100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الكريم أثناء ضيافته لخلقه، يغض الطرف عن العراقيل والموانع، التي تعوق اتصال السائل به تبارك وتعالى.. فمن باب أولى بالسخاء الإلهي أن يتجاوز تلك العقبات التي نصبها العبد في الطريق، لنيل العطايا الإلهية والعطايا الربانية.. فالإله عز وجل بكرمه وجوده، يزيل كل العراقيل والعقبات.. فالشياطين مغلولة، والحجب مرفوعة، والأرزاق مبسوطة.. فتبارك الله أكرم الأكرمين.

 

2. إذا تحقق للفرد خلوة محرمة، ليرتكب فيها منكرا من المنكرات: سواء مع طرف ناطق أو صامت، فإن هناك ثلاثة طرق للردع بحسب الموازين الدنيوية، وهي متمثلة في: التهديد بوجود من سينتقم منه فور الخروج من ذلك المكان، أو الترغيب بجائزة كبرى هي غاية الأماني، يجدها على الباب فور تركه لذلك المنكر، أو التخويف بوجود جهاز التقاط يبث كلما يجرى في ذلك المكان، وخاصة تلك المناظر التي يستحي هو منها، فضلا عن رؤية الغير لها.. أوَ لا تكفي هذه الروادع المادية لتخليصه من ذلك المنكر؟!..

 

3.  بقليل من التأمل يظهر أن هذه الروادع كلها موجودة في الجانب الغيبي، فالعبد الذي يعيش حالة اليقين، سيجد في نفسه كل هذه الروادع.. فمن ناحية يرى الأجر المعجل لترك الشهوات المحرمة، والمتمثل في التلذذ الباطني، نتيجة إحساسه بالبطولة، وذلك لغلبته على خصميه: النفس، والشيطان.. أضف إلى إحساسه ببرد الرضا الإلهي، الذي لا تنافسه لذة من لذائذ الدنيا!.. كما أن هذا العبد يجد نفسه مراقبا أشد المراقبة أمام من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإن إحساسه بأقربية الله -تعالى- إليه من حبل الوريد، يجعله متيقنا بأن خواطره التي قد تخفى على نفسه، لا تخفى على العليم الخبير.

 

4. إن درجات اليقين مختلفة، ومن الواضح أنه لا يصل منه إلى حد الرادعية، إلا ما كان على درجة عالية من التأصل في النفس.. ومن هنا كان لا بد من إضافة عنصر آخر لذلك، يتمثل في الرقابة الاجتماعية، وخاصة رقابة الذين يقيم لهم الإنسان وزنا عاطفيا.. ومن هنا كان الأمر الإلهي متوجها للعشيرة وخاصة الأقربين منهم، حينما ابتعث الله -تعالى- نبيه قائلا: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} .

 

5. إن أخطاء أولياء الأمر في طريقة الوقوف أمام المنكر تؤجج نار الفتنة، فمن الأخطاء الشائعة: أسلوب الوعظ المباشر المقرون بالزجر، وخاصة فيما لو رأى الطرف الآخر أنه أرقى ثقافة ووعيا من الواعظ؛ فإن الرد التلقائي هو رفض النصيحة، من منطلق رفض الناصح نكاية به!.. وهذه مرحلة خطيرة، حينما يربط الفرد المتمرد بين النصيحة والناصح، فيتحدى الطرف الآخر من خلال رفض قوله وإن كان حقا.. وتزداد المسؤولية في هذا المجال على من ينتسب إلى الدين -ولو لم يكن عالما- فإنها خيانة عظمى للرسالة التي يحملها!..

 

6. إن من الأخطاء الشائعة أثناء محاربة المنكر: عدم وضع حدود واضحة بين الحرام والمكروه، وبين الواجب والمستحب.. فإن الردع المماثل في جميع تلك الصور، يذيب الحدود بينها.. فلا بد للمربي الصالح من أن يلقن من بيده من الرعية: أن هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، ولا بد من إظهار شيء من الحزم في هذا المجال، مقابل اللين فيما ينافي مزاجه من دون أن يصل إلى مستوى الحرام.. ولا ينبغي إنكار حقيقة أن كثيرا من صور الردع والغضب، تعود إلى الذات لا إلى الانتصار لدين الله تعالى.

 

7.  كم من القبيح أن يرى الإنسان عيوب غيره، ولا يرى عيب نفسه!.. وعليه، فإذا أراد الناصح أن يكون وجودا مؤثرا في المجتمع، فلا بد له من التلطف في القول، فإن الله -تعالى- أمر نبيه موسى (ع) بذلك، مقابل أعتى فراعنة الزمان.. ولكن هل نحن كذلك مع من حولنا، وخاصة مع الأحداث المراهقين؟..

 

8. إن مشكلة تربية المراهقين من المشاكل التي تؤرق الكثيرين من المهتمين بأمور التربية.. حيث أن الأولاد يبقون حتى سن معينة، تحت قبضة الوالدين، لكنهما كثيرا ما يسيئان استثمار هذه السيطرة، ليندما بعد خروج الولد عن دائرة قبضتهما: زواجاً، أو هجرة، أو دراسة.. فكم من الحري بهما أن يعطيا للموضوع حقه من التفكير والوقت.. إذ من المعلوم أن الولد الصالح من مصاديق الصدقة الجارية التي تنفعهما بعد الموت.

 

9.  إن هناك عناصر مؤثرة في تربية المراهق وسلوكه، فمنها ما هو ذاتي: كالصفات الوراثية، والبنية النفسية والعقلية.. ومن الواضح أن هذه الخصوصيات -رغم تميزها من فرد عن آخر حتى ضمن الأسرة الواحدة- لا تعني أبداً حالة من (الجبر) في تحديد سلوك الإنسان.. ومنها ما هو محيطي: كسلوك الآباء، والأقارب المنحرفين، والأصدقاء، والجو المدرسي، وأخيراً وسائل الإعلام المختلفة، التي كثيراً ما أصبحت من الأدوات الشيطانية المسببة لانحراف أبنائنا.

 

10. إننا نلاحظ في حالات كثيرة سلامة التكوين الذاتي لدى الأبناء وعدم وجود خلل فيه.. ولكن -مع الأسف- نرى أن سلوك الأبوين داخل الأسرة: من حيث وجود خلاف أو نزاع بينهما، أو عدم التزامهما بتعاليم الشريعة، أو إهمال الأولاد داخل المنزل والانشغال عنهم بشؤونهم الخاصة؛ هو الذي يؤدي إلى نشوء أنواع من الخلل في سلوكهم الجوارحي والجوانحي.. وبذلك يكونان في هذه الحالة، هما المؤاخذان اللذان يتحملان المسؤولية يوم القيامة.

 

11. إن من المؤثرات على سلوك المراهقين: الجو المدرسي.. فمن الملاحظ أن المدرسة في هذه الأيام، ترسم مساحة كبيرة من حياة الشاب.. ومع هذا فإن من المؤسف أن بعض الآباء -من أجل التوفير المادي، أو القرب المكاني، أو ما شابه ذلك- يختارون مدرسة منحرفة، أو معروفة بالأجواء التربوية غير السليمة أو المختلطة، لتكون منبتاً لأبنائهم.. والحال أن الإنفاق المادي في هذا المجال هو استثمار مضمون النتائج، وهو أجدى بكثير من الإنفاق على كماليات الحياة.

 

12. إن من التوصيات العملية لتربية المراهقين: الحوارية الهادفة.. حيث نلاحظ أن الشباب في هذا العصر يملكون إطلاعاً واسعاً، وقدرة تحليلية في عالم السياسة والاقتصاد والثقافة.. وبما أن الساحة مليئة بالأفكار المستوردة، والانحرافات الثقافية، والمفاهيم الزئبقية التي يساء الاستفادة منها؛ فإنه يجب علينا الأخذ بيد الشباب الذين يعيشون شيئا من الحيرة الفكرية التي هي من إفرازات الحرية الفكرية!.. ولا يتم ذلك إلا بالنقاش مع صدر واسع، بدلا من المواجهة والاتهام بالانحراف أو الكفر؛ فإن ذلك من موجبات العناد والتمسك بتلك المفاهيم، ولو من باب التحدي والإغاظة!.. وقد جاء في الأثر: (أدبوا أولادكم بغير أدبكم؛ فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم).

 

13. يجب إنشاء حالة من الصداقة مع الولد، والابتعاد عما هو سائد في مجتمعات الشرق من أسلوب (العصا والخيزران)!.. إن من شأن هذه الصداقة أن تجعل الولد يشكو همومه إلى والديه -وهما الأعرف بما يصلحه- بدلا من الالتجاء إلى الغرباء!.. كما أن على الأب أن يختار بنفسه المجموعة السليمة من الأصدقاء: كشباب المساجد مثلا، قبل أن يختار هو بنفسه بطانة السوء.

 

14. يجب على الآباء إظهار حبهم ومشاعرهم ورضاهم للأبناء، والابتعاد عن الاتهام وسوء الظن!.. حيث يلاحظ أن الولد عندما يرى نفسه متهماً في المنزل؛ فإنه سيفقد الثقة بنفسه.. ومن هنا ينبغي على الأب الذي يرى من ولده بادرة حسنة، أن يستثمر الفرصة ويشجعه ويمتدحه؛ معبرا عن ذلك بفرحة وجائزة.. ومن المعلوم أن عامل الأجر والثواب من الأمور المشجعة حتى للبالغين، وهو ما نلاحظه أيضا في مجال الحث على المستحبات من قبل الشريعة السمحة.

 

15. إن للعقل الجمعي إيجابيات وسلبيات.. فمن سلبياته: أن المتأثر به يفقد القدرة على التفكير السوي، في خضم التفكير الغالب.. فيعير عقله للغير ليفكر به.. ومن سلبياته: أنه مما يوجب الحركة المؤقتة -لو كانت صالحة- وحينئذ بانتهاء تلك الحالة الجماعية تنتهي الحركة، وهو ما نلاحظه في موسم الحج، فيرجع الحاج فاقدا لمعظم ما كسبه في تلك الفترة.

 

16. إن من سلبيات العقل الجمعي: أنه يسلب الإنسان القدرة على الابتكار والإبداع، فلا يفكر خارج المألوف لاكتشاف ما هو الجديد.. ومع انعدام الحركة الإبداعية في الحياة، يفقد الإنسان سيره التكاملي.

 

17. إن العقل الجمعي يشجع على المراعاة والمراءاة.. فينشط الفرد داخل الجماعة ليرجع إلى الخلوة بما فيها من تكاسل وتقاعس.. وقد ورد في الحديث: (المرائي يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس).

 

18. إن من سلبيات العقل الجمعي: أن الفرد ينقلب عما فيه، إذا انقلبت الحركة الجماعية من الصلاح إلى الفساد.. والتاريخ مليء بنماذج من غلبة الروح الجماعية على الفرد، عندما يستولي على أصحابها الشيطان، ومثاله الخوارج في زمان الإمام علي (ع)، وأصحاب مسلم بن عقيل في زمان الحسين (ع).

 

19. إن الإدراك الجمعي قد تلتبس عنده المفاهيم، وإذا به يرى القبيح جميلا وبالعكس.. وهو ما نراه من تعارف المنكرات -وكأنها هي الحالة الطبيعية- في بلاد الغرب، وهذا منشأ حكم الفقهاء بحرمة التغرب أو التعرب بعد الهجرة، عندما تكون الظروف ملائمة، لانسلاخ الفرد عن هويته التي ينبغي أن ينبعث منها.

 

20. إن من إيجابيات العقل الجمعي: تحفيز الهمم، وقدح العزائم، وهو ما نلاحظه في موسم الحج، فيقوم العبد بحركات روحية وبدنية، لا يمكنه القيام بها خارج إطار الجماعة المتعبدة في ذلك الموسم.. ويأتي الكلام نفسه في الصيام، وصلاة الجماعة، والجهاد.

 

21. إن العبادات الجماعية، توجد جوا من السباق المحمود والمحموم؛ لأن السائرين إلى هدف واحد، تنتابهم عادة هذه الحالة المقدسة، بشرط خلوها عن الحسد والتنازع.

 

22. إذا كانت النتائج في علم المنطق، تابعة لأخس المقدمات؛ فإن الألطاف الإلهية بالنسبة للجمع، تابعة لأرقى الأفراد، فباعتبارهم يلطف الحق بالجميع.. وإليكم هذا النص الدال على هذا المعنى.. قال رسول الله (ص): (إن الملائكة يمرون على حلق الذكر فيقومون على رؤوسهم، ويبكون لبكائهم، ويؤمّنون على دعائهم.. فإذا صعدوا إلى السماء، يقول الله تعالى: يا ملائكتي!.. أين كنتم؟.. وهو أعلم، فيقولون: يا ربنا!.. إنا حضرنا مجلساً من مجالس الذكر، فرأينا أقواماً يسبّحونك ويمجّدونك ويقدّسونك ويخافون نارك، فيقول الله سبحانه: يا ملائكتي!.. ازووها عنهم، أُشهدكم أني قد غفرت لهم، وآمنتهم مما يخافون، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك، فيقول الله تعالى: قد غفرت له بمجالسته لهم، فإن الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم).

 

23. إن الجو الجماعي يدفع العبد إلى حالة من الإنابة، والانقطاع إلى الله تعالى، والميل إلى التأسي بأوليائه المعصومين (ع).. ولكن بعد الفراغ من الموسم، تنتابه حالة من الاكتئاب والحزن، لفقدان تلك الأجواء المباركة.

 

24. لا بد من تغيير الدوافع العرضية إلى حالة من القناعة الذاتية؛ لئلا تزول الآثار بزوال مؤثراتها.. فالمفروض أن القناعات الراسخة لا تتغير بتغير المواسم.. إذ المعتقد بلزوم السير الجاد إلى الله تعالى، وذلك بالمجاهدة والمراقبة، لا ينتظر الحج ولا شهر رمضان!..

 

23. يجب إثارة الهمة عن طريق تجزيء الأهداف الكبرى إلى أهداف مرحلية.. فالذي يهدف غايات -لا تنال عادة- سرعان ما يبتلى بالفتور في أوائل الطريق، بخلاف من يجعل لنفسه محطات قريبة المدى، لتكون لذة الفوز في مرحلة ما، دافعة للحركة إلى مرحلة أخرى.

 

24. يجب تجنيب النفس مواطن الفتور، والميل إلى التوغل في مقتضيات الغريزة، ولهذا نلاحظ المشغولين بأهداف كبرى -ولو دنيوية- كرجال الأعمال والبحث العلمي، لا يلتفتون إلى الشهوات العابرة، شغلا بما هو أهم.. فكيف إذا كان ذلك الهمّ، هو كسب أعلى كنز في الوجود، وهو الرضوان الإلهي؟..

 

25. لا بد من الاستفادة من نظرية الاقتران الشرطي، في إثارة الحوافز الداخلية.. فالذي يقرن عبادته بمكان خاص، وفي أجواء خاصة، وتتكرر منه حالات الإقبال في ذلك المكان الخاص؛ سوف يعيش حالة مشابهة بشكل قهري عندما يعايش تلك الأجواء.. ومن هنا أمرنا باتخاذ المصلى في المنزل، وغير ذلك من الأمور التي تربطنا بالعالم العلوي.. ولا عجب في ذلك بعد أن جعل الله -تعالى- عبادته مرتبطة حسّا برموز أرضية، متمثلة بالمادة مثل: الكعبة، أو الحجر الأسود، أو مقام إبراهيم.

 

26. إن الضمان الوحيد لحالة المؤمن، هي الاستقامة في الطريق.. فإن رسول الله (ص) عجل به الشيب، لآية في سورة هود، وهي قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ}.. وهذا العنصر هو الذي يفتقده الكثيرون، فتتحول حركتهم إلى سكون لدى أول مانع من موانع الطريق، ويتحول أملهم إلى يأس عند أول بادرة من بوادر الفشل.. ولذا كثر السائرون وعزّ الواصلون.

 

27. إن الصلوات على النبي وآله، من المعالم الثابتة والمتكررة في حياة الإنسان المؤمن، سواء في خارج الصلاة أو في داخل الصلاة.. وكما هو معلوم أن تكبيرة الإحرام واجبة في الصلاة مرة واحدة، وهي التكبيرة الافتتاحية.. بينما الصلاة على النبي وآله واجبة في محطتين أثناء الصلاة: في التشهد، وفي التسليم، يتوجه المصلي إلى النبي -صل الله عليه وآله- في هاتين المحطتين.. فعلى المؤمن أن يستوعب حقيقة الصلاة على النبي وآله.. وكما هو معلوم أن أصل الصلاة على النبي وآله قد ورد في القرآن الكريم: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

 

28. إن صلوات الله -عز وجل- على نبيه من حيث الآثار، ومن حيث الماهية؛ تغاير صلاتنا نحن على النبي -صل الله عليه وآله-.. فمجمل معنى الصلاة على النبي وآله من جهتنا: هو أن نطلب من الله عز وجل، أن يبارك الله بالنبي (ص) بما يعلمه الله عز وجل.. والله -تعالى- يطلب من العبد أن يدعوه ولا يعلمه، فهو أدرى بعبده.. أما كيف يبارك في النبي -صلى الله عليه وآله-؟.. أوحى الله -عزّ وجلّ- إلى نبي من الأنبياء: (إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت.. وليس لبركتي نهاية).. وقال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.. إن الله -عز وجل- يبارك لنبيه كيفما يشاء.

 

29. إن من مصاديق البركة، أن يبارك الله -تعالى- في أمة النبي.. فإذا أراد الله -تعالى- ذلك، فعلى المصلي -ما دام من أمة النبي (ص)- أن يكون أداة لهذه البركة، وأن يكون أهلا لجريان الخير والبركة من الله -عز وجل- على يده.. وأن يتحول إلى جزء من هذه الأمة، التي قال عنها القرآن الكريم: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ}.. ما هي مواصفات هذه الأمة؟.. إنها تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.. فالذي يرتكب الخطيئة، ويرتكب المعصية، لا يعتبر أداة لمباركة الله عز وجل.. إنه في مقام العمل، يسير في اتجاه معاكس تماما لمعنى الصلوات.. فهل يا ترى الله -عز وجل- يبارك في صلوات هكذا إنسان؟..

 

30. إن المؤمن لا يرتكب الذنوب تعويلا على الشفاعة!.. فالشفاعة قانون استثنائي، وقانون فوق العادة، إنه سر من أسرار الله عز وجل.. وأصل الشفاعة مسلَََََََََََََّم، ولكن متى يشفعون؟.. ولمن يشفعون؟.. وبالتالي، علينا أن نعمل بما أمرنا، وبعد ذلك لا نقطع الأمل.. إن قانون الشفاعة من موجبات بعث الأمل أيها المذنب!.. فالمذنب عندما يعيش الندامة على الذنب، يعوِّل إضافة إلى ذلك على شفاعة الموالي، الذين عندما يرون فيه صدقا ووفاء في العمل بالعهد، ممكن أن تناله هذه الشفاعة.

 

31. إن البعض يظن بأن الشفاعة فقط لمحو الذنوب، ومادام الإنسان معصوما، وعادلا، وملتزما بالشريعة، فلا داعي لأن يتوسل بالنبي.. وعندما يزور النبي (ص) يزوره بجفاء، وبكلمات مختصرة، ويظن أنه لا داعي أن يكثر من الطلب والحاجة!.. من قال: أن الشفاعة لغفران الذنوب فحسب!.. إن الشفاعة لغفران الذنوب عند العصاة، ولرفع الدرجات عند غير العصاة، فالجنة لها منازل لا تعد ولا تحصى.. فهنالك قوم ضيوف على أهل الجنة، وهناك قوم من رفقاء محمد (ص).. فإنا عندما نطلب من النبي (ص) الشفاعة والوجاهة؛ كي يجعلنا في محل القدس، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

32.  إن العقائد مسألة تلامس شغاف القلب، وقضية مرتبطة بالجذور الأساسية للإنسان.. وإذا أردنا أن نبحث الأبحاث العقائدية، فلا بد أن نلتفت إلى أن الأمر مرتبط بأعماق الوجود.. فالفقه يختلف عن الأصول، أي فروع الدين تختلف عن أصول الدين!.. إن تمسك الإنسان بالأصول تمسك بليغ، لأن قِوام الدين بالأصول.. ولهذا عندما نريد أن نناقش أية مسألة عقائدية، فلا بد من أن ننفذ إلى قلب الطرف المقابل، ولا نحبذ أساليب الشدة في القول، ومصادرة المطلوب، والتهجم، والبدء بتحطيم المقدسات في نظر الطرف المقابل.. فإذا كان الشخص معتقداً بمقدس خطأًَ، لا بد أولاً أن نرفع القداسة عما يعتقد، ثم نخرج ذلك الأمر من قلبه.. أما إذا كان هو يعتقد بقدسية شيء، فنهاجم هذا الأمر المقدس، من دون أن نزلزل تلك الأصول.. فإن هذا ليس من الأسلوب المنطقي في المجادلة.

 

33. نحن نعتقد أن الذين هم وسائط الفيض، ومبادئ تبليغ الدين والشريعة بين الله وبين الخلق، هم الأئمة بقول مطلق.. فالإمامة هي قيادة الخلق، وزعامة الأمة فكراً وعملاً.. وهذا المقام يُعطى للنبي، ويُعطى للوصي، وكلاهما يشتركان في الوساطة لإبلاغ الأحكام.. نحن نلاحظ بأن المعصومين من الأئمة من ذرية الزهراء من ولد النبي (ص)، عندما يذكرون المسألة أو الحكم، فإنهم يذكرونها مباشرة، وفي بعض الحالات ينسبونها إلى النبي (ص).. وعلى كل تقدير فإن علومهم مكتسبة من عالم الغيب، ومن جدهم المصطفى (ص) الذي صرح به علي (ع) بقوله المعروف: (علّمني ألف باب، يفتح لي كلّ باب ألف باب).

 

34. إن المعصوم المبلغ لشريعة السماء، هو واسطة في تبليغ الحكم من ضمن مهماته.. ولكن هذا لا يعني أن مهمته في الوجود تقتصر على هذا المقام.. وإنما هذا مقام من مقامات المعصوم، وهو أن يبلغ الشريعة، ويعكس ما في اللوح المحفوظ، كمرآة عاكسة للأمة.. فإذا كان المعصوم ممن يجوز عليه الخطأ، أو تجوز عليه المعصية؛ فإنه سيكون مرآة غير أمينة.. ونحن نعلم أن الإنسان إذا كذب في عمره كذبة واحدة، لا يعوّل عليه في الأمور المهمة.. نعم، قد نعتمد عليه في الأمور الجزئية اليومية، وأما أن نأخذ الحكم الشرعي منه، أو أن نجعل ذلك الإنسان سبيلاً بين الأرض والسماء، فهو مقام مهم جدا!..

 

35. إن الأمة بعد وفاة النبي هي الأمة، فما الفرق بين اليوم السابع والعشرين حيث احتضار النبي، والثامن والعشرين حيث وفاة النبي؟.. فالأمة هي الأمة، وهي تحتاج الرعاية في مجال القضاء، وفي مجال الحكم، وفي مجال تسيير الأمور، وفي مجال تجييش الجيوش، وفي مقام بيان الأحكام المستجدة.. فإذن، إن المقام مقام ثابت، وكما هو معلوم أن هناك رتبة وهنالك مقام.. فالمقام هو نفس المقام، ومَثلُ ذلك تماماً في عالم العسكر، حيث أن قائد الكتيبة أو الجيش عندما يغيب، ويأتي بالنائب، وهو دونه في الدرجة؛ ولكن له ما للقائد من درجات: فأوامره مطاعة، والمتخلف يعاقب أشد العقاب.. فإذن، إن رتبة النائب تختلف عن المنوب، ولكن المقام هو المقام.. وعليه، فإنه مادام المقام مقاما يقتضي العصمة والنزاهة من كل زلل.. فكذلك إن الذي جلس في هذا المقام، لابد وأن يكون بهذا المستوى من النزاهة القولية والنزاهة الفعلية.

 

36. إذا كان المعصوم ممن يرتكب الخطيئة الصغيرة، أو غير ذلك.. فإن معنى ذلك أنه يجب نهيه!.. لأن المنكر منكر من كل أحد، بل من المقربين يكون أكبر؛ حيث أن (حسنات الأبرار؛ سيئات المقربين).. أي وجب الردع، فإذا وجب الردع سقط عن كونه إماماً.. فكيف يكون إماما وهو يُنهى من قبل المأمومين -على فرض الكلام- ونفس هذا الفرض يقتضي أن يكون الإمام في رتبة، لا تدانيها رتبة المأمومين.

 

37. يفترض في الإمام المعصوم، أن يكون قدوة للخلق، كما يعبر القرآن عندما يذكر بأن الرسول أسوةٌ حسنة.. وإنما يمكن أن تتخذ القدوة أسوة، إذا كان مبرأً من كل زلل.. وإلا كيف يمكن للإنسان أن يقتدي بمن تصدر منه الأخطاء والذنوب، سواء كانت صغيرة أو كبيرة؟!..

 

38. نحن نعلم بأن الناس على دين ملوكهم، وما رأيناه من الإنحراف في حياة الأمة، فإن قسما كبيرا من هذا الانحراف، يعود إلى الذين وضعوا أنفسهم في موضع النبي (ص)، وجلسوا مجلس النبي (ص)، وارتقوا منبر النبي (ص)، واخذوا ألقاب النبي (ص).. فإن هؤلاء قد صدر منهم ما صدر، مما أثر في تنفير الناس من الدين والشريعة.

 

39. إن المعصوم أو النبي، يمثل أقرب الناس في زمانه، ذلك الموجود الذي تتنزل عليه الملائكة في ليلة القدر، فلابد أن يكون متميزاً في كل جهاته.. ولكن إذا كان الإمام يخطئ، والمأموم يخطئ، فقد أصبح الإمام والمأموم في رتبة متقاربة، وإن اختلفت المعاصي، فكلاهما عاصٍ.. فالمعصوم أقرب الخلق إلى الله -عز وجل- في زمانه، ومقتضى ذلك أن يكون متميزاً تميزاً بالغاً، بحيث لا يمكن أن يفكر في ارتكاب الحرام.

 

40. لماذا لا يسائل الإنسان نفسه الآن، قبل أن ينتقل إلى ذلك اليوم الموحش، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، ومن القلب السليم ذلك القلب الذي يرى طريق الهدى واضحاً {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}، {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}.. وقد قيل في تفسير هذه الآية: أي ينظر إلى علمه ممن يأخذه.. فانظر إلى طعامك الفكري، وإلى طعامك العقائدي، من أين تأخذ هذا الطعام؟.. لئلا تقف أمام الله، وأنت لا حجة لك في ذلك.. في اليوم الذي يقف فيه النبي وآله، حيث يُعطى الشفاعة الكبرى.. ويقف الإنسان وهو خجل من النبي المصطفى (ص)، لما ارتكبه من جفاء تجاه ذريته وآله المعصومين.

 

41. إن القلب المحب خير من القلب الذي لا يحب، وإن كانت الجوارح خائنة لهذا القلب.. وينبغي أن نقدر كل حركة حب، وكل حركة تنم عن الحب، ولو كانت الحركة بسيطة ساذجة.. إن بعض الناس في المشاهد المشّرفة، قد يقوم بحركات غير مقبولة بحسب المنطق العقلي، ولكن هذه الحركة الساذجة البسيطة، تكشف عن حالة قلبية، وتنمّ عن حب الطرف المقابل، وإن كانت الحركة في حدّ نفسها حركة غير مقبولة.. فعلينا أن لا نغفل عن المنكَشَف، وإن كان الكاشف بسيطاً.. فهو بمثابة إنسان يأتي بوردة لا يعلم بأنها ذابلة، يقدمها لمريض أو لإنسان، فإن هذا الإنسان لا يؤاخذه على ذبول الوردة.. وإنما يحمده على حركته، وإن كانت هذه الحركة لا قيمة لها بحسب الخارج.

 

42. إن مسألة الحب للذوات المقدسة، بدءاً بذات الربوبية إلى أوليائه الصالحين، من المسائل المشتبهة.. فالإنسان في بعض الأوقات يخلط الأوراق، والشيطان له ميل لأن يستبدل الإنسان الملف الحقيقي بالملف المزيف.. فهناك فرق بين الحب، وبين إبداء الحب.. وأيضا هناك فرق بين الحب، وبين الشوق.. فالذي نلاحظه في عامة الناس، عندما يبدون أشواقهم لرب العالمين في الحج أو العمرة، أو يبدون أشواقهم لأهل البيت (ع) في مجالس فرحهم أو حزنهم، أو عند زيارة مشاهدهم.. فإن هذا يسمى إبداء الشوق، أي أن إنسانا يبدي شوقه للطرف المقابل، ولا ينبغي أن يحسب هذا حباً حقيقياً.. وهناك مرحلة أرقى من ذلك، أي أن الإنسان لا يبدي الأشواق فحسب!.. وإنما يعتقد بكمال المحبوب، وهنالك اعتقاد نظري وفكري على أن المحبوب له كمالات.. هذا أيضاً لا يحسب على الحب.

 

43. إن الحب الصادق، هو: عبارة عن ميل صادق للمحبوب، يدفعه إلى التشبه به.. فالحب الحقيقي عبارة عن شوق إلى لقاء المحبوب، مع الرغبة بالتشبه بصفات المحبوب قدر الإمكان؛ لأن للمحبوب ملكات وصفات.. ولقاء المحبوب يحتاج إلى مسانخة، وهذه المسانخة لا تتحقق إلا بوجود صفاتٍ في الحب شبيهة بصفات المحبوب.. فمثلا: إذا كانت الفتاة التي يعشقها الإنسان كريمة الطبع بدرجة لا توصف، فالذي يريد وصلاً بها -هذا إن كان صادقاً في الوصل وفي الرغبة في الوصل- عليه أن يتشبه بالكرماء؛ لأنه يعلم بأن هذه المحبوبة، لا ترضى إلا بمحبٍّ من هذا السنخ.. ولهذا تبدأ الصفة تكلفاً، ثم تتعمق وتتعمق إلى أن تصبح ملكة.

 

44. إن الحب القلبي حتى لو لم يكن معه عمل، لا ينبغي الازدراء بهذا الحب، وبالحركات العاطفية البسيطة البريئة، الصادرة من العوام الناتجة من الحب؛ لأنها حركات بسيطة أو ساذجة.. بل علينا أن نعلم الخلفية التي دفعت المحب للقيام بهذا العمل.

 

45. إن إبداء الشوق والتشبه بالمحبين، هذا ليس حباً.. ولهذا يقول البعض -وهي عبارة جميلة- في الرواية المعروفة (أحب الله من أحب حسيناً): جعل الله -عز وجل- حب الحسين لوحده من موجبات الحب الإلهي.. حيث يُعلم من خلال المسانخة بين المبتدأ والخبر، وبين المقدمة وبين النتيجة، وبين الصدر وبين الذيل.. أن هذه المحبة محبة مؤثرة، تلك المحبة البليغة المؤثرة في تغيير السلوك، كما ذكره القرآن الكريم: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}.. فإذن، (أحب الله، من أحب حسيناً) أي اشتاق إليه، وأحبه المحبة التي توجب الاتباع.. ومن الطبيعي إذا اجتمع حب الحسين مع العمل برسالة الحسين، وما جاء به جد الحسين؛ كان ذلك كافياً لأن يحب رب العالمين ذلك العبد، الذي أحب الحسين بشرطه وشروطه.. وحب الله للعبد؛ من أسباب النجاة، ودخول الجنة.

 

46. لا ينبغي أن نحرّم ما أحله الله عز وجل.. وعلى مستوى التـشريع، ليس لنـا الحق بأن نقول كلمة في قبال الله ورسوله.. ولكن في مقام التطبيق والعمل، فالمـؤمن كيِّس فطـن، ومراقب ومـوازن، يلاحظ ويوازن بين السلـبيات والإيجابيات.. ولا يعمل بالـشيء لرجحانه المبدئـي، إلا أن يتيقن بوجود مرجحات محضة، من دون سلبيات ترفع الترجيح في البين.

 

47. إذا كان بعض العوام لا يفهم كيف يتبرك بالآثار، ويجعل التبرك بالأثر بشكل عوامي لا فهم فيه، فما ذنب الفكرة والمفهوم؟.. فلا ينبغي أن نحمّل الشريعة والفكرة والمفهوم، سلبيات المطبقين لتلك الفكرة.

 

48. إن من المهم أن نعتقد أن التبرك قضية قرآنية، وقضية نبوية.. ولهذا نحن نعلم أن المسلمين لا يختلفون في تقبيل الحجر الأسود، مستندين إلى أن الخليفة الثاني قد قبّل الحجر.. وبالتالي، فإذا كان التقبيل لهذا الحجر سائغا؛ فإن كل تقبيل لكل أمر مقدس -كالقرآن الكريم- أيضا سائغ وبنفس المنطق، فلا فرق بين هذا وبين ذاك.

 

49. إن التأملات العقلية، هي قسم رافد من روافد العقيدة.. فنحن نعلم أنه لا تقليد في أصول الدين، ولكن في الفروع والمسائل الفقهية، فإن الحكَم واضح هو: كتاب الله عز وجل، وسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومن زكّاهم النبي من بعده كاستمرارية لمصدر التشريع، في الحديث المعروف: بالنسبة إلى كلمة: (سنتي) أو (عترتي) بعد القرآن الكريم.. فإذن، لا داعي للتوتر في طرح المسائل الفقهية، ما دامت المسألة فقهية، والكلام هو كلام الرسول -عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام-، ومن رشحه الوحي.

 

50. إن التزام المسلم بالصلوات الخمس في أوقاتها، مسألة ليست بالهيّنة، فليس التزام الإنسان بها هو ليوم ولا يومين، بل إلى أن يموت.. فيتورط في بعض الحالات بِتَرك الصلاة؛ لأنه قيّد نفسه بالتفريق بين الصلوات.. فمثلا: هو الآن في المسجد، والأمور مهيّأة، والجو مناسب ومكيّف، والإمام موجود.. فلا يصلي العصر إلى أن يحين الوقت، فيأتي وقت العصر، وعندها يكون في حالة نوم، أو تعب، أو شغل.. ويأتي عليه وقت المغرب، وإذا به قد ترك صلاته عمداً.. فلماذا هذا التقيد؟.. إن الشريعة شريعة يسر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم -وهو صاحب الشريعة، أو المبَلِّغ للشريعة بتعبير أدق- قد جمع بين الصلاة، ورخّص لك في ذلك، فلماذا نصُرّ على موقف خلاف موقف النبي (ص)؟..

 

51. إن النبي (ص) لم يُلزم بالجمع في الصلاة، ولم يلزم بالتفريق.. إنّ النبي (ص) يقول: (إنّ الله يغضب على من لا يقبل رخصه).. فالإنسان إذا كان صائما وهو في حال سفر، أذن له الله عز وجل بالإفطار.. فإذا صام، كأنه لم يقبل هدية الله عز وجل.. فهو سبحانه أذِن لك أن تأكل في حال السفر، فلماذا تقف موقفا تصبح متشرعاً أكثر من صاحب الشريعة؟!.. وكذلك فإن البخاري قد روى هذه الرواية، (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء)!..

 

52. إن الإنسان المسلم يريد رضا ربه، فلا يجيزه الإتباع المجرد، ولا اتباع الآباء والأقدمين.. ولكن ما ينقذه من المساءلة في القبر والبرزخ، وفي يوم القيامة، هو الحجة والدليل.. والقرآن الكريم قد جعل الظن لا يغني عن الحق شيئاً، فالظن ليس بحجة.. وهل التكتف في الصلاة أمر منتسب إلى رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلم-، أو إلى عترتهم؟..

 

53. إن الصلاة عبارة عن عبادة موقوتة، منزلة من رب العالمين بحدودها، فلو سُمح بالزيادة أو النقص فيها؛ لخرجت الصلاة عن كونها عبادة إلــهية سماوية.. وكذلك الحال مع الأذان والإقامة، فهي منزلة من قبل رب العالمين، وليس كما يقال بالمعتقد بأنها من المنامات، فهذه قاعدة أولية: أن العبادات هي نور متشرع، كالصوم والصلاة والزكاة وما شابه ذلك.. فالمشرع هو الذي له الحق، والنبي والمعصوم يبِّلغ هذا التشريع، يقول الله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}.

 

54. إن المسلم المؤمن المنصف العالِم، والملتمس في طريق النجاة، يكون هادئاً في بحثه.. فمادام هناك نظرية في مقابل نظرية التكتف، ومدعومة بالأدلة، فلماذا لا يأخذ بها؟!.. فسيرة أهل البيت عليهم السلام، تؤكد من خلال النصوص على خلاف التكتف.. وأهل البيت هم الإمتداد التشريعي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي هو الذي فتح لأمير المؤمنين علي -عليه السلام- ألف باب من العلم، وكذلك قال في حقه: إن علي يدور مع الحق.. فالثمرة من هذه الوصايا الكثيرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هي أن تجعل قول علي بن أبي طالب حجة على المسلمين.. والإمام علي أعطى هذه الصفة لولديه الحسن والحسين، وكل إمام يزكي من بعده من أئمة الهدى، إلى إمامنا المهدي صلوات الله وسلامه عليهم.

 

55. إن المعنى اللغوي للبدعة: هو عبارة عن الإتيان بشيء لم يسبق له نظير.. فيقال مثلا: إنسان ابتدع شيئا؛ أي جاء بشيء لم تكن له سابقة.. ورب العالمين يسمى البديع؛ لأنه فطر الوجود من العدم، من دون مثال يحتذي به، ولهذا فهو البديع حقيقة.. والإنسان عندما يأتي بشعر جديد، أو بقصيدة ملفتة، يقال بأنه جاء ببديعة أي جاء بشعر بديع؛ لأنه لم يُنظم قبله.. وعليه، فإن كلمة البدعة، أو الشيء البديع -إلى هذا المقدار- لا تستبطن مدحا ولا ذما.. إنما الكلام في الذي نأتي به، فهذا الذي نأتي به ما هو؟.. وما هو جوهره، وماهيته؟..

 

56. إذا قام المؤمن أو المسلم بتطبيق كليات الشريعة، في ضمن صور مستحدثة، فإن هذا لا يسمى بدعة مذمومة؛ لأنه لم يُدخل شيئا في الدين باسم الدين.. ولهذا فإننا نلاحظ أن أئمة الهدى (ع) هم أكبر الرؤوس في محاربة البدع، تلك البدع المحرمة.. أما أن ينسب الإنسان شيئا إلى الشريعة، ولم يأتِ في الشريعة -لا من قريب، ولا من بعيد، ولا في آية، ولا في سنة، ولا في كلمة مأثورة عن أهل البيت (ع)- فعندها يتحول الأمر إلى بدعة.

 

57. ليست كل حركة جديدة بدعة مذمومة.. وإنما البدعة المذمومة: أن نأتي بصيغة من صيغ الممارسة، وننسب ذلك إلى الدين، بما لا يرضى به الشارع.. أما إذا كانت الوسيلة تطبيقا لكليات شرعية أمر بها الدين، فمن عمل مصداقا ينطبق عليه هذا الكلي، فهو متعبد بالشريعة.. ولا داعي لتكفير المسلمين، بمجرد استحداث وسيلة من وسائل تعظيم الشعائر.

 

58. إن التربة الحسينية، هي مظهر للشهادة، ومظهر لإقامة حكم الله -عز وجل- وفروع دينه، ومنها الصلاة.. فقد خرج لطلب الإصلاح في أمة جده، فهل في ذلك غضاضة: أن يأخذ الإنسان من تلك التربة، ويصلي عليها من دون إلزام؟.. فأي فقيه ينتسب إلى مدرسة أهل البيت (ع) يفتي بوجوب السجود على التربة الحسينية؟.. لا أحد يفتي بذلك!.. فالمكلف مخير بين السجود على التربة الحسينية، أو السجود على الرخام، أو الصخر ونحو ذلك.. فبدلاً من أن يأخذ قطعة من تراب بيته، يُجلب له قطعة من تربة الحسين (ع) ليسجد عليها.. فهناك من ظن بأننا نسجد للتراب، بينما نحن نسجد على التراب.. ولا نلزم بالسجود على التربة الحسينية، وإنما نعتقد بلزوم السجود على الأرض كما قال النبي (ص).

 

59. إن الإنسان الذي يعتقد بأنه مسير، سوف يعيش حالة الركون إلى ما هو فيه، ولا يفكر في تغيير واقعه؛ فيعيش حالة الرتابة في الحياة.. لأنه لا يرى نفسه مؤثرا في الوجود، {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.. فما دام القلم قد جف بما هو كائن، فإذاً لماذا السعي؟.. وعندها يرى الإنسان نفسه كأنه قشة في مهب الرياح، أو على سطح البحر، تقلبه الأمواج كيفما تشاء.

 

60. إن الإنسان الذي يرى بأنه مخير، وليس هنالك قدرة مهيمنة عليه؛ فإنه يعيش حالة من الفرعونية الباطنية.. لأنه يرى أنه هو صاحب القرار الأول والأخير في هذه الدنيا، ولا شيء يقف أمامه {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد}، وإن لم يقل ذلك بلسانه، وإنما لسان حاله يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}.. فيرى نفسه ربا لنفسه على الأقل، فيقول: أنا مالك لأمري، وليس هنالك من يتدخل في شؤوني.

 

61. إن الله -عز وجل- هو الذي هيأ مواد الهداية، وجعل في وجود الإنسان محطات للطريق.. فإذا كان الأمر كذلك، فإن الإنسان الذي بيده إضاءة قوية، وسراج منير، فإنه يمشي أمام الناس.. فيقال: أن هذا الإنسان يهدي الآخرين، لماذا؟.. لأنه فتح لهم الطريق.. فالله -سبحانه وتعالى- جعل محطة خارجية، ومحطة داخلية في الوجود الإنساني.. وكل محطة تفتح لك الطريق: المحطة الباطنية تسمى بالفطرة، والرسول الباطني.. والمحطة الخارجية متمثلة بمئة وأربع وعشرين ألف إضاءة في عالم الوجود، ختمت الإضاءات بمن جعله الله السراج المنير في هذه الأمة، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}.. وعليه، فإن كون رب العالمين، هو الذي فتح لك الطريق؛ بالإرشاد، والهداية الفطرية، والخارجية.. فإنه يصح أن يقال بأنه هو الهادي، ولا يستلزم ذلك شيئا من الجبر والإلزام.

 

62. إن هنالك آية في القرآن الكريم، تشير إلى  أنه (لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين): {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى}.. انظروا إلى التعبير المتموج!.. وما رميت إذ رميت في معركة بدر، ولكن الله رمى.. فالنبي هو الرامي، والمسلمون هم الرماة.. ولكن الله هو الرامي أيضا؛ لأنه أمدهم بهذا المدد، وساعدهم في النصرة على أعدائهم، وهو الذي خلق مادة السهم، وهو الذي جعل القوة في العضلات، غير ما ذكره من إنزال الملائكة المسومين.

 

63. إن الحق أن لا نعتقد بالجبر، فننسب الظلم إلى الله عز وجل.. والحق أن لا نعتقد بالتفويض؛ لكي لا يجعل الإنسان يعيش حالة من حالات الركون إلى طاقاته وقواه.

 

64. إن العالم المنقب، والباحث الأكاديمي، والإنسان المثقف، عندما يريد أن يدرس مسألة، لا بد وأن يفرغ ذهنه من كل حكم مسبق.. وإلا، لما سمي باحثا، وهذا مفروغ منه حتى في العلوم الطبيعية.

 

65. إن العبادات مسألة توقيفية، أي أنه لو أجزنا لأنفسنا أن نُعمل نظرنا في العبادات: واجبة ومستحبة، فردية واجتماعية؛ لخرج الدين عن كونه دينا.. وهذا ما عمله اليهود والنصارى، إلى أن انتهى أمرهم إلى دين محرّف.. لأن الأحبار والرهبان، الذين استلموا القيادة الفكرية في هاتين الديانتين، خرجوا عن منهج السماء.. وكما هو معلوم بأن الفارق بين الدين وغير الدين، وبين الحلال وبين الحرام شعرة واحدة.. فمثلا: الربا قاصمة للظهر، والبيع يبارك الله فيه.. فالكاسب حبيب الله، والمرابي عدو الله.. والفرق بينهما صياغة فقط، فالإنسان قد يشتري نقدا، ويبيع قسطا، وقد يربح ربحا يربحه المرابي.. ففي مقام العمل النتيجة هي هي، ولكن هنا بيع وهنا ربا.. ولهذا قال القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}؛ ولكن الفارق أنه أحل الله البيع، وحرم الربا.

 

66. إن مسألة البسملة، من الأمور التي هي من سمات الإنسان؛ المتعبد الموحد لله عز وجل.. وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي (ص) أنه قال: (كل أمرٍ ذي بال، لم يُذكر بسم الله فيه.. فهو أبتر)؛ أي ناقص، لأن هذا العمل لا صلة له بالله عز وجل.. والإنسان المؤمن عندما يقوم بأي عمل من الأعمال، فإنه يقول: أبدأ هذا العمل ببسم الله.. فيربطه بالله ولو إدعاءً، ولو تقولاً.. والله -عز وجل- يرضى منه بذلك.

 

67. لو نظرنا بنظرة متفحصة، نجد أن أهل البيت -وهم السلسلة التي أكد عليها النبي: الكتاب، والعترة- أكدوا على أن البسملة واجبة.. فما بال المسلمين يتركون أمرا، أمره دائر بين الجواز، والاستحباب، والوجوب؟.. إذ أن هناك من يقول: بأنه جائز.. وهناك من يقول: بأنه مستحب.. وهناك من يقول: بأنه واجب.. فلماذا هذا التعمد في ترك هذه الآية، التي عبر عنها الإمام الصادق، والإمام الباقر عليهم السلام، بأنها من أعظم آيات القرآن الكريم؟!..

 

68. على الأقل نعامل السور معاملة الأمور ذي البال، فلا نبدأ السورة إلا ببسم الله.. ولهذا نلاحظ حتى في عرف المسلمين الأوائل، أن سورة البراءة تميزت بأنه لا بسملة فيها.. فمعنى ذلك أن في ارتكازهم كانت البسملة جزءاً من كل سورة، وعندما وصلوا إلى سورة براءة، قالوا: بأن هذه السورة لا تحتمل البسملة.. لماذا؟.. لأن هذه السورة مفتتحة بالبراءة، والبراءة لا تتناسب مع الرحمة الإلهية الخاصة، والعامة.. ولهذا فإن هذه السورة كانت الوحيدة في القرآن الكريم، مما حذفت منها البسملة.

 

69. إن مصحف فاطمة: هو كتاب علمي، فيه إخبار بأخبار المستقبل، وبإلهام من الله عز وجل.. وإن كان ملهمه ملك خاص باسم معين، فهذا ليس بالأمر المهم.. ويجب أن يعلم ذلك، من يجهل هذه المعاني.. وأما من هو ليس بجاهل، إنما هو بمكابر ومعاند، فالأفضل أن نوكل أمره إلى ربه، ليحاسبه حساباً عسيراً يوم القيامة، إذا وضعت الموازين القسط، وإلا فهذه رواياتنا ومنطقنا لا غبار عليه.

 

70. إن على المؤمن لو وجد رواية من هذه الروايات: في الكتب المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام، أو في كتب غيرهم -وكل ما يخدش وقار النبي، وعفة النبي، وكرامة النبي، وعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أن لا يقبل بهكذا أحاديث.

 

71. فلنأتِ ولنبنِ على أن الروايات من أي مصدر كان: إذا كانت تخالف أصلا مسلّما، أو تخالف آية محكمة، أو تخالف سنة قطعية، أو تخالف الوجدان والذوق السليم، الذي لا يمكن أن يقبله العقل والوجدان؛ يجب علينا أن لا نقبلها.. ويجب أيضا أن ننقح كتبنا من هكذا روايات؛ لئلا يصاب البعض بالانحراف في العقيدة، عندما يصدق هذا النمط من الروايات.

 

72. مع الأسف إن التاريخ الإسلامي كُتب، من قبل أشخاص لا نشهد لهم -على الأقل- بالعدالة.. إن الإنسان إذا أراد أن يأخذ نقلا تاريخيا صحيحا، فمن المفروض أن يعتمد على الناقل.. وهؤلاء الذين نقلوا التاريخ، فإن أمر بعضهم مريب؛ حيث نعلم تحيزه الطائفي، وميله تجاه بعض المناوئين لخط أهل البيت (ع).. فلا بد من أن نقف موقفا: محتاطا، ومتأملا، ومنتقدا، وانتقائيا من التاريخ؛ لئلا نقع في هذا الخلط.

 

73. إن من الشواهد القوية على إيمان أبي طالب (ع): أن أمير المؤمنين (ع) عندما كان في حالة حرب مع أهل الشام، أرسل لهم رسالة جاء فيها: (ليس أمية، كهاشم.. ولا حرب، كعبد المطلب.. ولا أبو سفيان، كأبي طالب.. ولا المهاجر، كالطليق.. ولا الصريح، كاللصيق).. ومن المتعارف أنه عندما تقع حرب بين طرفين، فإن كل فريق يحاول أن ينتقص من الطرف الآخر.. ومع ذلك فإن هذه المقولة –أي عدم إسلام أبي طالب- لم تنقل على لسان أهل الشام.. ولم نجد أن هناك اعتراضا على هذه العبارة (ولا أبو سفيان، كأبي طالب) في الرسائل، التي وردت من أهل الشام بالنسبة إلى علي (ع).. فلو كان هذا الأمر بائنا ومشتهرا في صفوف الصحابة، لعُيّر بذلك علي (ع).. ولما ذكر علي أباه بخير، في الرسالة التي أرسلها إلى خصمه.

 

74. إن الشريعة مبتنية على أساس التعبد، فالذي يريد أن ينفي عنصر التعبد، أو يحاول أن يفلسف الأحكام، يأتي بدين جديد.. صحيح أنه من ناحية ذوقية، إذا أردنا أن نخرج من التعبد، فإن غسل الرجلين قد يكون هو الأقرب للمزاج الإنساني، حيث أنه الأنظف.. ولكن نحن أُمرنا بالتعبد، كما أن الرأي نمسحه مسحا، ثم إن أردنا بعد ذلك أن نغسل الرجلين، لا مانع من ذلك بعد إتمام الوضوء، أو قبل الوضوء كذلك، ثم نمسح الرجلين بعد تجفيفهما.

 

75. علينا أن نمشي وفق ما جاءت به النصوص، والآيات والسنة المحكمة، حتى لو كان هناك بديل أفضل.. وهذه الأيام المطهرات الطبية متوفرة في كل مكان، وعلى فتوى علمائنا قديما وحديثا، لو جرح أحدنا وهناك دم وتلوث، ولم يستعمل الماء في التطهير، وإنما استعمل المطهرات الطبية.. فلا بد وأن يغسل بالماء، ولو بعد زوال الحرج.. فنحن لا نعتقد بأن الإنسان يجوز له أن يضر نفسه، ولكن عند ارتفاع المانع لا بد من الغسل بالماء، ولا يكفي التعقيم وما شابه ذلك، لأن الدين قد بُني على ذلك.

 

76. لا ينبغي المسارعة في إنكار مقام أو رتبة منقولة عن المعصوم عليه السلام، فالمرء له الحق أن يتوقف إن كان الدليل غير وافٍ.. وأما أصل أن يكون الإمام في هذه المثابة من الصلاحية الواسعة بإذن الله عز وجل، فلا ضير في ذلك عقلاً.. وخاصة أن القرآن الكريم، مهّد لهذا المعنى في حياة السلف من الأنبياء وغير الأنبياء.. فالقرآن تعمد ذكر بعض الحركات التي هي خارج قوانين الطبيعة، فهذا الذي عنده علم من الكتاب، كان قد وعد بأن يأتي بعرش بلقيس {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} وهذا لم يثبت بأنه نبي.. فالقرآن مهّد الأذهان لتلقي هذه المعلومة، وخاصة أن الإعجاز يكون بحسب البشر.

 

77. إن رب العالمين لا يختلف عنده الإعجاز وغير الإعجاز أبداً، فهو قد جعل القانون هنا ورفعه هنا.. فالذي يجعل هو الذي يرفع، ما الذي يختلف عنده؟.. بالنسبة لله -عز وجل- إنّ جعلَ البرودة في نار إبراهيم، كجعل الحرارة في نيراننا هذه الأيام.. فجعل البرودة في موضع، والحرارة في موضع آخر، فلا يوجد اختلاف في هذا الأمر بالنسبة لرب العالمين؛ حتى نبخل على هذه الذوات المقدسة، ونسارع في إنكار ما ثبت من أنهم قاموا بما قام به الذي عنده علم من الكتاب.. والحال أن الأئمة -عليهم السلام- ليسوا من الذين عندهم علم من الكتاب، بل من الذين عندهم علم الكتاب.. وكذلك {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فالأئمة هم من أتم مصاديق الراسخين في العلم.. فالقضية ليست بهذه الغرابة، حتى ننكر هذا الإنكار البليغ!..

 

78. إن الكرامة للواهب!.. فهو الواهب، وهو المعطي، يعطي الكثير بالقليل.. والمعصوم الذي وصل إلى درجة العصمة، والتفاني في خدمة الدين، فرب العالمين يعلم بأنه سيقتل في طاعته، فإذا أُعطي بعض التصرف في شجرة وفي نبتة، أو حجر، أو ما شابه ذلك، فما الغريب في ذلك؟.. على المرء أن يرفع من مستوى تفكيره، وأن يطلب من الله -عز وجل- شرح الصدر، ليتسنى له تلقي هذه المفاهيم الإعتيادية، بشيء من التأمل، ومراجعة النصوص الشريفة في القرآن الكريم.

 

79. إن الإنسان بطبيعته، يحب من يبالغ في حبه، فترى بعض الناس رغم أنه ليست له ملكة من الملكات، أو صفة من الصفات، ولكنه إذا مُدح بتلك الصفة المفقودة، يفرح في ذات قلبه، ويحب مثل هذه السمعة الباطلة.. ولكن أئمتنا -عليهم السلام- وقفوا موقفاً حاسماً وحازماً، من الذين صوّروا الأئمة تصويراً لا يطابق واقعهم.. وإن كان واقعهم واقعاً نورانياً، لا تحيط به عقولنا؛ ولكن جعلوا لأنفسهم حدوداً.. يقول الإمام الصادق عليه السلام: (احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم!.. فإن الغلاة شر الخلق؛ يصغرون عظمة الله، ويدعون الربوبية لعباد الله).. أي أن الذين يبالغون في أوصافنا، وفي احترامنا، وفي تقديسنا؛ فهؤلاء هم شر خلق الله.

 

80. إن القرآن الكريم نهى عن الغلو في كتابه عموماً، وإن كان الخطاب بحسب الظاهر لأهل الكتاب، ولكنه درس للجميع.. يقول تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ}.. فالغلو وإن كان في الدين، وإن كان من أجل تصوير رموز الدين تصويراً مبالغاً فيه.. فإن رب العالمين لا يرضى به، وإن كان غلوَاً فيمن يحبهم الله عز وجل.. ولهذا المسيحية انحرفت عن الطريق، عندما نسبوا إلى عيسى، ما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى.

 

81. إن الموت والحياة هما من خلق الله تعالى، مصداقا لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.. ومن هنا علينا أن نعلم بأن الإنسان سواءً كان مؤمناً، أو كان فاسقاً؛ فإنه لا يموت موتاً حقيقياً.. حيث أنه لا معنى للفناء، وعندما نزور أهل القبور ونقول: (اللهم!.. رب هذه الأرواح الفانية، والأجساد البالية).. فإن الأجساد البالية، معنى حقيقي معقول.. وأما الأرواح الفانية، فقطعاً لا يراد منها المعنى الدقيق.. والمراد هنا بالأرواح الفانية، أي الأرواح التي فنت باعتبار الدنيا.. فهذه الروح عند ما تنتقل من الدنيا، فإن الدنيا تكون قد خليت منها؛ أي الدنيا ما قبل عالم البرزخ.. فإذن، الشهداء عند ربهم يرزقون، وكذلك غير الشهداء عند ربهم يحاسبون.

 

82. إن كل أمة تمجد ذكريات أبطالها: كأبطال الأمة في المجال العلمي، وفي المجال العسكري، وفي المجال الثقافي.. فتزور قبورهم، بل أنهم يصنعون قبورا وهمية باسم "الجندي المجهول" مثلاً.. فكيف إذا كان المدفون نبياً معلوماً من أنبياء الله العظام؟.. الإنسان عندما يذهب إلى قبر النبي (ص) يجسد قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، ويجسد ولايته للنبي {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.. فهذه المودة لها انعكاس في القلب، ولها آثار في الفؤاد.. وللمحبة أيضا، آثار في الخارج.. فمثلا: عندما يهدي الإنسان صديقه، أو يزوره؛ فإنه بهذا العمل يظهر المودة والمحبة له.

 

83. إن طبيعة الناس: فطرةً، وتقاليداً، وعادةً؛ قائمةٌ على تكريم الأشخاص في حياتهم، وفي مماتهم.. أضف إلى الكتاب والسنة: فالقرآن الكريم يقول في سورة التوبة: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ}.. فعدم القيام على القبر، يكون بالنسبة إلى المنافقين.. وبالتالي، فإنه لا عتب في القيام على قبر الصالحين.

 

84. إن البعض عندما يستمع إلى صيغة من الصيغ التي يستعملها النبي (ص)، يحاول أن يجمد على تلك الصيغة.. فالنبي (ص) زار أهل القبور، وسلم عليهم.. فإذا زاد الإنسان، أو نقص، أو جاء بعبارة أخرى؛ فإنه لا يكون قد ارتكب بدعة في ذلك!.. فالنبي (ص) لا يريد أن يعلمنا الحروف ولا الكلمات؛ وإنما يريد أن يعلمنا جوهر العمل، بمعنى أنكم زوروا بقيع الغرقد، واذكروا ما شئتم!..

 

85. إن زيارة المساجد، والصلاة فيها.. وزيارة قبور الأنبياء؛ لتخليد ذكرهم، ولبيان عظمتهم ومنزلتهم، وللتأسي بهديهم، وإظهارا للولاء لهم، واعتباراً بمراقدهم، واجتماعاً مع إخوانه المؤمنين في تلك البقعة...الخ، هي سيرة عقلائية طوال التأريخ.. والمسلمون دأبوا على هذه السيرة، فما المانع من الاستمرار على هذا النهج؟.. فهذا القرآن، وهذه السنة، وهذه السيرة العقلائية، وهذه سيرة المسلمين تؤكد على ذلك.. وهل وجدت في فرق المسلمين منذ زمان البعثة إلى الآن، فريقا يعبد القبور بحيث أنهم اتخذوا القبر إلهاً؟.. فإننا لم نسمع بهكذا فرقة، فعبادة القبر لها معنى يمجّه الطبع، وذلك بأن يجعل الإنسان القبر كالكوكب والشمس والنجم؛ ويعبده، كما هو حال عباد الكواكب والنجوم!.. فالإنسان ذو العقل السليم، قد يجعل القبر محلاًً للعبادة، ولكن لا يجعله معبوداً.. فلا داعي لهذا الإنكار الشديد!..

 

86. لا ينبغي أن يقيد الإنسان المؤمن نفسه بزمان أو مكان معين.. أي لا يجعل لتلاوة القرآن زمنا معينا، بحيث لو لم يقرأ القرآن في هذا الوقت، فإنه يترك أو يهجر قراءة القرآن الكريم.. ولكن بلا شك أن هنالك بعض الأوقات فيها مزية: كساعة السحر، وساعة بين الطلوعين، وبعد الفرائض الواجبة.. حتى أن البعض يختم القرآن الكريم من خلال النافلة، فمن المعلوم أن بعض الفقهاء يجوز قراءة السورة مجزئة في النافلة.. وبالتالي، فإن بإمكان الإنسان المؤمن أن يتهجد من خلال تلاوة القرآن الكريم.. وكذلك من الأفضل أن يكون المكان الذي يتلى فيه كتاب الله، مكاناً فارغاً من كل شاغل، حتى يتفرغ للتعمق والتدبر في المضامين.

 

87. إن الذي يريد أن يتقن الشهر الكريم، لابد أن يسيطر على مجمل الأعمال من الليلة الأولى واليوم الأول، سواءً من أسباب تلاوة القرآن الكريم، أو غير ذلك من البرامج.. فالذي يهمل الأيام الأولى، فإن الشيطان ينسيه ذكر ربه فيما تبقى من شهر رمضان، ويتفاجأ وإذا بالشهر قد انقضى وانتهى.

 

88. إن الذي يتدبر في الآيات، وتصبح له حالة من حالات الأنس في الشهر الكريم، فإنه يرجى منه أن يكمل هذه العلاقة بعد انتهاء هذا الشهر.. فهو بمثابة إنسان نزل عند شخص لا يعرفه جيداً، ويجهل قدره.. فعندما حل عنده ضيفاً ثلاثين ليلة؛ عرف منزلته.. وبالتالي، فإنه لا يرتحل عنه.. وكذلك فإن الذي يأنس بالكتاب الكريم، ولو أنه كان قد جفا كتاب الله قبل هذا الشهر، فإن هذا الإنسان سوف يلهج بالقرآن الكريم.. ومن هنا نقول: أنه لابد أن نعطي للقرآن الكريم في شهر رمضان تلاوةً متميزة، حتى يبقى هذا الأنس بعد الانتهاء من هذا الشهر.

 

89. قد تكون بعض الآيات ناظرة إلى الإنماء الذاتي للفرد، كما في قوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ}، أو {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.. ولكن هنالك آيات لهجتها ولحن خطابها متوجه للأمة، كآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.. حيث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من ركائز رقي الأمة.. فالأمة التي لا تقوم بواجبها في هذا المجال، هذه الأمة لا يمكن أن تتقدم أبداً.. أو آية: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.. فلو عملنا بهذه الآية في حياة الأمة، لما طمعت فينا الأعداء.. أو الآية الموجودة في سورة (المنافقون): {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.. لو أن الأمة تدبرت في هذه الآيات الأممية، الداعية إلى رقي الأمة، سوف نخرج مما نحن فيه من الذل والهوان.

 

90. إن الآيات الأنفسية في القرآن الكريم آيات كثيرة.. وبعض هذه الآيات لو تأملها الإنسان وسمعها أو تلاها، في جو معين من الحضور الذهني والنفسي الكافي، فإنها تقلب حياته رأساً على عقب.. إن أحد الأشخاص لمجرد تأمله في هذه الآيات الثلاث: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}، و{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، و{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} صعق، وغير منهج حياته.

 

91. إن بني آدم مهما طال به العمر، -ستون أو سبعون سنة، أعمار الأمة في هذه الحدود- قد لا يتقن أن يحيا حياة طيبة، ولكن رب العالمين أعطانا عمراً كاملاً في ليلة واحدة.. فكم من المهم أن يفكر الإنسان من الليلة الأولى، لإحياء تلك الليلة إحياءً يرضي رب العالمين!..

 

92. إن أفضل عمل يقوم به الإنسان في ليلة القدر بالنسبة لارتباطها بالقرآن الكريم: أن يعزم عزماً جازماً على أن يعمل بمضامين القرآن الكريم بعد شهر رمضان المبارك.. والذي هو عاكف على معاصي الله -عز وجل- عليه أن يعلم أن أداء حق القرآن الكريم، وأداء حق ليلة القدر: هو أن يكف عما لا يرضي ربه في الشهر وبعد الشهر الكريم.

 

93. جاء في الحديث عن الرسول الأكرم (ص): (صوموا تصحوا).. لا ينبغي أن نحصر معنى كلمة (تصحوا) في هذه الرواية بالصحة الجسدية فقط، وإنما يفهم من المعنى أيضاً مسألة الصحة النفسية من خلال الصوم.. فالقضية لا تحتاج إلى تخصص طبي، لنفهم أن حاجة البدن للطعام هو أقل بكثير مما نأكله نحن.. وحسب كلام الأطباء: أن قسما كبيرا من هذا الطعام الهنيء، يمر من خلال الأمعاء كأي مجرى، ثم يؤخذ منه المقدار اللازم، ويعد قليلاً بالنسبة إلى ما هو موجود.. فيأتي الصوم لكي ينظم هذه العملية، ويثبت للإنسان أن بإمكانه أن يعيش على أقل من ذلك.

 

94. لا يخفى على أحد أن هنالك ارتباطا وثيقا جداً بين الصحة النفسية، والصحة البدنية.. وهذه الأيام قسم كبير من أمراض البدن، عندما يفسرها الأطباء يعزون السبب إلى الاضطراب والقلق: كأمراض القولون، والجهاز الهضمي والعصبي، وما شابه ذلك.. فإذن، إذا أمكننا أن نصل بالإنسان المؤمن إلى الصحة النفسية، فإن حياته المادية تستقيم أيضا، ويتخلص من كثير من الأعراض المرضية البدنية.

 

95. إن الصوم من موجبات هدوء الإنسان.. إذ أن الإنسان الصائم كونه في حال طاعة وعبادة، فعندما يعيش حالة العطش، ويرى بأن هذه العملية في إطار الطاعة الإلهية؛ فإنه يتلذذ بهذه الحالة، ويرى نفسه قريباً من الله عز وجل.. وهذا الإحساس بالقرب وبالضيافة الإلهية، تمنعه من القيام بعملية الحدة والغضب وما شابه ذلك.. وهذا عكس ما يروج: بأن الإنسان الصائم، أقرب ما يكون إلى حالة الغضب وغيره.

 

96. إن من موجبات اطمئنان القلب: ذكر الله عز وجل ، لقوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. وبما أن ذكر الله -عز وجل- في شهر رمضان متميز ومستوعب، والصائم في ليله ونهاره أقرب ما يكون إلى الذكر الإلهي؛ فإن معنى ذلك أن اطمئنان القلب في شهر رمضان، أكثر من باقي الشهور.

 

97. لا بد من الإشارة إلى أن الشريعة تستغل كل فرصة، لإشباع بطون الفقراء والمساكين.. فكفارات الصيام: كالإفطار العمد، وإفطار غير العمد، وصوم الشيخ الكبير، والمرأة المرضع، وما شابه ذلك، تكون من خلال دفع المال، من أجل سد الفراغ في هذا المجال؛ مما يعكس جامعية الشريعة.

 

98. إن هناك نوعا من أنواع التلقين!.. فالذي يلقن نفسه حالة الحدة والبلادة الذهنية في شهر رمضان؛ فإنه من الطبيعي أن يؤول أمره إلى عدم الاستطاعة على التفكير، بينما الصحيح هو عكس ذلك.. إذ أن هناك من عندما يكون صائماً -طبعاً الجوع المعقول، ليس الجوع المرهق جداً الذي هو مقدمة للإغماء مثلاً- يلاحظ أنه في هذه الحالة يفكر تفكيراً جيداً.. وبمجرد أن يأكل الطعام -وخاصة وجبة الغذاء الثقيلة- يلاحظ وكأنه شمعة وانطفأت!.. ويشعر بحالة من حالات الكسل البدني، والفتور الذهني.

 

99. إن من مزايا السيارة أن يكون لها فرامل قوية، ومن المعلوم أن السيارة التي لها فرامل قوية، تعتبر من السيارات المتقدمة في هذا المجال.. والمؤمن يحتاج إلى فرامل!.. وشهر رمضان -إن صح التعبير- شهر الفرملة.. فهو يزيد من قدرة الإنسان على التحكم في كبح جماح شهواته، حتى لو أنه صادف شهوة محرمة، فإنه يمكنه ردع نفسه عن ارتكاب الحرام.

 

100. إن من ضمن الأسباب التي تجعل العبد تنتقض مراقبته، وينتقض وضوؤه الباطني -أي الطهارة الباطنية- هو: جهد الشيطان الرجيم في هذا المجال.. وقد بشرنا النبي الأكرم (ص) في خطبته: أن الشياطين مغلولة في هذا الشهر؛ أي أن نشاط الشياطين يصل إلى أدنى حد ممكن، بل قد يتوقف.. ومن هنا إذا انتفت موانع التكامل، وكان هنالك المقتضي؛ فإنه يؤثر أثره.. فالمقتضي موجود؛ حيث أبواب الرحمة مفتوحة.. والمانع منتفٍ؛ فرب العالمين قد غلَّ الشيطان.. ولكن الصائم العاصي، أو الذي يشهد الشهر ولا يصومه، فبالنسبة له إن الأغلال مازالت مفتوحة، أي أن أيديها مبسوطة.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج