100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1.  إن هذا القلب هو الذي سنصطحبه معنا بعد هذه الحياة الدنيا، وبه سيكون الفوز أو الخسران، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.. نعم، هذا القلب هو الحاكم الذي تأتمر الجوارح بأمره، وبصلاحه يتم صلاحها، كم نحن غافلون عن هذا القلب وقدراته العجيبة!.. ألا ينبغي علينا أن نكتشف هذه الخفايا المختزنة؟!.. أتكون الأرض الجامدة مخبأً لكنوز قيّمة تتصارع عليها الأمم، والقلب -تلك اللطيفة الربانية، أشرف ما خلق الله تعالى- تكون دون ذلك!..

 

2. إن حالة الشفقة مع العصاة من الخلق، حالة معهودة في حياة المعصومين (ع) جميعا.. حيث إن إحساس أولئك العصاة بالحنان والعطف من قبل الدعاة إلى الله -تعالى- لهو نعم المعين لهم على ترك المنكر.. لأن طردهم من المجتمع، يوجب توغلهم في عالم المعصية.. ومن هنا لزم علينا التعامل مع العصاة بحذر، وإتقان، وروح تربوية.

 

3. إن من موجبات العفو عن الآخرين؛ التعالي عن الأمور الحقيرة.. فالمؤمن مشغول بعالمه العلوي، فلا يكاد تشغله الأمور التافهة.. فما قيمة كلام الغير الذي لا يكشف عن الواقع، ليتخذ منه موقفا عدائيا يسلب منه نعمة العفو والسماح؟!..

 

4. إن الرغبة في إصلاح الآخرين؛ هي من موجبات العفو.. فالتجاوز عن أخطاء الطرف الآخر، درس عملي للتحلي بمكارم الأخلاق.. لأن الإنسان بطبيعته خاضع أمام الفضيلة، وصاحب الفضيلة من دون أن يطلب ذلك بلسانه.

 

5.  تتأكد حالة العفو على ذوي الحقوق: كالوالدين، والزوجة، ومن لهم حق الهداية والإرشاد.. فإنه ليس من الإنصاف أبداً أن لا ننظر إلى الطرف المقابل بمجموع صفاته.. فلا نجعل إساءة واحدة كافية لأن تنسينا جميع الحقوق التي ينبغي مراعاتها في ذوي الحقوق.. إن هذا الإحساس -إذا ما تحلينا به- كفيل لترطيب العلاقات الاجتماعية والأسرية، بما يمنع حدوث المشاكل المختلفة.

 

6. إن الذي يرحم العباد، ويعفو عن الخاطئين منهم، لهو في معرض الرحمة الإلهية الغامرة.. ومن الطبيعي أن ينظر الرحيم الودود بعين الود والرحمة، لمن غرس هذه الصفة الإلهية في نفسه إلى حد الملكة الراسخة.. فلنرحم من في الأرض؛ ليرحمنا من في السماء.

 

7. إن وضوح المفهوم، خطوة أساسية لسلامة الحركة العملية.. فمن لا يستحضر المفهوم الإسلامي الصحيح، حول مفردات الحياة المختلفة، فإنه سيبتلى بالزلل في مقام العمل.. ومن هنا أكّد الإسلام كثيرا على المعرفة النظرية، التي لو اقترنت بالإرادة ، لتحقق النجاح في الحياة.

 

8. إن من المفاهيم الخاطئة: النظر إلى المال وكأن للإنسان حرية مطلق التصرف فيه، فإن القاعدة الفقهية المعروفة: (الناس مسلطون على أموالهم)؛ لا تعني الحرية المطلقة في قبال أمر الله ونهيه.. إذ أن العبد ليس إلا خليفة على المال، ومقتضى قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، فالعبد سوف يحاسب من طرف من استخلفه على ذلك المال، محاسبة المالك الحقيقي للمالك المجازي.

 

9. إن التعبير "بإخوة الشيطان" للمبذر، كما ورد في القرآن الكريم {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، لهو تعبير مخيف.. إذ أنه يعكس تجانس المبذر مع الشيطان بمقتضى الأخوة.. وهذا التجانس يوجب اتحاد المصير مع الشيطان في الآخرة، ويا له من مصير مرعب!..

 

10. إن من الملفت حقا: أن يستنكف الإنسان من استثمار ثلث أمواله لما بعد الحياة الدنيا، فإن من صور منن الله على عباده، أن أذن لهم باصطحاب ثلث أموالهم -بالوصية- إلى عالم البرزخ والقيامة، وذلك بجرة قلم تسمى: (الوصية بالثلث).. ومن المعلوم أن عمل ابن آدم منقطع بموته إلا: بصدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

 

11. إن مفهوم التفقه في الدين، جعلناه وقفا على الفقه بمعناه الخاص من ناحية، ووقفا على طبقة وهم (رجال الدين).. والحال أننا جميعا مدعون إلى معرفة جميع جوانب الشريعة، سواء في: الفقه، أو الحديث، أو التفسير، أو السيرة؛ ولو في أدنى مستوياته.. ومن المؤسف حقا أن يعرف الإنسان أسرار الطبيعة الدقيقة، ولا يعلم ما أراد الله -تعالى- منه في أقل درجاته!..

 

12. إن من المفاهيم الخاطئة، التي قد توجب التقاعس عند البعض -كتطبيق على أن المفهوم الخاطئ يوجب الخطأ في مرحلة العمل- هو مفهوم (الانتظار).. فالبعض يرى أن الانتظار حالة في القلب على مستوى إبداء الشوق.. والحال أن الانتظار صفة من صفات الذات، بما يستلزمه من الإعداد الذاتي، لما يريده من ننتظره.. وعليه، فإن المنتظر الواقعي، هو الذي يجعل نفسه في أقصى درجات الاستعداد، لتلبية الأوامر الصادرة من قائده في أي وقت ومكان، وخاصة إذا علمنا أن الله -تعالى- يصلح أمره (ع) في ليلة.. فيأتي الفرج بغتة، وما ذلك على الله -تعالى- بعزيز.

 

13. إن لمحبة الذوات الطاهرة التي أمرنا الله -تعالى- بحبها درجات وأنواعا.. فمنها الحب الإعجابي: بمعنى أن كل من يرى كمالا في عالم الوجود، فإنه يميل إليه ميلا طبيعياً، ميل كل ناقص لما هو أكمل منه.. وهذا المقدار من الميل لا يستلزم التفاعل مع ذلك الشيء، بمعنى اتخاذ ذلك الكامل قدوة في الحياة.. وهو ما نراه في كتابات بعض غير المسلمين الذين يبدون إعجابهم الشديد بعلي (ع) من دون أن يدينوا بالدين الذي دان به علي (ع)، وضحى لأجله النفس والنفيس.

 

14. إن الحب الادعائي: هو إظهار الحب أمام الآخرين، مقدمة للفوز بشيء من عاجل الحطام، أو المباهاة لكسب الجاه والمنـزلة في القلوب.. وكم من القبيح أن نجعل التظاهر بحب الله وأوليائه، سلعة تبادل بالفاني من المتاع!..

 

15. إن البعض لا ينظر إلى المعصوم (ع) إلا كوسيلة لقضاء الحوائج فحسب!.. وعليه، فلو تأخرت الاستجابة قليلا؛ ضعف إيمانه به، معاتبا له في نفسه، وإن استحى في إظهار ذلك..  وهذا ما يسمى بالحب المصلحي.. إننا لا ننكر رجحان -بل حسن- جعلهم الوسيلة أمام الله تعالى، ولكن هذه سمة من سماتهم في مقابل سمات عظمى، منها: اتخاذهم الوسيلة لتحقيق السعادة في النشأتين، ودرجة الرضوان عند الرب المتعال.

 

16.  إن أرقى صور الحب، هو حب ذواتهم المباركة: لما تجلت فيها من الصفات الإلهية بما تحتملها الحدود البشرية.. وحينئذ يكون هذا الحب -إذا كان صادقا- مدعاة للتشبه بهم قدر الإمكان، إذ أن من أحب حبيبا: حاول التشبه به، وغلب عليه ذكره، وتجنب كل ما يثير غضبه وسخطه.

 

17. إن الفترة الزمنية التي عاشتها الزهراء (ع) لم تكن كافية لتتجلي منزلتها الحقيقية، من خلال أقوالها وأفعالها المستندة إلى عالم الغيب.. ومن هنا شبهت بليلة القدر، في خفاء القدر والمنزلة.. ولكن الذي يكشف بعض النقاب عن منـزلتها السامية -في اللوح المحفوظ- هي تلك الكلمات الصادرة في حقها من أبيها المصطفى (ص).. ومن المعلوم أن ما صدر منه لم يكن باعتبار القرابة النسبية أبدا، فهذا ينافي عدم النطق عن الهوى، كما عبر القرآن الكريم.

 

18. إن النبي (ص) تعمد في مواقف عديدة إبراز مكانة الزهراء (ع) عند المسلمين .. فهذا هو النبي (ص) اذا أراد سفراً كان آخر الناس عهدا بفاطمة، وإذا قدم كان أول الناس عهداً بفاطمة (ع).. وهذا النبي (ص) يسميها بأم أبيها.. ومن المعلوم أن الأم تمثل نقطة الحنان والعطف في حياة الإنسان، ولا عجب في أن تكون فاطمة (ع) الملجأ الذي يفرج الكروب عن رسول الله (ص) لما صارت روحه التي بين جنبيه.

 

19. إن تعبير النبي (ص) عن فاطمة: بـ (أن الله -تعالى- يغضب لغضبها، ويرضى لرضاها) لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام.. فإن هذه الكلمة بإطلاقها -من دون تحديد بزمان، أو بحالة- تدل على أن ما كان يصدر عن الزهراء (ع)، كان مطابقاً للإرادة الإلهية في كل مراحل حياتها.. ومن هنا كانت مواقفها بمثابة الخط الذي يتبين به الرشد من الغي، وهذه هي معنى العصمة: حيث مطابقة القول والفعل البشري، لما يريده المولى في كل شأن من شؤون الحياة.

 

20. إن من الدروس العملية من حياة الزهراء (ع): تأكيدها الشديد على ضرورة العفة للنساء في أشد صورها.. فهي تفرح عندما يكلفها النبي (ص) بتحمل شؤون المنزل، لما في ذلك الكفاية من تخطي رقاب الرجال.. وتفرح عندما تصور لها أسماء بنت عميس نعشاً بعد وفاتها، لئلا يرى حجم بدنها عند التشييع رغم أنه في جوف الليل، وفي ثلة قليلة من أصحاب أمير المؤمنين (ع).. وهنا فلنتساءل: إلى أين وصلنا نحن مدعو المشايعة لها، في تعاملنا مع الجنس الآخر؟!..

 

21. إن الذي يكشف عن مدى قرب العبد من ربه هي: نظرته إلى الموت.. فالذي يخاف من الموت، إنما يخاف مما بعد الموت من العالم المجهول، ولهذا جعل القرآن الكريم تمني الموت، علامة لمن يزعم أنه ولي لله -تعالى- كما زعمت اليهود.. وقد حبب الله -تعالى- إبراهيم الخليل إلى لقائه، عندما أرسل إليه ملك الموت قائلا: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟!.. في جواب إبراهيم (ع) عندما قال: فهل رأيت خليلا يميت خليله؟!..
 

22. إنه من المناسب جدا أن يقوم الإنسان بسياسة الاقتران الشرطي، التي تستعمل في علم النفس الحديث.. ومفادها الربط بين المعاني الإيجابية أو السلبية، ومآلها في الدنيا والآخرة.. فمن تقترن عنده صورة الطاعة، ومقعد الصدق عند المليك المقتدر (بشكل يقيني) وبين صورة المعصية، وما ذكر من عذاب البرزخ والقيامة (بشكل وجداني)؛ فإنه لا ينظر حينئذ إلى المعصية والطاعة، إلا من خلال تلك الصور الملازمة.. وبالتالي، لا يبقى عنده مقتض للمعصية، ليوجد عندها المانع.. كما لا يبقى عنده مانع من الطاعة، ليمنع تأثير المقتضي.. وهذه هي المعادلة النهائية للتقوى باختصار.

 

23. إن الالتفات إلى قصر الحياة -وكيف أن أنواع المتع المحللة والمحرمة منها إلى زوال وفناء- من حوافز الزهد في العاجل من المتاع.. ومن هنا عبرت الرواية عن الموت، بأنه هادم اللذات.. وقد أمرنا بإكثار ذكر الموت؛ لئلا نعيش حالة الوهم في الحياة، من خلال رؤية متاعها في حلم لذيذ كاذب، ليستيقظ بعدها العبد، وقد وجد الله عنده فوفاه حسابه.

 

24. إن من مراحل الموت التي يبتلى بها أغلب الخلق هي: سكرات الموت عند حالة النـزع، إذ أن انفصال الروح التي تأقلمت مع البدن سنوات طويلة من أشق الأمور.. فلاحظ كيف أن الجنين ينفصل عن أمه، ليذيقها مر العذاب بما يسمى آلام الولادة.. والجلادون في السجون، يقلعون ظفرا من السجين، ليرى الموت البطيء من خلال ذلك.. فكيف أذا أريد فصل الجسد بكامله عن الروح؟!.. ولك أن تتصور ذلك، قياسا لحالة الجنين والسجين!..

 

25. تناولت الروايات بعض موجبات تخفيف سكرات الموت، التي دعا رسول الله عندها -تخويفا لأمته- قائلا: (اللهم!.. أعني على سكرات الموت)، فمنها: صلة الرحم، والبر بالوالدين.. ومن الملفت حقا أن هذين العنصرين يتكرران في موارد كثيرة، ولعل السبب في ذلك هو وجود الصوارف الداخلية عن القيام بحقوقهما، وذلك لأن علاقة الإنسان مع أهله علاقة مفروضة، لم تكن بانتخاب من العبد.. وهي قد لا تناسب مزاجه في موارد كثيرة، ومن هنا لزم التأكيد من المولى الحكيم، لوجود أرضية المنافرة.

 

26. إن من موجبات تخفيف السكرات، العمل على إرشاد الغافلين، وهداية الضالين.. فإن الله -تعالى- يحفظ هذا الجميل في خلقه عند ساعة الموت.. وقد ورد في الخبر عن الرسول الأكرم (ص): (ومن أعان ضعيفاً في فهمه ومعرفته، فلقنه حجته على خصم الدين طلاب الباطل.. أعانه الله عند سكرات الموت، على شهادة: أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله).. لأن الشيطان يحاول في اللحظات الأخيرة من الحياة، أن يسلب الإنسان قوام سعادته، وهو: الاعتقاد الحق، بعدما عجز عن تحريف مسيرته في حياته.

 

27. إن دعوة الناس إلى منهج أهل البيت، من روافد الختم بالسعادة..

 

28. لا ينبغي أن نحيط الحديث عن الموت، بهالة من الخوف والتشاؤم، بعدما علمنا أن الشطر الأهم والأطول -بطول الخلود- من حياة أحدنا إنما هو بعد الموت.. ومن هنا لزمت البرمجة الدقيقة، لاستقبال تلك المرحلة قبل مفاجأتها لنا.. وهذا معنى قول المعصوم (ع): (موتوا قبل أن تموتوا)!..

 

29. إن الصراحة في مواجهة مسألة الموت، خير من التناسي والتغافل.. فقد جعل النبي (ص) جلاء القلوب بـ(قراءة القرآن، وذكر الموت).. ولا يراد منه: الذكر العابر عند زيارة القبور، أو فقد عزيز.. بل الذكر الذي يستلزم برمجة جادة دقيقة، لتحقيق حالة اللقاء الإلهي (اختيارا) قبل اللقاء (قهرا).. ومن المعلوم: أن من {كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.

 

30. إن بعض ما يواجه الإنسان عند الموت، إنما هو تمحيص للذنوب التي لم يكفر عنها بالتوبة، أيام غفلته في الدنيا.. ومن هنا فإن من كان حريصا دائما على تصفية حسابه مع الخلق والخالق، فمن الطبيعي أن يعفى من تلك الأهوال والآلام، لعدم وجود ما يقتضيه.. ولو ابتلى بذلك عند الموت اتفاقا، فإنما هو رفع لدرجة، لا كفارة لسيئة.

 

31. إن هنالك ما يسمى بـ(راحة الموت) وهي حالة قصيرة من الالتفاتة قبل الموت تنتاب البعض، لكى يعوض ما نسيه من الوصية، التي قد تخفف عنه كثيرا من تبعات ذلك العالم.. ولكن لا ينبغي التعويل على الوصية في تلك اللحظات الأخيرة، بل لا بد من المسارعة -في ساعة الصحة والفراغ- إلى الوصية بما في ذمته من الحقوق اللازمة، إذ قد يفاجئه الموت كما يتفق للكثيرين!..

 

32. إن البعض تبدأ سعادته بعد الموت مباشرة.

 

33. إن الالتجاء إلى الله -تعالى- بوسيلة من وسائله -التي أمرنا بابتغائها من محمد وال محمد (ع)- نعم العون في تلك الساعة التي ينقطع فيها العبد من الدنيا.. ومن شأن الكريم أن يسعف الراغب إليه، في ساعة الضنك والشدة.. وقد فسر الصادق (ع) دمعة المؤمن ساعة النزع، بأنه يعاين رسول الله (ص) فيرى ما يسره ثم عقب قائلا: (أما ترى الرجل يرى ما يسره، وما يحب.. فتدمع عينه لذلك، ويضحك)..

 

34. إن هنالك ترابطا وثيقا بين سهولة النزع وخروج الروح، وبين المحافظة على الصلوات.. فمن أعطى اللقاء الإلهي حقه من خلال الصلاة؛ فإنه سيجد من عطاء اللقاء في عالم البرزخ ما يقر عينه!.. فقد قال الصادق (ع) في ذيل حديث له: (إنّ ملك الموت، يدفع الشيطان عن المحافظ على الصلاة، ويلقّنه شهادة: أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، في تلك الحالة العظيمة).

 

35. إن من موجبات تخفيف حالة الوحشة: هو الدفن في المواطن التي تتنزل فيها الرحمة الإلهية، وذلك بجوار مشاهد أحب الخلق إلى الله تعالى.. فقد ورد عن النبي (ص): (ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين!.. فإن الميت يتأذى بجار السوء، كما يتأذى الحي بجار السوء).

 

36. إن الله -تعالى- خص عليا (ع) بمكرمة، لم نعهد لها مثيلا في تاريخ البشرية.. وكأن الله -تعالى- أراد أن يكافأه (ع) مقابل الشهادة في محراب عبادته في مسجد الكوفة، بامتيازين مرتبطين ببيته الحرام ألا وهما: الولادة في جوف البيت، وارتقاء منكب النبي (ص) لتحطيم الأصنام حول الكعبة.

 

37. إن حياة أمير المؤمنين (ع) تتلخص في تجسيد العبودية لله رب العالمين في كل مراحل حياته، بدءاً من الإيثار الأول، ألا وهو المبيت على فراش الرسول (ص).. ومرورا على صبره بما جرى بعد وفاة الرسول قائلا: (صبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى).. ومع ذلك، لم يقدم على ما فيه شرخ في حياة الأمة، ليطمع فيها الأعداء المحدقين بها من كل حدب وصوب.. وانتهاء بعدم تنازله عن المبادئ لتثبيت دعائم حكمه، فهو القائل: (لولا الدين؛ لكنت من أدهى العرب).

 

38. لقد سعى علي (ع) في إعطاء معنى أوسع وأشمل للعبودية، بدءاً من الحالات العرفانية في المحراب، الى الحالات الإنسانية في الحروب.. فلم يرض علي (ع) بتقسيم الحياة إلى ما لله -تعالى- ولغيره.. فالحياة كلها عنده مصداق لقوله تعالى: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.. فلنتصور لون الحياة على الأرض، عندما تكون كل حركة للأفراد والحضارات، قائمة على أساس مرضاة الله -تعالى- في كل صغيرة وكبيرة.. أوَ هل من الغريب أن يكون سلوك المملوك على وفق مراد المالك؟.. أم أن ذلك مقتضى طبيعة الخالقية والمخلوقية!..

 

39. ليس من المقبول أبدا، أن تقف الشريعة موقف اللامبالاة تجاه مسألة الحاكمية والولاية على الأمة، والتي هي من أخطر مفردات العلاقات في المجتمع الإنساني!.. وذلك لأن سلوك القاعدة البشرية مرتبطة ارتباطا وثيقا برأس الهرم القيادي.. فهذا موسى الكليم (ع) يغيب عن قومه أربعين ليلة، فلا يتركهم من دون استخلاف وصيه هارون.. ومع ذلك اتخذوا العجل من بعده إلها يعبد من دون الله تعالى!.. فكيف يهمل النبي الخاتم (ص) أمر الوصاية، وهو العالم ببذور الفتن التي استنبتتها الأيام؟..

 

40. إن الإمامة تعني أن يكون صاحبها قدوة للناس، وحاكما كنيابة عن حاكمية الله -تعالى- في كل الشؤون.. ومن هنا كانت تستلزم أعلى درجات النزاهة فكرا وسلوكا.. وهذا معنى النفي الإلهي القاطع لإمامة الظالمين للأمة!..

 

41. ليعلم أن الناس بالحصر العقلي على أقسام: الظالم في كل حياته.. وغير الظالم في أولها، والظالم في آخرها.. والظالم في أولها، وغير الظالم في آخرها.. وغير الظالم في كل حياته.. ومن المعلوم عدم استحقاق الأولين لهذا المقام بالبداهة، وكذلك عدم استحقاق الثالث لها بمنطوق الاية الشريفة، وذلك لأن الظالم في برهة من حياته، يندرج في العنوان الذي لا يستحق به منصب الإمامة، فيتعين -نتيجة لذلك- استحقاق الأخير لهذا المنصب الخطير.. وهل لهذا المقام مصداق غير الذي لم يسجد لصنم قط قبل الإسلام، وكان أول المسارعين حين الدعوة للإسلام، وكان أول الذابين على حريم الرسالة بعد إقامة حاكمية الإسلام؟!..

 

42. إن الدرس العملي من آية الإمامة: أن من يريد الوصول إلى درجات القرب العالية، كـ(خلة الرحمن، وما يقرب منها من الدرجات)؛ فإن عليه أن يعد نفسه للاختبارات الإلهية الكاشفة عن جوهره.. (كل الناس هلكى؛ إلا العالمون.. وكل العالمون هلكى؛ إلا العاملون.. وكل العاملون هلكى؛ إلا المخلصون.. والمخلصون على خطر عظيم)!..

 

43. إن موالاة الأوصياء بعد الرسول (ص) لهو فخر والتزام!.. فمن ناحية يشعر صاحبها بالنشوة، لاهتدائه إلى أقرب السبل الموصلة إلى البيوت التي أذن الله -تعالى- أن يرفع فيها اسمه.. ومن المعلوم أن أهل البيت أدرى بما في البيت!.. ومن ناحية أخرى، يشعر صاحبها بأن لهذه المعرفة النظرية ضريبة، وضريبتها: تحويل الإمام المحبوب، إلى محبوب إمام.. وبين التعبيرين فارق واضح، {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}!..

 

44. إن بعثة المصطفى (ص) وإن كانت حدثا يعبر عن أعظم إكرام إلهي، لأليق موجود بشري، إلا أن في تلك دروسا عامة لكل من يريد الاقتداء بسيد الرسل (ص).. فالدرس الأول من تلك البعثة الشريفة هو: الدخول في دائرة الجذب الإلهي للعبد، التي من دخلها فقد دخل في عملية تصاعدية للاقتراب من مركز السعادة في الوجود.. وهل نبتغي السعادة عند غير من خلقها، ومن هو الذي أدرى بموجباتها؟!..

 

45. إن من موجبات الدخول في تلك الدائرة المقدسة، هي تصفية الملكات الباطنية.. فالنفس الشريرة المليئة بلوث الشهوات والأحقاد، ليست لها قابلية الانجذاب، وإن صدرت منها الأعمال الصالحة.. إذ قد يجتمع حسن جارحة مع قبح جانحة، وهناك فرق بين الحسن الفعلي والفاعلي، كما هو معلوم عند أهله.. إننا من دعاة لزوم التخصص والتبحر في كشف الزوايا الخفية للنفس، بدلا من الإغراق في الممارسات البدنية التي لا تغير جوهر العبد، بل قد تزيده عجبا وانشغالا!..

 

46. طوبى لمن تكفله الله تعالى، وأخرجه من حالة اليتم وضياع الكفيل التي نعيشها جميعا، وان لم نعترف بها!.. فانظر كيف استخلص الله -تعالى- وليدا تتقاذفه أمواج النيل، ليصبح كليمه في وادي طور سيناء؟!.. وانظر كيف اختار الله -تعالى- من ألقي في وسط النيران المتأججة، ليصبح بانيا لبيته الحرام؟.. وانظر كيف اصطفى الله -تعالى- يتيم مكة، ليخرجه من غار صغير لفتح ممالك الوجود أجمعها، بإنسها وجنـّـها!..

 

47. لنتأمل مبدأ تفتح الأكمام الباطنية، فإنه باب للأمل واسع!.. إن النبي (ص) الذي كان يعبد ربه بما أمكنه من عبادة طوال أربعين سنة، انفتحت أكمامه في ليلة المبعث دفعة واحدة، وإذا به يتحول من حالة التقرب الفردي إلى حالة التقرب الأممي.. ومن المعلوم أن ذلك لم يكن وليد ليلة؛ وإنما ثمرة جهاد مستمر في طاعته.. وعليه، فمن اشتغل في عالم المجاهدة ورياضة النفس، عليه أن لا يعيش حالة الإحباط بعدم تفتح أكمامه الباطنية في أول الطريق.. إذ قد يصلح الله -تعالى- أمره في ليلة، فيتحول من عالم إلى عالم يـُدرك ولا يـُوصف.

 

48. إن حياة النبي (ص) كانت تتراوح بين شدة وضيق.. فقد انتقل من سعادة المبعث، إلى عناء المحاصرة في شعب أبي طالب.. ومن ثم إلى سعادة الانطلاق في أرض الحاكمية في المدينة بانتصاره الأول في بدر، ثم إلى مرارة هزيمة المسلمين في أحـد.. ثم إلى سعادة العودة إلى الوطن الأول فاتحا للبلد الحرام.. والمؤمن كذلك يقلبه الله -تعالى- بين شدة ورخاء، ليؤجر أجر الصابرين والشاكرين في آن واحد.. وليعلم أخيرا انه لا مؤثر في الوجود إلا هو!.. وهذا أعظم درس من دروس الوجود.

 

49. إن من الممكن ان يكون لكل انسان بعثته.. فبعثته هو انبعاثه من ظلمة العالم السفلي إلى أنوار عالم الملكوت.. ومن أسر الشهوات الرخيصة التي تشترك معه دواب الأرض -بل هوامها- إلى السير في عالم الأنفس والآفاق.. ومن ذلة المعاصي -ألعوبة بيد الشيطان- إلى عز الطاعة، تسديدا بملائكة الرحمة والإلهام.. فمتى تكون بعثتنا؟!.. فالوقت قصير، وكلما طالت فترة الجاهلية، كلما قل الأمل ببزوغ شمس الإسلام الأصيل على القلوب، التي لم تعرف معنى الاستسلام لرب العالمين.

 

50. إن توفيقات الأشهر الثلاث متراكبة: فخيرات شهر رجب مقدمة لتشعب الخيرات في شهر شعبان.. وهي مقدمة للضيافة الرحمانية الخاصة في شهر رمضان، لتتوج أخيرا بخير ليلة قدر مرت علينا، منذ أن شرفنا الله -تعالى- بقلم التكليف!.. فهل أعددنا له العدة من الآن؟!..

 

51. إن أعمارنا ثمينة دائما، ولكن الوقت في شهر رمضان له قيمة مضاعفة!.. إذ أن: الدعاء فيه مقبول، والأنفاس فيه تسبيح، والنوم فيه عبادة.. وعليه، فلا بد من التحكم في الزيارات الرمضانية، من حيث: الأشخاص الذين نزورهم، ومن حيث المدة التي نقضيها معهم، ومن حيث الموضوع الذي نتناوله.. فإننا محاسبون على هذه اللحظات الثمينة!.. وليس من العيب أبدا أن يكون الإنسان بخيلا في وقته وعمره، فلا يعطيه إلا لمن يستحق ذلك.

 

52. إن كثيرا من الموائد الرمضانية، لا يراد بها وجه الله عز وجل، فيغلب على بعضها عنصر: المباهاة، أو المجاراة، أو المداراة.. ومن المعلوم أن ما لم يكن لوجهه تعالى، فهو مردود إلى العبد، وموجب لحسرته يوم القيامة.. فلنختر لدعوة الإفطار من يمكن التقرب بهم إلى الله عز وجل، كـ: الأرحام، أو من نفرج همهم بذلك، أو المساكين الذين لا يسألون الناس إلحافا.. وليكن شعارنا في ذلك، شعار أهل البيت (ع): {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}.. وبذلك ينطبق علينا ذلك الأجر العظيم، المتمثل فيما روي عن الصادق (ع): (أيما مؤمن أطعم مؤمنا لقمة في شهر رمضان؛ كتب الله له أجر من أعتق ثلاثين رقبة مؤمنة، وكان له عند الله دعوة مستجابة).

 

53. إن التملي من الطعام والشراب -وخاصة عند الإفطار- من موجبات تكاسل البدن عن العبادة وطلب العلم.. فمن المناسب أن يوزع الصائم طعامه بين وجبتين: الإفطار، والسحور.. وخاصة أن الاستيقاظ لتناول الطعام ساعة السحر، من موجبات التوفيق القهري للقيام بحق الله -تعالى- في جوف الليل، وقد ورد: (إن الله وملائكته يصلّون على المستغفرين والمستسحرين بالأسحار ).. والمراد بالثاني الذين يتسحرون في هذا الشهر الكريم.

 

54. إن البعض يتذرع بالصيام، لسوء الخلق مع أهله، والتقصير في عمله الوظيفى.. والحال أن جوهر شهر رمضان، يتمثل في عملية كف النفس عن الحلال؛ فضلا عن الحرام، ليتدرب العبد السيطرة على جوارحه وجوانحه.. أوَ هل يكفي الكف عن الطعام والشراب -وهما مباحان في الأصل- وعدم الكف عن الحرام الذي هو حرام في كل حال؟!.. ولهذا جعل النبي (ص) أفضل الأعمال في هذا الشهر، هو الورع عن المحارم.

 

55. إن على الصائم أن يصفي حساباته مع الخلق والخالق.. فكم من الجميل أن يصفي حسابه المالي: (كالخمس، ورد المظالم)، والعبادي: (كقضاء العبادات).. ومنه الاستحلال ممن ظلمهم طوال العام، سواء داخل الأسرة، أو خارجها.. فإن من موجبات عدم ارتفاع الدعاء في هذا الشهر الكريم، هو الشحناء بين العباد، وخاصة بالنسبة لمن بادر بالظلم.

 

56. إن من المعالم الدعائية المتميزة في هذا شهر رمضان المبارك: دعاء الافتتاح، ودعاء أبي حمزة الثمالي.. فإنهما ينقلان العبد إلى أجواء متميزة من الأنس برب العالمين (تدرك، ولا توصف).. فهنيئا لمن جعل الأول ورد أول ليلته؛ ليعمق في نفسه حالة الارتباط بالقيادة الإلهية المتمثلة في وليه الأعظم (ع).. وجعل الثاني ورد آخر ليلته؛ ليكون نورهما جابرا لكل ظلمة فيما بينهما، في ليله أو نهاره!..

 

57. إن المؤمن إذا رأى في نفسه ميلاً إلى شيء، فليتهم نفسه.. فإن طبيعة الإنسان ميالة إلى اللعب واللهو، وأمارة بالسوء، لا تميل إلى الباقيات المجردة، بل تميل دائماً إلى الأمور الحالية المادية.. فإن وجد ذلك مطابقاً للعقل والشرع، مضى فيه، وإلا توقف عنه.

 

58. إن الفرح المادي يحتاج إلى مقدمات معقدة ومكلفة ومرهقة، بينما المؤمن همومه الكبرى في متناول اليد.. فهمّه الأعظم هو رضا رب العالمين، وتحقيق هدف الخلقة والوجود.

 

59. إن أهل الدنيا كثيراً ما يصابون بالانتكاسات؛ لأن مطالبهم كثيرة.. ومهما حاول الإنسان؛ فإنه لا يحقق نصف مآربه.. ودائماً يعيش عملية الإخفاق، فحاله كما يقول الشاعر:
ما كل ما يتمناه المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

 

60. إن قلب المؤمن عرش الرحمن، فلا يمكن الادعاء أن الإنسان المؤمن لا يبتلى بالضيق، بل أنه في بعض الأوقات تنحبس أنفاسه.. ولهذا نلاحظ أن الله -تعالى- يخاطب نبيه المصطفى (ص): {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}.. إن الضيق للمؤمن قد يكون أمراً لابد منه، قضاءً محضاً، هبة من الله عز وجل، يدفعه إليه؛ ليكفّر عن سيئاته، وليعلم أن المتصرف هو رب العالمين.. وإلا فإذا عاش البسط دائماً، وإذا عاش الفرح دائماً؛ فإنه قد يركن إلى ما هو فيه.. ولكن تأتيه وجبة ضيق، فتضيق به الأرض، وتضيق أنفاسه، ليتكلم مع رب العالمين.

 

61. إن شرح الصدر من النعم الكبرى، التي يتمناها كل مؤمن.. ولهذا فإن الله -تعالى- يذكر نبيه (ص) في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} بهذه النعمة.. وليس المراد بشرح الصدر ذلك المعنى الساذج الذي يراه البعض، وهو بمعنى الارتياح والابتسامة، وأن يكون الإنسان ضحوكاً.. وإنما شرح الصدر: عبارة عن تحقق القابلية، لاستقبال الفيوضات الإلهية.

 

62. إن هناك هماً واحداً، من المعتقد بأن هذا الهم لا يفارق المؤمن ليلاً ونهاراً، وهو هم جميل، وإن كان اجتماع الهم والجمال اجتماع غير متناسق.. ولكن هذا الهم هم لا يفارق المؤمن أبداً منذ أن يُكلف.. فإذا كُلف وكان على مستوى من الوعي والبصيرة، فإنه يأتيه هذا الهم ولا يغادره إلا عند الوفاة.. ألا وهو هو همّ الأمة، همّ زمان الغيبة!..

 

63. إن من أفضل سبل الوصول إلى قلب صاحب الأمر (ع) -والذي قد يكون أكثر تأثيراً، من الأذكار والأوراد، والزيارات وما شابه ذلك- أن يحمل الإنسان هم غيبة إمام زمانه (ص).. فالذي حمل هذا الهم، سيسعى لرفع موجبات تكدر إمامنا (عج)، ويبالغ في الإحسان، ويبالغ في الثقافة، ويبالغ في العبادة، ويبالغ في الجهاد إن وجد المجال؛ لكي يخفف الهم والغم عن قلب وليه (عج).

 

64. كما أن هنالك يقظة طبيعية في عالم التكوين، متمثلة بفصل الربيع الذي يبعث الحياة على وجه الأرض بعد جدبها.. كذلك هنالك يقظة روحية في عالم الأنفس ، وهي من أنفس هبات الله -تعالى- لعباده المؤمنين.. ومن المعلوم أن له -جل جلاله- نفحات في أيام دهرنا، ولكن المشكلة تكمن في قلة الذين يتعرضون لتلك النفحات، فيكون مثلهم كمثل مزارع كسول مر عليه فصل الربيع، من دون أن يكلف نفسه زراعة أرضه.

 

65. إن من الضروري أن نصنف الوسط الذي نعيش فيه: فالناس حولنا بين من هم ملحقون بالجماد {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}.. وبين من هم كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}.. وبين من هم في عداد الموتى إذ {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}.. وبين من هم في عداد النائمين الذين لم تمت أحاسيسهم، ولكن يحتاجون إلى من يوقظهم.. وبين من هم في عداد المستيقظين المقعدين، فيرى الخطر محدقا به، ولكنه لا يستطيع حراكا لعدم وجود تجاوب بين الإرادة الآمرة، والعضلات المؤتمرة.

 

66. إن اليقظة الروحية الحاصلة من المواسم والأماكن العبادية؛ نعمة كبيرة.. ولكن بشرط أن تتحول إلى حركة دائبة، للخروج عن الواقع المؤسف الذي يعيشه الأغلب، والمتمثل في حالة: السهو، والغفلة، والأنس بعاجل المتاع، والميل الشديد لما يطابق الشهوتين المعروفتين وهما: شهوتا البطن والفرج!..

 

67. إن مما يوجب تحول اليقظة المجردة إلى حركة دائبة: هي حالة التدبر والتأمل في حركة الوجود السائرة إلى الله -تعالى- من ناحية، وإلى موقع الفرد من هذا الوجود المتحرك من ناحية أخرى.. وقد عهدنا في التاريخ انقلابا فيمن كان أسيراً للباطل، إلى وجود مراقب خائف، بمجرد تأمله في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} مناديا: بلى!.. قد آن.

 

68. إن من موجبات التحول: التعرض للبلاء الشديد، فإنه بمثابة البوتقة التي تصهر المؤمن، لتحوله إلى وجود مقاوم لا تحركه العواصف، وقور عند الهزاهز.. وعليه، فإن المؤمن يتحين فرص البلاء، ليحول يقظته الطارئة إلى حالة متأصلة من الرقابة المتصلة.

 

69. لا شك أن المعصية لها دورها في طمس حالة اليقظة الروحية -التي يمنّ بها المولى تعالى على عبده بين فترة وأخرى- بما يوجب عدم عودة تلك الحالة مرة أخرى.. وهذا هو السر في شكوى الكثيرين، من فقدان ما كانوا عليه من حالة الرقي الروحي.. ومن هنا كان للنبي (ص) الحق في أن يدعو ربه قائلا: (اللهم!.. لا تنزع مني صالح ما أعطيتني.. اللهم!.. ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبداً.. اللهم!.. ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا).

 

70. قد تطول في بعض الحالات حالة الإحساس بالهجران مع رب العالمين -حتى عند بعض المخلصين- ولكن ذلك ليس من دواعي اليأس أبدا.. فإن ما يطلبه هؤلاء نفيس جدا، لا ينبغي توقع الوصول إليه بجهد قليل.. فشعار هؤلاء في حركة حياتهم هو: (وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك، عزم إرادة يختارك بها).. فهل جعلنا هذا شعارا لنا؟!..

 

71. إن الخشونة والعنف، حديث الساعة.. ونحن لا ننكر أن هناك جماعات مشبوهة، تمارس هذه الطريقة باسم الدين، وهي لا تزيد الناس بذلك إلا نفورا منه.. وهو دليل على الخواء الفكري، إذ أن صاحب المنطق والفكر، له ما يغنيه عن استعمال العنف بأي شكل كان.. وقد أساء هؤلاء إلى الدين الذي وصفه النبي (ص) بأنه الشريعة السمحة السهلة.

 

72. إن من أسباب انجرار الإنسان إلى الخشونة في التعامل مع الغير: التوتر العائلي.. فالذي يعيش حياة زوجية غير مستقرة، يثار لأدنى مثير، فيخرج عن طوره ليزيد حياته المرتبكة تعقيدا وارتباكا.. ومن هنا وجب على كل عاقل، أن يؤسس عشه الزوجي على أساس متين من الرفق والتفاهم؛ لئلا ينفذ الشيطان من خلاله.. فإن كل توتر في الخارج، له جذوره من الداخل.. وهو من موجبات الإحباط حتى في كسب المكاسب الدنيوية.

 

73. إن النظرة الدونية واحتقار الغير، من موجبات الخشونة في التعامل.. وهو ما نجده في تعامل البعض مع من تحت أيديهم من المستضعفين من الخلق، ناسين إنسانيتهم، وأن لهم كرامتهم عند الله تعالى.. ومن هنا نعزي بعض البلاءات وخصوصا في جانب النساء، إلى استعمال الخشونة مع من تحت أيديهم من الخدم، الذين لا ناصر لهم إلا الله تعالى.

 

74. إننا لا ننكر بأن المرض، وتقدم السن: من موجبات ميل الإنسان إلى الحدة في التعامل.. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن جوهر الإنسان وصفاء باطنه، يتجلى في مثل تلك الحالات.. فلا ينبغي أن يتخذ الإنسان هذه الظروف، ذريعة لعدم كبح جماح نفسه في استعمال الأساليب الخشنة في التعامل مع من حوله، وإن أعطى الغير له عذرا، مراعاة لحالته.

 

75. إن من دواعي الخشونة في التعامل مع الآخرين: الطبع الذي أفرزته العوامل الوراثية، والبيئية.. فالذي نشأ في عائلة متوترة، وفي ظل خلاف الوالدين؛ فإنه يميل بطبعه إلى الحدة والخشونة متأثرا بدواع من اللاشعور.. وعليه، فلا بد لهذا الصنف أن يضاعف مراقبته لطبعه؛ لئلا ينساق من حيث لا يشعر إلى هذا الجو الذي لا يحمد عقباه، ولطالما أوجبت الندامة الأبدية.

 

76. إن من الآفات الكبرى للخشونة في التعامل: هو أن صاحبها يفقد السيطرة على مراكز القرار في فكره، فيصبح ألعوبة بيد الشيطان، يقلبه كالكرة كيفما شاء، وهو ما نشاهده بالوجدان.. وقد سأل نبي الله نوح (ع) عن الحالة التي يكون فيها إبليس أقدر ما يكون على ابن آدم، فكان جواب إبليس وهو الخبير بعمله: عند الغضب!..

 

77. إن الإنسان المتوتر في مواجهة الآخرين، لا يمكنه أن يأتي بحجة مقنعة للطرف الآخر، وإن كان الحق معه، وفي ذلك تفويت لأهدافه المشروعة في الحياة.. ومن هنا يفقد تأثيره على الوسط الذي يعيش فيه، فلا يقدر على دفع المنكر في بيئته.. وقد علق علي (ع) على هذه الحالة تعليقا جميلا عندما قال: (شدة الغضب تغير المنطق، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم).

 

78. إن الكثيرين من الطموحين للوصول إلى درجات القرب المتخصصة، يودون الاطلاع على ملكوت السموات والأرض -كما أراها الله عز وجل لخليله إبراهيم (ع)- وهو من قبيل السهل الممتـنع.. والطريق إلى ذلك قد كشف عنه النبي (ص)، إذ يتمثل بمراقبة واردات القلب، حينما قال: (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السموات والأرض).. ولا شك أن من آثار هذا الجولان الخطير حول القلب: هو الخروج عن حالة الاتزان والاعتدال عند الغضب، وهو ما حذر منه أمير المؤمنين (ع) في ساعة وفاته.. فهل نحن متعظون؟!..

 

79. مما يعاني منه قطاع كبير من مجتمعاتنا اليوم: حالة التشتت الفكري، بمعنى عدم القدرة على التركيز، فيما يجب أن يركز عليه الإنسان.. فهو يجد مجموعة من الأفكار والهواجس تسيطر عليه، وتحتل مساحة إجبارية من فكره، وهذه هي إحدى صور التعذيب النفسي الذي يعيشه المبتلون بالوسواس القهري.. ومن منا لا يخلو في حياته من بعض الأفكار والهواجس التي لا تفارقه، سواء من رواسب الماضي، أو مخاوف المستقبل؟..

 

80. إن السيطرة على البدن أمر ميسور، من خلال العضلات التي يتحكم فيها الإنسان.. ولكن السيطرة على الفكر والخيال، ليس بالميسور لكل أحد، وذلك لأن الفكر من عالم المعاني.. ومن المعلوم أن الإنسان إذا لم يجد وسيلة للتحكم في عالم المعاني، فإن قواه المادية لا تكفي لأن تكون مؤثرة في ضبط الخيال الذي يسرح ويمرح في كيان الإنسان: مخوفاً إياه بأعداء موهومة، ومزينا له بعض صور الهوى الذي قد لا يصل إليه، وحابسا له في سجون ذكريات الماضي السحيق.. والحال أن الإنسان عليه أن يعيش يومه، ويخطط لمستقبله، من دون ان يكون أسيرا للماضي الذي لا يمكن إرجاعه.

 

81. إن الحب القهري، هو من آثار التشتت العاطفي -رغم قناعة الشخص بعدم جدوى هذا الحب- فترى الإنسان يميل بشكل قاهر إلى بعض الأمور أو الأشخاص، رغم قناعته الداخلية والعقلية بأن ذلك لا يستحق هذا الميل القلبي الجامح!.. فترى المتورط بهذه المشكلة، يسير في حركة منافية حتى للعرف والقانون، معرضا نفسه لسخط الآخرين، كل ذلك من أجل الصور الوهمية المضخمة التي تعشش في خياله.. ومن المعلوم أن هذه الصور -رغم أنها خيالية- إلا أنها تؤثر في حركة الإنسان في حياته، وتصل المشكلة ذروتها عندما توجب له الختم بالشقاوة، كما نلاحظه في أسرى العشق البشري في هذه الأيام!..

 

82. إن من أسباب التشتت الفكري: إكثار الفرد من الواردات والصادرات القولية، بمعنى: الخوض فيما لا يعنيه، والاستماع إلى الأمور التي لا ينفع من علمها، ولا يضر من جهلها.. فإن هذا الكم المتناثر والرخيص من المعلومات، التي ترد مخزون الفكر الإنساني؛ يوجب له حالة من الازدحام الفكري.. وبالتالي، تفقده التركيز في الموضوعات الحياتية.. وهذا ما نلاحظه جليا عندما يقف الإنسان للصلاة بين يدي ربه، فيرى بأن ما كان مشتغلا به من الأباطيل قبل الصلاة تحتل فكره، لتتحول عبادته إلى صلاة بحسب الظاهر بين يدي الرب، وتجول بحسب الباطن في الأسواق، ليستعرض شريطا من الصور المحرمة، وهو في أقدس الحالات!..

 

83. إن هذا التعبير الوارد عن المعصومين (ع) لهي كلمة الفصل في إعطاء القانون الذي يسير عليه الإنسان في حياته.. وذلك عندما يريد أن يتوجه بانتباهه إلى أمر من الأمور، وهو ما روي عن الجواد (ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده: فإن كان الناطق عن الله؛ فقد عبد الله.. وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس؛ فقد عبد إبليس).. أوَ لا يكفي هذا الحديث، ليكون محذرا عندما نريد أن نفتح عقولنا وقلوبنا على كلام الغير، في أي وسيلة من وسائل الإعلام الحديثة في هذه الأيام؟!..

 

84.  إن الغناء من الأمور التي تسلب الروح استقامتها، وجديتها في الحياة.. فإن كيفياته الملهية، ومضامينه المهيجة للمشاعر الشهوية والخيالية؛ تجعل الإنسان يعيش في دائرة من تمني الموهومات، وعشق الفانيات التي لا وجود لها في كثير من الأحيان في الواقع، سوى سراب أحلام اليقظة!.. ومن الواضح أن النفوس التي تأنس بمزامير الشيطان، كيف يمكنها أن تأنس بآيات الرحمن، التي هي حقائق عالية، لا تمسها إلا القلوب المطهرة؟..

 

85. إن من موجبات فقدان الأصالة الفكرية عند المسلمين: التبعية العمياء لكل مظاهر وتقاليد بلاد الكفر.. فهاهم قد اعتادوا في كل سنة على دعوى إقامة ذكرى ميلاد المسيح (ع)، بما هو المسيح بريء منه!.. وذلك بالمبالغة في ارتكاب المنكرات، والجرائم التي ترتفع نسبتها، بما لا مثيل له طوال العام!.. فأي مباركة وسعادة في ذلك؟!.. ولو أراد المسلم أن يكون له دور في إحياء ذكر المسيح (ع)، فعليه بالترويج لما رسمه القرآن الكريم له، من أعلى صور العبودية لرب العالمين، ولما ذكر من غرر كلماته الواردة على لسان المعصومين (ع).

 

86. إن من موجبات اجتماع الفكر وتركيزه: توحيد الهموم في الحياة، وجعل محور القلب هو الاهتمام بالقضايا التي خلقنا لأجلها.. ومن المعلوم أن الفكرة تابعة لما يتردد في جوانب القلب من الحب والبغض، فالذهن يشتغل دائما بما يحبه القلب.. ومن هنا نعلم عظمة هذا التعبير الوارد عن علي (ع) في وصف المؤمن: (وتخلى من الهموم إلا هماً واحداً انفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى.. قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره.. استمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها.. فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس).. فهل فكرنا يوما ما في سر ذلك الهم الأوحد؟..

 

87. إن الإسلام أولى اهتماما كبيرا بالعزة الإيمانية في مواجهة الآخرين -وخاصة مع غير المسلمين- وقد ورد أن الله -تعالى- فوض أمور المؤمن إلى نفسه، ولكنه لم يفوض إليه أن يذل نفسه!.. ومن المواقف الملفتة في حياة النبي (ص) أنه مرت جنازة يهودي، وكان رسول الله (ص) على طريقها جالسا، فكره أن تعلو رأسه جنازة اليهودي، فقام لذلك.. أولا يكفي ذلك درسا للعزة على مدى الدهور؟..

 

88. إن من امتيازات حياة هذا العصر، بأن هنالك تمازجا شديدا بين الحضارات والثقافات المختلفة؛ نظرا لتقدم وسائل الاتصال والإعلام في هذه الأيام.. ولكن الملاحظ -ويا للأسف- أن ثـقافة الأمة الغالبة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، هي التي تسيطر على ثقافة الأمة المغلوبة، ولو كانت إحدى الثقافتين تمثل غاية الضلال والانحراف.. وذلك لأن نفوس عامة الخلق تنبهر بمظاهر القوة والتقدم لدى الآخرين، وخاصة إذا كانت مطابقة للميول والشهوات.

 

89. لا ينبغي الخلط بين الانبهار في مجال العلم والصناعة، وبين الانبهار بالذوات الصانعة لذلك.. فإن هذا التقدم التكنولوجي في بلاد الغرب، هي حصيلة القوة الخلاقة التي أودعها رب العالمين في رؤوس العباد، إضافة إلى المواد الأولية في الطبيعة والتي سخرها لبني آدم.. ولولا تلك القوة، وهذه الطبيعة، لما رأينا مظهرا من مظاهر الحضارة على وجه الأرض!.. ومن المعلوم أن كلا النعمتين من هبات الحكيم المتعال، فالانبهار ينبغي أن يكون لمن خلق موجبات التقدم البشري.. لا للمظهر الخارجي فحسب!..

 

90. إن هناك فرقا جليا بين مهارات الأعضاء التي تتجلى في تصنيع مواد الطبيعة، وبين المثل والقيم التي تتجلى في إبراز حقيقة الذات الإنسانية، التي خلقها الله -تعالى- على الفطرة السليمة.. فنرى أحدهم في المختبر يقوم بأرقى التجارب العلمية، يخرج ليمارس أقبح الممارسات التي لا ينكر هو أيضا قبحها.. وعليه، فلا بد من العمل الدائب في حقلي: عمارة الأرض، وعمارة النفوس.. وإلا تحول العامر إلى مستعمر، والباني إلى مدمر.

 

91. إن من اللازم أن يعيش المؤمن حالة من الحيلولة النفسية، تجاه الذين لا يشترك معهم في العقيدة.. لأن الميل القلبي إليهم، والأنس بأقوالهم وأفعالهم، يوجب فقدان المنكر الصادر منهم قبح صورته.. ومن هنا رأينا أن البعض الذي اختلط مع المجتمعات المنحرفة على نحو الاستحالة والامتزاج، فقد رؤيته الصائبة للحسن والقبيح، بل قد يصل الأمر أن يرى القبيح حسنا.. أفلا ينبغي التدبر في قوله تعالى: {تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.

 

92. إن كثيرا من الفتاوى، تؤكد على المنع من التشبه بالكفار، من حيث: المظهر، والزي، وتبني رموزهم وقيمهم.. فإن من تشبه بقوم؛ حشر معهم.. وهذه حقيقة ينبغي أن يلتزم بها الذين يعيشون في أوساط الكفار.. فإن فقدان الهوية الذاتية، مقدمة للاستخفاف التدريجي بالشريعة، وهي التي تجعل حدا فاصلا بين الحياة الإنسانية، والحياة البهيمية.

 

93. لا ينبغي أن نبالغ في الاعتقاد، بتقيد الكفار بأنظمة الحياة المختلفة.. فإن هذا التقيد، نابع من اعتقادهم: بأن حفظ النظام، يعود عليهم بالمكاسب والمنافع.. وليس هذا نابعا من اعتقادهم بالنظام كقانون من قوانين الأخلاق الإنسانية.. والدليل على ذلك: أنه لو رأى مصلحته متوقفة على الإخلال بالنظام في أبشع صوره، لما تورع عن ذلك.. وهذا الذي يفسر استخفافهم بحقوق الآخرين من الأمم الأخرى.. والحال أن فقهاءنا الأبرار لا يجيزون الإخلال بالنظام العام في أي بلد من البلدان، من منطلق الوظيفة الشرعية والإنسانية، لا من منطلق المنفعة.

 

94. إن الاحتفال بالرموز التي لا ترتبط بالشريعة المقدسة -بل قد تخالفها- من الأمور التي قد تسبب نزول السخط الإلهي على العبد.. فما هو الوجه في تعظيم شخصيات، أو أيام مرتبطة بما تعارفت عليه المجتمعات الكافرة؟!.. ومن ذلك ما يسمى بـ"يوم الحب" الذي صار مناسبة عند الكثيرين، لإظهار الغرام المحرم والممارسات الشهوية.. والحال أن المؤمن كل يوم له يوم حب، كما أراده الله -عز وجل- له.. والحب الذي يلازم الهوى والمجون، لا يوم له في حياة المؤمن.

 

95. إن الكثيرين ممن سافر إلى بلاد الكفر قد ينطبق عليه عنوان (التعرب بعد الهجرة) سواء رضوا بذلك أم لم يرضوا.. وذلك فيما لو كانت هجرتهم في معرض الانحراف عن العقيدة، أو ارتكاب الحرام ولو بلحاظ أسرهم.. فإن الأبناء في تلك البلاد تحت رحمة الأجواء المنحرفة التي تحيطهم من كل صوب، سواء داخل المنزل أو خارجه.. وعليه، فإن كان لابد من المكوث في تلك البلاد لفترة من الفترات، فإن على المؤمن أن يعزم على العود إلى البيئة الإيمانية المناسبة، في أول فرصة سانحة له.. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى: أن يحاول تحصين ذريته؛ لئلا يأتي يوم القيامة فيرى جيلا منحرفا عن أصل الدين وتشريعاته، وذلك من ذريته التي نشأت في تلك البلاد من نسله، وبذلك يتحمل أوزار القوم جميعا.. أوَ هل هنالك حسرة أعظم من ذلك؟!..

 

96. إن التكبر يعكس حالة مرضية في النفس الإنسانية، وفي أغلب الأوقات يكون انعكاسا لحالة من الذلة يعيشها صاحبها.. فيريد أن يعوض هذه الذلة، بتعظيم نفسه أمام الآخرين بموجبات وهمية في كثير من الأحيان.. ولا شك أن هذه الحركة منازعة، وتشبه بالرب المتعال، فهو الوحيد الذي يحسن له التكبر -كما هو اسم له- نظرا لما له من الكمال الذاتي، والجمال الربوبي.

 

97. إن الإحساس بالاستغناء المالي، من موجبات التكبر.. وقد جعله القرآن الكريم من موجبات الطغيان.. والحال أن هذه الحالة لا تعكس كمالا في النفس، فهل هناك اتحاد بين المالك والمال المملوك؛ لتكون كثرته موجبة لعظمة صاحبه؟.. وخاصة مع الالتفات إلى حقيقة مفارقة المالك، لما يملكه عاجلا كان أو آجلا!.. فتأمل في هذا الحديث، ليفتح لك بابا من أبواب الحكمة الخالدة، فقد روي عن علي (ع) انه قال: (ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء، طلبا لما عند الله!.. وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء؛ اتكالا على الله)!..

 

98. إن من دواعي التكبر: الإحساس بالوجاهة الاجتماعية، والانتساب إلى من هم -في نظر العرف- من أهل الشرف والمكانة.. والحال أن هذا من الوهم أيضا.. فإذا كان الفرد الواحد ممن لا تميز له، فإن كثرته أيضا لا يوجب التميز.. أو هل نسينا أن الله -تعالى- جعل الكرامة الإنسانية محصورة بالتقوى، فلماذا نعطي وزنا لبعض الأمور التي لا تستحق قيمة عند الله تعالى؟..

 

99. إن الانتساب إلى بقعة جغرافية معينة، من دواعي التكبر.. والحال أن الأرض كلها بلاد الله تعالى، وسيأتي ذلك اليوم الذي يجعلها قاعا صفصفا!.. ولا شرافة لأرض دون أرض إلا لبعض البلدان التي قدسها الله -تعالى- كالحرمين الشريفين.. وعليه، فإن الانتساب إلى بقعة من البقاع، لا يعد من موجبات الفخر والتكبر على العباد، والذي لا يزيد العبد إلا مقتا عند ربه، لضحالة مستوى تفكيره.

 

100. إن الإنسان يحب ذاته، ولو كانت عارية من كل صفات الكمال.. وعندئذ كم يبدو من المضحك حقا، أن يعجب الإنسان بذات فاقدة لأدنى ما يوجب الإحساس بالعظمة والتكبر!.. إن استذكار حقيقة الفناء والافتقار إلى واهب الوجود في كل لحظة من لحظات الحياة، لمن موجبات احتقار النفس، وأنه لا قوام لها إلا بالله الواحد الأحد.. وحينئذ يرى كل ما في الوجود صغيرا، حتى هذه النفس التي لا قيمة لها، في جنب هذا الوجود المترامي الأطراف.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج