100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الصائم بإمكانه أن يعيش أدنى درجات المعية التكوينية، عندما يرى أن هذا الكف هو بعين الله.. ومن المعلوم أن أصحاب التدخين هم أكثر الناس مجاهدة في شهر رمضان؛ فالكف عن الطعام والشراب أمر معقول بالنسبة لهم، أما الكف عن التدخين فهو أمر ثقيل.. ولكن عندما يرى الصائم أن هذا الكف بعين الله، فإنه يترك ألصق العادات به، لأن فيه مرضاة الله عز وجل؛ وهذا يشدد حالة المعية، واستحضار الرقابة الإلهية.

 

2. إن القرآن الكريم جاء ليمنهج العملية الأخلاقية.. فهذا الكف إذا كان كفاً مجرداً من دون استراتيجية جامعة؛ فإنه لا يؤثر أثره.. أما إذا كان الصائم يعلم أن هذا الكف يراد منه الكف المستمر طوال العام، وفي كل المجالات، ومنها الحدة -مثلاً- فإنه لا شك سيحاول أن يعوّد نفسه على ضبط سلوكه في كل أحواله.. وإلا فإن الذي يكف عن الطعام والشراب، ويحتد على إنسان، وقد يفحش بالقول، وقد يضرب إنساناً بريئاً؛ فإنه يعمل ما يوجب نقضاً للغرض، ولم يستوعب هدف الشريعة من عملية الصوم.

 

3. إذا أردنا أن نبقي المعلول، فلابد أن نبقي العلة -العلة المحدثة، والعلة المبقية-!.. فبالنسبة للإنسان الذي توفق لشيء من الطاعة والإنابة إلى الله -عز وجل- في شهر رمضان، فمن المعلوم أن هذه التوفيقات ناتجة من هذه التركيبة المعروفة: من الكف عن الحرام، والأنس بالعبادة في أسحار شهر رمضان وغيره، ومن تلاوة القرآن الكريم.. فلو أن الإنسان قام بهذه التركيبة بعد شهر رمضان المبارك.. فيتحول الكف عن الطعام والشراب، إلى كف عن المحرمات -هذا حرام بالعرض، وهذا حرام بالذات- ويبقى الأنس بالقرآن الكريم تلاوةً، ولو في حد أقل.. ويبقى الارتباط بأدنى درجات الدعاء والابتهال.. عندئذ فإن المؤمن سوف يعيش في شوال، أجواء قريبة مما كان يعيشها في الشهر الكريم.. ولهذا نلاحظ أنه الشريعة قائمة على إيجاد محطات عبادية في طوال السنة.

 

4. إن هنالك جزءا من آية في القرآن، تعطينا فلسفة الدعاء، أو من موجبات الدعاء المستجاب، وهي كلمة {ادْعُونِي} في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.. يقول علماء التفسير: إن هذه كلمة فيها كل شروط الدعاء المستجاب.. فمما يفهم منها أن لاستجابة الدعاء لابد من تحقق شرطين:
أولاً: الدعاء.. فالقراءة المجردة لا ينطبق عليها مفهوم الدعاء.. إذ أن الدعاء حركة قلبية: فيها طلب، وفيها التجاء، وفيها إنابة.
ثانياً: الوجهة المدعوة.. إذ لابد من الاعتقاد أن هنالك وجهة تدعى، قادرة على قضاء الحاجة.

 

5.  ينبغي الحذر الشديد من الحرام في مواسم الطاعة، وفي أماكن الطاعة!.. فالنظر للأجنبية في السوق شيء، وحول الكعبة شيء آخر.. والحرام في شهر رمضان شيء، وفي شهر شوال شيء آخر!.. ومن هنا فإن البعض يبتلى بقسوة قلب عجيبة في شهر رمضان، تتجلى في ليالي القدر، حيث الناس الباكية والمبتهلة، وهو يتحسر على قطرة دمعة من خشية الله.. فهذه مرتبطة بمعاصيه في ما قبل ليالي القدر المباركة.

 

6. إن المعاصي المأكولة والمشروبة والمتمتع بها من صفاتها أنها فانية، فالمحرمات التي ترتكب لا تتجاوز خمس دقائق إلى ساعة أو ساعتين.. الحرام إذا كان شرباً، أو أكلاً ، أو كان ممارسات غير شرعية؛ فإن وقت الالتذاذ بالحرام محدود وهي دقائق، إن لم يكن في بعض الحالات ثواني أصلاً.. فإذن، هذه الساعات متصرمة، وكما في الروايات: (شتان بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره).. وعليه، فإنه يجب تذكر فنائية المعاصي.

 

7. إن المعاصي بمثابة شبكة الصيد: فمن المعلوم أن شبكة الصيد -هذه الأيام- عبارة عن قناة ضيقة، وعندما تدخل السمكة وتعبر القناة الضيقة تقع في الفخ ولا يمكنها العودة.. المعاصي كذلك: فمعصية تجر معصية.. ورب العالمين نهانا في كتابه بعدم إتباع خطوات الشيطان، فهذه الخطوات متمثلة بالمعاصي، حيث تبدأ القضية من النظرة من خلال التلفاز أو من خلال الإنترنت.. والبعض يقول: بأنها مجرد نظرة، ويلقن نفسه بأنها صغيرة من الصغائر، والله لا يؤاخذنا على هذه الصغائر.. ولكنه يغفل عن حقيقة مهمة، وهو: أن النظر يثير البواطن وهرمونات الغدد الكذائية، فعندئذ يبحث عن الواقع، وهذا الذي يحصل.

 

8.  إن من أفضل ما يملأ الإنسان به فراغه، هو الأخذ بيد الغير إلى الله سبحانه وتعالى، وهي عملية ممتعة جداً!..

 

9. إن التفكر مقدم على المجاهدة والعبادة والصوم وما شابه ذلك.. وهو بمعنى: أن يعرف الإنسان بأنه ما خلق سدى ، فرب العالمين ما خلق هذا الوجود المذهل، وما جعل في الأرض خليفة؛ لينتهي الأمر أن يتمتع الإنسان كما تتمتع الأنعام.. فهنالك غرض من صاحب الوجود، ولابد أن نتعرف على هذا الغرض من صاحب الخليقة.. يقول الإمام الرضا (ع): (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عزّ وجلّ).. فالمراد بأمر الله هنا ليس البحث في الذات الإلهية، وإنما في غرضه من هذه الخلقة.

 

10. إن هنالك ما يسمى بحالة من حالات التحليق الناقص.. فبعض الناس من بركات بعض المجاهدات والأذكار والأوراد والخلوات، حتى بعض المجاهدات الأنفسية والخارجية، قد يصل إلى حالة من حالات الشفافية الروحية.. ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يعيش شيئاً من لذائذ عالم المعنى؛ فإنه يكاد يحتقر أو يستقذر لذائذ عالم الطبيعة.. وبالتالي، ينفصم عن الواقع وعن المجتمع.

 

11. إن الذين لم يصلوا إلى مرحلة مستقرة من مراحل الوصل، فلا هم من أهل الدنيا: بمعنى الانشغال بانشغالات أهل الدنيا، ولا هم من أهل الآخرة؛ لأنهم لم يصلوا إلى ركن وثيق.. هؤلاء يمكن أن نعبر عن حياتهم بأنها حياة تعيسة، لأنهم يعيشون حالة من الحالات البرزخية، وهم عرضة لمختلف صور الأمراض: الروحية، والنفسية: كالاكتئاب، والانفصام في الشخصية، وغيره.

 

12. إن الإنسان المؤمن يعيش في الناس، ولا يكون معهم، بمعنى: أن يعيش حياته الطبيعية خارجاً، ولكن في باطن الأمر يعيش حالة من حالات المراقبة.

 

13. إن الذي يستذوق ويستلذ الحرام، من الممكن أن لا يرتكب الحرام من باب المجاهدة، ولكن قد يغلب عليه هواه كما هو معروف في المثل: (الطبع يغلب التطبع).. ومن هنا فلابد للمؤمن من المجاهدة، ولابد أن يصل إلى مستوى يستقذر الحرام بمعنى: أنه لا يرى للحرام جاذبية.. وإذا وصل لهذه الدرجة، فإن تركه للحرام سيكون بشكل انسيابي جداً، ولا يخشى عليه من المهالك.

 

14. لابد من التفريق بين الحال والمقام، فهذه الحالات المتقطعة التي قد يجدها الإنسان في الصلاة وفي العمرة وفي الحج؛ بمثابة أمطار موسمية.. ومن المعلوم أن المطر الموسمي لا يعول عليه في إنبات الزرع، فلابد من تحويل الحالات المتقطعة إلى مقام، وإلى حالة ثابتة وراسخة في النفس.. وعليه، فالإنسان قد يخشع في صلاة، وفي ركعة، وفي زيارة؛ ولكن هذا لا يعول عليه.. وبعض الأوقات هذه الحالات، قد تغش الإنسان، وتعطيه انطباعا كاذبا عن مستواه الإيماني.

 

15. إن الغضب مثله كالشهوات في تأجيج موجبات الفساد والإفساد، وهو حالة من حالات تفاقم الإنية، وبروز النفس بهيئة فرعونية أو نمرودية؛ مما يجر الإنسان إلى أن يتجاوز الحدود الشرعية..  وقد ورد عن النبي الأكرم (ص): (أفضل الجهاد، من أصبح لا يهم بظلم أحد)!.. فالذي لم ينوِ أن يظلم أحداً؛ من الطبيعي أن لا يغضب؛ لأن الغضب مقدمة لظلم الآخرين.. فإذا هو نفى المقدمة، فإن الموجب أيضاً ينتفي.

 

16. إذا قلنا أن وجود المربي لا ضرورة له، ولا نفع له؛ فهذه مكابرة ومغالطة!.. فمن المعلوم في الرياضة البدنية أن البدن يحتاج إلى تدريب ومدرب خاص.. فإذا كان ترويض عضلات البدن، يحتاج إلى مرب تعطى له ملايين الدولارات؛ فكيف بتهذيب الباطن الذي لا يرى، وهو أعقد وهو الباقي، والبدن هو الفاني!..

 

17. وإذا قلنا أن الأمر متوقف على المربي؛ فمعنى ذلك أنه عطلنا السير، وعطلنا الحركة التكاملية!.. فماذا نعمل بالآيات القرآنية المطلقة الداعية إلى الفرار إلى الله عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}؟!..

 

18. إن وجه الجمع بين ضرورة وجود مربٍّ، وبين أن الشريعة والحركة التكاملية تتعطل مع هذا القيد، هو ما ذكره القرآن الكريم، وهو تعبير جداً جميل عن النبي الأكرم (ص)، يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.. فالأسوة الحسنة لا يحتاج إلى أن يكون بين ظهرانينا.. فمرة الإنسان يريد إنساناً مقلَّداً يقلده في مشيته، وهذا يحتاج أن يكون حياً وحاضراً.. ولكن الأسوة عبارة عن مفاهيم ورؤى، فالقرآن الكريم مربي، وأحاديث النبي (ص) مربية، وسيرة النبي (ص) مربية.
 

19. إذا وجد الأستاذ الصالح -وليس المزيف-؛ فنور على نور.. وإذا لم يوجد الأستاذ المربي الصالح؛ فينبغي احتذاء الطريق الذي سلكوه أهل البيت (ع) والعلماء والصالحين.. ومن المعلوم أنه فرق بين مريم (ع) وبين آسية!.. حيث مريم وجدت لها مربيا كزكريا (ع)، ولكن آسيا ما وجدت لها مربيا بل وجدت لها معذباً وهو فرعون، ومع ذلك صارت من المميزات في التاريخ.

 

20. إن أول خطوة في موضوع تزكية النفس؛ التفكر والتأمل.. والتفكر لا نعني به التفكر المحض؛ أي أن يفكر الإنسان من فراغ، بل يفكر مستعينا بمخزونه الباطني، ويفكر في مقولات الآخرين في الكتاب والسنة وكلمات العلماء.. ومن المعلوم أن هنالك بعض الكلمات الواردة من علماء السلف، تفتح للإنسان أبوابا كبرى في المعرفة الإلهية.

 

21. إن القلب إذا وافق العقل، وتبنى مضامين العقل؛ صدرت الجوارح على وفق هذا الأمير الداخلي.. وهنا يأتي دور الشيطان، أن لا يجعل اتصالا وتفاعلا بين القوى العقلية وبين قوى القلب؛ أي يجعل الإنسان لا يوطن نفسه على ما اعتقد به.. ولهذا فالقرآن الكريم يقول: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}.. فالعلم موجود، ولكن في مقام العمل هذا العلم ما أصبح له من موجبات النجاة؛ أي صار حجة عليه لا له!..

 

22. إن قضية أهل البيت (ع) ليست قضية طائفة أو فرقة من فرق المسلمين، القضية أن هناك إسلاما يتمثل على شكل حقيقة واحدة.. وهذه الحقيقة الواحدة، ينظر لها من زوايا مختلفة ومن نوافذ متعددة، وأصفى هذه النوافذ وأقدرها على كشف هذه الحقيقة هم أهل البيت (ع)، الذين جعلهم الله -عز وجل- الحبل المتصل بين الأرض والسماء.

 

23. إن من مهام إمام كل عصر أن يرعى شؤون المؤمنين، وعلى الخصوص السالكين إلى الله عز وجل، كالشمس وراء السحاب.. وفي زماننا هذا فإننا نعتقد -بلا شك- أن الإمام المهدي (عج) من مهامه أن يتبنى القابليات المتميزة، بمثابة المزارع أو الشخص الذي له مشتل، ويرى بعض الزهور المتفتحة المتميزة، فيخرجها من الحديقة العامة؛ ليزرعها في دائرة أضيق تحت الرعاية الخاصة.

 

24. إن مسألة الحجاب من ضروريات الدين الإسلامي، إلا أن البعض يحاول أن يشكك في هذا الأمر.. والحال بأن الآية القرآنية صريحة جدا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.. فلو كان الخطاب موجها لأزواج النبي (ص) فقط، لكان من الممكن القول بأن المسألة مختصة بنساء النبي (ص)؛ بمعنى أن الآية في مقام تحصينهن وجعلهن في غاية الحجاب والعفاف.. ولكن الملاحظ هو تجاوز الآية في الخطاب إلى بنات النبي (ص) أيضاً، مما يدل على أن الخطاب شامل للكبار والصغار، وما زاد في التأكيد هو ذكر نساء المؤمنين، ليرتفع أي لبس في هذا المجال.

 

25. إن المرأة التي تتحجب وتستر مفاتن بدنها، كأنها تريد أن تقول بلسان المقال ولسان الحال: بأنها امرأة محصنة عفيفة، وليست في معرض تعرف الرجال الأجانب عليها.

 

26. إن رفع الحدود بين الجنسين، يؤدي إلى أن يعيش الإنسان الهواجس الجنسية.. وبلا شك أن معايشة الهواجس الجنسية الشهوية؛ مقدمة للدخول في المحرمات العملية.. وهذا ما لاحظناه في بلاد الغرب من جراء إثارة الفتنة في كل مكان، فالصحافة والإعلام والشارع والسوق والجامعة؛ كلها مليئة بمثيرات الفتنة.

 

27. إن العلماء يشبهون الغريزة الجنسية كماء البحر، كلما شرب منه الإنسان ازداد عطشاً.. وكالحطب على النار، كلما جعل فيه حطب أكثر، فقد اشتعلت النار بشكل أكثر وأشد!..

 

28. إن هذه الحصانة بوضع المرأة في وضع غير مثير، من موجبات حصانة المجتمع الإسلامي وغيره؛ ولئلا يتحول الإنسان إلى موجود همه الشهوات.

 

29. إن الإسلام ليس بناؤه أن يأتي بكل جديد في كل باب، وإنما جاء ليقر ما هو سليم، وما يطابق العقل والفطرة السليمة في حياة الأمم السالفة.. ولهذا ورد بأن المراد بالعقود في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}، أنها ما تعارف عليه الناس، إلا ما خرج بالدليل كالربا مثلاً.. ووجود الحجاب في الأمم والأديان السالفة، علامة من علامات فطرية الحجاب، وأن هذه الحركة مطابقة لمزاج الإنسان السليم.. ولهذا فإن رب العالمين عندما أخرج أبوينا من الجنة، جعل أول عقوبة لهما هي نزع اللباس الساتر، ومعنى ذلك أن هذه حركة جداً ملفتة.

 

30. إن مقتضى العقل يقول: أن المرأة خلقت لهدف، وهذا الهدف متفق عليه: فالمرأة خلقت لأن تتكامل بنفسها، وأن تكمل أسرتها حتى الزوج والأولاد، فهي لها مهمة في الحياة.. وكونها في حجابها وفي حصنها الحصين، مما يوجب رفع الضغط الرجالي عليها، إذ أن المرأة المتبرجة أو المرأة السافرة؛ هي في معرض فتنة الرجال.. وبالتالي، فهي لا يمكنها أن تصل إلى المستوى الكمالي المطلوب.. أضف إلى أن المرأة خلقت لتربي أسرة وكيانا، والرجل عندما يرى امرأته سافرة، وبسفورها وتبرجها تجلب نظر الرجال، ومن الممكن أن تكون صيداً في أي وقت من الأوقات للرجال الأجانب؛ فإن دورها الاجتماعي ودورها العقلي لا يكتمل في هذا المجال.

 

31. فكما أن الطبيب الجراح في غرفة العمليات يحتاج إلى زي معين ومعقم: فيكمم فمه، ويلبس على رأسه غطاءً؛ لأن طبيعة المهنة تقتضي ذلك.. أيضاً المرأة طبيعة وظيفتها في الحياة، تحتم عليها أن تكون بهذه المثابة.. وكما نلاحظ أن المرأة في آخر عمرها من كل الملل تقريباً، عندما تقترب من نهايتها -وخاصة مع الاعتقاد بالمعاد والحساب الأخروي- فإنها تميل إلى هذا الجانب، فلماذا لا تقدم هذه الفترة؟!.. بمعنى أن ما عليها العمل في المستقبل، تقدمه أيام شبابها؛ فإن هذا ادعى لتحقق المجاهدة!..

 

32. إن المرأة المحجبة، أكثر حتى إلفاتاً وجاذبية، من المرأة التي أظهرت مفاتنها للآخرين!.. لأن الثاني جمال مبتذل للجميع، ولا خصوصية فيه للزوج الشرعي!.. ومن هنا ما دام الأمر كذلك، فليتوجه الإنسان إلى العنصر الطبيعي من الإشباع، ألا وهو الزواج والاقتران الشرعي بالزوجة المثالية.

 

33. إن الحجاب إذا سلب من المرأة، يكون بذلك قد سلبت منها أكبر حماية.. فالحجاب شبيه بالجلد، ومن المعلوم طبياً: أن الجلد يمنع الجراثيم والميكروبات الضارة.. فالحجاب إذا ارتفع من المرأة المسلمة، كأنها أصبحت بلا جلد.. ولك أن تتصور بدنا نزع منه الجلد!.. فمن الطبيعي أن التأثر بموجبات المرض سيكون قوياً!..

 

34. إن الحجاب لم يأتِ ليفرض على الإنسان حكماً شرعياً بحتاً، فالصلاة والحج والصيام أمور شرعية، ولكن الحجاب له خصوصية، بمعنى: أن هناك رصيدا عقليا وعرفيا لمثل هذا الأمر.. فنحن عندما نرفع الحجاب عن المرأة، فقد جعلناها في منطقة متزلزلة وفي منطقة جداً حرجة.

 

35. إن مسألة الغريزة والشهوات واقع حقيقي، وليس أمراً تخيلياً.. والأمر خارج عن إرادة الإنسان، وليس هو مجرد بناء على الاستجابة عندما يرى مثيرا من المثيرات، بل إن هنالك تفاعلات كيميائية في المخ، وإفرازات هرمونية في الدم، والإنسان يتحول إلى موجود همه الشهوات، وهذا الذي نراه في بلاد الغرب!..

 

36. من الأنسب للأخوات المؤمنات، أن يبدؤوا بحجاب البنت، ولو بحجاب غير متكامل في سنوات مبكرة؛ لأن البنت دون سن البلوغ قد تستقبل الحجاب.. ولكن إذا صار الأمر قبل البلوغ بأشهر، فقد تتمرد على الحجاب الشرعي.. ومن هنا يجب أن نتدرج معها في لبس الحجاب؛ لأن سن تسع سنوات سن مبكرة إنصافاً، ويحتاج إلى تهيئة نفسية من الوالدين لتقبلها لمجمل الشريعة: حجاباً، وصلاة، وغير ذلك من الأحكام.

 

37. أما بالنسبة إلى مسألة أن الحجاب قد يشكل عائقاً دون زواج البنت: فإنه من المتعارف عليه في الأوساط الإيمانية السليمة، أن الفتاة عندما تكون في كامل حجابها الشرعي؛ فإنها تكون مرغوبة من قبل الشباب المؤمنين.. ومن هنا فإن الأحكام الشرعية، تظهر ثمرتها في الأوساط السوية دون الأوساط الممسوخة عن الفطرة!.. أضف إلى أن مسألة الجاذبية في القلوب قضية إلهية، ورب العالمين قد وعد في كتابه الكريم بتسديد عباده المؤمنين، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} ،{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}.

 

38. نحن لا ننكر بأن ارتداء الحجاب؛ حركة معارضة لمقتضى الطبيعة البشرية؛ بمعنى الشهوة البشرية.. فالحجاب فيه قيد، وعندما لا نربي المجتمع المسلم على تقبل الشريعة بكل حدودها؛ فإنه سنقع في شيء من الارتباك في هذا المجال، ومن الطبيعي أن يكون الحجاب من ضمن هذه المنظومة أيضا.. ولهذا فإن على الأم التي تحب أن تحجب ابنتها، أن تأتي لها بمقدمات مقنعة، وإلا فلو كان الأمر على نحو الإلزام والأمر المحض؛ فإن هذا قد لا يفي بالغرض ولا يحقق الهدف.. وعليه، فإنه لا شك بأن الأحكام الشرعية، تأخذ مسارها الصحيح والطبيعي في ضمن الهيكلية العامة.

 

39. لا كراهة أبداً في لبس السواد للمرأة في الشرع، وإنما هو مكروه للرجل باستثناء العمامة والخف والعباءة.. وإذا كان الهدف من الحجاب جعل الحاجز، فاللون الداكن أقرب الألوان لهذه الحاجزية!..

 

40. إن الحجاب لا يمنع أبداً المرأة من القيام بدورها الاجتماعي؛ لأن القيام بالدور العلمي والثقافي والاجتماعي، قضية مرتبطة بالعقل والوجدان والشعور والقلب؛ وهذا كله لا حجاب له، وإنما الحجاب لهذا الظاهر البدني.

 

41. إن رب العالمين أراد من الإنسان أن يكون خليفة له، يجسد القانون الإلهي على وجه الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}.. وكما هو معلوم عند الأخلاقيين والعارفين بأسرار الشريعة: أن الإنسان ينبغي أن يصل إلى مستوى التخلق بأخلاق الله.. وقد تكون العبارة عريضة، والدعوة كبيرة.. ولكن نحن أمُرنا أن نتخلق بأخلاق الله، بمعنى أن يتحول هذا الإنسان الممكن، هذا الإنسان الضعيف، هذا الإنسان الذي خلق من ماء مهين؛ إلى مظهر من مظاهر تجلي الأسماء الإلهية -طبعاً- مع الاحتفاظ بوصف البشرية.

 

42. لابد في عصر الغيبة من تعميق فكرة المهدوية، وأن هذه الفكرة غير قابلة للانفصام عن أصل فكرة الإمامة.. ولهذا فالذين وصلوا إلى إمامة الإمام العسكري، وأنكروا وجود الإمام المهدي، فقد جاؤوا بمذهب مبتدع لا أتباع له.. وأن نعتقد بأن هذه الحلقة هي الحلقة المكملة لحلقة الأئمة الاثني عشر أو الخلفاء الاثني عشر الذين بشر بهم النبي (ص).. وليست هنالك طائفة من طوائف المسلمين إلى يومنا هذا، تقدم لنا هذه الأطروحة، أو هذه السلسلة المباركة كما نقدمها نحن.
 

43. إن الاعتقاد بوجود الإمام المهدي (عج) من عناصر بعث الأمل في نفوس الأمة، التي تعتقد بوجود قائد حي؛ ولكن هنالك بعض الظروف الموضوعية، حالت بينه وبين اللقاء بالقاعدة.. وذلك مثل بعض الثورات التي انتصرت في بلاد شتى، وقائدها في السجن أو المنفى؛ فإن مجرد إحساس الشعب بحياته ورعايته ولو من بعيد؛ من موجبات بعث الأمل في النفوس.
 

44. إن تقسيم الحب إلى حب صادق، وحب غير صادق؛ هذا تقسيم مجازي، وإلا فإن الأمر كما لو قلنا أن الماء على قسمين: ماء رطب سيَّال، وماء غير سيَّال.. فالماء الذي ليس بسيَّال، لا يعتبر ماء أصلاً!.. وعليه، فإن الحب إذا لم يكن صادقاً، ما هو إلا ادعاء للحب.. ومن هنا يشير الإمام الصادق (ع) إلى ذلك، فيقول:
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

 

45. إن المسألة تقاس بالملكات، فكل إمام في عصره يمثل الخلافة الإلهية في الأرض، وهو خير العابدين وأفضلهم.. وبعبارة موجزة: الإمام -بمستوى حدود البشرية- مظهر لأسماء الله الحسنى، وهذا ليس بأمر بسيط!.. أضف إلى أنه السبب المتصل بين الأرض والسماء، ثم الفعلية.. ولهذا فإن الإمام الحسن (ع) لم يعط ما أعطي الحسين (ع): حيث جعلت الإجابة تحت قبته، والشفاء من تربته.. لأن الإمام الحسين (ع)، عاش المعاناة الفعلية التي ما عاشها أحد من أئمة أهل البيت (ع).

 

46. إن شهر رجب وشعبان، شهران تمهيديان للدخول في شهر رمضان المبارك.. فإذا أردنا أن نصل إلى إحياء متميز في شهر رمضان -كما أراده الله عز وجل- ونصل إلى ملكوت ليالي القدر، والليالي المباركة في هذه الأشهر الثلاث المباركة.. فإن نقطة الانطلاق للمكاسب الكبرى، هي أول ليلة من شهر رجب.. فإذن، إن العملية تراكمية، وعلينا أن نتابع في هذه المواقف، لنصل إلى المراد.
 

47. إن شهر رجب شهر منتسب إلى الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن الشيء إذا انتسب إلى الله عز وجل، اكتسب الشرافة الكبرى.. ومن هنا فإن ما يعطى في هذه الأشهر، ليس من باب الأجور على الأعمال، وإنما من باب العطية والهبة.. فالكريم عندما يعطي عطية، فإن عطاياه لا تحكمها القوانين العادية.. فلا ينبغي الاستغراب، أو الاستعظام من الأجور المنقولة مثلاً كالتي تأخذ تعبير: خروج العبد من الذنوب كيوم ولدته أمه، كما هو وارد في راويات كثيرة لأهل البيت مقابل أعمال يسيرة.
 

48. إن طبيعة بني آدم، هي طبيعة تثاقلية، كما يعبر القرآن الكريم، بقوله تعالى: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}.. بمثابة الأجسام التي تخضع لقانون الجاذبية الأرضية، فتميل إلى الأسفل إذا لم تُمسك من الأعلى.. والنفس الإنسانية -كذلك- تتجاذبها عوامل الهوى والميل إلى الشهوات إلى الأرض.. ومن هنا فرب العالمين رأفة بعباده، جعل لهم مواسم عبادية معينة: كما في الحج، وشهر رمضان؛ لتعويض هذا التكاسل، وحتى يستفرغ العبد وسعه في هذه الأيام والليالي.
 

49. إن فصل الربيع في عالم النبات، عبارة عن ثلاثة أشهر؛ وأيضاً ربيع القلوب ثلاثة أشهر.. فالذين يريدون استنبات البذور الكامنة في أنفسهم، عليهم أن يركزوا جهودهم في هذه الليالي.. فإن لكل يوم، ولكل ليلة زهرتها التي ينبغي متابعتها، والوقوف عندها، واستشمامها.. وإلا لأخذها الذبول، ومن ثم الانحلال حيث لا عودة أبدا.
 

50. إن لكل حركة استحبابية موقعا من مواقع تهذيب النفس، فلا ينبغي أن نكتفي بحركة من الحركات.. بمثابة إنسان مبتلى بأمراض مختلفة -الضغط، والسكر، وغيره- فهو لا يعطى علاجاً واحدا، بل لكل مرض علاجه الخاص.

 

51. إن الغاية المرجوة من الصوم، أنه علاج لحالة اشتعال عنصر الغرائز والشهوات، والميل الزائد لمواد الدنيا.. ومن هنا فإن الذي يعيش حالة الولع بالنساء، ولا يستطيع كف نفسه عن الحرام؛ فعليه بالصوم كما ورد عن النبي (ص) هذا القول: (يا معشر الشباب!.. من استطاع منكم الباه فليتزوج، ومن لم يستطعها فليدمن الصوم، فإنه له وجاءٌ).. والأمر كذلك بالنسبة للطعام والشراب، فالإنسان يمرّن نفسه على ضبط الإرادة من خلال الصوم حتى في غير شهر رمضان، ثم إن الذي يصوم في شهر رجب، فإن نفسه تكون مقبلة على العبادة أكثر من سائر الأيام الأخرى.

 

52. إن القراءة التدبرية للدعاء؛ خير من التلاوة لمجرد التلاوة، ولو كانت خاشعة.. وبعض المضامين الدعائية لو استوعبها الإنسان؛ لكانت من موجبات تغيير مسيرته في الحياة.. فمثلاً: في المناجاة الشعبانية، لو تأملنا في هذه العبارة: (إلهي!.. هب لي كمال الانقطاع إليك)؛ لفتحت لنا أبواب المعرفة التي لا حدود لها.. ويحسن بالمؤمن أن يلزم نفسه بما يطيق ويشتهي من الدعاء؛ فإن العبرة بالكيف، وليست بالكم..

 

53. إن الأمي لا يقرأ، لكنه يسمع ويفهم!.. ومن المعلوم في تاريخ الشعراء الفطاحل، كان هناك شعراء أميون لا يقرؤون ولا يكتبون.. أضف إلى أنه يمكن أن يناجي الإنسان ربه مناجاة فطرية بليغة، وقد يستجاب له قبل أن يستجاب لمن يدعو بالأدعية المأثورة.

 

54. إن مجاورة أهل البيت (ع) هي مسؤولية وليست بمزية!.. ومن هنا فإنه وارد في كتب الفقه، كراهة السكنى في مكة المكرمة، رغم أنها قبلة المسلمين.. والسبب في ذلك: هو خشية عدم إعطاء المقام حقه.. فإذن، إن المجاورين قد يكونون من أعظم الناس حسرة يوم القيامة، فحالهم كما يقول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ *** والماء فوق رؤوسها محمول!..

 

55. إن إبراهيم (ع) من الأنبياء الذين تميزوا بامتيازات عديدة، منها: أنه رشح بأن يكون خليل الله، وأن يكون بانياً لقواعد البيت، الذي يعد ظاهره من الحجارة، ولكنه حقيقة يوازي البيت المعمور، وهو في امتداد مع العرش.. فالذين يطوفون حول البيت، عليهم أن يستحضروا هذه الحقيقة: بأنهم يطوفون حول حقيقة التوحيد، إذ أن الطواف حركة رمزية لا يراد منها الحركة العادية، وإنما يراد منها الدلالات التي هي ما وراء هذا الطواف الظاهري.

 

56. إن رب العالمين عندما أراد أن يبني بيته المحرم -الذي لا يتم إسلام المرء إذا كان مستطيعاً إلا بشد الرحال إلى البيت الحرام- خول هذه المزية لنبيه إبراهيم (ع)، ويا له من توفيق!.. أن يكون هو الباني وإسماعيل -ذبيحه- هو المعين له على بناء الكعبة!..

 

57. إن الذي يجعل إبراهيم متميزاً في هذه الحركة البنائية، أنها حركةٌ عمرانيةٌ من أرقى أبنية التاريخ، أضف إلى حالته الإبراهيمية من الانقطاع وهو يرفع القواعد، متوسلاً إلى الله -عز وجل- أن يتقبل منه هذا العمل، رغم أنه كان في حالة طاعة، حيث كان يبني في وادٍ غير ذي زرع.. {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

 

58. لو أردنا أن نستقرئ حياة الأنبياء، نلاحظ أن الدعوة إلى إقامة الصلاة -لا بمعنى الأداء المجرد، بل إقامتها بحدودها الإلهية، لتحقق ماهيتها: في كونها معراج المؤمن، وقربان كل تقي، والناهية عن الفاحشة والمنكر- من السنن الثابتة، لأنها حلقة الوصل بين العبد وربه.. فالأنبياء لهم ارتباطهم بالله -عز وجل- من خلال الكتب السماوية والوحي، أما بني آدم فهم يرتبطون بالله -عز وجل- من خلال الوقوف بين يديه تعالى.

 

59. إن الملفت في هذه الآية الكريمة: {لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}؛ وكأن هنالك رابطة بين إقامة الصلاة وبين محبة القلوب.. وعليه، فإن رب العالمين إذا أراد أن يتبنى عبداً أو يسدده، يلقي عليه المحبة، والذي يريد أن يصل إلى هذه الدرجة من التبني الإلهي: إلقاءً لحبه في قلوب الناس، وتسديداً له في مواجهة مختلف الظروف القاسية، عليه باتباع بعض الطرق التي منها: الاستعانة بالصلاة، كما يقول تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}.. كما حفظ الله هاجر -تلك الأم الغريبة- وأنبع لها ماء زمزم، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم من كل حدب وصوب.

 

60. إن التفويض الإبراهيمي في ذبح ولده، وتفويضه عندما ألقي في النار، حيث رفض طلب المعونة حتى من الملائكة، وأخيراً في جعل ذريته بوادٍ غير ذي زرع -مع أن الأنبياء أغير الناس، فكيف ترك زوجته في هذا المكان البعيد!..- فكل تلك الأمور كانت من موجبات ارتفاع مقام إبراهيم، وخلوده الذي نلاحظه في حياة هذه الأمة.

 

61. إن مسألة الصلاة من العناصر الثابتة في الحركة التكاملية لكل الأنبياء والأمم، وكذلك مسألة المراقبة والمحاسبة، فإنها ركن أساسي من أركان التكامل والوصول إلى الله.. ومثل الإنسان الذي لا يحاسب نفسه، كمثل الذي يسوق دابة وهو مغمض عينيه، فلا شك بأنه سيكون عرضة للوقوع في المطبات والمزالق المهلكة.

 

62. إن المراقبة والمحاسبة هي السمة الغالبة أو المستوعبة، لا للأنبياء فحسب، وإنما حتى الصلحاء!.. وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم؛ فإن عمل خيرا، استزاد الله منه، وحمد الله عليه.. وإن عمل شرا، استغفر الله منه، وتاب إليه).. والمراقبة الشاملة الناجحة: هي تلك المراقبة التي تنال حتى الخلجانات الباطنية، والنوايا التي يستبطنها العبد في تعامله مع الناس، كما قال إبراهيم (ع): {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}.
 

63. إن القلب السليم -كما نفهم من خلال العبارات: العلمية، والفلسفية، والروائية، والتفسيرية- هو بمثابة الحكم الذي يحكم الوجود الإنساني.. ومن المعلوم أن الإنسان قد يعتقد بفكرة ما، ولكن هذه الفكرة لا تتغلغل إلى مرحلة أخذ القرار في النفس، بل تكون مجرد اعتقاد نظري، لا يتعدى إلى مستوى التنفيذ والعمل بالجوارح، كالمدخنين: فهم يعتقدون بالأضرار السلبية للتدخين، إلا أن هذا الاعتقاد لم يتغلغل إلى الأعماق، ويصل إلى مركز الإرادة وأخذ القرار عند الإنسان، والذي بدوره يصدر الأوامر: تنفيراً، أو تحبيباً في عالم الجوارح.. فإذن، إن كل المشاعر: من الحب، والبغض، والأمل، والرجاء، وغير ذلك.. منقدحة في القلب، وبالتالي فهي تحول على شكل حركة جوارحية.

 

64. إن العبد إذا بالغ في ارتكاب الحرام، تتراكم الشوائب، والنكات السوداء على قلبه -كما في الروايات- وتزداد اتساعاً، حتى تغطي القلب بأكمله.. فيصل إلى مرحلة الختم -والعياذ بالله- حيث يصبح مرتعاً لعناصر الشر، وبعيداً عن تلقي الهدى، مثله كمثل جيفة تكاثرت عليها الديدان، وليس هنالك ما يوجب التعقيم.. فبالتالي يعتبر من أسوأ المظاهر في عالم الوجود.

 

65. إن الحج سر من أسرار الشريعة، التي لم تكتمل بصورتها الكاملة، إلا من خلال الإسلام المحمدي، الذي يعتبر خاتمة الأديان.. وهنالك تعبير جميل عن الحج يقول: بأن رب العالمين أوجب الصوم مرة في السنة، بمعنى أن مفعوله يستمر إلى سنة كاملة، بينما الحج في العمر مرة واحدة، أي أنه إذا كان صحيحاً مقبولاً؛ فإن الآثار المترتبة عليه كافية طوال العمر.

 

66. إن الحج الصحيح كافٍ لربط الإنسان بالحركة الإبراهيمية بكل صورها.. فنحن عندما نذكر خصوصيات نبي الله إبراهيم: من تحطيمه للأصنام، إلى انقطاعه إلى الله، إلى إخلاصه العمل لله، إلى الحج: بسعيه، وطوافه، وهرولته، ورميه، ووقوفه في عرفة، لنتعلم الدور الذي مر فيه إبراهيم (ع).

 

67. إن الإنسان أثناء السعي، يعيش حالة هاجر، وهي تهرول في وادٍ غير ذي زرع، تبحث عن الماء.. وكيف أن رب العالمين فرج همها، واستجاب دعاءها، بهذا الماء المتدفق إلى يومنا هذا، والذي هو شفاء لما شرب له.. فالذي يسعى بين الصفا والمروة، ويعيش هذه الحالة -بأن الله لو أراد شيئاً، هيأ أسبابه، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء- فقطعاً ستستجاب دعوته وتحقق أمانيه، كما استجاب الله لهاجر.

 

68. إن إبراهيم (ع) برغم أنه بلغ ما بلغ من درجات الاصطفاء الإلهي، إلا أن الشيطان يبدو أنه لا ييأس حتى من الأنبياء، ويحاول أن يحرفهم عن المسيرة.. حيث كان يحاول أن يوسوس لإبراهيم، ولزوجته، وولده من أجل ثنيهم عن هذه المسيرة.. ولكن -مع الأسف- نقول: بأنا نرجم حصى الحجارة المنصوبة رمزاً للشيطان، من دون أن نتعلم هذه العملية في حركة الحياة بشكل دائم.. فالذي يرمي الشيطان بالحصيات المعهودة، عليه أن يتعلم عملية الرمي في كل محطات حياته؛ ليخرج منتصراً، كخروج إبراهيم منتصراً في صراعه مع فراعنة عصره.

 

69. إن جوهر النبوات والرسالات: هو إيصال الإنسان إلى مرحلة التسليم المطلق بين يدي الله عز وجل، كما يقول تعالى عن لسان يوسف (ع): {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.

 

70. إن الاتباع له تجليات متعددة: فتارة يكون في مقام إبداء المشاعر: شعراً، ونثراً، أوما شابه ذلك.. وأخرى بتبني جهة في الحياة، بحيث تكون هذه الجهة هي الجهة المحبوبة لدى الإنسان.. ولكن المعنى الأرقى للاتباع: فهو مطابقة كل خطوات الحياة، للمنهج الذي يريده المتبَع.

 

71. إن الإنسان المؤمن في تعامله مع الناس، عليه أن يستثمر البقية الباقية من موجبات إرشاد الناس وهدايتهم.. ومن هنا رب العالمين وصف إبراهيم: بأنه حليم أواه منيب، لأنه كان يحمل همّ هذه الأمة التي كانت تعاصره، حتى قوم لوط الذين علمنا مقدار ما هم فيه من الانحراف البليغ.

 

72. إن الذي لا يعيش الرسالية -حتى لو كان في مقام خدمة الإسلام والمسلمين- فإنه سيقع في بعض المحاذير في هذا المجال.. ومن المعلوم أنه عندما تذكر الآفات لكل فئة، يذكر بأن الأمراء في معرض الوقوع في آفة الظلم، والعلماء في معرض الوقوع في آفة الحسد.. فإذن، ينبغي أن نكون إبراهيمين في حركتنا الحياتية، وأن نحمل هم الرسالة ومقارعة طواغيت العصر، ولا نبالي على يد أي من تحققت.

 

73. إن من خصوصيات إبراهيم (ع) أنه كان يحمل همّ ذريته، حتى أنه عندما تمنى مقام الإمامة لذريته، جاءه النداء: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. ولقد استفاد العلماء من هذه الآية: بأن خلافة الأئمة إنما هي عهد إلهي وليس بعهد بشري، ولا يمكن للظالم بأن يخول على رقاب الناس.. فإذن، إن إبراهيم كان يحمل هذا الهم، ورب العالمين استجاب دعوته، وجعل خاتم النبوات، وخاتم الأنبياء من نسله صلوات الله وسلامه عليه.

 

74. قد يكون مقصد إبراهيم (ع) عندما دعا بأن يجنبه الله وبنيه عبادة الأصنام: أن يشير إلى أصناف من الأصنام لا تدرك، بخلاف تلك التي تعبد من الحجر: كهبل، واللات، والعزى.. ومن مصاديق ذلك قول الإمام الجواد (ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده؛ فإن كان الناطق عن الله، فقد عبد الله.. وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس، فقد عبد إبليس).

 

75. لا شك أن هنالك تلازما بين الظلم الذي يقع على ذوي الأرواح، وبين الغضب الإلهي.. ولا يخفى السبب في شدة العلقة بين الخالق والمخلوق، إذ أن كل موجود يدبّ على وجه الأرض، يمثل الله في الأرض، بل إن الإنسان المؤمن يختص بمزية مضاعفة، فهو سفير الله وخليفته في أرضه.. ومن هنا فالذي يتعدى الحد الإلهي في التعامل مع هذا المخلوق؛ فإنه قد عرض نفسه للغضب الإلهي الشديد.. وقد بين القرآن الكريم لنا صوراً مخيفة لغضب الله عز وجل، إذ يقول تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.

 

76. إن الذي ينظر إلى الطرف الآخر على أنه أسير بين يديه، أو ملك خاص له، فيتصرف معه على ما يوافق مزاجه، بغض النظر عن كونه مرتاحا أم لا.. أو يكون مستغلاً لعنصر الأولاد، والاحتياج المالي؛ لبسط نفوذه.. فهذا قطعاً سيشكل خللاً في الكيان الزوجي.

 

77. إن إطالة النظر في الشيء والتعود عليه، يفقده بريقه وبهجته ولطفه الأولي.. ومن هنا، فإنه لا يمكن الادعاء بأن الغراميات، والعشق المتجلي في شهر العسل، يستمر طويلاً.. أما الذي ينظر إلى المرأة على أنها سلم للتكامل، ولإرضاء الله تعالى، فإنه كلما أحسن إليها؛ أحس بقرب إلهي.. وكلما تلطف في حقها؛ هبت عليه نسائم اللطف الإلهي.. فقطعاً إن هذا الإنسان، سوف لن يرى تكراراً في الأمر.

 

78. إن العلماء يحذرون من قوة: الوهم، والغضب، والشهوة.. ويدعون إلى جعل هذه القوى الثلاث تحت إمرة العقل.. إذ أن الإنسان من دون مراقبة دقيقة للأوهام، سوف يعيش كماً هائلاً من الأمور غير المطابقة للواقع؛ مما يوجب التنافر والإرباك بين الزوجين.

 

79. إن الصبر على حياة زوجية غير مستقرة، من موجبات الترقي والتكامل الروحي؛ إذ يكفي أن الإنسان يتعود على التحلم، وعلى كظم الغيظ.. وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: (مَن كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمناً وإيمانا يوم القيامة).

 

80.  يجب الابتعاد عن المشوشات الباطنية قدر الإمكان، إذ أن الملاحظ- مع الأسف- هو الانشغال بالنزاعات السخيفة، أو الأمور الجانبية.. والحال بأنه ينبغي أن يتناسب الجدال أو الخصومة مع حجم المشكلة.. ثم إن الإنسان الذي لا يمتلك نفسه ساعة الغضب، من الممكن أن ينزلق مزالق كبرى، لا يمكن تدراكها.. إذ أن الذي لا يمتلك غضبه، كمن لا يمتلك شهوته.. فعليه، وبتعبير عسكري: لابد من استخراج فتيل الانفجار من كل لغم، يمكن أن يكون!..

 

81. إن المستوى الثقافي والإيماني، له دور فاعل ورئيسي في بناء الأسرة.. غير أن الملاحظ عند الكثير من الأسر، هو حالة التدني في مستوى الكلام، من حيث تناول المواضيع غير المهمة، أو الفاعلة في الحياة، والخوض في ما لا يعني من الأمور.. والحال بأن الإسلام جاء ليرفع من مستوى الرجل والمرأة، إلى مستوى الجدية والاهتمام في الحياة.

 

82. لا بد من النظر إلى الزوجة على أنها أمانة إلهية بأيدينا؛ فإنه بمقدار ما نحسن إلى هذه الأمانة، فقد وقرنا ذلك الرب الذي أحل لنا التصرف بها، عندما قبلنا عقد الزوجية.

 

83. لا خلاف في أن من أهداف الحياة الزوجية: تحصين كل من الزوجين، من الوقوع في المحرمات الشهوية.. فإذا كانت المرأة تستنكف عن أداء الواجب الشرعي، والخضوع للزوج في هذا المجال؛ فمن الطبيعي أنه سيبحث عن البديل الآخر.. ثم إن من واجبات المرأة الأولية، أن تكون سكنا غريزيا للرجل.

 

84. إن الذي يريد أن ينجح في أي مجال من حياته: في العمل، أو في الدراسة، أو في غيره.. عليه أن يجمع بين أمرين: أن يعمل بمقتضيات الأسباب العادية: من المراجعة الدائبة الجادة أولاً، وأن يستعين بالمسهل الرب سبحانه وتعالى: بقراءة بعض الأدعية في هذا المجال ثانياً.

 

85. لا شك بأن تعبير الموت، وما يتعلق به: من المغتسل، والتكفين، والتجهيز.. من المواضيع التي تورث حالة من حالات الخوف والقلق.. حتى أن البعض لا يقصد المقبرة أبداً؛ لأن هذا يذكره بما ينغص لذته!.. والحال بأن الموت هو النهاية الطبيعية، التي سوف نواجهها شئنا أم أبينا.

 

86.  إن خروج الروح من البدن؛ هي عملية مفارقة بين عنصرين متمازجين ومتداخلين، فهنالك علاقة قوية متوطدة بين الروح والبدن منذ الخلقة.. ومن هنا نلاحظ أن اقتطاع جزء بسيط من البدن -كالظفر مثلاً- يسبب الألم الشديد.. ولهذا فمن الطبيعي جداً، أن يعيش الإنسان حالة من حالات الاضطراب الشديد، عند نزع الروح.. ويمكن اعتبار هذه الحالة -سكرات الموت، أو الألم الذي ينتاب الإنسان المحتضر- بمثابة درجة من درجات العذاب، لغير المؤمن الملازم لعمله السيئ.. أما للمؤمن؛ فإنها تكفير عن سيئاته.. ونعتقد بأن الإنسان الذي لا حساب بينه وبين الله عز وجل، سوف يعفى من هذه المرحلة المخيفة.

 

87. إن الإنسان المؤمن يرى نفسه في سفر دائب، والقرآن يشير إلى ذلك، إذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ فهو ينتقل من منزل لآخر، وما الموت إلا منزل من هذه المنازل الممتدة في حركته التكاملية، بل يقال حتى أن أهل الجنة أيضاً يتكاملون تكاملاً معنوياً.

 

88. إن لكل سفر زاده، وأن هذا السفر الموحش يحتاج إلى زاد، والقرآن الكريم يبين لنا ذلك في آية صريحة، إذ يقول تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}.. ولطالما أظهر أئمتنا (ع) تأوههم لوحشة هذا الطريق وهول المطّلع، مع أنّا نعتقد بأن ما أعده الله لهم من النعيم، لا يخطر على بال أحد.. فإذا كان البعض يعيش حالة الوسوسة، والخوف تجاه جهة معينة: رب العمل، أو الزوج، أو الزوجة: من حيثية الرضا، أو السخط؛ فمن باب أولى أن يعيش الإنسان هذا الهاجس، مع مولاه -جل وعلا- في كل خطوة من خطواته، وأن يكون حريصاً على رضاه وسخطه.

 

89. لا شك بأن لزيارة القبور أثرا بالغا في النفس، إذ تورث حالة من حالات الزهد القهري في الدنيا.. وإن كانت هذه الحالة تزول مع حركة النشاط اليومي؛ ولكن الالتزام بهذه الزيارة بشكل رتيب، مع مراعاة الآداب الشرعية في هذا المجال؛ نافع -إن شاء الله- في عملية تهذيب النفس، وتذكيرها بما ستؤول إليه طال الزمان أو قصر.

 

90. إن الذي يريد أن يخرج من عالم العجب -خصوصاً بعد أن يقوم بعمل عبادي مرحلي، ويعيش شيئاً من الإقبال؛ فيظن أنه على خير، أو أنه قد أنهى كل المراحل التكاملية- عليه أن يعود إلى نفسه بهذا المقياس المخيف، لمعرفة موقفه من رب العالمين.. فينظر لنفسه: هل يتمنى الموت؟..

 

91.  إن تعزية أهل الميت مهارة من المهارات، التي لابد أن يتحلى بها المؤمن.. فإن من أفضل ساعات الوفاء للأهل والأصدقاء، أن نسكن من روعهم.. إذ أن الإنسان المصاب -وخاصة إذا ابتلى بفقد عزيز فجأة- من الممكن أن يعيش شيئا من الأذى البالغ.. ومن هنا ينبغي على المؤمن الزيارة الهادفة لذوي الميت، ومن المناسب أن يقدم له فكرة توحي له بالاطمئنان الكامل.. فلئن كان الفقيد -مثلاً- شهيداً، يذكره بمقام الشهداء عند الله، الذي يغبطه به غيره في عرصات القيامة.. أضف إلى التوصية بالصبر الباطني، علاوة على الظاهري -فإنها مرتبة عالية، لا يصل إليها إلا المقربون- بأن يصل إلى درجة الرضا القلبي، بما كتبه الله تعالى، فلا يتمنى سوى ما وقع، أو يقول: لو إن كذا؛ لكان كذا.
 

92. إذا كانت الشريعة الغراء، تأمر بتكريم المؤمن بعد موته، فتدعو لتشييع الميت، محفزة: بأن أول ما يتحف به المؤمن في قبره، هو الغفران لمن تبع جنازته؛ فمن الطبيعي أن تأمرنا بتكريمه بعد الدفن.. فكم من الجميل من الابن أن يتحلى بصفة الوفاء من تلقاء نفسه، وبلا إلزام شرعي، فيبر والده، بإهداء بعض الأعمال المباركة -وخاصة إذا لم يوص الأب بالثلث- فإنه ليس ملزما بذلك، ولكن من باب الوفاء والبر؛ فإن صلة الرحم -كما نعلم- لا تنقطع بالموت.

 

93. كلما أحس الإنسان في نفسه ميلاً إلى الدنيا، وقساوة في القلب، من المناسب أن يذكر نفسه بالذهاب إلى المقابر؛ ليرى النهاية الحتمية القهرية التي سيؤول إليها.. ولقد كان بعض علمائنا السلف، يجعل قبراً في بيته، وينام فيه كهيئة الميت، ثم يخرج وكأنه بعث من جديد.. ولعله من أنسب الأوقات في ليلة الجمعة ويوم الجمعة؛ لكون الأعمال لها خصوصية في ذلك الوقت.

 

94. إنه لمن المؤسف أن تتحول زيارة القبور -في بعض البلاد- إلى حالة من الاختلاط، أو ممارسة بعض السلوكيات التي لا تناسب مثل هذا المقام، مثل توزيع المأكولات والمشروبات بشكل مبالغ فيه.. ولو أن هذا المال صرف صدقة عن روح الميت؛ لكان خيراً من هذه الأمور، بل إن الميت سيفرح أكثر من ذلك بكثير!..

 

95. إنه لمن المناسب أن يعوّد الإنسان نفسه على الموت، بأن يتصور نفسه في كل ليلة، بأنه سيذهب إلى ربه ولن يرجع.. فمعلوم أن النوم يشكل الموت الأصغر.

 

96. إن من أصعب أنواع الموت، هو موت العالم الذي لا يعمل بعلمه.. إذ أن العلم الذي لا يتحول إلى اعتقاد، وإلى حركة جوارحية؛ لا يكون إلا وبالاً على صاحبه.. فما هو إلا ذبذبات مختزنة في وجوده، ومثله مثل جهاز حاسوب، أو قرص مدمج، إذ أنه من المعلوم أن كمّاً من المعلومات الهائلة، يمكن تضمينها في قرص صغير!.. والقرآن الكريم عبر تعبيرا قاسياً صريحاً، عندما شبه العالم بلا عمل، {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.. فبلا شك أن من أشد الناس حسرة يوم القيامة، هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والبعض مات، وهو يعض أصابعه من الندم تحسراً؛ لما يراه من النعيم الذي فوته على نفسه في سالف أيامه.

 

97. إن الشفاعة من المسائل التي لم يحدد لها الشارع المقدس قواعد مضبوطة، حتى يتم التعويل على أمر معين.. ومن هذه القواعد ما ذكره إمامنا الصادق (ع) وهو في حال الاحتضار، إذ قال: (إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة).

 

98. إن المدد الغيبي ليس بأمر إعجازي خارق للقوانين الثابتة، على سبيل المثال: الإعجاز الإلهي في جعل النار تكون خلاف طبيعتها المحرقة، بأن كانت برداً وسلاماً، أو تحول الماء إلى جدار.. بل يتطلب أرضية قابلة، ونية صادقة من العبد في حركته إلى الله تعالى.. وقد جاء في الحديث القدسي: (لا تسعني أرضي و لا سمائي، بل يسعني قلب عبدي المؤمن).

 

99. إن الإنسان السالك من الطبيعي أن تعتريه حالات التذبذب بين القبض والبسط؛ وفقاً لعوامل معينة: كالزمانية والمكانية، أو الصحية والنفسية، وغيره.. خلافاً للإنسان الملازم للسكون، الذي يعيش حالة من القبض المتصل، فيكون في نفور تام من التوجه العبادي.. ويقال: بأن الذي تعتريه حالة القبض بعد البسط، يعيش حالة الاختناق الشديد، كما يقول القرآن الكريم بالنسبة للمشركين: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}؛ لأنه افتقد حالة الأنس والاطمئنان بذكر الله تعالى، وبالتالي، فهو يعيش حالة من الاضطراب والضيق.

 

100. يجب معرفة مناشئ القبض، التي من أهمها: ارتكاب المعاصي، فالإنسان العاصي متجرئ على الله تعالى، فيحرم من التفاتته، وترفع عنه المائدة المعنوية.. وعليه، فإنه لرفع هذه الحالة، ينبغي عمل استقراء شامل لمفردات الحياة، فإن وجد السبب، بادر بالاستغفار والتعويض عما بدر منه، وخاصة ما يقع في حقوق الغير.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج