100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الاستناد إلى الأوهام، واللجوء إلى السحرة والمشعوذين، من الأساليب الخاطئة التي يتبعها البعض.. والحال أن الحل الصحيح -لمن يشتكي تغيراً في نفسه أو في الغير- هو أن يراجع سلوكياته، لعله هو السبب، واللجوء إلى مقلب القلوب والأبصار.

 

2. يقول النبي (ص): (الشقي شقي في بطن أمه، والسعيد سعيد في بطن أمه).. في حين أن علم الله الأزلي بعواقب الأمور، لا ينافي أبداً مسؤولية العبد، وليس ذلك بجبر.. ولهذا جعل للمؤمن محطات مهمة لتغيير المقدرات: كليالي القدر، وليلة النصف من شعبان.. إذ يسأل ربه أن يمحو اسمه من ديوان الأشقياء، ويثبته في ديوان السعداء.

 

3. إن الذنوب تورث قساوة القلب.. إذ يفقد صاحبها حالة التفاعل الشعوري، أثناء مجالس الذكر: الدعاء أو العزاء.

 

4. إن مراقبة السلوك، وترك الحرام -قدر الإمكان- بكل صوره، والاستغفار عند الوقوع في الحرام؛ من موجبات حسن العاقبة!..

 

5. إن تذكر الموت والقيامة: يوجب الانزجار، والردع عن المحرمات، ويبعد عن الركون إلى الدنيا وشهواتها الفانية.. كان رسول الله (ص) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت، فيقول: (أكثروا ذكر الموت!.. فإنّه هادم اللذات، حايل بينكم وبين الشهوات).
 

6. إن حسن العاقبة، لا تقتصر على الفرد الواحد فقط، بل أيضاً هنالك حسن عاقبة للأمة، وهو بلا شك لا ولن يتحقق إلا بفرجه صلوات الله وسلامه عليه.

 

7. إن البداء في عالم التكوينات هو كالنسخ في عالم التشريعات.. إذ من المعلوم أن هناك آيات ناسخة ومنسوخة في القرآن الكريم، مثل الآية التي تنص على تحويل القبلة من جهة بيت المقدس نحو الكعبة، فبلا شك أن الله -تعالى- يعلم منذ بداية الدعوة أن المسلمين سيأمرون بالتوجه إلى الكعبة، ولكن لمصلحة هو يراها جعل التوجه نحو بيت المقدس.. وكذلك الأمر في عالم التكوين، فالله -تعالى- يعلم بأن هذا العبد سيقوم بعمل ما: خيراً كان أو شرا، يوجب له تغيير المقدرات.. ومن هنا تتجلى قدرة الله -تعالى- في عدم الخضوع إلى السنن والمقدرات المكتوبة منذ الأزل، فهو كما وصف نفسه جل وعلا: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.

 

8.  إن البداء له وجهان: فتارة يكون في عالم الأسباب (قبل الحدوث)، وتارة في عالم المسببات (بعد تهيئة المقدمات)، أما إذا قضي الأمر فلا بداء فيه.. كمثل إنسان يتقدم إلى مرمى السهام، فيبدو لله تعالى -في هذه الحالة- وجهان: إما أن يتدخل في عالم الأسباب، فيمنع هذا الإنسان من التقدم خطوة إلى الأمام، كأن يوقعه في حفرة أو يرسل عليه ريح عاصفة.. أو أنه بعدما تتم المقدمات، ويصبح في المرمى، يتدخل في عالم المسببات، بأن تكسر السهام أو تنحرف مثلاً.

 

9. إن موطن السعادة: هو القلب.. وذلك لا يتحقق بمجرد إشباع الشهوات، أو بتلبية الرغبات المادية، وإنما باستشعار حالة الاطمئنان، كما في قوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. وبتأمل بسيط في هذه الآية، نلاحظ أن: (ألا): أداة تنبيه، إشارة إلى أمر مهم؛ (بذكر الله): فتقديم ما حقه التأخير في اللغة العربية يفيد الحصر؛ (القلوب): الجمع المحلى بأل يفيد العموم.. وفي هذا دلالة أكيدة على أنه لا يوجد قلب في الوجود يطمئن إلا بذكر الله تعالى، وأما ما عداه فإنه وهم في وهم.

 

10. إن من موجبات السعادة، أن يكون الإنسان أنسه مع نفسه، فلا يستوحش إذا خلا لوحده، أو يعيش حالة الضيق والأذى، قال الصادق (ع): (السعيد من وجد في نفسه خلوة يشغل بها).
 

11. إن الإنسان الغافل، المتقاعس، البطال، الذي لا يحب التكامل؛ حاله كما يقول الشاعر:
ومن لا يحب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر

 

12. إن من موجبات الشقاء؛ حالة الملكات الخبيثة في النفس.. فالإنسان الحسود -مثلاً- يعيش الاضطراب والتوتر والحقد.. وبالتالي، فلا مجال له أن يتفرغ لا لطلب العلم، ولا للعمل الصالح.. وعليه، فإن خلو الصدر من الأمراض الباطنية؛ من موجبات تحقيق السعادة.

 

13. إن استشعار أزمة هذه الأمة، من فقدان الحجة الظاهرة، والحبل المتصل بين الأرض والسماء.. حيث فقد النبي (ص)، وغيبة الوصي؛ من موجبات الشعور بالغربة، ودافع للدعاء بتعجيل الفرج، كما نقرأ في دعاء الافتتاح: (اللهم!.. إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وتظاهر الزمان علينا).

 

14. إن المتأمل في وداع الرسول (ص) لأهله وأصحابه، يجد فيه كماً هائلاً من الحزن والألم.. برغم أنه سيلاقي ربه الحبيب الأوحد، فلمَ يا ترى ذلك؟!.. أ لعلمه بما سيحل بوصيه، وفلذة كبده، وبريحانتاه: الحسن، والحسين من بعده؟.. أم غماً وكمداً، على أمة خالفت نبيها، وعملت ما يوجب لها النار، وهو نبي الرحمة، الحريص على هدايتهم، إذ حتى في ساعة لقائه بربه، كان يدعو: (ربي سلم أمتي من النار!.. ربي سلّم أمتي من النار)!.. فهل تستحق أمة لم تراعِ نبيها في أهل بيته شفقته!.. ثم هل فكرنا في هذا الأب الشفيق، وعرفنا حقه علينا؟!..

 

15. إن السيئة تجر العقوبة والوبال على صاحبها دنيا وآخرة، فإن الله -تعالى- على كل شيء حسيب!..

 

16. إن عقوبة الحسود، الحرمان من التجليات الإلهية،؛ لأن نفس الحسود نفس ممقوتة، ولا يمكن أن تكون قابلة للتجلي الإلهي، الذي يعد من أغلى وأنفس الهبات في الوجود!.. وهنيئاً لمن وصل إلى هذه الدرجة: بأن يعيش حالة المعية الإلهية في نفسه في كل أحواله في الدنيا والآخرة!.. 

 

17. لا يمكن للسواد العالق في النفس أن يبقى طول الدهر دون أن تتعدى آثاره للخارج: غيبة، نميمة، سباً، شتماً، ضرباً، قتلاً.. فمن كان يصدق بأن إبليس الذي كان أعبد خلق الله، يصل إلى هذه الدرجة من الطرد من رحمة الله تعالى، نظير تكبره واستنكافه عن السجود لآدم (ع)!..

 

18. إن الخشوع في الصلاة كاشف عن حالة راقية في الإنسان، وعلامة على حالة من الارتباط والانسجام بين الخالق والمخلوق.. وعليه، فإن من يريد أن يعلم درجته عند الله تعالى، ويعلم مدى سلامة قلبه وروحه العالية، فلينظر إلى مستواه في صلاته.. ولا شك بأن عدم الإقبال في الصلاة والتفاعل في مجالس الذكر الإلهي؛ دليل نقص في العلاقة مع رب العالمين.

 

19. إن الحسد مرض ينبغي المبادرة لعلاجه، قبل أن يستفحل ويصبح مستعصياً.. ومن المعلوم أن العلاج فرع معرفة العلة!..

 

20. لا يختلف اثنان في أننا في عصر قلّت فيه موجبات التكامل، من حيث كثرة المغريات والمفاسد المواكبة لحركة التطور.. ولو أن إنسانا ترك نفسه بدون أي عوامل؛ فإنه يرجع القهقرى.. ومن هنا: لزم حمل هم النفس وترقيتها.. ولزم التفكير الجاد فيما بعد الموت: حياة البرزخ، وعرصات القيامة، والوقوف بين يدي رب العالمين؛ قبل أن يفوت الفوت، ويغزوه الشيب.. ولزم إتقان الصلاة.. فلو أن أحدنا مارس عملاً ما، فإننا نجده بعد مدة بسيطة يتقن هذا العمل، فما بال صلواتنا هي هي لا تتغير عن سن البلوغ!.. ألا يستدعي هذا الأمر إلى قليل من التفكير لمعرفة الأسباب؟..

 

21. إن نقطة البدء كما قال علي (ع) هي الصلاة.. علينا بإتقانها بقالبها الظاهري والباطني، والإتيان بها في أوقاتها؛ وعدم التهاون في معرفة مسائل الطهور، وعدم التكاسل في تأديتها أول الوقت، وبالخصوص صلاة الفجر الضائعة بين الفرائض.. فلماذا هذا التكاسل عن صلاة الفجر؟.. ومن المعلوم أن الجلوس بين الطلوعين، أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض!..

 

22. إن من مصاديق التهاون في الصلاة: تركها عمداً بعضها أو كلها، أو تأخيرها عن أول الوقت بغير علة، أو تأديتها في حالة سهو ولهو.

 

23.  لاشك أن الذي يتهاون في صلاته، تمر عليه الأيام والليالي، والسنون تجر وراءها السنون، وينقضي عمره.. وإذا هو صفر اليدين مفلسٌ، يقلب كفيه حسرة على ما فرط في جنب الله، وحينئذ لا ينفع الندم ولات حين مناص!..

 

24. لا خلاف في أن الحبيب مستجيب لحبيبه، والإنسان المتهاون في صلاته؛ يفتقد إلى العلاقة الحميمة مع رب العالمين.. إذ لا توجد بينه وبين الله -تعالى- ألفة ومودة، توجب استجابة الدعاء.. مثله كمثل إنسان وفد على وزير وبينهما عداء، فيا ترى هل يقضي حاجته مهما كانت بسيطة؟..

 

25. إن الإنسان الذي يتهاون في صلاته، يخرج من دائرة المؤمنين، وإن انطبقت عليه بعض العناوين العامة من ولاية علي وذريته (ع).. وبالتالي، فإنه لا حظ له في دعاء الصالحين، وفي رواية جميلة عن الإمام الصادق (ع) أن أحدهم سأله: جُعلت فداك !.. علّمني دعاء جامعاً، فقال له: (احْمَدِ الله، فَإِنَّهُ لا يَبْقَى أَحَدٌ يُصَلِّي إِلا دَعَا لَكَ، يَقُولُ: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ").

 

26. من المعلوم أن من أصعب الحالات على الإنسان، ساعة فراقه الدنيا ونزع روحه.. حيث يعيش عوالم كثيرة وشديدة، لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ وهي بلا شك أشد على المبتلين بالمعاصي، فالحذر الحذر!.. فإن الله -تعالى- على كل شيء حسيب!..

 

27. إن الكثير من الناس قد تأخذهم الغفلة في هذه الدنيا، ولكنه عندما يستيقظ يوماً على واقعه المرير، ويجد نفسه على مزبلة نتنة قذرة، ترى الشيطان يعرض له ويكون له بالمرصاد ليحول دون المبتغى، قائلاً: أنه مالك أنت وهذا الطريق، فهذا شأن العلماء وأصحاب الحوزات!.. أبَعَد هذا العمر، وبعد أن اشتعل الرأس شيبا، تنشد تغييراً أو حضوراً للدرس!.. الفرصة قد ضاعت عليك، فدع الأمر للشباب ممن هم دونك!.. والحال بأن العمل على إيقاف الخسارة في أسرع ما يمكن، ربح في حد ذاته، كما هو الملحوظ عند بعض التجار الأذكياء.. فينبغي الحذر الشديد من الشيطان، الذي همه تثبيط الهمم والتثاقل إلى الأرض، فما أشد حرصه على الغواية والحول دون الخروج من سلطان الهوى!..

 

28. إن الأمر لا يحتاج إلى كثير تعقيد أو جهد مخيف، فإن الالتزام بصلاة أول الوقت هو مفتاح لكل البركات.. ومما ينقل عن أحد العلماء الكبار، أنه قبيل وفاته أراد أن يلخص تجاربه في الحياة فأوصى تلاميذه قائلاً: (عليكم بصلاة أول الوقت).. وما أجمل أن يتوج ذلك بالالتزام بالصلاة جماعة في المسجد، إذ لا يخفى أهمية ارتياد المساجد من ناحية تعلم معالم الدين أحكاماً وثقافة.

 

29.  إن لكل منا في هذه الحياة نصيبا من همّ أو حزن أو بلاء، بعد أن يقطع المبتلى منا طريق الكرب والغم؛ ليشعر بالبؤس والانهزام.. رافعاً رايته البيضاء، معلناً الهزيمة والاستسلام، ناشراً أعلام التعاسة، جاراً أذيال الهزيمة، متقاعساً عن العمل، وإدارة الأمور بشكلها الصحيح، مخفقاً في جميع شؤون حياته.. ناسياً أن الإنسان لم يتوصل إلى ما وصل إليه اليوم، من تقدم ورقي وتطور، إلا بمجاهدته للهزيمة، وتصحيحه للخطأ.. فتاريخ الإنسانية على الدوام إن هو إلا تاريخ أخطاء الإنسانية، فإن كل فرد منا يعتبر مديرا لدائرة من الدوائر -ضاقت أو اتسعت- بدءا بنفسه وانتهاء بالمجتمع.. ولكل دائرة من تلك الدوائر، أزماتها المرحلية أو الدائمة.. ومن هنا لزم علينا أن نتعلم فن إدارة الأزمات؛ لئلا نهدم ما بنيناه -بسوء الإدارة- في يوم واحد.

 

30. إن عدم الإحساس بالتبرم واليأس، وعدم الانهيار والاستسلام، هو أول خطوة في علاج الأزمات.. فإن اليأس يعتبر نقطة الموت للنفس، فالحل هو القبول الواعي لهذه النقطة، مصداقا للحديث القائل: (إن لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون).. ثم التأمل والتدبر في الحل، بدلا من زرع (ليت، ولعل) لتكون الثمرة الخيبة والخسران.

 

31. إن الالتجاء إلى العقل في تحكيم الأمور، هو المنجي دائماً.. إذ أن الباري قد ميز بني آدم عن غيره من سائر المخلوقات، بهذا العقل الذي يعد نعمة عظيمة.. وكما قد ورد في الروايات، أن الله بالعقل يعاقب، وبالعقل يتجاوز ويسامح.. ومن السنن الإلهية لهذه النعمة العظيمة، وكقاعدة إلهية مقدسة: (إذا أخذ ما وهب، سقط ما وجب).. فعلى الكل تحكيم عقله في الأمور؛ ليجعله سائقاً إلى رضوان الله في جنان الرحمة الأبدية.

 

32. يحسن بالمؤمن أن يستشير في أمور حياته؛ أهل الفكرة والبصيرة.. فإن من شكا إلى المؤمن، فكأنما شكا إلى الله تعالى، ومن شكا إلى غيره فكأنما شكا الله تعالى.. كما يحسن الالتجاء لصلاة الاستخارة العامة؛ بمعنى القيام بركعتين، ثم الطلب من الله ما فيه الخير والعافية؛ ليكون ما يلقى في الروع -بعدها- إلهاما ربانيا.

 

33. قال تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} إن الله -عز وجل- أمر الإنسان بالسعي على هذه الأرض، لجني خيراتها والحصول على بركاتها، لقوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}.. وأما نتائج هذا العمل، فهو بيد المولى.. يعطي من يشاء كيف يشاء بما يشاء، من غير حساب ولا ثواب، بل بيديه المبسوطتين ينفق كيف يشاء.. لذا فإن ترغب النتائج المرجوة من جني الثمار اليانعة، أمر مذموم في حال وجود مقسم الأرزاق ومعطيها.

 

34. من الضروري أن نبحث عن الخطايا الخفية في حياتنا، والتي تكون سببا للعقوبات الربانية العاجلة.. ألا وهو ظلم العباد، وخاصة من لا يجد له ناصرا إلا الله تعالى.. فان الله سريع الانتصار لعبده المؤمن، بعكس حقوقه عز وجل، فإنه قد يتغاضى عنها قدر الإمكان؛ ليفتح باب التوبة على مصراعيه، لمن أراد الضيافة الإلهية، والعفو الإلهي، والتزود من مأدبته الكريمة عز وجل.

 

35. لا خلاف في أن من موجبات الهم والغم الأكيد، غيبة الإمام صاحب العصر والزمان (عج)، وخصوصاً بأن كل ما يحدث على هذه الأرض من: مآسي، وظلم، وإسالة للدماء؛ يعود إلى غيبته (عج)، لأنه بظهوره -كما هو موعود- ستملأ الأرض قسطاً وعدلا، بعدما ملئت ظلماً وجورا.. ومن هنا نجد أن أئمتنا (ع) كانوا يعيشون حالة من الأسى والحزن الشديد على هذه الغيبة قبل أن يولد (ع).

 

36.  إن العبد قد يصل في هذه الحياة -بعد درجة من المجاهدة- إلى استكشاف بعض ما خفي عن أهل الدنيا المقيدين بسلاسل المادة.

 

37. إن من وظائفنا في زمان الغيبة: انتظار الفرج.. ومن خلال ما ورد في الراويات: -أن أفضل أعمال الأمة هو انتظار الفرج.. وانتظار الفرج من الفرج .. وانتظار الفرج من أعظم الفرج- نستدل على أن مفهوم الانتظار متضمن لمعانٍ كثيرة، فمنها أنه يكشف عن الاهتمام بأمر الأمة، وليس فقط الاهتمام بالاستقرار الشخصي فحسب!.. وكذلك أن فيه دلالة على أنه عمل، لا مجرد إبداء للتمنيات والآهات والأشواق.. فمن سمات الإنسان المنتظر: عدم الاسترسال في الشهوات، والعروج بالنفس نحو الكمال.

 

38. إن من كواشف الارتباط بالإمام (عج)، ما جرت العادة عليه من الوقوف عند سماع اسمه الشريف، ووضع اليد اليمنى فوق الرأس.. وهذه الحركة مأثورة عن أهل البيت (ع)، وفيها دلالة تعظيمية، وتسليم لأمره (عج)!..

 

39. من وظائفنا في زمان الغيبة: الالتجاء إلى الله -عز وجل- بالدعاء بالثبات على الدين، والسلامة من فتن آخر الزمان، حيث الابتلاء بالشهوات والشبهات.. وهنا أمرنا في زمان الغيبة ببعض الأدعية، ومنها دعاء الغريق، وهو أن يقول المؤمن: (يا الله !.. يا رحمن !.. يا رحيم !.. يا مقلّب القلوب !.. ثبّت قلبي على دينك).. غير أنه لا يعني ذلك الاكتفاء بالدعاء فحسب، وإنما يلزم المؤمن السعي في تحصين نفسه: تكامل في الروح، والفكر، والعقيدة؛ مثله مثل الإنسان الذي يطلب الرزق، ويسعى جاهداً في تحصيله.

 

40. إن الإمام (عج) هو الحبل المتصل بين الأرض والسماء، فإليه مختلف الملائكة، وما من أمر إلا ويعرض عليه (ع).

 

41. قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.. من الواضح أن هنالك تقسيما في هذه الآية أساسه انشراح الصدر.. وخلاصته: بأن المسلم المنشرح صدره يتقبل الدين بكل وجوده، بخلاف ضيّق الصدر الذي قد يكون إسلامه إتباعاً لآبائه وأجداه، أو ضرورة بيئية، أو ما شابه ذلك.. ومن هنا فإن الأول يكون على نور من ربه، بينما الثاني فهو على ضلال مبين.. ومن المؤكد أن المؤمن يحتاج إلى هذا النور في شتى شؤون حياته: إقداماً أو إحجاماً.. فإن السائر على غير هدى -كما في الراويات-لا تزيده كثرة السير إلا بعدا!..

 

42. إن الإنسان المتبرم ضيق المزاج، ضيق الأفق.. وبالتالي، فهو عرضة للكثير من الهواجس الباطنية، فتراه لأتفه الأمور ينقلب رأساً على عقب.. والحال بأنه من المناسب للمؤمن أن يكون على مستوى عالٍ من الهدوء الباطني، ولا يتأثر بالهواجس الشيطانية!..

 

43. إن الإنسان ضيق الصدر يعيش حالة مزاجية سيئة.. وبالتالي، فإنه يفقد التركيز في مجال عمله، ولهذا نلاحظ بأنه قد يقرأ في الكتاب المرة والمرتين بدون استيعاب!..

 

44. إن الإنسان الفظّ، غليظ القلب، إنسان غير مقبول في المجتمع.. فهو لا يحتمل، ولا يطاق: لا في أسرته، ولا في عمله.. وعلى عكسه الإنسان المستبشر، واسع الصدر.. حيث يكون ناجحا في عمله، بل يحظى بأعلى الترقيات والمناصب!.. ومن هنا فإن الله -عز وجل- يصف نبيه المصطفى (ص)، فيقول تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}.

 

45. إنه من المناسب للمؤمن أن يعتمد على هذين الأمرين في مواجهة مشاكله الحياتية: الأول: السعي المادي في حل المشكلة بقدر وسعه وطاقته، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.. والثاني: تفويض الأمر لله عز وجل.

 

46. إن الإنسان ضيق الصدر، غالباً ما يبتلى ببعض الأمراض العصبية المزمنة: كالكآبة، أو انفصام الشخصية، أو الهلوسة، وغير ذلك.

 

47. إن المؤمن رفيق في التعامل مع الآخرين، وخاصة مع أهل المعاصي، بعيد عن أسلوب الزجر والعنف؛ تطبيقاًً لأمر الله -تعالى- لموسى حينما أمره بالتوجه لفرعون، حيث قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.

 

48.  إن الحلم غطاء ساتر، والإنسان الذي يواجه حالات الغضب بالهدوء والصمت؛ يغطي على سيئاته.. وبالتالي، يجنب نفسه موجبات الاعتذار.

 

49. إن المؤمن وبالأخص من له وجاهة عند الناس، ومعروف بالتدين، إذا ما أساء الخلق وأغلظ في القول، فإنه سيسيء إلى الدين .. عن الإمام الرضا (ع) أنه قال لرجل: (اتقوا الله!.. وعليكم بالصمت، والصبر، والحلم.. فإنه لا يكون الرجل عابدا؛ حتى يكون حليما).. وقال أمير المؤمنين للحسين (ع): (يا بني، ما الحلم)؟.. قال: (كظم الغيظ، وملك النفس).

 

50. إن البعض قد يرتاح في أن يصب جام غضبه على أشخاص معينة، فليحاول أن يلتفت إلى نفسه من هذه الناحية، وليلقنها: بأن هؤلاء عباد الله، وينبغي تجنب أذيتهم.

 

51. إن البعض قد يكون بشكل عام هادئاً، إلا أن له بعض الساعات المعينة يكون فيها ضيق المزاج، مثل: ساعات بعد العمل، أو الاستيقاظ من النوم.. وهنا عليه أن يعمل جرداً لهذه الساعات، ويحاول أن يجنب نفسه عدم الوقوع، فيما لا يرضي الله عز وجل.

 

52. إن هنالك بعض الناس ممن لا يحسب له حساب: إما لكونه فقيراً أو للونه، أو لجنسيته.. وبالتالي، فإن كل ما في قلبه من أذى، يفرغه في هذا المسكين!.. وهنا عليه أن يذكر نفسه: بأن كل هذه التقسيمات غير معترف بها عند الله عز وجل، حيث قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

 

53. إنه لمن الغريب أن الإنسان في أمور الدنيا التافهة، نرى بأن له عزما قويا، تجاوز التحدي لكل العراقيل والصعوبات التي تعترض طريقه.. ولكنه من المؤسف هذا التخاذل والقعود، عما من شأنه العروج بالإنسان إلى ملكوت السماوات والأرض!.. ومن هنا ورد عن أهل البيت (ع) قولهم: (وإن أفضل زاد الراحل إليك، عزم إرادة يختارك بها...)، وهنا تحفيز وحث على بذل الجهد وشد الهمة في الطريق إلى الله، حيث يقول تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.

 

54.  إن من الملفت عند البعض من المؤمنين؛ انجرافهم وراء أباطيل القوم التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومثال ذلك: ظاهرة إحياء ذكرى المسيح (ع)، وما يحدث في هذا اليوم من تفشٍ بالغ لكل صنوف الفساد.. ينبغي للمؤمن ألا يساهم في سن سنة، ليست في شريعته؛ إلا ذا كان الهدف هو ترويج الدين، فعندئذ لا مانع من ذلك.

 

55. إن الناس أصناف في تناولهم لفضائل المعصومين (ع)، الذين أرادهم الله -تعالى- أفضل صورة يمكن نقشها في روح بشر!.. فمنهم من ينكر تلك الفضائل، لمجرد عدم استيعابها بحسب فهمه القاصر، ولو اتبع مقولة شيخ الفلاسفة ابن سينا القائل: (كلما قرع سمعك من العجائب، فذره في بقعة الإمكان؛ حتى يذودك عنه قاطع البرهان)؛ لكفاه ذلك في عدم المسارعة إلى الإنكار من دون استيعاب خلفية برهانية، تكون دليلا على القبول أو الرفض.. ومنهم من يجعل أحاديث الفضائل، ذريعة إلى الركون إلى واقعه الذي لا يطابق شيئا من سيرتهم (ع)، على أمل نيل الشفاعة.. والحال أن أصحاب الشفاعة هم أكثر الخلق خشية، وأشدهم اجتهادا في طاعة الله تعالى.. وهذه الطبقة ستعيش الحسرة الشديدة يوم القيامة، حينما ترى أن تلك المعرفة النظرية -بدلا من أن تكون عامل تحفيز وبعث- أصبحت حجة عليهم؛ فإن الجاهل أقرب إلى الإعذار من العالم!..

 

56. إن الحديث عن الصلاة، ولئن كان أمراً شخصياً، فإنه أمر مصيري بالغ الأهمية؛ لما له من دور في بناء الشخصية المسلمة.. إذ معلوم أن الصلاة عمود الدين، كما جاء في الحديث الشريف، وليس بخافٍ على ذي لب مصير البناء إذا ما تهاوى عموده!.. ومن هنا عدت الصلاة الفاصل بين الإسلام والكفر، فهي لا تسقط عن المكلف قط، مهما بلغ أو كان عذره: سفراً أو حضراً، في الصحة أو في المرض.

 

57. إن العبد كثيراً ما يشتكي حالة عدم الخشوع في الصلاة، فهو يتمنى الخشوع القلبي: باستشعار وجود وهيمنة الرب المتعال.. والخشوع البدني: بالذهول عما سواه جل وعلا.. فيبذل ما في وسعه، ويجهد نفسه، ولا يصل إلى ما يريد.. والسبب في ذلك هو الجهل بمن نقف بين يديه، إذ أن الذي لا شك فيه في أن (حديث المتفاعِل، فرع معرفة المتفاعَل معه).. فلو استشعر الإنسان بأنه يخاطب سلطان السلاطين؛ لانتابه شعور التأدب الشديد: من التذلل، والمسكنة، والافتقار.. وهذا مما يحقق له منيته التي يريد.

 

58. إن المتأمل في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. لا بد أن ينتابه شعور الخوف الشديد، لما تستبطنه الآية الكريمة من تهديد بليغ، وحصر للفوز والفلاح للخاشعين في صلاتهم.. ومعنى ذلك أن الذي لا يحقق الخشوع المطلوب؛ فإنه مندرج تحت دائرة الخسران، التي أشار إليها الحق تعالى في سورة العصر: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

 

59. إن الصلاة تشكل مشروعا حياتيا، تترتب عليه السعادة الأبدية في الآخرة، والاطمئنان القلبي في الدنيا.. وما يؤكد ذلك قوله تعالى في سورة الرعد: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. فهنا (أَلاَ) أداة تنبيه، وهي لا تستعمل إلا في المواقف المهمة، أضف إلى أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.. ومن هنا نستفيد دلالة واضحة، على أن السبيل الأوحد لنيل الاطمئنان، هو ذكر الله عز وجل، أما ما سواه فليس إلا خداع في وهم.

 

60. إن الله -سبحانه وتعالى- له عطاؤه وعنايته، بكل من يصلي بين يديه.. إلا أن العبد بسوء اختياره، وبصرف قلبه عن مولاه؛ يسد هذا الباب من الرحمة.

 

61. إن التوزيع اليومي للصلاة من الصباح إلى المساء؛ مما يعود العبد على تعزيز علاقته بالله تعالى، وتصفية قلبه من الشواغل والعوالق.. ومن هنا ورد: تشبيه المصطفى (ص) الصلاة، بالنهر الجاري الذي يغتسل منه خمس مرات في اليوم؛ تخلصاً من الأدران.

 

62. إن عدم التهاون والاستخفاف بالصلاة، بلا شك أنه مفتاح الفلاح والفوز دنيا وآخرة.. والذي يريد أن يحقق التمايز بعين الله تعالى، فلا بد أن يحقق ذلك في صلاته، فهذه الزهراء (ع) -التي حققت أعلى درجات العبودية- يباهي الله تعالى بها ملائكته، فيقول: (يا ملائكتي!.. انظروا إلى أَمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يديّ، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلتْ بقلبها على عبادتي.. أُشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار).. وفي حديث آخر: أن الله -تعالى- يباهي بالشاب العابد ملائكته، فيقول: (انظروا إلى عبدي!.. ترك شهوته من أجلي).. نعم، المجال مفتوح للجميع، وليس حصراً على المعصومين (ع) والأولياء، ولكن من ذا الذي يبادر ويشد الهمة؟..

 

63. إن التدرب على النوافل، وكثرة الممارسة والمجاهدة، توجب إتقان الفرائض.. ورد عن النبي الأكرم (ص): (من صلى ركعتين، ولم يحدث فيهما نفسه بشيء من أمور الدنيا؛ غفر الله له ذنوبه).

 

64.  إن الله -تعالى- يحب من عبده، أن يسأله في كل أموره.. ومن المعلوم أن التعود على ذلك، من موجبات القرب من الله تعالى.. فما المانع لو ألم بالمؤمن حاجة، أن يصلي ركعتين، ويصلي على النبي وآله، ثم يطلب حاجته؛ فإنها تقضى إن شاء الله، كما ورد في الحديث عن الصادق (ع).. وما المانع أيضاً أن يتضرع العبد لمولاه عقيب كل فريضة، ويسأله ما يريد؟.. فالله -تعالى- كريم، وحاشا أن يرد حاجة عبده المؤمن!..

 

65. إذا لم يمكن بذل النفس في سبيل الله، فإنه بإمكان كل إنسان أن يصب ما لديه من طاقات في رضا الله عز وجل.. ومن مصاديق قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}؛ توجيه الطاقات والقدرات في سبيل الله، بأن يجعلها من أجل بناء المجتمع الإسلامي الذي يريده صاحب الأمر (عج)، من: قضاء لحاجة مؤمن، ونشر لهدى في أمة، وتفريج لكربة مكروب، وإغاثة لملهوف وغير ذلك من وجوه البر.

 

66. إن عليا (ع) هو الشخصية الوحيدة في تأريخ البشرية، الذي أعطاه الله -عز وجل- هذه المزية الكبرى، التي لم يكتبها لأحد من لدن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.. حيث أراد الله -تعالى- أن يجعل حياة علي (ع) بين البيت والبيت: ولادة في الكعبة، واستشهاداً في مسجد الكوفة.. ومعنى ذلك أن حياة علي؛ هي حياة التوحيد.. حياة علي؛ حياة تحطيم الأصنام، سواء كان صنماً مادياً أو معنوياً.

 

67. ينبغي للإنسان ألا يخشى الضعف، ولا ينظر إلى قلة إمكاناته، ولا ينظر إلى ماضيه الأسود.. فإن المناجَى هو الرب الأكرم، الذي لا يتعامل مع الإنسان بالاستحقاق، وإنما يتعامل معه بالتفضل والتكرم.. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم).. إن الجاهليين كانوا قتلة، فقد وأدوا بناتهم، وشربوا الخمور، وتعاملوا بالربا.. وإذا بالإسلام يأتي، ويجبّ ما قبله.. ومن هنا، فإن على الإنسان ألا ييأس، في أية مرحلة من مراحل حياته.. لأن اليأس من الكبائر، وكبيرة من الكبائر؛ تسوق الإنسان إلى الدواهي العظمى.

 

68. {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}.. إن الله -عز وجل- معلِّمٌ، ولكن تعليمه له أسباب.. فقد علم بالقلم، لأن العلم والمعرفة والثقافة، لا تأتي من خلال العبادة فقط.. فالإنسان الذي يعبد ولا يتثقف، ولا يقرأ، ولا يناقش، ولا يستوضح أمر دينه، فإن هذا لا يُتوقع منه الكمال.. يقول الله عز وجل: أنا أعلمك، ولكن انظر إلى ما كتب الآخرون!.. نعم، فهذه منّة من الله عز وجل، أن جعل الإنسان قادرا على القراءة، والفهم.. وفي بعض الأوقات المعاني العظيمة، تنتقل بالإشارة وبطرفة عين.. فما هذا الخلق البديع، الذي خلقه الله عز وجل!..

 

69. إن العلم يكون بالقلم، ولكنّ للتعليم بابا آخر، حيث يقول الله عز وجل: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}.. فهناك صنف من التعليم لا يتوقف على القلم، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}.. وقال أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة، في وصف المتقين: (وكلّمهم في ذات عقولهم).. إن الله -تعالى- إذا رأى القابلية في عبده المؤمن، يكلمه في نفسه، ويلقي في روعه ما ينبغي أن يفعله في حياته.

 

70. إن الإنسان ظلوم، جهول، كفار، يطغى {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.. فالغنى ليس مانعا عن عبادة الله عز وجل، بل العكس المال هو نِعمَ الزاد للآخرة.. والاستغناء المقصود به، هو الاستغناء القلبي لا الاستغناء الخارجي، أي رأى نفسه في باطنه مستغنيا.. وإلا، فإن سليمان (ع) طلب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ولكنه كان نبيا من الأنبياء.. فالغنى والثروة -لولا المراقبة والمحاسبة- تجر الإنسان، وتسوقه إلى الانحراف، والاستغناء عن الله عز وجل.. وبالتالي، فإن على الإنسان أن يطلب من ربه الكفاف، لأن الغنى من مواطن الزلل.

 

71. إن هناك عنصرين مهمين في تثبيت الإنسان، تجعله لا يطغى.. وهذان العنصران مذكوران في سورة العلق، وهما: الاعتقاد بالمبدأ والقيامة، والاعتقاد برقابة الله تعالى.

 

72. إن من الغريب حقا، تفنن الناس في البحث عن المال بطرق غريبة، تصل إلى حد تجاوز الشرع والقانون؛ وذلك طلبا للذائذ التي يكسبونها من وراء المال.. والحال أن العاقل لو فتح عين بصيرته، لرأى أن هنالك مكاسب كثيرة في عالم الوجود، أشد نفعا وأكثر دواما؛ ولكن أين هم الذين يحسنون البحث عن الصفقات المربحة في عالم الوجود؟!..

 

73. إن العداء الشيطاني لبني آدم عداء متأصل وقديم، فهو الخبير بكل منافذ النفس التي قد تخفى حتى على صاحبها.. ومن الواضح أن كيده خفي في كثير من الحالات.. أضف إلى أنه يتربص بنا في كل مواطن الضعف، إذ يرانا من حيث لا نراه.

 

74. إن من الأعداء الذين لا ينبغي أن ننكر عداءهم لنا، هم الكفار والمشركون.. فالذي لا يعترف بوحدانية الله -تعالى- ولا بنبوة النبي (ص) الخاتم، كيف يمكنه أن ينسجم معنا في مقام الفكر والعمل، وخاصة مع اختلاف المصالح.. وقد سجل القرآن الكريم موقفا واضحًا تجاه خصوص اليهود، فقال عنهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} والتاريخ يشهد إلى يومنا هذا بعمق هذا التنافر والصراع.

 

75. إن المشكلة الكبرى هي: أن نعيش جو العداء والبغضاء مع من نشترك معهم في العقيدة والدين.. وعليه، فلا بد أن نفرق بين بغض الذوات وبغض الصفات والأفعال.. فإن المبغوض إذا كان هي الصفة، فمن المفروض أن يبغض الإنسان موقع تلك الصفة، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه، أو أعز المقربين لديه.

 

76. إن خطورة جو العداوة مضاعفة فيما لو انتقلت إلى الأرحام، وبذلك تصبح أداة للقطيعة: تقطع الأرزاق، وتعجل الآجال.. فهل من الصحيح أن يقطع الإنسان رحمه لأسباب واهية، يضخمها الشيطان في نفس صاحبها، ليجره أخيرا إلى هذه الموبقة الملكة؟..

 

77. لابد من ملاحظة بعض الأمور المخففة، لقبح الصفة الموجبة للعداوة.. فإن الجهل -وخصوصا القصوري (غير المتعمد) منه- من موجبات افتراض العذر للطرف المقابل.. وبالتالي، إعطاؤه شيئا من التبرير، الذي يزيل عن القلب حالة العداء الملتهبة.. فإن الذي لا ينظر إلى الأمور بهذا المنطق، فإنه سيعادي الكثيرين.. ولا ينبغي أن يغفل الإنسان عن حقيقة: أن جواب العداء هو المعاداة، وقد يكون العدو أكثر قدرة على إيذائه لك، من إيذائك له.

 

78. إن الحديث عن الطاقة الكونية، أغرى الكثير بالبحث عنها، لما استنتجوا من أن: الكون برمته مزود بطاقات متصلة بعضها ببعض، ويؤثر كل جزء بالآخر، وبأن: طاقة النفس الإنسانية، شأنها شأن طاقة الذرة الكامنة، التي لو أمكن فلقها وإخراجها إلى مرحلة الفعلية، لأحدث انفجارا هائلا، يمكن أن يستغل في جانب البناء، كما يمكن أن يستغل في جانب الهدم.

 

79. إن أصحاب اتجاه الطاقة الكونية -وهم في حال انتشار واسع- يعتقدون: أن معظم الأمراض المستعصية في هذه الأيام، تنتهي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الاضطراب الباطني، والذي يؤثر بدوره على الإخلال بوظائف الأعضاء الظاهرية.. ومن هنا رأوا بأن سلامة الروافد متوقفة على سلامة المنابع، ومن دون السيطرة على النفس بقواها الخفية، لا يمكن السيطرة على آثار التفاعلات السلبية الصادرة منها، والمنعكسة على البدن كـ: الكآبة، والقلق ، والتوتر، وما شابه ذلك.

 

80. إن الخطوة الأولى لمن أراد الخروج عن مألوف الحياة -الذي طالما أوجب الملل والفتور- هي: أن يصقل مرآة نفسه، بإزالة كل ملكة خبيثة تمنع توجه النظرة الإلهية إليه، كـ: الحقد، والحسد، وحب الاستعلاء، والشغف بعاجل المتاع وغير ذلك.. والله -تعالى- عندما يمدح خليله، يصفه بأنه جاء ربه بقلب سليم، مما يدل على أن رتبة إصلاح الجوانح، هي الخطوة الأولى للاقتراب من مصدر الفيض في هذا الوجود.

 

81. إن الخطوة الثانية لمن يروم الاتصال بمصدر كل طاقة في هذا الوجود هي: إزالة الحجب والعوالق الطارئة على القلب السليم .. فإن القرآن يعبر عن المؤمنين بأنهم يمسهم طائف من الشيطان، إلا أنهم سرعان ما يعودون إلى رشدهم، فإذا هم مبصرون .. فليس من الغريب أن يعثر الإنسان، وإنما العجيب أن لا يقوم من عثرته، حتى ولو تكرر منه ذلك!.. ومن هنا وصف القرآن الكريم التوابين، بأنهم محبوبون عند الله تعالى.

 

82. إذا اتصل الإنسان بمصدر الطاقة الكونية؛ فإنه من الطبيعي أن تسخر له الطبيعة، بل كل ما سوى المولى ليصل إلى هدفه المنشود.. فهذا الكليم نراه يتقلب من يد إلى يد، مشفوعا بالعناية الخاصة في كل مراحل حياته.. وذلك من بركات الأوسمة الثلاثة التي تلقاها من الحق المتعال: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً} و{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} و{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}.. بالإضافة إلى الوسام العام لجميع المؤمنين {... الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.

 

83. إن من أفضل بركات الزواج؛ تحقيق نعمة إضافة فرد صالح في الأمة: فإن سقط -وهو حمل في بطن أمه- يقف على باب الجنة لا يدخلها إلا أن يدخل أبواه.. وإن ولد حيا ومات قبل الأبوين، كان سببا لأن يؤجرا أجر الصابرين.. وإن بقي بعدهما، استغفر لهما.. وقد ورد أن من سعادة المرء، أن لا يموت حتى يرى خلفا من نفسه.. وأن الذليل من لا ولد له.

 

84. إن النصوص المباركة أمرتنا بإغراق الذرية بالحنان، فجعلت قبلة الولد موجبة لحسنة، وجعلت نظر الوالد إلى ولده بمثابة عتق نسمة، وورد الأمر بالتصابي مع الصبي.. ويبلغ التأكيد مداه عندما يرد النص عن النبي (ص) بأن الله -تعالى- لا يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان!.. ولكن هذا كله، لا يعني حالة الدلال المفسد للولد؛ لأن الاستسلام لرغباته في كل صغيرة وكبيرة؛ مقدمة للإفساد.

 

85. إن من الخطأ الفادح، أن يظهر الزوجان خلافهما في التربية أمام الأولاد.. فتتحول الأم في نظر الولد على أنها الحضن الدافئ، ويتحول الأب وكأنه قائد عسكري لا يعرف الرحمة في دائرة حكومته!.. فهذا كله مقدمة لعقوقهما أو عقوق أحدهما.. فلا بد من الاتفاق على منهج تربوي موحد في الخفاء، وما المانع أن يخصص الإنسان جزءا من وقته واهتمامه للدراسة التربوية في هذا المجال.. فبمثل هذه الأخطاء وأمثالها، نهدم ما بنيناه في أعوام طويلة من العناء والمشقة في تربية الأولاد، وخاصة في هذه الأيام العصيبة!..

 

86. إن الإنسان لا يتعامل مع الخارج، إلا على أساس صور مختزنة في داخل النفس، والتي كثيرا ما تكون مخالفة للواقع، أو معاكسة لها تماماً.. وهذا هو منشأ الزلل التعاملي، وذلك للانخداع بتلك الصور التي على أساسها يتم التعامل.

 

87. إن من روافد الوهم في حياتنا: تصديق دعاوى تحقق السحر في الحياة -وخاصة بين الزوجين- والمطلوب قبل الاعتقاد بدعاوى الذين يتاجرون بهذا العمل المحرم (بابتزاز الضحية بعد التلقين) هو البحث عن مناشئ الخلاف؛ لئلا نلقي اللوم على الخارج الموهوم، بدلا من البحث عن الواقع المعلوم.

 

88. إن الروايات الشريفة، تحذرنا من الركون إلى الذين يحاولون التصرف في عالم الوهم والخيال -وهو أساس السحر- إذ لا واقع له حقيقة، وإلا كان كالمعجز.. وعن علي (ع): (من تعلم شيئا من السحر، كان آخر عهده بربه).

 

89. إن الاستغلال التجاري للشفاء بالقرآن والتعويذات، عمل قد يسيء إلى القرآن، ويحوله من كتاب هداية، إلى كتاب يراد به صرف الناس عن وسائل التداوي المتعارفة، التي أمر الله تعالى بها، من جهة الأخذ بعالم الأسباب.. إلا أن ذلك ليس من باب العلة التامة، بل أنه من المقتضيات التي لابد وأن يقترن معها مقتضيات أخرى، بالإضافة إلى ارتفاع الموانع التي لا نحيط بها علما.. أضف إلى أن القطع بالتأثير، وفي أيام معينة، وبطريقة خاصة -من قبل المتاجرين بها- ليس من الأمور التي تستند إلى دليل، لا من كتاب ولا من سنة.

 

90. إن خير وسيلة لدفع الأضرار المحتملة هي: الاستعاذة القلبية، والالتجاء إلى ولي الأمر، الذي يصرف شؤون عباده {بِرَبِّ النَّاسِ} والملك الذي لا يعجزه شيء {مَلِكِ النَّاسِ} والمعبود الذي ينبغي الاستعانة به {إِلَهِ النَّاسِ}.. إن من كان واجداً لتلك الأمور، هو الجدير بأن يلتجأ اليه عند كل مخوف وملمة.. ومما يعزز هذه الحالة القلبية، هو الإكثار من قراءة المعوذتين اللتين أنزلتا على النبي (ص) حماية له، ولأهل بيته، ولأمته من بعده، وذلك من الأخطار المادية المتمثلة.

 

91. إنه لمن الخطأ الكبير أن يتعامل الزوج مع زوجته من منطلق المعاملة بالمثل، فلا يحسّن خلقه إلا إذا حسّنت هي خلقها.. والحال أن مبدأ {لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا} ينطبق في هذا المقام.. ففرق بين حسن الخلق الذي يراد به وجه الله تعالى -تحقيقاً للمثل العليا- وبين حسن الخلق الذي يُصطاد به الدنيا.

 

92. إن من الضروري -للوصول إلى الحياة السعيدة- أن نمتلك النظرة الإلهية والشفافة عن المرأة.. فهي خلقت في هذه الدنيا، لتصل إلى كمالها أيضا.. وعليه، فلا بد من أن نراها على أنها مخلوقة سائرة إلى الله -تعالى- كالرجل.. فلا ينبغي أن نكون عنصر إحباط لها في هذه المسيرة التكاملية.

 

93. إذا لم يكن الرجل ممن يحمل همّ الآخرة، فعليه أن يعمل لصالح دنياه، وذلك بأن لا يحوّل المرأة -بسوء خلقه- إلى موجود متوتر، تصب توترها داخل العش الزوجي من ناحية، وينعكس على تربية الأولاد من ناحية أخرى.. ومن المعلوم أنها شريكة العمر، وهي خير استثمار لمن أراد أن ينمي قابلياتها وطاقاتها، ليعود أخيرا: عليه، وعليها، وعلى الأولاد، وعلى المجتمع بالنفع والفائدة.

 

94. إن عدم تحمل الرجل للمسؤولية داخل البيت، لمن موجبات هدم الكيان الزوجي.. فهو يبدأ في أول حياته بكم هائل من الأشواق وإبداء الغرام، ليتحول بعدها إلى من لا يرى أنساً في المنزل، ولا يتحمل أية مسؤولية، حتى على مستوى الإنفاق الواجب، وخاصة إذا كان للمرأة دخل مستقل، فيحاول أن يبتزّ ما عندها.. وبالتالي، لا تبقى له أية مسؤولية داخل المنزل سوى الوجود الاسمي.

 

95. إن من الخطأ تكريس هذا المفهوم الدارج -عند النقاش الجدلي- وهو تشبث كل من الزوجين بأهله، ناسين مبدأ التفاضل بالتقوى.. فليس هنالك (أهل للزوج) مقابل (أهل للزوجة) بالمفهوم الإسلامي الدقيق.. فالمؤمنون جميعا بمثابة الجسد الواحد، ولا ينبغي نقل الخلافات في الأسرة إلى المجتمع الكبير.

 

96. إن التجاء الرجل إلى الممارسات غير المشروعة: بدءاً من النظر إلى الصور المحرمة، إلى الممارسات العملية المحرمة؛ تدمر العش الزوجي من جهات: فالذي يستذوق الحرام المتـنوع، لا يكتفي بعدها بحلاله.. وخاصة عندما يقارن بين الحرام الميسور والمتنوع، وبين الحلال الثابت.. ومن ناحية أخرى: يسقط من عين الزوجة، التي ترفض بفطرتها الخيانة الزوجية؛ فكيف يتوقع الاحترام منها بعد ذلك؟.. أضف إلى أن الله تعالى -الذي يقذف الود في قلوب الطائعين- يسلب ذلك الود من قلوب العاصين، وهذا سر نفور الناس من فسقة الخلق حتى مع عدم الاطلاع على فسقهم.

 

97. إن البعض ينظر إلى العملية الجنسية، كحركة بهيمية محضة.. وبالتالي، قد لا يؤدي الحق الزوجي، فيما لو اعتقد -مخطئاً- أن هذا يصده عن بعض الدرجات الروحية.. والحال أن الأمر لا يخلو من حركة عاطفية موازية للحركة الغريزية، وهي من موجبات تحصين الحياة الزوجية، وإدخال السرور والارتياح النفسي على الطرف المقابل، بشرط مراعاة عدم الإفراط والتفريط.

 

98. إن إبداء العواطف والحركات الرومانسية في التعامل مع الزوجة أمر مطلوب شرعا، فلقد روي عن النبي (ص): (قول الرجل لزوجته: إني أحبك؛ لا يذهب من قلبها أبداً).. ولا ينبغي أن تقتصر هذه الحركة على السنوات الأولى من الزواج، بل لا بد من ترطيب الحياة الزوجية بذلك دائما.

 

99. لا ينبغي أن يجعل الرجل أنسه خارج المنزل على حساب الزوجة، فإن الله -تعالى- أمرنا باتقاء النار لأنفسنا أولا، ثم للأهل ثانيا {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.. فترك الرجل زوجته تعيش الوحدة، والعزلة -مستمتعا بأصدقائه- وخاصة في الليل، نوع من التعذيب غير المقصود.

 

100. إن مواهب الإله لا تقاس بأعمال العباد، فهو المعطي من غير حساب، والواهب من دون ثواب.. إذ أن عطاءه -سبحانه وتعالى- وأجره دائماً ليس له قواعد متعارفة، كأخذ المقابل على ما أعطى ووهب.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج