يجنيه الإنسان على نفسه من جراء خوضه فيما لا يعنيه!.. مثلا: لو أن هناك إنسانا: سرق ماله، وأفلس في تجارته، وأصيب بمرض خطير؛ ثم يدعو فيجد قساوة في قلبه، بل لا يجد في نفسه حتى إقبالاً، في حين أنه أحوج ما يكون إلى الدعاء!.. فالضربات الإلهية لا تأتي دائماً من الحرام، فقد تجتمع هذه الهفوات الجزئية، لتودي بالإنسان وتوقعه في بلاءات مترادفة ليست بالحسبان..

 

35. إن البعض يريد أن يغير من سلوكياته، بالاعتماد على الأوراد والأذكار.. فهو يظن أنه بالورد الكذائي؛ بإمكانه أن يتخلص من سلوك سلبي معين!.. والحال بأن تغيير السلوك منهج وبرنامج تكاملي، والورد عنصر من العناصر؛ هذا إذا كان قلبيا، ولكن أين بقية العناصر؟!.. فمثله كمن يأتي بعناصر غذائية بسيطة، ويريد أن يصنع بها وجبة ملكية فاخرة!..

 

36. إن من قنوات الانقلاب وتغيير وجهة الحياة: التفكر.. ولهذا فإن "تفكر ساعة؛ خير من عبادة سبعين سنة".. فالذي يجلس مع نفسه، وينظر هل هو في الطريق الصحيح؟.. وما الذي قدمه لآخرته؟.. وخاصة إذا بدأ الشيب يغزو رأسه، فالشيب رسول الموت، وهو لا زالت نفسه متعلقة بحطام الدنيا وما لا نفع فيه!.. فما الذي يبقى منه للتزود لآخرته؟!..

 

37. إن من موجبات الانضباط، تصور العقوبات الإلهية للعبد.. ومثل هذا الإنسان لا يحتاج إلى دروس في التركيز، بل يصير عكس أهل الدنيا؛ فهو إذا أراد أن يصرف ذهنه إلى الدنيا، يحتاج إلى مجاهدة، وإلا فهو بطبيعته يتوجه إلى الله -تعالى- في حركة انسيابية لا تكلف فيها!..

 

38. لابد من وضع فراغ بين النشاط اليومي، والصلاة بين يدي الله عز وجل.. وذلك بالاستعداد للصلاة، ولو قبل الموعد بخمس دقائق، والعمل على تصفية الذهن من الشواغل التي تسبق الصلاة.. وهنا، من المناسب التأني والتأمل قبل الدخول في الصلاة، وقبل التكبير يكبر التكبيرات الست، ويناجي رب العالمين ببعض المناجيات الخفيفة؛ التي تأخذه إلى جو الصلاة.

 

39. إن رب العالمين يريد من عبده أن يكون مدافعا للخواطر، وإن لم يصل إلى مرحلة التلذذ الأنسي معه.. ولو انتهت صلاته وهو في حال المصارعة مع الشيطان؛ فإنه يعد في عداد الخاشعين في صلاتهم.. إذ ليس من اللازم أن يعيش حتماً حالات شعورية تحليقية؛ فهذه مرحلة ثانية، وهي هبة إلهية.. فرب العالمين إذا أراد أن يعطي عبده يعطيه متى شاء، فلا ينبغي أن يبحث الإنسان عن الخشوع بحثا.. فالخشوع يعطى ولا يؤخذ، وهذه منحة بيد الملك الجبار، وجائزة لا يُعلم متى تُعطى!..

 

40. إن الإنسان بإمكانه أن يغير مجرى حياته، ويحقق مراده بتوجه صادق لله عز وجل؛ فهو الذي بيده خزائن كل شيء.. ولكن الأمر يحتاج إلى صدق واستحقاق..

 

41. إنه لمن المناسب أن يحاول الإنسان قدر الإمكان أن يكون على طهور؛ لأن الحدث الذي يصيب الإنسان -بنوعيه الأصغر والأكبر- يوجب ظلمة باطنية، أضف إلى أن المحدث ممنوع من بعض الأمور التعبدية.. ومن المعلوم أن هذه الظلمة، ترتفع بالوضوء والغسل.. ومن هنا، فإن أولياء الله والعباد الصالحين، عندما يحدثون فإنهم يبادرون إلى الوضوء وإلى الغسل..

 

42. إن تخصيص مكان للصلاة، من موجبات تحقيق الصلاة الخاشعة.. وذلك فيه نوع من التأدب والاعتناء بمكان اللقاء الإلهي، أضف إلى أن الأمر فيه ارتباط نفسي.. فالإنسان من الممكن أن تمر عليه فترات في حياته ويرق فيها في الصلاة، فتختزن تلك الحالة في ذهنه، وكلما نظر إلى ذلك المكان، فإنه يعيش ذلك الجو من الخشوع والإقبال.. وهذا مجرب حتى في الالتزام بمصحف ثابت، إذ أنه يزيد من سرعة الحفظ، ويوجد حالة من الأنس بهذا المصحف.

 

43. إن التأمل في جمل الأذان والإقامة، من موجبات الخشوع في الصلاة.. ومن المعلوم أن هذه الجمل من الوحي، فرب العالمين هو الذي صاغها.. ولو تأمل الإنسان في ملكوت الأذان والإقامة؛ لكان من المستحيل أن لا يصلي في أول الوقت، فالخجل يمنعه من التأخير، والوجل يدفعه للتقديم..

 

44. إن الإنسان الذي لا يوقر نداء الله -عز وجل- ولا يسارع إلى تلبية ندائه؛ فلا ينبغي له أن يتوقع الاستجابة السريعة من رب العالمين!..

 

45. متى نترقى؟!.. البعض يمضي عمره وكل همه أن لا يقع في الحرام!.. والمرأة المؤمنة ترى نفسها في قمة التقوى، لو كانت ملتزمة ومحجبة.. والحال أنه حتى بنات التسع سنوات يلبسن أفضل الحجاب!.. البعض لا زال يعيش مقدمات الشريعة!.. إلى متى الإنسان يصل إلى درجة الكمال!..

 

46. ينبغي أن نقول بكل قاطعية: إن الذي لا يوقر نداء رب العالمين، ولا يصلي أول الوقت، هذا الإنسان لا يعطى الهبات المتميزة من رب العالمين؛ لأن هذا بلسان حاله كأنه يقول: يا رب، لا أريد منك عطاء متميزا!..

 

47. لو رأى الإنسان نفسه غافلاً وهو في الصلاة، لا بأس أن يذكر نفسه ببعض الهفوات التي ترتعد لها الفرائص؛ عندها يلين قلبه.. على الأقل يتذكر حدته مع خلق الله، وإساءته لهم!..

 

48. إن علينا أن نلتفت إلى أن النقص في الوجود، يوجب الطرد من بعض الدرجات الخاصة، ولو لم يكن الإنسان متعمداً.. هنالك بعض النواقص في وجود الإنسان، تمنعه من الوصول؛ فكيف إذا كان متعمداً؟!.. فالذي يريد الوصال، لابد أن يرفع عن نفسه موجبات منع الوصال، كما نرى عند أهل العشق والغرام.. حيث يضحون بالغالي والنفيس، لأجل الوصول إلى المعشوق.

 

49. إن المصلي بمجرد أن يكبر ويدخل في الصلاة، فإن الله -تعالى- يعطيه نفحة إقبال.. ولكنه بانشغاله في أمور الدنيا يسقط في الدنيا، فيصرف الله -تعالى- وجهه عنه، ولو عند تكرر الإعراض.. والذي يتعود الصلاة الخاشعة، فإن عدم إلتفاتته إلى الدنيا، ليس قربة إلى الله -عز وجل- فحسب!.. بل أنه يخاف السقوط من عين الله تعالى، ولهذا فهو من المستحيل أن يلتفت إلى غير الله تعالى..

 

50. إن على الإنسان الموسوس أن ينظر إلى صلاته بعد الإعادة، هل أن فيها خشوع؟.. فلو كان هذا العمل يرضي الله -عز وجل- لكان المفروض أن يكون فيه أدنى قدر من الروحانية!..

 

51. إن الأمور الكبرى في الحياة، والمعاني السامية تبدأ بالتلقين، وتتحول إلى واقع،؛ لذا يجب أن لا يملّ الإنسان من التلقين المستمر.. فالسير إلى الله -عز وجل- حركة معاكسة لطبيعة الإنسان لجهتين: لوجود قوة دافعة.. ولوجود قوة مانعة.

 

52. إن الإنسان يعيش حالة من الترقب للصلاة، فالإنسان المؤمن الذي يريد أن يصل إلى ملكوت الصلاة، لا بد وأن يعيش هذا الهاجس قبل دخول الوقت، مترقبا للصلاة بكل شوق..

 

53. إن العبادة هي تعامل وتفاعل مع عالم الغيب، والغيب إذا بقي غيبا محضا، فإنه لم يعد داعيا لحركة الإنسان.. فالذي يؤمن بالله وبالمبدأ والمعاد؛ ولكن لا يعيش حقيقة شهودية في قلبه، فإنه من الطبيعي أن لا يسير إلى الله -عز وجل- سيراً حثيثاً؛ ومن الطبيعي أن يحاول معاكسة التيار..

 

54. إن مسألة الدخول في بحر الصلاة، تحتاج إلى تهيؤ نفسي مسبق.. فقبل دخول الوقت، يا حبذا لو يجعل الإنسان حائلا بينه وبين الصلاة؛ أي منطقة برزخية حائلة بين العالمين: فلا هي صلاة، ولا هي تعامل مع البشر.. ومن صور التهيؤ المقترحة: أن يسجد الإنسان بين يدي الله عز وجل، قبل دخول الوقت في سجود عبادي تأملي..

 

55. إن من موجبات التوفيق والتهيؤ للصلاة الخاشعة، مراقبة السلوك بين الفريضتين.. أي أن من موجبات التوفيق للصلاة، هي مراقبة السلوك بين الحدين.. فمن المعلوم أن الذنب السابق للصلاة؛ يؤثر على توجه الإنسان، فعندما يأتي إلى الصلاة، يأتي وهو يعيش جوا من أجواء البعد عن الله عز وجل..

 

56. إن الإنسان في حياته يحتاج إلى من يبث إليه همومه، فالذي لا أنيس له، ولا صديق له، ولا متنفس له، ولا مفزع له في الحياة ، قد يعيش في بعض الحالات: حالة الكبت، والتبرم، ثم الانفجار، وبعد ذلك الانهيار الكامل.. فإذا كان الإنسان العادي يتخذ بين فترة وأخرى، من هو سبيل وذريعة لتفريغ الهموم؛ فلماذا لا يتخذ من الصلاة مثل هذه المحطة، لتفريغ همومه وذلك مع القدير على كشف كل كربة؟!..

 

57. إذا جعل الإنسان الصلاة ذريعة للحديث مع الله عز وجل؛ تحولت الصلاة إلى أحلى محطة من محطات الأنس.. وتحولت الصلاة في حياة البعض إلى محطة للتلذذ والارتياح.

 

58. إن من يأتي إلى مصلاه وهو في أدنى درجات التهيؤ النفسي للصلاة؛ من الطبيعي أن لا يدخل في جو الصلاة، كما يحب الله سبحانه وتعالى.. فالملاحظ أن الأئمة -عليهم السلام- وعلى رأسهم النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله- تبدأ صلاتهم من الوضوء.. لا من الأذان، ولا من الإقامة، ولا من التكبيرات الافتتاحية، ولا من تكبيرة الإحرام، بل تبدأ الصلاة لديهم من الوضوء، كأول مرحلة من مراحل الورود على المليك الأعلى.

 

59. إذا كانت الصلاة أمام قبر المعصوم منهيّاً عنها، فكيف بالتقدم العملي والقولي والموقفي أمام المعصوم؟!.. ومن هنا يجب على العبد أن يقف دائما خلف خط القائد، وفى خط منسجم مع الخط الإلهي المتجلي من خلال النبي وآله.. ولا ينبغي للإنسان أن يتقدم عليهم في كلمة، ولا في خطوة، ولا في موقف..

 

60. إن الإنسان الجاهل عن النجاسة الظاهرية معفو عنه؛ أي إذا صلى بنجاسات متعددة، وبما لا يؤذن به شرعا؛ ولكنه علم بذلك بعد الصلاة، فإنه لا تعاد الصلاة.. بينما إذا صلى بنجاسات باطنية، ولو كان غافلا عن هذه النجاسات؛ فهي من موانع القبول قطعا؛ لأن هذا الوجود وجود مبغوض عند الله سبحانه وتعالى.

 

61. إن الإنسان الذي يموت على التوحيد، وعلى النبوة، وعلى ولاية أهل البيت عليهم السلام.. وله هذه الدموع الغزيرة في مناجاة ربه تارة، وفي إقامة عزاء أهل البيت (ع) تارة.. فإن الجنة مضمونة له، فإذا لم تكن الجنة له، فلمن خلقت إذاً؟!.. وعليه، فإن على المؤمن أن لا يفكر في الجنة، فهي محجوزة له!.. وإنما عليه أن يفكر في الدرجات العالية، وفي مقعد صدق عند المليك!..

 

62. إن هناك تأكيدا من الشارع المقدس، على طهارة المظهر عند الصلاة.. أوَ لا نستفيد من ذلك، اهتمام الشارع -على النحو الأهم- بطهارة الباطن.. إذ بوجود بقعة من الدم مساحتها أكبر من درهم، فإن هذه الصلاة لا يتوجه إليها رب الأرباب.. فكيف بالإنسان إذا كان ملطخا بما هو أسوأ من ذلك بباطنه؟!..

 

63. إن هناك فرقا بين العورة الظاهرية، والعورة الباطنية: العورة الظاهرية لا تعدم، وإنما تستر!.. أما العورة الباطنية، فبالإمكان أن تعدم، حيث من الممكن أن يصل الإنسان إلى مستوى لا يكون له عورة في الباطن.. ولو كشف عنه الغطاء؛ لما كشف شيء يشين باطنه.. فالدرجة العالية ليس هو ستر العورات الباطنية، ولكن هو محو تلك العورات.. بحيث لو كشف الباطن للآخرين، لا يرون إلا الجميل.

 

64. لو أن أحدنا حكّم في حياته مضامين كلمة (لا إلـه إلا الله) لاستقامت أموره.. فهي مركبة من شقين: شق النفي، وشق الإثبات.. (ولا إلــه)، ينطبق أيضا على الشهوات، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} أليس المقصود بالهوى هو إله يعبد؟!..

 

65. إن المؤمن قبل أن يكبر عند النية، يعيش حالة الوجل والاضطراب، وتبدأ عنده عملية الخشوع من هذه المرحلة.. لأنه يريد أن يتوجه، ويعرج بها إلى الله -عز وجل- وهو يخشى من الرد وعدم القبول، ومن عدم الإجزاء والمعراجية، ومن عدم القربانية في الصلاة.

 

66. يفضل أن يقف المصلي -قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام- هنيهة بتوجه وبتأمل، ويستحضر قصد القربة، بدلاً من الانشغال بالألفاظ؛ وبذلك يعيش الإنسان جو النية الواقعية.. والتكبيرات الافتتاحية السبعة فرصة جيدة؛ لأن الإنسان قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام، يكبر تكبيرات افتتاحية.. فهذه أيضا محطة جميلة، لأجل أن يتدرج الإنسان للدخول في بحر الصلاة..

 

67. إن من بركات العبادات الخلوتية، أن لا يعتني الإنسان بمن حوله في حالة الجلوة، ولا يعتني أيضاً بهذه الوساوس المشغلة.. ولهذا فإن أصحاب صلاة الليل، لا يخاف منهم الرياء في الصلوات النهارية؛ لأنه قد قدم امتحانه أمام الله عز وجل..

 

68. إن النية من أعمال القلب، والعمل من أفعال الجوارح.. وبما أن القلب أشرف من الجارحة، فما يصدر من القلب أيضا أشرف مما يصدر من الجارحة.. فكما أن الإنسان يحاول أن يتقن أعماله الخارجية؛ لأنها محسوسة، فليحاول أن يتقن أعماله الجوارحية؛ لأنها أيضاً في حكم المحسوس.. وكما أنه يعاقب أو يعاتب على أعماله الخارجية، كذلك قد يعاتب على نواياه الباطنية.. فإذن، النية من ضمن دائرة الأعمال، التي ينبغي الاهتمام بها.

 

69. إن النية ليست لفظاً ولا بناءً قلبياً، وإنما هو انبعاث حقيقي.. فلو خليت الموانع جميعاً، يبقى الإنسان مندفعاً.. ولهذا فإن أقرب الناس إلى الله -عز وجل- من حيث النية الصادقة، هو ذلك الإنسان الذي لو رفعت منه الدوافع -حتى الجنة- لاستمر مندفعاً في الحركة إلى الله عز وجل.. فالذي دفعه إلى المولى هو حب المولى.

 

70. إن للنية درجات كبيرة وكبيرة جداً، وهي متناسبة مع درجة الحب لله عز وجل.. وبما أن درجات الحب غير متناهية، كذلك فإن المترتب على هذا الحب -وهي النية- أيضاً درجاتها غير متناهية.. طوبى لمن أخلص لله -عز وجل- في نيته!..

 

71. إن تكبيرة الإحرام إذا كبرها الإنسان، دخل رسمياً في حقل اللقاء مع رب العالمين.. فإذا كان الإنسان مؤدباً في الخطوة الأولى، لدخول طاعة السلطان؛ عندئذ يرجى أن يستمر في الأدب.. ومن الممكن أن يغـتفر له سوء الأدب المتقطع، أثناء اللقاء مع السلطان.. أما الذي يدخل، ولا يراعي أدب المثول بين يدي الله -عز وجل- وإن أقبل لاحقاً؛ فإنه يعدّ مقصراً في ذلك..

 

72. إن الذي لا يعظم الخالق في نفسه؛ سيترك ذلك فراغا في: الفكر، والقلب، والمشاعر.. وهذا الفراغ، سيملأ بغير الله عز وجل، ويحلّ فيه زيد وعمرو!.. أما الذي يعظم الخالق في نفسه؛ فإن هذا الفراغ قد ملئ بحب الله -تعالى- وتعظيمه، ولا مجال لأمر آخر أن يجد حيزا له في ذلك القلب.. ومن هنا تأتي عبادة الموحدين عبادة طبيعية من دون تكلف، بل إنهم يشتكون من أنه لا يمكنهم الالتفات إلى غير الله عز وجل؛ لأن الالتفات إلى هؤلاء فرع وجود فراغ في النفس، يتعلق بهم، وهذا الفراغ لا وجود له..

 

73. إن هناك بعض الحركات القلبية، مُسكت وحُبست في عالم الألفاظ اشتباهاً، من قبيل: الاستعاذة، والاستغفار.. فالاستعاذة والاستغفار هما حركتان قلبيتان، وإن أُبديت هذه الحركة من خلال اللسان؛ أي عندما يستغفر الإنسان ينيب بقلبه، وعندما يستعيذ يلتجيء بقلبه، فهذه الألفاظ جعلت دلالات على المعاني القلبية.. فإذا كان القلب خالياً من هذا المعنى؛ فإن ذلك يعني أن هذه الحركات اللسانية، حركات لا رصيد لها.

 

74. إن هنالك خواطر تهجم على المصلي من غير اختيار؛ أي تأتيه خاطرة جبرية قهرية، لا دخل للعبد في متابعتها.. إن هذه الخواطر لا تضر بالمصلي؛ لأنها حركة إجبارية.. ولكن المشكلة في المتابعة الإختيارية، بمعنى أن الخاطرة تأتي كنقطة، وعلى المصلي أن يتجاوز هذه النقطة، ولا يعتني بها؛ لأنه إذا اعتنى فهو موآخذ بهذا الاعتناء، لا أنه موآخذ بأصل هجوم الفكرة عليه.

 

75. إن التسمية نوع استئذان للتصرف في ملك الله سبحانه وتعالى.. والعبد في محضر الله -عز وجل- ويريد أن يأكل مما خلق من: الطعام، والشراب، واللباس؛ فمن الأدب أن يستأذن مولاه.. واستئذانه لا يحتاج إلى جواب، وإنما استئذانه يكون بالتسمية.. فاستئذانه يعني الموافقة.. والله -عز وجل- أكرم وأجلّ من أن يسميه الإنسان، ويذكر اسمه؛ ولا يأذن له بالتصرف!..

 

76. إن من بركات التسمية الوقاية من الذنوب؛ فعندما يسمي الإنسان، ويزاول عملا؛ فإنه من الطبيعي أن يلحظ رضا الله -عز وجل- في ذلك العمل.. فالذي يقوم بعمل ما ويقول: {بسم الله الرحمن الرحيم} بالتفات وتوجه، لا بد أن يراعي رضا الله -عز وجل- في ذلك العمل؛ فلا يعصي الله..

 

77. إن رب العزة والجلال، قد خلق كل الأشياء جميلة، وفي طريق التكامل والتقرب إليه.. إلا أن الإنسان بسوء اختياره، ينحرف عن الطريق، ويفسد ما أصلحه الله -عز وجل- لأجله.

 

78. إن الذين يرتكبون المعاصي: على الأرض، وعلى الفراش، وفي أي مكان؛ يرتكبونها على أشياء تسبح بحمد الله!.. أما يستحون من تلك الجمادات، التي تسبح بحمد الله -عز وجل- وهم مشغولون بالمعصية؟!..

 

79. إن التحميد ليس محصوراً بالألفاظ، أي أن يقول الإنسان: الحمد لله -مئة مرة، أو ألف مرة- بل لا بد وأن يقترن ذلك بحالة شعورية من الإحساس بعظمة الرب، وعظيم منّه عليه، وتقصيره بين يدي الله عز وجل.. عندئذ يقع الحمد موقعه من قلب الإنسان؛ فيعيش حالة شعورية من الخضوع والخشوع.

 

80. إن الذين يريدون الوصول إلى الله عز وجل، رغم أنه في كثير من الحالات لا تنقصهم الهمة، ولا ينقصهم العزم، ولا ينقصهم الإصرار في هذا الطريق؛ تواجههم مشكلة، وهي: في عدم البصيرة، وعدم معرفة الطريق.. وإنها لخسارة عظمى للإنسان السائر إلى الله -عز وجل- أن يعيش حالة: الهمة، والعزم، والإصرار، والتأكيد.. ولكنه يخطيء الطريق؛ فيقع في بعض المطبات.. فيكون من أثر ذلك أنه يشمئز من أصل سفره، وينحرف عن أصل سلوكه..

 

81. إن المؤمن بين تجاذبين: الملك في أذن، والشيطان على أذن؛ هذا يلهم له السبيل الصالح، وهذا يسوقه إلى السبيل الطالح.. وقد يصل إلى درجة من الدرجات، حيث أن الشيطان يبتعد عنه بعد المشرقين فيرى السبيل، ومن هنا تقل عنده نسبة الخطأ في التعامل مع الغير.. إن بعض الأخطاء وإن اغتفرتْ فقهياً، إلا أن لها من الآثار ما لا يمكن أن يتدارك في سنوات قليلة؛ لما فيه من الكسر والوهن وما شابه ذلك.

 

82. إن الإنسان الذي يرى نفسه مملوكا بكل معنى الكلمة، لا يحتاج إلى كثير عناء؛ حيث أن له بنيانا عميقا، وهذا الإحساس فيه بركات كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ولهذا لا يرى هذا الفتور، ولا هذا الانفلات في سلوكه.. فهو على وتيرة واحدة؛ لأنه يرى نفسه مِلكاً طِلقاً لرب العالمين في كل حركاته وسكناته، ولهذا لا يفكر بالتمرد، ولا يفكر في المعصية.. وعندما لا يعصي ويطيع، لا يرى في ذلك منة أبدا؛ لأن ذلك مقتضى طبيعته!..

 

83. إن علينا أن لا نعمل يوما عملا يستوجب غضب رب العالمين {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.. فالقرآن لم يعقب كيف هوى، وإلى متى يهوي؟.. وكيف يهوي؟.. إن هذا الإنسان في الدنيا يهوي ويهوي؛ ليستقر في قعر جهنم.. ونحن لا نعلم متى يحل هذا الغضب!.. وعليه، فإياك أن تحقر معصية، فلعلها هي المهلكة!.. وإياك أن تحقر طاعة، فلعلها هي المنجية!.. وإياك أن تحقر عبدا صالحا، فلعله هو الولي الذي يغضب رب العالمين لغضبه!..

 

84. إن الساجد له هيئة، وعليه أن ينتقل من ملك السجود إلى ملكوت السجود.. وهناك طرق ووسائل ومقدمات منها: أن يعرف الإنسان حقيقة من يسجد له، فالسجود تذلل، والسجود تواضع، والسجود ارتماء على الأرض، في مقام بيان الخضوع والخشوع.. فإذا لم يعرف الإنسان لمن يخضع، ولمن يتذلل.. فإذن، من أين يأتي الخشوع؟!..

 

85. إن إدامة السجود يوصل الإنسان العابد إلى درجة، يرى أرقى لذائذ الوجود في حالة السجود.. يرى ما لا يراه الآخرون، فلا يحتاج إلى حث تشريعي على السجود.. بل يغتنم الفرص، ويتحين الأوقات، ويبحث عن الخلوات، لكي يسجد.

 

86. إن على الإنسان أن يعيش حالة من الضيافة الإلهية في المسجد، ولهذا إذا رأى إدبارا خارج المسجد؛ فإنه يحاول أن يستنزل جو الإقبال من خلال الحضور في بيوت الله عز وجل، وخاصة هذه العبارة التي يدعى بها عند دخول المسجد: (إلهي!.. عبيدك ببابك، سائلك ببابك).. فالإنسان يكثر من ترديد الذكر، ويقرأ هذه العبارات؛ لينقي النفس.. وكم من الجميل عندما يقول: (يارب!.. لكل قادم كرامة، ولكل ضيف قرى، فاجعل قراي عتق رقبتي من النار)!.. وهل هذا عزيز على رب العالمين؟..

 

87. إن صلاة الليل تضمن رزق النهار.. فهناك تناسب بين الرزق، وبين صلاة الليل.. ولا ينبغي أن نجعل للرزق مفهوما مادياً بحتاً، متمثلاً بالنقد من الذهب والفضة.. فالرزق كل ما يأتي من قبل الله عز وجل: علماً نافعاً، وصدقة جارية، وذرية صالحة، وزوجة طيبة، وانشراحاً نفسياً، وما شابه ذلك من أرزاق، ومنها الدرهم والدينار.

 

88. يقول الإمام الصادق (ع): (صلاة المؤمن بالليل، تذهب بما عمل من ذنب بالنهار).. فالإنسان يوميا يخطئ، ويذنب عن غير عمد.. وعندما يأتي الليل، يخلو مع ربه، وبقطرات من الدموع يتكلم مع ربه؛ فيعيد نشاطه، ويعيد طراوته ونظافته الباطنية.. ومن هنا يعلم أن صلاة الليل أيضا واجبة، بمعنى من المعاني.. صحيح أنها ليست واجبة فقهيا؛ ولكنها واجبة سلوكيا.

 

89. إنك إذ قمت في جوف الليل -وقد أُعطيت أربعين منحة للاستغفار لأربعين مؤمنا- فيراك رب العالمين، وأنت تتذكر ذلك العدو الذي أساء إليك، وتتذكر ذلك الصديق الذي أخطأ بحقك، وزوجتك، وولدك، ومن يعنيك أمره.. إن هذه الحركة تجعل الرحمة الإلهية تغمرك من رأسك إلى قدمك، وكأني برب العالمين يقول: يا ملائكتي!.. انظروا إلى عبدي، حرم نفسه نوم الليل {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} وهو يدعو؛ لأن أغفر لذلك العبد الذي أساء بحقه.. فهل رب العالمين يتركك من دون مغفرة في هذا الموقف؟..

 

90. إن بعض الناس، عندما يُدعى للشهادة في المحكمة، يخاف من إدلاء شهادته؛ لأنه يخاف من تبعات ذلك، ومن انتقام من شهد عليه، ويخاف من تشكيك القاضي في شهادته، ويخاف أن يشهد ثم تنكشف أن الشهادة باطلة.. فعندئذ من شهد عليه، يطالبه باسترجاع كرامته، وإذا بهذا الشاهد يحبس.. فإذن، إن الشهادة فيها تبعة، وفيها مسؤولية، وهي قضية مخيفة.. وعليه، فإن من يتشهد الشهادتين، عليه أن يعلم أنه لابد وأن يكون على مستوى الشهادة بالوحدانية.

 

91. إن مقام النبي المحمود؛ هي الرسالة.. ومقام المؤمن المحمود؛ هو القرب من الله عز وجل.. فإذن، إن مفتاح الرسالة، ومفتاح نجاح النبي؛ هي عبوديته لله عز وجل.. وما دام الإنسان يشهد بذلك، أيضا عليه أن يكون وفيا لهذه الشهادة.

 

92. إن من دروس التسليم: أن المصلي في اللحظات الأخيرة من مفارقة اللقاء مع رب العالمين، يلاحظ أن الحركة حركة اجتماعية، حيث يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) -والله العالم كأن المراد-: أيها المصلي!.. إن كنت مصلياً حقاً، فإن ثمرة الصلاة، وثمرة العبادة، وثمرة الإقبال على الله عز وجل، هي الإلتفات إلى عباده الصالحين.. هنا في الصلاة سلام، وفي حركة الحياة خدمة وقضاء حاجة.

 

93. إذا أراد الإنسان أن يصلي صلاة حقيقية، فإن ثمرة هذه الصلاة هي الإلتفات إلى العباد وإلى الناس فـ(الدين المعاملة).. والدرس العملي: أن الإلتفات إلى عباد الله عز وجل، ليست منقصة في حركة التكامل والسير إلى الله عز وجل.

 

94. إن الإنسان بعض الأوقات لا يصطحب معه بركات المشهد: فالإمام له ضيافة، والنبي له ضيافة.. والإنسان عندما يذهب الروضة فهنالك نفحة روحية رب العالمين يمنحها له ببركة المشهد.. ولكن هذه النفحة لا تبقى معه إلى الأبد ، فلا بد أن يعمل عملاً من أجل أن يستصحب هذه البركات عندما يرجع إلى الوطن.. من الجميل أن نقرأ في وداع المعصوم: (واجعلونـي من همّكم، واذكروني عند ربّكم، وكونوا عصمتي.. وصيّروني من حزبكم، وشرّفوني بشفاعتكم، ومكّنوني في دولتكم، واحشروني في زمرتكم).. فلو استجيبت هذه المضامين في حق الداعي فيا له من مكسب عظيم!..

 

95. إن المؤمن عندما يعطى البصيرة؛ فإن أول ما يبصره نفسه.. رب العالمين لا يمكِّنه من أسرار العباد، هذا النور الذي أعطي يرى فيه نفسه.. وهذا هي الثمرة الكبرى في النور، الذي يريه الطريق، حيث يعرف آفات النفس، ويعرف أين هو الآن وصل.. ومن أين؟.. وإلى أين؟.. وفي أين؟..

 

96. قد ورد في بعض الروايات -ما مضمونه-: بأن الإنسان عندما يموت ينتقل إلى الآخرة بآخر ما كان مشغولاً به، فالإنسان المتعلق قلبه -مثلا- ببناء منزل، وكل همه وغمه أن ينجزه؛ فإنه عندما يموت، يذهب للآخرة بهذا الهم الذي كان في جوفه؟!..

 

97. إن فلسفة الموت: هو عبارة عن قطف لثمار متاعب الإنسان في الحياة الدنيا، ولولا هذه الثمرة اللذيذة -الموت وما بعده من الجزاء الإلهي- لما تحمل المتحملون مشقة العبادة والمجاهدة..

 

98. إن من كرامة المؤمن عند الله عز وجل، أن يريه منازله في الجنة؛ ليشتد شوقه وتقبله لمسألة الموت.. لأن الله -تعالى- لا يحب أن يقبض عبده وهو كاره.

 

99. إن رب العالمين جعل الشفاعة كرامة لأوليائه، غير أن المؤمن ينبغي أن يبذل قصارى جهده.. وكم من الجميل أن يدخر الإنسان شفاعة الأئمة (ع) لرفع الدرجات، لا لمحو السيئات، ويطلب من النبي وأهل بيته (ع) أن يصعدوه إلى مرتبتهم التي هي فوق التصور!..

 

100. إن من مكارم أخلاق الإمام الرضا (ع) ما جاء في البحار: (ما رأيت أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلامه قط).. فالذين لهم جفاء وسوء خلق مع أولادهم، ومع أزواجهم، ومع جيرانهم وأسرهم؛ فهذه ليست من صفات الرضا (ع).. والذي يأتي لزيارته، وهو يحمل هذه الصفة -صفة الجفاء للآخرين- فإن هذا سيحجبه عن أنوار الرضا (ع).


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج