100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. ينبغي الموازنة في معاشرة الآخرين، فلا مقاطعة محضة ولا اختلاط اندماجي تأثري، وهذا ما تدعو إليه هذه الآية الكريمة: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}: فمع أن الوالدين كافرين، ويحاولان إجبار الولد على الكفر، إلا أن الأمر الإلهي هو: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.. فيا له من موقف!.. ويا لها كلمة جامعة تحمل كل معاني البر والمعروف!..

 

2. إن العيش في أجواء الغافلين أو الفاسقين، لمن موجبات التسافل والتشبه بهم، قال تعالى : {ولا تقعد بعد الذكرى مع القوم الغافلين} ، ولكن الإنسان بطبيعته مدنياً، إلف مألوف، فلا خير فيمن لا يأنس ولا يؤنس.

 

3. إن المؤمن يختار البطانة الصالحة.. فإن (أقلّ ما يكون في آخر الزمان: أخ يوثق به، أو درهم من حلال).. ينبغي أن يختار من يذكره بالله -عز وجل- رؤيته، ويزيده في العلم منطقه.

 

4. إن المؤمن يحاول أن يكون موجوداً مؤثراً لا متأثراً: المؤمن ينبغي عليه أن يكون على مستوى إدارة المجالس، وعلى استيعاب هذه الأجواء الغافلة.. فبدلاً أن تكون منفعلاً تعطيهم أذنك، خذ آذانهم وغيّر مجرى الحديث بإلقاء الموعظة والحكمة الحسنة.

 

5. إن المؤمن يعيش في الناس ولا يعيش معهم: فالمؤمن له عالمه الذهني الخاص، له ما يشغله، إن كانت حكمة أو رواية أو تدبراً؛ فالصمت من صفات المؤمن.. وهناك عالم التحليق الباطني، فالمؤمن إذا جلس وحده يعيش عالماً منشرحاً لذيذاً، يظن القوم أنه من الغافلين، والحال في أنه يعيش حالة من الحديث مع الرب.

 

6. إن الشيطان حقيقة راهنة، ولولا أن الله -عز وجل- ذكره في القرآن الكريم، لما صدقنا بوجوده.. مثله كتلك الموجودات اللامرئية، والتي نخافها ونتقيها لنأمن خطرها، مثل: الجراثيم، والإشعاعات النووية، والأشعة الكونية الضارة.

 

7. إن الشيطان هو من ألد أعداء الإنسان، لأنه منذ خلق آدم بدأت شقاوته، ولحقته اللعنة الأبدية من الله -تعالى- والملائكة والأنبياء والمرسلين والناس أجمعين، بعد أن كان من أعبد العبَّاد!.. فهو في مقابل هذا الحرمان العظيم، توعد بالانتقام المروع من بني آدم؛ أضف إلى أن هنالك عدم تكافؤ في المواجهة.. وعليه، لا شك في كونه عدوا متميزا ومتمكنا.
 

8. إن الملاحظ في إعلام اليوم، إذا ما أراد أن ينفر من جهة أو دولة ما: أنه يكثف جهوده في كل الاتجاهات، ليصل إلى هدفه في تلقين وترسيخ العداوة في قلوب الناس؛ ألا يكفي إعلام رب العالمين الذي أمرنا في كتابه قائلاً: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}؟.. وكلمة (الاتخاذ) في اللغة، تعني تلقين النفس عداوة الشيطان صباحاً ومساءً.

 

9. إن الحقيقة المرّة أن الشيطان أقسم بعزة الرحمن، حيث قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.. ومن المعلوم أنه قد يكون غافلاً عن الإنسان، لكن بمجرد أن يميل لأي عمل صالح، تراه يقف في وجهه ليحول دون ذلك، بل قد يكتفي حتى بعدم تمام هذا العمل.. ومن الملفت أنه لو كان هذا القسم جزافياً، لوجدنا آية تنقض قوله في القرآن الكريم، أو ليس هذا القسم مخيفاً؟!..

 

10. إن الاستعاذة الحقيقية، ليست مجرد ألفاظ وتمتمات ترد على اللسان وحسب!.. بل على الإنسان أن يتحرك ويهرول ويطرق باب الحصن، ويصرخ ويصرخ ويستنجد، حتى يلج الحصن ويأمن من الوحوش المفترسة؛ وإلا فلو ظل يتمتم في محله لن يجد نفسه إلا في جوفها!..

 

11. إن إمام الرضا (ع) يقول: (كلمة "لا إله إلا الله" حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي).. وهذا لا يعني مجرد التلفظ بالكلمة، فإذا كان الأمر مجرد لقلقة باللسان، فهذا يعني أن الجميع في حصن الله -تعالى- لا ينالهم الشيطان.. وهذا خلاف الواقع؛ إذ أن المراد هو العمل بمقتضى هذه الكلمة، بكل ما تحتويه من معنى.

 

12. إن المؤمن يتعلم من الأخطاء السابقة، عن رسول الله (ص): (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).. فالمؤمن -كما تشبه بعض الراويات- كالسنبلة (القلب المؤمن كالسنبلة: يميل تارة، ويستقيم أخرى)؛ بمعنى قد أنه تمر عليه عاصفة شيطانية، فيميل يميناً وشمالاً، ولكنه يعود مبصراً طريق الهدى، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.. إن هذه الآية تبعث على الأمل، وتؤكد على أن الشيطان مع كل ما أوتي من القوى؛ فإنه ضعيف، قال تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}.

 

13. إن المؤمن يبتعد عن أجواء الشيطان ومواطنه.. من الملاحظ أن البعض يجامل، ويحضر مجالس اللهو والغناء، على حساب دينه وسلامة روحه.. ولكن من الذي يعوضه يوم القيامة، إن هو تورط ووقع في الحرام؟!..

 

14. إن المخلَص هو ذلك الذي مشى في درب الإخلاص، وكدح وتعب، وبكى في جوف الليل، وعمل في النهار.. فإذا هو أثبت صدقه، عندئذ يرشح لأن يكون في زمرة المخلَصين، وبعدها فلتجتمع عليه وحوش الأرض، بل شياطين الإنس والجن، هيهات لهم أن يقتحموا قلعة رب العالمين!..

 

15. إن إمام الموحدين ولسان الذاكرين علي (ع) يخص -في دعاء كميل- الصادقين بأنهم هم أحباب الله تعالى.. إذ لم يقل: المشتاقين، أو المحبين، أو الذاكرين، بل قال: (يا حبيب قلوب الصادقين...).. وفي هذه التفاتة مهمة للسائرين: بأنه ينبغي عليهم الصدق في هذا المجال، ليكونوا من المرشحين في زمرة المخلَصين.

 

16. إن الشيطان لحقته العنة الأبدية منذ الأزل، وسقط من عين الرحمن، لمجرد معصية واحدة.. فلنحذر هذا السقوط، ولنضع نصب أعيننا هذا الشعار: (لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت)، وقد ورد في الحديث: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة، يضحك بها جلساءه يهوي بها أبعد من الثريا).

 

17. إن اشتقاق كلمة المسجد، إنما هو من مادة السجود.. إذ من الواضح أن من أقدس الحركات البدنية بين يدي الله عز وجل، هي حالة السجود.. وهي تلك الحالة التي اختارها الله -تعالى- للتعبير عن كمال التعظيم، عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم (ع)، وهي بحق حركة ملفتة.. حيث يجعل الإنسان أشرف أعضاء بدنه، على أرخص شيء في الوجود؛ وهو التراب.. ومن الواضح من سيرة الأولياء، أنهم كانوا يعشقون السجود أيما عشق!.. فيعتبرونه محطة من محطات السياحة الروحية، التي لا تساويها الرحلات البدنية في عالم الوجود.

 

18. كم تنتاب الإنسان حالة الأسف، عندما يرى أنه يفوّت على نفسه مزية الوصية بالثلث، وهو ذلك الحق الذي جعله الله -تعالى- له، ليكون زادا له في عالم الانقطاع عن كل عمل!.. وعليه، فإن المؤمن الكيس الفطن لا يخرج من هذه الدنيا، إلا مساهما في بناء بيت من بيوت الرحمن: سواء في كله أو بعضه، ولو بمقدار لبنة واحدة.. فإن الله -عز وجل- شكور يشكر على القليل، ويجازي بالجليل، وقد ورد عن النبي (ص): (من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة؛ بنى الله له بيتا في الجنة).. فهل نحن فاعلون؟..

 

19. هل من الإنصاف أن نخصص مساحة من بيوتنا للأكل والشرب والنوم، ولا نخصص مساحة منها لما هو أبقى؟.. وقد ورد في هذا المجال، أنه كان لعلي (ع) بيت ليس فيه شيء، إلا فراش، وسيف، ومصحف، وكان يصلي فيه.. ومن المعلوم أن المكان الصغير الخالي من كل مظاهر الزينة؛ أنسب للتوجه والتركيز.. وخاصة في أهم موقف في الحياة، أي عند الحديث مع الرب المتعال.

 

20. إن لبناء المسجد ملكا وملكوتا.. من الممكن أن يقوم ظالم، أو غاصب، أو سلطان جائر، ببناء مسجد؛ ولكن لا يلازم ذلك القبول حيث يقول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}.. وبقليل من التأمل، نلاحظ أن الآية تحصر حق عمارة المسجد بالطريقة التي يريدها الله تعالى، وذلك في قوم لهم: مواصفات عقائدية متمثلة بالإيمان بالمبدأ والمعاد، ومواصفات عبادية متمثلة بالصلاة والزكاة، ومواصفات نفسية متمثلة بعدم الاعتناء والخشية من أحدٍ سوى رب العالمين.. فإن المساجد في حياة الأمة منطلقات للعمل الفكري والسياسي، ومن الخطير أن تكون بيد أولئك الذين تتحكم فيهم المطامع الدنيوية، والأهواء الأرضية.

 

21. لقد ورد النكير الشديد للذين يجاورون بيوت رب العالمين مع عدم الصلاة فيها.. -وقد حدد الجوار بأربعين دارا من جوانبها، وذلك بالتأكيد على أنه (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)- فيما لو كان فارغا صحيحا، وذلك لوضوح أن عدم تلبية نداء الله -عز وجل- في بيته، مصداق من مصاديق الوهن، وعدم الاعتناء بأمر المولى الذي يريد أن يستضيف عبده في بيته، وهو يأبى ذلك بلا عذر وجيه.. ويكفي التأمل في هذا النص، لبيان شدة العتاب الإلهي في هذا المجال، حيث روي عن الإمام الصادق أنه قال: (شكت المساجد إلى اللّه -تعالى- الذين لا يشهدونها من جيرانها، فأوحى اللّه إليها: وعزتي وجلالي!.. لا قبلت لهم صلاة واحدة، ولا أظهرت لهم في الناس عدالة، ولا نالتهم رحمتي، ولا جاوروني في جنتي).

 

22. إن المستفاد من روح بعض الروايات، أن من التزم بمستحب من المستحبات؛ فعليه الالتزام بذلك لمدة سنة.. ومعنى ذلك: أن المداومة على العمل من موجبات إثماره الثمار المطلوبة.. وعليه، فإن بركات المساجد إنما تتحقق بشكلها الكامل مع المداومة والاستمرارية، وهذا الذي يفهم من بعض الروايات التي تطلب منا الإدمان على المساجد، وهو مما يتوقف على التردد المستمر على هذه المواطن للرحمة الإلهية الغامرة.. وعندئذ تتحقق الجائزة التي بشر بها النبي (ص)، والمتمثلة بإحدى الخصال الثمانية: (من أدمن إلى المسجد، أصاب الخصال الثمانية: آية محكمة، أو فريضة مستعملة، أو سنة قائمة، أو علم مستطرف، أو أخ مستفاد، أو كلمة تدله على هدى، أو ترده عن ردى، وترك الذنب خشية أو حياء).

 

23. إن هنالك حركة فطرية طبيعية مشغلة لبال الكثيرين، ألا وهي التطلع للوصول إلى درجة من درجات الكمال.. ومنشأ هذه الحركة هو أمران: الأول : العودة إلى الذات، فإن المؤمن بعد أن عاش وجرب سلسلة من التجارب المتنوعة في استذواق لذائذ هذه الدنيا المحدودة؛ تنتابه حالة من الفتور والملل، فلا يرى لتلك بهجة ولا لذة.. أما الأمر الآخر: فهو الانتشار المعلوماتي والانفتاح الثقافي، الذي أدى إلى توعية جماهيرية قلما عهدت من قبل، حيث صار الأمر مستساغاً سهلاً ميسراً، ليس فقط لطلاب العلم بل وحتى لربات البيوت في المنازل.

 

24. إن نتيجة لعدم وجود مقاييس دقيقة ثابتة -كما هو الحال في بعض العلوم-، فإنه صار الخلط والخبط، فبرزت الاتجاهات الباطلة، والأفكار المنحرفة عبر التأريخ: كالمتصوفة وغيرهم.. هنالك نظرية نعتقد بصحتها، وهي: أن الأئمة (ع) لما أوتوا من تأثير في القلوب، ولما أعطوا من ملكات تجعل الناس متوجهة إليهم، فقد ظهرت حركات مضادة، لاقت ترحيباً ودعماً من قبل أئمة الجور، والتي لم تستهدف فقط القضاء على أبدانهم الطاهرة، بل أيضاً اغتيال الشخصية؛ محواً لذلك التأثير، واستقطاباً للجمهور العريض.. ولو أن الأمر -بحسب الظاهر- دعوة للإسلام، غير أن باطنه ضلال في ضلال!..

 

25. ينبغي للمؤمن الذي يريد التكامل لنفسه أو لغيره، تعيين المنهجية الواضحة: فلينظر من يتبع، وممن يستقي: أمن العذب الزلال، أم من الملح الأجاج!.. لو أنه اشترى جهازاً جديداً، ألا تراه يراجع المصنع المنتج له، أو الكتيب الذي يرافقه؟..

 

26. إن الروح الإنسانية من أغلى وأثمن وأعقد موجودات هذا العالم، فكيف يمكن اكتشاف أسرارها، وما هو الطريق لاستئصال الحسد منها مثلاً؟!.. إن الله -سبحانه وتعالى- ما أمر الملائكة بالسجود لآدم (ع)، إلا بعد أن نفخ فيه هذه اللطيفة الربانية.. إذن، لاكتشاف هذا الوجود، ينبغي مراجعة العليم الخبير، وهو الله سبحانه وتعالى!..

 

27. إن القرآن الكريم محتوٍ على آيات كثيرة، متناولة لهذه المصطلحات: الروح، النفس، القلب.. ويكفي هنا أن نشير إلى هذه الآية: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ أي أن الله -عز وجل- عندما يأتي يوم القيامة، وينظر إلى حصيلة هذا التراث الإنساني الكبير، الذي امتد إلى ملايين السنيين، بل قد يكون المليارات؛ فإن الثمرة التي ينظر إليها هي هذا القلب السليم!..

 

28. إن التراث الحديثي، يمثل عوناً كبيراً لامتلاك حصيلة فكرية معرفية في مجال: معرفة النفس، وتهذيبها، والسعي بها إلى مدارج الكمال.. وإن من أروع المجاميع في هذا المجال، هو كتاب (جهاد النفس) في وسائل الشيعة للحر العاملي (قدس سره).

 

29. إن البصيرة هي حصيلة لتلك الثروة المستقاة من الكتب السماوية، ومن التراث الحديثي.. فهو بهذه الخلفية، بإمكانه أن يخرج بنتائج إبداعية تأملية، تنبثق من أعماق نفسه.. مزيتها أنها في أصولها مأخوذة من الكتاب والسنة، ولكنها تناسب حالته.. فإن العلماء يتكلمون في الأمور العامة، ولكن كيف له أن يطبق هذا الأمر على نفسه، فإن الأمر يحتاج إلى بصيرة!..

 

30. إن من الأبحاث المشكلة في علم الأخلاق، والتي سببت في انحراف البعض: إما لسوء الفهم لأصل المفهوم، أو لسوء التطبيق؛ فوقعوا في الخلط بين العزلة البدنية والعزلة الروحية، فتراه يغلق على نفسه الأبواب، ويقل حديثه وإن كان نافعاً، وقد ينصرف عن إكمال نصف دينه، فيرفض الزواج.. وبالتالي، فهو يتحول إلى إنسان مجانب في سلوكه لمسلمات الشريعة.. وهذا لأنه لم يفهم المعنى الصحيح للعزلة، الذي هو اعتزال قلبي عن الأباطيل.. وقد ترى البعض يكون مستوعباً للمفهوم، ولكنه قد يتخبط في التطبيق من حيث لا يشعر.

 

31. إن من مصاديق العزلة النافعة، العزلة اليومية في سويعات الليل.. وقد ورد عن الإمام العسكري (ع): (الوصول إلى الله سفر، لا يدرك إلا بامتطاء الليل).. وعليه، فإن الإنسان يحتاج إلى نور من ربه، وإلى مدد إلهي: سواء لكشف المفاهيم، أم في تطبيقها.

 

32. إن من الموانع المهمة في طريق المؤمن: وقوف الشيطان في طريق بني آدم.. فهو حاقد، ويغلي حسداً ضد كل من يحاول الخروج عن سلطانه، ويتمرد عليه.. إذ كيف هو عصى وتمرد على رب العالمين، وهذا الإنسان يكون خاضعا متذللا مطيعا!.. بلا شك إن الشياطين من أنبغ الوجودات، ولها خبرتها العريضة في الإغواء منذ خلقة آدم (ع)، فهي بدلاً من إغواء الناس البسطاء، تركز الجهد على العناصر المؤثرة في الأمة.

 

33. إن من الأمور المهمة التي تعين الإنسان في طريقه إلى الله: البطانة الصالحة المؤثرة في سلوك المؤمن، والتي تقربه من المولى عز وجل.. فإذا هو لم يبحث عن الصالحين ويعاشرهم، فمن الطبيعي أن يتحول الأمر تلقائياً إلى البطانة السيئة.. ومن المعلوم أن (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)!..

 

34. إن الله -سبحانه وتعالى- إذا علم بصدق عبده، فإنه سيسوق له في الوقت المناسب، من يكون له دليلاً له في حركته إلى الله تعالى؛ فلا ينبغي أن ينتابه اليأس.. بل عليه أن يعزم نيته على الاستمرارية في المجاهدة المتصلة إلى أن يلقى ربه تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}.. فإن الله -عز وجل- البصير بالعباد، فكما كفَّل مريم لزكريا (ع) لما رأى فيها القابلية والصدق؛ فإنه يهيئ له ما يصلح أمره.

 

35. إن المؤمن في حركته الدائبة، في توسل دائم إلى رب العالمين، لأن يبارك في سعيه.. فهو مسبب الأسباب، وهو سبب من لا سبب له، وهو الذي يسبب الأسباب من غير سبب.. فليكثر من الدعاء في خلوات الليل، وجلوات النهار، وفي مشاهد أحبته وأوليائه، وعند زيارته لبيته الحرام، وقبر نبيه المصطفى (ص) والأئمة من ذريته (ع)؛ ليطلب من الله -عز وجل- طلباً حثيثاً في أن يفتح له الأبواب.. والله -عز وجل- كما في بعض الأخبار: يستحي أن يرد يدي عبده صفراً إذا مدت إليه.

 

36. إن من أبرز مشاكل هذا العصر: فقدان الارتياح النفسي، وغلبة الهموم وقلة السرور.. ولهذا نلاحظ للهروب من هذه الحالة أن البعض منهم يذهب إلى بعض الأماكن، مثل المطاعم أو شاطئ البحر، أو -لا قدر الله- تراه يذهب إلى مكان محرم مثل الملاهي الليلية أو ما شابه؛ ليعيش حالة الارتخاء والسرور الكاذب.. وما هي إلا سويعات وتمضي، ثم يعود إلى همه وكآبته.

 

37. إن السرور الحقيقي هو ذلك السرور المستمر المستقر في القلب، الذي يرافق الإنسان في جميع حالاته: في الصحة والمرض، في المستشفى وخلف قضبان السجون، في ساعة الاحتضار وفي القبر، في عرصات القيامة وفي الجنة.. إذ في ذلك اليوم يكون حالهم كما يصفه قوله تعالى: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا}، ففي يوم القيامة يكون المؤمن في أعلى درجات السرور، ولكن هذا السرور هو امتداد لسرور متصل في الحياة الدنيا.

 

38. إن المؤمن لا يمكن أن يعيش حالات الاكتئاب أو الانهيار العصبي، بل هو في حالة الهدوء والاطمئنان النفسي.. فهو يضع نصب عينيه وفي قلبه: ذكر الله عز وجل، وذكر القيامة وأهوالها.. ويتأسى بما جرى على أنبياء الله -تعالى- وأوليائه الصالحين، ويذكر أهل البيت (ع) ومصائبهم، ويقوم بتكليفه.. والله -عز وجل- هو رب هذه الأمة، وهو خير الحافظين.

 

39. إن من موجبات السرور: الانسجام مع هذا الوجود المطيع لأمر ربه.. قال تعالى مشيراً لاستجابة السماوات والأرض لأمره تعالى: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.

 

40. إن المعاصي والذنوب التي تتعلق في ظلم الآخرين والتعدي عليهم، هي بذور للقلق في القلب.. ولا شك أن الإنسان العاصي، هو شاذ عن هذا الوجود المطيع.. والله -عز وجل- يمهل ولا يهمل، فتراه يجمع له كل المخالفات المتراكمة، وإذا به: ينهار عصبياً، ويفلس مادياً، وينكسر اجتماعياً.. وفي المقابل نجد أن الذي يدخل السرور على قلوب المؤمنين؛ -وخاصة ذوي القربى من الوالدين والزوجة- يدفع الله عنه أقداراً مقدرة من البلايا والنكبات والمشاكل. 

 

41. إن هنالك سفرا شاء العبد أم أبى، وإذا مات ابن آدم قامت قيامته.. فهو لا محالة صائر إلى لقاء الرب تعالى، سواءً في عالم البرزخ، أو في عرصات القيامة، أو في الجنة أو في النار.

 

42. إن الذي يعتقد بحاكمية هذا الرب المهيمن المقتدر المسيطر، الذي بيده مقاليد السماوات الأرض؛ كيف له بعد ذلك الاعتقاد أن يكون في زمرة الغافلين، ولا يفكر في الوصول الاختياري إليه عز وجل!.. ترى ما الفائدة في أن يلتقي الإنسان بربه في ذلك العالم، وقد أغلقت الملفات التي كان بإمكانه أن يملأها خيراً في هذه الدنيا؟!.. فإن القضية تحتاج إلى برمجة؛ لأن هذا سفر وطريق، وللمسافر: زاده، ورفقته، وعقباته في سفره الآفاقي؛ فكيف بالسفر الأنفسي الأكثر تعقيداً؟!..

 

43. إننا في مجال الكسب الدنيوي، نبذل الكثير من الجهد.. بينما عندما يصل الأمر إلى القرب من المولى جل وعلا، وإلى تهذيب النفس؛ نلاحظ أنه بركيعات بسيطة، أو بورد، أو بسفر معنوي، أو بتلاوة مختصرة؛ يتوقع من نفسه أن يصل إلى الدرجات العليا في التكامل!.. إن الأمر ليس كذلك؛ إنه أمر يحتاج إلى كدح وإلى مواصلة!..

 

44. لابد لمن يريد الوصول، أن يوطن نفسه على الصبر، وألا يتعجل في قطف الثمار.. ولا ينبغي أن تتوقف الحركة التكاملية بمجرد بعض الجوائز المعجلة: من المشاهد الغيبية، والانكشافات، وما شابه ذلك.. إذ أن المؤمن لا يقر قراره، حتى يلقى ربه.

 

45. إن البعض يعتقد بتدبيره فحسب!.. ويرى أنه بإمكانه تحقيق بغيته التي يريد، بمعزل عن مباركة الرب تعالى.. والواقع هو: أنه محكوم بسلسلة من القوانين.. هو عليه أن يسعى سعيه المتواضع، والله -تعالى- هو المبارك.. ولهذا نلاحظ في سورة الواقعة، أن الله -عز وجل- ينسب الفعل إليه -تعالى- في قوله تعالى: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}؟.. فالزارع يبذر البذرة، ولكن من الذي يكمل المشوار؟.. إن الإثمار بيد رب العالمين!..

 

46. إن منطق المؤمن أنه يرى بأن أزمّة الأمور طرٌّ بيده، وأن الكل مستمدة من مدده.. والألطاف الغيبية والمدد الإلهي، لا يأتي جزافاً.. ولهذا المدد قواعده وقوانينه وضوابطه، فإن الذي أنزل ملائكة النصر في بدر لم ينزلها في أحد؛ لأنه لم ير استحقاقاً لعباده الذين ما وفوا بعهدهم للرسول (ص).

 

47. إن البعض تستهويه الأذكار بدون عمل، والبعض الآخر تستهويه الحركة العملية المجردة من أي خلفية أخلاقية علمية عملية.. فلا هذا يكفي ولا ذاك!.. إذ لابد أن تكون التنمية شاملة ومتوازنة في كل المجالات.. وإلا فإن الذي ينمّي جانبا دون الآخر؛ فإنه كمن ينمو خلقياً نمواً غير متوازن.

 

48. إن الإنسان كلما اقترب من هدف الخلقة: كلما زاد رقة وشفافية، وكلما زاد إحساساً بالأمن والطمأنينة، وأحس بحلاوة الحديث مع رب العالمين.. وهذا مما يجعل الإنسان المؤمن -في بعض الحالات- تنبت في نفسه بذور الإعجاب والارتياح للذات، فتكون هذه بداية النهاية!..

 

49. إن المرء على دين خليله، يتأثر بأخلاق من يعاشره سلباً وإيجاباً.. ومن المعلوم أن الذي يرتكب الحرام وحده، يعيش حالة الاستيحاش والغربة.. أما عندما يرى مجموعة من البشر يمارسون ذلك؛ فإنه يعيش حالة الارتياح.. ومن هنا أمرنا بترك التعرب بعد الهجرة؛ إذ أن الإنسان الذي يعيش عالم التعرب بعد الهجرة، يعيش في وسط لا يرى المنكر منكراً.. فإنه في البداية قد يستنكر ما يراه أمامه من فساد ومجون، ولكن بعدها يتسامح مع القوم ويدخل في أباطيلهم، وقد يصل به الأمر أن لا يرى قذارة في المنكر، وذلك من المراحل الخطيرة.

 

50. نحن -مع الأسف- لكثرة تكرار شعار الصلوات والأدعية، فإنه لا نعيش الحالة الشعورية، وإنما نكتفي بالحالة الشعارية.. فالإنسان عندما يصلي على النبي (ص)، يجب أن يكون مستحضراً بفكره وبقلبه، بأنه في حالة خطاب مع الله عز وجل، وأنه يخاطب سميعاً بصيراً حكيماً.. وعليه أن يدرك أن عدم الالتفات في الدعاء؛ يعد من سوء الأدب مع الله عز وجل.

 

51. إننا نعتقد بأن كل من في هذا الوجود، يسبح بحمد الله تعالى، ويشكر تلك الموجودات المقدسة، التي وصلت إلى حقيقة التسبيح والعبودية لله عز وجل.

 

52.   إن علينا أن نتأسى بالرسول الأكرم (ص) في أسلوب إصلاح المنحرفين، ونتقن هذه الخطوات:
* الأولى: الحلم والسكوت.
* الثانية: الدنو البدني وتحسيسه بالحنان الأبوي.
* الثالثة: التحريك العقلي والعاطفي والوجداني.
* الرابعة: التوسل بالله عز وجل.

 

53. إن بعض السدود العظيمة -التي تعد مصدراً لتغذية بعض المدن- هي حصيلة من القطرات المائية المتجمعة من هنا وهناك.. وكذلك حياتنا بمثابة تلك القطرات المتجمعة في السدود، فلو جمعنا هذه الساعات المهدورة، لخرجنا بفائدة كبيرة في الدنيا.. بل والأهم من ذلك هو أن نكون ادخرنا زاداً، قد يجنبنا الندامة والحسرة القاتلة يوم القيامة، فيومئذ يكون هو في أسفل طبقات الجنة، بينما يرى من هم من ذوي الهمم العالية بجوار المصطفى وآله (ع) ويا لها من حسرة قاتلة!..

 

54. إن الجانب العبادي، ليس المقصود به الصلاة والصوم والأوراد، بل هو الالتفات إلى عالم الغيب.. فالإنسان بإمكانه أن يعيش عالماً من عوالم القرب من الله -عز وجل- وهو جالس في مكانه لا يتحرك، ويعيش حالة الأنس والارتياح والمعية برب العالمين، بما لا يقاس لا بالأمومة ولا بالعروس.. ذلك الأنس الذي جعل أهل الجنة يتركون القصور والحور، وينشغلون بالنظر إلى جلال الله وجماله.

 

55. إن الإيمان لوحده لا يكفي لبلوغ المراحل الكمالية، وهذا ما تشير إليه هذه الآية الكريمة: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}.. فنلاحظ بأن الله -تعالى- جعل الاستقامة قيداً مع الالتزام بمنهج الإسلام الرباني، لنيل المكاسب الروحية والمادية.. ومن هنا فإنه عند ظهور الإمام المهدي (عج) تكثر الخيرات والبركات، والأرض تظهر كنوزها.. فإذن، إن هنالك ارتباطاً متلازماً بين الرقي الروحي والتقدم المادي، وبين الاستقامة على طريقة التقوى والمجاهدة.

 

56. إن الإنسان المؤمن معطاء: يفرج عن المكروب، ويغيث الملهوف، ويساعد المحتاج.

 

57. ينبغي للمؤمن أن يعيش الهدفية، وإلا سيصل به الأمر، كما نقل عن بعض العلماء، أنه رأى رجلاً ميتا، وهو يعض على يديه من الندامة، لما ينظر إلى خلفه، فيرى صحراء مقفرة لا خير فيها أبدا!..

 

58. ان من لوازم الاعتقاد بمواكبة الامام المهدي (ع) لحركة الأمة، وتحمله لآلامها؛ هو مشاركته هذه الهموم، والتألم الشديد لما هو فيه من الغربة والشدة، تألما لما يجري على الأمة من الويلات والمآسي.. فكم من العجيب عندما نرى الأئمة السابقين له من آبائه (ع) وهم يتألمون لحاله (ع) وهو لم يولد بعد!..

 

59. إن البعض يعتقد أن الدعاء للفرج لا فائدة فيه، بمعنى أنه لا يؤثر في تعجيل الفرج.. حيث أنه أمر ثابت موقوت لا يتقدم ولا يتأخر.. والحال أن هذا التصور يمكن مناقشته: بأن الأمر مما يدخل في دائرة المحو والإثبات، والذي هو بيد الله تعالى.. ولاشك أن كثرة المتضرعين في زمان الغيبة، لها تأثيرها في تحريك الإرادة الإلهية؛ لأنه قطع على نفسه بإجابة الداعي إذا دعاه .. وقد ورد أن الله -تعالى- كان قد قدر الرخاء لهذه الأمة، لولا تورطهم بقتل الحسين (ع).

 

60. إنه لمن المناسب أن نتخذ بعض ساعات الإجابة، موضعا لتركيز الدعاء لصاحبنا (ع) بالنصرة والتأييد، ومنها: قنوت الصلوات اليومية، وذلك بجعلها من المحطات الثابتة للدعاء؛ دفعا للسهو والنسيان.. وساعة الأذان؛ عندها تفتح أبواب السماء.. وكذلك في جوف الليل، عند صلاة الليل .. ولنتساءل: ما هو حال العبد الذي يدعو له إمام زمانه بالنصر والتأييد؟!.. أو هل ترد دعوة أشرف خلق الله -تعالى- على الأرض في هذا العصر.

 

61. الغلو هو أن يعطى للشخصية الإسلامية -سواءً كان نبياً أو وصياً أو صحابياً- المستوى الذي لا حق له فيه ، أو يجعل لهم مقاماً موازياً لرب العالمين إلى حد الشرك.. وهذا ما وقع في التأريخ في المغالين في علي (ع) ، فأقام عليهم الحد وأحرقهم.. وهو أيضاً ما يحدث عند المسيحيين الغلاة ، الذين أعطوا المسيح (ع) مقام العبودية ، وهو قد تبرأ منهم كما ورد في سورة المائدة.

 

62. إن التنقيص وعدم إعطاء الشخصية حقها؛ يعد ظلماً.. كما يرى عند البعض ممن غلبت على عقولهم المادية، فهو قد لا يستوعب المفاهيم الواردة في الذوات المقدسة، فينسب ذلك إلى الغلو، فيستغرب أدنى فضيلة أو كرامة لهم (ع).. فأين هؤلاء من هذه الأمور العجيبة الواردة في القرآن الكريم، التي لولا أنها كلام الله تعالى -الذي نصدقه ونؤمن به- لما صدقت؟!.. فهذا الهدهد الذي ذهب إلى اليمن، ثم جاء بتحليل سياسي عسكري ديني ثقافي!.. وتلك نملة تشخص الموكب وصاحب الموكب!.. وماذا عن ذلك العفريت الذي جاء بعرش بلقيس قبل طرفة عين!..

 

63. مع الأسف أن بعض كلمات النبي الأكرم (ص) تحولت إلى شعار لا نفقه له معنى، تردد فقط في المقاتل لإثارة وجدان الأمة!.. النبي (ص) قال عن فاطمة (ع): (فاطمة بضعة منّي: من آذاها فقد آذاني)؛ ومعنى هذا القول للنبي (ص): أن الزهراء (ع) تمثل الخط المستقيم في حياة الأمة، في كل العصور كأبيها رسول الله (ص).. والذي يتعرض لهذا الخط؛ فإنه في ضلال وانحراف.. ومعناه أيضاً: أن لهذه السيدة الجليلة منزلة راقية عند رب العالمين، وموقع مهم في الرسالة، ونعم ما قاله فيها (ع) الشاعر المفلق الهاشمي (رحمه الله):
حوت خلال رسول اللّه أجمعها *** لو لا الرسالة ساوى أصله الثمر

 

64. إن فاطمة (ع) كانت تتميز بفدائيتها لدينها وشريعتها، كان شعارها أنه (خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال).. ومع ذلك نجدها قد خالفت هذا السلوك عندما اقتضى الأمر لها للخروج ، دفاعاً عن إمام زمانها ، عن الدين والشريعة ، خرجت (ع) في سكك المدينة ، تجر أذيالها إلى المسجد ، وألقت تلك الخطبة المعروفة التي تناقلها الدهر صلوات الله عليها.

 

65. إن من موجبات النصر في حياة النبي (ص) وأصحابه الميامين: تلك الحالة من الوضوح العقائدي، والثبات الفكري الذي كان يبث فيهم روح الشجاعة والاستقامة.. فهذا أحد الصحابة ينادي قومه بعدما أشاع الكفار بأن النبي (ص) قد قتل في معركة أحد: (يا قوم!.. إن كان محمد قد قتل؛ فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-؟.. فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه)، ثم قاتل حتى قتل.. وهكذا عرف هؤلاء المسلمون نبيهم العظيم (ص) من خلال شريعته التي ضحى الرسول (ص) من أجلها بالنفس والنفيس، وهكذا الأوصياء من عترته.

 

66. رغم أن الشريعة أعفت النساء من الجهاد في الظروف العادية، ولكن لا يعني ذلك إعفاؤها عن نصرة الدين فيما أمكنها ذلك -وخاصة في ظروف الضرورة- للقيام بدور مساند للرسالة الإلهية، بدلا من أن تكون عنصر إغراء للرجال فحسب!..

 

67. إن من الملفت حقا في حياة المعصومين (ع) هو استغلال كل موقف في سبيل دعوة الناس إلى التقوى، حتى لو كان ذلك في موقف القتال.. إذ أنهم لم يقاتلوا إلا من أجل إقامة عبودية الله -تعالى- في كل شؤون الحياة.. وهذه خطب علي (ع) وولديه الحسن والحسين (ع) مسجلة في معاركهم المختلفة، والتي تتركز حول التوحيد، وربط الشؤون كلها بالله الواحد الأحد.. وذلك تأسيا بالمصطفى (ص).

 

68. إن من الغريب حقا: أن الكفار عندما رجعوا منتصرين من غزوة أحد، استفاقوا على حقيقة غابت عن أذهانهم -وهم في ضواحي المدينة- قائلين: (لا محمداً قتلنا، ولا الكواعب أردفنا)!.. وهذه نقطة ملفتة للنظر، إذ تعكس التصرف الإلهي في القلوب حتى الكفار، عندما يريد أن يصرف الأذى عن المؤمنين في كل عصر.. فلنتأمل في هذه المقولة؛ لئلا ينتابنا اليأس في عصر كثرت فيه موجبات اليأس!.. ولكن {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

 

69. إن الحركة الدائرية: ليس لها مبدأ، ولا منتهى، ولا هدف فيها.. أي أن الإنسان الذي يمشي في حركة دائرية؛ بعد فترة يبطئ في السير؛ لأنه لا يصل إلى هدف، ويرى أنه مخدوع أو مجبور فيتباطأ في سيره.. بينما الحركة الممتدة حركة فيها نشاط، وهذا النشاط يتضاعف عند الاقتراب من الوصول إلى الهدف.

 

70. إن الإنسان المؤمن له حركة تكاملية، فمنذ أن يخط عليه قلم التكليف، يبدأ الحركة في هذا الحياة: فصلاته في اليوم حركة، وذهابه إلى المسجد حركة، والاستعداد لصلاة العيد، وذهابه للحج حركة... فنحن -بحمد الله تعالى- صباحاً ومساءً في حركة.. ولولا أن الإسلام أوجب علينا الصلاة، وأمرنا ببناء المساجد؛ لكنا كالخشب المسندة.. فالإسلام -بما فيه- لو أخذنا منه فقط الصلاة جماعة والمساجد، تحول إلى لا شيء، فلا قيمة للإسلام الذي لا صلاة ولا مسجد فيه.. فنحن في حركة دائبة، ولكن المشكلة أنه قد نبدأ الحركة الممتدة، وبعد فترة من الزمن نعيش حركة دائرية!..

 

71. إن الذي يعيش الحركة الدائرية، لا يعيش الهدفية من العبادة، هو يعبد الله تعالى، ويصلي، ويأتي إلى المسجد أسبوعياً؛ ولكن جوهر تلك العبادة هو العادة.. وعلامة ذلك ما نراه على وجوه البعض من التهلل والفرح، إذا ثبت هلال العيد.. وفرحهم هذا لا لأنه يوم الفوز والمغفرة والرضوان، بل لأنه سيتغذى غداً غذاء دسماً في أحد المطاعم مثلاُ!.. والحال بأنه ينبغي على المؤمن أن يعيش حالة الوجل والخوف؛ لأنه لا يدري ما مصيره، هل قبل عمله أم لا؟..

 

72. إن من النعم الكبرى في هذا الوجود؛ نعمة الانتماء إلى أفضل الأديان، وإلى أصحاب أفضل المناهج لمعرفة الإسلام.. فكم من الحسرة التي تنتاب البعض عندما يحشرون يوم القيامة، وتصدمهم حقيقة: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}.. ولكن ليعلم أن الحجة كلما كانت أكمل، والعلم كلما كان أبلغ؛ فإن العبد في معرض الحساب الشديد، وسرعة العقوبة.. إذ أن من وقع في دائرة النفحات الإلهية، ليس كمن ابتلى بالعيش في مجتمع الضلال!..

 

73. إن الله -تعالى- يقول في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}.. والبناء الإلهي على عدم سلب النعمة المعطاة، إلا إذا قام العبد بما يخالف تلك النعمة.. فالذي يرى في نفسه هداية واستقامة نسبية، ثم يتوجه إلى المنكر؛ فإنه سيصل إلى مرحلة لا يجد فيها حلاوة الإيمان في قلبه، بل قد يرى حلاوة الباطل في نفسه الميالة إلى الشهوة.. والعبد إذا وصل إلى هذه المرحلة، فإن حركته تسافلية إلى الهاوية ، بـ: دفع الشيطان من ناحية، والنفس الأمارة من ناحية أخرى.

 

74. إن النعم تدوم بالشكر، بل إن الله -تعالى- وعد بالزيادة في نص الكتاب الكريم.. وليعلم أن الشكر الواقعي، هو تحويل النعمة إلى أداة لرضا الله تعالى، ولخدمة المخلوق.. فليس شكر نعمة المال -مثلا- أن يشكر العبد ربه في عالم الألفاظ، تاركا الإنفاق الواجب والمستحب.. والحال أن الله -تعالى- جعل في الأموال حقا معلوما للسائل والمحروم.. ولو عمل الناس بهذا الشكر العملي في نعمة المال، فهل يبقى فجوة فقر في حياة الأمة؟!..

 

75. إن البعض يركز على الجانب السلبي في الحياة، فيرى ما حرم منه، ولا ينظر إلى ما أعطى من الامتيازات وإن كانت كثيرة!.. إن هؤلاء يجمعون في أنفسهم بين: الاضطراب الباطني، والتبرم من قضاء الله وقدره.. فالحق أن ننظر دائما إلى الأشد محرومية، بدلا من مد العين إلى ما متع الله -تعالى- به أزواجا منهم، زهرة الحياة الدنيا ليفتنهم فيه!..

 

76. إن آثار الصلاة الخاشعة آثار طويلة المدى، تمتد لتشمل جميع جوانب الحياة.

 

77. إن البعض يعلق تفاعله في الدعاء، على جو خاص، وجمع معين.. والحال أن عليه التحرر من كل قيد، فهو -تعالى- جليس من ذكره أينما كان، وهو الذي يحب أن يدعى في كل حال.

 

78. إن الإنسان يحلق في شهر رمضان في أجواء التوحيد، والمناجاة، وكبت النفس عن الشهوات، وتلاوة الكتاب الكريم.. فالغالب على ذلك الشهر، اللون التوحيدي.. وهذا اللون يتجلى بشكل واضح وصريح في ليالي القدر المباركة، حيث يقضي المؤمن ليله من المغرب إلى مطلع الفجر، وهو يذكر ربه ذكرا متميزا بليغا.. فالإنسان يحتاج في نشاطه اليومي، وفي حركته اليومية إلى هذه الصلة الوثيقة برب العالمين.. ومن منا يمكن أن يعيش، وهو مبتور الصلة بمنشأ الفيض، والهبة العظمى في هذا الوجود؟..

 

79. إن لكل حركة برمجة.. فالإنسان الذي لا يبرمج حركته، من الممكن أن يصل إلى بعض الأهداف، أو إلى بعض المكاسب؛ ولكن حركته هذه حركة غير رتيبة.

 

80. علينا أن ننظر إلى خط الإمامة كمنهج متكامل في شتى الأبعاد: فها هو الحسين (ع) -الذي يمثل حلقة من حلقات هذه السلسلة المباركة- نراه تارة في أعلى صور العبودية والتذلل لرب العالمين في مناجاة يوم عرفة، التي قل نظيرها في مناجاة بشر مع ربه.. ونراه تارة في حالة تثبيت حاكمية الله -تعالى- على الأرض، من خلال خطبه السياسية عند خروجه من المدينة.. ونراه تارة داعيا من حوله من أصحابه إلى التعلق الروحي بالمبدأ الأعلى، من خلال وصاياه في ليلة عاشوراء.. فكان لهم دوى كدوي النحل ليلا، وصرخات كزئير الأسود نهارا.

 

81. إنَّ ما جرى على أهل بيت النبي (ص)، لم يجر على أحد طوال التاريخ، من خلقة آدم إلى قيام الساعة، مصائب شتى ومتنوعة: من قتل الكبير، والصغير، والرضيع، إلى الشيخ الطاعن في السنِّ، إلى سبي النساء.. وكأنّ الله -تعالى- أراد أن يعطي درساً لهذه الأمة، عندما تنحرف عن المسيرة.. هنالك سنة إلهية، ومن لا يعمل بها؛ يعاقب.. مثلا: آدم (ع) ترك الأمر الإلهي بعدم الاقتراب من الشجرة المنهية، وإذا به يطرد من جنة الخلد، ويبتلى بالأرض ومشاكلها.. والله -سبحانه وتعالى- أكمل الدين يوم الغدير {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}، فوضع عليا (ع) على قمة هرم المسلمين؛ ذلك الذي جمع صفات الكمال، في شتى حقول حياة الأمة.. ولكن الأمة أيضاً اقتربت من الشجرة المنهية، فطردت كذلك.

 

82. إن إقصاء الحسين (ع) عن ترأس الحكم، وعن زعامة الأمة، وعن إمامة الخلق؛ آثاره لاتزال إلى يومنا هذا.. لأن نظرية الحكم، ونظرية الإدارة؛ هذه الشؤون متوقفة على الإمامة، فعندما أقصوا من زعامة هذه الأمة، من الطبيعي أن تصير الأمور إلى ما نحن عليه.. فإذن، ليس هذا حدثا وقع في التاريخ، وانطوى ملفه.. إنَّ وارث هذا الدم، هو الإمام المهدي (عج)، وهو الذي حين يخرج من بيت ربه، فإن أول شعار يرفعه، شعار طلب الثأر لدم جده الحسين (ع): (ألا يا أهل العالم، إن جدي الحسين قتلوه عطشاناً)!..

 

83. إن مبدأ الحوار والتفاهم بالخطاب، هو الأسلوب المتعارف في تبليغ رسالات الأنبياء (ع) وهو ما يمثله قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} ولكن يصل الأمر في فساد المتسلط على رقاب الأمة، إلى ما يكون الإنذار والبلاغ غير كاف لردع الباطل الأكبر: وهو فساد من إذا فسد، فسدت الأمة به إذ (الناس على دين ملوكهم).. فيلزم القيام بحركة ما وراء البيان والبلاغ، ألا وهو القيام بحركة غير متعارفة من بذل الدم، لتستفيق الأمة من أعماقها، على فساد ذات الحاكم، بعدما غفلت الأمة عن فساد أعمال الحاكم!.. ومن هنا انهار الحكم الأموي بسنوات قصيرة من مقتل الحسين (ع) بل اعتبرت ثورته هي أم الثورات، التي انبثقت في صفوف الأمة، التي لم تعهد مثل ذلك من مقتل الشهيد (ع).

 

84. إنَّ من آيات الله -عز وجل- في الأنفس، هذا الإقبال الغريب على مجالس عزاء أبي عبد الله الحسين (ع)، المنتشرة في مختلف بقاع الأرض!.. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}..

 

85. إن الذي خلد الصفا والمروة، وزمزم، والحجر؛ هو أيضاً الذي خلد ذكر الحسين (ع).. هاجر تبتلى بعطش ولدها، فيرتفع هذا العطش إلى ذلك النبع الخالد، فكيف بمن قدم الشهداء والأضاحي واحداً بعد الآخر؟.. إن الذي كتب الخلود لإبراهيم وآل إبراهيم لمجرد عطش في سويعات من نهار، كيف لا يكتب الخلود لهذه الفتية؟..

 

86. إن الإنسان ما هو إلا مستخلَف على المال، فلينظر كيف يؤدي حق هذه الأمانة، ويخرج ما عليه من الواجوبات الشرعية، ويحافظ عليها.. والرسول الأكرم (ص) في قوله: (واغتنم غناك قبل فقرك)، يشير إلى أن المؤمن ينبغي له أن يكون دؤوباً في عمله، مستغلاً لذلك المال في طرق الخير، والتي تكون زاداً له في الآخرة.

 

87. بعض الآباء -بسوء تصرفاتهم- يعطون صورة قاتمة للدين لهؤلاء الأبناء، الذين نشؤوا على الفطرة المستقيمة، ولا يعرفون الحرام والانحراف.. والبعض الآخر -للأسف- تراه يزج بهم زجاً في الهاوية بأخذهم إلى دول الكفر، وأماكن انتشار اللهو الفساد.

 

88. إن الإمام الحسين (ع)؛ يعطينا درسا في التعبد، والخضوع المحض، أمام إمامه.. وهذا درس لنا في زماننا المعاصر، وهو أن نعيش حالة الطاعة المطلقة لبقية الماضين من سلسلة الأئمة الإثني عشر.. وثمرتها في زمان الغيبة، هو الرجوع إلى المجتهد: الصائن لنفسه، والمطيع لمولاه، والمخالف لهواه، كما ورد في الحديث الشريف: (فأما من كان من الفقهاء: صائناً لنفسه، حافظا لدينه، مخالفاً هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فعلى العوام أن يقلدوه).

 

89. إن الحسين (ع) بحركته الخالدة، التي تعرض فيها هو وعياله لما قل مثيله في التاريخ -سواء قبل الاستشهاد وحينه وبعده- أراد أن يبـّين للأمة ثمرة الغرس الذي نشأ بعيداً عن: نمير الغدير، ودوحة المباهلة، وواحة الثقلين.. ولولا هذه الهزّة العنيفة لضمير الأمة، لسارت الأمور في مجرى آخر لا يعلم عاقبته إلا الله تعالى.. ومن هنا نعلم معنى قول النبي (ص): (حسين مني، وأنا من حسين).

 

90. إن مأساة الحسين (ع) بدءً من خروجه من المدينة، إلى عودة سباياه إلى المدينة مرة أخرى، وما بينهما من الأحداث الجسام، رغم تعدد ألوانها المأساوية، إلا أنها مصطبغة بلون واحد، وهو العنصر المميز لكل حركته، ألا وهي العبودية المطلقة لله رب العالمين.

 

91. إن من معالم الثورة الحسينية، حرص سبايا الحسين (ع) على تبليغ رسالته، في شتى الظروف القاسية، وذلك بمنطق المنتصر، وان كان مغلوباً ظاهرا.. فهذه زينب (ع) يصفها الراوي: ما رأيت خفرة (أي شديدة الحياء) بأنطق منها!.. فإنها جمعت بين: كمال الالتزام بما تمليه الشريعة على الأنثى عند حديثها مع الرجال، وبين بيان المنهج الفكري الذي ينبغي أن ترجع إليه الأمة، والتي من أجلها ضحى أخوها الحسين (ع) بنفسه.

 

92. إن من موجبات التوكل على الغير: ترقب الموت، أو القصور الإدراكي، أو العجز العضوي، أو عدم الميل والرغبة في القيام بالأمر.. وبلا شك أن كل هذه العناصر -الحياة، والقدرة، والرحمة- مستجمعة في رب العزة والجلال.. إذ هو الحي الذي لا يموت، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه}، وهو العزيز القدير، ومن بيده كل الأمور، والشفيق الرحيم بعباده، قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}.

 

93. إن البعض قد يخطئ في مفهوم التوكل؛ فيقع في الإفراط: بأن يوكل الأمور كلياً إلى الله -تعالى- دون اللجوء والعمل بالأسباب.. أو التفريط: بحيث يعتمد على الأسباب بشكل مطلق.. والحال بأنه من اللازم الجمع بين الأمرين: الأسباب، والاعتماد على الله تعالى.. نعم، إن الله -تعالى- القادر على كفاية كل أمر؛ ولكنه -سبحانه- أبى أن لا يجري الأمور إلا بمسبباتها.. عن الإمام الصادق (ع): (أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم، بالأسباب التي سببها لذلك، وأمرهم بذلك). وقول النبي (ص) للأعرابي -لما أهمل بعيره، وقال: توكلت على الله-: (اعقلها وتوكل)!..

 

94. إن الذي تتحقق فيه آية تحبيب الإيمان، وتزيينه في القلوب، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان؛ هل يصبح لديه ميل للحرام أو إعراض عن واجب أو مستحب؟!.. وأيضاً الذي كره الله انبعاثه، فثبطه، وجعله من القاعدين؛ هل يمكنه التقدم والعمل المرضي لله جل وعلا؟!.. نعم، هذا اللطف والتسديد أو التقييد، بمثابة المنّ والعقوبة الإلهية، لمن له أهلية استحقاقية لأي منهما.

 

95. كم من الجميل أن يحسن المرء الاستماع والإتباع، فيلتقط ما يقوله الخطيب من الجواهر، ومن ثم يطبقها في حياته العملية!..

 

96. إن المؤمن يستقبل العلامات ويحللها في نفسه؛ فإذا رأى نفسه عندما يذنب في النهار، يحرم صلاة الليل، فيمنع الرزق، وترتفع عنه الحماية الإلهية، فينزل به البلاء.. إذا لاحظ هذه السلسلة المتعاقبة، والتي قد تكون بسبب ذنب صغير مثلاً؛ فإنه بلا شك يرتدع في المرة القادمة عن مقارفة مثل هذا الذنب، ويحترس أكثر!..

 

97. لا شك في أن أمنية الأماني: أن يعمر الإنسان في هذه الحياة، ولا سيما إن كانت في طاعة الله تعالى.. قال الإمام الصادق (ع): (إن الله -تعالى- لم يجعل للمؤمن أجلا في الموت، يبقيه ما أحب البقاء.. فإذا علم منه أنه سيأتي ما فيه بوار دينه، قبضه إليه مكرما).. أي إن الله -تعالى- إن علم بأن في عبده خيراً، وأن في حياته مصلحة وخدمة للدين؛ أبقاه إلى ما شاء تعالى.. ولكن إذا ما رأى أنه سيودي بنفسه إلى التهلكة، قبضه إليه مكرماً ورأفة به.. ومن هنا كثر موت الفجأة إزاء انتشار الفساد -هذه الأيام- بكل صوره.. ولهذا من المناسب أن يدعو المؤمن ربه أن يجعل بقاءه في كل خير يحبه ويرضاه، وإلا فالموت خير من الحياة على المعصية!..

 

98. بلا شك أن المواظبة على الاستغفار بتوجه في القنوت، وعقيب الفرائض، وبعد الذنب مباشرة؛ كافٍ لأن يبطل مفعول هذا العفريت الذي اتفق مع الشيطان على إغواء بني آدم.

 

99. إن عاقبة الإنسان -حسناً أو سوءاً- ليست بعملية فجائية، كما يعتقد البعض.. إذ لكل نهاية بداية، فالذي يبدأ مشواره الحياتي صحيحاً، بلا شك أنه سيضمن العاقبة الحسنة.

 

100. إن الذي يضمن لنفسه الاستقامة في فترة فوران الشهوات -فترة المراهقة، ما دون سن الثامنة عشر- يضمن الاستقامة بعدها طوال حياته.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج