100 كلمة قصيرة (ج2) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن النار محرقة، ولكن بشرطها وشروطها: بشرط المجاورة، وبشرط عدم الرطوبة، وغيرها من الأمور.. عندما يقول الإمام: من قام بهذا الفعل؛ فله الجنة.. كقوله: النار محرقة.. المقتضي موجود.. ولهذا أمير المؤمنين (ع) في دعاء كميل، يشير إلى وجود العناصر كلها: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ)!.. (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ)!.. (اَللّـهُمَّ!.. اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ)؛ أي هناك عصمة ولكنها تُهتك.. والنعم موجودة، ولكن تُغير.. والدعاء موجود، إلا أنه يُحبس.. وعليه، لابد أن نراعي جميع جهات التكليف.. وبالتالي ترتفع الغرابة في البين!..

 

2. إن رب العالمين هو الذي شاء أن يرى الحسين ذبيحا، وهو الذي شاء أن يرى نساء النبوة سبايا في ذلك اليوم.. ما المانع أن يعوّض رب العالمين من قتله، بأن يغفر للباكين عليه؛ تفضلا وتلطفا وكرما؟.. وما ذلك عليه بعزيز، رب العالمين أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين!..

 

3. وقال الصادق (عليه السلام): (رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد).. النبي (ص) لا يرضى أن يبقى هذا الإنسان بنار جهنم، فكيف بالموالين؟.. وكيف بالذين يبكون على الإمام الحسين (ع)؟.. فالإمام الرضا (ع) يقول: (فعلى الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام).. وعليه، فإن المؤمن لا يفكر في الجنة، بل في الدرجات العالية!..

 

4. إن المهم هو المنافسة في الدرجات، البعض همته أن يدخل الجنة هذا جيد، ولكنها همة نازلة، أما أن يعيش الأبدية في جوار النبي وآله هذا أمر آخر!.. وعليه، في مواطن الاستجابة؛ فليسأل الإنسان ربه أن يجعله في درجات وفي زمرة النبي وآله (ص)..

 

5. إن هناك صور ملاحم متعددة الألوان في ركب الإمام الحسين (ع).. حري بالكبار أن يتأسوا بأمثال حبيب بن مظاهر، وحري بالشباب أن يتأسوا بأمثال علي الأكبر (ع)، وحري بالنساء أن يتشبهن أولاً بمولاتنا زينب (ع)، وبالنساء اللاتي كن في معسكر الحسين (ع) يوم عاشوراء، وقمن بأعمال بطولية بين يدي إمام زمانهن (ع).

 

6. هنيئا لمن استن بسنة الحسين (ع) بالنسبة للصلاة في أول أوقاتها، وفي أحلك الظروف.. قد يصلي المؤمن في أول الوقت بشكل لا يزعجه، ولكن في السنة قد يصادفه موقف محرج: في غرفة العمليات مثلا، أو في سفر، أو في مكان يصعب عليه الصلاة في أول الوقت.. فليعلم أن هذا هو امتحانه: إذا نحج في الامتحان في ذلك اليوم الخاص، الذي تصعب فيه الصلاة في أول الوقت بيسر؛ هذا الإنسان ملحق بركب الحسين وأصحاب الحسين (ع).

 

7. إن الذين كانوا في ركب الإمام الحسين (ع) هؤلاء الذين {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}؛ جمعوا بين خاصيتين: الخاصية الأولى: البطولة النادرة، والتفاني في الدفاع عن العقيدة.. والخاصية الثانية: حالاتهم الروحية، كانوا يعيشون أعلى درجات القرب من رب العالمين.

 

8. إن الحر مظهر التوبة والإنابة: أن يقف أمام إمام زمانه، ويدخل الرعب على قلوب الهاشميات، بنات بيت النبوية؛ ما فعله ليس بالأمر البسيط!.. ولكن انظروا إلى الهمة والعزم!.. وإذا في نصف نهار أو أقل، يتحول إلى أعلى عليين؛ فيصبح من الشهداء الخالدين، الذين قلّ نظيرهم في تاريخ البشرية!.. فإذن، إن باب التوبة مفتوح، حتى لأمثال الحر.

 

9. إن اليقين والانضباط الباطني، بمثابة المغناطيس الذي نجعله أسفل الورقة، وعليه برادة حديد منثورة.. هذا المغناطيس تحت هذه الورقة، يجعل هذه البرادات المتناثرة في خطوط متوازية.. تأثير اليقين في حياة الإنسان، كتأثير هذا المغناطيس في البرادات المتناثرة.. الإنسان المتناثر في حياته، إذا دخل اليقين في جوفه؛ ستكون حركته متزنة تماما.. ومن هنا نقول في الدعاء: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.. تصبح حياة الإنسان ومماته ذا لون واحد: حياته حياة إلهية، ومماته ممات إلهي، كما كان أصحاب الحسين (ع).

 

10. إنّ لكل حركة عبادية، ظاهرا نؤديه بجوارحنا.. وكذلك فإن هناك: مظهرا، وجوهرا، وآدابا باطنية؛ متعلقة بالبنية الداخلية للإنسان.. فالذي يريد أن يتقن العمل الجوارحي، لابد أن يعمق ويدعم الجانب الباطني أيضا.. لهذا قيل: (نية المؤمن؛ خير من عمله)؛ لأن رتبة النية إلى العمل، كرتبة العلة إلى المعلول.. وفي مجالس الإمام الحسين (ع)، هناك حركة جوارحية: حضور المجالس، واستماع المواعظ، والبكاء.. وبموازاة هذه الحركة الظاهرية، هناك أيضا آداب باطنية.

 

11. إن كل حركة نقوم بها، إن كانت منسكاً صريحاً: كالحج، والصلاة.. أو كانت عملاً قربياً: كإحياء ذكر أهل البيت (ع)؛ لابد من ربطها برضا الرب، فهو المعبود الأعظم.. لذلك يجب ربط المجالس الحسينية أيضا بالهدف الأكبر من الخلقة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}.. فكل حركة نقوم بها؛ لابد أن ترتبط هذه الحركة بما يقربنا إلى الله عز وجل.

 

12. إن الإمام عبد لله عز وجل، وما صار إماما إلا بعد أن استوفى مراتب العبودية.. فإبراهيم (ع) اجتاز الامتحانات الكثيرة، حتى وصل إلى مقام الإمامة، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.. وهو عندما ادعى العبودية، برهن على عبوديته: بتحطيم الأصنام، وبمحاولة ذبح ولده، وبإقامة البيت، ...الخ.

 

13. إن الحسين عبد لله -عز وجل- بكل ما للكلمة من معنى.. وهذا العبد جرى عليه في يوم عاشوراء ما جرى: من صور الهتك، وقتل أولاده، وأصحابه، وسبي نسائه، والمثلى ببدنه الطاهر بعد استشهاده.. كل هذه الأمور عزت على رب العالمين: عبده، وصفيه، ونجيبه، ونجيه؛ ويعامل هذه المعاملة!.. من الطبيعي أن يكون من موجبات التقرب إلى الله -عز وجل- إقامة ذكره (ع).

 

14. إن النبي (ص) ما طلب الأجر على الرسالة {قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} إلا لعلمه بأمر من السماء، أن هذه المودة من موجبات استمرارية خط النبوية.. وعليه، فإن من آثار المودة هي أن نفرح لفرح من نحبه، ونحزن لحزن من نحبه.. والنبي (ص) هو الذي علمنا هذا الارتباط بسيد الشهداء (ع).

 

15. إن المؤمن يعيش الحزن المستمر في قلبه، وهذا الحزن حزن بناء، لا يوجب له الانهيار العصبي؛ لأنه يحمل آلام الأمة.. الحزن الذي يوجب الانهيار العصبي، هو الحزن الشخصي اليومي.. ولكن في نفس الوقت بشره في وجهه.. المؤمن وجهه سمح مستبشر، تعلوه الابتسامة دائما..

 

16. إن المؤمن دائم التفكير؛ وتفكيره غير وسواسي.. بل تفكير إنسان سوي، تفكير بنّاء لما ينفعه لدنياه وآخرته.

 

17. إن الذي يغضب لكل صغيرة وكبيرة -لملح الطعام وغيره- هذا الإنسان لو غضب في أهم الأمور، لا يعتنى بغضبه: لا بنهيه عن منكر، ولا بأمره بمعروف؛ لأنه يغضب لكل ما هب ودب.

 

18. إن البعض يتمنى لو عاش في عصر أمير المؤمنين (ع)، والحال بأن من يطلع على خطبه؛ كأنه عاش معه، وكأنه تحت منبره..

 

19. إن الإمام عندما يناجي ربه، يتكلم بلسان الأمة، عندما يقول: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ)؛ فهو (ع) يتكلم بما أنه يمثل الأمة في الخطاب.

 

20. إن الاستغفار من المعصوم، هو لتبدل الحالات عنده.. هو ما عصى ربه، ولكنه حالات مختلفة، يقول: يا رب، هذا التنزل من الأعلى للعالي، يستوجب شيئا من الاستغفار.

 

21. الإنسان عندما يعصي، ثم يندم، ويتوب، ويستغفر، ويصلي؛ فإنه يحقق في صلاته درجة من القرب، لم يكن ليحققها في طاعته.. أي لو أنه لم يعص الله عز وجل، لكان يدعو دعاءً عادياً.. أما عندما يكون عاصياً؛ فإنه يدعو وهو خجل ودموعه على خديه، يطأطئ رأسه إلى الأرض، لا يدري ماذا يصنع، تضيق به الأرض على سعتها.. رب العالمين عندما ينظر إلى التائب على هذه الحالة، يعطيه منحة لا تُعطى للطائعين.. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}؛ يحب التائب، ليس فقط يغفر له.. بل يحبه، ولكن بشرط واحد: أن لا يعود إلى المعصية مرة أخرى.

 

22. إن الإنسان كلما أذنب ذنباً؛ عليه أن يبادر مباشرة لصلاة ركعتين.. وما المانع أن يصلي في موطن المعصية، يا له من موقف جميل، أن يتحول المكان من مكان للمعصية إلى مكان للطاعة مباشرة!..

 

23. إن أهم أنواع الرزق، وأوسع أبواب الرزق؛ الإقبال القلبي..

 

24. إن المؤمن يطلب من الله رزقا واسعا، هذا الرزق ما هو: إقبال للقلب، أو زوجة صالحة، أو ذرية صالحة، أو مال وفير.. دع رب العالمين يختار لك ما يشاء، {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}؛ فهو يعلم ما يصلحك، وما لا يصلحك.. هنيئا لمن عاش هذا التفويض!..

 

25. إن جلّ اهتمام عامة الناس بعوارض البدن.. يصاب أحدهم بصداع بسيط؛ فيذهب هنا وهناك، وإذا لم يشف يذهب إلى أرقى المستشفيات في بلاد بعيدة، لعلاج ظواهر أمراض البدن.. وهذا أمر لا يعاتب عليه الإنسان؛ إنه شيء طبيعي!.. أما أعراض القلب: إقبال وإدبار، قبض وبسط.. القلب: يموت، ويخدر، ويمسخ، ويختم عليه {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}؛ أحدنا لا يبالي إلى أين وصل قلبه..

 

26. إن المؤمن ينظر إلى مزاجه، إذا رأى في مزاجه إقبالا، يحاول أن يمشي إلى آخر الخطوات.. فالإقبال ضيف؛ إن أكرمته بقي وإلا ذهب.. الضيف إن لم تكرمه؛ يذهب.. وهذه الحالة إكرامها بأن تُعطى حقها.

 

27. إن الإنسان الذي يصلي، ويقرأ القرآن، وهمه آخر الجزء؛ هذا الإنسان في يوم من الأيام، يكره العبادة، ويعمى قلبه.. لا ينبغي للإنسان أن يرهق نفسه في المستحبات، إذا لم يجد إقبالا!..

 

28. إن المقياس هو العمل الأحسن، لا العمل الأكثر!.. فلابد أن نتقن النوعية، لا الكمية فحسب!..

 

29. إن من يقوم بعمل، عليه أن لا ينظر إليه على أنه عمل كبير، ولو عمل الكثير.. إذا قام بذلك، يبدو العمل عند الله -عز وجل- عظيماً.. فالإنسان ينسى إحسانه للغير، ولكن الإساءة بحق الغير لا ينساها.

 

30. إن المؤمن عندما يقوم بعمل، عليه أن يكتمه مهما كان ظاهره عظيماًً!..

 

31. يجب أن لا يماطل المؤمن بقضاء حاجة الطرف المقابل.

 

32. إنه لمن المناسب للمؤمن بين وقت وآخر عندما يتعب، أن يهدي لنفسه طرائف الحكم.. يقول علي (ع): (إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان؛ فابتغوا لها طرائف الحكم)، غذاء الروح؛ الحكمة الطيبة.

 

33. الذي يترك الدنيا للدنيا، هذا من أكبر الطواغيت، هذا مستكبر!.. لأنه يزهد في الدنيا؛ طلبا للدنيا، وجلبا للقلوب.. وكذلك الجهر بالعبادة والزّهادة، لا يسلم من مخالطة الرياء.

 

34. من منا أعطى عليا حقه؛ سواء في معرفة منزلته، أو في إتباعه حق الإتباع؟.. ومن موارد ظلامته أن الذي يدّعي الانتساب إليه ويواليه؛ لا يطلع على تراثه المدون..

 

35. بعض الناس صمته: إما للمرض، وإما للخواء الباطني.. ولكنّ هناك قسما ثالثا: وهو صمت انشغالي.. هذا الإنسان مشغول بحديث باطني مع الله عز وجل، فلماذا يتنزل ليتكلم مع زيد وعمرو؟.. نعم يتكلم بأمر الله: نهيا عن منكر، أو أمرا بمعروف، أو إرشادا، أو موعظة، أو نصيحة.

 

36. بعض الناس عندما يأتي إلى مجلس، كل همه أن يتكلم.. إن الخالق -سبحانه وتعالى- قد خلق للإنسان أذنين ولسانا واحدا!.. أليس في عالم الخلقة دلالة وإشارة على أن يكون الإنسان مستمعاً، أكثر من أن يكون متكلماً؟!..

 

37. إن من مزايا علي (ع) أنه يصب المعاني الكبيرة في كلمات قصيرة.. بعض كلماته تثلج الفؤاد!.. كل كلماته ملفتة، ولكن يا لها من بارعة ومهارة، أن يستعمل الإنسان كلمتين، ويفهم بهما المعاني الكبيرة!.. كقوله (ع): (الحلم عشيرة).. أي أن الإنسان الحليم، له ثقل في المجتمع؛ وكأن له عشيرة.. هما كلمتان، ولكن بحكم محاضرة طويلة.

 

38. إن الإنسان المستغفر حقيقة -كما يصفه علي (ع)- واصل لدرجة عالية؛ لأنه: عرف ربه أولاً، واستحى منه ثانياً، وعرف ضعفه ثالثاً.. أدرك هذه المعادلة الكبيرة، ومن هنا يستغفر ربه بكل تفاعل..

 

39. إذا أحسّ الإنسان بحالة الندامة الباطنية؛ يكون قد عاد إلى ربه.. لأن العودة إلى رب العالمين عودة قلبية، لا عودة مادية.. فالقلب إذا لم يندم: فلا رجوع، ولا إنابة، ولا توبة في البين..

 

40. إن هناك فرقا بين الندم الذي معه عزم، وبين الندم العابر.. العصاة عادة يندمون على ما هم فيه؛ أي يعيشون حالة الأسى والأسف.. ولكن المشكلة في سرعة الرجوع إلى ما كانوا عليه؛ أي هناك ندم، ولكن ليس هناك عزم على عدم العود.. علي (ع) يقول: من شروط الاستغفار؛ العزم على العود.. لا يعزم على الترك في شهر رمضان؛ احتراماً للشهر الكريم.. ولا يترك الذنب في شهر محرم وصفر؛ باعتبار مصائب أهل البيت (ع).. بل يجب ترك الذنب مطلقا، والعزم على عدم العود إليه أبدا.

 

41. إن الإنسان الذي يستغفر من السرقة، وأموال الناس في جيبه، أو في حسابه؛ هذا إنسان مستهزئ بالاستغفار.. فالقلب الذي يريد أن يلقى الله -عز وجل- بنقاء تام، وبسلامة تامة؛ لابد أن يكون مثل الحجر الأملس الذي لا غبار عليه؛ ليس عليه تبعة.

 

42. إن الإنسان الذي في ذمته: صلاة، أو صوم، أو حج، أو خمس، أو...الخ؛ عليه أن يقضي تلك الحقوق.. البعض يكون في أواخر عمره، ولا زال عليه قضاء صلوات.. ستون سنة، وهو لم يؤد حقوق الله عز وجل؛ فضلا عن حقوق المخلوقين.

 

43. إن الإنسان الذي وصل إلى ملكوت الواجب والمستحب؛ يتلذذ بأداء التكليف.. عندما يذهب إلى الحج، ويعاني ما يعاني في طريق الحج؛ يتلذذ في هذه الصعوبات، كما يقال: لذة الخطاب أذهبت العناء.. أي أن الإنسان الذي يخاطب بالتكليف، هذا تشريف إلهي بالنسبة له.. ولكنّ إنسانا حديث عهد بالمعاصي والذنوب، من الطبيعي أنه في أول الطريق إلى الله عز وجل، يعيش ألم الطاعة.. الطاعات لا تناسب مزاجه إلا تكلفا، يقوم لصلاة الليل متناعسا، ومتثاقلا.. ولكن بعد فترة لو فاتته نافلة الليل في ليلة من الليالي، لمرض أو لنعاس؛ يكون في النهار في حالة يرثى لها؛ لأنه لم يقف بين يدي الله عز وجل.

 

44. إن العبد يصل في مراحل التكامل إلى درجة، لو خير بين المتعة المادية والمتعة المعنوية؛ فإنه يقدم المعنى على المادة، على أنها متعة زائدة، وليس من باب التقرب!..

 

45. إن المؤمن الغني يتواضع للفقير؛ طلبا لما عند الله عز وجل.. عندما يعطي المؤمن شيئا للفقير، هناك أمر أن يقبّل يده؛ لأن هذه اليد وقعت في يد الله عز وجل..

 

46. إن الإنسان عندما يمنّ على الفقير، ويؤذيه بقول؛ يكون قد ابتعد عن الله -عز وجل- لا يراوح في مكانه.. تارة الإنسان يراوح في مكانه، وتارة يتنزل ويتسافل.. فالذي يعطي الخيرات والصدقات، ويعيش هذه الحالة: لم يتقدم، ولم يبق في مكانه؛ بل يتأخر القهقرى!..

 

47. إن تواضع الأغنياء للفقراء أمر متعارف، ولكن أحسن منه تكبر الفقير على الغني -بالمعنى المحمود- أي أنه يرى نفسه في رتبة أعلى من الغني.. فالغني اتكاله على ماله، وعلى رصيده في البنوك، أم الفقير فاتكاله على ربه.

 

48. إن أحاديث الفضائل أمر جيد، ولابد أن نروّج لفضائل النبي وآله، فرب العالمين أول المروّجين لفضائل نبيه وأوصياء نبيه.. ولكن بالإضافة إلى روايات الفضائل والكرامات والأمور الباهرة؛ لابد أن نكون على موائدهم العلمية أيضا.. من منا بحث في حياته على آداب النبي (ص): في سلوكه وقيامه وجلوسه، مع نسائه وأصحابه، وفي علاجه للسلبيات الاجتماعية، وكيفية مواجهة العصاة في أمته؟..

 

49. إن هناك فرقا بين فقر إلهي مقدّر، وبين فقر بشري: تارة يتقاعس الإنسان فيفتقر، وتارة يبذّر فيفتقر؛ هذا بلاء وفقر لا يؤجر عليه صاحبه.. وهناك فقر يسوقه رب العالمين إلى عبده؛ رأفة ولطفا به؛ لئلا ينسى ذكر ربه.. يعطيه الكفاف تارة، ويبتليه بالفقر تارة أخرى؛ لتكون له حالة من الإنابة المتصلة إلى الله عز وجل.

 

50. إن البعض يأخذ المرض ذريعة للخروج من طوره وطبعه الأولي: فيبيع دينه، ويحتد في طبعه، ويتكلم بما لا يليق.. بدعوى أنه مريض، وكأنه معذور في حال المرض، وقد رفع عنه القلم.. والحال أن الإنسان المريض، محتاج إلى الرحمة الإلهية؛ لذا يفترض أن يكون عكس ذلك تماما!..

 

51. إن مرض القلب من أشد الأمراض؛ لأنه قد يستتبع الفاقة، وقد يستتبع مرض البدن أيضا.. وذلك لأن القلب إذا أصبح قاسيا؛ عندئذ الإنسان لا يدعو دعاء حقيقيا.. وإذا لم يدع دعاء حقيقيا؛ لا يُرفع عنه البلاءان السابقان.

 

52. إن النتيجة النهائية لقسوة القلب؛ أن الإنسان لا يتفاعل مع ربه: في دعائه، وفي مناجاته، وفي صلاته.

 

53. إن العبد يطلب من ربه في ساعات الاستجابة العافية.. فالإنسان وهو معافى، عليه أن يدعو لإدامة العافية؛ وهذا مؤثر في دفع الأمراض..

 

54. إن أمير المؤمنين (ع) هو صاحب هذه الموسوعة الخالدة المسماة بـ:"نهج البلاغة".. من مناقب علي (ع) أنه ترك لنا كتابا في هذه الأمة، هو الصحابي الوحيد الذي من الممكن، أن نجلس على مائدة علمه، في كتاب مدون.

 

55. إن الذين يحبون اتباع نهج علي (ع)، والاقتداء بسنته؛ عليهم بقراءة هذا الكتاب، أو على الأقل هذه الكلمات الحكمية.. وسنة علي، هي سنة رسول الله (ص)، عن علي (ع): (ولقد كنت أتبعه أتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالإقتداء به...).. فالإمام علي (ع) منذ اليوم الأول، يتبع أخاه المصطفى (ص).

 

56. إن نهج البلاغة عبارة عن قسمين: قسم هو عبارة عن الخطب المختلفة: السياسية، والأخلاقية، والتوحيدية؛ قيلت في مناسبات متعددة: تارة في الحروب، وتارة في مسجده.. وهناك رسائل موجهة لبعض الشخصيات.. وقسم آخر: هو عبارة عن الكلمات القصار لعلي (ع).. إن كان يثقل على البعض الخطب المفصلة، ما المانع أن يراجع هذه الكلمات القصيرة؟.. إنها موائد علمية؛ شهية وبليغة، ولكن في جمل قصيرة.. هذه الكلمات جمعت في كتاب بعنوان: "غرر الحكم" وأيضا مذكورة في ختام نهج البلاغة..

 

57. إن المناجاة حالة من حالات التواصل، والحديث المؤنس مع من يهواه الإنسان.

 

58. إن المؤمن موجود فاعل، موجود نشط في المجال الاقتصادي.

 

59. إن هناك فرقا بين الحلال، وبين الحلال الجميل: كما أن هناك صفحا جميلا، وصفحا غير جميل.. هناك أيضا تلذذ بحلال جميل، وتلذذ بحلال غير جميل.

 

60. إن الحلال الجميل: هو الذي ينسجم مع مستوى المؤمن، ومع وجاهة المؤمن، فلا يسقطه من أعين الناس.. بعض اللذائذ من الممكن أن يقوم بها الإنسان، ولكن ليست بمستوى ذلك المؤمن.. المؤمن حتى بتلذذه، موجود هادف بين يدي الله عز وجل.

 

61. إن المؤمن منتسب إلى الإسلام، وبالتالي منتسب إلى رسول الله (ص).. نحن من أمة النبي المصطفى (ص)، ويوم القيامة يباهي بنا الأمم، عن النبي الأكرم (ص): (تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط).

 

62.  إن الإنسان إذا قضى حاجة مؤمن، يكون قد أدخل السرور على النبي (ص).

 

63. إن البعض يظن أن قضاء الحاجة، هو في إنقاذه من ميتة، أو من ورطة عظيمة.. ليس الأمر كذلك، بل قد يكون قضاء الحاجة بأمر بسيط جدا..

 

64. إن البعض يعمل لوجه الله تعالى، ولكن إذا جاءه شكر أو ثناء؛ يفرح.. والحال أن المؤمن لا ينتظر مكافأة ممن أحسن إليه، ولا يأبه بالنتائج؛ لأن غايته شيء واحد، وهو طلب الأجر والثواب من الله -عز وجل- وحده {لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}.

 

65. إن السعي في قضاء حوائج المؤمنين، أمر مطلوب: قضيت الحاجة أو لم تقض الحاجة.. إذن المؤمن عندما يسعى في قضاء حاجة أخيه المؤمن، لا يحرز النتيجة {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}.. السعي مطلوب!..

 

66. إن بعض الناس عندما يبلغ مبلغا إيمانيا يعتدى به، أو حالة روحية راقية؛ فإنه يعيش حالة الابتعاد عن الناس.. بينما روي في الأزمنة السابقة أن (عابد بني إسرائيل، كان إذا بلغ الغاية في العبادة؛ صار مشاء في حوائج الناس، عانيا بما يصلحهم)؛ أي بعد أن صار عنده علاقة متميزة مع رب العالمين.

 

67. إن المؤمن يحاول أن ينوع سبل الخير: يكفل يتيما، ويبني مسجدا، وينشر كتابا.. لعل الله -عز وجل- يقبل منه أحد هذه الأمور، فيكون من الفائزين!..

 

68. إن الإنسان عندما يريد أن يسافر، يعد العدة لذلك السفر قبل مدة طويلة، ويبرمج نفسه: إلى أين يذهب، ومتى يذهب، وكيف يذهب؟.. في السفر المادي هكذا يعد له العدة، ونحن طوال السنة لدينا محطات للسفر الروحي: في ليالي القدر هناك سفرة روحية، وفي ليلة عرفة ويوم عرفة هناك سفر روحي، وفي الليالي البيض من شهر رجب وشعبان ورمضان كذلك هناك سفر روحي.. ومن هنا كما أن سفر الدنيا يحتاج إلى إعداد، كذلك سفر الآخرة يحتاج إلى إعداد.

 

69. إن هناك فرقا بين إنسان يشتاق لشهر رمضان المبارك، وبين إنسان يتمنى لو أنه يتأخر لأيام!..

 

70. إن الله -عز وجل- له عطايا، وهذه العطايا متوقفة على أمر بسيط.. ما قيمة الغسل يوم الجمعة؟.. عادة الناس يوم الجمعة يستحمون، ولكن من يغتسل يوم الجمعة، (كان طهراً من الجمعة إلى الجُمعة).. رب العالمين يريد أن يغفر، ولكن يريد مبررا.. كالذي يقيم حفلا ولديه جوائز مكدسة، فيطرح أسئلة بسيطة؛ كي يوزع تلك الجوائز والهدايا.. رب العالمين عنده جوائز وعطايا، يريد أن يوزع الجوائز، بأي عذر يوزع؟.. إذن، علينا أن نعلم الآداب والمستحبات في تلك المناسبة.

 

71. إن المصلي الذي فكره يذهب يمينا وشمالا، ولكن هيئته هيئة إنسان مؤدب بين يدي الله عز وجل.. هذا خير من ذلك الذي يعبث بلحيته مثلا.. وهذا يسمى خشوع الأبدان؛ هو أضعف الإيمان.

 

72. إن المصلي الذي يعلم ما يقول، فعندما يقرأ الحمد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ هو يعلم أنه يقول: أي يا رب!.. أعبدك حصرا.. إذ أن هناك فرقا بين نعبدك ونستعينك، وبين {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ كلاهم يفهمان الاستعانة والعبادة، ولكن هذا بنحو الحصر.. أما نعبدك ونستعينك؛ أي نعبدك ونعبد غيرك، لا مانع!.. فرق بين إنسان يقرأ المعوذتين في الصلاة وغير الصلاة، وهو لا يعلم ما معنى {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، و{الْفَلَقِ} و{غَاسِقٍ}، و{وَقَبَ}.. وبين إنسان يعلم معنى ما يقرأ.. معظم المصلين والمسلمين والناطقين بالعربية، لا يعرفون معنى {الصَّمَدُ}.. إذن، هناك خشوع ذهني، وهذا أرقى من الخشوع البدني.

 

73. إن المصلي عندما يدعو، يشعر أن هناك مخاطبا، وأي مخاطب؟.. إنه رب الأرباب!.. ولهذا بعض المؤمنين، رب العالمين منّ عليه بسخاء الدمعة، يقول: يا الله؛ مرة واحدة ودمعته تجري.. يقرأ دعاء كميل: (اِلـهي!.. وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ أَسْأَلُهُ كَشْفَ ضُرّي)؛ يبكي بكاء حارا.. هذا الإنسان وصل إلى لب الدعاء، وإلى جوهر الدعاء.. والمرء إذا وصل إلى مرحلة البكاء أو التباكي؛ هذا لا ترد له دعوة.. رب العالمين يستحي من عبده المؤمن، أن يرد يديه صفرا إذا مدت إليه.. هذا هو الخشوع القلبي، وهو أرقى أنواع الخشوع!..

 

74. إن الشارع المقدس، يهيئ الإنسان لما يريد تدريجيا: ففي شهر رمضان، جعل ليالي القدر في العشر الأخيرة؛ لذا فهي خير الليالي.. وليلة القدر الكبرى، هي الليلة الثالثة والعشرون.. أي هناك عشرون يوما قبل العشر الأخيرة، وهناك ليلتان قبل ليلة القدر.

 

75. إن هناك تدريجا، حتى لا يفاجأ الإنسان بالكنز.. يوم عرفة هو الكنز، وقبله مقدمات.. وليلة القدر هي الكنز، وقبلها مقدمات.. والصلاة بين يدي الله -عز وجل- هي الكنز، وقبلها أيضا مقدمات.. ولكن هذا الكنز؛ كنز دائمي: حيث أن الحج يكون في العمر مرة واحدة، وصوم شهر رمضان في السنة مرة واحدة، أما الصلوات فهي يومية، وفي اليوم خمس مرات.. لذا، لابد أن نفهم سياسة الشارع بالنسبة إلى الصلاة.

 

76. إن رب العالمين، جعل محطات للإنسان قبل قراءة السورة.. من خلال هذه المحطات، يصفي الإنسان نفسه بمصفاة التكرير، مثل النفط الخام الذي يدخل خاما ويخرج بنزينا..

 

77. الوضوء الشرعي أن يقرأ الإنسان المستحبات والآداب.. لأن هذه المناجاة في الوضوء، تهيئ الإنسان للصلاة..

 

78. إن الأذان والإقامة سنتان من سنن الصلاة.. وبعد "قد قامت الصلاة" يجب عدم التكلم في شيء من أمور الدنيا.. وتشتد كراهة الكلام بعد قول المقيم: "قد قامت الصلاة" إلا فيما يتعلق بالصلاة.

 

79. إن الله -عز وجل- في تشريع الصلاة، أراد من الإنسان أن ينتقل إلى لب الصلاة بشكل تدريجي: من أول نظرة لماء الوضوء، فيقرأ أدعية الوضوء.. ثم الأذان، والإقامة.. ثم التكبير؛ قبل التكبير يفكر الإنسان قليلا، يحاول أن يستجمع أفكاره، ثم يكبر.. ثم الاستعاذة.. فحقيقة الصلاة الخاشعة تحتاج إلى تمهيد، والمصلي ينبغي أن لا يدخل في نقاش مع أحد قبل الصلاة؛ لأن ذلك يشغله أثناء الصلاة بين يدي الله عز وجل.

 

80. إن من لم يسيطر على صلاته من تكبيرة الإحرام؛ الشيطان يسرقه.. لذا عليه أن يحاول من تكبيرة الإحرام أن يكون مؤدبا بين يدي الله عز وجل، وإلا إذا تزحلق فهو على جبل جليدي، لا يلتفت إلا وهو يقول: السلام عليكم، وهو في خمسين واد من وديان الدنيا.

 

81. إذا أتقن المصلي التكبير في أول صلاته، وذكّر نفسه بمقتضى هذا التكبير، وبمعاني التكبير في كل خطوة من خطوات صلاته، التي يكبر فيها.. يرجى أن يأتي بصلاة خاشعة، يقبلها الله -عز وجل- بمنه وكرمه.

 

82. إن من الظواهر التي تنتاب المؤمنين من وقت لآخر، وحتى غير المؤمنين، ظاهرة الحزن الذي لا وجه له.. فالإنسان أحيانا يعيش حالة من حالات الضيق والاكتئاب والقلق، وهو يعلم سبب ذلك، وأحيانا لا يعلم له منشأ واضحا.

 

83. إذا علم الإنسان منشأ الحزن، فليعالجه الحزن بإذهاب منشئه.. نحن بعض الأوقات نبقي المنشأ، ونعالج المعلول، فلا نرفع العلة من جذورها.

 

84. نحن إذا دخل علينا الحزن، نذهب إلى الأماكن المسلية.. والحال بأن العلة موجودة، ويجب علاج العلة من جذورها، وذلك من خلال عمل جرد شامل لكل من يحيط بنا، وكل من أدخلنا عليه الحزن؛ نرفع عنه هذا الحزن.. فمن أفضل القربات إلى الله -عز وجل- إزالة الهم والغم من قلوب المؤمنين.

 

85. إن الله -عز وجل- يبتلي المؤمن ببلاءات: إما كفارة للسيئات، وإن لم يكن له سيئات، فرفع للدرجات.. ومن هذه البلاءات الحزن المفاجئ..

 

86. إن أمير المؤمنين (ع) عندما يصف المتقين، يقول: (قلوبهم محزونة).. فالذي يفرح ويمرح ويهرج، هذا الإنسان بعيد عن أجواء الإيمان.. المؤمن له حزن خفيف؛ لأنه: لا يعلم موقعه من الله عز وجل، ولا يعلم آخرته، ولا يعلم برزخه، ولا يعلم إلى أين أمره!.. وكذلك يحمل هموم المسلمين.

 

87. إذا كان هناك سبب معلوم للهم، فإنه يعالج السبب.. وإن لم يكن له سبب معلوم، فهذا لطف إلهي؛ ومع ذلك احتياطا يستغفر الله عز وجل.. فالاستغفار والصلاة على النبي وآله، بكليهما يطير إلى دار السرور.

 

88. إن القلب مستقر العقيدة، فهي لا ترى.. بخلاف الصوم والحج والصلاة، فالإنسان في الحج يضع ثوبي الإحرام على بدنه، ويطوف ويسعى ويصلي.. إذن، أعمال الأبدان واضحة، أما أعمال القلوب فهي غير واضحة.. فالذي يكون كافرا ثم يصير مؤمنا بالله -عز وجل- عندما يدخل الإيمان قلبه الباطني؛ عندئذ يصلي ويصوم.. هذا الإيمان أين دخل، في أي زاوية من وجوده، نحن لا نعلم أين ذلك القلب؟!..

 

89. إن من أهم مناشئ الحزن، إدخال الحزن على الغير.. وخاصة إذا كان مؤمنا، وذا رحم، وقريبا، وذا حق على الإنسان.. بعض الأوقات إدخال الحزن لا يكون حراما، مثلا: رجل يقول لزوجته: أريد أن أتزوج امرأة أخرى.. هذا ليس حراما، ولكن لماذا يدخل عليها الحزن دون سبب؟.. وهنا من الممكن أن يدخل رب العالمين الحزن عليه كعقوبة دنيوية، بسبب هذا الحزن الذي دخل قلبها.

 

90. إن الناس في الدنيا على قسمين: قسم تضيق بهم الأرض بما هم فيه من مشاكل.. وقسم من المؤمنين استذوق حلاوة العالم الآخر، هذا الإنسان لماذا يتمنى الموت؟.. يقول أمير المؤمنين (ع): (فو الله!.. لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمّه).. لأن أمير المؤمنين يعيش في خراب الكوفة، ويعلم أنه إذا مات سيكون عند الزهراء (ع)، والنبي الأعظم (ص)، فهل يتمنى البقاء على هذه الأرض؟..

 

91. إن المؤمن تضيق به الأرض، ليس من باب المشاكل، وليس من باب المرض النفسي؛ بل لأنه يرى أن ما بعد الموت أفضل وأجمل!.. يقول أمير المؤمنين (ع) في وصف المتقين: (لولا الآجال التي كتب الله لهم، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين).

 

92. إن السمو؛ أي أن يصل الإنسان إلى درجة القلب السليم.. والقلب السليم بالمعنى الدقيق: هو ذلك القلب الذي يلقى الله -عز وجل- وليس فيه أحد سواه.. فالإنسان الذي لا يرى في الوجود مؤثراً إلا هو؛ لا بد أن تكون عيشته من أرقى صور المعيشة في الوجود!.. وكل قلب فيه شرك أو شك؛ فهو ساقط.. وهذا معنى لا إله إلا الله؛ أي لا مؤثر في الوجود إلا الله عز وجل.

 

93.  إن هناك دعوة في روايات أهل البيت (ع) لتكفير السيئة عن طريق الإتيان بالحسنة.. إذ أن هناك فرقا بين إنسان يخطئ فيستغفر الله، وبين إنسان يخطئ ولكنه يتبع السيئة بالحسنة..

 

94. إن الإنسان الذي يعصي ربه في الخلوات؛ عليه أن يطيعه في الخلوات!.. والذي عصى الله -عز وجل- في العلن، فليقدم حسنة علانية؛ ليشجع الغير على فعل الطاعات والحسنات.

 

95. بمقدار عظمة العيد، تكون عظمة الجائزة.. وعيد الغدير هو عيد الله الأكبر؛ لأنه يتعلق بأصل من أصول الدين..

 

96. إن مناسبة عيد الغدير تكسب تلك الأهمية الخاصة، لارتباطها بحياة المؤمنين طوال السنة؛ لأنها تثبت أصلا من أصول الدين.. بينما بقية الأعياد، فهي مرتبطة بفروع الدين.. ومن هنا نرى التأكيد الكثير على مثل هذا اليوم العظيم، فهو عيد الله الأكبر!..

 

97. إن الصلاة تمثل المحطة العبادية اليومية، وإلا فإن الحج في العمر مرة، وشهر رمضان في السنة مرة.. كما أن القيام لصلاة الليل بحاجة إلى مجاهدة{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}؛ كذلك القيام لصلاة الفجر بحاجة إلى مجاهدة.. وهذهِ الأيام صلاة الجمعة أيضاً تحتاج لقطع مسافات بعيدة بالنسبة للبعض.. وبالتالي، هنالكَ: تعب، وقيام، وهجران للنوم، وقطع للمسافات.. فالصلاة شيء موجود؛ ولكن يجب نفث الروح في هذا الشيء.

 

98. إن الصلاة قضية مركبة: فالذين يصلون صلاة خاشعة في الليل، ولكن في النهار لا يُراعون بصرهم؛ هؤلاء تجاوزوا الحد {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}.. والتاجر الذي يصلي صلاة الليل -مثلاً- وهو إنسان غير أمين في التجارة؛ هذا الإنسان لا ينطبقُ عليه {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}.. والذي يقيم الليل، ويؤدي الأمانات، ويحفظ الفرج؛ ولكن إذا دخلَ المجالس يتكلم في كل ما هبَّ ودب؛ هذا الإنسان لا تنطبق عليه آية: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}.. وبالتالي، هنالكَ مجموعة متكاملة، فالذي يريد أن يكونَ من الفالحين، يجب أن تكون صلاته خاشعة، وعن اللغو معرضا، وللزكاة فاعلاً، ولفرجه حافظا، وللأمانة مؤدياً، ..الخ؛ كل ذلك مجموعٌ متكامل.

 

99. إن بعض الناس تمر عليه ليال وأيام، لا يستيقظ لصلاة الفجر؛ هذا الإنسان لا يقطف ثمار الصلاة الخاشعة.. هذهِ الأيام عندما يصف الطبيب مضادا حيويا للمريض؛ فإنه يطلب منه الالتزام بالوقت، ثمان ساعات أو ست ساعات، عليه أن لا يتأخر عن وقت العلاج؛ فهذه شُحنة لها ترتيب.. وربُ العالمين يقول: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.. بين صلاة العشاء وبين صلاة الظهر فترة طويلة، إذا لم يصلِّ الإنسان صلاة الفجر؛ تصبح هذه الفترة مميتة للقلب.. عندئذ هل هذا الإنسان يكون من الفالحين؟!.. 

 

100. إذا غلبَ النوم على الإنسان، رُفعَ القلم عن النائم حتى يستيقظ.. ولكنْ مثلا: لو أن شابا أعزب في دولة، وعروسه في دولةٍ أخرى، وكان المقرر السفر الخامسة صباحاً، هل يدع مجالاً كي تفوته الطائرة، ويحرم من لقائها؟.. هل هذا الإنسان يقول: النائم رفع عنهُ القلم؟.. أو أنه يعيش الألم إلى أيام وليال؛ لأنهُ فاتهُ القطار كما يقولون!.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج