100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن من موجبات إفساد الأولاد: اختلاف الأبوين في نمط التربية، إذ أن من الخطأ الفادح أن يتقمص أحد الأبوين دور الشفيق المدلل، والآخر دور الحازم القاطع.. فإن الولد يميل بطبعه إلى الأول، وبالتالي تتحقق في صغره حالة من الجفوة تجاه الثاني.. ولا بد من الالتفات هنا إلى ضرورة التوسط بين حالتي: الدلال، والحزم.. فلكل من الأسلوبين حسناته وسلبياته، ولكل عمر طبيعته الخاصة به.. ولا بد من التفريق بين الخطأ الذي لا يصل إلى حد الحرام فيكفي فيه الإرشاد، وبين الخطأ الذي يساوي المنكر فلا بد فيه من الوقوف بحزم وقوة.. وإلا ذابت هيبة الحرام في نفس الناشىء، ليتدرج من صغيرة إلى كبيرة ، ومن كبيرة إلى موبقة!..

 

2. إذا أردنا أن نفترض ضرة للأبوين، فإن من يمكن أن يكون كذلك؛ هم أصدقاء الولد.. فتقارب السن، واشتراك الاهتمامات، واتحاد الدوافع الغريزية، وتهييج وسائل الإعلام المفسدة؛ كل ذلك من العوامل التي تسوق الولد سوقا إلى اتخاذ بطانة سوء، بهم تذهب أتعاب سنوات من التربية أدراج الرياح.. ومن الغريب حقا أن يجنب الأبوان كل ما فيه إضرار بصحته الظاهرية، بل البعض يبالغ في الاهتمام ببشرة الولد مثلا.. والحال أنهما يتركانه ليكتشف صديق السوء، ومظاهر الإفساد في الشارع، وكل مفردات الإفساد في نفسه.. ولو كشف الغطاء للعبد لتمنى حرمانه من ذرية، تكون سببا للتعاسة في الدنيا، والشقاء في الآخرة.

 

3. إن من المناسب أن يذكر رب الأسرة نفسه، بأن ماله وثمرة كده وجهده في سنوات طويلة، سيصب أخيرا في حساب ولده، وخاصة إذا كان هذا المال نتيجة صرف سنوات من ريعان شبابه في أشق المهن: كالغوص في البحار، بحثا عن لقمة العيش!.. أوليس من المنطق أن يفكر الإنسان -تفكيرا منطقيا- فيمن سيستلم ثمار سنوات الكدح!.. وذلك في ليلة واحدة: أي ليلة موته لينتقل إلى عالم مجهول موحش.. والحال أن الولد قد يعيش بتلك الثروة -نفسها- منتقلا من لذة إلى أخرى، ناسيا أن أباه المسكين، يستصرخه في إهدائه حسنة واحدة من عرق جبينه، لينقذه من عذاب أليم!..

 

4. إن من الملفت حقا أن يكون إنبات بذرة إلى مرحلة الإثمار، محتاجا إلى علم وتخصص في سنوات بما يعرف بالهندسة الزراعية، ليتم التعرف على شيء من أسرار عالم النبات، والذي لا يعد شيئا أمام تعقيدات النفس الإنسانية.. أفلا تستحق تربية من هو بمثابة الجزء الذي لا ينفك من الإنسان، إلى دراسة وبحث ولو على مستوى العموميات؟!.. ولماذا لا نحاول -وخاصة الطبقة المثقفة- أن يكون لنا رصيد يعتد به في هذا المجال، إذ كيف يمكن تحقيق التربية النموذجية، من دون علم بأدنى قواعد هذا العلم، الذي يتناول أعز شيء في عالم الوجود، إلا وهي النفس التي بين الجنبات؟!..

 

5. إن المؤمن يفكر دائما في لوازم العبودية في كل فصول حياته، وعليه فمع بداية فصل الصيف -وهو من أكثر الأوقات هدرا وضياعا في السنة، لعدم وجود برنامج متكامل يتزود الإنسان من خلاله لدنياه أو آخرته- لا بد للإنسان من أن يبحث عن مقتضى العبودية لله -تعالى- في هذا الفصل أيضا، والذي يعد ربع أيام سنته.. وقياسا إلى ذلك فإن مجموع هذه الأشهر في سنوات متتالية، يعد ربع سنوات عمره.. ولك أن تتصور فداحة الخطب عندما يصرف العبد ربع سنوات عمره، فيما لا يعود بنفع له في دنياه ولا في آخرته.. أو ليس هذا هو الخسران الموجب لندامة الأبد؟!..

 

6. إن من البرامج الشائعة في فصل الصيف؛ الانتقال من بلد إلى بلد، أو ما يعبر عنه بالحركة السياحية.. وهي حركة إيجابية في حد نفسها كما لا ينكر، ولكن لا بد من صبها في القالب العام لحركة العبودية لله تعالى، فليس هناك نشاط للعبد، ليس للشارع فيه رأي وهدف!.. فهل حاولنا أن نتلمس المعالم الإلهية لهذه الحركة، التي تتم غالبا في جو من الغفلة والاسترسال فيما يطابق الهوى فحسب، من دون استثمار حقيقي لما هو خالد أبد الآبدين.

 

7. إن من الملفت حقا أن القرآن الكريم حينما يستعمل كلمة السياحة، فإنه يجعل ذلك في سياق عبادي متكامل، يبدأ من الجهاد في سبيل الله تعالى، وينتهي للعبادة الفردية بين يديه.. فتأمل في هذا النص القرآني الذي استعمل فيه تعبير السياحة حيث يقول: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.

 

8. إن القرآن الكريم يدعو أتباعه للحركة الجغرافية والتأملية في الأرض قائلا: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.. وعليه، فلا يكفي الانتقال من بلد إلى بلد، كانتقال الآلات الصماء، وإنما يطلب تلك الحركة الواعية المتأملة.. حيث ينتقل الإنسان فيها من المقدمات إلى النتائج، ومن القشرة إلى اللب، ومن الظاهر إلى الباطن.. فبدلا من النظر إلى المعالم البائدة للأمم السالفة -لمجرد التنزه- فإن الإنسان ذا البصيرة في الحياة، يتأمل في عواقبهم، لا فيما كانوا فيه.. وذلك عندما يرى زوال كل مظاهر القدرة والعزة الظاهرية، واستحالتهم إلى التراب في القبور: حيث الحفرة من حفر النار، أو الروضة من رياض الجنة.

 

9. إن هنالك مجموعة من الدروس الفقهية التي لا بد من استيعابها قبل السفر، إذ أن الجاهل بتلك القواعد، من الممكن أن يخل بواجب العبودية لربه.. فالملحوظ أن البعض يتحلل من أداء بعض الواجبات عند السفر وخاصة الفريضة، بل قد يصل الأمر إلى التفريط في الصلاة!.. وعليه، فإن أهم عدة للسفر هو التهيؤ التام لأداء الفرائض في أول أوقاتها، مع مراعاة شروط القبلة، والوقت، والطهارة، وغير ذلك.. فإن الإنسان ينكشف جوهره في هذه المقامات، حيث تنتفي الرقابة الاجتماعية، ويغلب على الإنسان جو الاسترخاء والاسترسال.

 

10. لا بد من أخذ الحيطة المضاعفة بالنسبة للأحداث، الذين طالما اكتسبوا الصفات المنحرفة من خلال السفر إلى البلاد المنحرفة.. وكم من المؤسف حقا أن يزج ولي الأمر -وهو الراعي لرعيته- فلذات كبده في مستنقع من الرذيلة، وذلك بأمواله التي جعله الله -تعالى- مستخلفا عليها.. وكذلك لا بد من أخذ الحيطة الشديدة، لعدم التفريط في حد من حدود الله -تعالى- وخاصة بالنسبة للحجاب الشرعي، وقواعد التعامل بين الجنسين.. فإن الكثير يتحلل من هذه القيود عندما يخرج من بيئته المحافظة، وكأنه غاب عن نظر مولاه!..

 

11. إن المؤمن موجود حكيم في كل تصرفاته، والحكمة هي وضع كل شيء في موضعه.. فإذا كان لا بد من السفر، فلا بد من الدقة في اختيار البلاد التي لا تفسد على الإنسان دينه، وفي اختيار الرفقة الذين طالما يسول الفاسد منهم المعاصي لصاحبه، وخاصة في المواضع التي تسلب العاقل لبه، كبعض المنتجعات المفسدة.. فكما أن التعرب والاستقرار الدائم في بلاد الكفر خلاف سياسة الشريعة بشكل عام، فكذلك السفر إلى تلك البلاد التي لا يضمن العبد التزامه بقواعد العبودية، فإنه أمر غير راجح قطعا.. وهل خلت بلاد المسلمين من مواطن، يجمع فيها الإنسان بين خير الدنيا والآخرة حيث: جمال الطبيعة، ومشاهد العبادة؟..

 

12. من الغريب أن البعض يتستر على ما يجهله من أمور الدين، بدعوى الخجل والاستحياء.. والحال أنه لا يجد ضيرا في مراجعة الطبيب، وإن استلزم الكشف على بعض بدنه.. أوَ ليس الاهتمام بما فيه سعادة الأبد، مقدم على ما سواه؟..

 

13. إن الكثير هذه الأيام يشتكي من مشكلة "غلبة الحدة والانفعال في مواجهة الآخرين" حتى أننا نرى مثل هذه العلاقة بين من لا نتوقع منهم ذلك كـ: حدة الأولاد على الوالدين، وكذلك الحدة بين الزوجين حديثي العهد بالاقتران.. ومن المؤسف أن نجد أن هذه الحالة تدمر الكيان الأسري، رغم أن مناشئها في كثير من الحالات لا تتعدى الأمور التافهة في الحياة.. وهذا تحذيرنا دائما للمتعاشرين: احذروا الغضب الأول؛ فإنه يريق ماء الوجه، والجرة المجبورة بعد الكسر لا تقاس بالجرة السليمة.

 

14.  تصور إنسانا يريد أن يقود سيارة لا فرامل لها ولا مقود، فهل يمكن أن تستقيم على الطريق؟.. إن الإنسان الذي لا يرى سيطرة لنفسه على نفسه، لهو إنسان في معرض فقد عقله في ساعة الانفعال.. ومن المعلوم أن بعض صور الخروج عن الطور العادي، لا يمكن جبرها أبدا!.. فتوهين المؤمن في بعض الحالات، لا يمكن جبره حتى بالاعتذار.. وكثيرا من العقد الاجتماعية والحرمان في الرزق، تنشأ من تجاوز الحدود في هذا المجال.. لأن الله -تعالى- سريع الانتصار لعبده المؤمن، إذا كان مظلوما!..

 

15. إن من الواضح اختلاف طبائع العباد بشكل حاد في كثير من الحالات، فإذا اضطررت إلى معاشرة من لا انسجام له مع طبيعتك، فإن الحل لا يكون دائما في إجبار الطرف المقابل على أن يكيف نفسه على وفق مزاجك.. بل المطلوب أن تمتلك قدرة على تحمل الطرف المقابل: مداراة تارة، وإرشادا تارة، وتغافلا تارة أخرى.. فإن المواجهة المباشرة، لا تزيد الأمور إلا تعقيدا، وتبلغ المشكلة أوجها عندما يجد الإنسان في نفسه نفورا تجاه الطرف المقابل.. وحينئذ لا يمكن الاجتماع معه تحت سقف واحد، أو هل يمكن دائما أن نقطع صِلاتنا بأشخاص كالزوجة والأرحام؟..

 

16. إن من قواعد التعامل في أجواء الانفعال: أن تلقن الطرف المقابل أنك لا تتكلم معه من منطلق اللجاجة والخصومة والانتصار للذات، بل من منطلق الوصول إلى الحق.. فإن اعتقاد الطرفين أنهما يبحثان عن الحق؛ يخفف كثيرا من أجواء الفتنة والتضارب في الآراء.. والقرآن الكريم ذكرها حقيقة واضحة: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.. ويا ليت الذين يتخاصمون في أمور الحياة، يحتكمون إلى العقل والشريعة، أوَ هل هناك حكم خير منهما؟!..

 

17. إن الإنسان مخبوء تحت فلتات لسانه، فالإنسان مهما حاول التظاهر بخلاف مزاجه، إلا أنه ينفضح من أسارير وجهه ونبرات قوله.. وعليه، فلا بد من تصفية النية والوجدان عند الانفعال، فإن المنفعل محكوم عليه بسوء النية عند الطرف المقابل، إلا أن يثبت العكس.. ومن الواضح أن الذي لديه موقف نفسي منك؛ لا يمكنه أن يقبل النصيحة، بل من الممكن أن يرتكب خلاف القول لمجرد إثارة الغيظ والانتقام منك.

 

18. لا بد من تقديم الفكرة للطرف المقابل في طبق عاطفي محبب.. فإن كلمة واحدة تنم عن الحب والتقدير؛ تفتح قلب الطرف المقابل، بما يغنيك عن كثير من الكلام والموعظة.. فلاحظ كيف أن القرآن الكريم قبل تكليف المؤمنين بشيء يمهد ذلك بـ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} و{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} و{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}.. فلماذا لا نتأسى بالرب الودود في ترقيق لحن الخطاب، والدخول إلى القلوب من خلال المنافذ المحببة!..

 

19. إن من المجربات: أن الذي يكظم غيظه؛ الله -تعالى- يحشى جوفه نورا.. يراه الإنسان بوضوح عندما يتعالى على مقتضى طبيعته الثائرة، فلا يظهر ما يغلي في داخله من الغضب.. خوفا من أن يزل في القول، فيثير عليه غضب رب العالمين.. ولا تنس أن الله -تعالى- طالما عفا عنا، رغم اكتمال كل موجبات الانتقام؛ إلا أنه يمهل عبده، لعله يعود إلى رشده.. فهل حاولنا أن نتأسى بهذا الأدب الإلهي؟..

 

20. إن المؤمن الكيس الفطن، هو الذي يراقب كل تصرفاته، سواء على مستوى الأقوال أو على مستوى الأفعال.. ولينظر نظرة فاحصة لمن يتكلم: لرضا الرحمن، أو لرضا الشيطان؟.. فإذا رأى أنه قد تكلم لرضا المنان؛ نال الجنان.. وإذا تكلم للشيطان؛ فقد استحق الخلود في لظى النيران!..

 

21. إن الله -عز وجل- قد حصن ذات المؤمن من العيوب والذنوب، فذات المؤمن طاهرة؛ لأنها مؤمنة بالله عز وجل..أما الجوارح فهي العاصية المخطئة في كل الأحوال، فالأولى بالمؤمن ترك ذكر عيوب الناس؛ لأنه بشغل دائم في عيبه عن ذكر عيوب غيره.

 

22. إن المؤمن الحذق لا يتعامل مع الناس بالصور الذهنية الزائفة، بيد أن غالب الناس لا يتعاملون بالصورة الظاهرية الحسنة للغير؛ وذلك لغلبة التعامل مع الصورة الخيالية الكاذبة، والتي تجعل اللسان يخوض في أعراض الناس بالباطل.. لذا فمن المستحسن ترك تلك الصور الخادعة، وجعل الواقع هو الحاكم في البين.

 

23. إن بعض الغافلين عن ذكر الله، والمبعدين عن ساحة رضاه عز وجل، يرون في قلة الكلام نوعاً من التبرم الباطني والتقوقع الروحي.. لذا فإنهم يرون في كثرة الكلام لذة ومتعة، غافلين عن بعض الأضرار الناجمة من كثرة الكلام، والتي أشارت إلى هذه الحقيقة بعض الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، والتي مضمونها: (إذا وجدت قساوة في قلبك، وحريمة في رزقك، وسقماً في بدنك.. فانظر لعلك تكلمت فيما لا يعنيك).. لذا فمن المستحسن، ومن باب أولى بالمؤمن أن يترك كثرة الكلام، وأن يترك الخوض في بعض الأمور التي لا تعنيه؛ ليحفظ لسانه من أذى نفسه، وأذى الناس من حوله.. وليكون هادفاً في كلامه، وفي تصرفاته، وأفعاله.

 

24. إن الكذب من الأمور المحذورة شرعاً، وهي من كبائر الذنوب المحرمة.. وللكذب نوعان: كذب صريح، وكذب مبطن.. وقد يكون الكذب المبطن أشد شراً من الكذب الصريح؛ لأنه يوقع في العداوة والبغضاء في القلب، قبل أن يوقع موقعه في الأسماع.. لذا فالحري بالمؤمن ترك الكذب وسفاسف الأمور؛ لأن ذاته الطاهرة قد ارتبطت بالمولى سبحانه وتعالى، فهي بحصن حصين في الخوض بالأمور المحرمة والمحذورة، لينعم باللقاء الإلهي الموفق.

 

25. إن مشكلة السائرين، ليست غالبا في عدم معرفة الحكم الشرعي؛ لأن ذلك مما يمكن كشفه، بمراجعة الفقيه الجامع للشرائط.. وإنما المشكلة في تشخيص الأمور الخارجية كـ: تقييم من يصلح معاشرتهم، وكمعرفة الأسلوب الأمثل في التعامل مع الغير شدة أو رفقا، وكمعرفة المصلحة في الإقدام أو الإحجام في مختلف شؤون الحياة، والتي هي ليست قليلة في حياة الفرد.

 

26. إن القران الكريم جعل من مصاديق الذين أوتى الخير الكثير هو: لقمان الحكيم والذي لم يكن نبيا، بل كان حبشيا.. وهنا تكمن الحقيقة الملفتة وهي: أن الوصول إلى تلك الدرجات العليا، لا تحتاج إلى مقامات خاصة كـ(النبوة، والوصاية).. وإنما الأمر يحتاج إلى وجود أرضية قابلة لتلقي الفيض الإلهي الذي لا بخل فيه، إذ أن المنع من قبل العبد المسكين، الذي يعيش العطش القاتل وهو على الساحل.

 

27. إن لقمان الحكيم جمع بين سلوكه المعنوي: المتمثل في الرقابة، والاستحضار الدائم للمعية الإلهية.. وبين حركته الإصلاحية في المجتمع، وذلك مما يفهم من هذا النص الوارد عن الإمام الصادق (ع): (ولم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان؛ إلاّ أصلح بينهما).. وهذا كله بخلاف من يجعل التقرب إلى الله -تعالى- ذريعة لاعتزال المجتمع، وترك خدمة الناس، وكأن الخلق موجودات مقابلة للخالق.. والحال أنها صادرة منه، لا في قباله.

 

28. عندما عرض على لقمان مقام الخلافة في الأرض، فإنه فوّض الأمر إلى الله تعالى، معللا ذلك: أنه لو أراد له هذا المنصب، فإنه سيعينه على ذلك قطعا.. فهذا المنصب مع كونه مغريا في أعلى درجات الإغراء، إلا أن لقمان لم يطلب ذلك بشكل قاطع، لعدم علمه بعواقب الأمور.. وهذا درس بليغ لمن أراد المقامات المعنوية: فإن عليه أن لا يصر في طلب شيء منها، بل عليه العمل بمقتضى واجب العبودية، تاركا إعطاء الامتيازات بيد الحكيم الخبير.

 

29. إن الله -تعالى- لما رأى القابلية في لقمان لتلقي الحكمة؛ فإنه وهبها -على عظمتها- في ليلة واحدة.. وفي هذا درس بليغ: إذ أن البعض يجاهد نفسه، وقد لا يرى أثرا لذلك، مما يدعوه إلى الإحباط واليأس؛ غافلا أن الله -تعالى- سوف يفجر له ينابيع الحكمة، لو شاء في مدة ليست بالحسبان!.. ولكن العجب أن الإنسان خلق من عجل!..

 

30. إن التسديد الإلهي المذهل ليس خاصا بعالم البشر، فهناك في عالم الحيوان ما يقرب من الإعجاز في هذا المجال.. ومن مصاديق ذلك ما نراه في سمكة السلمون، التي تجوب المحيطات في رحلة العودة إلى مواطنها التي قد تستغرق أربع سنوات.. متحركة عكس اتجاه الشلالات، مهتدية إلى موطنها، بفعل خاصيتها الفريدة من معرفة القطب الشمالي.. أضف إلى حفظها لرائحة الأنهار التي قطعتها ذهابا، لترجع إلى وطنها إيابا، متذكرة تلك الروائح الخافية على الآدميين.. فما هي الدروس الكامنة في ذلك؟..

 

31. إن الدرس الذي يمكن أن نأخذه من سمكة السلمون: أولاً: أن الأمر يحتاج إلى عزم راسخ، فهذه السمكة لها من العزيمة ما تجعلها تنصرف عن الأكل، وهى سابحة للوصول إلى هدفها.. ثانياً: أن العزيمة الصادقة، من آثارها السعي الحثيث، فليس الأمر بالتمني -كما عند البعض- فيتغنى بالكمالات العليا من دون أن يقدم في عالم المجاهدة شيئا.. وثالثاً: أن التسديد من الخالق خير رفيق للمخلوق، بل لا يمكن أن يصل العبد إلى درجة من درجات التوفيق، إلا إذا اختار المولى له ذلك.. أوَ يحسن بعد ذلك أن نعرض عمن بيده مقاليد السموات والأرض؟!..

 

32. إن من المصاديق الملفتة في القرآن الكريم هو لقمان الحكيم، الذي استطاع بجهده وجهاده من تخليد ذكره في التاريخ.. وهذا جواب عملي لمن يتذرع بعدم وجود من يأخذ بيده، فإن لله -تعالى- عبادا صالحين في كل بقاع الأرض -حتى التي يغلب عليها الكفر والفساد- فيحتج بهم في مقابل من يتذرع بجبر الزمان والبيئة، وما شابه من الأعذار .. فالأساس في الأمر هو السعي الدائب لتلقي الألطاف الإلهية.. إذ أن الله -تعالى- نسب إلقاء الحكمة إلى نفسه، فهو المؤتي للحكمة لمن رآه أهلا لذلك، فلا قرابة بينه وبين أحد من خلقه!..

 

33. إن القرآن الكريم لخص الحكمة وفسرها: "بالشكر"، لأنه يستلزم معرفة المنعم أولاً، وما أنعم به من النعم ثانياً، ومعرفة كيفية التصرف بتلك النعم على ما يحب ويرضى ثالثاً.

 

34. لإن مشكلتنا هي: أننا ما حاولنا التعرف على مصدر هذه النعم الغامرة في الوجود، فعشنا هذه الحالة من اللاوزن.. بحيث بات كل شيء يشغلنا ويقلقنا، وصار مثلنا كمثل الغريق الذي يتشبث بكل حشيش!.. وهذا جزاء من يحاول الخروج عن سلطان من له، وبه، وإليه، ومنه الوجود.

 

35. إن العبد الذي لا مراقبة له، لا يؤمن منه الزلل في يوم من الأيام.. والعبادة الكثيرة والتاريخ الطويل من التعبد؛ كل ذلك لا يشفع للإنسان الذي من الممكن أن يزل قدمه في موقع من مواقع الاختبار: فيفقد به حاضره، ويفسد به مستقبله، وقد يحبط بذلك ماضيه.. وما بعض صور الخذلان التي نراها عند البعض، إلا من وراء الغفلة في هذا المجال.. ويبدو أن زمان الغيبة مليء بالانتكاسات الروحية والعقائدية، وخاصة كلما قرب من عصر الظهور.

 

36. إن هناك أمرين يكمل أحدهما الآخر: ألا وهو السلوك الفردي مع الله تعالى، متمثلا في إقامة الصلاة بحدودها، إذ أن كل شيء تبع للصلاة -كما يفهم من النصوص الشريفة-.. ومن ناحية أخرى الاهتمام بالسلوك الاجتماعي، متمثلا بمراقبة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، فلا يفقد حالة الحساسية من المنكر -وخاصة في دائرة القريبين منه-.. فإن من ترك ذلك، ارتفع قبح المنكر من عينه، ومن هنا سهل عليه الدخول في المنكر يوما ما.. وهذه من دواعي النهي عن الهجرة إلى البلاد التي يعم فيها الفساد؛ خوفا من زوال قبح المنكر، ولو خطوة فخطوة.

 

37. إن القرآن الكريم لا يستعمل القسم إلا في موارد التأكيد والأهمية.. وهذا أيضا مما يثير بعض دواعي الأسف، وذلك لأن البعض قد لا يعيش المستوى اللازم من اليقين بالحقائق التي يذكرها القرآن الكريم، ولعله من هذا المنطلق، يقدم القرآن المجيد الأقسام المتوالية، لإثارة دواعي الاستيعاب في هذا الإنسان الظلوم الجهول!..

 

38. إن من السور المتناولة للسنن الإلهية في هذا الوجود -وخاصة بالنسبة للظالمين- هي سورة الفجر.. فهذه السورة تبين سير الحضارات التي بلغت في عصورها أوج التقدم بحسب ذلك العصر، ولكن الله -تعالى- بإرادته -التي لا يقف أمامها شيء- جعل أمرها إلى الزوال والفناء؛ لأنها كانت تستمد قوتها من موارد الطبيعة الفانية كالجبال والصخور!.. وها هي مدنية اليوم أيضا تستمد أيضا قوتها المزعومة من قوة الذرة وما شابه ذلك؛ ناسين أن ذلك كله من الخلق الإلهي، الذي لو شاء لسلب منه خاصيته.. فإن علة الإحداث هو بنفسه علة الإبقاء، وهل خرج ما خلقه بيده من سلطانه؟..

 

39. إن القرآن الكريم عندما يقرر حقيقة إهلاك الأمم السابقة، يستعمل كلمة "المرصاد"، وهو يشعر بأن الله -تعالى- يراقب كل أحداث هذا الوجود، الذي لا وزن له أمام سلطانه.. والحال أن طواغيت الأرض غافلون عن هذه الرقابة، ومن هنا يكون الأخذ الإلهي شديدا لهم، وذلك لعدم توقعهم وجود سلطة أخرى فوق سلطتهم.. أوَ هل كان فرعون المدعي لربوبية العباد، يتوقع مصيره الأسود حيث استغاث برب موسى (ع) حال الغرق؟!.. أو هل كان يتوقع أن يكون لقمة سائغة للبحر الذي جذبه إلى فخه، ليمشي برجليه إلى حتفه؟..

 

40. إن خير سبيل لإخراج العبد من حالة الغفلة التي تجعله يقتحم الحرام اقتحاما -وكأنه حر فيما يعمل كحرية البهائم- هو تذكر ما ذكره القرآن الكريم في سورة الفجر من الحالة المأساوية التي يعيشها العبد يوم القيامة، حيث يعيش الحسرة القاتلة، متمنيا تقديم شيء لتلك الحياة، وذلك عندما يرى أهوال الجحيم التي سيكون مسكنه الأبدي أو المؤقت.. والعبد إذا استحضر نهايته الأكيدة دائما، فإن الحرام بكل أنواعه سيفقد بريقه الكاذب، إذ لا خير بعده النار بخير!..

 

41. إن من أرقى أماني العبد في هذه الحياة الدنيا، هو أن يصل إلى مرحلة النفس المطمئنة، التي لا يمكن أن يعكر صفوها شيء.. وذلك لإحساسه بأن المحامي الأكبر له هو من بيده الوجود بدء وختما.. إن الطريق للوصول إلى هذه المرحلة، يبدأ من حالة رضا العبد بما قدر له مولاه أولا، ورضا العبد بما رسم له في الحياة فعلا وتركا ثانيا.. فإذا رأى المولى عبده صادقا في هذا الطريق: ارتضاه لنفسه، وصنعه على عينه، وتكفله برعايته.. أو يبقى بعد هذا الاصطفاء الإلهي ما يقلق في هذه الحياة؟..

 

42. إن التعبير بـ{ارْجِعِي} يعد من أروع التعابير القرآنية!.. فإننا جئنا من الله -تعالى- بمعنى من المعاني، وقد خلقنا من نفحاته الخاصة، لنكون جليسا له عند مناجاته، وناصرا لدينه عند مجاهدة أعدائه!.. وقد أراد منا أن نرجع إليه على نور الفطرة، كما أرسلنا إلى هذه الدنيا بنور الفطرة نفسها.. ولكن مسكين بني آدم، حيث أرجع الأمانة وهو خائن لها، حيث أطاع كل شيء سوى مولاه!.. وكم من الفرق بين من يحرقه خالقه بنار غضبه، وبين من يقول عنه: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}!.. أوَ هل فكرنا في هذه الجنة التي نسبها القرآن الكريم إلى الله -تعالى- مرة واحدة في خصوص هذه السورة، حيث يقول: {جَنَّتِي}؟!.. نعم إنها جنة النفوس المطمئنة، لا اللوامة ولا الأمارة.

 

43. إن لكل ظاهرة في هذا الوجود، قواعد يتحكم العباد في قسم كبير منها بإذن الله تعالى.. والدعاء ظاهرة من هذه الظواهر، فلها قواعدها وموجباتها وموانعها.. والإلمام بذلك مما يعين العبد على الاستجابة السريعة، وقد تطرقت النصوص الشرعية إلى كثير منها.

 

44. إن اليقين بكرم الله -تعالى- وحسن الظن به، من دواعي إجابة الدعاء، فقد أمرنا حين الدعاء: أن نظن أن حاجتنا بالباب.. فلنتصور مدى يقين من يرى أن حاجته بالباب، ولا يفصله عنها إلا المفتاح الصغير الذي يفتح به الأبواب الكبيرة.

 

45. إن أمواج البلاء تدفع بالدعاء قبل أن تغمر العبد، فمن الواضح أن أثر الدعاء في الرخاء لدفع البلاء المقدر، ادعى للاستجابة بعد التورط في الشدائد.. إذ الأول يكشف عن حالة الاعتماد على الرب في جلب العافية.. وإلا فإن كل متورط يبالغ في الدعاء، ولو كان بعيدا عن ربه!..

 

46. لا شك أن الدعاء من مقتضيات الإجابة، إلا أن العبد العاصي، يؤخر إجابة الله -تعالى- له، بارتكابه الذنب من حيث لا يريد.. ولله -تعالى- كما ورد فضول من الرزق، يكتبها الله لمن يشاء، إلا أن العبد يذنب -كما ورد عن النبي (ص)- فيحرم بذنبه الرزق، فمن المقصر في هذه الحالة؟..

 

47. كمن من الجميل أن يدعو الإنسان ربه في ساعة خلوة، وفي مكان خلوة أنسا بمولاه، من دون حاجة تدعوه إلى ذلك.. فقد كان إبراهيم (ع) أوّاها حليما، وقد ورد في تفسير الأواه عن الباقر (ع): (المتضرّع إلى اللَّه في‏صلاته، وإذا خلا في قفرة من الأرض وفي الخلوات)..

 

48. لا ينبغي أن يحصر الإنسان طلبه من الله -تعالى- بالحوائج الكبيرة، فإن الله -تعالى- أمر نبيه موسى (ع) أن يسأله كل ما يحتاج إليه، حتى علف شاته وملح عجينه.. ومن الواضح أن هذا تعويد على كثرة الارتباط بالله تعالى، والرجوع إليه في كل صغيرة وكبيرة؛ لئلا يرى العبد نفسه مستغنيا عن ربه في مرحلة من مراحل حياته، وهذه أولى خطوات الطغيان!..

 

49. ينبغي أن يكون العبد في هيئة مناسبة للدعاء من: التطيب، واستقبال القبلة، والتطهر، ودفع الصدقة، والإقبال بالقلب، والبكاء أو التباكي، وتكرار الدعاء إلى حصول الإجابة، وتقديم الأخوان، والتعميم في الدعاء.. فما المانع أن يدعو العبد ربه بصيغة الجمع، بدلا من صيغة المفرد، وهو لا يكلفه إلا تغيير الضمير في عالم اللغة؟..

 

50. إن الروايات الشريفة قلما عبرت عن الله -تعالى- بأنه يستحي من شيء، ولكن عندما يصل الأمر إلى إجابة الدعاء ذكرت مثل هذا التعبير!.. فتأمل في هذا الحديث لتزداد يقينا على يقين، بلطف المولى وكرمه.. فقد ورد عن الباقر (ع): (ما بسط عبد يده إلى الله -عز وجل- إلا استحى الله أن يردها صفرا، حتى يجعل فيها من فضله ورحمته ما يشاء.. فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده، حتى يمسح بها على رأسه ووجهه).

 

51. إن هنالك تفسيرا غريبا في بعض النصوص لتأخير الإجابة، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على عمق محبة الله -تعالى- لعباده الداعين، وهو الغني عنهم.. فهل تصدق أن الله -تعالى- يؤخر الإجابة -رغم صلاح الأمر- لأنه يحب أن يسمع صوتك؟!.. فقد ورد: (إنّ الله -عزّ وجلّ- ليؤخر إجابة المؤمن؛ شوقاً إلى دعائه، ويقول: صوت أُحب أن أسمعه، ويعجل دعاء المنافق، ويقول: صوت أكرهه).. فهل بعد ذلك حنان فوق ذلك؟..

 

52. كم من الخسارة حقا أن يكون الإنسان فارغا معافى، ولا يكلف نفسه ذكر مولاه، وهو الذي سيذكره في ملأ خير من ملأه!.. وكم هي الساعات الضائعة في حياتنا انتظارا لأمر، أو سياقة لدابة، أو تقلبا على فراش!.. أوَ لا يشملنا قوله (ص): (أكسل الناس: عبد صحيح فارغ، لا يذكر الله بشفة ولا لسان).

 

53. ورد التأكيد على ألا نجعل مجالسنا -والتي تكلفنا في بعض الحالات الكثير من المال وساعات العمر الغالية- من مصاديق الوبال يوم القيامة، فقد ورد عن النبي (ص): (ما من قومٍ اجتمعوا في مجلسٍ: فلم يذكروا الله، ولم يصلّوا على نبيهم؛ إلا كان ذلك المجلس: حسرةً، ووبالاً عليهم).. أولا تكفي مثل هذه الحسرات عذابا يوم القيامة؟!..

 

54. إننا نعتقد بأن تأثير القول مستند إلى مباركة الله عز وجل، ولاسيما إذا كان في بيت من بيوته، وفي يوم جمعة، فهو الذي يجعل لتلك الكلمة أثراً.. إذ (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- يقلبها كيف شاء).

 

55. إن البعض يشتكي من فقدان السيطرة في مجال الشهوات، والحال بأنه هو الذي أوقع نفسه في هذه المشكلة، بجعلها في موضع الإثارة.. ومن المعلوم أن مثل هذه الأمور بعض الأوقات لا تحل بالموعظة، إذ أن هنالك غددا تصب إفرازاتها في الجسم فتثير شهوة الإنسان.. ولذا نجد أن الإسلام شدد على هذه الناحية، فأمر بغض البصر، وحرم الخلوة بالأجنبية.. ومن المراحل الخطيرة أن يصل البعض بسبب التمادي في الباطل والمعصية، إلى سلب نور الإيمان؛ فيحرم التوفيق العبادي، فتراه يقف بين يدي الله -عز وجل- ليصلي، ولكن وجوده لا يقبل الصلاة.

 

56. إن من دواعي العجب أن العلم اليوم يحترم كل التخصصات المهنية والأكاديمية، فيرون أن من مصاديق الحركة الشاذة أن يتكلم الإنسان في غير حقل تخصصه، حتى وصل الأمر إلى رفض قول الطبيب العام فيما يتعلق بالتخصصات الدقيقة في الجسم.. وهذا كله في علم الأبدان!.. ولكن عندما يصل الأمر إلى علم الأديان، فإننا نلاحظ انقلاباً في هذا المفهوم، فالبعض يعطي نفسه الحق في أن يتكلم نيابة عن الشرع في كل موقع وزاوية!..

 

57. إن الإسلام يعتبر من أدق وأعمق مظاهر الحضارة الفكرية، ولا يحيط بأسراره إلا الذين أنسوا بروح الشريعة، وعرفوا محكمها من متشابهها، وفرقوا بين الدخيل والأصيل في تراثها.. ومن هنا شهدت الروايات أنه: (من أفتى بغير علم، لعنته ملائكة السماء والأرض).. لذلك ينبغي علينا حفظ حرمة التخصصات في مختلف الحقول، ومن أوفى الحقول احتراماً هي حرمة حقل شريعة رب العالمين!.. ولكن هذا لا يعني غلق أبواب الفكر والتأمل، والدعوة إلى احتكار الثقافة الدينية، بل إننا ندعو إلى عملية التدبر والتفكير الذي أمر به القرآن، ولكن من خلال القنوات الشرعية والثوابت المتفق عليها.

 

58. إن لكل حركة عبادية ثمرة مرجوة منها، ألا وهي الورع عن محارم الله عز وجل.. ولكن مع الأسف ما يُرى هذه الأيام عند البعض من التوغل في ممارسة الحرام، بعد أي عمل عبادي، بدعوى أن لديه فرصة التطهر من جديد في موسم عبادي آخر.. أليس هو بهذا الأسلوب يعد مستهزئاً بالنفس، والمولى جل وعلا؟!.. أو ما علم هذا المسكين أن الله لا يخدع وهو خير الماكرين؟!.. وعليه، ينبغي علينا التوازن الشعوري والفكري، فمجرد العواطف وذرف الدموع المحرقة لا يكفي!..

 

59. إن أفضل الأعمال العبادية، هو العمل على تنقية القلب من كل الأمراض الباطنية.. فإن القلب إذا صار سليماً، صار محطاً للألطاف الإلهية.. لماذا لا نحاول أن نصل إلى هذه الدرجة التي وصل إليها إبراهيم الخليل (ع): {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؟.. أن ينظر الإنسان إلى قلبه، ويرى إن كانت فيه بوادر حسد، أو سوء ظن، أو ميل إلى متاع الدنيا، أو غيره من الأمراض الباطنية، ويقتلعها من جذورها اقتلاعاً، ليصل إلى تلك الدرجة العالية.

 

60. نحن -مع الأسف- نعتقد بإمامنا الحجة (عج) اعتقادا سطحيا مجردا، فلا نعيش قيادته ولا نفكر في آلامه.. إن أحدهم إذا كان رقيقاً في قلبه، لا يكاد ينام إن سمع بمصيبة من مصائب المسلمين؛ فكيف بالإمام (ع) وهو مجمع المصائب والآلام في هذا العصر؟!.. هل فكرنا أن نتقرب إليه؟.. علينا أن نكثر الدعاء له بالفرج، وأن نتصدق عنه، ونهدي له بعض الأعمال التي تدخل السرور على قلبه.. علينا أن نتجنب ما يؤذيه، ويؤخر في تعجيل فرجه.. وهنيئاً لمن تقبل الإمام تقربه ودعا له، أو هل ترد له دعوة؟..

 

61. إن الإنسان يحتاج إلى مباركة الله -عز وجل- ولو كان عبداً مطيعاً.. وإلا فما معنى صلاة الله -عز وجل- وملائكته على النبي (ص) -وهو الذي حقق أقصى درجات العبودية لله عز وجل- بمقتضى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}؟..

 

62.  إن المؤمن يجعل مقياس العبودية، فيما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه، لا ما يكون مناسباً مع أهوائه.. حيث أن الشيء قد يكون عند العبد لذيذاً، ولكن عند الله -عز وجل- قبيحاً.. وبئس من اتبع هواه على حساب رضا رب العالمين!..

 

63. إن مما يقلق الإنسان هو قبول العمل.. فترى المؤمن يفكر بعد كل عمل أنه: هل قبل عمله أم لا؟.. هل خالطه شائب، أم أنه كان خالصاً لوجه الله عز وجل؟.. فمن المعلوم أن الله -عز وجل- كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.. ولكن في شهر رمضان تنقلب الموازين، وتخفف المقاييس؛ نظراً لأننا في الضيافة الإلهية.. إذ ليس من طبع الكريم المدّاقة في الحساب، والمؤاخذة على كل صغيرة وكبيرة.. فهنيئاً لمن اغتنم الفرصة في هذا الشهر الكريم!..

 

64. إن من المناسب جدا أن نجعل شهر رمضان بداية لسنة روحية جديدة.. فإن مجموع الغفلات، والشهوات، طوال السنة الماضية؛ جعلت الخطايا والذنوب تتراكم، إلى درجة تجعل الإنسان في بعض الحالات غارقا تحت ركام كبير من الحجب الظلمانية، والتي تحتاج إلى ثورة باطنية عارمة لقلب الوضع رأسا على عقب.. وهذا الأمر لا يتسنى إلا بمعونة إلهية، وهذه المعونة تتجلى في أعظم صورها في هذا الشهر الكريم، حيث الشياطين مغلولة، وأبواب الجنة مفتحة.

 

65. إن هناك حقيقة جوهرية لابد منها، وهي: ضرورة العودة إلى الذات، واكتشاف مجاهيلها، ومعرفة ما هي عليه، والاطلاع على سبل تكاملها، والعلم بقدراتها الفعلية، وقدراتها المختزنة.. لأن ترقية النفس، لا تتم إلا من خلال التعرف عليها؛ فكيف يمكن أن يعالج الطبيب بدنا ليس أمامه؟.. أم كيف يمكن لمهندس أن يبني بناء على أرض لم يرها، ولا يعرف طبيعتها؟!..

 

66. إن من المناسب أن نراجع أنفسنا بين فترة وأخرى، لاكتشاف الأخطاء التي اعتادت عليها.. فإن نفس ممارسة المنكر بشكل رتيب، ومتكرر، وفي جو غير مستنكر؛ يقلب ذلك المنكر معروفا.. وهذه مرحلة خطيرة لو استقر فيها الإنسان، فإنه لا يرجى أن يقلع عن الحرام.. ومن هنا لابد من وقفة حاسمة وصريحة مع النفس، التي ليس من السهل عليها أن ترفع اليد عن المنكر المألوف بسهولة، وخاصة إذا استذوقه المذنب استذواقا.

 

67. إن المنكرات على تعددها، فإنها منحصرة غالبا في شبر مربع تقريبا!.. فإن روافد الحواس الخمسة هي بنفسها روافد الحرام، وكما أن هذه الحواس تنقل الأحاسيس البريئة والخالية من أي معنى سلبي، فكذلك تنقل الأحاسيس المريبة.. وعليه، فإن إجراء مسح شامل لواردات هذه الحواس، أمر ضروري لكشف كل ما هو غريب على هذا الوجود الذي فطره الله -تعالى- في أحسن تقويم.

 

68. واردات الوجه الذي تتركز فيه غالبية المعاصي: هنالك العين: وذنبها النظر بشهوة أو ريبة.. وهنالك الأذن: وذنبها الاستماع لما حرم من الغناء، والغيبة، والبهتان، والنميمة، وغير ذلك.. وهنالك اللسان: وذنبه الفحش، والكذب، والغيبة، وباقي المعاصي القولية.. وهنالك الفم: وذنبه إدخال الطعام الحرام فيه، واستعماله في المنكر؛ كالتقبيل المحرم مثلا.. وإذا انتقلنا من الوجه، فإن المصدر الأساسي الآخر للفاحشة؛ هي ذنوب الغريزة، وما يلحقها من كوارث!..

 

69. بما أن رؤوس المحرمات محصورة في رأس الإنسان، فإن العلاج سيكون سهلا، بعدما علمنا أن مناشئ الحرام محدودة من جانب، ومادية من جانب آخر.. وقد جعل الله -تعالى- على رأس كل جارحة من هذه الجوارح -غالبا- أدوات ضبط وسيطرة.. فالجفنان والشفتان أمرهما بيد الإنسان، وكذلك العورة التي جعلها الله -تعالى- مستورة، فيكشفها العبد بسوء اختياره في غير موضعه، ليزيد إلى القبح قبحا.

 

70. إن السيطرة على الجوارح لا تتم إلا بالسيطرة على البواطن، والسيطرة على البواطن لا تكون إلا من خلال السيطرة على الجهاز المتحكم في الباطن، ألا وهي: الإرادة التي تكون في أرقى مستوياتها في شهر رمضان المبارك.

 

71.  إن الصائم يرى في نفسه قدرة، لم يعهدها في نفسه طوال العام.. ومن أسباب ذلك: الضيافة الإلهية الدافعة للعبد إلى الإمام، والجو الجماعي للطاعة، والعزم الفردي على امتثال الأمر الإلهي.. وعليه، فإن الفرد يختزن في باطنه طاقة حبسها طيلة طياته، فلم يطلقها في سبيل التكامل.. ومن هنا يأتي العبد يوم القيامة خجلا وجلا، لا حجة له ولا عذر.. فيتمنى لو تسوى به الأرض، لما يرى من عظيم الخسارة، مع ما أعطي من رأسمال لم يقدر قدره.. أوَ لا يحسن بنا أن نتدارك تلك الندامة في هذه الأيام، والفرصة متاحة، والأعضاء مطلقة، وقلم التكليف لم يرتفع بعد.

 

72. يخطئ البعض في مفهوم صلة الرحم، فتراه يقتصر على وجه واحد: إما الزيارة، أو المساعدة المالية.. في حين أن صلة الرحم معنى شامل، لكل ما يتناسب مع حالة القريب، سواءً كان احتياجاً مادياً أو معنوياً.

 

73. إن من أعظم القربات إلى الله -عز وجل- هي كفالة اليتيم، وذلك لما فيه من ضمان لسلامة المجتمع من انتشار الانحرافات السلوكية، نتيجة لفقدان اليتيم للرعاية الأسرية.. ولا يخفى على الجميع ما لكافل اليتيم من الأجر والثواب عند الله عز وجل، إذ يكون مع النبي (ص) في درجته يوم القيامة.. فعن النبي (ص): (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى.. فيا له من مقام!..

 

74. إن وصية علي (ع) بالقرآن الكريم، لم تنحصر بالتلاوة المجردة، ولا بالتبجح بالصوت الحسن، أو زخرفة المصاحف، وطباعتها ونشرها...؛ وإنما بالعمل بما جاء في كتاب الله عز وجل.

 

75. إن الإسلام هو دين التواصل والتواد والمحبة.. لذا فإن الإسلام لم يوصِ بالأقارب فحسب، بل أمرنا أيضاً بالإحسان إلى الجار، وسن له حقوقا تنبغي مراعاتها والعمل بها.. ولكن -مع الأسف- تجد البعض لا يكاد يعرف مَن جاره، ليصل الأمر إلى الإحسان إليه!.. فلئن كان الجار غير وصول، فإن على المؤمن بأدنى درجات التواصل، وهي التحية والسلام؛ عملاً بوصية النبي ووصيه (ص).

 

76. إن الصيام الذي يكون جنة من النار، هو ذلك الصيام الذي يمنع صاحبه عن الحرام.. كما هو الحال في الصلاة، التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

 

77. إن مساعدة الفقراء والمساكين، لا تنحصر بدفع الزكاة الواجبة فحسب!.. وإنما كما يوصي علي (ع): (شاركوهم في معاشكم.. ).. ومن المعلوم أن الصدقة المستحبة في بعض الحالات قد تكون أبلغ في رقي الإنسان وتنقيته، من الوجوهات الشرعية الواجبة: كالخمس وما شابه ذلك.. لأن إخراج الواجب غالبا يكون خوفا من النار، وأما في الصدقة المستحبة فلا خوف في ذلك، كالفرق بين النافلة والفريضة.

 

78. إن النسيان الذي هو رافد من روافد الغفلة، يأتي من الشيطان كما في قوله تعالى: {وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} ومن الواضح أن نسيان بعض الأمور قد تفوّت على الإنسان كثيرا من المنافع.. إلا أن الأعظم من ذلك، هو حينما يقرر الخالق أن يصرف العبد عن آياته، فيلقي عليه الإدبار، ويختم على قلبه وبصره.. ومن المعلوم أن الغفلة التي يوجبها الشيطان، من الممكن الخروج عنها بالتوبة، ولكن الله -تعالى- لا يختم على القلب إلا بعد بلوغه أعلى درجات القسوة، وفقدان قابلية الهداية، وهي مرحلة مخيفة حقا، لا بد من أن نستجير بالله -تعالى- منها.

 

79.  إن على العبد المؤمن أن يبلغ درجة من النضج الباطني، بحيث يكون له شاغل من نفسه، فيسيح في عالمه الباطني: تأملا في مسيرته في هذا الوجود تارة، ومناجاة مع واهب الوجود تارة أخرى.. وبذلك يخرج عن كل وحشة ووحدة، وهذا أمر ميسور له متى ما أراد.. والحال أن أنس أهل الدنيا بالدنيا، يحتاج إلى مقدمات كثيرة، لا يوفق لها صاحبها دائما.. ومن هنا يعيشون الانتكاسة تلو الانتكاسة!..

 

80. لو أتقن الإنسان الإتيان بالمحطات العبادية الخمسة: من الوقوف بين يدي الله -تعالى- بظاهرها وباطنها؛ فإنه يسهل عليه ملء الفراغات المتخللة بينها.. وبعبارة أخرى: يحاول من غشيه شيء من جلال الله تعالى، أن يعمل في سريان ذلك النور المكتسب، إلى الساعات المتخللة بين تلك المحطات.. وإذا بعد فترة من الزمان، تتحول حالة التذكر المتقطع إلى رتبة الملكة الثابتة، بحيث يكون الالتفات إلى غير مصدر النور، من موجبات الوحشة والكآبة.

 

81. إن البحث عن الأعداء المتربصين بنا الدوائر، لمن الأبحاث الإستراتيجية التي تستحق الدراسة والالتفات!.. فإن طبيعة المعارك تستلزم معرفة مواقع العدو وطرق كيده، ونحن في صراعنا مع دواعي الشر، لابد وأن نلتفت إلى كيد أعدى الأعداء؛ ألا وهو الشيطان الذي يرانا ولا نراه، مع خبرته العريقة في إغواء بني آدم، بل محاولته الدائبة حتى مع الأنبياء والمرسلين (ع).

 

82. كما أن الإنسان المؤمن حريص على ألا يأكل ولده طعاماً مشبوهاً انتهت صلاحيته، كذلك ينبغي عليه الاهتمام بما هو أهم من ذلك، وينظر في الثقافة المنحرفة المستقاة من هنا وهناك.. {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} فسر أيضاً عن علمه ممن يأخذه.. فإذن، لابد من السيطرة في استخدام الأدوات الحديثة، والمراقبة، ووضعها في مكان عام، وفي ساعات معينة، وضمن خطوط آمنة.. وإلا فعليه ألا يدخلها إلى بيته، إن أمكن!..

 

83. كما أن الله -تعالى- يتجلى للعبد، فيكون: عينه التي يبصر بها، ويده التي يبطش بها، وأذنه التي يسمع بها -كما في رواية قرب النوافل، المعروفة في كتب المسلمين- كذلك الشيطان، فإنه بعد مرحلة متقدمة من الإغواء، والسيطرة على بني آدم، يتحول إلى أداة لتلقين الضحية ما يريده في عالم الأفكار والشهوات.. ولهذا يحذرنا القرآن الكريم من أولياء الشيطان، وذلك لأن الشياطين يوحون لهم زخرف القول لمجادلة المؤمنين.. ومن هنا نعتقد أن المدارس الهدامة في التأريخ، كـ: الماسونية، والشيوعية، والبهائية، تطبيق لما ذكرناه آنفا، وذلك لسرعة انتشارها بشكل غير طبيعي في كثير من الأحيان، رغم وضوح بطلان أسسها.

 

84. إن الذين استثناهم القرآن الكريم من كيد الشيطان الرجيم، هم المخلَصون (بفتح اللام)، ومعنى ذلك أن المخلِصون (بكسر اللام) هم على خطر عظيم.. والطبقة الأولى هم الذين اجتذبهم الرحمن، لوجود قابليات فيهم أهلتهم لدخول دائرة الجذب الإلهي، وإلا فأين قدرات الإنسان الضعيف، وأين القمم العالية التي دونها العقبات والأهوال الكبار؟!.. فيا ترى هل فكرنا في أننا مجذوبون، أم مهملون؟ّ!..

 

85. إن من الغريب وصف القرآن لكيد الشيطان بأنه ضعيف، والحال أنه ركب ظهور أغلب الخلق، فكيف يكون ذلك؟!.. فمن الممكن أن يكون الجواب عن ذلك هو: أن ضعفه باعتبار قوة من نلتجئ إليه، حيث أن الشيطان عبد من عبيد الله -تعالى- ناصيته بيد ربه، وهو القادر على دفع شره؛ لأنه مع عظم شقاوته لم يخرج عن سلطان حكومة رب العالمين.. أضف إلى أن كيده ضعيف أيضا من جهة أن سياسته هو التزيين في الأرض، فإذا اكتشف الإنسان زيف إغوائه وسرابية وسوسته؛ فإنه لا سلطان له عليه.

 

86. إن الذنبين الرئيسيين اللذين أوقعا إبليس في لعنة الأبد هما: التكبر، والحسد.. وعليه، فإن على بني آدم الاعتبار بذلك، ومحاربة هذه الحالة في أعماق الوجود؛ لئلا تتحول إلى ممارسة في الخارج، فإن الحالات السلبية في النفس، بمثابة الدخان الذي يسود جنبات النفس، وإن لم يحرقها!..

 

87. إن استنكاف الشيطان من السجود لآدم (ع) كان نابعا من فلسفة باطلة، مفادها: أن السجود المختص بالله تعالى، كيف يكون للبشر، وخاصة إذا كانت خلقته من مادة دون النار، ألا وهو الطين؟!.. والحال أنه غفل عن أن السجود لآدم (ع) وإن كان تشريفا كبيرا، إلا أنه بأمر من الله تعالى، فعاد الأمر إلى تكريم الأمر الإلهي.. وعليه، فلماذا يستنكف البعض عن تعظيم الأنبياء والأوصياء إذا كان بأمر إلهي، كما هو من لوازم مودتهم التي أمرنا بها؟!..

 

88. لو جعلنا يوم الجمعة يوم ارتباط للرعية بالقيادة الإلهية، المتمثلة بالبقية من الأوصياء الإثني عشر (ع) الذين بشر بهم النبي (ص).. فإن هذا الأمر سيعد محطة شحذ لهمة الأمة، وإشعار لها بأن الأمور ليس كما يتصوره البعض من: أن الله -تعالى- ليس برقيب على ما يجري على هذه الأمة.. إذ كيف يعقل أن يحمل أحدنا هم الرسالة، ولكن صاحب الرسالة -وهو الذي بيده المقاليد كلها- يترك الأمور تجري على وفق إرادة الظالمين، والحال أنه هو الذي وعد عباده الصالحين، بإرث الأرض وما عليها من الخيرات!..

 

89. إن الإنسان الذي يعيش حالة الضعف من قوة العواصف التي تصد مسيرته في الحياة؛ من الطبيعي أن يبحث عن ركن وثيق، ضرورة أن نظام الوجود أساس قائم على معادلة التعاضد بالأقوى.. وعليه، فلابد من الالتجاء إلى مصدر كل خير في هذا الوجود، وهو معنى (الحوقلة) بحقيقتها، ومن ثم اتخاذ الوسيلة إليه.. أوَ ليس أبناء يعقوب طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم، واستجاب لهم مرجئا ذلك -كما روي- إلى ليلة الجمعة، حيث تفتح أبواب السماء على الطائعين والعاصين.

 

90. إن الكثيرين يشتكون -وخاصة في غير الأشهر المباركة- من الجفاف الروحي الشديد، وانعدام فرص التوفيق، بحيث يمقت الإنسان نفسه في حالات كثيرة.. ولو رأى نفسه متمثلا في شخص آخر، لما تحمل مصاحبته، وذلك لما فيه من الصفات المنفرة.. أوَ ليس من العجب أن يصاحب الإنسان نفسا بين جنبيه، لا تحمل إلا القليل من المعاني الجميلة؟!.. إن تصور العيش مع هذه النفس بملكاتها الفاسدة -وذلك على مستوى أبد الآبدين- مما يثير في النفس مشاعر الرعب والكراهية!..

 

91. إن مجالس الجمعة والجماعة نعم الشحذ للهمم، ولكن المشكلة في أنها طاقة متولدة في الفراغ.. فالذي لا منهجية له في الحياة، ولا يمتلك خطة واضحة للبناء؛ فإنه من الطبيعي أن تمر عليه الفرص النادرة، كما تمطر السحاب في أرض خالية من البذر.

 

92. إن القرآن الكريم لخص مجمل الحركة إلى الله -تعالى- في آية واحدة، حيث يقول تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}.. فالآية تشير إلى أمهات المسائل في مجال حركة الإنسان إلى ربه.. فمن ناحية: لا بد من وجود طريقة ممنهجة يسير عليها الإنسان، متسم بالوضوح في بداياته ونهاياته.. ومن ناحية أخرى: لا بد من الاستقامة على السير عليه، لوجود الحركات المعاكسة من داخل النفس وخارجها.. وعندئذ يتحقق الوعد الإلهي بسقي الماء الغدق (الكثير) المحيي لميت الأرض.. فإن التفضل الإلهي -وإن كان من دون استحقاق- إلا أن له قواعده وموجباته.. فلا جزافية في هذا الوجود الذي خلق في أحسن تقويم!..

 

93. إن من مكائد الشيطان، حث العبد على الاستغراق في غفلته، بدعوى أنه قد فات الأوان للحوق بقطار الفائزين.. والحال أن إيقاف الخسارة ربح في حد نفسه!.. فلا ينبغي الاستسلام لحالة الإحباط، حينما يجد العبد نفسه تائها في وديان سحيقة بعيدة جدا عن الجادة.. لأن هنالك حركات انقلابية كبرى في مجال النفوس طوال التاريخ تمت في ليلة، بل في ساعة واحدة، وسيرة التائبين، خير شاهد على ذلك!..

 

94. إن هذا الإحساس المفرط بالأنس الشديد لزوار الرضا (ع)؛ هدية إلهية، مقابل الكبت والأحزان التي عاشها (ع) في حياته، إبان قبوله لولاية العهد بالإجبار والتهديد في عهد المأمون.

 

95. إن الإحساس بالقرب من مصدر السعادة في الوجود، خير عوض لمن لم يحالفه التوفيق لحياة زوجية مستقرة.. فالكثير -وخاصة من النساء- يعشن هذه الوحدة القاتلة، قبل دخول القفص الزوجي، أو الحرمان منه بعد الدخول فيه.. فبدلا من الالتجاء إلى بعض الممارسات المحرمة، أليس هذا نعم العلاج الذي لا يرقى إليه علاج؟.. والعلاج نفسه خير علاج، لمن فقد حنان الزوج الذي تتحول عنده المرأة في بعض الأحيان إلى أداة للعب والعبث!..

 

96. إن الارتباط بالحق المتعال على مستوى اتخاذه جليسا وقرينا، يحتاج إلى بلوغ روحي خاص.. وقد لا يرشح له العبد بمجرد: الادعاء، والاستذواق، والسير في خطوات قصيرة متعثرة.. فإن الأمر يحتاج إلى سير -ولو تكلفي- في أوله ليفتح للعبد الأبواب الموصدة.. فإذا فتح له الباب، وتذوق حلاوة العشق الإلهي؛ فإن كل جمال في الوجود سيبدو باهتا أمامه.

 

97. لابد من البحث في الآليات الموصلة لهذه الحالة المقدسة؛ أي حالة الارتماء في الأحضان الدافئة للحنان الربوبي، والتي منها يتشعب دفء حنان الأمومة، وهذه الآلية متمثلة في: إتقان الواجبات بشروطها الفقهية والعرفانية، ومن ثم العمل بما لم يلزمنا به الشارع؛ أي الالتفات إلى ضرورة القيام ببعض النوافل.. فإن القيام بالواجبات فيها شبهة الخوف من العقاب، أما النافلة ففيها نسبة عالية من حب إرضاء المولى بما لم يفترضه على العبد.. ومن هنا عبر الإمام العسكري (ع) عن السفر إلى الله -تعالى- بأنه: (لا يدرك إلا بامتطاء الليل).

 

98. لو أن أحدنا أراد أن يتمتع بكل امتيازات بلد من البلدان، فما عليه إلا أن يتصل ببلاط حاكم ذلك البلد، ليرى أن كل الموانع ترتفع بإشارة من ذلك السلطان أو أعوانه، وحينئذ نقول: لو أن أن أحدا أراد أن يعيش حالة الدلال المطلق في هذا الوجود، مع هذا الكم الهائل من الحوائج لديه، أوَ ليس من المنطقي أن يحسن علاقته مع من {الأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}؟!.. ولكن مسكين بني آدم -كمسكنة بني إسرائيل- حيث يستبدل المن والسلوى، بفومها وبصلها دائما!..

 

99. إن من المسائل المهمة المشغلة لبال علمائنا ومحققينا، هي مسألة الخروج من عالم الغفلة، إلى عالم الذكر المتواصل، أو الغالب على أقل التقادير.. وإن من أهم أهداف المربي الصالح؛ الأخذ بيد العباد إلى هذه الدرجة.

 

100. إن كل ما في هذا الوجود من مخلوقات يسبح بحمد الله عز وجل، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، بما فيها ذرات بدن الإنسان، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}.. إلا أن هذه المعية لا يؤجر عليها الإنسان؛ لأنها ارتباط قهري تكويني بين الخالق والمخلوق.. إذ أن الكمال والفخر، إنما يكون في المعية الاختيارية التي كانت مع الأنبياء والأوصياء والمتقين.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج