100 كلمة قصيرة (ج3) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. لا شك بأن من موجبات قساوة القلب، وحالات الإدبار الشديد؛ بعض التصرفات السلبية مع الآخرين.. وخاصة المستضعفين منهم، أمثال الخادمات في البيوت، كما هو الحال عند البعض الذين يتعاملون مع الخادمة كالأمة.. والحال بأنها عاملة لها أجر وساعات عمل محددة، وهنالك شروط عمل.. أضف إلى أن الإساءة إليها من موجبات تعجيل العقوبة، مما يقلب الأمور عكساً، ويجر الوبال على الأسرة، كما هو مجرب ومشاهد عند الكثيرين.

 

2. إن الذي يرغب بالاتصال العلوي؛ بحثاً عن الأمور الغيبية، مثل الكرامات والمشاهدات وغيره، مثل هؤلاء كمثل إنسان دخل على السلطان، فرشت عليه الورود، فانشغل بالتقاطها واستشمامها عن اللقاء بسلطان السلاطين!.. والحال بأن هذا التصرف يعد من سوء الأدب والتقدير، ولا شك بأنه من موجبات الحرمان من اللقاء.

 

3. إن المؤمن في حركته إلى الله، قد يحصل على بعض الانكشافات الغيبية، أو الأحلام الصادقة، أو ما شابه ذلك، ويمكن اعتبار ذلك بمثابة الثمار المعجلة المحفزة على السير.. ولكن بعض الأحيان تكون على نحو الوهم لا الحقيقة، كما هو مشاهد عند البعض، إذ يعيش أوهاماً من التصورات الذهنية.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن لا يشغل نفسه بهذه الأمور، فهذه نتائج لا أهداف، وإنما الهدف الذي ينشده، هو الوصول إلى حقيقة هذا الوجود، وأن يحقق هدف الخلقة، وهي العبودية الحقة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، لا لطلب الكرامات أو المنامات.

 

4. لا يمكن إنكار أن هنالك طاقات كامنة خفية مؤثرة في عالم الوجود، ولكن الدخول في هذا العالم له إشكالاته الشرعية، من باب أن التكهن يحتمل الإيذاء فيه للنفس وللغير.. وأيضاً له إشكال عقلي حضاري، إذ أن عالم الغيب محكوم بضوابط، ولا يمكن تصديق كل من يدعي ويتخرص في هذا المجال، بأن ما يقوله هو عين الواقع والحقيقة.. وعليه، فإنه ينبغي للمؤمن أو المؤمنة عند رؤية أي تغير ملحوظ في حياته اليومية، أن يبادر إلى التفكير في أخطائه؛ ليعرف موجبات هذا التغير، سواء كان نفورا من الزوج أو الزوجة أو ما شابه ذلك.. فإن الالتجاء إلى مثل هذه الأمور، حركة غير علمية، وغير حضارية، وغير شرعية في بعض صورها.

 

5.  من المعلوم أن الطريق الصحيح لمن يريد أن يعلم قربه من المولى جل وعلا، أن ينظر إلى نفسه حال صلاته، فالصلاة لقاء مع رب العالمين، وحرارة هذا اللقاء تكشف عن مدى القرب بين المتلاقيين.. فإذن، من الضروري أن يسعى المؤمن لتحقيق الصلاة الخاشعة، ولو أمضى أربعين سنة من حياته، ليصل إلى هذه الصلاة فكراً وقلباً، عندها يكون قد وصل إلى غاية المنى.. ولو أن الإنسان مات، ولم يجد في صحيفة أعماله، إلا ركعتين مقتصدتين مقبولتين؛ لكفته لدخول الجنة.

 

6. بلا شك أن الابتعاد عن الدين والأخلاق، والارتماء في أحضان الأهواء والشهوات؛ حقيقة مؤلمة.. وكأن الجري والانكباب وراء الماديات هي الأصل والأساس، إذ عاد الدين وأتباعه غريباً كما بدأ غريبا.. وبهذه النظرة المقلوبة، نلاحظ الانتكاسة تلو الانتكاسة في المجتمع الإسلامي، حيث اكتظاظ الناس في مجالس اللهو والغفلة، في حين باتت بيوت الرحمن خالية، فإذا ما وجد هنالك مسجد يقيم الصلاة جماعة -وخاصة صلوات الفجر- عد ذلك المسجد نموذجياً ومميزاً.. والحال بأن الصلاة كتاب موقوت على جميع المسلمين، بينما ما يجري في الأسواق وغيره لا يعد غريبا، بل يواكب التقدم والعصرية!..

 

7.  نحن لا نبالغ عندما نقول: أن هذا الجيل هو من أعقد الأجيال في التاريخ، إذ نلاحظ أنه واقع بين أمرين: فمن ناحية نرى التأثر السلبي؛ نتيجة النهضة الصناعية والتكنولوجيا الحديثة، حيث أصبح تحت وابل من صنوف الفساد المختلفة.. ومن ناحية أخرى نرى أنه على مستوى من الذكاء والاستيعاب، مما يؤهله للاستعداد في سلوك دروب الكمال.. فهنالك تطور في المخ البشري لأجيال اليوم، عمّا كان عليه أطفالنا قبل خمسين عاماً، فالدراسة فتّحت الأذهان وأبرزت القابليات، ولا يغفل دور الإعلام أيضاً في ذلك.

 

8. إن مشكلة شباب هذه الأيام هي الفراغ النفسي، فهم لا يجدون جهة يركنون إليها.. وبالتالي، فإنهم يلجؤون إلى ملء هذا الفراغ بأي طريق كان، فينشغلون بكل ما هب ودب.. والحال أن لكل جديد بهجته، والذي يملأ فراغ هذا القلب هو الالتفات إلى خالق هذا الكون؛ رب الوجود، وواهب السعادة.. حتى المجتمعات التي توغلت في الاستمتاع بمظاهر الدنيا والحضارة، أدركت أن هنالك بعداً خفياً في النفس، لا يُملأ إلا بشيء مما وراء الطبيعة.

 

9.  إن الشاب المؤمن لا يجلس في زاوية في بيته، وينشغل بالأمور العبادية والعرفانية والأخلاقية، ويترك ساحة الحياة.. إذ لا بد من الجمع بين الرصيد الباطني، وبين السعي في الخارج؛ لتكون المحصلة هي المادة المورثة للتكامل، والتخلص من مشاكل هذا العصر.

 

10. ينبغي علينا أن نفرق بين الإسلام والمسلمين: المسلمون بشر لهم عوامل إصلاح وعوامل إفساد، بينما نحن ننتمي إلى خط من أنصع خطوط التأريخ، جمع بين كل الأنبياء والشرائع السماوية، إننا ننتمي إلى الإسلام، هذا المنهج العظيم، الذي استطاع في سنوات قصيرة قلب جيل الجاهلية إلى خير أمة أخرجت للناس.

 

11. إن هذه الحضارة الغربية لابد أن نفهم بأنها حضارة مزيفة، تعتمد على المصلحة المادية بشكل مطلق، خالية من القيم والمبادئ والمثل التي تتحلى بها أمتنا الإسلامية.. ونحن لا نمانع من أخذ الجانب الإيجابي، ولكن علينا أن نهمل الجوانب السلبية.. فهذا نبي الله عيسى (ع) عندما مر على جيفة كلب نتنة، فقال أصحابه: ما أنتن ريح هذا الكلب!.. فقال (ع): ما أشد بياض أسنانه!.. فهذه سياستنا، فنحن لسنا في مقام نفي الحسنة التي عند الغير، إنما نقول: خذ الحسنة، واترك السيئة، وأضف إليها حسناتك.. لا أن تأخذ بلاءات القوم، وتضيف عليها بلاءات جدد أعظم منها!..

 

12. لا يخفى بأن من أهم روافد الوقوع في العبثية، والتوغل في عالم الشهوات؛ هو حالة الفراغ الذهني والنفسي عند الإنسان.. إذ أن الإنسان الذي له همه يأنف التوجه لهذه الأباطيل، لا من باب التقوى، بل لأنه لا فراغ له.. وهذا هو الملحوظ في الطبقات المثقفة المتوغلين في العلوم.. ولهذا خير ما يضمن الاستقامة أن يكون للإنسان همه، عن الكاظم (ع): (إن اللّه ليبغض العبد الفارغ).. وخير ما يملأ الفراغ -بالإضافة إلى الجانب الوظيفي- أن يكون الإنسان داعياً إلى الله تعالى بما يعلم.

 

13. بالنسبة للشهوات الغريزية، فإن كل المواعظ والتحليلات قد لا تنفع، حيث أن الحل العملي لهذه الأمور، إنما هو التعجيل بمسألة الزواج.. فرب العالمين أوجد هذه الغريزة عند الإنسان، وهي لا تشبع بشكل كامل إلا من خلال الزواج.. وقد ورد عن الرسول الأكرم (ص): (أن شرار أمتي عزابها).. بمعنى أن لهم القابلية على أن يكونوا كذلك، وهم في معرض الوقوع في الحرام.. ولهذا كان الزواج هو إكمال لنصف الدين، وحتى أن الفقهاء يقدمون الزواج على الحج الواجب.

 

14. الترفيه هو حق شرعي للمؤمن، كما نعلم أن للمؤمن ساعة يناجي فيها ربه، وساعة لأمر دنياه ومعاشه، وساعة للترويح عن نفسه.. والترفيه هو ليس مطلوباً في حد ذاته، إنما هو لتجديد النشاط وفتور الهمة، قال علي (ع): (إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة).. وعليه، فإنه لابد من ابتكار البرامج الهادفة، التي تسد ساعات الفراغ، وأفضل سبل الترفيه -هذه الأيام- هو الإنترنت، إذا ما أُحسن استخدامه.. وينبغي تجنب الترفيه الذي لا هدف من وراءه، أمثال بعض الهوايات لا تثمر قابليات الإنسان.

 

15. إن الشريعة الإسلامية قائمة على أساس سياسة الدفع لا الرفع.. والإسلام لم يمنع الاختلاط، إلا لأنه يعلم بأن هنالك تجاذبا قهريا فطريا بين الرجل والمرأة، هذا بالإضافة إلى عوامل الإعجاب المختلفة: في المظهر، والمادة، والثقافة، والتدين؛ مما يبعث على حب اللقاء والوصل.. وبالتالي إذا لم يكن ذلك؛ -لعوائق شرعية أو غيرها- فإنه سيؤدي إلى القلق، والانتكاسات الباطنية، والانهيار العصبي، واللجوء إلى الأساليب المحرمة.

 

16. إن الشريعة حرمت التواصل الشهوي المريب، سواء كان بالنظر أو الكلام، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}.. وحرمت المصافحة بين الرجل والمرأة؛ لأنها تؤدي إلى حالة من سريان المشاعر بين الجنسين.. وعليه، فإننا نقول: لابد من أخذ الاحتياط في هذا المجال، والابتعاد عن كل ما يجانب الشريعة.. جاء في الحديث: (ما خلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما).

 

17. نحن مشكلتنا هذه الحالة الزئبقية في التعامل والسلوك: الإقبال وإلادبار، ومع الأسف فإن الإدبار هو سيد الموقف، والسمة الغالبة.. بينما علي (ع) -في دعاء كميل- يدعونا أن نطلب من الله عز وجل، أن يمنّ علينا الدوام في طاعته وذكره، حيث يقول: (أَنْ تَجْعَلَ أَوْقاتِي مِنَ اللّيْلِ وَالنَّهارِ بَذِكْرِكَ مَعْمُورَةً، وَبِخِدْمَتِكَ مَوْصُولَةً ..).. فلماذا لا نحاول ملء أوقات الفراغ بالذكر الإلهي والتوجه القلبي، حتى تصبح الحياة واحة من واحات متصلة؟!.. نحن نلاحظ أن البعض يعيش صحراء قاحلة، والبعض يمتلك واحات متوسطة متباعدة.. ولكن الأفضل من هذا وذاك، هو أن يعيش الإنسان -حالة الذكر الدائم- في بساتين متصلة.. ومن هنا، فإن رب العالمين وزع الفريضة في أوقاتها المتنوعة الخمسة، من أجل أن نملأ الوقت بين كل فريضة وفريضة، بما يناسبه من الذكر في أزمنة الفترات والغفلات.

 

18. من المؤكد بأن الحركة التكاملية للإنسان، ليست حكراً على فئة معينة دون غيرها، استناداً للخطاب الإلهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}.. فهذا الخطاب عام لكل فرد خط عليه قلم التكليف.. ولا شك بأن الجانب المعرفي مهم جداً للإنسان السالك، فهو أساس هذا الطريق، وقد أكد النبي المصطفى (ص) على هذا الجانب في بدء الدعوة.. ومن المعلوم أن الإنسان إذا ما نطق بالشهادتين ثم مات، فهو بإجماع العلماء من أهل الجنة؛ لأنه لم يرتكب ذنباً بعد ذلك.

 

19.  إن النقص في الجانب النظري من موجبات الوقوع في المزالق الخطيرة، جاء في الحديث: (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق.. لا تزيده كثرة السير إلا بعدا)، فالذي يجدّ في السير، وهو في اتجاه معاكس للهدف الذي يسمو إليه، فإن هذه المجاهدة في السعي سوف تبعده عن الهدف أكثر، وسيقع في الزلل الكثير.. ومن هنا نجد الانتكاسات الكثيرة عبر التأريخ، في الذين انحرفوا في حركتهم التكاملية.

 

20. إن الإرادة في الإنسان، تمثل الوقود في السيارة الدافعة للتحرك والسير إلى الإمام.. والجانب النظري يمثل الخارطة الذهنية للطريق.. فإذا لم يضم هذا إلى ذاك، فإن المصير والعاقبة ستكون كأولئك {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.

 

21. إن مفهوم الانقطاع إلى الله تعالى، من المفاهيم الغالية جداً في عالم الوجود، التي لو تحققت في حق مؤمن لانقلبت حياته رأساً على عقب.. ولكن المشكلة هو أن الناس قد علقوا قلوبهم بغير الله تعالى، وركنوا إلى سواه، وجعلوا في كل زاوية من قلوبهم إله يعبد من دونه تعالى؛ مؤملين بالأسباب الطبيعية وبما في أيدي البشر.. وبالتالي، فإن الله تعالى يكلهم إلى تلك المتعلقات.. ومن هنا نلاحظ أن الرسول الأكرم (ص) وآله الأطهار، حرصوا على هذا الأمر بالطلب من الله -تعالى- بعدم الإيكال إلى النفس؛ لأن في ذلك الهلاك والخسران المبين.

 

22. إن الانقطاع إلى الله -تعالى- هو غاية مراد المريدين، وهبة من الله تعالى، متى ما رأى لياقة في عبده؛ فإنه سيعطيه هذه الهبة عاجلا أم آجلا.

 

23. في هذه الظروف العصيبة، حيث نرى تكالب قوى الكفر الظالمة، واستيلائها على خيرات هذه الدنيا، وتفوقهم -بحسب الظاهر- علينا في جهات شتى: اقتصادياً، وعسكرياً، وسياسياً، وثقافياً، وغيره.. من الطبيعي أن تستشري حالة من اليأس في النفوس.. ومن هنا يأتي دور الدعاء في تغيير مقدرات الأمة، كما هو معلوم أن الإمام السجاد (ع) استغل هذا العنصر، في إيصال مجموعة كبيرة من المفاهيم إلينا، من خلال الصحيفة السجادية، مما يدل على أن الدعاء عامل مؤثر وقوي، وهو ليس بمجرد حديث محض مع رب بالعالمين.

 

24. بلا شك أن استحضار جبروتية الله تعالى، وأنه هو المهيمن على كل عناصر الوجود؛ له دوره في انجلاء حالة اليأس، وبعث الأمل في النفوس من جديد.. إن الله تعالى ليس بناؤه على الإعجاز دائماً، أو على ترك الأمور في عالم الأسباب.. وإن المطالع في التأريخ وفي القصص القرآني، يلاحظ تجلي جبروت الله -تعالى- في اللحظة المناسبة.

 

25. لا شك بأن للمؤمن أعداءه سواء كانوا خصوماً في حركة الحياة، أو في مجال الرسالة.. والمؤمن في مقابل ذلك له حركتان: السعي الفردي من أجل استنقاذ حقه.. والانقطاع إلى الله تعالى.

 

26. إن المؤمن لا يظلِم ولا يظلَم، ولكن إذا وقع ظلم عليه، فالشريعة الإسلامية تأمره بالمطالبة بحقه، وكما نعلم أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، فجانب القوة هنا من الممكن أن تفسر -بالإضافة إلى قوة الأبدان- عدم السكوت في أخذ حقه.

 

27. إن المؤمن يشكو حاله إلى المقتدر الجبار، ويوكل الأمر إليه تعالى.. وهو إذا شاء عجل العقوبة على من ظلمه في طرفة عين، أو رفع من درجاته، ورزقه الصبر والرضا.. وهنا دعوة للحذر من سهام الليل القاتلة، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وخصوصاً من لا ناصر له ولا معين إلا الله تعالى.

 

28. إن نعمة الوجود من أجلى النعم الإلهية، لأن الشيء إذا لم يتعلق بالمشيئة الإلهية في الإيجاد لم يوجد.. إن الله -سبحانه وتعالى- عندما أعطى الوجود وجوده، وأعطى الشيء شيئيته، فهو بفضله ولطفه يدعم هذا الشيء بمقومات التكامل، وبعبارة أخرى يمكن القول: بأن كل ميسر لما خلق له، ونحن خلقنا للعبودية المطلقة، ورب العالمين أعطانا المقومات اللازمة لتحقيق هذه الحالة من العبودية.

 

29. إن العجب ليس في النجاة، لأنها هي الأصل، ورب العالمين أمرنا بموجبات النجاة، ووضح لنا طريق الجادة والصواب.. فنحن لا نتعجب للسائر الذي يمشي في الطريق الصحيح وعلى جانبه بحيرة، بل نتعجب للغرقى في البحيرة، لماذا انحرفوا عن الطريق، ووقعوا فيما وقعوا!.. نعم، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.. فإذن، هذه الرحمة الواسعة هي نعم المتمسك للعبد، كي يحقق كل آماله في هذه الحياة الدنيا.

 

30. إن الله تعالى حكيم في كل أفعاله وتصرفاته، ومن المعلوم أن مقتضى الحكمة هو وضع الشيء في موضعه، وحاشا لله -تعالى- أن يضع رحمته في موضع لا يستحق الرحمة، وإلا لكان ذلك مخالفاً لقوانين الحكمة.. وكم من القبيح أن يصل العبد إلى درجة، لا تغمره هذه الرحمة الغامرة التي وسعت كل شيء!.. والإنسان قد يصل -مع الأسف- بسوء فعله واختياره إلى مرحلة لا يصبح قابلاً لتلقي هذا النور، وبعبارة فلسفية: (النقص ليس في الفاعل، وإنما المشكلة في القابل).
 

31. الدعاء بحسب الظاهر، هو عبارة عن نصوص تقرأ في جوف الليل أو غيره.. فكيف تؤدي هذه الحركة البسيطة إلى تزكية الذات؟!.. من المعلوم أن هدف الخلقة هو تحقيق العبودية لله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، والعبادة الحقة لا تتحقق إلا من خلال القلب الذي تزكى، وتحول إلى قلب سليم. وللتوضيح: الدعاء يشبه انشطار القنابل الذرية، حيث تكّون سلسلة متوالية من الانفجارات والانشطارات، التي تؤدي إلى خروج هذه الطاقة الهائلة!..

 

32. إن الدعاء هو عبارة عن استحضار للمدعو في نفس الإنسان، فهو لا يدعو فراغاً أو مجهولاً.. بل يدعو جهة معينة ثابتة مشخصة في الفؤاد، وهو يتوجه إلى الله تعالى.. وبالتالي، فإن رب العالمين يتوجه إليه أيضاً، فيكون قلبه مهبطاً للتجليات الإلهية.. فالذي يدعو سوف يرى بعد فترة من المواصلة شيئاً فشيئاً، من آثار هذا الجمال الإلهي المودع في هذا الوجود.

 

33. إن الله -سبحانه وتعالى- تجلى بشيء من جماله، فخلق الورد، وخلق هذه الصور الحسان في عالم الخلقة، التي يعبر عنها البعض: بملكة جمال الكون، فهو بإرادته رسم تلك الصور الجميلة التي تذهل الألباب!.. فكيف بمن رأى تلك اليد التي ترسم هذه الصور الجميلة في عالم الطبيعة!.. وكيف بمن يريد أن يتجلى بشيء من هذا الجمال في ذاته، لا في طبيعته، ولا في بره وبحره!..

 

34.  إن الدعاء هو الالتفات إلى المدعو بجلاله وجماله، فمن التفت إلى هذا الجمال؛ زهد في كل جمال يزاحمه ولا يطابقه.

 

35. لا شك في أن من طلبات المؤمن الكبرى في دعائه، هو أن يزكي ذاته.. فبإمكانه أن يروض نفسه، ويصل إلى مبتغاه بالسبل المشروعة، لا كما يفعل المرتاض في الهند في صومعته المزعجة، حيث يقف على الزجاج والشوك وما شابه ذلك.. أو يضع بذرة في التراب، ويقف في الشمس حتى تنمو هذه البذرة!.. إن الإنسان المؤمن في مكان مريح؛ يحصل على ما يريد.. فهذا موسى(ع) {تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. ويطلب من ربه شرح الصدر: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}.

 

36. لو أن هذه الآية: -{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}- تحققت في حق مؤمن، لانتهت كل موجبات القلق في حياته، واندفع دفعاً لكل ما يحبه الله ويرضاه، بدون أدنى مجاهدة.. وأيضاً هو لا يرى ميلاً إلى الحرام، ولا غرابة في ذلك؛ لأنه قد حظي بعناية المولى جل وعلا، فحبب إليه الطاعة وكرهه في المعصية.

 

37. إن النفس الأمارة: هي من أسوأ حالات النفس، والتعبير هنا بالأمارة: أي كثيرة الأمر بالسوء.. إن النفس إذا لم تهذب من ناحية الميل إلى المتع واللذائذ الدنيوية، والانشغال في عالم الشهوات، لا تعرف عرفاً ولا قانوناً ولا ديناً.. وإنما المهم هو الوصول إلى المبتغى، ولو على حساب كل شيء، فهي أشبه شيء بالإنسان الأعمى، الذي لا يرى إلا حاجته.. وبالتالي، تكون أمارة بالسوء.. ولا شك إذا ما استمرت هذه الحالة، فإن الإنسان يتحول إلى مرحلة الختم على القلب -والعياذ بالله- فيرى المعروف منكراً والمنكر معروفا.

 

38. إن النفس اللوامة: هي نفس لها معرفة نظرية جيدة، ولكن تنقصها الإرادة.. ولهذا فهي تتميز عن النفس الأمارة، بوجود هذا البصيص من النور، الذي هو من موجبات اللوم.. ومن هنا شبه المؤمن -في الروايات- كالسنبلة تخر تارة، وتستقيم أخرى.

 

39. إن النفس المطمئنة: هي تلك النفس التي جمعت الكمال النظري والعملي في أعلى درجاته، كذلك الشاب الذي وصل إلى مرحلة اليقين.. فهي نفس انكشفت عنها الحجب، بحيث وصلت إلى مرحلة لا ترى كثير معاناة في ترك الحرام، وما لا يرضي الرحمن.

 

40. مع الأسف إن البعض يعتقد بأن تهذيب النفس خاص بالنخب العلمية، سواء في الحوزات، أو في الجامعات، أو في المساجد.. والحال، بأن الله -تعالى- يخاطب الجميع في كتابه الكريم ويأمرهم بالتقوى، حيث يقول في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، وفي آية أخرى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

 

41. إن الحركة التكاملية ليست حكراً على الرجال دون النساء، يقول تعالى: {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}، بل أنها من الممكن أن تكون ميسورة للنساء أكثر من الرجال؛ نظراً لانشغالات الرجل الكثيرة هنا وهناك.. وبالتالي، هو عرضة للإثارات المختلفة، بينما المرأة في بيتها من الصباح إلى المساء، بإمكانها أن تعمل على تهذيب نفسها، وتؤثر في زوجها الغافل، وتربي أبناءها على طاعة الله.. وكما نعلم أن وراء كل رجل عظيم امرأة، فلا نستبعد بأن المرأة الصالحة، بإمكانها أن تغير المجتمع من الزوج، إلى الأسرة، إلى الأرحام، إلى الأولاد.

 

42. إن الإنسان العاصي في مقام التمرد العلني على رب العالمين.. ومع وجود هذه الحالة، لا يمكن أن يحقق الإنسان خطوة إلى الأمام.

 

43. من الملاحظ أن الطائرة قبل أن تستقر -على ارتفاع ثلاثين ألف قدم مثلاً- تمر في المطبات الجوية، ولكن بعد حالة التذبذب والمخاض، تمشي في سرعة ثابتة ومطمئنة.. فالمؤمن كذلك يصل بعد المجاهدة المستمرة إلى مرحلة، يكون فيها في كل التقلبات صبورا عند الشدائد، وقورا عند الهزائز، يعيش حالة الارتياح المطبق حتى في أشد الظروف.

 

44. إن العبد قد يصل إلى درجة من الأنس برب العالمين، لا يتحمل بعدها أي حالة من حالات الإدبار.. حيث يعيش حالة التألم الباطني الشديد، وضيق الفؤاد؛ لأنه لا يعلم ما سبب هذه الحالة؛ فيعيش حالة الوجل من أن الله -تعالى- راض عنه أم لا.

 

45. إن اليقين هو أن يلتزم الإنسان بطاعة الله -تعالى- بشكل عام، وهو إذا زل في موضع من المواضع، فإن رحمة الله سوف تنتشله في الظرف المناسب.. -وللأسف- فإن البعض ممن يبتلى باليأس من رحمة الله تعالى، يعتقد بأن الله قد تركه، وأهمله، وختم على قلبه؛ فيبالغ في ارتكاب المعاصي، ولسان حاله: أنا الغريق فما خوفي من البلل!.. والحال، بأن رحمة الله تعالى واسعة.

 

46. إن البعض قد يتوغل في المعاصي، معولاً على مسألة الشفاعة.. وهذا متوقع من الإنسان الذي لم يلم بمقاصد الشريعة، ولم يأنس بما جاء في الآيات والروايات.. نعم، نحن نعتقد بمسألة الشفاعة، ولكن ينبغي أن لا نغفل عن قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}.. صحيح، أن هنالك شفاعة، ولكن هي تحت قيد الإذن من الله تعالى.. وأن شفاعة النبي هي من مصاديق رحمته بالأمة، حيث يستعمل وجاهته عند الله تعالى، ويطلب إنقاذ البعض من هذا المصير الأسود -نار جهنم- وقطعاً هو مستجاب الدعوة.. ولكن نحن نعلم بأن الإمام الصادق (ع) قال: (إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة).. فإذن، هنالك قواعد أساسية لابد أن يراعيها الإنسان، فالذي يراعي سيره في الحياة، ولا يتعرض لغضب الله -تعالى- عن عمد وإصرار، بلا شك أنه في معرض الشفاعة الإلهية.

 

47. إن من موجبات الرحمة الإلهية، أن يحسن الإنسان ظنه بإخوانه المؤمنين، تشبهاً برحمة الرب جل وعلا.. فكم من الجميل أن يحمل المؤمن قلباً صافياً، يخلو من أي حقد تجاه الآخرين!.. ومن المعلوم أن هذا الحقد قد يطفح يوماً، ويظهر على فلتات اللسان، فالمرء مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه، وإن كان حذراً من الوقوع في الزلل الفعلي، إلا أنه يعيش حالة الانشغال الذهني والغليان الباطني.

 

48. بلا شك أننا لو عملنا بهذه المقولة في مسألة حسن الظن بالآخرين: (احمل فعل أخيك على أحسنه)، أو (احمل أخاك على سبعين محملاً من الخير)؛ لانقلبت حياتنا إلى جنة جميلة، خالية من التكدير والهموم.

 

49. إن الإنسان المبتلى، إذا نظر إلى نعم المولى جل وعلا عليه، منذ ابتدأه في هذا الوجود إذ كان جنيناً.. وسأل نفسه: بأنه من ذا الذي شق فيه المخ، والقلب، والبصر، وصوره في أحسن صورة؟!.. ومن ذا الذي ضمن له الغذاء، وهو محصور في ظلمات ثلاث؟!.. ومن ذا الذي تولى رعايته، وحفظه حتى كبر واشتد عوده؟!.. نعم، ذاك هو الله تعالى، وهو أكرم من أن يضيع عبده، ويحرمه من رحمته، ويقطع عنه النعم الذي ابتدأه بها -من غير سؤال- وهو في عالم الأجنة.

 

50. إن الذي يطلب حاجة ملحة من رب العالمين، وقد تأخرت عنه الإجابة؛ ليجلس مع نفسه يذكرها بنعم الله تعالى، ويلقنها حسن الظن به جل وعلا.. جاء في الحديث عن الإمام الرضا (ع): (أحسِنْ الظن بالله!.. فإنّ الله عز وجل يقول: أنا عند حسن ظن عبدي المؤمن بي؛ إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا).
 

51. إن الإنسان في كل مرحلة من المراحل، يطالب بدرجة من درجات الطاعة.. فإذا تجاوز مرحلة إلى مرحلة أخرى أرقى، من الممكن أن يطالب بتكاليف أكبر وأكثر إيجاباً من المجاهدة بين يدي الله عز وجل.

 

52. إن السياسية الإلهية قائمة على تذكير العبد وإعادته إلى رشده عن طريق الابتلاء بالمحن، إذا رأى الله -عز وجل- فيه أهلية لهذا التنوير.. وإلا فإن الله -تعالى- يعاقبه بإسباغ النعم واحدة تلو الأخرى؛ لإتمام الحجة عليه.. جاء في حديث عن الإمام الصادق (ع): (إنّ الله إذا أراد بعبدٍ خيرا فأذنب ذنبا: أتبعه بنقمة، ويذكره الاستغفار.. وإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا: أتبعه بنعمة؛ لينسيه الاستغفار، ويتمادى بها.. وهو قول الله عزّ وجلّ: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} بالنعم عند المعاصي).

 

53. إن من الجميل أن يبرمج الإنسان نفسه في حال السفر؛ لئلا يقع في حرام في الأكل، أو الشرب، أو غير ذلك.. بل يحاول أن ينظم ساعات السفر والتنقل من مطار لآخر، بحيث لا تفوته الفريضة في أول وقتها.. فإن المحافظة على الصلاة هي من أهم علامات المؤمن، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * .... وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.

 

54. لا شك بأن الإنسان قد يصل إلى درجة من درجات الشفافية الروحية، والقرب من المولى جل وعلا.. بحيث لا يميز بين الواجب والمستحب، أو المكروه والحرام.. هو يرى بأن رضا الله -تعالى- في فعل هذا العمل وتجنب الآخر، بغض النظر عن مسألة الثواب والعقاب.. كما هو معلوم: بأن المحب يحرص على إرضاء المحبوب في أبعد الحدود.

 

55. إن الإنسان موجود له تركيبة باطنية مؤثرة على سلوكه في الحياة، لذا من الضروري جداً معرفة هذه التركيبة ليكون الإنسان مأموناً من الوقوع في الزلل.. ومن المعلوم أن رب العالمين شكل آدم من قطعة من الأرض من صلصال من حمأ مسنون، وبعد أن نفخ فيه من روحه -تلك اللطيفة الربانية- أمر الملائكة بالسجود له.. وهنا إشارة أن تعظيم البشر إذا كان بأمر الله ورضاه، فهو لله ولا إشكال فيه أبداً.

 

56. لابد أن تكون كل حركة يقوم بها الإنسان موجهة ومدللة، وعارفاً بفلسفة تلك الحركة والحكمة من فعلها؛ وإلا لأصبحت ضرب من ضروب اللغوية في الحياة.. فما الفائدة المرجوة للإنسان الذي يعترف أمام (القس)، أو رجل الدين!.. فإذا كان الغرض عبارة عن استنزال الرحمة الإلهية، والظهور بمظهر النادم، فليكن ذلك بين يدي الله عز وجل.. فإن الله ستار يحب الستر، والمؤمن منهي أن يفضح نفسه أو يسقطها أمام الغير، حتى لو كان عالماً أو رجل دين.. نعم، من الممكن أن يطرح ذلك من دون أن يكشف ستره، باللجوء إلى الأساليب الحديثة التي لا تريق ماء وجهه، وأن يكون بهدف تلقي النصح والإرشاد.

 

57. إن الذي يتورط في عالم الغيبة، لا يجوز له مصارحة من اغتابه للتحلل منه، إذا كان ذلك من موجبات التوهين وإثارة العداوة.. بل عليه أن يكتفي بالدعاء، والاستغفار له في ظهر الغيب.. فإذا كان الإنسان منهيا عن الاعتراف بالغيبة أمام الشخص الذي اغتابه، فكيف بالاعتراف أمام القس أو إمام المسجد أو ما شابه!..

 

58. لا يخفى بأن من موجبات الشفقة والرفق بالإنسان -الذي لا يلتفت إلى نفسه وفعله وسلوكه، ويكشف ستره أمام الخلق- أن نأخذ بيده، ونبادر إلى إصلاحه.. فلو أن كل إنسان قام بواجبه، وحاول سد الثغرات الاجتماعية، وأثر في تغيير السلوكيات الخاطئة فيمن هم حوله؛ سوف لن نجد ثغرة في المجتمع، وسنحقق المدينة الفاضلة التي يحلم بها أفلاطون وغيره.. ولا شك بأن السبيل الأوحد لاستنقاذ من وقعوا في أوحال الرذيلة، هو الدخول إلى قلوبهم وامتلاك ثقتهم، إذ أن عملية الوعظ والتخويف -في بعض الأوقات- قد لا تكون مجدية.

 

59. إن الطهارة الفطرية، هي التي صاحبها له صفاء أو نقاء باطني بالفطرة، بحيث لا يميل إلى المحرمات أيًّ كانت.. أما الطهارة الكسبية، فهي التي يعيش صاحبها النزاع الداخلي في ارتكاب المنكرات؛ نظراً لأسباب بيئية، أو وراثية.. ولا يخفى بأن الثاني الذي تنازعه نفسه إلى الحرام ويقاوم، هو عند الله أبلغ ممن أعطي النقاء الباطني، قياساً على الذي يحفظ القرآن بتعب وبصعوبة والذي يحفظه بيسر.. فهنيئاً لمن اكتسب الطهارة الباطنية، عن طريق المجاهدة مع نفسه!..

 

60. إن تعابير الذلة والضعف والمسكنة وغير ذلك، خاصة بين العبد وربه.. وأما العلاقة بين المؤمن وأخيه، فهي مبنية على الاحترام، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، وجاء في الحديث ما مضمونه: (إن الله فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه).. وما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله!..

 

61. إن كرامة المؤمن مسألة مهمة جداً؛ لأنه منتسب إلى الله، ويمثل المجتمع الإيماني.. وقد ورد في الروايات أن (المؤمن أعظم حرمة من الكعبة)، والسبب في ذلك واضح: لأن الكعبة مظهر توحيدي صامت، بينما المؤمن المظهر الناطق، الذي يتجلى فيه النور الإلهي، كما في الحديث القدسي: (ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلبُ عبدي المؤمن).

 

62. إن الملاحظ -مع الأسف- عند البعض هو حالة الفلتان في جانب التقييم القولي، والحديث عن الآخرين، كأن الأصل فيه الحلية!.. والحال بأنه نعلم -كما في سورة الحجرات- أن ذكر العيب الموجود في المؤمن من مصاديق الغيبة، وإذا كان قوله مبطلاً، فهو بهتان أعظم من الغيبة!.. وعليه، لابد وأن نكون في منتهى درجات الدقة في تقييم الطرف المقابل، وخاصة إذا كان مؤمن له خصوصيات زيادة عن الإيمان، كالعلم والعمل الصالح.

 

63. إن هذه الحالة من التواضع والتذلل بين يدي الله تعالى، من موجبات الاصطفاء والعناية الإلهية.. والعبد إذا ما دخل هذه الدائرة، أعطي بعض الامتيازات التي منها المحبة في قلوب الآخرين.. ولا غرابة في هذا، فرب العالمين شكور، يعطي على القليل اليسير ما لا يتصور.

 

64. إن الحالة التذللية من العبد، إذا لقيت قبولاً من الله سبحانه؛ اجتباه واصطفاه وصار من شؤونه تعالى.. عندها ليس فقط سيحظى على المعزة في قلوب الناس، بل إن الله -تعالى- سيفعل له وفيه وبه الأعاجيب.. ومن هنا نقول: للذي يشتكي من مشكلة مع الآخرين زوج، أو زوجة؛ لم لا تلتجئ إلى الله تعالى؟!.. فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن.

 

65. إن المؤمن في حال السجود يكون في أصغر حجم له، أضف إلى أن الهيئة هيئة تذللية، حيث يضع أشرف منطقة وهي (القلب والمخ) على أرخص شيء في الوجود وهو التراب.. وبلا شك أن هذه الحركات لو قام بها الإنسان بشكل متواصل وبتوجه، سيتحول الأمر إلى سياحة من أفضل سياحات الوجود التي تدرك ولا توصف.

 

66. إن التوجه إلى الله -تعالى- في ساعة الشدة، حيث يكون المؤمن في حالة انكسار وضعف قهري؛ يؤهله إلى التوجه والانقطاع إلى العلي الأعلى.. وهذا بدوره يرسخ حالة التذلل والخشوع في قلب المؤمن.

 

67. إن الدعاء بصيغة الجمع، هذه الحركة البسيطة، التي لا تكلف الإنسان إلا إضافة حرف واحد بدل أن يقول: (أعطني) يقول: (أعطنا)؛ تفتح عليه آفاقاً من أبواب العطاء والرحمة الإلهية؛ لأنه أشرك إخوانه المؤمنين معه في الدعاء.

 

68. إن البكاء لو كان مجرد إخراج قطرات ملحية من العين، لا قيمة له أبداً.. وإنما هو حصيلة للتفاعلات الباطنية في الفؤاد من التذلل والانكسار.. والتباكي هو التشبه بأولئك الباكين، الذين يعيشون تلك الحالة الباطنية.. وفي رواية لعلي (ع) يصف فيها المتقين، فيقول: (أمّا اللّيل: فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلاً.. وأمّا النهار: فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء..).. وهنا إشارة مهمة بأن هذه الحركات الليلية، هي من أجل خدمة الأمة، والتأثير في القلوب المتعطشة إلى الهدى والتقوى.. لا لأجل الحور والقصور!..

 

69. بلا شك أن الأدعية الواردة للنبي (ص) وآله (ع) كلها زاخرة بأسماء الله تعالى، كما في دعاء الجوشن الكبير، هنالك قرابة ألف ذكر لأسماء الله وصفاته.. ولا يخفى بأن لله -تعالى- أسماء أخرى، بالإضافة إلى قائمة التسعة والتسعين اسماً، منها على سبيل المثال: (يا حبيب من تحبب إليه)!.. نعلم بأن الدخول إلى دائرة الحب الإلهي، من أرقى مراحل الوجود، وأن النبي المصطفى (ص) اختص بحبيب الله، ويقال بأن السالك إذا وصل إلى مرحلة تجلي الحب الإلهي في قلبه؛ فقد وصل إلى غايته.

 

70. لابد أن نعلم حقيقة الاسم الإلهي، الذي أمرنا بالتعبد به، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}.. إذ ليس من المعقول أن من مجرد الحفظ لهذه الأسماء، يوجب دخول الجنة.. وقد ذكر هذا المعنى العلامة الطباطبائي صاحب الميزان (قده)، حيث قال: بأن الأسماء: ألفاظ، وهي عبارة عن حركة صوتية في الحناجر، ومعاني، وهي المتمثلة في الصورة الذهنية لتلك الألفاظ.. وليس لهذا أو ذاك تأثير كبير يستحق دخول الجنة، وإنما الأمر أعمق بكثير.. إذ أن هنالك حقيقة لهذه الأسماء، هي التي جعلت البعض يستغل الاسم الأعظم -كما هو مذكور في الروايات- في إتمام الخوارق الإعجازية.

 

71. إن الاسم الأعظم، هو معنى من المعاني المختزنة في عالم الغيب، إذا أقسم به العبد كرامة لتلك الحقيقة تستجاب دعوته.. فمثلاً إنسان تستهويه خدمة العباد والإحسان في شتى صوره، تصبح لديه سنخية معينة مع حقيقة الإحسان.. وبالتالي، هو إذا سأل الله -تعالى- بإقبال (يا محسن!.. قد أتاك المسيء)؛ تجاب دعوته، وهكذا في بقية الصفات الإلهية.. فإذن، إن السبيل إلى الوصول إلى الاسم الأعظم، هو تحقيق الأخلاق الإلهية عند الإنسان بقدر الإمكان، وعندئذ لو سأل بذلك الاسم الذي يرمز إلى تلك الحقيقة، فإن رب العالمين لن يخيب رجاءه.

 

72. إن الإنسان الذي يتجاوز الفرائض في تعبده لله عز وجل، ويعمل بالمستحبات والنوافل؛ سيصل إلى هذه الدرجة، من التجلي الإلهي في جوارحه وجوانحه.. أضف إلى أن الله -تعالى- من الممكن أن يتجلى لعبده حتى في الحركات المادية.

 

73. إن العبد عندما ينظر إلى ملكاته وضعفه وفقره، وفي المقابل ينظر إلى سعة العظمة الربوبية والجلال الإلهي -الذي لما تجلى بعض منه خلف الجبل، موسى (ع) خر صعقا- يصير في حالة من حالات الخشوع بين يدي الله تعالى.. نعم، نحن نعتقد بهذه العظمة، ولكن المشكلة ليس في الاعتقاد بل في الاستشعار، الذي هو سمة العارفين.. وقد ورد في بعض النصوص أن النبي (ص) والأئمة الأطهار (ع) كانت فرائصهم ترتعد -إذا هموا بالوضوء-من خشية الله عز وجل!.. وعليه، لكي يصل الإنسان إلى حالة الخشية من الله تعالى، لابد له من استشعار عظمة الإله جل وعلا.

 

74. إن الإمام السجاد (ع) عندما رأى أن أساليب التأثير الاجتماعي، المتمثلة بالحكومة والإمامة بأيدي الآخرين؛ استغل عنصر الدعاء، الذي خلد على مر الزمن.. ونحن اليوم نعيش على مائدة زين العابدين (ع) سواء في مناجاته الخاصة مع ربه في جوف الليل، أو في دعائه لثغور المسلمين، بما فيه من مضامين توحيدية وتربوية وسياسية جميلة.. ومن المناسب أن نشير إلى هذه الآية: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.. بأن الذي يريد الوصول إلى حقيقة الأسماء الحسنى، عليه بالإخلاص في الدعاء، فذلك خير سبيل لتلقي الفيوضات الإلهية، وللتأثر البليغ بها.

 

75. إن هذه مسألة القضاء والقدر من المسائل الشائكة في الأبحاث الكلامية، ومن موجبات الوقوع في الأخطاء والانحرافات.. حيث أن البعض يتذرع بمسألة القضاء والقدر في تجميد نفسه، ويقف أمام الأحداث ومفردات الحياة مكتوف الأيدي بدعوى أنه قدر ومكتوب!.. والحال بأن علينا أن نفهم أنفسنا بأن العلاقة بين الإنسان وربه، لا على نحو علاقة الحاكم والمحكوم، أو علاقة المستغِل والمستغَل.. بل إن العلاقة أعمق وأكثر عاطفية بكثير.

 

76. إن العلماء فرقوا بين ما هو مكتوب كتابة نهائية، وبين ما هو على نحو الاقتراح الأولي.. إذ أن العبد بإمكانه أن يستغل حالة الدعاء لتغيير المقدرات المكتوبة له.

 

77. من الطبيعي أن الإنسان إذا اعتقد بأن هذه الفترة المحدودة في الحياة الدنيا، إنما هي مزرعة للآخرة؛ فإنه سيستذوق كل الحوادث التي تمر عليه، لأنه يعلم بالتعويض الإلهي.

 

78. يخطئ البعض عندما يظن: بأن الدعاء عبارة عن حديث بين العبد وربه، يتعلق بخصوصياته الفردية.. وهذا الذي نراه في المجتمعات غير الإسلامية -كما في المسيحية- حيث أن الدعاء والأمور التعبدية لا تلامس واقع الأمة عندهم. بينما نحن نعتقد أن الدعاء، هو سلاح من الأسلحة للمؤمن.. وعليه، فما المانع أن المؤمن عندما يعيش أجواء الاستجابة -حيث رقة القلب، والدموع الجارية، وفي مواطن الطاعة- أن يقدم الدعاء للأمة على الدعاء لنفسه؟!.. ويقول بقلب خاشع ولسان صادق: (اللهم!.. اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بتعجيل الفرج لوليك)!.. (اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين)!..

 

79. إن هنالك فرقا بين الأصول والفروع.. إذ بإمكان الإنسان أن يقلد في الآخر، في حين أنه يلزم أن تكون له نظرته المستقلة في الأول.. ومن الأبحاث العقائدية المهمة: بحث القضاء والقدر.. والمشكلة تكمن في أن البعض قبل أن يثبت بنيانه العقائدي في الكليات الأساسية، وقبل أن يلتزم بجزئيات الشريعة، نلاحظ أنه يكلف نفسه في الدخول في أبحاث نظرية معمقة يتيه فيها.

 

80. إن الدخول في بعض التفاصيل من دون وجود أرضية ذهنية معرفية قوية واضحة المعالم؛ من الممكن أن يجر الإنسان إلى حالة من حالات الانحراف العقائدي.. إذ لابد من المزج بين التعبد الشرعي وبين التدبر الشخصي، وعدم تجاوز الحدود فيهما، بمراعاة المساحة المخصصة للتعبد من الشريعة، والمساحة المسموحة لأن نعمل فيها فكراً.. وعليه، من الضروري الاطلاع على بعض الدورات المنقحة المبسطة، في مجال العقائد من التوحيد إلى المعاد.

 

81. إن الإنسان عندما يدخل إلى ملك الملوك، من الطبيعي أن يبدأ بتصفية الحساب معه، قبل أن يبدأ في الطلبات الكبرى.. وخاصة إذا كان مطلوباً؛ دفعاً للعتب، ورفعاً لما عليه من تكاليف.. وهذا ما نلاحظه في دعاء كميل، إذ أنه بعد تلك المقدمة الجميلة من تعداد الأوصاف الإلهية، جاء جانب الاستغفار والتذلل، ومن ثم جاءت تلك الطلبات التي هي غاية آمال العارفين في هذه الحياة.. حيث اللسان اللاهج بذكر الرب تعالى، والقلب المتيم بحبه جل وعلا.. وكأن الإمام علي (ع) أراد أن يعلمنا بهذه التقسيمات، كيف نتحدث مع رب العالمين.

 

82. إن هناك قسما من الناس يستصغر محقرات الذنوب.. والحال أن هذه المحقرات، تشكل سلسلة حلقات من الذنوب.. ولنعلم بأن هذه هي بغية الشيطان: أن يستدرج الإنسان بالذنوب واحدة بعد أخرى، ليألفها شيئاً فشيئاً.. وبالتالي، تصبح لديه ملكة احتراف الحرام.. مثلاً: النظرة المحرمة -التي هي سهم من سهام إبليس- فعلها في الإنسان كالمخدر الذي يطيح بالأسد الضرغام في عالم الصيد، بمعنى أنها تسلب منه الإرادة، وتجره إلى ارتكاب الكبائر.

 

83. إن العصمة هي الغطاء الذي يغطي الإنسان المؤمن.. الأمر الذي لا يخفى على الجميع، بأن لأي إنسان ظاهرا وباطنا.. ومن المعلوم بأن الأغلبية من الناس يعمل على تحسين ظاهره بخلاف ما في باطنه: إما لكسب احترام الآخرين، أو للأمن من شرهم.. ولهذا فإن الناس يظهرون على حقيقتهم عند المعاشرة: في سفر، أو مصاهرة، أو زواج، أو في التجارة، أو في المجاورة.. ومن هنا ندعو بعدم الانخداع بأي شخص، وإعطائه أكبر من حجمه.. ولا شك بأن حسن الخلق والتعبد إنما هو لوجه الله تعالى، لا لأجل أمور دنيوية أو غيره.. وعليه، فإن هذا الغطاء الساتر هو بمنّ الله -تعالى- وكرمه علينا، وإلا لكان الأمر كما قال علي (ع): (لو تكاشفتم ما تدافنتم)!..

 

84. إن البعض يجمع بين قبح المعصية وما هو أقبح!.. فهو لا يكتفي بتحديه لرب العالمين وشريعته؛ بل أيضاً لا يستحي ويجاهر بالمعصية!.. وكأنه يقول للآخرين: أن هلموا شاركوني في هذا الطريق المنكوس المظلم!..

 

85. إن أهم علامة لاستجابة الدعاء، هو حصول التغير الجوهري في النفس، كما في الصلاة.. إذ من المعلوم أن الشرط الأساسي لقبول الصلاة، هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}.. بمعنى أن الإنسان إذا ما رأى في نفسه حقارة واستقذاراً لكل ما يغضب المولى جل وعلا، فليعلم بأن دعاءه قد قُبل، وأن ذنبه قد غفر.. فليبادر بالعمل ببركة الله تعالى؛ قرير العين، مطمئن الفؤاد.

 

86.  من المناسب أن يصل الإنسان عندما يرى صفحاته السوداء، إلى باب الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء.. فهو الذي خلق الدابة بمشيئته، وتكفل برزقها، كما في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا}.. وهو أيضاُ عندما أوجد البشر، كتب له ما فيه الصلاح، وهيأ له الأسباب التي عن طريقها يصل إلى الفلاح والفوز.. فإذن، إن رحمة الله وسعت كل شيء: بمعنى كل الوجود بلوازمه، لا الوجود المجرد.

 

87. إن التوغل والاحتراف في الحرام، من صور الخذلان الإلهي البليغ.. حيث يصل الإنسان إلى درجة أن يرى الصبغة الغالبة في حياته هي المعصية.. فنحن نعلم بأن هنالك قسما يعيش حالة النقاوة من الذنوب، وآخر حياتهم مزيج من الطاعة والمعصية، ولكن قلة من الناس من تغلب عليه المعاصي في شتى زوايا الحياة.. وبالتالي، يصل إلى مرحلة اليأس -والعياذ بالله- من روح الله.. وعليه، نقول: بأنه ينبغي أن لا ننسى هذه القاعدة: (لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار).

 

88. من الجميل أن تكون للمؤمن قراءة تأملية للدعاء، في ساعات الراحة والاسترخاء -كأي متن علمي- من أجل استحضار تلك المعاني في القراءة التفاعلية الشعورية.

 

89. إن الإنسان عندما يصلي أو يدعو أمام القبلة، فقد توجه قلبه ووجهه ظاهرياً تلقاء الكعبة؛ ولكن حقيقة الأمر هو التوجه لصاحب هذه القبلة، وإلى الأنبياء السلف وعلى رأسهم نبي الله إبراهيم محطم الأصنام، ومؤسس الحركة التوحيدية.. ويتذكر حركة النبي (ص) وأهل بيته (ع)؛ فيعيش المعاني التي من المفروض أن تنتاب الإنسان المؤمن وهو في المسجد الحرام.. ولهذا فإن الحركة الظاهرية لها مغزى باطني، ألا وهو التشبث بالمعاني التوحيدية التي ترمز إليها الكعبة المشرفة.

 

90. إن غير المحبين من عباد الله، يتخذ الدعاء ذريعة للحصول على المزايا، وكأن رب العالمين عنده كنوز وخزائن، والمهم أن نذهب عنده ونستجديه بلطائف الحيل، ونأخذ منه ما نريد!.. والحال، بأن الدعاء هو أسلوب من أساليب الدلال، والحديث مع الرب تعالى، ولابد للداعي أن يصل إلى حالة الأنس بالله تعالى.. فهو نوع من أنواع التلذذ في الحديث مع رب العالمين، وليس وسيلة لأخذ الامتيازات والحوائج.

 

91. إن الذي لا صلة له بربه، من الطبيعي أن يعيش حالة انعدام الجاذبية.. حيث أنه لا يعلم إلى أن يسير، مثله كمثل رجل الفضاء يتقلب يميناً وشمالاً!.. فلا يعيش حالة من الانسجام في سيره وحركته الحياتية.. ومن هنا نلاحظ بأن الإنسان الذي ليس له تمسك بهذه الزوايا النورانية في الحياة، فإنه بين فترة وأخرى يعيش حالة الانهيار العصبي، وفقدان السيطرة على وجوده.. وإلا فالذي يعلم بأن مقاليد الأمور طر بيده، وأن الكل مستمد بمدده، ويعيش الانتماء إلى ذلك العالم المطلق.. سوف لن يعيش تلك الأجواء، ويتبين ذلك في حركة حياته اليومية بشكل واضح.

 

92. ينبغي أن يكون الهدف من المناجاة والدعاء، عبارة عن الحديث مع الرب المتعال، وأن يدعو وهو مستيقن بالإجابة.. فالرب -تعالى- من ناحية هو قدير، ومن ناحية هو حكيم يعلم متى يعطي الإجابة، وفي نفس الوقت هو أرحم الراحمين، وأرأف بنا من آبائنا وأمهاتنا!..

 

93. من الضروري أن يحول الإنسان علاقته بالله تعالى، من علاقة تكوينية قوامها الخالقية والمخلوقية، إلى علاقة عاطفية فطرية وجدانية قوامها الحب والمحبوبية.. إن الله -تعالى- خلق الإنسان وميزه بالإدراك عن بقية الموجودات الأخرى، التي تسبح الله -تعالى- بالفطرة، كالنحلة مثلاً: فالله -تعالى- بالفطرة علمها كيف تصنع العسل، كما نفهم من قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}.. فمن المستحيل أن تخرج يوماً خلاً بدلاً من العسل!..

 

94. إن الإنسان الفاسق لازالت علاقته بالله علاقة الخالقية والمخلوقية، حيث يقال: بأن لله رحمة رحمانية، ورحمة رحيمية.. وبعض الأوقات رب العالمين قد يجيب دعوة الفاسق؛ إتماماً للحجة عليه يوم القيامة.

 

95. هنيئاً لمن استطاع أن يوصل بياض الفطرة ببياض التكليف، بمعنى: قبل البلوغ لم يكن في الواقع مؤاخذاً بشيء وبعد البلوغ أيضاً.. وبالتالي، فإنه يعيش حياة جميلة من حيث النصاعة في حركته التكاملية مع ربه!..

 

96. إن الحركة العرفانية في جانبها النظري والعملي لها ثمرة، ألا وهي هداية السبيل والبصيرة واليقين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.. وكلما اشتدت المجاهدة، كلما تجلت هذه الثمرة أكثر، حيث يصل الإنسان إلى درجة لا يتردد أبداً في الطريق الذي يمشي عليه.

 

97. إن علم العرفان أكثر ديناميكة من علم الأخلاق.. إذ أن الأخلاقي يحث على التحلي بالفضيلة، واجتناب الرذيلة.. أما العارف الواصل الصادق، يقول: بأن القضية أعمق من هذه الأمور النظرية، إذ لابد من التفكير للوصول إلى مرحلة، يحظى فيها بالنظر إلى الوجه الإلهي، ويحوز على الرضوان الإلهي.. هاتان اللذتان اللتان هما لأهل الجنة، كما أشار القرآن الكريم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ}.. والتي لا تقاس بالحور ولا بالقصور وغيره.. فبإمكان الإنسان بمجاهداته الحثيثة، أن يصل إلى هذه الدرجة، فلو أنه وصل إلى هذه النفس المطمئنة الراضية المرضية، فقد استحوذ على أعلى درجات نعيم الجنة وهو في الحياة الدنيا.. ومن هنا أن المؤمن لا يرى فرقاً بين ما هو فيه في الحياة الدنيا والآخرة.

 

98.  صحيح أن الواصلين، هم قلة من الناس.. ولكن ما المانع أن يحاول الإنسان السير في اتجاه القمة؟!.. عليه أن يسعى سعيه، ويبذل جهده، ويواجه الموانع الكثيرة.. ورب العالمين حكيم رؤوف، عندما يرى في عبده هذا الإصرار وهذه المتابعة -كما بعض الروايات التي تشبه المؤمن كالسنبلة يخر تارة ويستقيم أخرى- يأخذ بيده إن شاء الله، ولن ينسى له قطعاً هذه الحركة، وإن لم يكن من الواصلين.

 

99. مما لا شك فيه أنه مع عدم المراقبة والمحاسبة، فإن هذا العلم يجر الإنسان جراً، إلى حالة من الانشغال بالذات، والتقوقع، وتهذيب الباطن، واستكمال الملكات.. وعليه، فإنه لابد أن يؤكد السالك والساعي على عكس ثمار هذه الحالة في حياة الأمة والمجتمع، كما كان الأمر عند النبي وآله والعلماء الصالحين، حيث أنهم كلما ازدادوا تكاملاً في الباطن؛ كلما اشتدت حركتهم الخارجية إصلاحاً.

 

100. إن الفيلسوف والعارف كلاهما يريدان وصف الوجود واستكشاف خباياه المترامية، ولكن الأداة مختلفة عند كليهما: فهي عند العارف القلب، وعند الفيلسوف الفكر.. وبعبارة جامعة: العارف يريد أن يفنى في بساط القرب، ويبقى فيه.. بينما الفيلسوف يريد أن يصل إلى خارطة ذهنية موازية لعالم الواقع.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج