100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الشياطين تجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، لذلك يجب أن نستعيذ بالله من الشيطان عند تلاوة القرآن الكريم، يقول تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.. لأن الشياطين عينها على الإنسان الذي يتلو القرآن، وتخشى من انتقال المعاني البليغة التي في القرآن إلى قارئه.

2. إن مواعظ القرآن مواعظ سلسة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}، فالذي يفتح مسامع قلبه للقرآن الكريم؛ فإنه سيكون له تأثير تكويني على النفوس.. ولعل البعض لم يلتفت أن رب العالمين جعل في القرآن خاصية الشفاء، كما جعل خاصية الشفاء في العقاقير الطبية.. هذه الأدوية والإبر المسكنة من بركات رب العالمين، ولكن بني آدم كفر بهذه النعمة، وحول هذه المواد المعينة على الشفاء إلى مواد تجلب له الشقاء.

3. ما المانع أن يجعل رب العالمين في بعض الآيات خاصية الشفاء، وهو الذي جعل الشفاء في العسل، والعسل كما نعرف هو عبارة عن فضلات نحلة؟!.. القرآن الكريم أيضاً ينزل ما فيه شفاء، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}؛ ولكن انتبهوا إلى تتمة الآية: {وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا}.. فالآية التي هي آية شفاء، بمثابة العقاقير التي هي للبعض شفاء ومسكن، وللبعض شقاء وإدمان.

3. إن الإنسان الذي يقرأ القرآن بنية الاستشفاء، عليه ألا يقرأه بالطريقة التجارية التي هي رائجة هذه الأيام، وكأن القرآن أنزل لكي نقرأه على الصداع والمغص، فحولنا كتاب الله -عز وجل- من كتاب هداية إلى محل عقاقير كالصيدليات.

4. إن الشفاء الأول الأساسي للقرآن، هو شفاء الصدور، وشفاء ما في القلوب من أمراض.. نعم، بعض الآيات رب العالمين جعل فيها خاصية الشفاء لبعض الأمراض هذا الأمر جانبي.. فالأنبياء ما جاءوا لعلاج الناس من الأمراض البدنية، وقد ورد في رواية عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (إن نبياً من الأنبياء مرض فقال: لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني.. فأوحى الله عز وجل: لا أشفيك حتى تتداوى، فإن الشفاء مني والدواء مني.. فجعل يتداوى فأتى الشفاء).. هذا هو الطريق الطبيعي، فإبراهيم الخليل (ع) عندما كان يمرض، كان يراجع الطبيب، ولكن شعاره: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}.. هو الشافي، وهو العالم بالأسباب؛ ولكن هذا لا يعني ألا يراجع من هو وسيلة للشفاء.

5. إن هنالك موجودات مقدسة مباركة، والنصوص تدل على أن السموات بمثابة محطات الجمارك، ما نعمله يصعد إلى السموات، والملائكة تغربل وتنقح وتنتقد بعض الأمور، فلا تصعد إلى أعلى.. ولهذا نقرأ في دعاء كميل: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء).. فالدعاء الذي لم يصعد للعرش كأنه لم يصدر، ولهذا الإنسان قد يدعو دعوات بليغة لا تجاب؛ لأن الدعاء لا يبلغ وإن كان رب العالمين سمع الدعاء، ولكن رسمياً الملف لم يقدم إلى أعلى عليين.

6. إن من أهم مزايا الشهر الكريم، هو أن الإنسان تصبح له حالة من الأنس المضاعف، إن كان له أنس في غير شهر رمضان.. وإذا لم يكن له أنس بالقرآن الكريم؛ فإنه يصبح هنالك حالة أنسية بكتاب الله عز وجل.

7. إن الكتاب الإلهي يمثل قمة الحكمة في عالم الوجود، ولو أن القرآن الكريم يتحمل أكثر من هذه المعاني، ويمكن إنزاله بشكل أفضل لأنزله الله تعالى.. فالنبي خاتم الأنبياء، وأمير المؤمنين خاتم الأوصياء، والقرآن الكريم خاتم الكتب السماوية!..

8. النبي قمة شامخة، لا يرقى إليه نبي ولا وصي نبي!.. أرقى من خلقه الله -عز وجل- في عالم الوجود البشري؛ هي روح المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).. رب العالمين خلق النفس، وجعل لها قابليات وقدرات، وأفضل لوحة يمكن أن ترسم على نفس مخلوق، رب العالمين رسمها على قلب النبي -صلوات الله عليه- لأنه خاتم الأنبياء.. ورب العالمين مبدأ الفيض، ولا راد لفضله وكرمه؛ فكانت النفس المحمدية، أرقى لوحة جمالية في عالم الوجود!..

9. إن القرآن الكريم هو ذلك الكتاب الإلهي، الذي يحمل أفضل صورة إلهية، يمكن أن يصور به كتاب من الكتب، {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.. ومن هنا يجب علينا جميعاً، أن نتعلم كيف ندخل لكنوز القرآن الكريم.

10. لا بأس أن نجمع بين أدب الظاهر والباطن، بين أدب التلاوة وأدب التدبر.. شريعتنا هي شريعة الظاهر والباطن: في نفس الوقت الذي جعل القلب هو المقياس والمعيار {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ فإن المسلم مأمور بالوضوء، وبالغسل، والتيمم؛ هذه الحركات الظاهرية لا بد منها!..

11. إن الجلوس باتجاه القبلة في غير الصلاة، هي مزية من المزايا (خير المجالس، ما استقبل به القبلة).. فالمؤمن لا يقدم على أمر، حتى في صغار الأمور، إلا حيث يرى الرضا الإلهي!.. فهذه حركة رمزية من باب أنه: يا رب، أنا متأدب في جلوسي معك.

12. هنالك سر عظيم في الوضوء والغسل، هذا الذي نسميه الطهور (لا صلاة إلا بطهور)، الوضوء هو ماء يلامس البدن.. هنالك اغتسال وهنالك غسل، هنالك تطهر وهنالك طهور، هنالك فعل من العبد وهنالك حركة من الرب، كما في اصطلاح النحو والبلاغة: هنالك فعل مصدري، وهنالك اسم مصدر.. أنا أحقق المصدر، أنا أغتسل؛ ولكن الغسل والطهارة أمر مجعول من الله تعالى.. الإنسان المتوضئ إنسان متطهر، عندئذ رب العالمين يقول: لك الحق الآن أن تضع يدك على اسمي {لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}.

13. إن من الآداب الباطنية لتلاوة القرآن الكريم؛ ربط الكتاب برب الوجود.. أي أن نربط بين هذا الكتاب الذي نزل على شكل كلمات، وبين مهندس الوجود.. فالذي يبهر بالاختراعات الحديثة، وبقدرة الذرة وسعة المجرة، ويفتح القرآن ويقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ أي الذي أعبده في صلاتي، هو خالق هذا الوجود برمته.. لا يعلم الإنسان إلى الآن إلا ظاهره، كأن رب العالمين يريد أن يفهمنا أنه في حياتكم الدنيا، ترون قوى غيبية لا تنكرونها.. فكيف إذا وصل الأمر إلى مكون الكون، تطلب منه أن يُرى!..

14. إن الإنسان عندما يقرأ القرآن، يعيش حالة من حالات الثقة والاطمئنان!..

15. إن المؤمن عندما يسمع ويقرأ آية من كتاب الله -عز وجل- يقول: أنا المعني هنا!.. ولهذا الأولياء والصالحون عندما يصلون إلى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، يقولون: (لبيك اللهم لبيك)!.. أنت الآن تحدثني بهذا الخطاب، وكفى بهذا الخطاب تكريماً للعبد!..

16. من المفترض أن يكون الإنسان ملتفتاً إلى أن الخطاب له أولاً، وأنه قادر على الفهم ثانياً.. وأخيرا نشكر الله -عز وجل- على نعمة أننا نعرف العربية، فمن مشاكل الأمم غير العربية أنها تقرأ القرآن الكريم وكأنه ألغاز.. التقدير الإلهي شاء أن نكون في بلاد الناطقين بالعربية، هذا نصف حصلنا عليه، بقي النصف الآخر وهو: التدبر في الكلمات المشكلة، والمضامين المعقدة.

17. نحن -مع الأسف- قسمنا الحياة إلى قسمين: إما أن تكون لله، أو أن تكون للدنيا.. وهناك مقولة خطيرة في أوساط المنحرفين عن فهم طبيعة الشريعة، عندما ينتقل من الصلاة مباشرة إلى استماع الغناء مثلا، يقول: (ساعة لربك، وساعة لقلبك)؛ أي أنهم قسموا الساعات لله -عز وجل- بدعواهم، وإلا فهذه الساعة ليست للرب!.. الذي يجعل صلاته بين غناء وخمر يقول مثلاً: (هذه الساعة لقلبي، ثم لربي، ثم لقلبي، وثم أعود إلى ربي).. وكما نعرف أنه لا صلاة لمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر.

18. إن البعض يعيش حالة الذكر والغفلة.. والعصاة يعيشون حالة الطاعة والمعصية.. وهنالك فرق بين البلاء الذي يأتي بعد معصية، وبين البلاء الذي يأتي بعد الطاعة!..

19. إن الطاعة بعد الطاعة؛ هي علامة القبول، لأن رب العالمين يسر السبيل لهذا الإنسان، وثم يسر له السبيل ثانية.

20. إن المعصية بعد الطاعة؛ هي علامة الرفض والرد.. فلو كانت هذه الطاعة مقبولة عند الرب، لما حدثت هذه المعصية.

21. إن المسجد مكان مقدس، ولكنه للانطلاق؛ كمركز إطلاق الصواريخ في بعض الدول.. هذا المركز لا قيمة له في حد نفسه، فقيمته أنه منصة للانطلاق.. وكذا مساجدنا، هي منصات للانطلاق.. والدليل على ذلك، أن بعض رواد المساجد والمآتم والحسينيات؛ تراه لا يغيب عن فريضة واحدة.. ولكن بعد خمسين أو ستين سنة، تنظر إليه فلا ترى نوراً لا في وجهه، ولا في عمله.. والسبب أنه يغتاب؛ وهو من مدمني المساجد!.. فالمسجد لا يحدث معجزة، فالمساجد والحوزات والجامعات، هذه الأماكن المباركة ليست بمصبغة، تدعك فيه الثوب وتخرجه وقد أخذ اللون.

22. إن المؤمن يصل إلى درجة يصبح فيها مزدوج الشخصية، -ليس المقصود المرض النفسي كانفصام الشخصية-؛ فجوارحه تعمل بأفضل صورة: كالسائق الذي يقود سيارته قيادة ماهرة، وهو مستغرق بالحديث مع الشخص الذي معه، فجوارحه تعمل خاصة إذا كانت بجانبه من يحبها ويهواها؛ أي كل وجوده معها، لكنه يتقن عمله أيضاً.. بعض الجراحين، يعمل عمله بكل هدوء، ولكن قلبه في عالم آخر!.. من الممكن أن يعيش الإنسان هذه الأثنينية، وهي أصعب من تكرير البنزين، فهذا النفط لم يصل إلا بعد أن مر بمراحل من الغليان والتبخر، فإذا كان تكرير النفط إلى بنزين ومازوت وغيرها يحتاج لهذه المعدات، فكيف بتكرير النفس؟.. هي أيضاً تحتاج إلى معدات، ولكن الفرق: أن معدات تكرير النفط تأتي من الشرق والغرب، ومعدات تكرير النفس إنتاج محلي، فبإمكان الإنسان أن يصنع هذا الجهاز.

23. إن الليل بطبيعته ساتر بما فيه، وهذا الستر استعمله الإنسان إيجاباً تارة وسلباً تارة.. هذه الأيام التكنولوجيا قلبت الليل نهاراً، ولكن الإضاءة المظلمة والخافتة في الليل، أقرب إلى التفاعل.. فظلمة الليل وهدوء الليل، يجعل الإنسان يعيش مع نفسه.. هذه الوحدة إما أن يستغلها الشيطان، أو أن يمن بها الرحمن.. أي أن الإنسان بين تجاذبين: النفس الأمارة بالسوء، والشيطان الموسوس.

24. إن التقنية الحديثة سهلت المعاصي: في الأزمنة القديمة كانت المعصية مكلفة وغير متيسرة، بينما هذه الأيام وسائل الإعلام، جعلت الإنسان يستسهل الحرام في جوف الليل، فهي تنمي في الإنسان النصف البهيمي.

25. كم من الجميل عندما يستيقظ الإنسان من نومه، وهو مترنح بين النوم واليقظة؛ أن يخر لله ساجداً، في تلك الهيئة وفي ثياب النوم، وقبل أن يغسل وجهه؛ يبدأ في مناجاة ربه!.. فالكمال كل الكمال في أن تحدث جواً دعائياً في غير وقته.

26. إن المعالم القرآنية ليست منحصرة في آيات القرآن الكريم، فالقرآن حمال أوجه، وهنالك معان خلف هذه الظواهر القرآنية.. فالمؤمن بإمكانه أن يفسر آية بآية، ويخرج منهما بفائدة جميلة.. رحم الله الطباطبائي، صاحب تفسير الميزان، حيث أن منهجه هو تفسير القرآن بالقرآن!..

27. إن الذين يريدون أن يبقوا العش الزوجي هادئاً، عليهم أن يلتفتوا بأن جاعل المودة؛ هو السالب لها!..

28. نحن نعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق!.. فالأصل عدم وجود سلطان وقوة لمخلوق على مخلوق، ويستثنى من ذلك الرسول وأولي الأمر.. ولكن لكي يكون ولي الأمر مستحقاً لهذه الطاعة، يجب أن يستجمع الخصال التي ترقى به إلى ذاك المقام؛ ألا وهي عنصر العصمة والارتباط بالغيب.. فالذي لا عصمة له، والذي يمكن أن يأمر بالزور والباطل، ويمكن أن يأمر لهوى نفسه، ولا يعلم حكم الشريعة في الكليات والجزئيات؛ كيف يستحق أن يطلق عليه لقب ولي الأمر؟!..

29. إن ظاهرة الاختلاف هي ظاهرة طبيعية في حياة الإنسان وفي حياة الأمة.. فالاختلاف إذا كان في ظل حكومة الله والرسول وأولي الأمر الحقيقيين، سوف لن يؤدي إلى الفرقة أبداً.. صحيح أن هنالك اختلافاً، ولكن ليس هنالك خلاف، فالحكم هو الذي يفصل بين الأمور.. ومعنى ذلك أن الحاجة إلى النبي، أو من يقوم مقامه حاجة ثابتة على مدى الأزمنة.. ولذلك نحن نستغرب من الذين ينكرون وجود امتداد للنبي بعد وفاته.. وإلا، فمن إذن سيفصل بين المختلفين؟.. ومن سيكون الحكم والمرجع في القضايا؟..

30. إن من علامات شفافية القلب، وقربه من الله تعالى، وسلامته؛ أن يعيش صاحبه حالة الانصياع الداخلي لأحكام الشريعة.

31. إن الذي جعل الظلمة ضياء، وجعل الضياء ظلمة، ويقلب الأمور.. ألا يمكنه أن يقلب حالك إلى أحسن الحال؟!.. فالمؤمن يدعو دائماً: يا مقلب القلوب والأبصار!.. يا مدبر الليل والنهار!.. يا محول الحول والأحوال!.. حوّل حالنا إلى أحسن الأحوال.. فقلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن.

32. إن الإنسان قد يعلم عدوه أو لا يعلمه، ولكنه يراه في جبهات شتى، فيتحير في أي جبهة يحارب.. أما عندما يعرف عدوه، ويعلم الجبهات المحصورة للعدو، فبإمكانه أن يركز طاقاته، ويوجه سهامه إلى النقاط التي يخشى منها.. فالإنسان إذا حوّل تعامله مع أهله، وولده، وماله، إلى تعامل إسلامي شرعي؛ فقد أمن من كيد الشيطان.. لأن الشيطان يأتي من هذه الأبواب المعروفة: النساء، والبنين، والأموال.. فهذه ثلاثة أبواب رئيسية، إذا جعل الإنسان على كل باب رصيداً، ومحاسباً، ورقيباً؛ فبإمكانه أن يتجاوز هذه المراحل بنجاح.

33. لأن الله -تعالى- بصير بعبده، فيجب على المؤمن أن يدع رب العالمين يدبر أموره.. فمادام الله بصيراً، فهو يعلم أن هذه الشهوة هل تشغل الإنسان عن الله عز وجل؟.. وهل يتحول إلى حب للشهوات، أم أنها شهوة غير ملهية؟.. فإن زوي شيء من متاع الدنيا، فعلى المرء أن لا يقلق لذلك.

34. إن بعض أنواع البلاء، تنتج الهداية الباطنية.

35. إن جوهر الإسلام، وجوهر التشيع؛ شيءٌ واحد.. وجوهر النبوة، وجوهر الإمامة؛ شيءٌ واحد -مع اختلاف في التفاصيل: من نزول الوحي، وعدمه- إن جوهر الدين وجوهر المذهب شيءٌ واحد؛ إلا أنه ينبغي أن نعلم أن قِوام الدين بالولاية، هذه الولاية تتجلى في النبي فيسمى نبياً، وتتجلى في الوصي فيسمى وصياً وإماماً.

36. إن الإسلام استمر بعد النبي (ص)، وإن تعددت الأسماء.. فالإسلام هو الإسلام، والولي هو الولي.. النبي (ص) حكم من منطلق الولاية، وأمير المؤمنين (ع) كذلك حكم من منطلق الولاية؛ فالتزكية هي التزكية.. النبي إنما جُعل نبياً بالنص، والوصي إنما جُعل وصياً بالنص ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾؛ والله أعلمُ حيث يجعل ولايته!.. هي حقيقة واحدة، فَهِمَها النبيُ وآلُه و"أهل البيت أدرى بما في البيت" كما قِيل قديماً.

37. ينبغي أن يتعالى أحدُنا في تفاعله العاطفي، إلى تفاعلٍ فكريٍ وعقائديٍ.. إذا نُوقش في مذهبه، يكون كالجبل الأصم، ويناقش بالتي هي أحسن!..

38. إن هنالك ثلاثة تكاليف في ذكرى ولادة واستشهاد كل معصوم: مشاركتهم أحزانهم وأفراحهم؛ أي نعيش الحالة الشعورية.. والإحاطة بشيء من سيرتهم، من خلال القراءة وغيرها.. والتأسي بهم.

39.  إن المُرتجى في الزواج هو البركة.. وعليه، لا ينبغي أن تُخْطب المرأةُ: لجمالها، أو لحسبها، أو لثروتها، أو لشهرتها.. فهذا ليس قوام السعادة في الحياة.

40. إن موقع العقل من الإنسان كموقع اللب من الثمرة، فالثمرة التي لا لُب لها هي قشرةٌ خالية لا قيمة لها.. علينا أن نعلم أن التركيب المادي للإنسان والحيوان على حدٍ سواء: هذا يأكل وهذا يأكل، وكلاهما يتكاثر، وينمو.. فهذه صفاتٌ مُشتركة بين الإنسان والحيوان، وما يُميز بني آدم عن غيره هي مسألةُ العقل.. فالإنسان الذي لا عقل له، هو إنسانٌ خال من ثمرة الوجود.

41. إن هناك عقلاً تدبيرياً؛ وهو العقل الذي يجعل الإنسان ناجحاً على مستوى الحياة الدنيا.. وهناك عقلٌ آخر تكاملي، وهو ذلك الذي به يُعبد الرحمن، وبه يُكتسب الجنان.. فالعقل التدبيري شيءٌ، والعقل التكاملي شيءٌ آخر.. قد يكون الإنسان خبيراً في شؤون الحياة، وفي الإدارة، وفي المجتمع، وفي شؤون العائلة.. ولكن هذا الإنسان قد لا يؤمن بالله سبحانه وتعالى!.. نحنُ نعلم أن هنالك فن إدارة الحياة في شتى مرافقها، ولكن فن الإدارة هذه قد يكون موجوداً في قلب إنسان كافر، والذي يكون عاقلاً بحسب تقييم الآخرين.

42. إن الإنسان الذي له قوة إدراك، ويفهم بعض المعاني.. سواء كان هذا الفهم من نفسه، أو من الجلسات المباركة.. هذا الإنسان له حسابٌ آخر، ويختلف عن الإنسان الذي لم تبلغه الحجة.. فالإنسان الذي يُوفق لبعض الطاعات، عليه أن يفرح!.. ولكن في مقابل ذلك، عليه أن يعلم أن كل صلاة جمعة إضافية، وكل خطبة جمعة، وكل منبر حسيني يسمعه؛ هو إتمام حجة أكثر يضاف إلى قائمة الحُجج التي تمت عليه.

43. إن العقل هو الذي يمنع الإنسان أن يعيش عالم الهوى وعالم الغضب؛ وهما من فضائح الإنسان المؤمن.. فالإنسان قد يكون في أعلى درجات الإيمان؛ ولكن قد يفضحه بطنه وفرجه وغضبه.

44. إن العقل ليس مسألة فكرية بحتة، فهو بعد فترة وجيزة، يتحول إلى سلوك في الحياة.. ومن هنا، فإن الإنسان الذي لا يقوم بعملية تصفية لمنابع الحواس والأعضاء؛ سيرتطم فيما لا يُرضي الله -عز وجل- شاء أم أبى.

45. إن الإنسان الذي لا يتحلى بعنصر الصبر، والتحمل في الحياة؛ هو في حقيقة الأمر يطفئ نور العقل في وجوده..قد سئل الإمام الحسن (ع): "ما العقل"؟.. فقال: (التجرع للغصة، حتى تنال الفرصة).. الإنسان الذي يُريد الراحة دائماً، ولا يتحمل المشاكل أبداً؛ هذا الإنسان بعيد عن العقل!..

46. إن الكلام الكثير، واللغو في الكلام؛ من موجبات إطفاء نور العقل في الوجود!..

47. إن العقل نورٌ باطني، والتعلم يشحذ هذا السلاح.. عن الإمام علي -عليه السلام-: (أعون الأشياء على تزكية العقل؛ التعليم).. ومن التعليم حضور مجالس العلماء، ومجالس الوعظ والذكر.

48. إن من موجبات تقوية العقل في وجود الإنسان: التحمل، والاستفادة من تجارب الآخرين، وترك الفضول، والتعلم، وطلب المدد من الله تعالى، والتعرض للنفحات الإلهية.

49. إن من موجبات ضعف العقل في وجود الإنسان: متابعة الهوى، وعشق ما لا يستحق العشق.

50. إن الخوف من الموت، هو بسبب عدم أنس الإنسان بربه.. لأن من له أنسٌ، ويعلم أن الله رؤوف به، وحبيبٌ إلى قلبه؛ فلماذا يخاف الموت؟.. إنما يخاف لأنه لا يعلم كيف سيُعامله الله -عز وجل-؟!..

51. البعض يموت موتة سريعة، والموت السريع للبعض حالة جيدة، خاصة إذا لم يكن عليه حقوق.. قد يأتي بلا سكرات، بلا نزع، بلا شلل، بلا مستشفيات، بلا آلام؛ بالطبع هذه ميتة جيدة!.. والموت السريع للبعض الآخر حالة غير جيدة، وذلك للذي عليه حقوق!..

52. إن الموت أشبه باقتلاع نخلة من مكانها!.. إذا كانت نبتة صغيرة، يقلعونها بيد واحدة أو بيدين.. أما إذا كانت متجذرة في الأعماق، يأتون برافعة قوية، ويربطونها بالنخلة، ويقتلعونها من جذورها.. هذا منظر مؤلم!.. نبتة مستقرة لمدة سنوات، ومثمرة؛ ولكن لضرورة من الضرورات يقتلعونها من الأرض.. وكلما كانت العروق منتشرة في الأرض، كلما كان القلع أصعب!.. إنسانٌ عاش ستين سنة في هذه الدنيا، أحب أشياء كثيرة: المخلوقين، الجمادات، مكان سكنه، أولاده.. أحب أشياء كثيرة، والآن يُقلع!.. في الحقيقة هذا مدعاة لأن يعيش الإنسان معاناة كبيرة وصعبة وثقيلة!..

53. إن من عوامل الخوف من الموت: سوء العمل، وعدم استيعاب حقيقة الموت والحياة؛ وكأن الإنسان خُلق سُدى.. لذا على الإنسان أن يُصفي حسابه مع الله -عز وجل- قبل لقائه، وهو من مصاديق الحديث: (موتوا قبل أن تموتوا)؛ بمعنى: افترضوا أنفسكم في حالة الموت، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تفاجئوا في ذلك العالم بما لا يُحمد عُقباه.

54. إن تواصل الأحياء مع الأموات له صور كثيرة، منها: زيارة قبورهم لإدخال السرور عليهم، صلاة الوحشة في الليلة الأولى، وهبهم ثواب مجموعة من الأعمال، مثل: الصدقات، الصلوات..الخ.

55. إن أرواح المؤمنين تأتي كل جمعة إلى السماء الدنيا، بحذاء قبورهم وبيوتهم، وينادي كل واحد منهم بصوت حزين وعين باكية: يا أهلي، ويا ولدي، ويا أبي، ويا أمي، ويا أقربائي!.. اعطفوا علينا يرحمكم!.. فلا تنسوا آباءكم وأقاربكم والمؤمنين والمؤمنات في كل يوم، فقد يكونون في حالة شديدة من الحاجة، في عالم انقطعت فيه السبل.

56. إن من الأمور التي تخفف سكرات الموت: أن يكون في حياته: لقرابته وصولاً، وبوالديه باراً.. وقراءة دعاء العديلة، وسورة يس.. ويجب عدم دخول الجنب أو الحائض، وذلك ليخفف على الميت الانتقال من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة.

57. إن بر الوالدين لا يكون في حياتهما فقط، بل حتى بعد مماتهما، بأن نهديهم ما يمكن من الأعمال.

58. إن الصدقات الجارية ليست خاصة بالأغنياء، فكل إنسان يستطيع أن يقوم بذلك.. قد يدفع درهماً بنية خالصة لله، فيرتضي الله هذا العمل ويقبله.. فالله لا ينظر إلى حجم العمل، بل ينظر إلى الدوافع والنوايا، وفي الروايات: (لا تستصغرن طاعة فلعلها هي المنجية، ولا تستصغرن معصية فلعلها هي المهلكة، ولا تستصغرن عبداً فلعله هو الولي).

59. إن من أهم الموضوعات الإستراتيجية في حياة الإنسان، أن يفكر في مسألة الموت بجدية!..

60. نحن نعلم أن الفترة التي تمتد من الموت إلى البعث، الأمر ليس بأيدينا، هذه الفترة فترة غير اختيارية.. الإنسان في هذه المرحلة، يكون في رحمة الله الواسعة.. وإن كان لديه صدقات جارية، أو ولد صالح، أو علم نافع؛ فإنها تنفعه.. وكذلك ما قبل الولادة، الإنسان يكون في عالم الأجنة، وعالم النطفة، وعالم الأرواح؛ أيضاً ليس هنالك أمرٌ باختيار الإنسان.. والفترة الوحيدة التي مُنح الإنسان فيها الاختيار، هي: مرحلة الولادة إلى مرحلة الموت؛ لذا هي من أهم الفترات في حياة الإنسان!..

61. إن المؤمن يتمنى الحياة، كي يعمل لآخرته أكثر!.. عن الإمام الصادق (ع): (تمنّ الحياة لتطيع لا لتعصي.. فلئن تعيش فتطيع؛ خيرٌ لك من أن تموت: فلا تعصي، ولا تطيع).. لذا علينا الابتعاد عن تمني الموت الذي يكون مبعثه: الكسل، والرغبة في الراحة.. بل نتمنى الحياة، لنطيع الله، ولتكون حياتنا كلها لله عز وجل.

62. أهم معادلة لحل لغز الموت أن نعلم من نواجه، فأنت إذا كنت في سفرك الأبدي ذاهبٌ لله -محبوبك، ومعشوقك الأوحد، والذي جهدت في حياتك على طاعته، والتقرب منه-؛ فسيكون سفرك سعيداً.. وعندما لا تكون كذلك، فبالطبع ستكون رغبتك هي الفرار من الموت الذي لا مفر منه.. فأنت تسعد بعملك، وبمقابلة من عملت له، أو العكس!..

63. إن الإنسان معرض للموت في كل لحظة، فكيف ننساه وهو يتبعنا؟!..

64.إن الموت حالة سرور أو ثبور، والإنسان بسلوكه في الدنيا هو الذي يختار!..

65. إن الكثيرين يخافون من سكرات الموت، وضغطة القبر، وما شابه ذلك.. هذه القضية مرتبطة بسلوك الإنسان، هو بسلوكه يحدد الراحة في الموت، أو الصعوبة فيه.. وإنما ضغطة القبر، وسكرات الموت؛ حالة يمر بها الميت ليغتسل من ذنوبه، وهو آخر ما بقي عليه من تمحيص الذنوب، وتنقية من السيئات.

66. استعيذوا من الشيطان دائماً، ولقنوا موتاكم الشهادتين.. فالشيطان يحوم حول ابن آدم ساعة موته، لينتزع منه ما يمكن انتزاعه.. واسألوا الله الثبات لكم، وللمؤمنين والمؤمنات.

67. اهتموا بموتاكم، وخاصة الأبوين.. فالبعض كل ما يملك من أبيه: بيته، سيارته، رأس ماله.. والبعض يرث حياة كاملة، ويتنعم بذلك، من دون أن يذكر أباه بشيء.. وهذا قلة إنصاف!.. البعض يكون باراً بوالديه في حياتهما، وعاقاً بعد مماتهما.

68. إن الإنسان الذي عنده حالة من حالات حياة القلب، عندما يرتكب الحرام؛ يعيش أجواء أشد من أجواء دخوله نار جهنم!..

69. إن هناك عذابين في عرصات القيامة: عذاب بدني، وعذاب نفسي.. والعذاب النفسي على قسمين: عذاب نفسي بين العبد ونفسه في الانتظار الطويل، وعذاب نفسي آخر بعلاقة العبد مع ربه، وإعراض رب العالمين عن عبده في أحلك الظروف.

70. إن المقامات السامية من الممكن أن لا يحصل عليها الإنسان بشكل طبيعي وميسر، ولكن تكلف الشيء مقدمة للوصول؛ فالتظاهر بالشيء مقدمة لذلك!.. فيما مضى من الأيام: أيام الجاهلية والإسلام، وحتى أواخر الدولة العباسية وما بعد ذلك، يأتي الشاعر ليمدح إنساناً بمديح يقطع بكذبه، ولهذا يقال: (أعذب الشعر أكذبه)؛ أي كلما كان الكذب فيه كبيراً كان أعذب!.. ولكن مع ذلك، فإن الذي يُمتدح سواء كان ملكاً أو أميراً، يعطيه أغلى الأثمان وأغلى السلع، لماذا؟.. لأنه يرتاح لهذا الكلام، وإن لم يكن له رصيد أبداً!..

71. إن الله -عز وجل- إذا رأى عبده في مقام المدح والتملق، وإن كان كاذباً؛ يقبله منه.. هو في مقام التملق يقول: (إلهي وربي)!.. هذه الفقرات من دعاء كميل، يصدق من أمير المؤمنين -عليه السلام- وإلا أحدنا يقول: (فَهَبْني يا إلـهي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي!.. صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ)؛ هذا الكلام كذب صريح لغير أمير المؤمنين وأمثاله.. ولكن الإنسان يتظاهر بهذا الكلام، ليثبت ذلته وتملقه وحبه للدرجات وإن لم يصل إليها، وشعارنا جميعا:
أحب الصالحين ولست منهم *** لعل الله يرزقني صلاحا

72. إن الإنسان من الممكن أن يتفاعل مع فقرة من فقرات الدعاء، مثلاٍ في دعاء كميل يلهج بهذه العبارة: (اِلـهي وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ)!.. لو أن الإنسان وصل إلى هذه الفقرة، وتفاعل معها تفاعلا بليغاً، بحيث لو أكمل الدعاء من الممكن أن يذهب عنه ذلك التفاعل؛ ما المانع أن يبقى في هذه الفقرة، إلى أن يستنفذ تفاعله وجهده في هذا المجال؟!.. فالمؤمن له هذه القاعدة: أنه إذا رب العالمين منحه الإقبال، لا يتحول عن الحالة التي هو عليها، مادام ذلك الإقبال موجودا!..

73. إن الإنسان إذا أكرمه الله -عز وجل- بكرامة من الكرامات، وسلبت منه هذه الكرامة؛ فليعلم أنه من الأشقياء.. هنالك عمل قام به العبد، جعل رب العالمين يسلب منه هذا العطاء، وهذا خلاف طبع الكريم، فرب العالمين يمهل ولا يهمل!..

74. إن الهفوات الصغيرة لا تسلب النعم، ولكن حذار حذار من تراكم الهفوات!.. لأنه من الممكن أن هذه الهفوات الصغيرة المتراكمة، يكون مفعولها كمفعول الذنوب الكبيرة، لذلك قال الصادق (عليه السلام): (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار).

75. إن الجارحة إذا اتصفت بصفة إلهية، هذه الجارحة كأنها أصبحت من شؤون الله -عز وجل- ولو في مرحلة من المراحل.. مثلاً: هذا القلم كان في يوم من الأيام يكتب، والآن جف حبره، من الممكن أن تقول: إن هذا القلم قلم كاتب، باعتبار الأيام التي كان القلم يكتب فيها.

76. لو أن هذا المكان دخله الملك لدقائق، ثم دخله غير الملك ساعات، ألا يقال بأن هذا المكان مكان محترم؛ لأن الملك قصده فدخل فيه ولو دقائق!.. أي يا رب وجودك وجود شريف في حياتي، وعنايتك عناية كبيرة، وقلبي ولساني وجوارحي امتثلت أوامرك، فلا تعاقبها يوم القيامة بذلك.

77. أتعلم أن قلب المؤمن من الممكن أن يقال بأنه قلب عادل؟!.. متى أعرض القلب عن الله -عز وجل- بمعناه الكامل!.. إن الغفلة من شؤون عالم الذهن، ولكن هل خرج الحب الإلهي من قلبك ولو بمعناه الساذج!.. طبعا الحب الإلهي في قلوبنا نحن لا يقاس بالأنبياء والأولياء، ولكن هذا الحب القليل، هذا الحب الطفولي، هذا الحب البسيط ما خرج من قلب المؤمن.

78. إن لسان حال المؤمن في الدنيا والآخرة، هو: يا رب!.. إن شفيعي إليك في مقابل عصيان الجوارح؛ هو طاعة الجوانح.

79. إن الأمل بالله -عز وجل-، والظن الحسن بالله -عز وجل-؛ من موجبات الفلاح والنجاح.

80. هنيئاً لمن كان أنسه بمضامين دعاء كميل في الحياة الدنيا!.. حتى لو نسي هذه المضامين، ولم يتلفظ بها في عرصات القيامة؛ نعتقد بأن رب العزة والجلال سوف يعامله على ما كان عليه في الحياة الدنيا!.. فكم قرأنا دعاء أبي حمزة، وكم لهجنا بدعاء كميل!.. لابد أننا في موقف من المواقف، عشنا عمق هذه الصلة العاطفية برب العزة والجلال.

81. إن المؤمن قبل أن يدعو بدعاء، من المناسب له أن يطالع ويتأمل في ذلك الدعاء: أولا: معرفة الألفاظ المشكلة في الدعاء، كدعاء السمات مثلا، وهو دعاء من الأدعية التي فيها كلمات مشكلة وألفاظ مبهمة.. ودعاء الصباح كذلك من الأدعية التي فيها كلمات تحتاج إلى توضيح، فعليه أولا معرفة الكلمات المشكلة.. ثانيا: معرفة سبك الدعاء، أي من أين يبدأ الدعاء؟.. ومن أين يُختم؟.. وما هو المتن؟.. وما هو الهدف من الدعاء؟..

82. إذا خانتنا الجوارح في بعض الحالات، فلنحاول أن نبقي هذه الجذوة الباطنية المتمثلة في المعرفة والمحبة.. فالجناحان اللذان يطير بهما الإنسان في رحلة الملكوت، وفي السير إلى الله -عز وجل- هما: جناح المعرفة والاعتقاد والإذعان، وجناح الحب.. ويستطيع أن ينمي، أو يطور هذين الجناحين من خلال: التعلم، والتفكر!..

83. إن المحبة الملقاة في قلب المؤمن: حب الله، وحب الرسول، وحب الأئمة عليهم السلام، وحب الأولياء؛ نحن نعتقد أنها هبة من الله عز وجل {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ}، فإذن، هذه منحة إلهية، وهذه المنحة لأنها منحة من الممكن أن تُسلب.. فالإنسان ليس مالكاً حقيقياً، أعطي هذه المزية، ولكن هذه المزية لها ضوابط.. من الممكن أن يصل الإنسان في عالم المعصية إلى درجة من الدرجات أن المعصية تبلغ إلى مستوى معين، رب العالمين يعاقبه بسلب هذه المحبة والإذعان القلبي، والشواهد في التاريخ كثيرة: فالخوارج ماذا كانت مصيبتهم؟.. أن قلوبهم -حسب الظاهر- كانوا أصحاب عبادات، وكانت لهم في جباههم آثار السجود، ولكن خالفوا إمام زمانهم.. وهذه المخالفة أدت إلى أن تسلب منهم هذه الجوهرة (نور الولاية)، إلى درجة أنهم قد اتفقوا على قتل أمير المؤمنين (ع).

84. إن ضبط الجوارح والاستقامة العملية بحاجة إلى كلفة وإلى تعب، مثلاً: شاب مراهق، يختلي مع فتاة أجنبية ذات منصب وجمال، فيقول: إني أخاف الله؛ فهو يحتاج إلى جملة.. أو مثلاً يعرض عليه مال حرام؛ فإن عدم قبوله يحتاج إلى همة.. ولكن مسألة الجوارح الأمر أسهل، أن يكون الإنسان ذاكراً لله تعالى.. هل يحتاج إلى معاناة شديدة، وإلى جهاد كبير؟..

85. مشكلتنا نحن -بني آدم- أننا متكاسلون في العالمين: في عالم الجوارح، وفي عالم الجوانح.. نحن في زماننا هذا، في هذا القرن لدينا وسائل الرفاهية والراحة والتمتع في الحياة، ما لا تجعل للإنسان مجالاً أن يترقى من باب المجاهدة.. لكن القلب إذا صار عامراً بالذكر، والحب، والاعتقاد العميق؛ رب العالمين إذا أحب عبداً؛ رضي منه القليل.. هذا القليل من الطاعة: كالفرائض اليومية: أي يكفي أن يكون الإنسان مصلياً صلاة واجبة، وصائماً صوم الواجب، ومؤدياً المال الواجب، وحاجاً في العمر مرة واحدة؛ عندئذ تفتح له أبواب الجنان.. لأنه أرضى ربه في باطنه، والجوارح شغلها في العبادات الواجبة.. رب العالمين قد يعطيه التعويض الكثير في نواقص هذا الطريق.

86. أن يحب الإنسان الخاضع لقوانين المادة: مادياً، ومرئياً، ومسموعاً.. فهذا طبيعي جدا؛ لأن الإنسان له عين وله سمع، يرى جمالاً بشرياً، ويسمع من هذا الجمال كلاماً طيباً، ويرى لها ملمساً ناعماً، فإنه طبيعي كله مادة في مادة: جمال ملموس، وجمال مسموع، وجمال مرئي.. أن ينقدح الميل أمر طبيعي، ولكن كيف يمكن أن تنقدح هذه العواطف: كالحب والإذعان والاعتقاد، أو كما يقول علي (عليه السلام) في ختام دعاء كميل: (وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً)؛ المتيم إنسان يضرب به المثل: أن هذا وصل إلى أعلى درجات الحب، فكيف لمخلوق مادي أن يتعلق قلبه بما لا يُرى؟..

87. إن الغرابة هي في عدم إدراك الجمال الإلهي، لا في إدراك الجمال الإلهي!.. ولكن المشكلة كل المشكلة في وجود هذا الغبار الذي غطى على قلوبنا، وطمس فطرتنا!..

88. إن في عالم المادة هنالك شيئاً يسمى "التلقين"، والتلقين مقدمة للتلقي.. صحيح قالوا: "إن الطبع يغلب التطبع"، ولكن التطبع أيضاً في بعض الحالات يوجب الطبع، مثلاً: إنسان لا تميل إليه، ولكن عندما تسلم عليه صباحاً، وتقدم له هدية كل يوم، وتدعوه إلى منزلك كل يوم.. بعد فترة ينقدح شيء من الأنس معه، إذا أنت ما رأيت منه إلا جميلاً، وهو ما رأى منك إلا جميلاً.. نعم بعد فترة يتحول الأمر إلى مودة، وبعد المودة محبة عالية!..

89. إن تلقين القلب الحب الإلهي، حتى إن لم يكن موجوداً، من المرجو بعد فترة أن هذا التلقين، وهذا التطبع؛ يوجب لك الطبع.. ولهذا بعض المؤمنين يقول: هل يجوز ويحق لنا أن نخاطب رب العالمين، بكلمات الحب المتعارفة بين البشر؟.. نعم، ما المانع في ذلك!.. ألا يقول الإمام زين العابدين -عليه السلام- في مناجاته: (يا نعيمي وجنتي!.. ويا دنياي وآخرتي!.. يا أرحم الراحمين)، (أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُوصِلُنِي إِلى قُرْبِكَ)!.. حتى لو قالها الإنسان من دون معايشة حقيقية، فإن إدامة ذلك القول من موجبات امتلاك هذا البعد الذي لا يقدر بثمن.

90. إن المؤمن يستغل فقرات دعاء كميل، ليقرأها في مظان الإجابة: في قنوت صلاة الليل، وفي سجوده.. فليس هنالك مانع أن نستعمل فقرات المناجاة في دعاء كميل، ودعاء أبي حمزة الثمالي في مختلف المناسبات.

91. إن هناك فرقاً بين التقصير والإسراف على النفس: الإنسان قد يقصر في بعض الحالات، ولكن يسرف على نفسه؛ بمعنى أنه يعمل ما يوجب له هلاك النفس.. وهذا العمل فيه مبالغة، فتارة الإنسان يظلم نفسه، وتارة بتعبير القرآن الكريم: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}؛ دساها أي أخفاها.. الجاهليون كانوا يدفنون بناتهم، ونحن المسلمون ندفن أنفسنا في تراب الشهوات والغفلات، وهذا في الواقع قمة الظلم للنفس، أن يخفي الإنسان نفسه؛ أي يضيع نفسه فلا يجد لهذه النفس دورا فاعلاً في الحياة.

92. نحن كلنا -من غير المعصومين- عصاة، من منا لم يعص ربه؟.. الإنسان المؤمن عندما يتذكر معصيته، تنتابه حالة من حالات الندامة.. ولكن إذا توغل في الإيمان، وبلغ مرحلة راقية من الإيمان؛ فإنه لا يعلم ماذا يعمل عندما يتذكر السيئات، فهو يتمنى أن يكون تراباً، الكافر يوم القيامة يقول: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}.. والمؤمن في الدنيا إذا بلغ مرتبة عالية من الإيمان، يتمنى لو أنه كان تراباً!..

93. إن المؤمن يصل إلى درجة، عندما ينظر إلى المعاصي والغفلات؛ يعيش حالة من الذعر الشديد، وحالة من الأسر (وَفُكَّني مِنْ شَدِّ وَثاقي).. نحن نعيش هذه الحالة في مصائب الدنيا، مثلا: إنسان يحكم عليه بالسجن سنة واحدة، عندما يدخل السجن في الليلة الأولى -وهو يفارق الأهل والأولاد لسنة كاملة في السجن، وخاصة إذا كان في زنزانة انفرادية، وممنوع من اللقاء- سيعيش قمة الأذى.. فكيف إذا كان الإنسان يعيش حالة السخط والغضب الإلهي!.. هو صحيح قد ينطلق من عاصمة إلى أخرى، ويطير في الفضاء، ولكن ماذا يعمل عندما يعلم أن رب العالمين غاضب عليه!..

94. إن كل شخص يراجع نفسه، عليه أن لا يقطع بالغضب الإلهي؛ لأن القطع بالغضب الإلهي والسخط يحتاج إلى دليل.. ولكن على الأقل نحتمل أن الله -عز وجل- ليس براضٍ عنا، فمن منا يقطع بالرضا؟.. وأيضا لا نقطع بالسخط، ولكن احتمال أن يكون رب العالمين قد سخط علينا؛ هذا احتمال خطير ولو كان ضعيفاً.. مثلاً: لو ذهب إنسان إلى طبيب، وكشف عليه وقال له: أن هناك احتمال 5 % أنك مبتلى بمرض خبيث، عندها سينهار فورا.. صحيح أن الاحتمال ضعيف، ولكن المحتمل هو الموت بالمرض الخبيث.

95. إن المؤمن عندما يعيش احتمال سخط جبار السموات عليه، ولو كان الاحتمال ضعيفاً؛ فإنه يعيش حالة الوجل والقلق الشديدين!.. ولا يرتاح إلا عندما يصبح مصداقاً للآية الأخيرة في سورة الفجر: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}.. فالذي ليس بصاحب النفس المطمئنة له أحد النفسين: إما الأمارة بالسوء المتوغلة في الباطل، وإما النفس اللوامة التي تستقيم تارة وتنحرف أخرى.. وبالتالي، فإن المؤمن إذا أراد أن يسترخي، وإذا أراد أن تجري دمعته؛ فإنه يكفي أن يذكر نفسه بهذه الحالة.

96. أن يبقى الإنسان معافى إلى ساعة الموت؛ نعمة من النعم، {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ}.. فالإنسان ينكس في العمر لا بأس به، ولكن أن يبتلى بالخرف!.. فسألوا ربكم أن لا يسلب منكم نعمتين، أولها: الالتفات الشعوري إلى الموت، والثانية: أن لا يحتاج إلى معونة الغير في أواخر عمره!..

97. إن لسان حال المؤمن: يا رب، كما غذيت جسمي وأنا جنين في عالم الأجنة بغذاء المشيمة، عندما كنت محتاجاً منقطعاً إليك.. يا رب، لا تقطع مددك عن روحي في عالم الأرواح، فجسمي صار كبيراً، ولكن ماذا أعمل بهذه الروح الصغيرة؟..

98. بعض الناس يموت وروحه لم تخرج إلى الدنيا، في ظلمات الجهل، وفي ظلمات الوهم.. نحن نقرأ هذا الدعاء عند قراءة الكتاب: (اللهم!.. أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم).. فظلمات الجهل كظلمات الأرحام، وظلمات الوهم كظلمات الأرحام.. هل تعقلت في هذا المعنى في يوم من الأيام: أن بعض الناس يحيا ويموت، ويخرج من هذه الدنيا، ولم تخرج روحه من الأرحام، بقيت في ظلمات الجهل وعدم النضوج!..

99. إن دعاء كميل لأهميته وعظمته، أمير المؤمنين يرتب عليه الأثر، حتى لو قرأ في العمر مرة واحدة.. أي إذا استجيبت المضامين، انتهى الأمر ولو بقراءة واحدة!.. لو أن إنساناً كان عند الحطيم، ويده على عتبة باب الكعبة، وقال والدموع جارية على خديه: (وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً)؛ إذا صار القلب متيماً بحب الله عز وجل، واللسان صار لهجاً بذكر الله عز وجل؛ فقد بلغنا الأماني وانتهى الموضوع!.. كل هذه الأدعية، وكل هذه العبادات؛ من أجل أن يصل الإنسان لهذه المرحلة: مرحلة الحب الإلهي في القلب، والذكر على اللسان.. وطبعاً إذا كان الحب في القلب، والذكر على اللسان؛ فإنه من الطبيعي أن يكون هناك أيضاً نور في الجوارح؛ وهو نور التعبد والطاعة.

100. يقول أمير المؤمنين (ع) في الدعاء: (اِلـهي وَمَوْلايَ)!.. فالإمام (ع) ينوّع في التعابير، يجمع بين الإله والمولى.. لماذا يجمع بينهما، ألا يكفي أن يقول: (يا َاِلـهي) أو يقول: (يا َمَوْلايَ)؟.. قد نفهم من هذه العبارة: أن الإنسان تارة ينظر إلى المقام الربوبي، بما فيه من صفات الجلال والكمال والعظمة.. وتارة ينظر إلى المقام المولوي، باعتبار ارتباطه بالعبد.. نحن مرة ننظر إلى صفات الملك أنه كريم، وأنه عالم.. ومرة ننظر إلى أن الملك هو ملك، وهو حاكم، ونحن تحت رعيته.. فننظر تارة إلى رب العالمين باعتبار صفاته العليا، له الأمثال العليا والأسماء الحسنى.. وتارة ننظر إلى الله -عز وجل- على أنه ولي لي، مولى لي.. وطبعاً الذي مولاه رب العالمين، هذا الإنسان يعيش أعلى درجات العزة الباطنية (إلهي!.. كفى بي عزًا أن أكون لك عبدًا، وكفى بي فخرًا أن تكون لي ربًا).


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج