100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن هناك اختلافا في تفسير مقطعات السور، هذه الظاهرة القرآنية الفريدة والملفتة حقاًً!.. الأمر الأول الذي يُلفت النظر، هو كأن القرآن يريد أن يُخاطب جماعة معينة، فما عدا الحروف المقطعة، فإن الخطاب للجميع.. لكن القرآن يريد أن يتحدث مع صنف خاص، هم الذين عُبر عنهم في الرواية المعروفة: (إنما يعرف القرآن من خوطب به)، إذن هذه الأمور أسرارٌ متروكة لأهلها.. وكأن الله -عز وجل- أراد أن يُكرم جزءاً من خلقه؛ ألا وهم النبي والمعصومون من عترته (ع) بهذه الرموز القرآنية.

 

2. يقول تعالى في كتابه الكريم: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} إلى آخر الآيات المباركة.. فالملاحظ هنا أن القرآن الكريم هداية، والهداية هي عملية ذهنية وإدراكية، بمعنى نقل الإنسان من المجهول إلى المعلوم.

 

3. إن القرآن هداية شأنية، فمن شأن القرآن أن يهدي؛ ولكن هذه الهداية الشأنية لا تتحقق فعلاً وواقعاً، إلا للذين استعدوا لقبول هذه الهداية.. فالقرآن هدى، ولكن لمن يبحث عن الهدى: في الصحراء القاحلة، وفي جوف الليل.. هناك دليل يدّعي بأنه سوف يخرجك من الظلمات إلى النور، فالذي لا يعترف بهذا الدليل، أو يعترف بأنه دليل، ولكن لا يعطيه وزناً، ولا يعطيه أهمية، هل يخرجه من الظلمات إلى النور؟.. لا، لن يخرجه أبدا، ولا يُتوقع منه أن يأخذ بيد هذا الإنسان الذي لا يعترف بوجوده، أو يعترف بوجوده؛ ولكن ليس في مقام الأخذ بدلالته.

 

4. إن القرآن الكريم هدى، لا بما هو معلومات مطوية بين الدفتين، ولا بما هو نظريات يعرفها المفسرون.. كم من الذين يتلون القرآن، والقرآن يلعنهم!.. وكم هم الذين يفسرون القرآن بما لا يخطر على الأفهام، وهم بعيدون كل البعد عن معاني القرآن الكريم!.. فإذن، إن القرآن الكريم يقول بأنني هدى، ودليل، ومنقذ، ومُخرج من الظلمات إلى النور؛ ولكن للمتقين!..

 

5. من هم المتقون؟.. أول صفة من صفات المتقين {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.. إنها لفتة مهمة، وهي أن أول خاصية في المتقي هي البنية الفكرية، وليس المتقي الذي يمشي ويسعى.. بل هو الذي يحدد الطريق، ثم يمشي ويسعى؛ لما علمنا بأن (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق؛ لا تزيده كثرة السير إلا بعدا)..

 

6. إن المتقي ليس هذا الإنسان المادي التجريدي، الذي لا يؤمن إلا بما يرى ويلمس ويسمع، وإنما له قدرة على أن ينتقل من عالم المادة إلى عالم المعنى، ويخترق حجب الغيب وحجب المادة، ليصل إلى عالم الغيب.

 

7. إن بني آدم يؤمن بالغيب في الدنيا، ولا يؤمن بالغيب في الآخرة، فلئن قال: بأني آمنت بالغيب الدنيوي لآثاره.. فلِمَ لا يؤمن بالغيب الأخروي لآثاره؟.. أليس الله -عز وجل- له هذه الآثار؟!.. فانظروا إلى آثار رحمة الله!.. فلماذا لا تؤمن بهذا الغيب، وتؤمن بهذا الغيب؟.. {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}؛ الإيمان بالغيب بكل ما غاب عن بصرك، سواء في ذلك المبدأ، وسواء في ذلك المعاد.. ولهذا في آخر هذه الآيات يقول: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يخص المعاد وهو غيب بالذكر أيضاً.

 

8. إن المشكلة في بعض السالكين الذين يقفون في سيرهم، أن حركتهم ليست مشفوعة بحركة علمية.. ولهذا على المؤمن أن يمتلك هذا البنيان النظري، من أين يصل إلى هذه البنية العلمية في التكامل والسير؟.. إن هناك ثلاثة أبواب إسلامية: باب الاكتساب.. وباب التدبر.. وباب الإلهام، والإلقاء في الروع.

 

9. إن المؤمن السالك إلى الله عز وجل، لا يمكن أن يستغني عن عالم المعرفة وعالم القراءة.

 

10. إذا تدبر الإنسان، واكتسب العلم من غيره، واكتسب من عقله وفكره.. عندئذ يأتي ذلك المدد الإلهي، لُيلقي في روعه ما لا يلقي في روع الآخرين..

 

11. إن الإنسان قد يعترف، وقد يعلم، وقد يتيقن بالغيب؛ إلا أنه لا يتحول إلى قوة مطمئنة.. فالإيمان فيه عنصر الاطمئنان والأمن.. والاطمئنان والأمن قد لا يقترنان مع العلم.. هنا يأتي دور الغيب في أمرين: الأمر الأول: في إعطاء المعرفة النظرية، وثانياً: في تحويل المعلومة النظرية إلى حالة اطمئنان ويقين باطني.. (هم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، كأن زفير جهنم في أصول آذانهم).

 

12. إن كثرة الشكوى، والتكلم بما لا ينفع، ليست من طبيعة الإنسان المؤمن.. فالله -عز وجل- {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}؛ أي عندما يُظلم الإنسان عندئذ يكون له الحق في أن يشتكي.. وهذه الشكوى ينبغي أن تكون في موضعها المناسب: فالإنسان يشتكي عند القاضي من أجل التظلم، ومن أجل أخذ الحق، أو عند مؤمن يمكنه أن يأخذ حقه.. أما الشكوى المجردة، من أجل هتك الظالم فقط، فليس معلوم أن هذه الشكوى محبوبة عند الله عز وجل.

 

13. إن ذكر العيوب الأصل فيه أن يكون ممنوعا، ولكن الشارع المقدس جعل استثناءات: كالمشورة، والمظلوم، والإنسان المتجاهر بعيبه الذي هتك ستر نفسه، وصاحب البدعة في الدين.. هذه المعاني المطروحة في كتب الفقه، هي مستثنيات الغيبة.. فإذا علم الإنسان بأن هذه غيبة، ولكن لا يعلم أنه في القسم المستثنى أم لا: أي لا يعلم أن هذه مشورة أم لا.. ولا يعلم أن هذه غيبة صاحب البدعة أم لا.. أو أنه عيب يتجاهر به الإنسان أم لا.. فإذا سئل يوم القيامة عن ذلك، ماذا سيكون جوابه عند الله عز وجل؟.. فإذن، إن معنى ذلك، هو أن يعيش الإنسان حالة الوسوسة، عندما يريد أن يتكلم على مؤمن..

 

14. إن الخواص لا يحتاجون إلى تخويف، وإنما يحتاجون إلى أن يعلموا بأن الله -عز وجل- لا يحب هذا العمل، سواء في قالب الحرام، أو قالب المكروه!.. أو يعلموا بأن هذا الأمر يحبه الله -عز وجل- في قالب الواجب، أو في قالب المستحب..

 

15.  إن الذي يعيش حقيقة أن الله سميع عليم؛ فإنه يتحول إلى إنسان مراقب أشد المراقبة لكل حركة وسكنة في وجوده.. ولذا فإن هذا الإنسان لا يختلف نهاره عن ليله، ولا تختلف معاملته مع زوجته أو مع الآخرين.. في جوف الليل، وفي خلوة مع زوجة مستضعفة مسكينة، فإن هذا الرجل الذي يعيش هذه الرقابة الإلهية، {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}؛ من الطبيعي أن لا يتكلم بكلمه واحدة، مما لا ترضي الله سبحانه وتعالى.

 

16. إن إيمان الحواريين قبل إنزال المائدة كان إيماناً غيبياً، وكان إيماناً بالله -عز وجل- وبقدرته، تعبداً واعتقاداً بما أخبرهم نبيهم روح الله عيسى (ع).. فهذا الإيمان التعبدي، والإيمان الغيبي، كان له قيمة متميزة.. ولكن بعد إنزال المائدة، أي أن تنزل مائدة من السماء؛ فإنه من الواضح أنه إعجاز من قبل الله عز وجل.. فهذه المائدة سلبت ذلك الجو الغيبي.

 

17. إن هناك فرقا بين مائدة مريم (ع) وبين مائدة الحواريين: فمائدة الحواريين كانت بطلب من الحواريين، أما مائدة مريم {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}.. ولهذا المائدة السماوية لمريم، لم تنقص من منزلتها عند الله عز وجل، بينما المائدة السماوية للحواريين تبعها تهديد {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}.

 

18. إن الإنسان المؤمن قبل أن يتمم الله -عز وجل- عليه الحجة، وقبل أن يتجلى له، وقبل أن يغدق عليه النعم؛ قد يقبل منه اليسير.. وأما المؤمن الذي توجه الله إليه بألطاف خاصة، ووهب له الخشوع في الصلاة، ورزق التوفيق لأداء بعض الطاعات كالحج والعمرة، ويرى نعم الله -عز وجل- عليه متواترة؛ فإن هذا المؤمن إذا انتكس، أو تراجع، أو خالف؛ فإنه يشمله ذلك التهديد الذي شمل الحواريين.

 

19. إن الإنسان عندما يعصي الله -عز وجل- في يوم أحيا ليله بالعبادة، يختلف عن يوم لم يوفق فيه للعبادة.. ولهذا فإن المؤمن على وجل، كلما رأى توفيقاً إلهياً في عبادة، أو في تقوى، أو في زيارة، أو في شهر رمضان، أو في ليلة قدر؛ فإنه يعيش الخوف.. ولهذا النبي -صلى الله عليه وآله- كان يقول: (اللهم!.. لا تسلب مني صالح ما أعطيتني أبداً.. اللهم!.. لا تردني إلى سوء استنقذتني منه أبدا.. اللهم!.. لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً).

 

20. إن حكمة الله -عز وجل- تقتضي أن يجعل كل شيء في موضعه.. فعمل الحكيم مطابقٌ لقواعد الحكمة، فليس هناك جزافٌ في أمر الحكيم.. وليس هناك ترجيحٌ، بلا مرجّح.. فمثلا: إذا كان هناك عنصران، والحكيم يعطي امتيازا لعنصر دون عنصر، فهذا خلاف الحكمة الإلهية البالغة.. فإذن، إن تصرفات الله -عز وجل- في قلوب العباد: ربطاً، وهدايةً، وخذلاناً، وتوفيقاً؛ كل هذه الأمور منشؤها من العبد.

 

21. قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}.. كأنه نوع اطمئنان للساعين في طريق الهدى.. أي: إذا كنت تبحث عن الإيمان، وعن الإسلام، وعن التقوى، وعن جزئيات الهداية، وعن الإيمان الخالص، وعن تثبيت الفؤاد، وعن شرح الصدر، وعن معرفة الجبار.. فكل هذه المعاني من الله -عز وجل- ولكن عليك أن تسعى، ولو سعيا بسيطاً؛ لكي تثبت بأنك جاد في البحث عن الهدى الإلهي.

 

22. إن الخذلان الإلهي يأتي، ليوجد سداً منيعاً بين الفكرة وبين القلب {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ}.. أي اعتقدوا بها اعتقاداً ذهنياً، ولكن القلب لم يستسلم.. فما هي الضابطة؟.. ولماذا يجعل الله -عز وجل- الحاجز بين جهاز الفكر، وجهاز القلب خذلاناً؟.. أن من أسباب ذلك: عدم العمل بمقتضى الفكرة، أي هناك فكرة، وهناك قلب، وهناك جوارح، وعمل خارجي.. أنت إذا لم تنطلق وراء الفكرة الصحيحة، لم تعمل بالفكرة الصحيحة.. فإن هذه الفكرة الصحيحة تخرج من قلبك، لأنك آمنت بالفكرة، واعتقدت بصحتها، ولكنك لم تمارس ذلك.. وفي دعاء: (اللهم!.. ارزقني رحمة الأيتام).. هل هناك شكّ أن الإنسان يحب اليتيم، ويرحم اليتيم؟.. فإذا اعتقد بالفكرة، ولم يمارسها.. واعتقد بلزوم الرحمة، ولم يرحم؛ فإن الرحمة تنزع من قلبه.

 

23. إن الالتجاء الدائم إلى الله -عز وجل- في حقل البحث العلمي له ثمرتان:
1- الثمرة الأولى: تكريس الفكرة في الذهن.
2- الثمرة الثاني: مساعدة الإنسان، لكي ينزل هذه الفكرة من عالم الفكر إلى عالم القلب، وعالم الاطمئنان.
وعليه، فإنه لإيضاح الفكرة ولتغلغل الفكرة إلى القلب، نحتاج إلى الاستمداد الدائم.. ولهذا النبي -صلى الله عليه وآله- والأئمة -عليهم السلام- هم هداة الخلق فكراً وعملاً.. ومع ذلك نرى التجاءهم الدائم إلى الله -عز وجل- حتى أن الله -عز وجل- ينسب هداية نبيه إلى نفسه، إذ قال: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}.

 

24. إن الاعتماد على الأجواء المهيئة: الأجواء الدينية، والأسر المحافظة؛ هذا لا يغني، إذا لم يكن هناك سعي حثيث من العبد نفسه، في استغلال هذه الأجواء.

 

25. إن الإنسان في بعض الأوقات، يرى لنفسه رصيداً كبيراً، بمثابة التاجر الذي ينظر إلي حساباته المصرفية، فيرى رصيداً هائلاً، فيتقاعس عن العمل.. وهو لا يعلم أن هذا الرصيد سيصادر إن لم يستمر في سعيه.. وهذا هو الشيطان في المرصاد، لمصادرة الجهود الماضية، والتقدم العلمي والعملي، فيما مضى من أيام حياتنا.

 

26. إن وجود الملكات الخبيثة في النفس، هي بمثابة الجذور المستنبتة.. فالإنسان قد يقضي على السيقان، وعلى الأوراق.. ولكن هذه الجذور، ستؤثر في يوم ما على الإنسان..

 

27. إن القرآن الكريم يهوّل ويبيّن، ويحذّر من كيد إبليس؛ ولكن في نفس الوقت يكشف ماهية الإغواء.. فإبليس ليس له سلطان عليكم، إنه لا يغير ماهية الأشياء، فالقبيح قبيح، والجميل جميل، والشيطان يزين فقط!..

 

28. إن الفارق بين المخلِص والمخلَص، كالفارق بين المخلِص وغير المخلِص في شدة البعد بين هاتين الكلمتين.. وبكلمة جامعة: إن المخلِص هو الذي يحاول أن يظهر بمظهر المخلصين بما أوتي من قوة، والمخلَص هو الذي قبل الله تعالى إخلاصه واجتابه.

 

29. إن العمل في حد نفسه لا خلود له، ولكن يمكن أن يحمد عليه الإنسان، ويمكن أن يكتسب الثناء الجميل: ككرم حاتم.. ولكن الخلود والانتساب إلى الله عز وجل، وأن تتحول مادة الطاعة إلى طاقة لا نهائية، تتجلى في عرصات القيامة وفي الجنة؛ فإن ذلك يحتاج إلى انتساب.. والعمل الذي لا ينتسب إلى الباقي، فهو فانٍ شأنه شأن المظاهر الطبيعية.

 

30. إن شهر رمضان؛ شهر الله بحقيقة المعنى.. فكما أن الكعبة بيت الله، والقرآن كتاب الله؛ فكذلك هذا الشهر المبارك، هو أيضا شهر الله عز وجل.. والشيء إذا انتسب إلى الله عز وجل، اكتسب العظمة الخلود؛ لأنه منتسب إلى عظيم أزلي وأبدي؛ فيُضفي على ذلك الشيء أنواع رحمته وبركاته.

 

31. إن شهر رمضان بمثابة بستان فيه أشجار، وثمرته هي التقوى، وليس الكف عن الطعام والشراب.. والتقوى ليس في هذا الشهر فحسب!.. وإنما هي حالة إذا وُجدت في الإنسان، استمر على حالة من التعالي والتقدس والطهارة، تستمر معه إلى آخر أيام السنة..

 

32. انظر إلى التعبير القرآني الجميل {لَعَلَّكُمْ}!.. فالقضية ليست قضية تلقائية، وشهر رمضان ليس شهر التقوى بشكل تلقائي.. فليس كل من صام شهر رمضان، إنسانا يحوز على ثمرة التقوى.. وإنما يحتاج إلى أمور أخرى غير الصيام المتعارف.

 

33. يقول النبي (ص) في خطبته التي ألقاها في استقبال شهر رمضان: (أيها الناس!.. إنه قد أقبل إليكم شهر الله، بالبركة والرحمة والمغفرة)، وكأن شهر رمضان قافلة محملة بالبضائع، جاء ليعطي الصائم ما عنده مجانا، مقابل أيام قليلة {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} وقد كان بإمكان الله عز وجل -وهو المالك على الإطلاق- أن يطلب منا صيام كل يوم، فهو خالق النفس، وخالق الطعام، فما المانع؟!.. 

 

34. إن الله -عز وجل- بمنه وكرمه على عباده، قد جعل محطات في السنة، ليتخفف المؤمن من ذنوبه، من حيث لا يشعر.. كالإنسان المبتلى بأنواع الكدر، فإنه يدخل إلى الحمام -وهو لا يعلم ما عليه من الأوساخ- وبمجرد أن يخرج من الحمام، وإذا به يخرج نقيا نظيفا طاهرا، من دون أن يعرف ما الذي حدث في الحمام، فكل ما قام به هو صب الماء، وإذا به يخرج نقيا.. فكذلك أحدنا يدخل شهر رمضان وقد ارتكب من الذنوب ما لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ فيأتي شهر رمضان، ليعفو الله -عز وجل- عنه، وإن لم يتذكر تلك الذنوب.

 

35. يجب أن تكون الثمرة متناسبة مع الشجرة.. فالكف عن الطعام والشراب، أمر بدني مادي، يتعلق بالفم والأمعاء؛ ولكن التقوى أمر معنوي.. فهل يعقل أن يأتي اللب من القشر؟.. إن التقوى ثمرة معنوية، وعليه لابد أن يكون الصوم صوما معنويا..

 

36. إن شهر رمضان شهر متكامل، أي على المؤمن أن يضبط برامجه من أول ليلة، فينظر إلى أعمال الشهر كاملة.. لأنه إذا لم يبدأ من الليلة الأولى؛ فإنه لن ينتفع منه النفع المقصود.. فهذا الأجر يعطى لمن يقوم بهذا العمل، من أول ليلة إلى آخر ليلة.

 

37. إن البعض منا يفطر الصائمين بدعوى العادة، وفرق العبادة عن العادة، هو الباء.. فليس هذا من الأجر العظيم، أن يلتزم الإنسان بدعوى العادة.. هذا أولاً، وثانياً: لماذا لا ندعو الفقراء والمساكين إلى منازلنا؟.. علينا أن نعلم أن إفطار الصائم حركة إيجابية، ولكن علينا أن نعطي له بعدا نفسيا واجتماعيا: ففيه إطعام، وفيه قضاء حاجة، وفيه تنفيس كربة من كرب أخوانه المؤمنين.

 

38. إن المؤمن في شهر رمضان قريب إلى الله عز وجل، لئن كانت الذنوب أسقطته من عين الله في غير شهر رمضان، فإن شهر رمضان شهر المصالحة، وشهر التقرب والتودد.. وحاشى أن يدعو الناس إلى ضيافته، ثم يعاملهم معاملة غير ضيافته!..

 

39. إن القرآن الكريم، هو حديث المولى -جلا وعلا- مع العبد، بعكس الصلاة التي هي حديث العبد مع الرب.. والقرآن الكريم، لا يقل أهمية عن سائر العبادات والطاعات.

 

40. إن للتجلي الآفاقي اتساعاً، يصعب حصره.. وكلما ازداد الإنسان توغلا في علوم الطبيعة، كلما ازداد قربا إلى الله عز وجل.. ولكن بشرط أن يكون له لب مدرك.. فالعالم الجاهل بالله، هو والمجهر على حد سواء؛ فكلاهما لا يعي، ولا يفهم حقيقة الأمور.. فالمجهر يلتقط الصور، وعينه تتلقى الصور من غير أن تزيد هذا الإنسان إلا نفورا.

 

41. إن التجلي الأنفسي المعنوي، يكمن تعريفه في أنه عبارة عن التفاعل مع المعاني، التي أنزلها المولى في كتابه الكريم.. فالقرآن الكريم هو في حد نفسه، منتهى اللطف والتفضل على بني آدم.. حيث أنه يوجه خطابه للناس وللمؤمنين مباشرة، فمن أنت أيها المخلوق، لتنال شرف محادثة الخالق!..

 

42. نحن نقرأ في كتاب الله -عز وجل- آيات عديدة  تخاطب الإنسان، وتأمره بالتكاليف، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، وغيرها الكثير من الآيات التي.. فنجد بعض العارفين قد فهم مغزى هكذا آيات من أن (لذة الخطاب تذهب بالعناء) فمن كرم الله تبارك وتعالى، أن جعل خطابه للعبد الحقير مباشرة، ولم يكن خطابه معنا خطاباً عبر حديث قدسي أو حديث نبوي.. لذا يوم القيامة يعد عدم تكليم الله لعباده، نوعاً من أنواع العذاب، حيث يقول تعالى: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}.

 

43. إن التجلي الأنفسي الحالي، يكون غالباً للخواص من عباد الله المؤمنين، وهم الذين يعيشون بوجودهم مع وجود الله عز وجل، وهم الذين يؤدون عبادتهم على أكمل وجه، ومعاشرتهم تكون مرتبطة بالله وفي الله.

 

44. إن للقرآن ظاهرا وباطنا، ولربما باطن القرآن الكريم، قد يكون أعمق في المعاني والمباني من ظاهره.. فللقرآن -وكما ورد له- سبعون بطناً، لذا لابد لنا من فهم القرآن الكريم بشكله الصحيح، وذلك عن طريق قراءة كتب التفاسير المبسطة أو الميسرة.. ويجب على كل منا وضع جدول حياتي للقراءة السليمة، ويتم ذلك ويعتمد على وضع جدول على مدار الحياة، يحاول أن يعطي للقرآن الكريم حقه، ويصحح الأخطاء، ويراعي التجويد أثناء القراءة.

 

45. إن القرآن الكريم ليس كتاباً تخصصياً، بل بسط الله -تبارك وتعالى- الآيات، ووجه خطابه فيها: للصغير والكبير، وللعالم والجاهل على حد سواء.. إذ قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.. لذا فمن الجميل جداً إيجاد أجواء إيمانية اجتماعية، لتلاوة كتاب الله فيها.. فقد وردت الأحاديث، ترغب في هذا العمل الإيماني الجماعي: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم فيما عنده).

 

46. إن الله -عز وجل- لا يرضى أن يعيش المؤمن -وهو حبيب الرحمن- في سجنه من دون أنيس ولا صاحب؛ فتخير له المولى خير جليس، وخير صاحب.. فالأنيس هو الله تبارك وتعالى، فالمؤمن يخاطب الرب أثناء صلاته، والله يخاطب المؤمن أثناء تلاوته لكتابه.. فليس بالغريب إن عاش المؤمن غير مستوحش لمفارقة الأصحاب، وملازمة القرآن.. فقد ورد عن علي بن الحسين (ع) أنه قال: (لو مات من بين المشرق والمغرب، لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي).

 

47. إن للشيطان الرجيم مداخل في نفوس بني آدم، وهو يعلم جيداً الطرق التي يتصيده من خلالها، ليبدأ الوسوسة له بالأمور الدنيوية، ليصرفه عن العبادة، وليشغله عن ذكر الله.. فهو العدو اللدود، لذا ينبغي التعوذ من شره ومن وسوسته.

 

48. وجب علينا أن نفهم أن كتاب الله الكريم، وبحكم تعبدنا الدائم بالاسترسال في تلاوته، وحفظه، والتركيز على معانيه العميقة ومدلولاته البعيدة.. لا تعد تلك الأفعال المجردة بحد ذاتها عبادة، إلا إذا ما قورنت بصدق النية، والتطبيق الفعلي لآيات الله في الحياة؛ ليجسد كلٌّ منا معنى القرآن الناطق بالفعل والعمل؛ داعياً إلى سبيل الرشاد.. لنواكب ذاك القرآن الصامت، كما هم آل البيت عليهم السلام.

 

49. إن صاحب الشخصية المترددة: ليس له قوام فكري ثابت ومطمئن؛ فهو يحمل القلق في الجانب الفكري لما جاءت به الشريعة.. وتراه يتخبط في بطون الكتب، ليناقش مسألة فرعية غافلاً عن الأصول والأساسيات، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}، مذبذبين هنا وهناك دون الوصول إلى الهدف.

 

50. إن صاحب الشخصية الانتفاعية: لا وفاء ولا أمان له في الحياة؛ فهو معك مادامت مصلحته عندك، وإلا فهو عليك!..‍‍ والقرآن الكريم يشير إلى هذه الطبقة من الناس فيقول عنهم: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ}.

 

51. إن صاحب الشخصية المتثاقلة إلى الأرض: ضعيف الهمة، قليل الحركة، لا يترقى في سلوكياته: لا عبادياً، ولا تعاملياً.. ولا يعلم بما وراء المادة، وليست لديه برمجة هادفة للحياة، ملازم للتسافل والقعود عن الجهاد في مجاليه: الأكبر، والأصغر.. وهؤلاء يستنكر عليهم الله سبحانه وتعالى قائلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}.

 

52. إن كلمة {اثَّاقَلْتُمْ} فيها تعبير بليغ: يدل على أن الأشياء تميل إلى الانحدار والتسافل نحو الأرض، ما لم تدفع دفعة قوية تخالف وتعاكس تلك الطبيعة.. وعليه، فإن المؤمن إذا لم يقم بحركة ثورية انقلابية على نفسه، فسيكون مصداقاً للتثاقل إلى الأرض، ويكون من شر الدواب كما وصفهم الله تعالى.

 

53. إن صاحب الشخصية الهلامية: له علاقة متهلهلة مع رب العالمين، فتراه يفزع إلى الله -سبحانه وتعالى- في الملمات والنكبات فحسب!.. وتتّضـح جليّاً الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.. وحقيقة هذه ذبذبة قاتلة، تعقب الانتكاسات تلو الانتكاسات.

 

54. يقول تعالى في شأن حواري عيسى (ع) الذين طلبوا إنزال المائدة: {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}.. وهنا إشارة مهمة: وهي أنه ينبغي للمؤمن الذي يعيش حالات روحية متميزة -وخاصة في المواسم العبادية- أن يقابل ذلك بالشكر والتقدير لرب العالمين، وتجنب المعاصي والذنوب، للحفاظ على هذه الهبات.

 

55. إن صاحب الشخصية المنافقة المتلونة: يميل إلى العبادة في الجو الجماعي، فتراه يقبل إقبالاً متميزاً أمام الناس فقط.. بينما نجد أن الله -عز وجل- يمدح الذين يخشونه في الغيب، فيقول مخاطباً لنبيه المصطفى (ص): {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ}.

 

56. إن صاحب الشخصية التحريضية: لا يحب السلام والأمن في المجتمع، ويعيث في الأرض الفساد، وهؤلاء قال عنهم القرآن الكريم: {إلَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.

 

57. إن صاحب الشخصية المرعوبة المرتبكة: يعيش الارتباك في الحياة، فيؤذي نفسه بنفسه، باتخاذ القرارات غير المبرمجة والمدروسة، وهؤلاء قال الله -تعالى- عنهم: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ}.

 

58. إن البعض يظن -خطأ- بأن حسن الخلق هو: البشاشة، والاستبشار، وكثرة المزاح، والضحك في وجوه الآخرين.. والحال بأنه عبارة عن إعادة تشكيلة للشخصية مرة أخرى، بحيث نتجنب كل الطباع السيئة والسلبيات.

 

59. إن قول النبي (ص): (من حسن خلقه؛ بلغه الله درجة الصائم القائم)؛ إشارة إلى أن العبادة، لا تؤتي ثمارها مع الشخصية المضطربة القلقة.. ولو كانت نافعة، لكان إبليس أولى بذلك.. وإنما تنفع العبادة إذا حسن باطن الإنسان، واستقامت سريرته، وامتلك الشخصية المتوازنة المتكاملة.. بل إنه إذا حقق ذلك يكفيه قليل الصلاة والصيام، إذ أن (ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة، أفضل من حسن الخُلُق).

 

60. إن اللغو ينطبق على كل فعل أو قول، ليست فيه مصلحة تعود إلى الدين أو الدنيا.. واللهو ينطبق على كل فعل لغو أو قول لغو، يضاف إليه حالة الالتهاء عما يراد بالإنسان في هذه الدنيا، ألا وهو: تحقيق العبودية الكاملة لله رب العالمين.

 

61. إن اللغو ينطبق على كل فعل أو قول، ليست فيه مصلحة تعود إلى الدين أو الدنيا.. واللهو ينطبق على كل فعل لغو أو قول لغو، يضاف إليه حالة الالتهاء عما يراد بالإنسان في هذه الدنيا، ألا وهو: تحقيق العبودية الكاملة لله رب العالمين.

 

62. إن ظاهرة اللهو واللغو من الظواهر الأصيلة في حياتنا؛ بينما لو فتش الإنسان عن ساعات الجد في حياته، لرآها ساعات محدودة جداً!.. إن ساعة العمل لا تعتبر ساعة جد؛ لأنها ساعة ترزق.. ولو أن الإنسان يأتيه المعاش على باب بيته وهو نائم، لعله يفضل ترك العمل؛ لأن هذا يوافق المزاج.. إن ساعة الجد هي تلك الساعة التي يعيش الإنسان فيها هدف الخلقة، هدف الوجود؛ ألا وهو المثول بين يدي الله سبحانه وتعالى..

 

63. إن الإنسان المؤمن كلما ترقى في الإيمان درجة، ارتفعت مقاييس السلوك عنده، وصار مطالباً بما كان سابقاً معفياً عنه، أي كما يقال: (إن حسنات الأبرار سيئات المقربين)!..

 

64. إن الإنسان المؤمن، إذا تعود على عالم اللهو واللغو؛ فإنه يتحول إلى إنسان كسول..

 

65. عندما يمشي الإنسان في الطرقات السريعة، نلاحظ أن هنالك مسافة محترمة بين الشارع العام وبين خط الهاوية.. وبالتأكيد، أن السائق الحذر لا يسوق على حافة الطريق، ولو ساق غفلة رجع إلى رشده؛ لأن الحافة والهاوية طريق الهلاك.. فلماذا تمشي على حافة الدين؟!..

 

66. إن السياسة الشرعية في السلوك، قائمة على أساس تجنيب الفرد عن السياقة على حافة الهاوية.. فمن اللازم الاجتناب عما يشبه الحرام، لئلا يتورط صاحبه في المعصية من دون أن يشعر.. وقد روي: (أن من حام حول الحمى، أوشك أن يقع فيه)!..

 

67. إن من صور اللغو في حياتنا: الثرثرة والجدال، وأن يتكلم الإنسان كلاماً غير معقول.. لذا ينبغي للإنسان عندما يحب أن يتكلم في موضوع، أن يجعل لنفسه لحظات يتأمل فيما يريد أن يتحدث به؛ قبل أن يتحدث.. ليكون لكلامه فائدة، ويتجنب المزالق في هذا المجال.

 

68. إن البعض منا رغبة في الدفاع عن الإسلام، أو عن عقيدته، أو عن خط أهل البيت (ع)؛ فتراه يحترف المجادلة أينما ذهب، وكأنه واعظ، وكأنه إمام مسجد، ويريد أن يفتح النقاش مع كل أحد!.. فهذه حالة من حالات اللغو!.. بينما بيان العقيدة، وبيان المذهب الصحيح، وبيان طريقة أهل البيت (ع)؛ يحتاج إلى نفوس مستعدة.. إذا كان هذا الشخص لا يعترف بك ولا بكلامك؛ فلماذا تفتح معه أبواب النقاش والجدال في أحاديث أهل البيت (ع)؟!..

 

69. ليس كل انشغال بأمر دنيوي من مصاديق اللهو، بل إن هنالك بعض الأمور قد ينشغل بها المؤمن، والله -عز وجل- يحب من المؤمن الانشغال بها، كما تصرح بذلك الروايات.. ومن اللهو المطلوب: إدخال السرور على الزوجة، بما أمكنه ذلك.. وكذلك مفاكهة الأخوان

 

70. إن القرآن الكريم يؤكد لنا هذه الحقيقة: وهي أنه لا فرق في روح المعصوم إن كان صغيراً أو كبيراً -فالنور هو النور-، بذكره نموذجين لصبيين لم يبلغا الحلم.. فهذا يحيى (ع) يقول الله تعالى عنه: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}.. وهذا روح الله عيسى (ع) يتكلم في المهد بمنطق القيادة والنبوة، وقد قال -تعالى- عن لسانه في القرآن الكريم: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}.. ومن هنا تتجلى الحكمة الإلهية في عرض هذين النموذجين، وهي: لتعويد الناس على تقبل شخصية المعصوم مهما صغر سنه.

 

71. إن من الأمور التي تجعل الإنسان يعيش حالة الاطمئنان، هو اعتقاده بأنه يحمل سلاحاً من أقوى الأسلحة، ألا وهو الدعاء.. فإنه يعيش حالة الهدوء والاستقرار، ما دام هو يعلم أن السموات والأرضين والخزائن، كلها بيد الرب، الذي يمكن أن يأخذ منه الحاجة، في ساعة من ساعات الخلوة في جوف الليل، وأنه بدمعة واحدة، وبتضرع واحد، وإذا به يأخذ من رب العالمين الكثير.

 

72. إن المؤمن يفكر في عقبه.. كم من الجميل إن لم يوفق هو في هذه الحياة الدنيا، لأن يكون مَعَلماً من معالم الدين، لأن يقوم بصدقة جارية عظمى، تبقى له رصيداً إلى أبد الآبدين، أن يطلب من الله -عز وجل- أن يعوض ذلك في ذريته!..

 

73. إن الطريق إلى القلوب؛ هو الصلاح والتقوى.. وليس بالمزاح الزائد، وليس ببذل الأموال، ولا بتقديم الولائم؛ لا بهذه الأمور المصطنعة..

 

74. إن صفة الكرم، وصفة الجود؛ من الصفات التي لا يمكن أن تنفك عن المؤمن.. فإذا رأيت مؤمناً بخيلاً، أو ممسكاً؛ فاعلم أن هناك خللا في إيمانه.. وأي إيمان لا يدفع صاحبه لأن يتعامل مع المال على أنه أمانة الله بين يديه؟!.. فإنه ليس مالكاً لنفسه، فكيف لموارد الطبيعة؟!..

 

75. إن المال هو مال الله عز وجل، والإنسان ما هو إلا مستخلف وأمين على هذا المال.. ولهذا فإن الإنسان عندما يدفع خمس أمواله ولو بلغت الملايين، فإن عليه أن لا يعيش ذرة من العجب والرياء.. فالمنة لله وحده -عز وجل- أن جعلك مستكفياً بهذا المال.

 

76. إن الإنسان المؤمن عندما يعيش هذه الرؤيا الاعتقادية: أنه إنسان مستخلَف؛ فإن هذا الاعتقاد سينعكس على سلوكه في الحياة، فيقلل من حرصه على المال، ويؤدي ما عليه من الحقوق بكل طواعية..

 

77. إن المؤمن له وجاهته عند الله عز وجل، فإذا كان بإمكانه أن يستغني عن منة الخلق فليستغن، ولا يريق ماء وجهه..

 

78. إن الكريم تارة يقابله البخيل، وتارة يقابله اللئيم.. هنالك بعض الناس مع أن عندهم كرما ماليا، ولكن ليس لهم كرم طبعي: فهو إنسان حقود، يقابل الكيل بكيلين، ويحفظ سلبيات الآخرين عشرات السنين إلى الوراء، ولا ينظر إلى الحياة إلا من المنظار الأسود.. إن هذا إنسان لئيم، واللؤم من الصفات القبيحة في النفس.
 

79. إنه من الضروري للإنسان أن يتعلم فقه الخصام- وخاصة مع المؤمنين-؛ حتى لو أنه ابتلي بحالة خصام يعرف ماذا يعمل، ويحسن التصرف؛ دون أن يقع فيما يغضب الله -تعالى- من المنكرات القولية أو الفعلية، المتعارفة في هذا المجال، مما يجره للوقوع في الدواهي العظمى!..

 

80. إن من آيات الله -عز وجل- أنه خلق الناس على هيئات وأمزجة مختلفة، قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}، وورد في الحديث عن الرسول (ص): (الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة).. فالاختلاف بين الناس سنة طبيعية من سنن الله عز وجل.. ولاشك أن التعامل مع الناس بهذه الأمزجة المختلفة، يوجب شيئاً من الخصومة.. وعليه، من الخطأ أن ينظر الإنسان إلى المجتمع على أنهم مزاج واحد، أو أن ينظر الإنسان إلى المجتمع ويلزمهم بمزاجه.

 

81.  إننا لا يمكن أن ننكر أن الإنسان يعيش في هذه الدنيا في ضمن مجتمع، تتعدد فيه المعتقدات والأفكار، وأنه يعيش مع قوم لا يلتقون معه في أصل الدين، وفي أصل قبول المبدأ والمعاد، ويلتقي مع أناس لا يتفقون معه في طريقة فهمهم للشريعة المقدسة، ويلتقي مع أناس يقلدون من لا يرون مبدأً فقهياً معيناً... ومن هنا من الطبيعي أن الذي لا يتأقلم مع الذين يختلف معهم في الرأي، والذي لا يتقن فقه التعامل مع الذين يختلفون معه، أن يقع في سلبيات الخصومة.

 

82. إن الإنسان الذي يعيش جو الخصومة: إنسان متوتر، إنسان موزع الفكر، إنسان سريع الإثارة والاستثارة، إنسان لا يملك التركيز الذهني للعمل الفكري الجاد، وحتى نومه نوم مضطرب، ويعيش الأرق والقلق، إنسان مكتئب، إنسان معقد، إنسان تجتمع فيه الكثير من خصال الشر.. ولهذا يقول الإمام الصادق (ع): (إياكم والخصومة في الدين!.. فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز وجل، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب).

 

83. إن نقل المعلومات من الذهن إلى الذهن، يحتاج إلى عمليات معقدة، والأمر ليس من باب كن فيكون!.. فالأفكار والرؤى ليست عبارة عن كتلة مادية، تنقلها من ذهنك إلى ذهن الطرف المقابل!.. هنالك مجموعة قناعات ومبادئ في ذهن الطرف المقابل، لابد أن تغسل هذه القناعات غسيلاً علمياً، لتلفت نظره إلى المقدمات الباطلة، التي أوجبت النتيجة الباطلة.

 

84.  إن الخصومة تبدأ بخلاف مزاجي، أو بخلاف فكري، أو بخلاف مرحلي؛ ثم تتحول إلى عداوة، وميل للانتقام من الطرف المقابل.. وبذلك ينفتح الباب للانتقام بالقول وتوابعه: من الغيبة، والبهتان، والنميمة، والإسقاط، وما شابه ذلك.. وإذا أمكنه أن يتعدى عليه باليد، أو أن يزيله من الوجود، فإنه يعمل ذلك.

 

85. إن بعض الخصومات -وخاصة عند المؤمنين- قد يكون لها وجه، ولها منشأ فكري، أو سلوكي.. فإذا كان الأمر كذلك؛ فعليه أن يغضب بمقدار ما غضب الله تعالى لنفسه.. ومن غضب لله عز وجل؛ انتصر الله تعالى له.

 

86. إن كثيراً من الخصومات، وكثيراً من الغضب الذي نصبه على بني آدم -وخاصة على المستضعفين، من الرجال والنساء والأولاد- منشؤه التنفيس، والانتقام، التكلم بما في القلب.. ألا تريد الإصلاح؟.. فإذا كنت تريد الإصلاح، فليس هذا هو السبيل!.. أنت تعلم أنك في حال الخصومة والغضب، تفسد أكثر مما تصلح، وأنك تسيء للفكرة؟!.. ففكرتك جيدة، وكلامك حق، ولكن أسلوبك في الكلام، يضيع الحق الذي كان لك!..

 

87. إن المؤمن -أحياناً- يأخذ حقه، ببعض صور التظلم.. بينما أمير المؤمنين وأولاده المعصومون (ع)، كسبوا هذا الذكر الجميل الخالد إلى يوم القيامة؛ لأنهم ظهروا بمظهر المظلومية بين الخلق؛ لأنهم بينوا ظلامتهم للعالمين.. ومن هنا تغلغلوا في النفوس التي تستحق أن تكون محبة لهذه الذوات المقدسة.

 

88. إن الإنسان المؤمن عليه أن يترصد ويكتشف المعادلة.. إن نفحة ليالي القدر نفحة عامة للجميع، وكذلك نفحات الحج، والحطيم، والمستجار، وتحت الميزاب...؛ فإن في هذه الأماكن المباركة نفحات عامة.. ولكن الإنسان المؤمن بلباقته وبذكائه، وبحسن مراقبته وبفراسته، وبما أعطي من النور الإلهي -لأنه ينظر بعين الله وبنور الله-؛ عليه أن يكتشف مواطن النفحات الخاصة.

 

89. إن النفحات الإلهية لها أسباب خارجية، وأسباب داخلية.. غير أن الأسباب الخارجية -وهي الليالي المعهودة، والأيام المعهودة، والأماكن المعهودة-، ليست بأيدينا.. إذ أن في السنة ليلة قدر واحدة، والمسجد الحرام بعيد عنا، بالإضافة إلى أن الذهاب إلى هذا المكان، يحتاج إلى استطاعة، وقدرة مالية.. فإذن، علينا أن نركز على القسم الثاني، وهي النفحات الداخلية: النفحات الخاصة.

 

90. علينا أن نقوم بالصفقات الاستثنائية المربحة.. ومن ضمن الصفقات المربحة: كظم الغيظ.. ومن المعلوم أن الإنسان الذي يثار -مثلاً- من قبل ولده، أو من قبل زوجته، أو من قبل خادمته؛ ويتذكر غضب الله عز وجل، فيكظم غيظه؛ فإن جزاءه أن يحشا جوفه نوراً، كما ورد عن الإمام الباقر (ع): (مَن كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمناً وإيمانا يوم القيامة).

 

91. ما قيمة أن ينقذ الإنسان غضبه على الزوجة المسكينة، أو هذه الخادمة البسيطة؟.. وهو بإمكانه أن يتجرع هذا الغيظ، ليعيش حلاوة الإيمان بعد ذلك، وليرفع عن ظهره جبالاً من الذنوب!.. ولا يستبعد أن رب العالمين عندما يطلع على هذا العبد، الذي ابتلي بإثارة في الشهوة أو الغضب، وصبر على ذلك؛ أن يباهي به ملائكته.. فيا لها من مزية!..

 

92. إن الإنسان قد لا يوفق أن يقوم بجهاد عظيم بين يدي الله عز وجل، كحنظلة ويوسف (ع) وسحرة فرعون -مع فارق الدرجات بين هؤلاء-؛ ولكن الإنسان الذي يراعي نفسه بترك الذنوب -صغيرها وكبيرها-؛ فإنه يعطي هذه المنحة بين فترة وأخرى.

 

93. إن المؤمن يتخذ من الصلاة مجالاً للعروج إلى الله عز وجل، ومجالاً للتنفس.. نحن نلاحظ أن الإنسان الغواص عندما يذهب إلى أعماق البحر، ويعيش حالة الاختناق لفقدان الهواء؛ يصعد إلى السطح ويستنشق، ثم يغوص تارة أخرى.. وكذلك نحن في حياتنا اليومية نعيش في ظلمات مظلمة: ظلمة العمل، وظلمة المعاشرة الاجتماعية، وبعض الظلمات التي تسلب الإنسان روحه.. فعليه أن يلجأ إلى عالم الصلاة، والقرآن، والدعاء؛ ليستنشق شيئاً من هذا الرحيق، ويرجع مرة أخرى إلى واقعه.

 

94.  إذا رأينا أنفسنا في حالة إدبار، فعلينا أن نشتكي إلى الله عز وجل.. وينبغي أن تكون الشكوى من قسوة القلب ديدن المؤمن.. فإن الإعراض الإلهي، من أسوأ صور التعذيب!.. ولهذا نلاحظ أن الله -عز وجل يوم القيامة يعذب بعض أهل المحشر، بأنه لا ينظر إليهم، ولا يكلمهم؛ نعم هذا الإعراض من صور العقوبة.

 

95. إن الإنسان المؤمن إذا عاش حالة الإدبار، ولم يتأثر بذلك، فليعلم أنه إنسان مريض!.. لأن ما هو فيه يستدعي منه أن يجأر إلى الله عز وجل!.. يقال بأن هذه الآية: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} نزلت بعد انقطاع فترة من الوحي، لأن النبي (ص) اشتاق إلى الوحي، فجاءته الآية لتطيب من خاطره (ص).. الإنسان المؤمن إذا صلى فرضاً وفرضين، ويوماً ويومين، وأسبوعاً؛ ولم يجد حلاوة في عبادته، وفي قيام ليله؛ فإنه يعيش حالة القلق والفزع، لأنه يبدأ يشك في نفسه أنه لعله وقع ما وقع، بحيث سلبت هذه الحالة من التوجه بين يدي الله عز وجل.

 

96. لئن كانت العشرة الأخيرة من شهر رمضان، محطة تركيز على العلاقة الخاصة مع رب العالمين، من الزاوية الفردية للعبادة.. فإن العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، تمثل محطة تركيز أيضا على تلك العلاقة من الزاوية الاجتماعية للعبادة؛ تأسياً بسيد الشهداء (ع) الذي مارس أرقى صور العبودية لرب العالمين، من خلال استنقاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة؛ مجسدا بذلك شعار إحياء الخلق؛ لأنهم عباد الله.. وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

 

97. إن مسألة إحياء الشعائر، كما قال الإمام الصادق (ع): (شيعتنا خُلقوا من فاضل طينتنا: يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا)؛ هذه المسألة لها انعكاسات في حياة الإنسان المؤمن.

 

98. لماذا يفرح الإنسان بميلاد إمام من أئمة الهدى؟.. ولماذا يتأذى، ويتأسف، ويحزن عند فقد هذه الذوات المقدسة؟.. إن السبب في ذلك؛ الحب الذي هو عبارة عن السنخية بين المحب والمحبوب.

 

99. إن الحب على قسمين: الحب الأول: الحب المتعلق بالأمور المادية؛ سواءً كان جسداً جميلاً، أو كان منظراً جميلاً، أو كان متاعاً من متاع هذه الدنيا.. والحب الثاني: هو حب المعاني، لا حب الذوات، ولا حب الطبيعة، ولا حب الوجوه الجميلة؛ إنما حب الذوات المتحلية بالمعاني السامية!..

 

100. إن الحب المادي، مبتلى بعدة آفات، منها: آفة الزوال، وآفة التناقص، وآفة الشهوة.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج