100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الإنسان يحتاج إلى ثقافة أولية قبل الحركة، وثقافة تفصيلية أثناء الحركة.. ولهذا فإن الذي لا يملك البنية العلمية: إما يبتلى بالإفراط والتفريط، أو يبتلى بالتراجع؛ لأنه لا يعلم ماذا يعمل؟.. إن هناك تجارب مشتركة بين الذين سلكوا إلى الله عزّ وجلّ، هذه التجارب مدونة في كتب الأخلاق، ومدونة في الكتب التخصصية في عالم العرفان، فالذي يريد أن يمشي إلى الله -عزّ وجلّ- عليه أن يلّم بهذه المبادئ؛ لئلا تتكرر عنده الأخطاء.

 

2. إن العبد الذي يريد أن يصل في سيره إلى الله -عزّ وجلّ-؛ عليه أن يلغي مزاجيته في اختيار العبادة التي يريدها.. فيرى نفسه عبداً لله -عزّ وجلّ- وينظر دائماً في كلّ لحظة، وفي كلّ مكان: ما هو التكليف الذي يتوقع أن يحبه المولى؟.. فيستفهم الله في كلّ حركة، وفي كلّ سكنة.. ولقد ورد بأنه: (إستفهم الله، يفهمك)، ثم يقدم على العمل.

 

 3. إنالله  -عز وجل- إذا رأى الإنسان حريصاً على رضاه في كلّ حركة وسكنة: إما أن يلهم بإلقاء في الروع، أو يسدد في نطاق العمل.. أي أن المؤمن يتحرك ضمن قنوات، هو لا يريدها وقد لا يرتضيها، ولكن الله -عزّ وجلّ- يجعله يعيش هذا الاتجاه.

 

4. إن هناك بعض الناس، يعيشون حالة التردد: لا مرّجح لفعله، ولا لتركه.. فبمجرد أن يسمع ترجيحا من أحد، قد يوجب له التكليف.. وهذه حركة خطيرة، وهي أن نسلّم زمام عقولنا وآراءنا، إلى من لم يؤتَ سعة في العلم والبصيرة.. فالمشورة أمرٌ ضروري، ولكن بشرطها وشروطها.

 

5. إن الإنسان المؤمن إذا أراد أن يقدم على أمر، وهو لا يعرف عدم صلاح ذلك الأمر أو عاقبته.. وأحب أن يستشير أخاه في هذا الأمر، فلا بأس قبل ذلك أن يتوسل إلى الله -عز وجل- ويطلب منه -تعالى- أن يجعل الخير على لسان أخيه المؤمن.. فالاستبداد في الرأي، وتصور بأنه لا رأي وراء رأيه، من صور الإخفاق في الحياة.

 

6. إنّ حالة التراجع بعد التقدم مكلفة جداً!.. فالذي يتقدم في السير الروحي إلى الله -عزّ وجلّ- ثم يقف ويتباطأ؛ فإنه لا يقف على النقطة التي وصل إليها، وإنما يتراجع عما كان فيه، وذلك لأمرين أولا: انتقام الشياطين؛ لأنه حاول أن يهرب من مملكتهم، فانتقموا منه، وثانيا: الخذلان الإلهي؛ لأنه لم يقدّر ما أعطي من هبات، فهو في مقام العمل هتك العطية الإلهية التي أنزلت عليه.

 

7. إن التذبذب من الممكن أن يُتحمل في قسم منه، حيث أن للقلوب إقبالاً وإدبارا.. ولكن إذا كان الإدبار نفورا من العبادة، كأن يجد في نفسه حالة من النفور والتثاقل من: الصلاة، والدعاء، وقراءة القرآن؛ فإن هذا نذير شر، بأنه أخذ يتثاقل إلى مستوى دون المستوى الذي يراد منه.

 

8. إن الذي لا يتقن الصلاة، لا يتقن الحركة إلى الله -عزّ وجلّ-؛ لأنها جوهر الحركة إلى الله تعالى.. وخلاصة السير إلى الله -عزّ وجلّ- ينحصر في الصلاة، ولو كان هناك تكليف وفرع فقهي أقوى من هذه الحركة؛ لجعلها الله -عزّ وجلّ- فريضة على المسلمين صباحاً ومساءً.

 

9. إن المراقبة الناجحة، هي المراقبة المستوعبة للجوارح، ولما خفي من الجوانح.. فعلى المؤمن أن لا يدع هذا الأمر.. بعض الناس عندما ينظر إلى كشف حساباته، ويرى أنه غارق في الديون، يترك العمل ويهرب من الميدان؛ فهذه العملية ليست صحيحة.. بل عليه إذا رأى أن نفسه مليئة بالسلبيات والصفات غير الحسنة، أن يقاوم ويجاهد إلى أن يصل إلى نقطة الفوز.

 

10. إذا رأيتم الإنسان يعيش حالة كفران النعمة، كأن تحسن إليه فلا يشكرك بكلمة.. بغض النظر عن المواقف، ورد الجميل.. فإن هذا الإنسان يُخشى عليه في يوم من الأيام، لأن هذه النفس التي لا تقيم وزناً لإنعام الآخرين؛ نفس تعيش حالة من الخلل.. فالذي يعيش حالة من الكفران مع المخلوقين، لا يُؤمَن أن يعيش حالة الكفران مع ربّ العالمين.

 

11. إن المؤمن كلما رأى جميلاً من أحد، عليه بالشكر اللفظي أولا.. حتى لو بالغ في الشكر، فإن ذلك أمر محمود، ولا يحمل على التكلف والتزلف.. فالمؤمن له حالة الشكورية، فهو لا ينسى المعروف.. بل العكس، هو ينسى إساءة الآخرين، ويحفظ جميلهم.. وهذه صفة من الصفات المحمودة في الإنسان المؤمن.

 

12. إن المؤمن في قرارة نفسه، عندما يرى جميلاً من أخيه المؤمن؛ يمشي في واديين: وادي شكر المخلوق؛ شكراً لفظياً، أو إهداءً، أو دعاءً تعويضاً.. وفي نفس الوقت يشكر ربّ العالمين، إذ سخّر له هذه الوسيلة.. ففي كلّ موقف يرى فيه المؤمن جميلاً من مخلوق، فإنه ينظر إلى هذا الجميل، على أنه من الله سبحانه وتعالى.

 

13. إن أفضل شكر على النعم التي أنعم الله -تعالى- علينا؛ هو الابتعاد عن معاصيه، والقيام بما يرضيه.. فهذا أكبر شكر لنا، وعلينا أن نقوم به.

 

14. إن الاستغفار عبارة عن ورد المؤمن الدائم، وقلما نلاحظ دعاء أو مناجاة، يخلو من الاستغفار بين يدي الله عزّ وجلّ.. والسبب في ذلك أن الإنسان المؤمن في حياته، أو الإنسان بشكل مطلق يعيش سلبيتين: سلبية الغفلة عن ذكر الله تعالى، وسلبية المعصية.

 

15. إن من أفضل علامات قبول التوبة، الإحساس بعدم الميل إلى تلك المعصية.. فالإنسان قد يندم، ولكن يعيش في قلبه الرغبة والميل، لأن يعيد الكرة.. أما إذا رأى في نفسه عدم ميل وكراهة، وبغضا لتلك المعصية؛ فهذا أفضل علامات التوبة.. وأما في ساحة الحياة، فإن علامة التوبة المقبولة؛ هي عدم مزاولة المعصية.. فإذا مرت عليه فترة طويلة، وهو لم يعد إلى تلك المعصية، فليعلم أنّ الله -عزّ وجلّ- قد غفر الله له.

 

16. إن التثاقل من الخلق حالة سلبية، وفي نفس الوقت حالة إيجابية.. إذ يمكن للإنسان أن يحول هذه الحالة إلى حالة إيجابية.. وبالتالي، يتوجه إلى الناس: لا حباً لهم، ولا تزلفاً لديهم، ولا طمعاً بثنائهم، ولا حتى الأنس بهم.. وإنما لأن الله -عزّ وجلّ- أمره بذلك..

 

17. إن الإنسان عليه الالتفات إلى أن التثاقل من الخلق، إذا كان مقدمة لخدمتهم بأمرٍ من الله -عزّ وجلّ- لا لذواتهم؛ فحاله حالة مقدسة.. وأما إذا كان التثاقل مقدمة للعجب والغرور وتحقير الآخرين؛ فهذه حالة سلبية نعوذ بالله من ذلك.

 

18. إن معاشرة الغافلين، ينبغي أن تكون دائماً معاشرة خارجية.. حتى لو استلزمت التقية أو الضرورة، أن تهشّ وتبشّ لعله حتى في وجوه غير المسلمين.. فالإنسان مجاز في عالم الخارج، أن يفعل ما يريد بمقدار الضرورة.. ولكن القلب سرٌّ من أسرار الله عزّ وجلّ، ولا سلطان لأحد عليه.. ولهذا ينبغي أن نعيش حالة الوحشة من الغافلين في الباطن.

 

19. إذا رأى المؤمن نفسه في يوم من الأيام يألف مجالس البطالين، ويأنس بصديق فاسق فاجر، أو غير مسلم.. قد ابتعد عنه في سفر أو ما شابه ذلك، فعاش حالة فقده في حياته، أليس هذا الفقد علامة على أنه أنسَ به؟.. إن هذا الأنس الباطني، لا يرتضيه الشارع.. وهو علامة على تنزل النفس، فالأنس بين الناس هو فرعٌ من المسانخة.

 

20. علينا أن نخرج الغافل من جوّه.. إن الدعوة إلى الله -عزّ وجلّ- وإلى سبيله -مع الأسف- كأنه وقفٌ على طبقة من المجتمع، هم رجال الدين!.. والحال بأن المؤمن موجود مذكّر بما يمكنه.. إن كان المؤمن جالسا في مجلس تغلب عليه الغفلة، لماذا لا يكسر هذا الجوّ بحديث، أو بموعظة، أو بتذكير، أو على الأقل بحديث نافع من أحاديث الدنيا؟..

 

21. إذا اضطر أحدنا إلى الذهاب إلى مجلس من مجالس الغافلين، لغرضٍ من الأغراض.. عليه أن يعدَّ نفسه إعدادا، ويصبّر نفسه، ويلّقن نفسه بالذكر الخفي، ألا وهو قول كلمة: (لا إله إلا الله) الذي من الممكن أن يتلفظ بها الإنسان، دون أن يظهر ذلك على شفتيه.. وبعد ذلك لو زلّ في ذلك المجلس، وقام ورأى قساوة في قلبه، ورأى أنساً مع الغافلين، ورأى أنه خاض مع الخائضين.. أيضاً عليه أن لا ييأس، ويستغفر..

 

22. إن السنة الإلهية سنةٌ لا تنخرم، ومنها البلايا والمحن.. والله -سبحانه وتعالى- أسلوبه مع الخلق، أن يبتليهم بأنواع المصائب والمصاعب.. والسرّ في ذلك: أنّ طبيعة الإنسان إذا ترك وشأنه، يميل ويخلد إلى الحياة الدنيا، وبطبعه يميل إلى التلذذ والاستمتاع.. وأما في حال البلاء، فإنه يعيش حالة شعورية عالية.. وهذه قضية وجدانية.

 

23. إن أفضل بشرى لذوي المصائب هذه الآية: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.. فهذه الصلوات، وهذه الرحمة، لم تكن لتشمل الإنسان إلا عندما يقع في البلية.. ولهذا نقول لأصحاب البلاء: البلية وقعت: سواء بسوء تصرفك، أو بلية من القضاء والقدر المحتوم.. فلماذا لا تستثمر هذه البلية، لرجاء حالة من الرقي النفسي؟..

 

24. إن الإنسان المؤمن يدعو دائماً: بأن لا يجعل مصيبته في الدين.. فالمؤمن قد يتحمل بعض أنواع البلاء، ما دامت لا تمسّ الجوهر والروح والقلب.. ولكن إذا تحول الأمر إلى قساوة في القلب، وإعراض مستمر عن الله عزّ وجلّ؛ فإنه عندئذ يتمنى الموت..

 

25. إنَّ أفضل ساعات الخلوة: أولاً في جوف الليل، ساعة السحر.. والوقت الآخر وهو متاح للجميع، عقب الصلوات، هذه الدقائق العشر أو الربع ساعة وما قلّ أو كثر.. على المصلي أن لا يستعجل في الخروج من هيئة الصلاة، ومن جو الصلاة.. فليحاول أن يبقى قليلاً، ليتكلم مع نفسه.. لأنها ساعة الصفاء، ولكلِّ مصلٍّ دعوة مستجابة.. فالجو مهيأ، لأن يعيش هذه الخلوة مع النفس ومع الباطن.

 

26. إن المؤمن يعلم أنه سوف يواجه الخلوة في يوم من الأيام.. هب أن الإنسان سدّ فراغه بالأنس مع المخلوقين!.. ماذا يعمل في ذلك اليوم الذي ينقطع فيه عن هذه الدنيا؟.. فهنيئاً لمن اتخذ الله -عزّ وجلّ- خليلاً؛ متشبّهاً بخليله الأكبر إبراهيم (ع).. إذا اتخذ أحدنا ربه خليلا!.. هل الربّ يتركه، عندما يكون في أمسّ الحاجة لهذه الخلة في القبر وفي القيامة؟..

 

27. إن الخلوة هي من أهم مهمات الطريق والسلوك إلى الله -تعالى- وينصح العارفون بها.. فهي ساعة تصقل القلب، وتزكي النفس.. أليس المحب يتمنى الخلوة مع حبيبه؟.. وأليس المحب يسعى في رضا حبيبه، ويتحمل من أجل رضاه ما قد يشق على نفسه؟..

 

28. أن نحمّل أنفسنا فوق طاقتها في العبادة؛ هذه حركة مرفوضة.. لأنّ الله -عزّ وجلّ- يحبُّ أن يتقرب إليه العبد، وهو يستلذّ العبادة.. فالذي يؤدي العبادة على كره ومضض؛ هذا الإنسان قد يؤجر، لكنه لا يتقرب..

 

29. إن علينا أن نأتي بالطاعة في الظرف الملائم.. فبني آدم محكوم بالظروف: له إقبال وله إدبار، له ساعة من ساعات الإرهاق، وغلبة النوم، والتبرم، وعدم التحمل، وضيق الصدر.. فإذا قام بالأعمال المستحبة في أحد هذه الأوقات، فإن النفس تنفر من الطاعة..

 

30. إن على الإنسان أن يحبب إلى نفسه الطاعة، ولهذا علينا أن نهيئ لأنفسنا جوّ الراحة في العبادة، فهذا مما يرضى عنه الشارع، وأفضل وسيلة إلى تحبيب النفس بالعبادة، هي محبة الخالق..

 

31. إن المؤمن الصالح والولي السالك، لا يتحمل أن يقوم بأي عمل دون أن يعلم ما هو رضا الله -عزّ وجلّ- فيه: يريد أن يأكل، أو يتزوج، أو يريد أن يسافر؛ فإنه يبحث في بطون الكتب ليعلم ما الذي ينبغي أن يقوم به؟.. هذه حركة، ولكلِّ حركةٍ دستور وأمر من الله عزّ وجلّ.

 

32. يجب على الإنسان أن يتحرى قدر الإمكان الحلال الواقعي بالنسبة للطعام.. فلو كان هناك بائعان: هذا يبيع مشتبهاً، وهذا يبيع حلالاً حسب الظاهر، لماذا لا نقدم هذا على ذاك؟.. فالسياسة العامة في الطعام والشراب بالنسبة للمؤمن، أن يدقق بالقدر الذي لا يوقعه في الحرج..

 

33. إن الله -سبحانه وتعالى- تجلى بصفاته فيالأئمة (ع)، لذا فإن الإمام (عج) بصير بما يصلح للعبد؛ لأنه يرى بعين الله -عزّ وجلّ- وينظر بأمر إلهي.. وبالتالي، إذا أردتَ أن تكون موفقاً في حياتك، عليك أن تسلّم نفسك بهذه المشاعر إلى ولي الأمر (عج).

 

34. ما من شك بأن التقوى، والامتثال لأوامر الله -عزّ وجلّ- ونواهيه، تقربنا من إمامنا (عج).. فإذا أردنا أن نصل إلى هذه العناية العظمى من إمامنا -(عج)؛ علينا أن نعلم بأنه كلما تقربنا في الإيمان والتقوى درجة، كلما تقربنا من إمامنا (عج) أيضاً.. بالإضافة إلى هذه المعاني كلها، على الإنسان المؤمن أن تكون له خلوات، يتحدث فيها مع الإمام (عج).

 

35. إن علينا أن ندعو للإمام بالظهور، وكأنه مطلب شخصي، كما يدعو أحدنا لشفاء ولده؟.. فهو أعزُّّّّّّّ مفقود، وأيّ فقدٍ أعظم من فقد الإمام (عج)!.. والقيمة الكبرى أن يتذكر الإنسان من تلقاء نفسه، محنة الإمام (عج) ويكثر من الدعاء له بالفرج.

 

36. إن التأثر الشعوري بمصائب أهل البيت (ع) من النقاط مهمة؛ فالإنسان كلما زاد بلوغاً ذكرياً وعاطفياً، كلما زاد تفاعله بمصائب أهل البيت (ع).. لأنَّ الأئمة (ع) وعلى رأسهم النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- يمثلون أعزَّ الخلقِ على الله عزَّ وجلَّ.. وبالطبع من محبة الله، أن يتألم الإنسان لما يقع على مَن أحبه الله عزَّ وجلّ..

 

37. إن المؤمن دائماً، ليس في محرم، أو في يوم عاشوراء فقط.. بل في كلّ يوم إذا كان له قلب، وتذكر مصيبة إمامه (ع)؛ عليه أن يتفاعل.. لأن هنالك ظلامة بحقّ ولي من أولياء الله، بل من أعظم أولياء الله!.. ولم يحصل هناك ما يوجب السكون والارتياح للانتقام من قتلته (ع).

 

38. إن ما يوجب التوفيق للبكاء والتفاعل مع مصائبهم، هو حال الإنسان قبل المجلس وبعده.. فالذهاب لمجالس أهل البيت أو إلى مشاهدهم، يحتاج إلى إعداد نفسي.. فالذي يعيش جو المزاح واللهو والهذر وما شابه ذلك، قبيل المجلس بلحظات؛ كيف يتوقع منه أن يتفاعل تفاعلاً بليغاً، عندما يستمع إلى مصائبهم؟!..

 

39. إن من النقاط التكاملية المهمة، الاستغلال الكامل للمحطات العبادية الزمانية والمكانية.. وإيجاد علاقات فيما بينها؛ فعلى المؤمن أن يكون ذكيا فيستغل ما بين المحطتين لإنارة الطريق الذي يمشي فيه.. فنحن لا تنقصنا المحطات، فالله -سبحانه وتعالى- منَّ على المسلمين بمحطات متنوعة: زمانية، ومكانية.. ولكننا لا نحسن الاستفادة من هذه المحطات، فالنفحات الإلهية تحيي، ولكن المشكلة أننا لا نحول النفحة إلى حركة في الحياة.

 

40. إن الفرق بين المعصوم الحي، وبين المعصوم الذي انتقل من الدنيا إلى الرفيق الأعلى، كالفرق بين الراكب والراجل.. فلو ولو أنَّ الراكب انفصل عن دابته، وأصبح راجلاً، هل تغير شئُ في جوهره؟.. بل هو ذاته، ولكنه كان راكباً وأصبح راجلاً.. فالمعصوم كان راكباً في ضمن جو البدن، وإذا به أصبح راجلاً.

 

41. إن السالك إلى الله -عز وجل- لا يكتفي بالمواسم العبادية، ليصل إلى ما يريده؛ لأنه في الحقيقة ما يحصل من حالات الإقبال في تلك المواسم، هو ببركة ذلك الموسم.. وما إن ينقضي حتى تنقضي معه الحالات المتميزة، ويعود إلى ما كان عليه من الذنوب والآثام والغفلات.

 

42. إن الإنسان في حبه لله -عزّ وجلّ-، يغلب عليه شيء من درجات الهيام، والحبِّ الشديد.. قد ينعكس على سلوكه صمتاً طويلاً، وحالة من حالات الذهول أو الإعراض عن الحياة الدنيا، وعن لغوها ولهوها.. والآخرون لا يفسرون الأمر كما ينبغي أن يفسر، ولهذا على المؤمن أن يكتم علاقته المتميزة مع الله سبحانه وتعالى، فما الداعي أن يذكر ما أعطي من نفحات في جوف الليل!.. أو لا يكون ذلك في مظان العجب والرياء؟..

 

43. إن البعض يسأل: هل للإنسان أن يسير من دون مربٍّ؟.. نعم الله -عزَّ وجلَّ- هو المربي، ومن بعده وليه الأعظم (عج).. وكلّّّّّ واحدٍ منا ولو كان في أبسط درجات الثقافة الدينية، يعلم شيئاً من الحرام، ويعلم شيئاً من الواجب.. فعليه أن يحرص على العمل بالواضحات، فإذا كان صادق النية، وواجهته الصعوبات والأمور الخفية عليه؛ فإن الله -عزّ وجلّ- سيسدده بلطفه الخفي.. ولو استلزم الأمر أن يبعث له كفيلاً من حيث لا يحتسب، لبعث له ذلك الكفيل..

 

44. إن الاطلاع على سير الصالحين مما يشجع على السير، ويفتح شهية الإنسان.. وكذلك فإن الولي أو الأستاذ والمربي من الأمور الجيدة، ومن معجلات السير؛ ولكن لا يتوقف عليه الأمر.. بل علينا أن نعمل بإخلاص، والله -عزّ وجلّ- يعلم كيف يربي المخلصين.

 

45. إن الابتعاد عن موجبات الالتهاء، من النقاط المهمة في السير إلى الله -تعالى-.. حيث أنّ لكلِّ إنسان انشغاله في هذه الحياة الدنيا.. فقد يكون هناك إنسان لا تستهويه الكثير من الشهوات، ولكن أمرا ما قد يشغل باله.. فالقلب إذا اشتغل بالدنيا، لا يشتغل بالله -عزّ وجلّ- في نفس الوقت.. علينا أن نعتقد بهذه الحقيقة، وإن كانت مرّة، ولهذا علينا بالتخفف من الدنيا.

 

46. إن على الإنسان أن يلتفت إلى أنَّ هنالك حالة من عدم إمكانية تدارك جرائم اللسان، فمادام الإنسان صامتاً فهو في أمان، والملكان لا يكتبان عليه شيئا.. وقلما يحاسب الإنسان يوم القيامة على صمته، إلا في مقام النهي عن المنكر، أو عدم  الأمر بالمعروف..

 

47. إن الثرثرة الباطنية من الحالات السلبية في سير الإنسان، وهي بمثابة الدخان الذي لا يحرق المنزل، ولكن يسوّد جدرانه.. لذا على المؤمن السائر، إذا رأى نفسه تميل إلى الثرثرة الباطنية، أن يحوّل اتجاه النفس من هذه الثرثرة، إلى حديث باطني مع ربِّ العالمين {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}.. ما المانع الذي يمنع الإنسان الذي يفكر ويثرثر في باطنه، أن يتحول إلى موجود يناجي الله -عزّ وجلّ-؟!..

 

48. إنَّ تربية النفس وتهذيبها همٌّ شاغل، وسفرة من السفرات، بدأت منذ أن خلقنا، ولا تنتهي.. لأننا سوف نعيش الأبدية في الآخرة: سواء في الأعراف، أو الجحيم، أو في جنة الخلد.. فالأمر يحتاج إلى برمجة وإلى مراقبة دقيقة، ويا حبذا لو يفتح الإنسان له ملفاً، فيحول مراقبته العامة لنفسه إلى أمر مكتوب، فكم من الضروري أن يتحول الاهتمام بالنفس إلى هذه الدرجة من المتابعة الدقيقة!..

 

49. إن لكلِّ إنسان ثغرات معينة، فالمؤمنون ليسوا سواسية.. حيث أن هناك ثلاث قنوات للتأثير في هذا المجال: الوراثة، والبيئة، والسلوك الفعلي.. فهذه المؤثرات هي التي تجعل في الإنسان نقاط ضعف!.. فالإنسان الذي يخشى من الوقوع في الخطأ، بمجرد أن يستشم رائحة الاقتراب من دائرته، عليه أن يعلم أنه اقترب من اللغم الذي قد ينفجر به بعد قليل..

 

50. إن بعض الذين تستهويهم الدرجات التكاملية، يدخلون من هذا الطريق، لا لأنهم مأمورون بالسلوك في هذا الأمر، وإنما طلباً للثمار.. والذي يتوجه إلى الله -عزَّ وجلّّّّّّّّّّّّ- ليستفيد من الهبات الإلهية في هذا المجال؛ هذا الإنسان لا يعدُّّّّّّّّّّّّ من السالكين أبداً.. لأنه يعيش على عالم المصالح، وكأنه جعل الله -عزَّ وجلَّ- على عظمته، جسراً للحصول على منافعه الدنيوية معجلة.

 

51. إنَّ السالك لله -عزَّ وجل- لا همَّ له في سيره، إلا ابتغاء رضوان الله -عزَّ وجل- فإن أعطي نفحة أو كرامة، فقبلها بقبول حسن.. وإلا فإنَّ الله -عزَّ وجلَّ- قد لا يكشف لك شيئاً من الغطاء والأسرار، بل يدّخر ذلك إلى يوم القيامة، ليعطيك دفعة واحدة أنواعاً من النعيم.. تلك الأنواع التي حرمتها في الدنيا؛ رأفةً بك كيلا تبتلى بالعجب والغرور.

 

52. إن الشيطان من العقبات الكبرى في حياة البشرية.. فالإنسان الذي يكثر ويكثف ويقوي من موجبات الحركة إلى الله -عزَّ وجلّ-، من دون إبطال كيد الشيطان؛ فهذا بمثابة إنسان يريد أن يحرق خشبة في منتهى الرطوبة، بل في أعماق البحر.. فهل يمكن للإنسان أن يحرق شيئاً في أعماق البحر؟!..

 

53. إن الاستعاذة الحقيقية بالله -عزَّ وجلَّ- توجب الحماية، ما المانع أن يقول ربّ العزة والجلال -مع استعاذة حقيقية من العبد-: يا إبليس!.. إياك أن تقترب من عبدي هذا.. وربّ العالمين يعلم كيف يصرف الكيد عن الإنسان المؤمن: إلقاء في الروع، أو تسديداً في مقام العمل.

 

54. إن من فخوخ الشيطان لتثبيط حركة العبد نحو الله -عزّ وجلّ- إعطاءه حالة من حالات الوهم، وهي أنّ هنالك مستقبلا طويلا للتغيير.. لذا علينا أن نتذكر دائماً عملية تصرف الدنيا، قم واغتنم الفرصة بين العدمين: عدم ما قبل الولادة، وعدم ما بعد الموت.. هناك فرصة منحصرة في هذه الأيام، فالأيام محدودة في هذه الدنيا.

 

55. علينا أن نلتفت أنه إذا أراد أحدنا أن يعيش حياة جميلة وسعيدة، عليه أن يستثمر الليالي والأيام وهو في ربيع الشباب.. لذا عليه أن يبخل بوقته ويحسن استغلاله، وهذا من أفضل صور البخل.. فهذه الأنفاس في الدنيا، هي أثمان للجنة، فلا تبيعوها سدى!..

 

56. إن الالتزام بهذين المستحبين: نافلة الليل، وصلاة الجماعة، الذين قلما ورد حث وتأكيد مثلما ورد فيهما؛ هما من النقاط المهمة في السير إلى الله -عز وجل-.. لذا على المؤمن أن لا يستخف بهما..

 

57. إن الطمع في عالم المادة أمر مذموم، كأن يطمع إنسان فيما لم يقدر له الله -عزّ وجل- فيه رزقا.. أما الطمع في عالم المعنى والطموح؛ أمر محمود، ويقال أنه في علم النفس: إذا كان للإنسان أهداف عليا كمالية، وإن كانت مثالية، وإن كانت ليست في مستواها الفعلي؛ فمجرد وجود الطموح في النفس، ووجود غايات عليا، هي من موجبات الحركة..

 

58. إن مثلنا في هذه الحياة الدنيا، كمثل آبار النفط غير المكتشفة، هناك معادن، وهنالك قدرات خفية في وجود كلِّ فردٍ منا.. والمقدار المستخرج من الطاقات الداخلية في النفس، لا يقاس أبداً بما منحنا الله -عزّ وجلّ- من طاقة.. لذا على الإنسان أن يبتعد عن القناعة بالوضع الموجود، والتكاسل، والتثاقل، والارتياح لسير الحياة اليومية، ويكتشف ما لديه من قدرات جسمية وروحية، لم يكن يتوقعها أبداً.

 

59. إن الإنسان مدعو إلى حالة من الاتزان بين أمرين: بين الانشغال البدني والخارجي، والتفرغ النفسي.. فالإنسان عليه أن يعمل ما بوسعه: يقدّر معيشته، ثم يفوض أمره إلى الله -عز وجل-، وبعد ذلك عليه ألا يشغل نفسه بما سيأتي.. هو عليه أن يسعى سعيه البليغ، (العبد يدبّر والله يقدّر).

 

60. إن القسم الكبير من انشغالاتنا الذهنية، ليس في وضع الحال، فالوضع الحالي قد يكون مستقراً.. إلاّ أنَّ المخاوف المستقبلية، والهواجس، والاحتمالات حتى غير العقلائية، بعض الأوقات تشغل الإنسان في هذا المجال.. وهذا الشرود والتشتت الذهني، من أضرّ الأمور على الإنسان السالك؛ لأن القلب الذي يحمل همّ المعاش، هذا القلب لا يتفرغ لله -عزّ وجلّ- وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (من لا معاش له، لا معاد له).

 

61. يقال: إنَّّّّّّ السيطرة على الفكر، وعلى الخيال، وعلى الوهم؛ درجة من الكمال.. لو حصل عليها الإنسان؛ لعاش السعادة في الدنيا والآخرة.. عاش السعادة في الآخرة؛ لأنه يتفرغ مع ربّه.. وفي الدنيا؛ لأنه يتخلّص من كلّ ما يوجب له القلق والأرق في هذه الحياة الدنيا..

 

62. إنّ كلّ تصرف من الحكيم المتعال، ربُّّّّ الحكماء.. كلُّّّّّ حركة، وكلّ نفحة، وكلّ خطوة تقرب من الله إلى عبده، مسبوق بعلل.. وهذه العلل منشؤها العبد {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء} قيل: فاعل (يشاء) بأنه هو الله -عزّ وجلّ- وقيل: أن فاعل (يشاء) هو العبد .

 

63. إن الفرص الإلهية تارة تأتي بعد فعل العبد مباشرةً، وفي بعض الأوقات تأتي بشكل فجائي نتيجة لتراكم الامتيازات.. وفي كلتا الصورتين على الإنسان أن يغتنم هذه الفرص، فالذي لا يقدر قيمة هذه الفرص؛ لا يمنح مرةً أخرى، ولو أصرّ.. وما أعظم هذا الأمر من عقوبة، أن يطرق الإنسان باب ربه، ولا يفتح له الباب على رغم شفقته ورأفته!..

 

64. إنّ كلّ موجود على وجه الأرض؛ شأنٌ من شؤون الله -عزّ وجلّ-.. لو قضيتَ حاجة هذا الموجود على أنه شأن من شؤون المولى؛ أجرك على الله -عزّ وجلّ-، لذا فمن كنوز البرّ قضاء حاجة المؤمنين.

 

65. إن إحياء النفس لا يقاس بإحياء البدن، لو عُرِف إنسان في حياته أنه انتشل عدة أشخاص من الغرق والاحتراق؛ كم له من الوجاهة أمام الناس، وكأنه يغبط على ما قام به!.. والحال أن الإنسان الغريق يموت؛ فيتلف بدنه.. أما إذا أنقذت إنسانا من الغواية والضلال؛ تكون قد أنقذت النفس.. فكما لا قياس بين الباقي والفاني، كذلك لا قياس بين هذا وبين ذاك!..

 

66. لو أن أحدنا جاء يوم القيامة بهداية نفس واحدة، بأي صور الهداية سواء: باللسان، أو القلم، أو الإعانة على نشر كتاب؛ يكفي هذا الأمر بأن يكون من الفائزين.. فعن النبي (ص) عندما وجّه علياً إلى اليمن قائلاً له: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً؛ خير لك مما طلعت عليه الشمس).. إذن، هذه القاعدة علينا أن نتبعها في حياتنا.. والذي يريد أن يهدي الآخرين؛ لابدّ وأن يترقى في علمه وعمله .

 

67. إن الدعاء عبارة عن طعام معنوي، بإمكان الإنسان أن يقرأ قسماً من الدعاء، وإذا وصل إلى فقرة، ورأى أن هذه الفقرة أشجى للمشاعر، وأنه إذا تجاوز هذه الفقرة، من الممكن أن يفقد حالة التوجه!.. فعليه بالبقاء في هذه الفقرة، إلى أن يأخذ الرحيق أو الشهد الكافِ من هذه العبارة!.. ثم ينتقل إلى الفقرات الأخرى..

 

68. إن الإنسان يتمنى القمم العالية.. فما ذلك إلا كمثل قضية إنقطاع التيار الكهربائي، إذ أن هنالك قطعة حديدية صغيرة قد فصلت الكهرباء عن المنزل!.. وبجرد أن يأتي المهندس الخبير، ويكبس ذلك الزر، وإذا بهذا البيت المظلم يصبح كالشمس الساطعة.. فالكهرباء موجودة، ومصنع الطاقة بين أيدينا، ولا تحتاج القضية إلا إلى وصل.. فرب العالمين إذا رأى صدقاً في عبده وإصراراً، من الممكن في ليلة واحدة، كما أنه يُصلح أمر وليه في ليلة، يُصلح أمر ذلك الإنسان أيضاً في ليلة..

 

69. إن مثل الإمام المهدي (عج)، كمثل أب أو ولي أمر أخرجه ظالم من بيته، وتأمر على أهله، وتحكم في أولاده، وصادر أمواله.. وهو واقف ينظر إلى هذا الظالم، لأنه مأمور بالانتظار والصبر إلى أن يؤذن له بالانتقام.. فيا ترى ما حال هذا الأب؟!..

 

70. إن الانتظار الصادق، مثله كمثل إنسان مقاتل قيل له: بأنه سيتم الهجوم في التاريخ والوقت الفلاني.. فجعله هذا الخبر على أعلى درجات الاستعداد، وخاصة إذا كان يعتقد بحياة القائد خلف الجبهات، فإنه يعد العدة، وينتظر الفرصة القتالية المناسبة، وينتظر الأوامر العسكرية، وينتظر قدوم القائد الذي يعتقد بحياته.. ولو لم يره بعينه، لأن المخبر الصادق أخبره بوجود ذلك.

 

71. إن الصلاة معراج، ولقاء مع رب العالمين، والتجليات في الصلوات المفروضة، ليسَّ بإزائها تجلٍّ آخر في باقي الصلوات.. يقول النبي الأكرم (ص): (وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله -عز وجل- يقبل بوجهه على عبده، ما لم يلتفت).. هنالكَ إلتفاتٌ بالوجه عن القبلة في أثناء الصلاة؛ وهذا من مبطلات الصلاة.. وهُنالكَ إلتفاتٌ بالقلب عن الله عزَ وجل.. الصلاةُ صلاة القلب، -الصلاة معراج المؤمن- والعروج عروج القلب..

 

72. ليس كل وجه يوم القيامة ينظر إلى جهة الجلالِّ والجمال، فالذينَ يريدون أن يكونوا ممن ينظرون إلى ذلك الجلال والجمال؛ عليهم أن يكتسبوا هذهِ المزية في الحياة الدُنيا..

 

73. إن المؤمن بعدَ فترة من الصلاة الخاشعة، يصل إلى درجةٍ يرى شيئاً جميلاً في صلاته.. فجمال الوجوه؛ ما هو إلا رشحة من ريشة ذلكَ الجمال المطلق.. والذي خلقَ الطبيعة الخلابة؛ ذلكَ الجمال قبسٌ من ريشتهِ، فكيفَ بهِ هو!.. (يا أجملَ من كل جميل)!..

 

74. إن من دواعي التأسي بالإمام الحسين (ع)، المحافظة على الصلاة في أول وقتها.. حيث أن من أهم حركاته (ع) في يوم عاشوراء: وقوفه ليصلي صلاة الحرب جماعة في أول وقتها..

 

75. إذا لم نصل إلى جوهر الصلاة؛ ما صلينا الصلاة التي يريدها الشارع المقدس.. يقول تعالى في كتابه الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. فأول صفة من صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة.

 

76. إن الإنسان الخاشع لا يسهو في صلاته!.. فالركعة الأولى: حديث مشتاق مع رب العالمين.. والركعة الثانية: محطة مناجاة مع رب العالمين.. وفي الركعة الثالثة: يتذكر أنه قبلَ قليل قنت في صلاته ودموعه لم تجف بعد.. بينما الركعة الرابعة: فيها رائحة الوداع، بما تستلزمه من الهم والغم؛ فيعيش ألم الفراق، إذ أن الإنسان بعد لحظات سينتهي من لقاء الله عز وجل.. فعالم القنوت عالم يغاير تماماً عالم التشهد والتسليم، فكيف يخلط المؤمن بين الركعة الثانية، وبين الركعة الرابعة؟!.. بل حتى الركعة الثالثة؟!.. لا مجال للسهو في هذه الحالة!..

 

77. إن البعض منا يعطى ورقة، ليقرأ الورقة أمام الوزير أو الأمير، يتلعثم في كلامه، من هيبة الموقف.. ونحنُ نقف أمام رب العالمين، ليس فقط لا نتلعثم، بل نفكر في كل شيء، ما عدا الحديث معه سبحانهُ وتعالى.. فالأمرُ يحتاج إلى تهيئة، ليس بالتمني!..

 

78. نحنُ علاقتنا بالله -عز وجل- منحصرة بهذهِ الصلاة.. فالصوم، مرة في السنة، والحج في العمر مرة، والخمس في السنة مرة.. أما الصلاة اليومية، فهي الحبل الممدود بيننا وبين رب العالمين.. إذا هذهِ الصلاة لم تتحول إلى ذكر؛ ما بقيت علاقة في البينِ أبداً!..

 

79. إن المساجد بمثابة المطارات، وصلواتنا بمثابة الطائرات: إذا لم نذهب إلى سفرٍ علوي؛ ليس هنالك سَفرٌ ولا مطارٌ ولا طائرة.. قد ينكشفُ الغطاء للإنسان متأخرا، ولكن من الممكن التدارك في كلِّ موقف.. فبني آدم لهُ إرادة تحطم الجبال، بمجرد أن يُريد؛ رب العالمين يعينهُ على ذلك.

 

80. إن أئمة أهل البيت (ع) ليسوا عبارة عن لوحات زيتية، نعلقها في البيوت وننظر إليها.. فلا نتحد مع اللوحة، ولا نحاول في يوم من الأيام أن نرسم هذهِ اللوحة بأيدينا؛ فنكتفي بتعليقها، ونقول: نحن عندنا لوحة زيتية بآلاف الدنانير.. هذا المقدار لا ينطبقُ على سيرة أئمة أهل البيت -عليهم السلام-، إذ لابدَ من التأسي بهم. 

 

81. إن الذي يستنكر بعض الأمور في سيرة أهل البيت (ع)، نقول لهم: هؤلاء مثلوا العبودية والتوحيد بأجلى صورها، ذكر الله -عز وجل- خامرَ لحمهم ودمهم، في كل خطوة من خطوات حياتهم.. الحسين (ع) في اللحظات الأخيرة من عمره، كان يناجي ربه قائلا: (رضا بقضائك، وتسليما لأمرك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين)!.. هكذا موحد، هكذا عابد، ألا يخلد ذكرهُ في العالمين!.. لو أقمنا ذكرَ الحسين عندَ الكعبة، وفي المسجد الحرام؛ لكانَ الأمرُ في محلهِ.. لأنَ هذا بطل التوحيد، عليٌ محطم الأصنام، والحسين (ع) محطم الأصنام في زمانه. 

 

82. إن الذي يجذب الناس إلى حج بيت الله الحرام، هي دعوة إبراهيم (ع) {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}؛ أي هنالك تصرف إلهي في القلوب.. كذلك مجالس الحسين (ع) من مصاديق هذا التصرف الإلهي.

 

83. إن تفاعل الإنسان مع ذكر الله -عز وجل- أثناء المناجاة، وفي الخلوات في جوف الليل، أو في الصلاة؛ هو دليل على سلامة القلب.. والذي لا يخشع في صلاته، ولا في مناجاته؛ هذا القلب قلب شرايينه متصلبة، ويحتاج إلى تغيير.

 

84. إن تفاعل الإنسان مع ذكر ولي الأمر، إذا كان يعتقد: بقيادته، وبأنه حي، وبأنه يراقب حركة الأمة، ويحمل آمال وآلام الأمة؛ عندئذ من الطبيعي أن يتأثر بذكره.. كيفَ يمكن أن يكون الإنسان معتقدا بإمامةِ ولي الأمر، وفي يومِ الجمعة لا يتوجه إليه؟..

 

85.  إن الإنسان باستطاعته معرفة سلامة قلبه، من خلال ذكر أبي عبد الله الحسين الشهيد (ع).. فالذي لا يرقُ قلبه في ذكر الحسين (ع) هذهِ الأيام؛ فليعلم أن هنالكَ خللا ما في البين.

 

86. إن هنالك إيمانا متعارفا، فالحد الأدنى من الإيمان موجود في بلاد كثيرة.. حيث أن كل من حضر المسجد، هو: إنسان مؤمن، متدين، قلبهُ ينبض بالإيمان، وهذا الذي جعلهُ يأتي إلى صلاة الجمعة.. ولكن قلما نجد إيمانا متميزا ما وراء الفقه الظاهري.

 

87. إن الإيمان المتميز، هو الذي يتصف: أولاً: بالعدالة؛ أي أن يترك الإنسان المعاصي والذنوب، ويأتي بالطاعات.. وثانياً: بالورع؛ أي أن لا يشتهي الإنسان الحرام، ليجاهد نفسهُ.. إذ أن هناك فرقا بين إنسان يمشي في الشارع، وعينهُ على الأرض؛ خوفا من النظر إلى ما حرم الله.. وبين إنسان إذا نظر لا يرى شيئاً أمامه؛ أي لا تأتيه الشهوة أصلاً لا من قريب ولا من بعيد.

 

88. إن من اقتربَ من الدوامة في البحر أو في الأعاصير، التفَ بحركتها وانتهى الأمر!.. عندما يأتي الإعصار؛ فإنه يبتلع البيوت والأشجار وغيرها.. فزوبعة الأعاصير زوبعة مدمرة، ولكنها ترفع الأشياء إلى السماء.. وكذلك الإنسان الذي يقترب من الزوبعة المباركة، والزوبعة النورانية؛ أي النفحات الإلهية، أيضاً تلتفُ بالإنسان إلى أعلى عليين.

 

89. إن كل إنسان إذا أراد أن يتكامل، ويتقدم إلى ربه بخطوات متسارعة، لابد أن يقدم ما يوجب له القبول، ثمَ لا يبالي كيفَ ينبته ربه نباتاً حسناً..

 

90. يجب علينا الاقتراب من دائرة الجذب، من دائرة {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا}.. وأيام محرم أيام عزاء سيد الشهداء، هي نعمَ الفرصة للاقتراب من تلك الدائرة..

 

91. إن الخوف الغامض المسيطر قد يكون حالة مرضية، فالخوف الزائد يصنف ضمن الأمراض النفسية.. وهنالك بعض من الناس يغلب عليهم الأمل والرجاء، أي أنه يملك ثقة غير منطقية بالشفاعة، كما يقول الشاعر:
سودت صحيفة أعمالي *** ووكلت الأمر إلى حيدر
نعم، الإنسان قد يسود صحيفته، ولكن ليس عمدا، ثم يتوب إلى الله -عز وجل- ويطلب من الله ومن أوليائه الشفاعة ومحو الماضي..

 

92. إن القرآن يعرفه من خوطب به؛ أي الذين خصهم الله بلطفه وعنايته، وعلى رأسهم النبي صلوات الله عليه، ومن بعد ذلك أهل بيته (ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. ولكن هذا لا ينافي أبدا أن نتأمل نحن أيضا في هذه المائدة الربانية.. فصلة الإنسان بالقرآن الكريم، صلة مستمرة إلى ساعة الموت.. من منا لا يحب أن يملأ وقت فراغه بالتدبر والتأمل في كتاب الله عز وجل؟.. فخير ما نتدبر به، هو القرآن الكريم!..

 

93. إن المؤمن دائما على مائدة القرآن الكريم، وهو من صور المتعة في الحياة.. فالمؤمن يستمتع بأن يسمع تارة حديث ربه؛ فيقرأ القرآن.. ويستمتع تارة بالحديث مع ربه؛ فيصلي بين يديه.. فالقرآن الصاعد هي الصلاة، والنازل هو الذي بين أيدينا.. فهنيئا لمن صارت له هذه الحالة من الأنس بكتاب الله عز وجل!..

 

94. إن الذي يتلو القرآن كثيرا؛ يختلط لحمه ودمه وعظمه بالقرآن، والتلاوة تكون مع أدنى درجات الالتفات الذهني؛ أي أن يعي ما يقرأ.. أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك!..عندما يتلون: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}.. قد لا يتوقع منا نحن هذه الدرجة، ولكن من المناسب للإنسان عندما يقرأ المصحف، أن يقرأ تفسير بعض الكلمات المشكلة.

 

95. إن الطريق الذي يحقق في نفسه حالة الاطمئنان، هو هذه الآية {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}؛ وهي علاج لا علاج بعده..

 

96. إن الإنسان في عالم تكامل الأبدان، ينتقل من مرحلة إلى أخرى، بشكل قهري وطبيعي إلى أن يلقى الرب الكريم.. بينما في عالم الأرواح، فالحركة التكاملية اختيارية، والذي لا يتحرك ولا يبذل جهده سعياً لتحقيق تكامل روحه، فإن وضعه لن يتغير وسيبقى ثابتاً.. ظاهره إنسان بالغ راشد، ولكنه في الواقع يحمل في باطنه طفلاً صغيرا!..

 

97. إن قوام السفر أمران: أولاً: أن يعيش الإنسان حالة التأذي والتبرم من واقعه.. وثانياً: أن يتصور المتع واللذائذ البديلة.. فالإنسان الذي يعيش حالة الارتياح من وضعه في الحياة، ويقنع بحياته المستقرة من جميع النواحي، من الطبيعي أن لا يفكر في السفر.. وأيضاً فإن حالة الشوق وتصور الجمال في الهدف المقصود، يستلزم العزم وشد الرحال.

 

98. إن الخطوة الأولى في السفر إلى الله -عز وجل- تبدأ من لحظة الانقلاب، والاستفاقة على الواقع الذي يعيشه الإنسان.. فالذي يتأمل في نفسه ويعيش حالة التبرم وعدم الرضا، من المرجو له أن يتحرك ويبدأ سفره هذا.. مثله كإنسان خُدر وخُطف، وإذا به يستفيق ويرى نفسه والأعداء يحيطونه من كل جانب.. فهذا من المتوقع أن يسعى لتخليص نفسه، ويبادر بالفرار ما أمكنه بكل جهده ووسعه وطاقته؛ حتى يبتعد ويصل إلى مأمنه.

 

99. إن تصور البدائل الأخرى من اللذائذ، من المحفزات التي تدفع الإنسان إلى السفر.. فالذي يضيق من حر الصيف في مقر سكنه، ويتصور جمال الطبيعة في مكان آخر، لا شك في أنه سيشد الرحال إليه، وإن كلفه الأمر آلاف الدنانير، فكيف إذا كان قد ذهب مسبقاً، ورأى بعينه ذلك الجمال؟!.. ومن المعلوم أن هناك نعيما أعد للمؤمن في الجنة من الحور، والغلمان، والقصور.. والأرقى من ذلك أن يصل الإنسان إلى مرتبة الخَّلاقية، يقول للشيء: كن!.. فيكون.

 

100. إن المسافر لابد له من الزاد.. وقسم من هذا الزاد يأتي من خلال المطالعة، والتثقف، والإلمام الجيد بهذا المجال.. ولهذا فمن المناسب قراءة الكتب الأخلاقية، وهي على نوعين: النوع الأول: ما كتب في الرذائل والفضائل، مثل: كتاب: (جامع السعادات).. والنوع الثاني: ما كتب في سيِّر العلماء والأولياء، ومنه كتاب: (كيمياء المحبة).


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج