100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن من موجبات علاج حالة التكبر الممقوتة عند الله تعالى: النظر إلى العباد على أنهم من شؤون المولى جل وعلا، وحينئذ يكون هذا التعالي على العباد بمنزلة التعالي على هذه النسبة بين الخالق والمخلوق .. ومن هنا كان صاحبها في معرض الانتقام الإلهي، إذ انه حاول انتهاك هذه الحرمة المقدسة، وهل اطلعنا على بواطن العباد وخواتيم أعمالهم، لكي نحكم عليهم بما لا يستند إلى علم ولا يقين؟..

 

2. إن من موجبات العزة بين الناس: التذلل لله رب العالمين بصدق وإخلاص، سواء في التعامل الاجتماعي، أو في الخلوات الفردية -وخاصة في حال السجود- فإن من تواضع لله -تعالى- رفعه، إذ أن أسباب الرفعة والسمو محصورة بيده.. فها هو قد وعد نبيه المصطفى (ص) برفع ذكره، فنراه قد قرن ذكره بذكره في معظم الحركات العبادية كـ: الشهادتين، والأذان والإقامة، والتشهد، والتسليم، وباقي الأذكار المستحبة.

 

3. إن الإنسان المؤمن كلما زاد معرفة بالله عز وجل، كلما ازداد التفاتا إلى عظيم تقصيره بين يديه.. ولنفترض أنه أصلح واقعه الفعلي، فكيف يعوض تلك الأيام السابقة من حياته التي أمضاها في السهو والغفلة والعصيان!.. ومن المعلوم أن تذكر ذلك، يوجب حالة من الإحساس بالخجل والذلة بين يديه تعالى، فلا يبقى له مجال –وهو يعيش هذه المشاعر– أن يتكبر على عباده.. وها هو الإمام زين العابدين (ع) يناجي ربه قائلا: (ولا ترفعني في الناس درجة، إلا حططتني عند نفسي مثلها.. ولا تحدث لي عزا ظاهرا، إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها).

 

4. لقد ضرب المعصومون (ع) أروع المثل في نفي الكبرياء لغير الله تعالى، فقد ورد أنه عظم بعضهم أمير المؤمنين (ع) بأسلوب غير متعارف، فسألهم عن ذلك: ما هذا الذي صنعتموه؟.. فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا، فقال (ع): (والله!.. ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم.. وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وما أربح الراحة معها الأمان من النار)!..

 

5. إن مسألة التفكك الأسري من الأمور الشاغلة للمجتمعات الحديثة، وذلك نظرا إلى تعقد الحياة اليومية، إلى درجة أصبح الفرد لا يهتم إلا بإخراج نفسه من دائرة مشاكله.. وبالتالي، لا يتسنى له الفراغ النفسي، لكي يفكر في هموم الأقربين، فضلا عن الأبعدين!..

 

6. إن الذي يريد تشجيعا من الآخرين في تغيير مسيرة حياته إلى الأفضل -بحسب ما يملى عليه العقل والشرع- من الممكن أن يصاب بخيبة أمل كبرى في هذا المجال.. فمتى كانت الغالبية طوال حياة البشر من ذوى التعقل والبصيرة؟!.. فالله تعالى يصف الغالبية -وهو العليم بأسرار النفس الإنسانية- بأوصاف سلبية من: عدم التعقل، وعدم الشكر، وعدم الاستقامة في سلوك طريق الهدى.. وكم رائع هذا الحديث المروي عن علي (ع) عندما قال: (أيها الناس!.. لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله.. فإنّ الناس اجتمعوا على مائدة: شبعها قصير، وجوعها طويل)!..

 

7. إن الهجرة عن الوطن، من موجبات النسيان التدريجي للمنبت الأسري.. وبالتالي التورط في تبعات قطيعة الرحم، والتي هي من موجبات المقت الإلهي ، وحرمان الرزق، وبتر الأعمار، وغير ذلك مما ذكر في النصوص الشريفة.. ومن الواضح أن التفات الإنسان لأسرته البعيدة عنه، مع عدم حاجته إليهم من موجبات تحقق قصد الإخلاص، والذي يفتح بركات لا حدود لها في الحياة.

 

8. لا شك أن الزواج من موجبات إكمال نصف الدين، والإحساس بالاستقرار النفسي.. ومن هنا فإن شكر هذه النعمة، يكون بعدم نكران الجميل، المتمثل باحتضان أسرته له طوال الفترة السابقة على زواجه.. فإن البعض ينسلخ عن بيئته وما له من الحقوق عليه، بمجرد أن يبني لنفسه عشا خاصا به.

 

9. إن من موجبات التفكك الأسري: سلب حالة الألفة والحنان فيما بين أفراد الأسرة الواحدة، فتتحول الأسرة من تجمع إنساني، إلى ما يشبه تجمع البهائم، التي لا ألفة فيما بينها إلا الاجتماع على المأكل والمشرب والمسكن!.. ومن موجبات سلب هذه الحالة: المعصية التي تسلب الإنسان الجاذبية الباطنية سواء: فيما بينه وبين الله تعالى، أو فيما بينه وبين الناس.. وهذا الأمر محسوس بالتجربة والوجدان.

 

10. إن من موجبات التآلف الأسري: الحضور المستمر للزوج والوالد في البيئة الأسرية.. فإن الغياب الكثير عن المنزل والانشغال بالآخرين، والإلتهاء بالملذات الخاصة؛ من موجبات فقدان هيبة القيادة في المنزل.. فيتحول ولي الأسرة إلى ممون مادي للأسرة، من دون أن يكون له أي دور تربوي: دفعا للمفاسد، وجلبا للمصالح.

 

11. إن ارتياح الرجل إلى العنصر النسائي خارج المنزل، واسترساله في الحديث والنظر؛ لمن موجبات الاستخفاف بالحلال الذي قدره الله -تعالى- له.. ومن الواضح أن انصرافه النفسي، وانشغاله عما جعله الله -تعالى- مسؤولا عنه، لا يخفى على الآخرين طويلا.. ومن الطبيعي -بعد انكشاف هذا السر- أن تتحلل الروابط الأسرية، وخاصة مع إثارة جو سوء الظن في هذا المجال على يد شياطين الجن والإنس.

 

12. إن من أهم سلبيات التفكك الأسري: عدم معالجة بعض السلبيات المدمرة لكيان الأسرة، كالالتجاء إلى ما يحرم النظر إليه.. وذلك حينما يتخذ كل فرد في الأسرة سبيله في الحياة، من دون وجود رقابة للآخرين عليه.. وفي المقابل فإن وجود حالة التآلف في الأسرة، من موجبات التوفيق للعمل بقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

 

13. إن الحل الجامع في كل موارد المشاكل النفسية والاجتماعية، يبدأ من امتلاك نظرة صحيحة واعية لفلسفة هذه الحياة.. إذ من المعلوم أن الإصلاح الفكري، مقدمة للإصلاح السلوكي.. وتطبيقا لذلك، فإن النظر إلى الآخرين -ومنهم أفراد الأسرة- على أنهم أمانات إلهية، لهم وعليهم من الحقوق، ما يوجب المساءلة الدقيقة يوم القيامة، وذلك من موجبات عدم التفريط بحق أي إنسان تربطنا معه علاقة من العلاقات، ولو كانت في أدنى الدرجات.. فلنتأمل في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}.. ليكون ذلك منطلقا لتأسيس علاقة مبتنية على الخوف الإلهي، مضافا إلى الإنس البشري.

 

14. إن البلاء من سنن الله -تعالى- في عباده المؤمنين، ولو كان هناك لطف في الإعفاء من البلاء؛ فإن الأنبياء كانوا أولى بهذا اللطف.. إذ من الواضح أن البلاء من موجبات الانقطاع إلى الله تعالى، وعدم التثاقل إلى الأرض.. وقد ورد: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل).

 

15. إن لله -تعالى- أنواعا من البلاء، منها: عقوبات في الأبدان، وعقوبات في الأموال، وعقوبات في الأنفس .. وما ضرب الله -تعالى- عبدا بعقوبة أشد من قساوة القلب!.. إذ كيف يرى الإنسان وجه السعادة، وهو يعيش علاقة متوترة مع واهب السعادة، الذي بيده كل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة؟!..

 

16. إن البلاء على قسمين: فمنه بلاء انتقامي وآخر تربوي.. وعلامة الأول أنه يأتي بعد مخالفة العبد لرب العالمين، وخاصة مع الإصرار على الخطيئة، فإن الله -تعالى- يمهل ولا يهمل.. وأما البلاء التربوي: فهو ذلك البلاء الذي يحل بالعبد، من دون أن يكون مقصرا في واجب دنيوي أو أخروي.. وكم من الجميل أن يمر العبد بمرحلة قصيرة من العناء، تعقبها سعادة دائمة!.. وكم من القبيح أيضا أن يبتلي المولى -جل وعلا- عبده، بما لا يوجب له رفع درجة في الدنيا، ولا في الآخرة!..

 

17. إن من موجبات دفع البلاء قبل وقوعه، هو الدعاء قبل نزول البلاء.. فإن دعاء العبد في ساعة الرخاء، من موجبات قبول دعائه في ساعة الشدة والبلاء.. فدعاء المبتلى، إنما هي حركة طبيعية لا تكشف عن عبودية العبد، بل يدل عن طمعه في رفع البلاء فحسب!..

 

18. إن من البلاءات الكبرى في الحياة: هو أن يصاب الإنسان في دينه، بمعنى تخلل الشك في أصول عقيدته، ليتحول بالتدريج إلى رفض لها، وهي قمة الخذلان وسوء العاقبة في حياته!.. ومن المعروف أن تراكم الذنوب الكبيرة، مما يوجب هذه العاقبة الوخيمة، وقد يستفاد ذلك من قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}.

 

19. إن العبد قد يكون من الذين لم يتم استحقاقهم للعقوبة، ولكن أنسه بالغافلين عن ذكر الله -تعالى- والعصاة من عباده؛ قد يوجب تعميم العقوبة بما يشمله.. وهذا ما قد يفهم من قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً}.. وعليه، فإن المضطر لمعاشرة الفاسقين -لظرف من الظروف-عليه أن يحذر سلبيات هذه المعاشرة، مع الحرص على القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لئلا يعد من زمرتهم.

 

20. إن من نعم الله -تعالى- على عبده المؤمن أن يبتليه بالبلاء اليسير؛ ليكون ذلك مقدمة لتذكيره بالدعاء، الذي بدوره يدفع البلاء العظيم.. ومن هنا فإنه إذا رزق العبد توفيق الدعاء بعد البلاء؛ كان ذلك علامة على سرعة زوال ذلك البلاء.. وقد ورد في الحديث: (ما من بلية، إلا ولله فيها نعمة، تحيط بها).

 

21. إن من الخطأ أن يرتاح الإنسان إلى تتابع النعم الإلهية عليه.. إذ لعل ذلك من صور الاستدراج، الذي يراد منه إتمام النعمة والحجة على العبد قبل العقوبة.. فتأمل في هذا الحديث الذي روي عن الإمام السجاد (ع) ليفتح لك باب الصبر على المصائب، حيث قال: (إنّي لأكره أن يعافى الرّجل في الدّنيا، ولا يصيبه شيء من المصائب أو نحو هذا).

 

22. إن من أعظم الأفراد ابتلاء في هذا العصر، هو الحامل لهمّ هذه الأمة طوال العصور المتمادية.. فكم رأى طوال التاريخ من المجازر في أتباع أمة جده المصطفى (ص)!.. وكم يرى اليوم من صور الخذلان والضعف لدى المسلمين بما لا نظير له!.. أضف إلى حمله لهموم أهل البلاء من محبيه، والمنتظرين لدولته.. أليست هذه الأمور كافية، لأن يكون قلب الإمام (ع) مجمعا لكل الهموم والغموم؟.. فهنيئا لمن خفف عنه، ولو بدعوة ملحة بين يدي ربه في خلوة من جوف الليل البهيم!..

 

23. لقد جعل التقدم التكنولوجي هذا العصر -في مجال الإعلام، وتطور وسائل الاتصال، من الإنترنت، والقنوات الفضائية، وغيرها- عصر حوار الحضارات، بل صراع الحضارات!.. حيث نرى أن خصوصيات وأسرار المدارس الفكرية والدينية المختلفة، قد طرحت على بساط البحث والنقاش للجميع، ولم يعد يخفى منها شيء على الباحثين.. وفي خضم هذه المناظرات الثقافية، نرى من الضروري جدا وضع قواعد علمية وعملية، ليكون أي حوار ثقافي حوارا ً بناء: له أهدافه، وآدابه.. وليس جدالا ً فارغاً، مضيعا للوقت والجهد.

 

24. إن هناك أصنافا من المجادلين عرفتهم آيات الكتاب الحكيم: فهناك المجادلون عن جهل، وهناك المجادلون أتباعا أعمى لآبائهم، أو لشياطين الجن والإنس: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}.. وهناك المجادلون عن كبر ٍ وتعال ٍ على الغير: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ}.. وأخيراً هناك المجادلون لأجل هدف مقدس، وذلك للدعوة إلى سبيل الله تعالى، وتوعية المجتمع {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

 

25. إن الإنسان يخطط لنفسه طريقا مستقلا في الحياة، فلا يحاول ربط مصيره بالآخرين -ولو كانوا من أقرب الناس إليه- فإن العلاقات البشرية، تتقطع في أول لحظات الانتقال من هذه الدنيا.. كما ينبغي أن لا يجعل الإنسان طبيعة البلد الذي يعيش فيه -بمن عليه من العصاة والكفرة- ذريعة للانهماك في المعاصي.. فإن الثابتين على طريق الهدى في ذلك البلد، يؤتى بهم يوم القيامة، ليسجل الله -تعالى- بهم نقطة إدانة للجميع، ممن تذرع بجبر البيئة والزمان.

 

26. إن مما يؤكد الحاجة إلى التخصص، هو هذا الكم من المفاهيم الهلامية، التي تطرح في أسواق الفكر هذه الأيام.. ولطالما أسيئ استغلالها؛ نظرا لعدم وضوح معانيها وحدودها بدقة، مثل: مفهوم الحرية، والديمقراطية، والشورى، وحرية المرأة، والانفتاح على الغير، والتقليد، والتحديث، والعولمة، وغير ذلك.. ومن الواضح أن هذه المفاهيم، تتوقف عليها مواقف عملية، تغير مجرى حياة الفرد والأمة، سواء في جانب الخطأ أو الصواب.

 

27. إن من قواعد الحوار الأساسية: نفي الإنيّة والذاتية، وحب الإفحام والغلبة الفكرية.. وهذا من أصعب الأمور على النفس، وذلك لأن المحاور الذي لم يخرج من أسر (الأنا) يحب أن يبرز نفسه من خلال إظهار قوته وتمكنه في الحوار، ومن ثم الانتصار فيه، ولو كان على حساب الحقيقة التي يفترض لزوم الوصول إليها!.. وقد قيل: (آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين؛ حبّ الرئاسة)!.. وعليه، فإن المناقش المثالي، هو الذي يعترف بالهزيمة أمام الخصم عندما يرى قوة حجته، قبل أن يقف أمام المحكمة الكبرى لرب العالمين!..

 

28. إن المؤمن يتحرز من الحوار، مع من لا يريد الوصول إلى الحقيقة.. فهناك صنف من السوفسطائيين أو الفارغين، الذين يجادلون لهدف الجدال نفسه.. فتراهم يتكلمون في كل ما هب ودب، وكل همّهم هو أن يشار إليهم بالبنان!.. وشتان بين هذا النموذج، وبين أمثال سلمان الفارسي، الذي قضى عمره متنقلا ً بين البلاد بحثا عن الحقيقة، إلى أن استقر عند نمير الوحي المحمدي!.. وقد أمرنا من خلال الروايات: أن نجس نبض الطرف المقابل في رغبته للوصول إلى الحقيقة، فإن رأيناه كذلك؛ فإنه يحسن الدخول معه في الحوار.. وإلا فلا يحسن صرف لحظات العمر الغالية في حوار الجهلاء.

 

29. يجب الابتعاد عن النقاش في الفروع، قبل تثبيت الأصول.. فلا بد من التركيز على القواسم المشتركة، ليكون النقاش مبنياً على أساس علمي ومنطقي سليم.. فهل من المعقول أن نقنع المنكر لوجود الله -تعالى- بعدالته مثلا؟!.. أو نقنع المنكر لنبوة النبي الخاتم (ص) بعصمته مثلا؟!.. أو نقنع المنكر لمبدأ الإمامة واستمرارية التشريع من خلالها، بفروع المذهب الثابتة من خلال كلمات أئمة الهدى (ع): كالتقية، والتبرك، والزواج المؤقت، وغير ذلك من التفريعات الفقهية؟!..

 

30. إن من القواعد المهمة في الحوار: التحبب إلى الطرف الآخر، واحترامه، وملاطفته.. وخصوصا إذا كان من المستضعفين، الذين ليس لهم غرض مشبوه من وراء النقاش.. فالمناظر الناجح هو الذي يتكلم بثقة واطمئنان بما يعتقد به، ملتزما حدود الأدب، متورعا عن أسلوب التجريح والسباب والغوغائية.. إذ أنه بذلك يدخل في قلب الطرف المقابل، ليكون ذلك مقدمة لإدخال الفكرة إلى عقله.

 

31. في الوقت الذي نهى فيه أئمة أهل البيت (ع) عن الجدال مع الخصوم بغير أدلة دامغة، لأن ذلك مما يزيد من عداوتهم وتعصبهم؛ فإنهم في الوقت نفسه يفرحون بوجود طبقة مثقفة متفقهة في الدين: تعرف ما هو مطروح في الساحة من أفكار وشبهات، وتحسن التصدي لها؛ إعزازا لكلمة الحق في عصر عاد فيه الدين غريبا.. وذلك أمثال هشام بن الحكم، و بن الطيار الذين نالا أكبر الثناء من الإمام الصادق (ع).. أفلا يحسن بنا -ونحن ننتمي إلى مدرستهم، التي تمثل أقوى تيار فكري متماسك ومتوازن في تاريخ الإسلام- أن نكون محاورين أشداء دفاعاً عنها؟!.. وخاصة في عصر عاد الدين فيه غريبا كما بدأ غريبا.. وطوبى لمن شمله وعد النبي (ص) حيث قال: (فطوبى للغرباء)!..

 

32. إن القرآن الكريم يعبر عن الصديق بالقرين.. وذلك حينما تستمر العشرة والألفة مع الصديق لسنوات، ليتحول بعدها إلى قرين لازم المصاحبة.. فيبدأ بالتأثير على سلوك وأخلاق -وحتى طريقة كلام- صديقه!.. وهذا سلاح ذو حدين في حد نفسه، إذ كما ينقل القرين الصالح الصفات الحسنة إلى قرينه؛ فإن قرين السوء ينقل الصفات السيئة.. وقد جاء في الحديث: (صحبة الأشرار تكسب الشر كالريح: إذا مرت بالنتن، حملت نتنا).

 

33. إن قرين السوء صورة من صور الخذلان الإلهي، كما جاء في الآية الكريمة: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}.. ومن المعلوم أن الله -تعالى- رؤوف لا يضل عباده، لكن العبد حين يتمادى في المعاصي؛ فإنه يصل إلى درجة من البعد عن الحق، بحيث يكل أموره إلى نفسه -كما وردت الاستعاذة من ذلك عن الرسول (ص)- ومنها أن يسلمه لصاحب السوء، الذي يلعب في دينه وآخرته كما يشاء وليهما وهو الشيطان وأعوانه، الذين يمدونهما بالغي، ثم لا يقصرون!..

 

34. إن من المهم التأكيد على أن وجود الصديق، ليس هدفاً في حد ذاته، ليكون هذا داعيا للتشبث بأي فرد كان، حتى لو كان من إخوان الشياطين.. فقد جاء في الحديث: ( أحذر قرين السوء؛ فإنه يهلك مُـقارنه، ويردي مُصاحبه.. وكن بالوحدة آنس منك بقرناء السوء)!.. فما المانع أن يعيش الفرد حالةً من الوحدة التي تحصنه من انتقال العدوى من الآخرين، وذلك إذا كان في ضمن مجتمع منحرف: كالمدرسة، أو الجامعة غير الصالحة، أو في بلاد غير المسلمين؟.. واعلم أن الله -تعالى- جليس من ذكره، وهو صاحب الغرباء.. فهل مثله جليس؟!..

 

35. إن من قواعد الصداقة الأساسية: اختبار الصديق الذي نود مصاحبته، وخصوصاً عند الغضب.. فإن الصديق الذي يغضب ليخرج عن طوره، ويهدم سنوات العلاقة اللصيقة عند أول خلاف؛ لحري بأن لا نتخذه خليلاً.. وقد أكد الأمام الصادق (ع) على مبدأ الاختبار فقال: (لا تسُم صديقك سمةً معروفة، حتى تختبره في ثلاث: فتنظر غضبه يخرجه من الحق إلى الباطل؟.. وعند الدرهم والدينار!.. وحتى تسافر معه).

 

36. إن من معايير اختيار الصديق: اختيار الشخص الأرقى والأعلى منا في صفاته وكمالاته.. فقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق (ع): (إصحب من تتزين به، ولا تصحب من يتزين بك)!.. وذلك من أجل اكتساب الملكات الحسنة منه، بما ينفع العبد في الدنيا والآخرة.. وقد قال المسيح (ع): (جالسوا من يذكركم الله َ رؤيتـُه، ويزيدكم في علمكم منطقـُه).. وما أجمل قول الإمام علي (ع) في هذا المجال: (صحبة الولي اللبيب؛ حياة الروح).

 

37. و من معايير اختيار الصديق : معاشرة سليمي النفوس الذي يعيشون الفطرية في حياتهم ، والابتعاد عن الأشخاص ذوي الكآبة والعقد النفسية و ما شابه .. فالبعض لا يتخذ الصديق إلا متنفسا لذكر همومه وغمومه الشخصية - ولو أدى إلى تجريح الغير وارتكاب بعض المنكرات القولية في هذا المجال- وبذلك يضفي جوا ً قاتما ً على نفسك !.. والحديث يقول : ( إحذر ممن إذا حدثته ملّـك ، وإذا حدثك غمّك).

 

38. إن المؤمن لا يصادق الأحمق!.. فهناك بعض الناس من يتصف بالحنان والمودة، ولكن لا عقل له، فهو يريد أن ينفعك فيضرك!.. وقد جاء في الحديث: (إياك وصحبة الأحمق؛ فإنه أقرب ما تكون منه، أقرب ما يكون إلى مساءتك)!.. وقد لخص الإمام علي (ع) معاناة المبتلى بمثل هكذا صديق بقوله (ع): (صحبة الأحمق؛ عذاب الروح).

 

39. إن من قواعد التعامل مع الأصدقاء: عدم إذهاب الحشمة والحياء فيما بينهم.. بعض الأصدقاء يرفعون الكلفة تماماً فيما بينهم، فيمازح بعضهم بعضاً بكلمات وأفعال لا تليق بمكانة المؤمن، ومن الواضح أن ذلك مما يذهب بوقار المؤمن واحترامه لأخيه.. وهو أمر منهي عنه في روايات أهل البيت (ع): (لا تـُذهب الحشمة بينك وبين أخيك وأبق منها؛ فإن ذهابها ذهاب الحياء).. كما ورد الحث على تقليل المزاح بشكل عام، ووضع حدود له.. فإن مقدار المزاح من الحديث -كما في بعض النصوص- ينبغي أن يكون بمقدار الملح من الطعام.

 

40. إن المؤمن لا يبدي كل أسراره الخاصة للآخرين، بمجرد التعرف عليهم -خصوصاً في هذا الزمن الذي غلب فيه سوء الظن بين الناس- إذ من الممكن أن ينقلب عليك الصديق في يوم ٍ ما، ليكون ما أطلعته عليه وبالا ً عليك.. كما لا يفترض أن تفتح بيتك وعائلتك أمام كل صديق ترتاح إليه، فلطالما رأينا العلاقات العائلية غير المدروسة، قد جرت الأبناء وغيرهم إلى علاقات غير محمودة العواقب، وذلك بعد زيارات أو جلسات مختلطة بين الجنسين، ومن دون رقابة كافية من الأهل.

 

41. إن من قواعد الصداقة: أن لا يكون الإنسان سببا ً لترويج الباطل.. فبعض الأصدقاء المنحرفين يجرون الإنسان جراً إلى مشاركتهم في انحرافهم، وقد لوحظ أن أهل المعاصي: كالزنا، والخمر، و المخدرات؛ يستوحشون من انفرادهم بالمعصية، ويعانون تأنيب الضمير.. فيعوضون ذلك بإشراكك بمعصيتهم!.. فإن مجرد مصادقة هؤلاء، قد يدخلك تحت عنوان (الراضي بفعل قوم؛ كالداخل معهم فيه).. فيؤول الأمر إلى الندم على مثل هذه العلاقة يوم الحساب، حين يقول المرء: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا}.. {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}!..

 

42.  إن وسائل الإعلام تستخدم هذه الأيام المدح و الذم -للأشخاص والأفكار على السواء- سلاحاً خطيراً في التأثير على آراء الناس، وخاصة من لا يمتلك قدرة على التعقل.. وذلك لأن طبيعة النفس الإنسانية تميل إلى تصديق ما تسمع، وتعتبره كاشفاً عن الواقع.. والحال أن المدح والذم، يصف عادة صورة الواقع في أذهاننا، وليس الواقع في نفسه!.. وقلما تكون هذه الصورة الذهنية مطابقة للواقع، إلا في موارد نادرة ممن أراهم الله -تعالى- الأشياء كما هي، وهم المؤمنون الذين أشرقت أنوار المولى في نفوسهم.. وقد ورد في الخبر: (إتقِوا فراسة المؤمن؛ فانه ينظر بنور الله عز وجل).

 

43. ينبغي للعاقل أن لا يرتب أثرا على مدح وذم فئات من الناس.. فمثلا: لا ينبغي الاعتناء بذم الشخص المبغض و الحاسد، ولا بمدح الشخص المحب، ولا بقول الإنسان المتذبذب المتلون، الذي يمدحك في يوم ويذمك في يوم آخر، ولا برأي الذي ليس له علم ودراية بالممدوح أو المذموم عن تجربة ومعاشرة، ولا بقول السفيه أو الأحمق الذي ليس له قدرة تحليلية للتمييز بين الأشخاص.. وأخيرا:ً لا ينبغي الأخذ برأي الشخص المتعصب، ذي النظرة المسبقة تجاه فئة من الناس؛ فهو يرفض سلفاً كل من انتسب إلى هذه الفئة من دون استثناء.

 

44. إن من النقاط الأساسية للنجاح في مجال إحداث ثورة في نمط الحياة التعيسة التي نعيشها: ضرورة أخذ القرار الحاسم قبل فوات الأوان.. فالمتردد في سلوك الطريق، لا يمكنه أن يصل إلى الهدف أبدا.. إن الإنسان خلق لغاية معينة (وهي السعادة الأبدية)، ولا يمكنه تحقيق تلك الغاية، إلا من خلال هذه السنوات القليلة في هذه الدنيا!.. ومن المعلوم أنه كلما تقدم العمر بالإنسان، كلما ضعفت قواه، وسلبت منه القدرة على أخذ القرار المصيري.. ومن هنا رأينا الثورات الناجحة على النفس -وتغيير وجهة الحياة بذلك- شائعة في حياة الطبقة الحيوية من المجتمع، ألا وهم الشباب!..

 

45.  إن من الأمور التي لا بد أن يلتفت إليها، من لا يملك عزما راسخا في مجال مواجهة المنكر: أن لا يستسلم لليأس من رحمة الله تعالى، لأنها من كبائر الذنوب.. فالله -تعالى- لعلمه بضعف النفس الإنسانية؛ سريع الرضا.. ومن الممكن أن يطفئ الإنسان بحارا من غضب الله تعالى، بقطرات من دموع الندامة بين يديه.. ومن حسن الحظ أن أغلب معاصي شبابنا اليوم، يمكن تداركها بلحظات من الندامة، والعزم على عدم العود، لأنها من الحقوق بينهم وبين الله تعالى.. ومن المعروف في هذا المجال: أن التائب الحقيقي يشتد سيره في حركته التكاملية، لرغبته في تعويض أيام الغفلة السابقة، فتراه يقفز قفزا بدلا من السير البطيء.

 

46. إن منهجنا العام للذين يريدون العودة إلى ربهم  -سواء من الذنوب، أو الغفلات التي لا يخلو منها أحد- هو ربط هذه البداية الحسنة بحركة عبادية محسوسة، يبدي فيها العبد حسن نيته في هذا المجال.. وذلك يتمثل في غسل التوبة، ثم ركعتين في جوف الليل بخشوع، ثم السجود مستغفرا سبعين مرة بتضرع.. فليجرب العاصون هذا المعجون الجامع، ليعيشوا حقيقة هبوط طاقة كبيرة من مصدر غيبي، ليروا الحياة في نهار ذلك اليوم بشكل جديد.. ولنتذكر دائما: أن عدونا على خبرته العريقة في إغواء بني آدم، يصفه القرآن الكريم قائلا: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.. أو ليست هذه بشارة للجميع؟!..

 

47. إن من القواعد المهمة في المدح والذم: الموازنة بين مدح الشخص، وتحذيره من سلبيات ما تمتدحه فيه.. فأنت حين تثني على شخص لبشاشته ومرحه مثلاً، ينبغي أن تحذره في الوقت نفسه من التمادي في المزاح، أو اللجوء إلى الكذب لإضحاك الآخرين، وهو من الأمور المحرمة.. وبذلك يحول الثناء إلى عملية هادفة، تمنعه من التمادي في باطله، كما تستطيع أن تقدم له برنامجاً للعمل بما مدحته فيه.. وحينما تمدح كرم شخص مثلا، فإنه يمكنك توجيهه إلى موارد الإنفاق التي ترضى المولى عز وجل، وتذكيره بمستحباته المسنونة، من: تصغيره، وتعجيله، وكتمانه.

 

48. إن المؤمن عليه العدول عن المدح والذم، إذا تغيرت صفات الشخص المتعلقة به، أو إذا انكشف له خلاف ما قاله فيه.. إذ لا مجال هنا للإصرار على رأي سابق، يعلم أنه لم يعد مطابقاً للواقع!.. وقد يجب في بعض الحالات تحذير الشخص الذي قام بتزكيته -لشراكةٍ أو زواج- إذا أتضح له أنه لم يكن أهلاً للتزكية.. أو إعادة كرامة من أسقط كرامته، بعدما تبين له الخطأ في ذلك.

 

49. إن من المهم أن نلاحظ عدم إيذاء الآخرين عند مدحنا لشخص ما، وذلك مراعاة للعدالة في هذا المجال.. فإن تجاهل من هو برتبة الممدوح، قد يثير حزنه أو غيرته أو حسده!.. ومن هنا أيضاً يجب علينا مراعاة العدل، وعدم التمييز بين الأقران؛ تأسياً بالرسول (ص) الذي دعا إلى المساواة حتى في تقبيل الأبناء.

 

50. يجب عدم مدح النفس، التي هي في معرض الزلل دائما، والآية القرآنية صريحة في النهي عن ذلك: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.. فتزكية النفس من علامات وهن العقل، إلا في حالات: تبرئة النفس، أو دفع التهمة، أو تثبيت الموقع المهني والاجتماعي، أو مصلحة راجحة أخرى.

 

51. إن من طبيعة الإنسان، أنه يحب أن يمتدح، ويكره أن يذم.. ومن الملفت حقا أنه كثيرا ما يصدق ما يقال فيه من المدح، حتى لو علم أنه مديح لا أصل له!.. وقد دعت الأحاديث إلى عدم الفرح والحزن بهذا المدح والذم، حتى لو أجمع عليه الناس.. بل التفكير فيه، وعرضه على كتاب الله تعالى؛ لمعرفة ما إذا كان ما يقال فينا من مدح: هل هي فضيلة صادقة، لنبشر أنفسنا بها؟.. أو ما يقال من ذم: هل هي رذيلة متحققة، لنصلح أنفسنا بعد ذلك؟.. ولنعلم أنه يستحب أن تقول إذا مدحك مادح: (اللهم!.. اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون).

 

52. كما أن الله -تعالى- ضرب الأمثال في القرآن الكريم، تقريبا للمعقول إلى المحسوس: (كتشبيه المباركة في الإنفاق بالسنبلة النامية)؛ فإنه كذلك جسد المعاني النظرية، من خلال سيرة أوليائه من الأنبياء والأوصياء والأولياء.. ومن هنا كان من اللازم أن نبحث عن درجات الكمال، من خلال تطبيقاتها في الحياة اليومية، حينما نمر على سيرتهم المباركة.

 

53. إن الإنسان عندما يختلف مع أخيه، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه: محاولة المقارعة والمواجهة، بما يستتبعه من الهدم؛ بدلا من سياسة الاحتواء مع ما يقارنه من البناء.. ومن الأخطاء الكبرى في هذا المجال: أن الشيطان يسول للعبد الانتقام، بدعوى عدم تحمل الذل.. والحال أنه لا مانع من التظاهر بتحمل الذل في مرحلة من المراحل، ليصل الإنسان إلى عزة ثابتة في كل المراحل.. فتأمل في هذا النص، الذي يروي لنا موقف الإمام السجاد (ع)، حينما وقف عليه قريب له يشتمه، فإذا به يقول: (يا أخي!.. إنك كنت قد وقفت علي آنفا، وقلت، وقلت.. فإن كنت قد قلت ما في؛ فأنا أستغفر الله منه.. وإن كنت قلت ما ليس في؛ فغفر الله لك).

 

54. إن خير وسيلة للتأثير على الآخرين: الدخول إلى قلوبهم واجتذاب مودتها، فإن المحب -غالبا- مطيع لمن أحب!.. ومن هنا لزم أن نوجد جوا من الارتباط العاطفي مع من نعاشرهم -وخاصة مع القريبين منا- ليسهل علينا التعامل معهم والتأثير عليهم.. وإلا فإن الأمور تبقى في دائرة التكلف والتصنع، إما خوفا، أو طمعا.. فتأمل في هذا النص، لترى مدى الاحترام الباطني الذي يكنه غلام الإمام (ع) لمولاه، فكيف بمن يقربه من أهله وأصحابه!.. (دعا الإمام السجاد (ع) مملوكه مرتين فلم يجبه، وأجابه في الثالثة فقال له: يا بني، أما سمعت صوتي؟.. قال: بلى.. قال: فما بالك لم تجبني؟.. قال: أمنتك.. قال: الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني).

 

55. إذا أردنا أن نقتلع منكرا من جذوره، فلا بد من القضاء على الموجبات الباطنية له.. وذلك من خلال إثارة الوجدان تارة، ومن خلال إثارة الفكرة والتأمل في عواقب المنكر تارة أخرى.. فالنبي المصطفى (ص) يجيب على من يطلب منه الإذن له في الزنا بالسؤال: هل يرضى أن يزني أحد بذويه؛ كأخته مثلا؟!.. والإمام السجاد (ع) عندما يمر برجل بطال، كان يضحك أهل المدينة، فإنه يذكره بيوم الحساب، ليكون ذلك بمثابة هزة فكرية ووجدانية في أعماقه، حيث يقول له الإمام (ع): (إن لله يوماً، يخسر فيه المبطلون).

 

56. إن من مشاكل السائرين إلى الله تعالى: أن البعض حينما يرى شيئا من الفتوحات الربانية، والنفحات القدسية؛ فإنه يعرض عن الخلق، ويميل إلى حياة الصومعة لئلا تسلب منه حالته!.. والحال أن الإنسان الكامل هو الذي يعيش هموم الخلق بما أنهم عبيد لله تعالى، ومن أحب حبيبا، أحب ما صنعته يداه.. ومن هنا كان المعصومون (ع) أشفق الناس بالأمة، وعلى الخصوص المستضعفين منهم.. فهذا الإمام السجاد (ع) يخرج ليلا متلثما، وهو يحمل قوت الفقراء على عاتقه، حتى عرف بصاحب الجراب!..

 

57. إن من أهم أسباب السعادة والراحة النفسية -وخاصة في زمان الأزمات-؛ الإحساس بأن هناك يدا ترعى الوجود رعاية شفيقة.. فإن الأصل في هذا الوجود هو اللطف والإكرام، لا العذاب والانتقام.. ومن الواضح أن الحكيم إذا أحب أحدا، فإنه يجري الأمور عليه بما سيكون في صالحه عاجلا أو آجلا.. وإن اعتقد الفرد خلاف ذلك، لجهله بعاقبة الأمور.. ومن هنا كان مقام التفويض من أعلى صور العبودية لله رب العالمين.. فهذا إمامنا (ع) يمرض مرضا شديدا في زمان أبيه الحسين (ع) فيقول له: ما تشتهي؟.. فيقول السجاد (ع): (أشتهي أن أكون ممن لا أقترح على الله ربي ما يدبره لي).

 

58. إن من الدروس الكبرى في حياة الإمام السجاد: الدعوة للتضرع بين يدي الله تعالى، وهو ما نستجليه في الصحيفة السجادية.. إن الدعاء إذا وصل إلى مرحلة التضرع، والانقطاع التام إلى الله تعالى؛ فإنه سيؤثر في مركز أخذ القرار في عالم العرش!.. حيث أن الله -تعالى- حينما يريد أن ينفذ مشيئته على عبده، فإنه يرى موقفه منه، فقد يدفع عنه أمواج البلاء، وقد أبرمت إبراما.. ولا نستبعد أن يدفع الله -تعالى- البلاء عن أمة، ببركة دعاء عبد صالح، كما نفهم من بعض الروايات.

 

59. إن الصبر لا يمثل حالة من تحمل الواقع المفروض -ولو كان على مضض وكره- وإنما هي حالة من الرشد الباطني، التي تجعل الإنسان يعتقد بأن هنالك برمجة كونية، تسير لأهداف محددة، وإن بدت بعض مراحلها مريرة في النظر القاصر.. وذلك لأن الهدف العام من الوجود هو: تحكيم الرسالة الإلهية في الأرض -شاء الكافرون ذلك أم أبوا- وهو ما نفهمه من خلال الوعد الإلهي بإيراث الأرض لعباده الصالحين، وجعل مقام الإمامة والهداية بأمر الله -تعالى- للصابرين.

 

60. إن الأرض طوال التاريخ، شهدت أنواعا من الحضارات قامت، وأخرى اندثرت.. وهذه هي السياسة الإلهية في الأرض، إذ الأيام -كما ذكرها القرآن الكريم- يداولها بين الناس، ويدفع الناس بعضهم ببعض!.. فلا ينبغي الركون لليأس، عندما يرى الإنسان غربة الدين في مرحلة من المراحل، فإن المد الإلهي كان في عملية صراع دائم مع الباطل، منذ أن خلق الله -تعالى- آدم.. فمن كان يصدق في الأيام الأولى لغربة الإسلام، أن يصل نداء التوحيد لشتى بقاع المعمورة؟!.. ومن كان يصدق أن تصل صرخة الحسين (ع) يوم عاشوراء مدوية في عمق التاريخ؟!..

 

61. إن من موجبات توسعة أفق النفس، والتي تستتبع بدورها قدرة مضاعفة للصمود أمام مختلف التقلبات: الاعتقاد بأبدية الحياة الإنسانية.. فإن البلاء المحدود في أيام محدودة، له من التعويض ما يتمنى العبد معه يوم القيامة، أن لو كان البلاء غير مرتحل عنه، بل يتمنى -كما في الروايات- أنه لم تستجب له دعوة واحدة.. وهاهم الناس في الحياة الدنيا، يتحملون كثيرا من الآلام العاجلة، طلبا لثمار لذيذة آجلة!..

 

62. إن العبد يكتشف درجة عبوديته لربه من خلال: الصبر على مكروه القضاء.. فإذا اعتقد العبد أن هنالك من هو أولى بتولي زمامه من نفسه، فهل يعيش حالة التبرم من تدبير الحكيم لأموره؟!.. والحال أنه لا موجود أرأف بالإنسان ممن خلقه، إلا أن يرتكب ما يخرجه من دائرة الالتفاتة الشفيقة، وذلك عندما يتمادى في تحدي من بيده سلطان السماوات والأرض؟..

 

63. إن العبد يترقى في درجات العبودية، إلى أن يصل إلى درجة أرقى من صبر العوام من أهل البلاء.. فإن الكثيرين من متوسطي الإيمان يصبرون على البلاء، من منطلق أنه لا حيلة لهم سوى الصبر، وأن الواقع المحتوم لا يتغير.. إلا أن هناك قوما بلغوا درجة من الإيمان، جعلتهم يرضون، بل يحبون ما أجرى لهم ربهم من البلاء، الذي لم يكونوا هم سببا فيه، إذ أن البلاء المتسبب من فعل العبد، لا يؤجر عليه صاحبه، إلا أن يتغمده الله -تعالى- برحمة منه وفضل.

 

64. إن من أعظم أبواب الصبر، بعد الصبر على الطاعة، والصبر على البلاء؛ الصبر عن المعصية.. فإنه لا يمكننا إنكار أن للشهوات جاذبية عظمى في نفس الإنسان، تصل -في بعض الحالات- إلى درجة لا تقاوم إلا بشق الأنفس.. وخاصة في هذا الزمان، الذي نعتقد أنه لم تمر فترة على الأرض منذ أن خلقها الله -تعالى- كهذه الفترة من جهة: تنوع سبل المنكر وتيسرها، حتى أن من هم دون سن المراهقة اليوم، يرتكبون ما لم يعرفه المراهقون في سنوات سبقت، بفعل تكامل آليات عرض الفساد!.. ولا ندري ما الذي يخفيه المستقبل من صور المنكر والفتنة، التي تدع الحليم حيرانا!..

 

65. إن من الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها، من يرى في نفسه ضعفا في مقاومة أمواج البلاء والمحنة: أن تكلف الصفة الحميدة، سبيل إلى تحولها إلى ملكة راسخة في النفس.. ومن هنا دعت الروايات إلى التصبر، وهي محاولة للتشبه بمن أعطوا قوة في هذا المجال.. ولا ينبغي أن نغفل عن حقيقة: أن المتصبر في معرض اللطف الإلهي، بإفراغ الصبر عليه، بحيث يجد في نفسه من المقاومة ما لم يكن يتوقعها من نفسه.. ومن هنا جاء الأمر الإلهي بالدعاء: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.

 

66. إن من أرجى الآيات لأهل البلاء في القرآن الكريم، هو قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.. فإن الجزاء المترتب على ذلك أمور مذهلة من: صلوات الله -تعالى- عليهم، وما تستتبعها من البركات التي نرى عينة يسيرة منها، من خلال صلواته -تعالى- على نبيه المصطفى (ص).. والرحمة الإلهية: وهي التي لو غمرت العبد ما أبقت له موجبا من موجبات العقاب الدنيوي أو الأخروي.. والهداية: وهي التي لو توجهت للعبد، فتحت له من الآفاق النظرية للقرب، ما لا يخطر على قلب بشر.. أفلا يحق لنا بعد ذلك أن نقول: هنيئا للصابرين من أهل البلاء!..

 

67. إن القرآن الكريم عندما يعبر عن طلب الأنبياء وغيرهم للذرية الصالحة؛ فإنه يعبر بلفظ (الهبة)، ومعنى ذلك أن الإنسان لا يطلب من الله -تعالى- هذه العطية الكبرى باستحقاقه.. وإنما يريد من الله -تعالى- أن يتفضل عليه بذلك.. فمهما بالغ في التربية، فإنه لا يحقق أمانيه بسعيه، حيث خيوط الأمر كثيرا ما تخرج عن يده!.. ويا ترى كم من الفضل العظيم، توجه إلى إبراهيم بمثل إسماعيل، وإلى زكريا بمثل يحيى، وإلى مريم بمثل المسيح عليهم السلام!.. وكم من المناسب أن يدعو أحدنا -بإلحاح- أن يمنّ عليه بمن يصلح به المسلمون في مستقبل هذا الزمان، حيث عز النصير لهذا الدين، الذي عاد غريبا كما بدأ غريبا!..

 

68. إن الإحباط له مجالات مختلفة: فتارة يكون في مجال التعامل مع الله تعالى، وتارة في مجال التعامل مع النفس، وتارة في مجال التعامل مع المفردات الحياتية، وتارة في مجال التعامل مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد.. ومن أراد التخلص من موجبات الإحباط جميعا، فلا بد له من القضاء على تلك الموجبات في كل حقل من الحقول السالفة.

 

69. إن البعض يبتلى بالإحباط في العلاقة مع ربه، بمجرد ارتكاب ذنب، أو كان كبيرة من الكبائر.. فيرى إحساسا بالبعد الباطني عن مولاه إلى درجة، يحس بأن علاقته معه قد انهارت، ولا مجال لإعادة الصلة معه، فيقيس ربه الرحيم بغيره من الذين يقفون موقفا مع كل زلة.. والحال أن رأفة الخالق بمخلوقه، لا تحيط بها عقولنا، ويكفي لإثبات ذلك سعة تلك الرحمة إلى درجة يطمع فيها إبليس المطرود من رحمة ربه!.. فمن الممكن أن يعيش الإنسان حالة الإدبار للتقصير في حق مولاه، ولكن ذلك لا يعني السقوط القاتل، ليقول بوحي من الشيطان: أنا الغريق فما خوفي من البلل؟..

 

70. إن هناك إحباطا في مجال التعامل مع البشر.. لذا، على الإنسان أن يدرك أن للناس أمزجة مختلفة، وليس من المنطق أبدا أن يتوقع الإنسان من الآخرين أن يبرمجوا أمورهم وفق مزاجه!.. كما أنه هو أيضا لا يرضى أن يرتب مزاجه على وفق مزاج الآخرين.. وعليه، فإن خفض مستوى التوقع من الغير، إضافة إلى الاعتقاد بأن أشرف الكائنات وهو النبي المصطفى (ص) لم يحقق جميع آماله في الأمة، فلطالما آذوه في نفسه وأهل بيته، إلى درجة كان يصرح بعدم رضاه على بعض ما يجرى حوله، بل أن جميع الأنبياء لم يصلوا إلى ما كانوا يطمحون إليه في تغيير الوسط الذي يعيشون فيه.. حتى أن موسى (ع) شكا ما يلقاه من الخلق، قال: (يا رب كف عني ألسنة الناس، ورضهم عني.. قال: يا موسى، هذا شيء لم أختصه لنفسي، فكيف أجعله لك)؟.. 

 

71. إن شعار العامل في المجتمع: أن على العبد العمل بما فيه رضا ربه، دون أن يتوقع نتيجة سريعة لعمله، {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}.. ولم يقل: إلا ما أنتج.. وقد طلب القرآن الكريم منا أن نكون خير أمة أخرجت للناس: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر؛ كوظيفة رسالية.. ومن المعلوم أن الموظف الذي أخذ أجرته كاملة، لا يهمه بعد ذلك طبيعة عمله ومدى تأثيره، بعد أن أدى ما عليه.

 

72. فليعلم الفرد بأن الله -تعالى- خلق الوجود مع إرخاء العنان للعبيد، للتصرف في هذا الوجود؛ تحقيقا لعالم الأخذ بالأسباب، ومن هنا نشأ التضاد في المصالح.. فكل يريد أن يستغل بني جنسه لتحقيق مآربه، وإن ادعى ما ادعى من خدمة النوع، وما شابه من الدواعي العريضة.. فإن حب الذات أقوى الدوافع في الوجود الإنساني.. وأما الإيثار ونكران الذات، فلا نجده إلا في النفوس الصافية، بطينتها أو بالمجاهدة.

 

73. إن الله -تعالى- أشد غيرة على دينه، قياسا إلى كل من يمكن أن يكون له هاجس الخوف على الدين وأهله!.. فإن صاحب الدين أولى بدينه من أتباع ذلك الدين، وهو الذي سلط الطير الأبابيل على جند أبرهة لما أرادوا الكيد بالبيت، وهو الذي نصر نبيه بالملائكة المسومة في معركة بدر.. والمدد الإلهي للأمة يأتي في الوقت المناسب، فإن نبيه المصطفى (ص) عاش سنوات المعاناة وهي ثلاث عشرة سنة، أكثر من سنوات الحكومة وهي عشر سنوات.. والله -تعالى- لا يعجل بعجلة العباد، وإنما يعجل من يخاف الفوت، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف.. وقد تعالى عن ذلك علوا كبيرا!..

 

74. إن من موجبات بعث الهمة في نفوس الأمة -وخاصة في ظروف تغلب الشر- هو تذكر الوعد الإلهي القاطع في كتابه الكريم، من استخلاف عباده الصالحين في الأرض، وإن طالت المدة: اختبارا للعباد، وسوقهم إلى قطع الأمل من كل مصدر نجاة غير مرتبط بالسماء، وهو الذي لم يكتب النجاة لبنى إسرائيل، إلا عندما بلغ الطغيان مداه {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ}.. إن الاعتقاد بأن الأرض بدأت بمرحلة من الصلاح من "خلقة آدم (ع)" وتنتهي بالصلاح "دولة المهدي (ع)"؛ يجعل الإنسان لا يضطرب عندما يرى حاكمية غير الله -تعالى- في الأرض، وقد ورد: أن للباطل جولة، وللحق دولة.

 

75. إن من المسائل الشاغلة للبال عند الكثيرين: مسألة العلاقة بين الفكر والعاطفة، ودور كل منهما في ضمان النجاح في حركة التكامل، والتوفيق بينهما بما يضمن عدم تقديم أحدهما على حساب الآخر.. فكما أن جمود العاطفة يؤدي إلى ضمور الفكر وعدم فاعليته، فإن فوران العاطفة أيضا يؤدي إلى حجب الفكر عن ساحة الحياة.

 

76. إن الناس صنفان: فالصنف الأول يتناول أمور الإيمان والعقيدة، تناولا أكاديميا نظريا، وكأنه ينظر إلى ظواهر علمية جامدة، ليس لها انعكاس خارجي على حركة الحياة‍‍.. فشأنه في ذلك شأن من يدرس الرياضيات والفيزياْء، بلا حب أو تعاطف مع موادهما، حتى ولو تخصص فيهما أعمق التخصص.

 

77. إن الإلغاء التام للعاطفة قد جر البعض -حتى من تخصص في أمور الشريعة، واشتهر بالكتابات الموسعة فيها- إلى التفريط في أهم الواجبات اليومية، وممارسة المعاصي إلى حد الإسراف وتجاوز الحد.. والحال أن مثلهم في ذلك كمثل المستشرقين الذين ساهموا في إثراء جانب من الفكر الإسلامي، من دون أن يستثمروا هذه المعرفة النظرية، في اتباع هذا الفكر، والتعبد بأقوال صاحب ذلك الفكر.

 

78. إن الذين تغلبت عليهم العاطفة في مجال العقيدة، من دون أن يترجموها إلى التزام في الخارج محتجين بالحديث: (وهل الدين إلا الحب)؟.. ومن هنا قد نرى من النساء من لا تلتزم بالحجاب الشرعي، بدعوى أن الدين: حركة في القلب، وطهارة في الباطن.. وهذه دعوى باطلة لا يمكن قبولها، والحديث المذكور يشير إلى أهمية وموقع الحب في الدين، لا أن الدين منحصر بالقلب المنفصل عن قالبه.

 

79. إن البعض يلجأ إلى تأجيج العاطفة المبالغ فيها، كنوع من التعويض مقابل ما يرتكب من المعاصي، وكأسلوب من أساليب تهدئة الضمير الثائر على صاحبه.. إذ قد نرى من لا يدفع ما في ذمته من الحقوق المالية الواجبة: كالخمس، والزكاة؛ ملتجئا إلى بعض صور الخير المحدودة: كالمساهمة في بناء مسجد، أو كفالة ليتيم.. وذلك لإرضاء وجدانه، رغم علمه بالتقصير الكبير فيما بينه وبين ربه.. وهل يمكن أن تنطلي هذه الحيلة على من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟!..

 

80. إن الموقف الصحيح في نظر الشريعة؛ محاولة التوفيق بين العاطفة والعمل.. فمن جانب: علينا أن لا ننتقص من قيمة العاطفة تماما، إذ ليس من الصحيح ما قد يعتقده البعض، من أن الحب يكتسب قيمته فيما لو تحول إلى عمل، وأنه ليست له قيمة في حد ذاته.. والسر في بطلان هذا القول هو: أن الحب حركة في الباطن، كما أن العمل حركة في الخارج، ولكل منهما قيمته المستقلة في ميزان تقييم الفرد.. ومن جانب آخر: فإن العاطفة إذا لم تتم السيطرة عليها وضبطها، فإنها قد تتحول إلى حالات من الوهم والمبالغة في عالم السياحة والخيال، كما شاهدنا ذلك كثيرا في التاريخ مثل: تأليه عيسى (ع) من قبل أتباعه، وبعض صور الغلو في المسلمين.. فإن العاطفة الفوارة، بمثابة الطاقة الكامنة التي إذا لم تستثمر في المشاريع النافعة، فإنها قد تتحول إلى طاقة تدميرية كبيرة.

 

81. إذا كانت حالة الحب لدى البعض تدفعهم إلي الكسل في الجوانب العبادية، والجرأة على المعاصي -اعتمادا على شفاعة هذا الحب يوم القيامة- فليعلموا: أن الله -تعالى- هو مقلب القلوب، وهو الرابط على القلوب، كما ربط من قبل على قلب أم موسى (ع) وكذلك أهل الكهف، وهو الذي يهب لعباده الحب: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وهو الذي يسلبه إذا رأى العبد يتمادى في المنكر غير شاكر لهذه النعمة، بل قد يصل إلى مرحلة الختم على القلب، كما صرح به القرآن الكريم.. وعليه، فلا ينبغي أن يعول أصحاب الحب على ما هم عليه، فإن صور الارتداد في التاريخ مخيفة!.. أوَ هل هناك من ضمان لئلا نكون منهم، إذا أوكلنا الله -تعالى- إلى أنفسنا طرفة عين؟!..

 

82. إن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فمنها ما لها تحقق قبيح في الخارج: طعنا بالسكين، أو إراقة للماء الحرام في الموضع الحرام، أو سلبا للمال من صاحبه، وغير ذلك من الذنوب التي يرى الإنسان أثرها بشكل مباشر.. وهناك من الذنوب ما ليس لها تجسم في الخارج بشكل واضح، مما يجعل صاحبها يستهين بأمرها، وهي عند الله -تعالى- من الموبقات المهلكة.. ومن مصاديق ذلك: التعرض لكرامة المؤمن، وإن لم يبلغ أعلى درجات الإيمان؛ فإنه لا يرى إلا حركة في اللسان.. والحال أن القرآن يعتبر ذلك أكلا لأقبح مأكول على وجه الأرض، ألا وهو لحم الميتة، من رحم ماسة: كأخ شقيق!..

 

83. إن ولي الآمر فى الأسرة -شاء أم أبى- يعد رأس الهرم التربوي، الذي بفساده تفسد القاعدة.. فإن الولد لا يرى في سنوات تربيته الأولى مربيا سوى والديه.. وعليه، فليس من الرياء أبداً أن يظهر الأبوان شيئا من طاعاتهما تشجيعا له، وأن يخفيا معاصيهما؛ لئلا يسقطا من عينه، وخاصة إذا لم يكن يتوقع منهما الولد ذلك.. ومن المؤسف حقا أن الولد عندما يكبر ويعود إلى رشده، فإنه يحس في أعماق وجوده حالة من الكره لهما، بحيث يجره إلى العقوق جرا، لما يعيشه في باطنه من الاحتقار لهما، وذلك إذا كانا سببا في إفساده.

 

84. إن البعض يعيش حالة من السذاجة والبساطة في التفكير، فيفتح عقله لكل ما يبث في وسائل الإعلام هذه الأيام.. والحال أن الكثيرين ممن يتصدون لمثل هذا الأمر، ينطلقون من منطلق تجاري بحت، فلا يهمهم تزوير التاريخ، ما دام يدر عليهم دريهمات فانية.. والقرآن الكريم أراد بهذه الآية تحذيرنا اليوم من الأبواق المنطلقة من صدور الفاسقين حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.. أو ليس المؤمن كيساً فطناً، عالما بزمانه، لا تهجم عليه اللوابس؟!..

 

85. لقد حثت الشريعة الغراء في نصوص متعددة، على ضرورة الحمل على الأحسن، بمعنى محاولة خلق الأعذار لمن صدر منه الخطأ، ما دمنا غير قاطعين بسوء نيته.. فإن العمل الخارجي لا يكشف دائما عن المنطلقات الباطنية، أو لسنا في حياتنا العملية نقوم بما يوحي الوهن والانتقاص، لأحب الناس إلينا من دون أن نقصد شيئا من ذلك؟!.. إننا نرفض بشده ترتيب الأثر على ما يسمى في العرف بالتوهين العملي من دون قصد، فليكن شعارنا دائما: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به!..

 

86. لقد كثر في أوساط المؤمنين ما يسمى هذه الأيام بالتحليل والتقييم، فنرى الفرد يخوض في أعراض المؤمنين من دون برهان قاطع، سوى ما يثار من القيل والقال.. والحال أنه {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.. والله -تعالى- سريع الانتصار لعبده المؤمن؛ لأنه يعدّ من أقرب الشؤون إليه، ومن هنا رجحت كرامته على كرامة الكعبة!.. ولكن هذا لا يعنى تجميد الأفكار في مقابل ما نراه من هفوات وأخطاء، بل يمكننا تقييم الفعل لا الفاعل.. والمناقشة الموضوعية في الفعل الخارجي، لا يستلزم دائما جرحا لصاحب الفعل.. ومن هنا لزم أخذ الحيطة المضاعفة عند التحدث عن المؤمن، فإن من كسر مؤمنا فعليه جبره!.. وهل يمكن الجبر دائما؟!..

 

87. إن الحديث عن أي مؤمن، يستلزم الدقة في اختيار الكلمات؛ لئلا يزل بنا القدم حيث السقوط من عين الله تعالى.. ولكن لا بد من الالتفات إلى خطورة الأمر، عندما يكون الحديث عن رموز الدين، من الذين لم نعهد منهم إلا الخير.. فإن التجريح الذي لا مبرر له، يوجب وهن الدين في نظر عامة الناس، الذين يعرفون الدين من خلال حَمَلته.. وبالتالي، فإن من أدى حديثه إلى مثل هذا الوهن المستلزم للجرأة على المعاصي، سيشارك المنحرفين في إثمهم، وسيتجلى له ذلك في يوم تبلى فيه السرائر!.. فتأمل في هذا النص المروى عن الصادق (ع): (من روى على مؤمن رواية، يريد بها شينه، وهدم مروءته؛ ليسقطه من أعين الناس.. أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان؛ فلا يقبله الشيطان).

 

88. إن من مناشئ الوقيعة والمبالغة في نقد الآخرين: الحالة النفسية المسبقة.. فإن طبيعة من يحمل في قلبه حقدا لأخيه المؤمن، تستلزم الانجرار للحديث الآثم، من منطلق النفس الأمارة بالسوء، التي تجره للشهوة تارة، وللغضب تارة أخرى!.. وتبلغ المشكلة مداها عندما يضفي المتحدث طابعا شرعيا لمقولته، وهو يعلم في أعماق نفسه أنه تبرير مختلق، سولته له نفسه.. وعليه، فإن من مفاتيح الحل: البحث دائما في خفايا أعماق النفس؛ لئلا يجد الإنسان فيها زاوية، اتخذها الشيطان وكرا لبث سمومه!.. ومن هنا كان القلب السليم، غاية منية العارفين طوال التاريخ.

 

89. إن الحل الجامع للتخلص من كل الذنوب بقسميها: الحقيقي، والاعتباري: الاعتقاد بأن الإنسان بين يدي ربه في كل حركاته وسكناته، مستحضرا جهاز التصوير فوق رأسه، والذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وصورها، وهو مظهر من مظاهر حقيقة: {فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}، ومصداق من مصاديق العتاب الإلهي البليغ: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}!.. وليس من الغريب أن يجعل القرآن من أولى صفات المتقين؛ الإيمان بالغيب.. ثم يختار من بين الغيب، خصوص الإيمان بالآخرة تأكيدا للأمر.. وأخيرا تأمل في هذا النص المروي عن الإمام الجواد (ع): (واعلم انك لن تخلو من عين الله؛ فانظر كيف تكون)؟..

 

90. إن من كواشف الإيمان المتأصل في سلوك الفرد: سهولة الإنفاق لديه من دون مجاهدة كبيرة، وذلك لما يراه من أنه مستخلف على المال، الذي جعله الله -تعالى- وديعة لديه إلى حين!.. فهل يا ترى يمن الإنسان على صاحب الأمانة حينما يردها إليه، وخاصة إذا كان صاحب الأمانة هو صاحب الفضل على من أودع تلك الأمانة عنده؟.. فالله -تعالى- مالك للعبد، وما يملكه العبد.. وعليه، فلا ينبغي أن يعيش العبد، أي شعور بالمنة على ربه، حينما يأمره بإنفاق جزء يسير من ماله؛ ليعود بالنفع إليه وإلى مجتمعه.

 

91. لو أن المجتمع الإسلامي طبق مبدأ الخمس والزكاة بشكل كامل؛ لاختلفت صورة الحياة على وجه الأرض، سواء في مجال: تأمين المعاش، أو في مجال ترويج الهدى.. فإن من مصارف الخمس والزكاة: تثبيت دعائم الشريعة في الحياة، وتحبيب القلوب المستعدة لقبولها.. ولكن كم من الخسارة عندما أنكر بعض الفقهاء منذ صدر الإسلام مبدأ الخمس!.. ولعل من الدوافع الخفية لذلك، هو حرمان أهل البيت (ع) من العطاء المالي، الذي كان من الممكن أن يقويهم على خصومهم!..

 

92. إن من الأخطاء التربوية الشائعة: إكثار الوالدين من النهي والزجر إلى درجة تبرم الولد.. وبالتالي، الميل إلى التمرد على الأوامر، والحال أنه لا بد من تقديم البديل الصالح عند كل نهي.. فالشاب الذي يعيش الفراغ الروحي والفكري؛ فإنه يتوجه إلى كل ما يملأ ذلك الفراغ، فلا بد من إشباع وقته بما يصلح به أمره.. والشاب الذي يأنس مع رفقة السوء، لا بد من اقتراح من يسد أنسه من الصالحين.. والبالغ الرشيد الذي تدفعه الغريزة إلى ارتكاب السوء، لا بد من السعي لتحصين نصف دينه، وإلا اشترك الأبوان في وزره، كما يفهم من بعض الروايات.

 

93. لا ينبغي على المنصف إغفال دور قادة أهل البيت (ع) في تفسير مفردات الشريعة، فإن أهل البيت أدرى بما في البيت!.. فلماذا يهمل تفسير الإمام الصادق (ع)؟.. والحال أنه صاحب مدرسة علمية عريقة عميقة، تخرج منها الآلاف، ومنهم أبو حنيفة الذي كان يقول: (لولا السنتان، لهلك النعمان).. أوَ لا يكفي في هذا المجال قول الصادق المصدق: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين -عليه السلام-، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وحديث رسول الله قول الله عز وجل).. أوَ هل توجد سلسلة -لضمان الاستناد إلى الشريعة- أقوى من هذه السلسلة؟!..

 

94. إن هناك من يبدى أشواقا وابتهالا، لتعجيل فرج الإمام المهدي (ع)، ويتمنى اللقاء به قبل عصر الظهور.. ولكن هل فكر أحدنا في نتيجة ذلك اللقاء، من صور العتاب والتوبيخ، لما نحن فيه من المخالفات الكبيرة لخط الإسلام، ومنها: حبس الحقوق المالية في زمان الغيبة، من خلال الامتناع عن دفع الخمس، الذي تفرج به الكثير من الكروب، وخاصة في زمن الشدائد وضيق الخناق على المستضعفين من المنتظرين لدولته الكريمة.. فلنتأمل في هذا النص الوارد عن الحجة (ع)؛ لئلا نعد من هذه الزمرة: (لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على من أكل من مالنا درهما حراما) و (ومن أكل من أموالنا شيئا، فإنما يأكل في بطنه نارا، وسيصلى سعيرا).

 

95. إن معظم الفتاوى الفقهية قائمة على صرف مقدار كبير من الخمس -وأقله النصف- على يد المكلف نفسه.. فكم من الجميل أن يؤدي الإنسان ما عليه من الحق الشرعي، إضافة إلى اللذة الوجدانية التي يعيشها عندما يرى بعينية بسمة على ثغر ملهوف من ذرية النبي (ص)، أو بنيانا يشاد ليكون صدقة جارية له بعد موته، حينما يكون أحوج ما يكون إلى الدرهم الواحد!..

 

96. إن النصوص المختلفة تؤكد على أن الله- تعالى- يبارك في الأموال التي يخرج منها الواجب الشرعي، ولا يلازم ذلك الزيادة العينية.. فإن مباركة الله -تعالى- لا تنحصر في هذا المعنى، بل من صور المباركة أن يفتح الله -تعالى- للعبد قنوات السعادة في نفسه وأهله وذريته، من حيث لا يحتسبه العبد.. أوَ ليس المسيح (ع) طلب من ربه أن يكون مباركا أينما كان؟.. والحال أنه يعد من نوادر الزهاد على وجه الأرض!.. وفي المقابل فإن صور الخذلان معروفة، فيمن يكسب المال الحرام.. ومن غرائب الأمور ما نقل: من أن الذهب الذي أخذه القوم من آل فرعون، هو الذي تحول إلى عجل يعبد من دون الله تعالى!..

 

97. نقترح على كل من يريد سهولة المساءلة يوم الحساب: أن لا يدع الحسابات المالية تتراكم عليه، ليحل عليه أكثر من حول من دون إخراج الحق الإلهي منه.. فإن الشيطان قد يحول بينه وبين ذلك، إذا كان المجموع المتراكم كثيرا يصعب على نفسه إخراجه.. ومن ناحية أخرى، فإننا نلفت النظر إلى أن المهم هو: احتساب ما هو المستحق وتحديده أولا، ولا يهم بعد ذلك عدم الإخراج إذا لم يكن مستطيعا.. فإن الشريعة سمحة سهلة، فيمكنه التقسيط في ذلك ليجمع بين خير الدنيا وخير الآخرة.. ولك أن تتصور جزاء من أقرض الله -تعالى- قرضا حسنا، ليكون ذلك غاية التلطف في دعوة العباد إليه، أومن الإنصاف مخالفة هذا الرب الودود؟..

 

98. إن من المسائل التي تقلق التائبين في حركتهم الصعودية إلى الله -تعالى- هو: إحساسهم باليأس لما يرونه من خيانة قوة المقاومة لديهم، عندما يواجهون المنكر الذي تركوه، بعد إحساسهم بالندامة مباشرة بعد ارتكاب ذلك المنكر.. وبذلك تمر عليهم فترة من ربيع العمر الذي يتم فيه زرع الآخرة، وهم يتأرجحون بين المعصية والتوبة.. ومن الواضح أن هذا الأمر لا يستقيم إلى الأبد.. فإما: إدمان المنكر، أو التوبة النصوح!..

 

99. إن ضعف النفس الإنسانية أمام مثيرات الشهوة، مثلها كمثل مركبة فضائية، اقتربت من دائرة الجاذبية الأرضية، مما جعلها تفقد توازنها، متجهة إلى الأسفل، مرتطمة بالأرض.. والحال أن طريق السلامة يتمثل في الحركة ضمن دائرة الأمان، وذلك بعدم الاقتراب من المواضع، التي يفقد الإنسان فيها سيطرته على نفسه.. والملاحظ في هذا المجال: أن القرآن الكريم نهى عن الاقتراب من الزنا، ليشمل النهي بذلك عن المقدمات البعيدة لها أيضا من: النظر، والخلوة، وما شابه ذلك.

 

100. نظرا إلى أن الإنسان بطبيعته، متأثر بالجو الاجتماعي الذي يحيط به -وخاصة الأسرة- فإنه لا يمكن إنكار تأثير سلوكيات الأطراف المحيطة بالإنسان.. ولا يمكن للفرد من ناحية: قطع العلاقة بمن حوله، ومن ناحية أخرى: لا يمكنه التفريط بحالة اليقظة الروحية التي يعيشها.. إذ لعل هذه الحالة لا تعود إليه ثانية!.. فيرجع إلى الوراء، ليكون أسوأ مما كان عليه سابقا، إذ أن الإدبار بعد الإقبال خطير جدا!..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج