100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن من الأشياء التي تنافس السلوك الروحي للإنسان، وتصادر ممتلكاته المعنوية؛ همّ الرزق.. فالتفكير في همِّ الرزق، ومستقبل الحياة المادية - في كثير من الأوقات- يكون مدعاة: للجشع، والحرص، والقلق، واستعجال الرزق.. وحتى الالتفاف حول الحلال والحرام؛ لكي يرفع الرصيد في البنوك.

2. إن سورة الجمعة لا تعرض قضية تاريخية محضة!.. هذه الآيات من سورة الجمعة في مقام بيان صراع بين تجارتين: تجارة مع الله -تعالى- وتجارة الأسواق.. وهذا الصراع قائم منذ القدم وإلى يومنا هذا!..

3. إن الناس يُعَامِلون شهرَ رمضان، كما عامل المسلمون النبي (ص) في سورة الجمعة.. فالناس إذا رأوا تجارة، أو لهواً؛ انفضوا إليها بعد شهر رمضان.

4. بمقدار ما نتهيأ، ونهيئ الأرضية في شهر شعبان؛ بمقدار ما نقطف الثمار في شهر رمضان!..

5.  إن مرحلة البذر، ومرحلة السقي؛ لابد وأن تسبقها مراحل أخرى: من إعداد الأرض، ورش المبيدات الحشرية، ثم يأتي الفلاح ليبذر.. فينزل عليه المطر، وإذا به كما يقول عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}.. ولكن هل تنبت فاكهة واحدة، مهما هطل من المطر في الصحاري القاحلة؟.. بالتأكيد لا!.. لأن الأرض غير مستعدة.. وإنما تنبت في البساتين الخاصة، وفي المحميات؛ لأن صاحبها هيأها لذلك، فلا يحتاج إلا للقليل من الماء لتنبت من كل زوج بهيج.. كذلك أنفسنا!.. وشهر رمضان شهر الأمطار الغزيرة خاصة في ليالي القدر، فأمطار شهر رمضان وسيولها مفيدة لمن هيأ الأرض، وبذر البذرة الصالحة.. وشهر شعبان فرصة جيدة لأن نهيئ أنفسنا لشهر رمضان.

6. إن قلوب الأئمة (ع) محطات نزول الوحي بمعنى من المعاني، يقول الإمام علي (ع): (وَلِتَطْهيرِ قَلْبي مِنْ أَوْساخِ الْغَفْلَةِ عَنْكَ)؛ الأوساخ لا تنحصر في: الذنوب، والزنا، والشرب، والقمار، وما شابه ذلك.. الإنسان إذا مر عليه اليوم والليلة ولا يتوجه بقلبه إلى الله -تعالى- للحظات أو لثوان؛ فهذا قلب غير مطهر غير نظيف.. على الأقل عندما نقف للصلاة، علينا أن نستحضر وجوده -عز وجل- المهيمن على الوجود.

7. إياك أن تيأس من القرب من الله -تعالى- حتى مع ارتكابك للمعاصي!.. فعالم القلب يختلف عن عالم الجوارح، الإنسان قد يزل، وقد يعصي، وقد لا يراقب جوارحه.. ولكن تبقى الجانحة ممتلئة بحبه تعالى!.. علينا أن نمتلك هذا الحب، وإن دخلنا النار بمعاصينا!..

8. إن الشباب هو مرحلة: القوة، والفتوة، والنشاط، والاختيار، والعزم.. فالشاب عندما يصمم على عمل تجاري ثقافي؛ فإنه يفلح بشكل فائق؛ لأنه قمة في النشاط.. لكن -مع الأسف- هذا النشاط، وهذه القوة -في كثير من الأحيان- يُصبُّ في مصب غير مرغوب لله سبحانه وتعالى!..

9. إن مرحلة الشيخوخة هي مرحلة الندم، ومرحلة ضعف القوى، وضعف العزائم.. في مرحلة الشباب، بإمكاننا أن نحوز على الكثير؛ أما أيام الشيخوخة فهي أيام الاجترار!.. وسُكْرُ الشباب هو الذي يجعلنا لا نعلم أين نعيش.. والسُكْرُ لا ينحصر في أنواع الخمر، فهناك سُكْرُ المقام، وهناك سُكْرُ الشباب، وسُكْرُ المال؛ وهي الأمور التي تسلب الإنسان ذهنه ونشاطه.

10. أحدنا يتوقع أنه لو بذل كل قواه في شهر رمضان، سيصل إلى مرتبة الفالحين المقدسين.. والحال أن هذه النتيجة ليست نتيجة شهر واحد، إذ لابد من الاستمرارية والمتابعة.. فهل رأيتم تاجراً يريد أن يحصل على ثروة كبيرة، فيعمل في شهر واحد فقط من السنة، وينام بقية الأشهر؟!.. بل على العكس تماماً، يعمل صباحاً مساءً دون كلل أو ملل.. وكذلك بالنسبة إلى الأنس برب العالمين، والارتباط مع مكون السموات والأرض، والعيش في رحاب رب العزة والجلال، هل يحتاج إلى عمل شهر واحد فقط في السنة، وفي بقية الأشهر نكون في إجازة؟!.. الأمر يحتاج إلى متابعة!.. إذا كان الله -عز وجل- لا يعطي المقامات العالية لأئمته إلا بالمتابعة، فكيف نُعطى نحن هذه المقامات بمجرد إحياء ليالي القدر، وبعض الأيام من شهر رمضان؟!..

11. إن الإنسان الذي يعتز بعز الله -عز وجل- ويركن إلى عزة رب العالمين؛ لا يخاف من شيء.. فالإنسان الذي يعتقد بأن الله قوي عزيز، ذو قوة متين، فعال لما يريد، ذو البطش الشديد؛ لا يخاف من مخلوق!..

12. أين نحن ومضامين دعاء كميل؟... لو كانت هذه الفقرة (وَبِعِزَّتِكَ الَّتي لا يَقُومُ لَها شَيءٌ) شعاراً للأمة الإسلامية؛ لما قاومهم شيء، ولما وقف أمامهم شيء.. مضامين دعاء كميل، أسسٌ لحياة الأمة والفرد معاً.

13. إن المؤمن يرتبط بالله عز وجل، وإذا كان لديه مال، فإنه يقدمه لهذا الوجه الكريم، لتكون له صفة الخلود.. لأن كل ما ينفقه في الطعام أو السفر؛ يفنى ويزول؛ لعدم ارتباطه برب العالمين.. أين المتع التي تمتع بها في الأعوام الماضية، عندما ذهب إلى الأماكن الخلابة؟.. إنها تصبح خيالاً في خيال!.. فالذكريات الماضية، بمثابة شريط مختزل في الذاكرة، وكأنها فيلم!.. ما الفرق بين الذهاب إلى جبال الهملايا، وبين الفيلم الذي رآه في التلفزيون؟.. الصورة هي الصورة، عدم في عدم!.. أما الذي يبقى، فهو الدرهم الذي قدم في سبيل رب العالمين.

14. إن المطلعين على عالم: الذرة، والنبات، والفلك، والمجرات؛ يرون المعادلات العجيبة في هذا الوجود، والارتباط القائم: غلاف الأوزون ينثقب، فإذا بالحرارة تزيد!.. عَاَلمٌ مترابط، ومتقن، ودقيق!.. فهل يعقل أن يكون الإنسان خليفة الله -عز وجل- على الأرض مُهْمَلاً يعمل ما يشاء، بينما عالم الذرة والفضاء والغلاف الغازي عالم متقن؟.. يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فهذا الخليفة ليس في حلٍ يفعل ما يشاء إنه محكوم!.. وفي الأحاديث القدسية: (عبدي!.. خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي.. وهبتُك الدنيا بالإحسان، والآخرة بالإيمان)، وفي حديث آخر: (لا تسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلبُ عبدي المؤمن)، و(قلب المؤمن عرش الرحمن)؛ فأين هذه الأوصاف من واقع حياتنا؟..

15. إن البعض يدعو رب العالمين، ولكن لا يجد الإجابة، بسبب الموانع التي خلقها بيده.. فإذا وجد المانع؛ المؤثر لا يعطي أثره، ولذلك الدعاء لا يؤثر.. مثلاً: لو أخذنا عوداً رطباً، وجعلنها في نار مستعرة؛ فإنها لن تحترق بسبب الرطوبة.. والإنسان الداعي كذلك، هناك سقف فوق رأسه، منع صعود دعائه.. الدعاء جيد لا نقص فيه، ولكن هذه المظلة هي التي حالت بينه وبين صعود الدعاء إلى رب العزة والجلال.. فإذن كم هي خطيرة الذنوب!..

16. إنَّ في مملكة وجود الإنسان قوة، هي الطابور الخامس؛ قوة الأهواء والشهوات، وهي بمثابة جواسيس للشياطين، وما أعظمها من قوى!.. قوة هائلة!.. قوة الهوى ليست قوة هينة، تتجلى هذه القوة عندما تختلي زليخة مع الصديق يوسف (ع) في ذلك الموقف ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ ربه﴾.. يوسف (ع) يحتاج إلى مدد من رب العالمين، فكيف بنا نحن؟..

17. إن أصحاب الهوى والمجون، سنوات وهم يخططون ليصلوا لما يريدون.. فيرى من يعشقها في يقظته وفي نومه، ثم بعد حصوله على ما يريد، وإذا بهذه الطاقة المتجمعة عبر فترة من الزمن؛ يجدها رخيصة جداً، وليست بالمثابة التي يتوقعها!.. فشهوة الشبع، وشهوة الغرائز، تنطفئ في لحظات معدودة!.. هذه هي الزينة ﴿لأزَيِّنَنَّ﴾.. بذل من عمره، ومن ماله، ومن وجاهته، ومن شرفه، ومن دينه؛ لأجل لحظات تمر مرور الكرام، ويتعقبها الحسرة والندامة والخسارة!..

18. إن الإنسان الذي يخشى يوماً، ولا يخشى يوماً؛ هذا إنسان متلاعب!.. كالموظف الذي يأتي يوماً للشركة، ويتغيب يوماً؛ فهذا موظف مستهتر.. وإن كان اليوم الذي يحضر فيه إلى الشركة، يبذل قصارى جهده لتعويض أيام غيابه!.. هذا الحال بالنسبة لمن يترك يوماً؛ فكيف الحال بالذي يتغيب أشهراً عن مقر عمله؟.. هذا هزَل مع رب العالمين!..

19. إن القدرات المخزونة للإنسان أكثر بكثير من التي نستغلها!.. إن مثل أحدنا، مثل دولة تملك رصيداً ومخزوناً نفطياً بملايين البراميل، ولكن هذا الإنسان يعيش على وجه الأرض، وهو يستجدي.. هذا المخزون الذي تحت سطح الأرض، يحتاج إلى أدوات لاستخراجه إلى السطح، إذ ما قيمة الكنوز إذا كانت مخزونة؟.. وهل يعتبر هذا الإنسان غنياً؟.. إذن أحدنا قد يكتشف أنه يمتلك قدرات قوية، لو أراد أن يستخرجها لاستخرجها!..

20. إن البعض من كبار السن، لا يتحمل الوقوف لممارسة أعمال المنزل لمدة ربع ساعة أو عشر دقائق؛ ولكنه يقف ساعة ونصف في عبادة أمام الله عز وجل؛ وتفسير ذلك: أنه أراد وأحبَّ أن يعمل فعمل!.. كذلك أحدنا عندما يطارد من قبل لص أو ما شابه، فإن قوته تتضاعف للهرب؛ ذلك لأن الجسم يكيف نفسه مع مختلف الظروف، ومنها ليالي العبادة.. فالإنسان لديه قدرات وإمكانات كامنة، وهي توجب الشكر!..

21. إن الجو الجماعي أرضية خصبة لكل شيء للشر وللصلاح، لذلك نجد الشارع ينهى وبشدة عن الجلوس على مائدة الخمر، ولو شربت ماء زمزم عليها.. والجو الجماعي للطاعة، كالجو الجماعي للمعصية.

22. إن العمر يمر مر السحاب، ما الذي في هذه الحياة؟.. ما هي المحطات التي تعيننا على آخرتنا؟.. هل هي حياتنا الروتينية من: أكل، وشرب، ومعاشرة للنساء، ومن تربية للأولاد، والذهاب للعمل؟.. هذا ليس زاد الآخرة، بل زاد البطن والفرج ليس إلا، زاد الآخرة شيء آخر!..

23. لو كان الله -عز وجل- يعطي الأجر على عمل الإنسان أولاً بأول؛ لما بقي إنسانٌ غير موحد على هذه الأرض.. يقول عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.. فالإنسان عندما يعبد الله، ويحيي، ويعمل، ويجاهد، ويزور.. عندما يكتمل النصاب؛ يُعطى جائزةً قيِّمة، لا يدري ما هي؟.. قد تكون ذرية صالحة، أو إنقاذ من مشكلات اجتماعية، أو صحة وعافية.

24. مشكلتنا أننا نشكر الله -عز وجل- على النعم الإيجابية، مثل الحصول على مبلغ من المال مثلاً.. ولا نفعل ذلك بالنسبة إلى النعم السلبية، كأن يُدفع عنا بلاء أو مرض.. فلو كشف لنا الغيب لرأينا أن نعم الله -عز وجل- لا تحصى، وخاصة البلاءات التي دُفعت عنا، ولكن لم نُخْبر بذلك لمصلحة ما.. ولو أخبرنا بذلك، لانتابنا شعورٌ عميق بالشكر والخجل والوجل.

25. إن وجوه المؤمنين بعد القيام بعمل عبادي، تتهلل فرحاً، ولا نرى هذه الصورة في غير المساجد ومواطن الطاعة؛ يبدو أنها مصداق الحديث: (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها).. يعيش الإنسان حالة من الفرح، وبرد القلب، وسكون النفس؛ عندما يحضر هذه المجالس المباركة.. أليست هذه جائزة معجلة، تضاهي الجوائز النقدية؟!.. وأهل الأرض يفتقدون هذا الارتياح، ويبحثون عنه تارة في المخدرات، وتارة عند النساء، وتارة في السفرات اللاهادفة؛ فلا يجدونها.

26. ينبغي عدم الابتلاء بالعجب بعد إحياء ليلة من الليالي، فمن مجموع ثلاثمائة وخمس وستين ليلة، ما وزن هذه الليلة؟.. وإن زاد إلى عشرين ليلة ما وزنها؟.. على الإنسان ألا ينظر إلى ليالي التوفيق، بل ينظر إلى ليالي الحرمان، أين نحن في باقي الليالي والأيام؟.. لهذا نقرأ في دعاء كميل: (وسَكنتُ إلى قديم ذكرك لي، ومنِّك عليَّ).. علينا أن ننظر إلى النقص لا إلى التوفيقات، فنحن في أغلب أيام السنة على وتيرة واحدة من الغفلة.

27. إن الإنسان المؤمن إذا أراد أن يتكامل، ويهذب نفسه، ويحصن جوارحه.. عليه أن يفتش في الصفات الباطنية، يفتش في زوايا نفسه.. في بعض الأحيان تكون في المؤمن صفة كامنة في نفسه، الإنسان لا يلحظها، مثل الجراثيم الكامنة في البدن، فإذا أصاب جسم الإنسان ضعفاً؛ تأتي هذه الجراثيم لتلقي الإنسان أرضاً.

28. إن الرفق من الأمور التي تعين الإنسان على تنفيذ أهدافه، فإذا كان عندك هدف في تربية أسرتك، أو في تربية المجتمع.. فعليك بالرفق، كي تحقق هدفك!.. فالإنسان الذي عنده حالة من حالات العصبية، هذا إنسان فاشل في تربية أولاده.. عن الرسول (ص): (هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق).

29. إن رفق الإنسان بالبشر، يُوجب رفق الخالق بهؤلاء البشر.. هناك قواعد للتعامل مع الأصدقاء، في الحديث الشريف: (ما اصطحب اثنان، إلا كان أعظمهما أجرا وأحبهما إلى الله؛ أرفقهما بصاحبه)!.. إذا أردت أن تكون من أولياء الله -عز وجل- أرفق بإخوانك المؤمنين (ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء).

30. إن الرفق ليس قيمة نهائية، عليك أن تخلط اللين بالشدة!.. عندما يستدعي الأمر الغضب، اجعله على الجوارح فقط، إياك وأن تجعله ينفذ إلى داخلك!.. دع القلب هادئاً تماماً!..

31. إن الإيمان الذي لا رفق معه، كالبيت الذي لا قفل له، يدخله كل من هبَّ ودب.. يأتي الشيطان في كلِّ لحظة للإنسان، ليثيره على أعزِّ الناس عليه، إثارة قد تصل للقتل.. يقول الباقر (ع): (لكل شيء قُفْل، وقفلُ الإيمان الرفق).. فمثل الإنسان: المؤمن، الكريم، قائم الليل، ولكن لا رفق له.. مثل من بنى بناء حسناً، وأثثه بأفخر الأثاث، ولكنه تركه بدون قفل، في كل لحظة يدخل الشيطان لينتخب أفضل الجواهر في ذلك المنزل.. وهو أمهر السراق في تاريخ البشرية، لذا لابد من وضع أقفال من الرفق على أبواب بيوتنا!..

32. إن الإنسان عندما يعيش حياة الاكتفاء: مادياً، ومعنوياً، وصحياً؛ لا يعيش شعور الافتقار إلى الله عز وجل.. بينما العبد المؤمن، يعيش الإحساس بالفقر والضعف دائماً، وبصورة واضحة؛ لأنه يعلم أن هذه العافية، والاستغناء، والاستقرار؛ كل ذلك رهن إشارة المولى.. مثلاً: إن حياتنا على الأرض؛ كلها متوقفة على سلامة الأرض من الزلازل.. فهل نعلم أنه في كل آن نحن نعيش عمراً متجدداً؟.. في كل لحظة تمر على الإنسان هناك منحة جديدة من الحياة؛ لأن كل لحظة وكل ثانية من حياتنا، تحتاج إلى عناية متجددة، ولطف من الله تعالى.. والمطلوب هو أن نعيش هذا الإحساس بتجدد أعمارنا!..

33. هل يفكر الإنسان في يوم من الأيام، أن هذه الروح التي نسخت في بدنه، هي في الواقع منتسبة إلى الله -عز وجل- في أقوى درجات الانتساب ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾.. صحيح أن تلك الروح -روح آدم (ع)- كانت روحاً خاصة، ولكن يكفينا فخراً أن لنا روحاًٌ مثل روح آدم (ع).. فأرواحنا شبيهة بروح نسخت في آدم (ع)، وهي من الله عز وجل.

34. ليس هناك شك أن الذي يوفق للحج، فإن هناك نظرة خاصة إليه.. ويفترض من الحاج عند أول تحركه، أن يعلم أنه مرشح لمرتبة!.. فأصل الذهاب ترشيح، ولكن النظرة متوقفة على جهده وسعيه.. إن قاعة الضيافة كبيرة، ولكن هذه القاعة فيها مواقع مختلفة: هناك أماكن قريبة من السلطان، وأخرى بعيدة.. فالحاج عليه أن يعلم أن هناك دعوة أولية، ولكن عليه ألا يكتفي بهذه الدعوة، بل عليه ألا يمني نفسه بالوليمة الجاهزة؛ لأن الوليمة لها درجات.. فعلينا أن نسعى لإحراز أعلى درجات الضيافة!..

35. إن سلوك الإنسان خارج الحرم، مؤثرٌ في توفيقاته داخل الحرم.. لذا علينا ألا نعيش الحدود الفاصلة سلوكياً بين داخل وخارج الحرم.. فمن الضروري أن نراعي أدب الحضور مع النبي (ص) طوال فترة الإقامة في المدينة المنورة، كذلك مع الله سبحانه وتعالى، أن نعيش هذه الحالة من الهيمنة: هيمنة الله، ورسوله، وأوليائه؛ على فكرنا وقلبنا في تلك البلاد، أثناء: النوم، والأكل..الخ.. خاصة أن جو الحج جو اجتماعي، وطبيعة المعاشرة في موسم الحج ملهية، وتقسي القلب، ولاغية؛ مما يشجع على أن يعيش الإنسان جو الغفلة.

36. إذا انتابتك حالة الرقة الشديدة في موقف من مواقف الحج، اطلب من الله المعية الدائمة، فثمرة الطاعات: الإحساس بالقرب الدائم.. فهنيئاً لمن يعيش القرب الدائم!.. فإنه يعيش مشاعر الطواف، ومشاعر الوقوف في عرفة وهو في وطنه.. ليس بنفس الدرجة من الشدة، ولكنه بشكل مقارب.. فإنه يكتسب بذلك حياة فيها حلاوة جديدة، ليس فيها وحشة أو غربة!..

37. إن الله -عز وجل- يُحب أن يغفرَ، ولكن لا يحب أن يُعْصَى!.. ولو حصل أن عُصي جهلاً، فالله -عز وجل- يُحِبُ أن يغفرَ، ولا ملازمة بينهما.

38. لو أجرينا مقارنة سريعة بين التقلب في عالم الطبيعة، والتقلب في عالم الأنفس والأرواح؛ لرأينا أن التقلب في عالم الطبيعة؛ تقلب مستند إلى الله عز وجل؛ وهو تقلب مدروس وحكيم، لهدفٍ ما.. فلو كان هناك فصل واحد فقط طوال السنة -مثلاً- لما تيسرت أمور الزراعة في عالم الأرض.. أما تقلب الإنسان فهو مستندٌ إلى الإنسان نفسه، وإلى الأهواء والشياطين، وإلى حالة الكسل والفشل، وإلى حب الركون إلى الدنيا والدعة، يقول تعالى: ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ﴾!.. فإذن، إن التقلب في الطبيعة يكون نحو هدف محدد، ولصالح العباد والبلاد.. ولكن التقلب في عالم الأنفس؛ قضية بيد الإنسان؛ لذا علينا أن نتحكم في هذه العوامل!..

39. عندما لا يمتلك الإنسان استراتيجية واضحة في الوجود، وليس عنده معرفة بخالق هذا الوجود، ولا يعلم موقعه في الطبيعة، وفي العالم.. هل هذا الإنسان يتأثر إذا ما ذهب إلى العمرة، أو إذا ما استمع لخطيب مؤثر؟!.. وإن تأثر فإن التأثر هنا يكون مرحلياً؛ لعدم وجود استراتيجية باطنية في الداخل.

40. إن بعض فلاسفة المسلمين، يؤكدون أن الذي يخوض في الفلسفة الإسلامية الصحيحة -إلى حد ما- يتبين له موقعه من هذا الوجود -صيرورة العالم السفلي مضاهياً للعالم العلوي-.. فلابد أن يعلم الإنسان مكانه ومساره من هذا الوجود.

41. إن الإنسان المؤمن له وتيرة ثابتة، قد ترتفع الوتيرة في شهر رجب، أو في الحج، أو في جوف الليل، أو في القنوت في الشفع والوتر.. يتكلم مع الله -عز وجل- فيرتقي، وكما ورد عن إبراهيم الخليل (ع) عندما كان يدعو الله عز وجل، كان له أزيز كأزيز المرجل، من شدة التضرع، والبكاء، والانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى.. هذه حالات استثنائية!.. ولكن المؤمن يبقى في أدنى حد من حالات الارتباط بالله سبحانه وتعالى.

42. إن الإنسان في حال الركون أحوج ما يكون إلى الدعاء، لأن سياسة الرب مع العباد عادة: أن يأتي بالشدة بعد اليسر.. فالمؤمن إذا استوثقت أموره، وعاش حالة الارتياح العائلي والمادي والوظيفي والاجتماعي، وأراد أن يركن إلى ذلك، وإذا برب العزة والجلال يُتْحِفُ عبده المؤمن بما يؤرق مضجعه، ويسلبه حالة السبات؛ لئلا يركن إلى واقعه!.. فالإنسان المؤمن الذي أقبلت عليه الدنيا، إذا كان يعيش حالة الذكر الدائم؛ فهذا الاستحضار الدائم مما يخفف البلاء.. لأن البلاء إما للتذكير، وإما للتعويض.. فإذا لم يرتكب خطأ، وكان على ذكر دائم؛ فالله -عز وجل- يجعله في حالة من اليسر!..

43. إن الإنسان في الجمع قد يناجي، وقد يتفاعل، وقد يعيش في أعماق وجوده شيئاً من إلفات النظر، ولو كان هاجساً.. والإنسان بأدنى هاجس، قد يظن أنه أصبح مرائياً، فيترك العبادة والمناجاة والبكاء بدعوى أن هذا رياء.. والحال أن هذا من خطوات الشيطان، ليمنع الإنسان من المناجاة، والبكاء بين يدي الله عز وجل.

44. إن من موجبات سلب الالتذاذ المعنوي؛ التوغل في الالتذاذ المادي، والمبالغة فيه.. لذا عند ممارسة الالتذاذ المادي في أي مجال كان، المؤمن يحاول أن يمزجها بذكر الله عز وجل: بالتسمية، والتحميد، والاستغفار بعدها؛ لأنه انقطاع عن الله عز وجل.. ولا بأس أن يعود الإنسان مرة أخرى، من خلال التدبر والتأمل، والاستغفار بقيام الليل، أن يعوض ذلك.

45. إن من موجبات سلب لذة المناجاة؛ مخالفة المضمون.. فالإنسان عندما يعاهد الله -عز وجل- في المناجاة، أو في الاستغفار بعدم العودة ثم يعود؛ كيف يشعر بلذة المناجاة؟.. فالمناجاة ليست ألفاظاً فحسب!.. هي معاهدة مع الله عز وجل، وإعلان موقف، فإذا لم يلتزم بذلك؛ فإنه من الطبيعي أن يُسلب لذة المناجاة!..

46. هناك ثلاث درجات للخشوع: الخشوع الفكري؛ وهو المشي مع مضمون المناجاة.. والخشوع القلبي؛ وهو البكاء.. والتخشع؛ وهو التظاهر بمظهر الخاشعين.

47. إن سر عظمة الإمام علي (ع)، أنه حول الدعاء إلى عنصر فعَّال في الحياة.. فالدعاء المبتور الذي لا يرتبط بحركة الحياة، ما هو إلا رهبانية قام بها النصارى في أديرتهم، وجاء النبي (ص) ليُعلن بفعله أنه (لا رهبانية في الإسلام).

48. إن المقاتل في ميدان القتال: يُحارب ويُقاتل، والسلاح بيده، ومعه جهاز يتصل بالقيادة، يأخذ منها الأوامر!.. والدعاء في حياة المؤمن، بمثابة ذلك الجهاز اللاقط الذي يوجه المؤمن في الحياة.. والذي لا يُقاتل ولا يُجاهد، ما قيمة دعائه الذي يتحول إلى أنين في جوف الليل، من دون أن ينعكس إلى سلوك في النهار؟!.. (رهبان بالليل، ليوث بالنهار)؛ هذه صفة أصحاب الإمام المهدي (ع).

49. إن النظر إلى الدعاء على أنه أداة لتفريج الكرب هو أثر، ولكنه ليس بهدف!.. فمن الخطأ أن ننظر إلى الدعاء على أنه تفريجٌ لهمّ، مثلاً: لو أن إنساناً يتصل بك يومياً، ويقوم بزيارتك، ويُتحفك بالهدايا القيمة.. وأنت تعلم أن يقوم بذلك طمعاً في مالٍ، أو في جاه، أو في وساطة ما.. فهل تُقربه إليك زُلفى؟.. وهل تتخذه خليلا؟.. وهل ترد إحسانه بالإحسان؟.. أم أنك تنظر إليه على أنه إنسان نفعي، لا يُريد منك إلا المال وقضاء الحاجة؟!..

50. لا ينبغي للمؤمن أن يعيش حالة من التفوق الكاذب، بمجرد: صلاة، أو قراءة للقرآن، أو دعاء، أو إقبال.. الفلاح لا يفرح بنزول المطر فحسب، ولا يفرح بمجيء الربيع فحسب!.. بل يفرح إذا اقترن الربيع والمطر بالبذرة في الأرض، إذا كان باذراً، وحارثاً، ومقلباً للتراب، ومراقباً، ومُراعياً؛ ينظر إلى السماء: متى تُرعد؟.. ومتى تُمطر؟.. كذلك الذي لا عمل له، ولا قوام لشخصيته، والذي لا برنامج له في حياته؛ عليه ألا يفرح بهذه الإقبالات الكاذبة.

51. إن البعض يبحث عن اللذة الروحية.. بعض الأحيان الإنسان يدعو للذة في الدعاء، وقد يكون في تلك اللحظة هناك واجبٌ آخر: من صلة رحم، أو تفقد فقير؛ أو يتيم، أو أهل، أو ولدٍ، أو أمرٍ بمعروفٍ ونهي عن منكر.. فيلجأ إلى الدعاء، لا لأن الله -عز وجل- يُحبُ الدعاء، إنما لكي يعيش حالة التلذذ.. يُقال في اصطلاح أهل العرفان والأخلاق: "البحث عن حظوظ النفس".. بينما الإقبال واللذة والاستئناس بالدعاء، ليست من الأمور التي يبحث عنها المؤمن لذاتها، ولكن المهم أن يكون في هيئة الداعين!..

52. قد يلتزم الإنسان لتيسير الرزق، بقراءة سورة الواقعة كل ليلة، ويبقى مستيقظاً بين الطلوعين، ويلتزم ببعض الأختام المأثورة وغير المأثورة.. ولكن هذا لا يُغني عن العمل، والتدبر، والتفكير.. فالمؤمن يخطط لحياته، ويبحث عن فُرص العمل.. أي يكون ساعياً في مناكب الأرض، ثمَّ يدعو.. البعض يدعو وكأنه جعل الله -عز وجل- نائباً عنه.. التفويض أمرٌ جيد!.. ولكن تفويض العامل، لا تفويض المتكاسل.. فالمزارع إذا فوّض أمره إلى الله -عز وجل- ولم يعمل ما عليه؛ تستهزئ به الملائكة.. فإذن إن التفويض يجب أن يقترن بالسعي!.. بل أن الدعاء الكثير، قد يحجب الإنسان عن العمل، والتدبر، والتفكير في بعض الأوقات.

53. إن الدعاء الفصلي، من صور سوء الأدب مع رب العالمين!.. كأنه يقول: يارب، أعبدك لتعطيني حاجتي.. فإذا أعطيتني حاجتي، فلا شأن لي معك.. هذا طبعا بلسان الحال، لا بلسان المقال.. أما بلسان المقال، فهذا كفرٌ يُوجبُ الارتداد!..

54. إن البعض لا يسبح إلا بمسبحة خاصة، فإذا فقد المسبحة؛ توقف عن التسبيح.. ولا بد أن يصلي في زاوية خاصة في المنزل، وإذا لم يصل في تلك الزاوية؛ لا يخشع.. ولابد أن يدعو في مسجدٍ معين، وخلف إمام معين، وفي جوٍّ معين.. هذا أمرٌ غير صحيح!.. المؤمن يجب أن يتحرر من كل هذه القيود!..

55. إن هناك ثغرة متعارفة في حياة السالكين إلى الله عز وجل، ألا وهي أن من يريد تهذيب نفسه، ويتخصص في عالم السالكين إلى الله عز وجل.. يعيش جو المحبة الإلهية الخالصة، ويُكثف من عنصر المراقبة في حياته اليومية، فيبدأ بدايةً لا بأس بها!.. وبعد فترة من انكشاف الحُجُب، وتذوق حلاوة ما وراء الطبيعة، وإذا به يتقوقع، وتتحول حياته إلى صومعة حسية ومعنوية.

56. إن الأئمة (ع) يُريدُنا منا أن نحول الدين إلى ممارسة، لا أن يكون الدين مجموعة من النظريات في عالم الذهن فقط.. فنتغنى بالدين، وبذكر ربِّ العالمين من خلال مناجاة خاشعة في جوف الليل؛ فهذا لا يُغني عن العمل أبداً!..

57. إن هناك فرقاً بين الخلاف والاختلاف، بعد المشرق عن المغرب!.. لك أن تختلف، ولكن ليس لك أن تخالف!.. لك أن تُبدي وجهة نظرك، ولكن لا تتخذ موقفاً عدائياً من صاحب قول أو فكرة!..

58. ينبغي أن نعتقد بحقيقة النفحات، ولا ننكر هذه الحقيقة في حياتنا.. والدليل على ذلك من القرآن الكريم، حيث هنالك عدة آيات تؤكد على هذه النقطة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾؛ معنى ذلك أن هنالك فضلاً، وهنالك رحمة؛ تُسدد الإنسان المؤمن.. هذه نفحة تتجلى على شكل إقبال في العبادة تارة، وعلى شكل منع وصد عن الحرام تارة أخرى.

59. يقول تعالى: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾، طالما لاحظنا بعض الشباب المراهقين المنغمسين في اللذائذ، لوقفة مع رب العالمين: في عبادة، أو في عمرة، أو في حج، أو في إحياء، أو في صلاة خاشعة.. وإذا به يمج ويكره ويستقذر ما كان يألفهُ قبل قليل؛ هذه نفحة خاصة من نفحات عالم الغيب، تهب على نفس وقلب المؤمن أو المسلم.

60. إن الإنسان قد يصل إلى مرحلة من المراحل، فيشتغل بعلمه عن المعبود، ويشتغل بالعلم عن مصدر النور!.. وذلك بمثابة إنسان يذهب إلى قصر السلطان، ليكون نديماً لذلك السلطان ومرافقاً له، وأنيساً له وبه.. ولكن بدلاً من أن يذهب إلى قاعة اللقاء، وقاعة الأنس والقرب؛ يذهب إلى مكتبة قريبة من ذلك القصر الملكي، ليبحث عن: تاريخ السلطان، وكلماته، وأقواله، ونسله، وكيفية تركيبة قصره.. فيقضي عمره في تلك المكتبة، ولم يذهب يوماً واحداً للقاء ذلك السلطان.

61. إن هنالك فرقاً بين الباحث، وبين عامة الرعية الذين يلعبون في الشوارع مثلاً.. فالتعرف على الملك في مكتبته؛ مقدمة للذهاب إليه، نذهب للمكتبة لنعلم من هم ندماء السلطان، وكيف نصل إليه، وما هو الباب الموصل؟!.. فإذا كان الذهاب إلى المكتبة بهذا العنوان، فنعم الذهاب، إنه ذهاب مبارك!.. وإلا فإن المكتبة تتحول إلى حجاب نوري، هو نور ولكنه حاجب!..

62. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾.. المرآة العاكسة للشمس، فيها خواص الشمس بمقدار مرآتيتها.. كلما صفت المرآة؛ كلما انعكس هذا النور.. فكل مؤمنة هي مشروع لأن تكون هذه المرآة الإلهية، والمرآة تعكس ذات النور.. في قانون الفيزياء: النور بنفسه ينكسر؛ لأن ذلك نور صادر من المرآة.. نور الشمس يأتي إلى المرآة العاكسة، فيغير من اتجاهه.. فالنور هو النور!.. يا لها من سعادة لهذه المرآة، التي تعطينا نور الشمس بواسطة!..

63. إن ارتفاع سقف الهمة، هذا أمر لابد أن نفكر فيهِ جيداً.. فالذي لهُ همة عالية، لا يقنع بالدرجات البسيطة.

64.  إنّ القرآن هو الثقل الذي أودع في هذه الأمة، ومن كان خلقه القرآن فهو من الفائزين؛ وإلاّ فإنّ عليه أن يراجع حسابه!..

65. يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}؛ المؤمن لا ينظر إلى عالم الوجود بنظرة سوداوية، وإنما بنظرة بيضاء.. حيث أن كلّ ما في الوجود يذكره بالله عزّ وجل، لذا فهو رفيق بكلّ خلق الله عزّ وجل.

66. عندما نراجع سيرة النبي (ص) والأئمة (ع) ونرى كيف أن لطفهم أيضاً كان يشمل الحيوانات، لانتابنا شيء من الذهول.. فهم يرون كلّ ما في الوجود من صنع الله عزّ وجل؛ وذلك لأن من أحبّ أحداً أحبّ صنعه.. يعيش الإنسان أول أيام الزواج، حالة عاطفية جياشة، فإذا قدّمت له الزوجة طعاماً غير شهي، فإنه يجده أشهى من أرقى مأكولات العالم؛ لأن هذا الحبّ الذي وجد في قلبه، يسري في كلّ شيء!..

67. إن الذي يعيش الحب، تنقدح عنده شفقة عجيبة على المخلوقين، بل حتى على العصاة.. هذا الإحساس رأس مال كبير جداً، في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ.. حيث أن هناك فرقاً بين إنسان يدعو إلى الله -عز وجل- من منطلق الفوقية، أي يعظ الناس: هذا حرام، وهذا لا يجوز.. وكأنّ له مقعداً محجوزاً في الجنة، والحور العين تنتظره، والناس كلهم في قعر جهنم، يريد أن ينتشلهم واحداً، وحداً.. وبين إنسان يدعو إلى الله -عز وجل- وله حالة من حالات الشفقة الشديدة على المخلوقين.

68. إن النظرة الأخوية تجعل الإنسان يتألم للخلاف بين المؤمنين، ولهذا إن أمكنه الإصلاح بين ذات البين، أقدم وإلا دعا بكلّ حرقة.. نحن مشكلتنا لا نعتد بالنية، بينما الحديث الشريف يقول: (نية المؤمن؛ خير من عمله)، والآية الكريمة تقول: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}.. هل يسعى الإنسان في قضاء حوائج أخوانه؟.. قال رسول الله (ص): (من عمل في تزويج حلال حتى يجمع الله بينهما؛ زوّجه الله من الحور العين، وكان له بكل خطوةٍ خطاها، وكلمةٍ تكلّم بها عبادة سنة).. من زوج مؤمناً، سواء تمت الصفقة أو لم تتم أخذ الأجر.. وهكذا في إصلاح ذات البين، عندما يصلح بين الطرفين المتخاصمين، أو يحاول الإصلاح؛ فإن ربّ العالمين يعطيه أجر المتصالحين.
 
69. إن الله -تعالى- يقول في كتابه الكريم: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ}.. المؤمن يعيش دائما حالة الخوف من الانقلاب في حياته، هذا الخوف أمانة أكيدة على أن لا يتعدى على أحد بقلبه.. فمن الأمور التي تصدّ عن السبيل، أن يعتقد الإنسان أنه خير من الآخرين؛ لمجرد أنه في جوف الليل جاءته الرقة، وصلى صلاة الليل بتميز؛ وإذا به يعيش طوال السنة، في حالة العجب والغرور!.. أو لأنه توفق للحج، أو العمرة مثلاً!..

70. إذا أحس الإنسان في قلبه بوادر العجب والاستعلاء، فليكسر هذا الشعور بمطرقتين: المطرقة الأولى: عدم الركون إلى الماضي.. والمطرقة الثانية: الأمور بخواتيمها.

71. إن مشكلتنا نحن، أنه لا نملك الخارطة الذهنية المنضبطة.. فالذي يحرك الإنسان في الحياة، هي الصور الذهنية عن الأشياء، وعن الأشخاص.. وإلا ما الذي يجعل الشاب يتقدم لفتاة معينة؟.. لأن الصورة الذهنية لها في ذهنه؛ هي صورة جميلة، يراها: مؤمنة، وتقية، وورعة، وخلوقة،...الخ.. ولكن يحصل الخلاف من الأسبوع الأول، لأن الصورة الذهنية قد اختلّت، فهو لا يتعامل مع واقع الفتاة.. هل هناك من يتعامل مع واقع زوجته على أنها: زوجة لها وجود، ولها كيان؟.. الإنسان لم يكتشف نفسه، فكيف بزوجته؟..

72. إن المؤمن يحاول أن ينظف ويهذب الصورة الذهنية عن الأشياء.. فالذي يدّعي أنّ الشيطان يدفعه للحرام دفعاً بدنياً، هذا إنسان غير صادق.. الشيطان لا سلطة له على الأبدان، ولكن له سلطة على عالم النفس، وهنا بيت القصيد.. الشيطان يتدخل في هذه الخارطة الذهنية، ومن هنا يأتي سوء الظن، ومن هنا يأتي الوسواس.. إنه لكارثة أن يتحوّل الدين إلى وضوء وغسل وتيمم فقط من الصباح إلى المساء، هؤلاء يخشى عليهم من الكفر بالله في يوم من الأيام!.. لأن هذه الوسوسة ظاهرها احتياط: إعادة وضوء، وغسل، وصلاة.. ولكن في يوم من الأيام، قد ينجر إلى الكفر بالله العظيم.

73. إن الإنسان -في بعض الحالات- يغلب عليه الوهم والظن، حتى أنه يرى الواقع كما هو يظن {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.. لذا، يجب التحكم في الواردات القلبية، فالمؤمن له أذنان: أذن رحمانية، وأذن شيطانية.. والذي يثير -مع الأسف- في بعض الحالات، أنّ مؤمناً يعتقد بأحد سوءاً، وإذا به يرتب الآثار على ذلك الاعتقاد.. يقول: هكذا وقع في قلبي.. هل قلبك متصل بالوحي، كي ترتب الآثار؟!.. فالمؤمن إذا فتح على نفسه باب الوهم؛ لا يتوقف على شيء.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن يعيش حالة من حالات التعقل، (المؤمن كيّس فطن)، المؤمن كله عقل، كله فهم.

74. إن مشكلتنا في الحياة هي الإدبار بعد الإقبال!.. فالبعض يصاب بانتكاسة روحية مروعة.. والحلّ هو أن نتعدى من عالم المعلول إلى عالم العلة.. فالمشكلة أنه لم نعمل بانسجام بين البواطن والجوارح.

75. إن هنالك حكومة في وجودنا، هي حكومة العقل؛ ليس المقصود العقل بالمعنى العرفي: هنالك قلب، هذا القلب يحمل الخصائص العاطفية: يحبّ ويبغض، يأمل ويرجو، ييأس ويطمئن؛ هذه أمور من جنس القلب {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الإيمان كله في هذه الزاوية.. وعندنا جوارح؛ أي هذه الأعضاء: الرجل، واليد، والأذن، والسمع، والحواس الخمس، والبعض يضيف إليه حاسة سادسة.. المشكلة أن الخارج يقول شيء، والباطن يقول شيء آخر.. وكمال الإنسان، كلّ الكمال أن يتصالح عقله مع قلبه.

76. إن القلب إذا تبنى الشريعة، وتبنى حكم العقل؛ عندئذٍ سفينة التكامل لا تقف إلا على مرسى وميناء النجاة، وهو مرسى اللقاء الإلهي.. ولهذا القرآن يقول في سورة الحجرات: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}.. الشيطان اللعين الرجيم، له يد طويلة في نفوسنا وفي قلوبنا؛ وربّ العالمين ليس له دور؟.. أعطى الحرية لإبليس يلعب في قلوبنا، يحبّب إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ويزيّن لنا الشهوات؛ وربّ العالمين خالق إبليس، ربّ العالمين أرأف بنا من أنفسنا، ما جعل لنفسه دورا - أعوذ بالله- يتدخل في قلوب الناس؟!..

77. إن كمال الجوارح بالطاعة، كما أن كمال العقل: بالتأمل والتفكّر، والقراءة، وتفسير القرآن، والحديث، وعالم المطالعة والعلم.. فإن قوت عالم القلب: التوجه، ومحبة الله وأوليائه.. القلب الذي يحمل حبّ الله -عزّ وجل- هذا القلب سيتصرف فيه ربّ العالمين بأنه عرشه.. هل هناك أحد يحبّ الله أفضل من النبي وآله (ع)؟.. لماذا يقال: أن محبة أهل البيت (ع)؛ مدعاة للنجاة؟.. ورد في الحديث الشريف: (حب علي حسنة، لا تضر معها سيئة)؛ وقد قال أحد العلماء في تفسير هذه الرواية: (إن حب علي يحول بين الإنسان وارتكاب المعصية، لا أن المعصية المرتكبة لا تضر).. والحبّ له قواعد، هناك حبّ صادق، وهناك حبّ كاذب.

78. لنكون منصفين مع أهل البيت (ع) الحبّ الصادق بكلمةٍ واحدة: هو الحبّ الذي يترجم في مقام العمل.. هناك عواطف، وهناك جوارح.. الحبّ الذي يتعدى إلى الجارحة؛ هذا هو الحبّ الصادق.. وإلا إنسان يلهج بذكر أهل البيت (ع)، وقد يكون رادوداً، وقد يكون موفقاً وناجحاً مثلاً، ولكن ما الفائدة إذا لم يترجم هذا الحبّ في مقام العمل؟.. إن الذين عندهم حبّ كاذب، يعوّلون على الشفاعة اللامعقولة، الشفاعة التي لا ضوابط لها، الإمام الصادق (ع) في ساعة الاحتضار، جمع أهل بيته وبيّن لنا قاعدة من قواعد الشفاعة قال (ع): (إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة).. وعليه، فإن القضية لها ضوابط، ولها قواعد.. علينا أن لا نجعل القضية في دائرة غير منضبطة، فهذا ليس من ديدنهم (ع).

79. إن الكلام والحديث أمرٌ ممكن السيطرة عليه، ولكن ماذا نعمل بطبلة الأذن؟.. هذه الطبلة المفتوحة على مدار الساعة، الطبلة هذا الجهاز الذي يتحرك مع كلّ موجة حقاً كان أو باطلاً.. ومن هنا من الأشياء الصعبة على المؤمن أن يتحكم في نفسه في هذا المجال!..

80. إن المؤمن عنده خاصية استشعار قلبي، ينظر في المجتمع: ما الذي يحدث، وما الذي يجري؟.. من أشدّ الأمور التي تؤذي المؤمن، حالات الخلاف بين المؤمنين؛ لأن الخلاف بين المؤمنين أشبّه بالمستنقع، إذا انقطع عنه الماء يخرج منه كلّ ما هبّ ودب.. إذا صار الجو هكذا بين المؤمنين -جو خلاف- فكل شيء متوقع حتى القتل!..

81. إن على الإنسان أن لا ييأس من روح الله -عزّ وجلّ- وليحاولْ أن يتلّمس بنفسه.. وهنا لابد أن نقرر حقيقة، وهو أنه علينا أن نجتنب تفسير القرآن الكريم بالرأي، هذه نقطة خطيرة أن يقول إنسان: أنّ ربّ العالمين يريد من الآية كذا وكذا بنحو القطع.. دائماً في تفسير القرآن الكريم، نحاول أن نجعل الكلام هكذا: "ومن الممكن أن يستفاد من هذه الآية".. أما أن نجزم بالتفسير، فهذه نقطة ينبغي التوقف عندها.

82. إن البيئة الإيمانية لا تكفي لتربية الفرد، بعض الناس يرى وكأن المسجد يصنع معجزة؛ أي بمجرد أن يذهب الإنسان إليه، فإنهُ يصبح ولياً من أولياء الله.. القضية ليست بهذهِ البساطة، حيث أن هناك أموراً معقدة، منها: شياطين الجن والأنس، والهوى.. فأبناء يعقوب كانوا في بيئةٍ صالحة بلا شك، وأي بيئة أفضل من بيئة نبي اللهِ يعقوب (ع)!.. ولكن هذهِ البيئة برمتها، لم تنتج أناساً صالحين.. فالأغلبية كانت أغلبية غير طيبة، أحد عشر ولداً، اجتمعوا على قتل أخيهم يوسف حسداً.

83. إن الأغلال يوم القيامة، هي عذاب حسي؛ ولكنّ هنالك عذاباً معنوياً وروحياً يوم القيامة، لا يقل عذاباً عن العذاب المادي.. فالعذاب النفسي يكون في إعراض رب العالمين عن العبد، فهو يريد أن يتكلم مع رب العالمين، ويناجيه في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى المناجاة، ولكن يأتي الجواب: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}؛ هذا اللفظ يستعمله الإنسان للحيوان النجس!.. ورب العالمين، رب اللطف والكرامة، الذي سبقت رحمته غضبه، وإذا به يستعمل هذا اللفظ لأهل جهنم عندما يستغيثون به.. بينما في الحياة الدنيا، كان يستجديهم فيقول: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، و{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.. هذا الإله الذي ينادي في أسحارِ شهرِ رمضان: (هل من تائب فأتوب عليه؟.. هل من مستغفر فأغفر له؟.. هل من سائل فأعطيه)؟..

84. إن الحزن، والعاطفة، والتفاعل مع مشاكل الأولاد؛ هي سبب في جلبهم إلينا.. إذا أردت أن تحدث علاقة صداقة متينة مع إنسان، وتدخل إلى قلبه؛ إذهب لزيارته في وقت يحب أن يزار فيه كالمستشفى مثلاً، في هذا المكان الموحش.. بهذهِ الحركة العاطفية، تدخل عليه الفرح.. وخاصة إذا أبديت الحزن والأذى.. وكذلك بالنسبة للزوج الذي لديه علاقة متوترة مع زوجته، يحاول أن يرفق بها في مثل هذهِ الساعات.. بلا شك أن ذلك من موجباتِ انفتاح أبواب القلب، وخاصةً أن المؤمن لا ينسى إحسان الآخرين في حقه أبداً!..

85. إن هناك فرقا بينَ الهواجس الشيطانية، والهواجس النفسية؛ وبينَ ما استقر في القلب.. الإنسان لا يؤاخذ بهواجسه، الهاجس يأتي ولكن لا تجعلهُ يستقر في نفسك {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}، فالمؤمن إلى أن يموت وهو يعيش هذهِ الهواجس.

86. إن علاج الحسد يكون بعدة أمور منها: أن تهدي هدايا للمحسود، وأن تصرف نفسكَ عنه، وألا تلتقي به.. وهناك علاج آخر، وهو أفضل من كل ما سبق؛ ألا وهو التسديد من رب العالمين، فبعملية جراحية في العمق، يقتلع هذهِ الغدة السرطانية، ويلقيها جانباً في ليلة واحدة.

87. إن المقياس للقبول عند الله -عز وجل- هو كمال العقل للإنسان، وهذا العقل يكتمل بثلاثة طرق: أولاً: التدبر، والتفكر، والتعقل.. ثانياً: التلقي من الوحي.. وثالثاً: من تجارب الحياة، وخاصة بعد المعاناة.

88. إن المؤمن لا ينفك في حياته من التزود الدائم من آيات القرآن الكريم، والذي لا صلة له بالقرآن، وسنة النبي وآله؛ هذا إنسان من الممكن أن يبتلى في الحياة بحالة من التخبط الفكري، والغموض في مجال فهم العقيدة.. والكثيرون طوال التاريخ انحرفوا عن الطريق لا تعمداً، وإنما لعدم فهمهم الطريق الصحيح للسير إلى الله تعالى.. وهذا الذي يفسر لنا وجود الطبقات والفئات المنحرفة الكثيرة في حياة الأمة الإسلامية، ممن خرجوا على إمام زمانهم، واتخذوا طرقاً للوصول إلى الله عز وجل، ولكنها طرق منحرفة: فيها رهبانية، وعزوف عن حركة الحياة، وإهمال للأمور الاجتماعية؛ كل ذلك من آثار عدم اتخاذ القرآن الكريم منهجاً في الحياة.

89. إن الناس في الحياة الدنيا لا يمتازون، فالصالح بجوار الطالح، أما الفصل فإنه يكون في عرصات القيامة.

90. إن الدرجات القصوى للعين البرزخية، قد لا نصل إليها بسهولة.. فقط الأولياء الصالحون الذين أحرزوا الرتب العليا في العبودية؛ يمكنهم أن يروا ما لا يراه الآخرون.

91. إن المعرفة التي تتلاقح بين بني آدم، حيث تنتقل المعلومة من الشخص العالم إلى الشخص الجاهل؛ وهو النبط المتعارف في الجامعات وفي الحوزات؛ تسمى المعارف البشرية.

92. إن الإنسان قد لا يفهم، أن هنالك باباً من الرحمة منفتح عليه.. ولكن البعض منا يتفاجأ في بعض الحالات، وإذا بإلهام أو فكرة مرتبة بكل مقدماتها وتفاصيلها، تنزل عليه دفعة واحدة، (اللهم!.. يا سبب من لا سبب له، يا سبب كل ذي سبب، يا مسبب الأسباب من غير سبب)!.. ليس الأمر منحصراً في عالم الأرزاق المادية، بل أيضا الأرزاق الفكرية والمعرفية، مندرجة تحت هذا الباب.

93. إن من رحمة الله -عز وجل- هي إرسال النبي (ص) للأمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، ولكن رحمة الله -تعالى- أين، ورحمة النبي (ص) أين؟.. النبي شعبة من شعب الرحمة الإلهية، لله أنبياء وأوصياء وكتب، ومن أعظم شعب الرحمة النبي (ص).

94. إن قراءة الدعاء قبل قراءة القرآن الكريم حركة جيدة، وفي بعض المصاحف يوجد في الصفحات الأولى أدعية لأهل البيت (ع).. فمن أجل فتح الأبواب، يقرأ الإنسان الدعاء، وكأنه يقول: يا رب، افتح الغشاوة عن ذهني هذه الساعة، كما في بعض الأدعية: (اللهم!.. افتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك؛ برحمتك يا أرحم الراحمين).. وأفضل موضع لقراءة هذا الدعاء، هو عند قراءة القرآن، ولا نستبعد أبداً أن يكتشف الإنسان معانٍ من القرآن الكريم، لم يكتشفها حتى كبار المفسرين.

95. إن النظر إلى السراج الوهاج، وإلى المطر النازل، والبحر الهادر.. كل ذلك من موجبات تعميق روح العبودية، والارتباط بالله سبحانه وتعالى.

96. إن المطر في حد نفسه معجزة إلهية، رغم أن حقيقة السحب أنها تتفاعل وتتكثف، ثم تأتي الرياح ثم البرق والرعد.. فعالم السحاب علم يدرس في الجامعات، عالم عجيب غريب!.. كتل الثلج التي بين السماء والأرض، رب العالمين ينزلها قطعاً، ولو أنزلها دفعة واحدة لمات الناس.. ولكن بتكرار النظر أصبحنا لا نعيش هذا الإعجاز الكوني، وهذا اللطف الإلهي.. ثم هذه المياه تتغلغل في الأرض، ثم تخرج مرة ثانية من هذه الينابيع التي نراها متدفقة؛ فيد اللطف الإلهية سارية في كل شيء.

97. إن الذي يشهد: أن لا إله إلا الله؛ يكون مسلماً.. والذي لا يرى في الوجود مؤثراً إلا الله؛ يكون مؤمناً.. عندئذ رب العالمين يريه من آياته الكبرى.

98. إن المفاهيم والأعمال في الدنيا مختلطة مع بعضها البعض، والإنسان لا يميز السبيل كما يجب.. نحن في الدنيا لم نستعمل الميزان الإلهي، لذا لنحاول جميعاً قلع العين الباطنية النفسانية الذاتية، ونجعل مكانها عيناً إلهية برزخية، ترى الأمور بمقياس آخر.

99. إن الحب غير موجود في الفرائض، والقرب غير موجود بالنوافل.. فالحب شيء، والقرب شيء آخر.. لو أن إنساناً خارج القصر الملكي، وأراد أن يتقرب إلى السلطان؛ عليه أن يجتاز الموانع.. فعندما يتحقق القرب تنتهي الحركة، ثم تبدأ الحركة الروحية الباطنية، وهو إيجاد علاقة باطنية بينه وبين من يحب.

100. إن المتقرب إلى الله -عز وجل- له وجود مستقل، يرى في نفسه كياناً، يرى في نفسه وجوداً.. يقول: أريد أن أصل هذا الوجود المحب المتميز؛ وهو الأنا إلى رب العالمين.. والمحب يذوب في محبوبه، ولا يرى لنفسه وجوداً، وإلا ما عاد محباً، بل أصبح متقرباً فقط.. والتقرب شيء، والحب شيء آخر.. إن الحل الأساسي؛ يكمن في تفريغ الفؤاد من كل شيء.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج