100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن المؤمن تارة ينظر إلى جهة الرب، على أنه الرب الحاوي المستجمع لكل الصفات الجلالية والكمالية.. وتارة ينظر إلى الله عز وجل، بعنوان الحاكمية وأنه هو العبد.. وعليه، فهو إله بما له من الصفات، وأيضاً هو مولى لي ولك.

2. من منا ليست له شكوى على عدو، العدو قد يكون مؤمناً، وقد يكون كافراً؟.. على كل حال الإنسان لا يخلو من عدو، حتى إذا كان الإنسان محبوباً لدى الجميع: عند الفاسق والمؤمن، وهذا قلّ ما يتفق أن يكون مرضياً عند الكل.. وإذا كان مرضياً عند الكل، يبقى موجود واحد لا يرضى عنه بحال من الأحوال، ألا وهو الشيطان اللعين الرجيم.. فالإنسان إما أن يكون له عدو من البشر، أو عدو من الجن، وأغلبنا لديه أعداء من الإنس والجن.

3. إن الإحساس بوجود عدو للإنسان، إحساس مزعج؛ لأنه سيجعله يعيش حالة التوتر الباطني.. فالإنسان عندما يرى عدوه، أو عندما يسمع باسمه؛ فإنه يعيش حالة من التوتر، حتى لو كانت بينهما مشكلة قديمة وقد نسيت.. ولكن بمجرد أن يراه، تثار أحزانه وآلامه.. وكذلك يخشى من كيد هذا العدو.

4. إن من صفات المؤمن: العدل في الرضا والغضب.. فالمؤمن إذا غضب، فإن غضبه لا يخرجه عن العدل.. ولهذا سمي المسلم: "مسلماً"؛ لأن الناس سلموا من يده ومن لسانه، وهنيئاً لمن وصل إلى هذه المرتبة!.. إن صلاة الليل من موجبات المقام المحمود، ولكن نعتقد أن ما هو أرقى من صلاة الليل، هو الملكات الباطنية.. إذا وصل أحدنا إلى هذه المرحلة فهو على ألف خير، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون.

5. قد يقول قائل: إن الله -عز وجل- صحيح هو ولي، وهو مولى.. ولكن هل حتماً يدافع عن المؤمنين؟.. نعم، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}، وهذا الدفاع ليس في الآخرة فحسب، بل أيضا في الدنيا!.. انظروا إلى تأييد الله -عز وجل- لحبيبه المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- كيف نصره في مواطن عديدة من مكة إلى المدينة!..

6. إن عبارة: (اِلـهي وَمَوْلايَ)!.. كلمتان لو قالهما الإنسان في أحلك الظروف، لانتهى الأمر؛ فلا يحتاج إلى دعاء إضافي.. لأنه إذا اعتقد أن الله -عز وجل- مولى له؛ فإن ذلك يعطيه كمال الاطمئنان، وكمال الارتياح.

7. إن المؤمن الذي يدعو الله -عز وجل- وله أمل بمن سواه ينقطع أمله.. قال تعالى: (وعزتي، وجلالي، ومجدي، وارتفاعي على عرشي!.. لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس غيري باليأس...)، فالإنسان عندما يدعو الله عز وجل، لابد أن يعيش هذا الاعتقاد الباطني!..

8. إن القرآن الكريم يصف أفسق الناس بأنه من المخلصين، عندما يكون في البحر، ويحيط به الموج من كل مكان: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.. هل في هذا البحر على متن السفينة مؤمنون فقط؟.. بل حتى الفاسق يركب سفينة، ولكن عندما يأتيه الموج من كل مكان؛ فإن الفاسق يتحول إلى أعبد العابدين.. وإذا جاء إلى البر، صار فاسقاً.. فهو قبل سويعات كان من أفضل الناس؛ لأنه عاش الانقطاع إلى الله عز وجل.

9. إن الإحساس -إن صح التعبير- الطوفاني، لو عاشه الإنسان في الحياة الدنيا، وهو في بيته، وهو على فراشه؛ فإنه سيأتيه نفس ذلك الإخلاص الذي يأتي أصحاب السفينة، وهم محاطون بالأمواج العاتية.

10. إن المؤمن عجيب، يجمع بين صفتين -حسب الظاهر- متناقضتين في قلبه، يقول: (إِلـهي وَرَبّي مَنْ لي غَيْرُكَ)؟!.. ولكن في مقام السعي من أنشط الناس، ومن أكثر الناس تعلقاً بعالم الأسباب.

11. إن رب العالمين جعل لك الاختيار، وجعل لك حاكماً أمينا كالعقل، يمثل الأنبياء في وجودك.. ولهذا نحن بالعقل آمنا بالله عز وجل، وبالعقل آمنا بالأنبياء (ع).. هذا العقل جعل الله -عز وجل- له قيمة، أن جعله سُلّما للتوحيد وللنبوة.. وبالتالي، فإن هنالك عقلاً، وهنالك رعية: هذه الرعية إذا كانت تحت حكم العقل، فهي رعية نافعة.. ولكن إذا تمردت الرعية على حكم العقل، فيقع ما يقع.. قابيل المسكين، الغضب في وجوده قتل عقله، وعزله.. وإذا به في لحظة من اللحظات، يرتكب جريمة القتل الأولى في تاريخ الإنسانية.

12. إن على الإنسان في دعاء كميل، أن يطلب من الله -تعالى- أن يعينه على هذه الرعية: رعية الشهوة والغضب، ويعينه أيضاً على تمردها.. فهنالك رعية تتمرد، وهي رعية الشهوة والغضب.. وهنالك سلطان آخر في مقابل سلطان العقل أيضاً، هذا السلطان المنافس يخشى على الرعية منه؛ ألا وهو الشيطان، فهو له دور في تقويض دعائم هذه المملكة الباطنية.

13. إن الإنسان قد يرى في نفسه تقاعساً، وكسلاً، أو ارتياحاً بلا وجه وبلا دليل.. ومن يجد هذه الراحة في وضعه، وفي نفسه؛ فليتذكر هذه الحقيقة الموحشة، وهي: أن الله -عز وجل- من الممكن أن يكون غير راض عنه.. والاحتمال الضعيف إذا كان مقترناً مع المحتمل القوي، فإن هذا الاحتمال يخيف.. فالاحتمال ضعيف، ولكن المحتمل قوي.. مثلا: إنسان يحتمل أن هناك سما قاتلا في هذا الشراب، بنسبة واحد بالمائة.. العقلاء عادة يرتبون الأثر على هذا الاحتمال، فكيف إذا كانت القضية فوق مستوى الاحتمال، وكانت على مستوى الشك؛ أي أن الإنسان يحتمل خمسين بالمائة أن الله -عز وجل- راض عنه، وخمسين بالمائة أنه ساخط عليه؟!..

14. إن من يقرأ هذه الفقرة في مناجاة أمير المؤمنين (ع)، باستحضار النية؛ من المرجو أن تفتح له بعض الأبواب: (اللهم!.. لا أجد لذنوبي غافراً، ولا لقبائحي ساتراً، ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدلاً غيرك).

15. إن القبائح على نوعين: هناك قبيح مستور، وهناك قبيح لا وجود له.. وبعبارة أخرى: تارة القبيح موجود موضوع، ولكن لا أثر له.. وتارة القبيح منتصب برأسه.. وإذا أردنا أن نوضح العبارة بمثال حسي مثلاً: أمامنا لغم، وفيه الفتيل، ومن يمشي عليه ينفجر به؛ هذا هو القبيح القابل والمستعد للانفجار.. وتارة يكون أمامنا لغم، نزع منه الفتيل، هو لغم ولكن لا أثر له.. وتارة ليس هناك لغم أصلاً.

16. إن المؤمن في ليلة الجمعة وفي ساعة الإجابة، يعيش مع نفسه.. يقال: أن الشيطان إذا رأى في الإنسان صفة قبيحة -وهذا سر من أسرار الشيطان- يرغب في أن يُشغل الإنسان بالطاعات والعبادات الجوارحية، على حساب إصلاح باطنه، فبدلا من أن يقول له: أنظر إلى قلبك!.. يقول: أنظر إلى المحراب، انشغل بالصلاة، وبالتسبيح، وبالتهليل.. ولا تنظر إلى قلبك؛ لأنه يعلم بأن الالتفات إلى القلب أبلغ من الالتفات إلى الجوارح.. نحن لسنا من دعاة الالتفات إلى القلب فحسب!.. إذ لابد من العاملين.

17. إن القضاء على الملكات الباطنية، من أصعب الأمور.. فبإمكانك أن تصوم في عز الصيف، وأن تقوم الشتاء كل الليل؛ لأن تلك حركة خارجية.. ولكن المصيبة كلها في عالم الأنفس؛ لأنه شيء لا يُرى.. فالطبيب -مثلا- يرى الغدة السرطانية في البدن، فيفتح البطن ليستخرج هذه الغدة.. ولكن القلب مخفي، والمرض فيه مخفي؛ فكيف يستخرج الإنسان مخفياً من مخفي!.. فكما نطلب من الله -عز وجل- المغفرة للذنوب، نطلب منه أن يعيننا على القضاء على هذه المواطن السيئة بمنه وكرمه.

18. إن معرفة أئمة أهل البيت (ع) تتم من خلال قنوات، من هذه القنوات: كلماتهم بحق أنفسهم، وكلمات بعضهم في حق بعضهم.. ومن ذلك الكلمات الحكمية والدعائية المروية عنهم.. ومحاسن كلماتهم: تارة تكون في قالب الدعاء، وتارة في قالب الموعظة.. ودعاء كميل من الأدعية الخالدة في تاريخ البشرية، حيث قلما يكون هناك تفاعل كتفاعل المؤمنين بهذا الدعاء.. بل أصبح معلماً في بلاد المؤمنين والمسلمين، ليلة الجمعة هناك مجالس تعقد لهذا الغرض حتى في بلاد الغرب.. وطبعا عندما يجتمع الناس لقراءة دعاء كميل، هناك برامج أخرى: هناك المحاضرات، وهناك الندوات، و..الخ.. إن الله -عز وجل- جعل فيه البركة، كما جعل البركة في فعل إبراهيم (ع) الذي بنى بيته الحرام.

19. إننا نلاحظ بين فقرة وأخرى في دعاء كميل كلمة (اللهم)!.. وكأنه تذكير للعبد بأن يلتفت إلى ربه كلما نسي.. وكذلك هو الحال في الصلاة الخاشعة، فإن أكثر ذكر متكرر في الصلاة هو التكبير، حيث هناك: تكبيرة الإحرام، ثم التكبير قبل الركوع، والتكبير قبل السجود.. كأن الله -عز وجل- يريد أن يذكرنا بنفسه كلما نسينا.. فإذن، [الله أكبر]!.. في الصلاة هي محطات تذكير، وكذلك في كل فقرة من الدعاء كلمة (اللهم)!.. هي محطة من محطات التذكير أيضاً.

20. كيف يتقرب الإنسان إلى الله عز وجل؟.. قد يقول قائل: إن التقرب يكون بالعمل الذي فيه كلفة، والذي فيه مجاهدة: كالعمل، والجهاد، والإنفاق؛ أي أن ينفق الإنسان مما يحب، وأن يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، فإذن المقياس هو العمل.. ولكن التقرب هو بالعمل وبالذكر.

21. إن الذكر إذا تغلغل في القلب، ودخل شغاف القلب؛ عندئذ تنسجم الجوارح مع حركات هذا القلب.. وبعبارة أخرى: القلب أمير البدن، فالقلب إذا صار إلهيا بالذكر؛ فإنه من الطبيعي أن تصبح المملكة إلهية، وهناك عبارة حكمية تقول: (الناس على دين ملوكهم)، فهذا التوجه ينعكس على الرعية.. والقلب إذا صار عامراً بذكر الله عز وجل؛ فإن الجوارح كلها تنسجم مع حركة هذا القلب.

22. إذا لم يكن هناك رصيد باطني، فإن الحركة اللسانية لا قيمة لها، وهذا ما قيل أن لا أجر فيه.. ولكن الإنصاف أن نقول: أن الله -عز وجل- بلطفه وبرحمته، سوف يؤجر هذا الإنسان، مثلاً: إنسان يلهج بذكر الله ولو لساناً، يبدو أنه أقرب إلى الرحمة الإلهية من إنسان لا ينطق بشيء.. أضف إلى أنه بمجرد أن تلهج هذه الليلة بـ(لا إله إلا الله) أو الصلاة على النبي، من الممكن أن تقولها تسع وتسعين مرة وأنت لا تعني شيئاً، ولكنه لا يعقل في المائة والمائتين والألف مرة، أن لا تستحضر المعنى ولو لمرة واحدة.. فهذه المرة كافية بأن تجعلك في زمرة الحائزين -إن شاء الله تعالى- على ثواب هذا الذكر.

23. الذكر الفكري، أرقى من الذكر اللساني؛ أي أن الإنسان ينشغل بالله عز وجل.. الذكر الفكري بمعنى: أن يتذكر الإنسان الشيء، ولا يتفاعل معه.. مثلاً: هناك شخص كان قادماً إلى المجلس، وأثناء سيره في الطريق رأى حادثاً مرورياً، أدى إلى موت أحد الأشخاص.. وفي نفس اللحظة، يكون هناك إنسان آخر أيضاً قادم إلى المجلس، ورأى الحادث، واكتشف أن الشخص الميت هو ابنه.. فالأول يتذكر الحادث ويستحضره، ولكنه لا يتفاعل معه.. أما الشخص الآخر، فإنه يتذكر الحادث، ويتفاعل معه، ولربما أغمي عليه من الألم.. وأيضا مثال آخر: بعض الأطباء في غرفة العمليات الجراحية، يقول: سبحان الله ما هذا الخلق!.. فهو رأى أعاجيب البدن؛ ولكن قد يدخل وقت الصلاة، وينتهي الوقت، ولا يركع لله ركعة واحدة.. فإذن، إن هذا الإنسان ذكر الله بفكره، بل رأى الآيات الإلهية بين يديه، ولكنه لم يتفاعل.

24. الذكر القلبي، وهو الأرقى؛ بمعنى: أن الإنسان قلبه يتفاعل مع ذكر الله عز وجل، فتحصل رقة القلب وجريان الدمع.. فإذن، إن الذكر القلبي هو ذلك الذكر الذي يتغلغل في أعماق القلب، والجوارح تسعى لأن تطبق حركتها مع الذكر القلبي.. وعليه، فإن الذكر الذي نعتقد أن الإمام (ع) يعنيه في دعاء كميل، هو هذا الذكر الذي يلامس أعماق الوجود.. وبالتالي، هذا هو الذي يقرب الإنسان إلى ربه.

25. إن شكر النعمة، ليس بأن تأخذ سبحة وتقول مئة مرة: شكراً شكراً.. إنما شكر النعمة يكون في صرف النعمة فيما يرضي رب العالمين، كما في قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}، فليس كل إنسان يفعل الخير هو منعم.

26. إن الخيرات لها درجات: هنالك خير دانٍ، وهنالك خير عالٍ.. فالشيطان إذا لم يمكنه أن يشغل الإنسان عن الخير، شغله بالخير الداني، مثلاً: هناك إنسان مؤمن مخير بين أن يطبع كتاباً مهماً يهدي الآلاف من الناس، ومخير بين أن يعطي مبلغاً لفقير يشتري به طعاماً أو دابة.. فشراء سيارة للمؤمن الفقير خير، وأيضا طباعة الكتاب الذي ينقذ الآلاف من الجُهّال والضالين خير.. هنا يحاول الشيطان أن يمنع الإنسان أولاً عن فعل الخير، وإذا لم يفلح شغله بالخير الذي هو أقل قيمة.. فهنيئاً لإنسان ألهمه ربه فعل الخير!..

27. عندما يطلب الإنسان من رب العالمين أن يلهمه فعل الخيرات؛ أي يعني بذلك كل مقدماته: فيسأل الله -تعالى- التقوى التي هي رصيد لقبول العمل {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}.. هنا اصطلاحان يبقيان في الذهن إلى آخر العمر: صلاح الفعل، وصلاح الذات.

28. إن البعض منا يستخدم الدعاء أداة لقضاء الحوائج.. وهذا يكشف عن علاقة مؤسفة مع رب العالمين، ويبدو أن هذه العلاقة هي العلاقة السائدة بين العباد جميعاً: وهي أننا نريد الله -عز وجل- لأنفسنا، ولا نريد أنفسنا لله عز وجل.

29. إن الذي يتأمل في هذه المقولة، يعيش حالة من الاضطراب.. فكيف يكون موقف الإنسان عندما يواجه ربه، وهو يظن أنه كان على خير، لا نقول كـ {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، هذا للذين لهم هفوات وأخطاء.. إنما الكلام هنا في الطيبين من الناس، في الذين لهم: صلاة، وعبادة، ودعاء؛ هؤلاء يظنون أنهم قد بلغوا أقصى الرتب.. والحال بأنهم اتخذوا ذكر الله عز وجل، واتخذوا رب العالمين والصلة به؛ ذريعة لنيل حوائجهم.

30. إن هناك فرقاً بين أن يطلب الإنسان حاجته من الله ورسوله وأوليائه، وبين إنسان يطلب حاجته من أهل الدنيا، وخصوصا لئام الخلق.. فالإنسان الذي يطلب الحاجة من لئام الخلق، هذا سيء!.. والإنسان الذي يطلب الحاجة من كرام الدنيا، هذا لا بأس به!.. أما الإنسان الذي يطلب حاجته من رب العالمين، فهذا جيد!.. ولكنْ هناك فرق بين أن يطلب الإنسان ربه ويدعوه لأجل قضاء حوائجه، وبين أن يتخذ الإنسان الحاجة والمسكنة وانكسار القلب ذريعة، ليس فقط لقضاء الحوائج، بل أيضا ذريعة للأنس بربه والكلام مع ربه.

31. إن الدعاء ذريعة للحديث مع رب العالمين والأنس به، وخاصة أن الدعاء يفتح باب اللقاء معه عز وجل.. أضف إلى أن الله -عز وجل- ينظر إلى المنكسرين المفتقرين، وقد ورد في الحديث القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم، والمندرسة قبورهم)؛ القلب الكسير قلب قريب إلى الله عز وجل.. فالانكسار والمسكنة والأذى والألم، يغطي على بعض الذنوب والسيئات.. ولهذا ورد في روايات أهل البيت (ع)، وهي من أواخر وصايا أحد المعصومين قبل استشهاده: (يا بني!.. إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله).. فهذا الإنسان يعيش الانقطاع إلى رب العالمين، ومن هنا يكون التحرش بهذا الإنسان أمر خطير.

32. إن الدعاء للغير من موجبات الاستجابة، ولهذا يقال: إذا أردت أن يقضي الله -عز وجل- لك حاجة، قدم حوائج الإخوان قبل حاجتك.. عن أبي عبد الله (ع): (مَن دعا لأخيه بظهر الغيب، وكّل الله به ملكاً يقول: ولك مثلاه).

33. بدل أن ندعو فقط للخلاص من نار جهنم، لماذا لا ندعو للخلاص من العلل التي تسوقنا إلى نار جهنم؟.. فالإنسان قبل أن يطلب من الله -عز وجل- أن يخلصه من نار جهنم، يطلب أولاً من الله -عز وجل- أن يعينه على ما لا يجعله من الداخلين إلى النار، وهنا الشجاعة والفخر والبطولة!..

34. إن الدعاء الجامع المانع، هو الدعاء الذي يُقرأ في شهر رجب: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة، واصرف عني بمسألتي إياك جميع شر الدنيا وشر الآخرة؛ فإنه غير منقوص ما أعطيت، وزدني من فضلك يا كريم).. هذا العطاء عجيب: وهو جميع خير الدنيا، وجميع خير الآخرة!.. إن هذا الدعاء هو أجمع صيغة للدعاء، ربما يكون هنالك ما هو أجمع، نحن لا ندري!.. ولكن هذا الدعاء جوهرة في خزانة المملكة، وهو من أغلى الجواهر.. ولكن لعل هنالك جواهر أخرى لم نطلع عليها.

35. إن الذي يتذكر هذا السفر الموحش، ويتذكر ما بيده من بضاعة؛ هي حقيقة موحشة.. فالذي يعيش هذا الفقر، والذي يعيش هذه الوحشة، عندما يقول: (أعطني بمسألتي إياك جميع خير الدنيا وجميع خير الآخرة) يرجو أن يعطى له زاد.. فالإنسان الكريم الذي يرى أن هذا الشخص لا ماء له ولا زاد، يصب الماء في قربته، وبذلك يرفع عنه الوحشة والفقر، ويمشي في طريقه.. ورب العالمين خزائنه بين الكاف والنون، {يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، {وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا}.. هكذا هي سياسة رب العالمين في عباده.

36. إن هنالك ما لم يخطر ببال الإنسان من الدرجات والمقامات.. لذا، إذا طلبت من رب العالمين طلباً، وسّع الطلب.. وما المانع أن نقول: يا رب، أعطِّ هذه المزية لكل المؤمنين والمؤمنات.. فالمؤمن همته عالية.. تعالى رب العالمين أن يشبه عطاءه وأفعاله وصفاته بشيء، ولكن تصور هذا المعنى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.. في عبارة أخرى في أدعية أهل البيت هنالك عبارة جداً بليغة: (فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة)؛ أي هنالك إرادة، وهناك قول، وهناك تنفيذ.

37. إن الدعاء ليس وسيلة لقضاء الحوائج.. وإن شاء الله -تعالى- نصل للمرحلة الكمالية قبل رحيلنا من هذه الدنيا، وهي: ألا نطلب رب العالمين لأنفسنا، بل نطلب أنفسنا لله عز وجل.. هنيئاً لمن كان بهذه المرتبة من القرب لله عز وجل!..

38. إن رب العالمين ليس بناؤه على تغيير النعمة المعطاة، فهذا خلاف الكرم.. والكرماء ليس من معدنهم ذلك!.. ولكن العبد بسوء اختياره لفعله، يقوم بما يوجب له سلب هذه النعمة: وهو كفران النعم.. وكفران النعم هو أن نستعمل النعمة في غير ما أمر الله عز وجل؛ لأن الله -تعالى- عندما أعطاك نعمة، علمك كيف تستغل هذه النعمة، مثلا: هذه الأيام عندما يشتري الإنسان سيارة، يكون معها كتيب صغير لكيفية استعمال هذه السيارة.. ورب العالمين خلق الإنسان، وأعطاه القوى الظاهرية والخارجية؛ ليعلمه كيف يعيش في هذه الحياة كما قال في كتابه الكريم: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا}.. فلم يقل: أكثركم عملا، ولكن قال: أحسنكم عملا!.. وهو الذي يحقق الهدف من هذه الخلقة.

39. إن الذي يستعمل النعمة في غير المصير الذي رسم لها؛ هذا الإنسان يعد خارجاً عن الدائرة التي رسمها له رب العالمين.

40. إن الإنسان قد يكون في موضع الإجابة: عند قبة الإمام الحسين، وعند الميزاب، أو في جوف الليل وهو باكياً داعياً، ولكن لا يعلم أن هذا الدعاء له مانع وهنا المصيبة!.. مثلاً: إذا وضع غصن رطب في النار، فإنه لا يحترق.. النار محرقة، ولكن الرطوبة في هذا الغصن الطري تمنعه من الاحتراق؛ لذا يجب تجفيف الغصن وإزالة الرطوبة أولاً، عندئذ الغصن يحترق.

41. إن الذي يدعو بشدة ولا يستجاب له الدعاء، قد يبتلى بسوء الظن بالله تعالى.. فهو يذهب لزيارة الأئمة (ع) ويشد الرحال لهذه الأماكن الطاهرة، ولا تستجاب له دعوة.. والبعض قد يرجع ومشكلته تعقدت أكثر، فيعكف عن الله ورسوله وأئمة أهل البيت، ولا يعلم أن هناك ما يوجب له حبس الدعاء.. لذا، يجب أن ينظر المؤمن لأموره بقرب وبدقة.. ويطلب من الله -عز وجل- أن يبصره بعيوبه (إذا أراد الله بعبد خيراً: زهده في الدنيا، ورغبه في الآخرة، وبصره بعيوب نفسه).

42. إن الذي يعيش الخوف من الذنوب التي تحبس الدعاء، عليه أن يستغفر أولا، ثم يشد الرحال إلى مواطن الطاعة.. فإذا رجع من هذا السفر، يكاد يطمئن أنه رجع نظيفاً نقياً.

43. إذا صار بناء رب العالمين على الانتقام، فإنه يجتث الإنسان من جذوره، فيسلب منه النعم بحيث لا ترجع إليه مرة أخرى.

44. إن رب العالمين إذا أحب عبداً، يؤدبه في الدنيا بأقل زلة حتى يوقظه من نومته.. ونحن نرتكب عشرات المخالفات ولا نرى شيئا، فمن نعم الله على عبده المؤمن، أن تعجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.. هذه العقوبات المعجلة تكون خفيفة؛ لأنها تكون بعد كل معصية فلا شيء متراكم.. وفي نفس الوقت هذه العقوبات، توجب الاستغفار السريع.. والمؤمن الذي يريد أن يتخلص من النقم، عليه أن يصفي الحساب مع ربه دائماً.

45. إن المؤمن إذا وقع في البلاء بعد الطاعة المتواصلة، يُعلم أن هذا الإنسان -إن شاء الله- على خير، وهذا يسمى بلاء رفع الدرجة، لا بلاء رفع العقوبة.. فمرة ترفع عقوبة الإنسان بالبلاء، ومرة ترفع درجة الإنسان بالبلاء.. وفرق بين هذا وذاك!..

46. إن الإمام (ع) في أول دعاء كميل، يبدي معرفته بالله عز وجل، فيسأله: برحمته، وبعزته، وبسلطانه، وبأسمائه، وبعلمه.. فهو يلتفت إلى الرب أولاً، ثم يلتفت إلى نفسه ثانياً، ويذكر أنواع الذنوب في حياة الإنسان.. فإذن، إن المؤمن في دعائه مع رب العالمين، يراعي هذا الترتيب!..

47. يقول (ع): (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ)؛ ولكن الإمام لم يذكر ماهية هذه الذنوب، كان بإمكانه أن يقول: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، وهي: عقوق الوالدين، أو النميمة مثلاً).. نحن نعتقد أن نفس الإبهام في آثار الذنوب أمر مطلوب، والإمام لم يذكر ذنباً خاصاً يهتك العصمة، ولا ذنباً خاصا ينزل النقمة.. فالإنسان احتياطاً يحاول أن يجتنب كل هذه الأمور.

48. إن الذنوب على اختلاف أشكالها وألوانها ذنوب مدمرة، يقول الإمام (ع): (اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ)!.. يقال في اللغة العربية: الجمع إذا أضيف له (الـ) فإنه يفيد العموم.. (اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ)؛ أي لا تدع لي ذنباً إلا غفرته.. لعل السبب في أن الإمام لم يذكر هذه الذنوب، حتى يخاف الإنسان من كل ذنب، فيقول: ربما هذا الذنب يحبس الدعاء، وربما نفس الذنب يهتك العصم، ومن الممكن أن نفس الذنب ينزل النقم.. وعليه، فإن المؤمن يظل خائفاً دائماً.

49. إن الإمام (ع) في دعاء كميل، ليس في مقام بيان خطبة الجمعة، أو حديث حول المعاصي والذنوب، إنما المقام مقام إجمال.. فإذن، إن الإمام لم يفصل؛ لأن هذا هو المطابق للبلاغة، هو في مقام الدعاء.. وبالتالي يذكر العناوين العامة للذنوب والمعاصي.

50. إن من أسوأ الذنوب بشكل عام، ومن أقبح الذنوب، بل من أقرب الذنوب للعقوبة المعجلة؛ هو الذي يذنب الذنب وهو غير متأسف ولو بعد الذنب مباشرة.

51. إن رب العالمين لا ينتقم بسهولة، والانتقام صفة بشرية: الإنسان الضعيف عندما يعجز، وعندما يخاف الفوت، يحتاج إلى ظلم الضعيف.. فإذن، إن الانتقام حالة بشرية بشكل عام، ولكن الله -عز وجل- في كتابه الكريم، يعبر عن نفسه {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}، هذا الانتقام ليس بدواعٍ عاطفية، ولا بدوافع شعورية بمعناه البسيط الساذج، ولكن لأن الله -عز وجل- يرى أن في هذا الانتقام تمام الحكمة والمصلحة.

52. إن الإمام (ع) لم يذكر في دعاء كميل، الذنوب التي تنزل النقم.. ولهذا نحتمل -والله العالم- إن الذنوب التي توجب الانتقام، هي التي فيها جانب تحدٍّ لله عز وجل.. ولهذا يقولون في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}؛ أي الذنب الذي لا يغفره الله هو الشرك.. معنى ذلك: إن الذنب الذي لا يُغفر يوجب الخلود، وإلا لو كان قابلاً للمغفرة لما كان هنالك خلود.. كل ذنب يغفر إلا الشرك، ونحن نعلم أن الشرك من موجبات الخلود.

53.  إن الإنسان المؤمن عندما يصرف النعمة الإلهية في طاعة الله -عز وجل- لا يرى أنه منَّ على الله ورسوله.. بعض الناس يدفع مالاً في سبيل الله، أو يدفع خمساً واجباً عليه، وكأنه قام بعمل عظيم، ويجب أن يُحمد عليه.. بينما القرآن الكريم يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}؛ أي يدفعون الخمس، بل المستحبات، {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}.. المفروض أن يكون قلبه مطمئناً ومرتاحاً بهذا الإنفاق، ولكنهم خائفون؛ لأنهم لا يعلمون: هل رب العالمين يقبل منهم هذا الإنفاق؟!..

54. إن الداعي يحتاج إلى أن يلتفت بأن الله عز وجل: قهار، وسلطان، وقوي، وعزيز.. عندما نطلب منه شيئاً، نطلب من ذلك الوجود وسلطان الوجود.. هذا الدعاء له أثر في الحياة، وهي ليست قضية دعاء في جوف الليل، وبكاء في صلاة الليل.. فالذي يقيم صلاة الليل من أقوى الناس في النهار!.. إن الداعي عندما يدعو ربه في جوف الليل أو في وضح النهار، يرتبط بهذه السلطنة الإلهية، وبهذه العزة الإلهية.

55. أن المؤمن يدعو ربه وهو متيقن بالإجابة؛ بمعنى أنه لا يعجزه شيء.. رب العالمين هو مسبب الأسباب، والذي جعل السبب له الحق أن يرفع السببية.. نحن عندما ندرس العلة والمعلول، نأتي بمثال النار والحرارة، النار تسبب الحرارة، ولكن رب العالمين في قضية إبراهيم -عليه السلام- ليس فقط سند الحرارة للنار، بل أعطاها صفة معاكسة ألا وهي البرودة {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}؛ أي أن النار أصبحت كالثلج، وليس فقط أصبحت بلا حرارة!.. فإذن، إن الرب الذي جعل السببية، هو الذي يرفع السببية إذا شاء: الماء يُغرق، الماء عنصر سيال، ولكن عندما جاء دور موسى -عليه السلام- أصبح الماء كالحديد الصلب.. وهكذا في قصص الأنبياء عليهم السلام، رب العالمين يريد أن يفهمنا أنه إذا أراد الإنسان منه شيئاً، عليه أن يقدم الطلب، ولا يفكر كيف سيقضي له هذه الحاجة!..

56. إن تصوُر العزة والسلطنة والجبروت الإلهي، يجعل الإنسان مرتاحاً في دعائه.. فإذا دعا ولم يُستجب له، ليس عدم الاستجابة؛ لأن الله -عز وجل- لم يقدر على قضاء حاجته -أعوذ بالله من ذلك- بل لأنه يرى المصلحة في التأخير!..

57. إن الذي يريد العزة، والوجاهة، وأن يكون مهاباً في الناس؛ فإن الطريق إلى ذلك ليس العسكر، وليس المرافقين، وليس النياشين العسكرية التي تُعطى وتؤخذ بعد فترة؛ كل هذه الأمور تُعطى وتُسلب.. عن الإمام الصادق (ع): (من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان.. فلينقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته).. وننتهي إلى رواية من روايات أهل البيت فيها كل الخير: سئل الإمام السجاد (عليه السلام): ما بال المجتهدين بالليل من أكثر الناس نوراً؟.. قال: (لأنهم خلوا بربهم، فكساهم ربهم من نوره).. ولهذا من خاف الله -عز وجل- خاف منه كل شيء، عن الصادق (ع): (من خاف الله، أخاف منه كلّ شيء)؛ لأن الله يزرع الهيبة في قلوب الناس ممن يخافه ويخشاه.

58. إن هذه المضامين التي في دعاء كميل، تجعل الإنسان في أول الدعاء يعيش حالة الارتباط مع الله -عز وجل- من باب الرحمة، ويعيش حالة الارتياح أن كل ما عنده من حوائج بين يدي الله عز وجل، وبين يدي قدرته.. ومن هنا نظن أنه إذا دعونا رب العالمين لا نجرب الرب، البعض يقرأ الدعاء ويقول: أُجرب هذه الختمة، أُجرب هذه الزيارة، أذهب إلى العمرة لعله كذا!.. عن الصادق (ع): (إذا دعوت، فظن أن حاجتك بالباب)، وإذا كانت الحاجة بالباب، أنت تحتاج لأن تفتح الباب وتأخذ الحاجة، وفتح الباب إنما يكون بالدعاء بين يديه.. إذا فتحت الباب ولم تر الحاجة، فاعلم أن هنالك حكمة في البين.

59. نحن عندنا صفة مشتركة مع رب العالمين- إجمالا- ونقولها بكل احتياط وحذر: رب العالمين علل العلل وأنشأ الوجود، وأنت بحسب الظاهر علة الوجود لذريتك.. صحيح أن رب العالمين هو الخالق، وهو المصور البديع، ولكن أنت بحسب عالم الأسباب كنت سبباً لإنجاب هذه الذرية الطيبة إن شاء الله، رب العالمين كما أنه {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، عندما خلق الشيء اعتنى به، خلق بني آدم، وأعطاه الهواء الذي يتنفسه {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.. فإذن، إن رب العالمين أوجد الشيء وأعطاه رزقه.. والإنسان متشبهاً بالله عز وجل: فهو أنجب ذرية، لماذا يظلم هذه الذرية بعد الإنجاب؟.. بعض الآباء ينتهي دورهم بمجرد أن انعقدت النطفة، ولا دور لهم في تربية الولد إلى سن متأخرة.. وهذا خلاف الأدب الربوبي الذي يرعى الشيء بعد وجوده.

60. إن الذي يريد أن يستجذب الرحمة الإلهية؛ لابد أن يتشبه برب العالمين في تلك الصفة بمقدار ما أوتي من قوة {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}.. هنالك مقولة، ونقول: بأنه إذا صح هذا الكلام؛ فإنه بشارة لنا إن شاء الله، نقول: إن بعض الدول تفتح سفارة في دولة، فتأخذ مبنى، وتبعث سفيراً مفوضاً، يقدم أوراق الاعتماد، وثم يصبح سفيراً معتمداً.. بعد فترة تتوطد العلاقات مع تلك الدولة، فيفتحون ملحقاً ثقافياً، وبعد فترة ملحقاً اقتصادياً، وبعد فترة ملحقاً عسكرياً.. فهذه كانت سفارة، ولكن توسعت فروعها وانتشرت على امتداد المدينة.. هذا مثال بسيط، يوضح لنا أن الشيء إذا تأسس عندئذ يتفرع.

61. إن الإنسان الذي يتشبه بالله -عز وجل- في صفة من الصفات الإلهية، فإن رب العالمين ينظر إليه من خلال تلك الصفة.. هو إنسان صفاته الأخرى لا تشبه الصفات الإلهية، ولكن له صفة من الصفات الإلهية.. فيرجى ببركة هذه الصفة، أن يُعطى أبعاداً أخرى!..

62. إن الإنسان الذي يتحلى بصفة الرحمة، وهي صفة إلهية؛ فإنه يُعطي هيبة في نفوس الناس، والهيبة والجبروت والكبرياء من الصفات الإلهية.. هو إنسان تشبه بالرحمة، ولكن يعطى صفة الكرم مثلاً، هذا الإنسان رب العالمين تجلى له من خلال نور الرحمة، ولكن يضيف إليه نور الكرم.. معنى ذلك إن النور إذا دخل، فإن بركات هذا النور تتوسع في القلوب.. لذلك على الإنسان أن يدعو الله -عز وجل- أن يجعله من الذين أعطوا هذا النور الإلهي، وترسخت أشجار الشوق والحب والرحمة وغيرها في حدائق صدورهم.

63. إن المؤمن لا ينتظر الجوائز معجلة، وبناء رب العالمين على اختبار صبر العباد.. فالذي يريد أن يأخذ الجائزة فوراً، هذا إنسان لا يمكنه أن يسير في طريق القرب إلى الله عز وجل، مثلاً: يسمع أحدنا ببركات صلاة الليل، فينوي هذه الليلة أن يصلي صلاة الليل.. وصلاة الليل توجب سعة الرزق، وتوجب نور الوجه ونور الفؤاد.. يصلي لمدة أسبوع وأسبوعين، أو شهر وشهرين؛ فلا يرى شيئاً في حياته، فيترك هذه الصلاة.. بينما الذي يريد أن يقطف الثمار من المستحبات، عليه أن يواظب على هذا المستحب سنة على الأقل، من المرجو بعد تلك السنة أن يرى بعض الثمار.. وإلا لو كان عندما يصلي صلاة الليل، تنزل عليه ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء؛ لكان كل الناس من أولياء الله عز وجل.. فإذن، إن البناء على كتمان الإسرار، وعدم التعجيل في الجوائز.

64. إن مشكلة الشباب عادة تعود إلى القضايا النسائية، والقضايا النسائية تعود إلى النظر.. فالذي لا ينظر؛ لا يتفاعل ولا يثار.. فإذا لم يتفاعل ولم يثار؛ لن يرتكب الحرام.. ولهذا نقول: اقضوا على الحرام في مهده، لأنه إذا زرعت بذرة الحرام ونبتت؛ عندئذ من الصعب أن تقلع هذه الشجرة!..

65. إن باب المعرفة، وباب الإلهام، وباب التعليم الإلهي؛ مفتوح للجميع.. وفي القرآن الكريم، عينات من غير الأنبياء، تثبت أن هناك اتصالاً بين رب العالمين وبين هذه الموجودات.

66. إن الأدعية الواردة في مناسبات معينة: كليلة الجمعة -مثلاً- أو صباح الجمعة، أو بين الطلوعين، أو في شهر رمضان، أو ليالي القدر.. ليس معنى ذلك النهي عن قراءة هذه الأدعية في غير هذه الأوقات!.. إذا كان الإنسان يستأنس بمضمون الدعاء؛ فليحفظه!..

67.  إنه لمن المناسب جداً للمصلي أن يدخل الدعاء في كل صلاته.. فالمؤمن تأتيه بعض الحالات في مقام إبراهيم -مثلاً- أو في روضة النبي الأكرم (ص)، وأحياناً تأتيه الرقة في الصلاة.. والمؤمن على كل حال له حالات: يقبل يوماً، ويدبر يوماً.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتَعرَّضوا لها.. فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة، فلا يشقى بعدها).. وهذه النفحات جداً غالية على الله عز وجل!.. إن كان البعض من المؤمنين له في كل ليلة، وفي كل صلاة ليل، نفحات إلهية تفيض عليه.. فإن العامة من الناس في السنة: في الحج، أو العمرة، أو في ليلة القدر؛ لهم في الدهر أربع أو خمس محطات ملفتة.. أما البعض فإنه يستنشق ذكر الله كالهواء، إذا انقطع عنه الهواء خمس دقائق يختنق.. بعض المؤمنين علاقته بالذكر، هي هذه العلاقة العضوية الوطيدة.

68. إن البعض يستعد أن يصلي حتى يدعو بعد الصلاة!.. لماذا لا تدعو أثناء الصلاة، لأنك أنت الآن بين يدي الله وفي ضيافته، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فكيف إذا كانت الصلاة في روضة النبي، أو في الحرم المكي، وهو يناجي ربه في كل فقرة من فقرات صلاته!.. وهذا من الاقتراحات المناسبة في هذا المجال، أن نخلل الأعمال العبادية بالأدعية.

69. إن البعض قد يستنكف عن قراءة دعاء كميل ليلة الجمعة، والسبب في ذلك أن وقته ضيق.. فمن قال بأنه عليك أن تقرأ الدعاء من أوله إلى آخره؟.. بإمكانك أن تقرأ قسماً من الدعاء عند ضيق الوقت، مثلاً من فقرة: (اَللّهُمَّ وَمَنْ أرادني بِسُوء فَاَرِدْهُ) إلى آخر دعاء كميل، كلها مضامين عالية.. وكذلك فإن النتيجة والثمرة النهائية، موجودة في هذه الفقرة وما بعد: (وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً، وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ إِجابَتِكَ) إلى أن تقول: (وَاجْعَلْني مِنْ أحْسَنِ عَبيدِكَ نَصيباً عِنْدَكَ، وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ، وَأخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَيْكَ...الخ).

70. إن أمير المؤمنين (ع) لعله أراد بدعاء كميل، أن يبين لنا فضل الخضر هذا العبد الصالح، وهذا الولي الذي هو في زمان الغيبة.. الدعاء الذي يعتبره المجلسي أفضل دعاء، هذه شهادة تدعونا للتدبر والتأمل في مضامين هذا الدعاء.

71. إن البعض منا قد يرى رواية غريبة لا يستسيغها، أو لا تنسجم مع عقله هو.. ولكن احتراماً لأهل البيت ورواياتهم، لا تسارع إلى الإنكار، ولكن رده إلى أهله.. والذي ينفي أحاديث أهل البيت لمجرد الاستغراب، هذا إنسان لديه نقص في البعد العلمي، فأن يسارع الإنسان إلى النفي بمجرد الاستغراب، هذا لا يقبله البحث الأكاديمي.. ولو كان الأمر منوطاً باستغرابنا لحكمنا -والعياذ بالله- على آيات من القرآن بأنها آيات غير معقولة، مثل آية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي يد هذه؟.. و{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، كيف يأتي الرب مع الملائكة؟.. فرب العالمين (لا يكيف بكيف، ولا يؤين بأين)، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}، {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}.. فإذن، هذه الآيات كما أن فيها محكمات ومتشابهات، كذلك في تراث أهل البيت (ع)، هنالك محكمات وهنالك متشابهات، على الإنسان إما أن يكون أكاديمياً، أو متأدباً في مناقشة هذا التراث العظيم.

72. ما المانع أن يجمع الإنسان بين الأمور الثلاثة: بين الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح؟..

73. إن كلمة الآداب المعنوية، تقترن عادةً بالعبادةِ المعنوية، مثل: الصلاة، والحج، وقراءة القرآن.. ولكن هذه النقلة الجميلة للدمج والمزج بين عالم الآداب الباطنية، وبين الحركة الخارجية في الحياةِ، هي سمة واعية من العاملين.

74. إذا وجد خلاف بين مؤمن ومؤمنة، فإن الخلاف يتحول إلى اختلاف، وبالتالي إلى خصام، وكما ورد في الحديث: (من بالغ في الخصومة ظلم، ومن قصّر ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من يخاصم).. إن الشهوة والغضب سحابتان داكنتان، وإذا سيطرتا على أرض، فإنها تحجب الإنسان عن النظر إلى الشمس.. هذه حقيقة لا تنكر!.. ولهذا نلاحظ بأن المؤمن الصالح عندما يترقى في الإيمان درجة، والشيطان ييأس من الدخول إلى مملكته، فإنه يحاول أن يجد ثغرة من خلال ولده، أو من خلال أبويه...؛ يرى أضعف النقاط في حياته الاجتماعية، والزاوية التي يمكن أن يأتي من خلالها؛ ويحاول أن يقضي على الإنسان من خلال تلك النقطة.. فعلينا أن نراقب هذه الثغرات الضعيفة، أو الزوايا الحساسة الهشة، التي يمكن أن يُؤتى من خلالها الإنسان.

75. إن من الأسس القوية التي تعين على تكوين البناء الزوجي: الإلمام بالثقافة الجيدة في مجال الحياة الزوجية والأسرية.. ومن الضروري الاهتمام بهذا الجانب.. فمن الملاحظ أن بعض الناس مستعد أن يتغرب عن وطنه أشهراً أو سنوات، لكي يجتاز دورة ثقافية في عالم من العوالم، ولكن يهمل هذا الجانب المهم في حياته!.. العلاقة مع ربه ألا تحتاج إلى دورة وإلى قراءة مركزة؟.. إذا كانت هذه علاقات فوقية -وهي لأهلها-، فماذا عن العلاقات الأرضية التحتية؟..

76. إذا كان الحكم بين الزوجين هو الشرع المقدس -الذي لا ينحاز إلى باطل أبداً-، فهل تخاف الزوجة من المستقبل في حياتها الزوجية؟.. فإنه من المعلوم أن من مصادر التوتر في الحياة، هو دائماً الخوف من المستقبل المجهول.. وعليه، فإن الذي يُطمئن الزوجين، هو هذه الحكمية؛ لأنهما يعلمان أن القرار الأخير في الحياة الزوجية وغير الحياة الزوجية، هو رب العالمين من خلال شريعته.

77. ليس من العيب أبداً أن يذهب الإنسان قبل أن يتزوج إلى أهل التعقل وأهل التدبر وأهل التجربة؛ فإن أخذ العلم من صدور الرجال، اختصار للمراحل!.. هناك بعض الناس اكتسبوا معلومات قيّمة في الحياة، لا توجد في بطون الكتب، وإنما اكتسبوها بالممارسة.

78. إن خير آية يمكن أن تكون مصدراً تربوياً للحياة الزوجية، هو هذه الآية التي يقرؤها العاقدون قبل عقدهم، ويكتبها الكاتبون في مقدمة بطاقات زواجهم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

79. يقول تعالى: {وجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.. إن هذه المودة لم تأت من الغرائز فحسب، ولم تأت جزافاً وتلقائياً، وإنما هي مودة مجعولة.. هذه المودة المجعولة لم تأت من عقد العاقد، ولا من رغبة الزوجين في الحياة الزوجية، وإنما جاءت بجعل من الله عز وجل.. وهو الذي في آيات أخرى بالنسبة للأمة يقول: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.. كما أنه ألف بين قلوب المسلمين، بعدما كانوا على شفا حفرة من النار، هذه اليد القديرة التي ألفت بين صفوف المسلمين -واجتماع الأمة على كلمة واحدة ليس بالأمر الهين-، هو بطريق أولى يقدر على أن يؤلف بين نفسين وبين فردين.. لنحاول أن ننسق مع هذا الجاعل، لئلا يسلب جعله، ولئلا يبطل مفعول هذا الجعل، بسوء تصرفنا.

80. إن المودة والرحمة بحسب الظاهر لفظتان قريبتان في المعنى، ولكنهما في الحقيقة متفاوتتان.. فالرحمة -والله العالم- حالة أرقى من حالة المودة، إذ أن فيها نفساً إنسانياً، وفيها نفساً تجريدياً.. قد تكون المودة مبتنية على بعض المصالح الغريزية وما شابه ذلك، ولكن الرحمة حالة إنسانية راقية.. إن الحياة الزوجية تقوم على أساس المودة، التي تأتي من روافد عديدة، منها: الغريزة، وطلب النسل، والاستقرار في الحياة، وتدبير الأمور المعيشية اليومية؛ ولكن الرحمة تبقى لا تتأثر بالعوامل اليومية.

81. إن من المناسب للإنسان، أن يكثر من الدعاء في أن يبارك الله -عز وجل- له في أسرته.. ومن المعلوم أن هذا هو ديدن الأنبياء (ع)، إذ الملاحظ أن الأنبياء (ع) كانوا يفكرون في ثمرة الحياة الزوجية، ويطلبون من الله -عز وجل- الدرجات العليا لذرياتهم.. فهذا إبراهيم (ع) يُجعل للناس إماماً، فيطلب ذلك لذريته: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. وهذا نوح (ع) يهمه أمر ولده الكافر، فيطلب من الله -تعالى- أن ينجيه من الغرق: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}.

82. أن التزاوج يحتاج إلى بلوغ نفسي.. أي أنه لابد للزوجين أن يُرّفعا من مستوى التفكير، بحيث يكون العقل هو العنصر الحاكم في الحياة الزوجية.

83.  إن الذي يعيش مع طرف ما، أو مع صديق ما، وكانت فترة الارتباط فترة زمنية مؤقتة، فمن الطبيعي أن الانسجام يتناسب مع هذه الفترة الزمنية.. ولهذا نحن في الطائرة أو في القطار -مثلاً- عندما نتعرف على إنسان، فإننا نعطي له من الاهتمام والأهمية والعطف، بمقدار ما تستحقه طبيعة المعاملة.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحياة الزوجية.. لو أن الإنسان في باله أن يعيش مع زوجته سنوات من الحياة الدنيا، فمن الطبيعي أن يتعامل معها عاطفياً بنسبة متناسبة طرداً وسلباً مع هذه الفترة.. ومن هنا فالماديون -الذين يقولون: لا يهلكنا إلا الدهر- يعيشون هذه الحالة من الحياة المؤقتة، ويلتفتون إلى المرأة مادامت تعيش زهرة شبابها، وغاية تصوراتهم في هذه الحياة الدنيا، أن هذه العلاقة تستمر إلى ما قبل الممات.. ولكن المؤمن يرى بأن العلاقة بينه وبين الزوجة علاقة أبدية لا تنتهي، وإذا كانت الزوجة صالحة، فإن هذه العلاقة تستمر إلى أبد الآبدين.

84. إن الذي يحاول أن يُصّعد بمستوى الزوجة إلى مرحلة الكمال، فإن هذا مما يجعل الزوجة شريكة عمر للإنسان إلى أبد الآبدين.. ومن المرغبات أيضاً، لأن يكون الرجل ممن يحسن أخلاقه مع الزوجة حتى يصل لهذه الدرجة -كما في بعض الروايات-: أن المرأة إذا تزوجت رجلين، فإنها يوم القيامة تُعطى لأحسنهما خلقاً كان معها في الدنيا.. قالت أم حبيبة لرسول الله (ص): أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدنيا، فتموت ويموتان ويدخلون الجنة، لأيهما هي تكون؟.. قال: (لأحسنهما خلقاً كان عندها في الدنيا.. يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة).

85. إن المباركة الإلهية يمكن أن يعتمد عليها الإنسان في مختلف ظروف الحياة، حتى في جو الخلاف والنزاع، كما نلاحظ في قوله تعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا}.. أي أن الزوجين المتشاكسين، إذا أرادا الإصلاح، فإن الله -عز وجل- يوفق بينهما، بمعنى أنه يتدخل في تقريب القلبين، فهو الذي جعل المودة، ثم سلبت هذه المودة بسوء التصرف، وإذا بالله -سبحانه وتعالى-لطفاً بهذا العبد أو بالعبدين، يرجع لهما هذه الحالة التي سلبت، من خلال خلافهما مع بعضهما البعض.

86. إن المرأة عندما يراد لها الحياة الزوجية المستقرة، فإنه من الأفضل لها أن تكون متقيدة في تحركاتها.. حيث أن عوامل الخلاف الزوجي، كثيراً ما يكون بسبب تشبع ذهن الرجل بصور النساء.. فالرجل الذي يتعامل مع العنصر النسائي في دائرة الجامعة أو الوظيفة، يكون في ذهنه كم هائل وكبير من صور النساء، ولا شك أن زوجة الإنسان لا تمثل قمة الجمال في عالم النساء، وبالتالي نلاحظ أنه عندما يرجع إلى المنزل، وينظر إلى زوجته، تكون هنالك حركة لا شعورية من المقارنة..

87. إن الرجل الذي يكثر من النظر للأجنبيات حتى بغير شهوة، والمرأة التي تكثر من المزاح والحديث والتعامل مع الرجال الأجانب ولو من دون ريبة؛ ليلتفتا معاً إلى أن هذا التعامل اللصيق بالجنس الآخر، يوجب لا شعورياً حالة القياس اللاشعوري.. إذا قارن الرجل في عالم الذهن بين الزوجة وبين النساء الأخريات، وحكم في نفسه على أن النساء الأخريات أكثر جمالاً، وأكثر ثقافة، وأكثر جاذبية؛ فإنه من الطبيعي عندما يدخل الجو المنزلي، يعيش حالة من حالات النفور الطبيعي تجاه زوجته.. وكذلك الزوجة التي تتعامل مع مختلف صنوف الرجال، فإنها تنظر إلى الزوج على أنه رجل من الرجال، ولا ترى فيه ذلك الوجود المميز.

88. إن العناصر المادية في هذه الدنيا مآلها دائماً إلى الأفول!.. إن رب العالمين شاء أن يبتلي النساء بهذه الأمور.. ولكن في المقابل لو نظرنا إلى الجانب الإيماني، فإن بدء التكامل الإيماني إنما يكون بعد العقد؛ لأن الإنسان قبل العقد يعيش هواجس المرأة والزواج، وقد قال النبي (ص) مشيراً لذلك: (ما من شابٍّ تزوّج في حداثة سنّه، إلا عجّ شيطانه: يا ويله!.. يا ويله!.. عصم مني ثلثي دينه، فليتقّ الله العبد في الثلث الباقي).. ومعنى ذلك أن الإنسان عندما يتزوج يسد باباً من أبواب الشيطان على نفسه، هذا الباب الذي كان مشغولاً في انتخاب امرأة انسد الآن، واستقر مع مؤمنة، وما بقي عليه الآن إلا البرمجة لحياة جديدة، لحياة يغلب عليها جانب الواقعية، بعد ما كان يعيش عالم الخيال والوهم والمثالية والشهوات وغير ذلك.

89. ننصح الإنسان عندما يريد الزواج، ألا ينظر إلى الشكل الملفت، وإنما لينظر إلى ما وراء الشكل، لينظر إلى جيناتها الوراثية، وإلى روحها، هل هي روح لطيفة أم روح ثقيلة؟.. لينظر إلى ترسبات الماضي، هل هي من بيئة سليمة، أو من بيئة غير سليمة؟.. ولا بأس أن يلحظ تاريخ الأبوين والأرحام، فإن كل ذلك مؤثر في حركة الحياة، كما ورد عن الرسول الأكرم (ص): (اختاروا لنطفكم، فإنّ الخال أحد الضجيعين)، والعلم أثبت بأن هذه الجينات الوراثية مقتبسة من أجيال وأجيال.

90. إن الذي ينظر إلى الجانب الجمالي للمرأة، فقد يكله الله -عز وجل- إلى هذا الجمال، الذي له بريقه في أيام.. ونحن نلاحظ أنه قبل مرور السنة أصلاً، وبعد الشهر -ما يسمى بشهر العسل-، وإذا بالإنسان يرى كل شيء مألوفاً لديه.. ولهذا نلاحظ أن الذين يعيشون حالة الغرام والعشق الشديد قبل الزواج مع فتاة معينة، فإنه يتفق كثيراً أن تصيبهم حالة من النفور الشديد في بعض الحالات.. لأنه كان يعيش الوهم، كان يصور لنفسه قصراً خيالياً، وعندما دخل هذا القصر لم ير تلك الصورة الجميلة.. بينما الإنسان المؤمن إنسان واقعي، يرى كل شيء في موضعه، فالسعادة التي تأتيه من جهة الزوجة لها رافد معين، وهنالك روافد أخرى للسعادة، فلا يبتلى بحالة من حالات الإحباط أو اكتشاف أمر غير متعارف.

91. الذي نقوله بالنسبة إلى انتخاب المرأة كي تكون شريكة، هو انتخاب المليحة.. ينبغي أن نلتفت أنه بين الرجال والنساء هنالك جاذبية، كجاذبية حجر المغناطيس.. إن حجر المغناطيس عندما تراه ملقىً على وجه الأرض، لا ترى فرقاً بينه وبين باقي الأحجار والمعادن، ولكن قرب إليه برادة حديد، فإذا بآلاف القطع تتجه إليه.. كذلك فإن رب العالمين جعل الخاصية المغناطيسية في أرواح البعض، وحتى في وجوه البعض.. فإذن، إن الجاذبية في الأنثى قضية لا تقاس بالمساحيق، وهذه التناسقات الظاهرية.. فمن الممكن أن يُرزق الإنسان المؤمن امرأة مؤمنة، وفيها هذه الجاذبية الخفية.

92. إن المؤمنة عليها -إذا كانت تود رغبة الرجال فيها بشكل شرعي- أن تطلب من الله -عز وجل- هذه المودة؛ فإن رب العالمين هو الذي يجعل الود في قلوب المؤمنين.. فلتطلب من الله -عز وجل- هذه الجاذبية، ولكن بشرط أن يكون أثر هذه الجاذبية لفرد معين، لزوج صالح، لا لكل من هب ودب.

93. إنه لمن الضروري أن يلحظ الإنسان جانب التوافق الثقافي مع من ستكون شريكة حياته.. فمثلاً: إنسان له توجهات إيمانية دينية، من الطبيعي أن يختار من يتناسب مع ثقافته ومع توجهه.. إذ نلاحظ -مع الأسف- أن بعض المؤمنات رغم أنهن مؤمنات ومصليات وصائمات، وتحج بيت الله الحرام، وتقوم ببعض النوافل؛ ولكن ليست لها توجهات فكرية.. بمعنى أنها ترضى من الدين بهذا الظاهر، ولا تريد أن تهذب نفسها أكثر من هذا المقدار.. بينما هنالك رجل يريد أن يتقرب إلى الله -عز وجل- معرفياً لا عبادياً فقط، ويريد أن يزداد يقيناً بربه، ويريد أن يكون له سلوك متميز مع رب العالمين.. فيبتلى بامرأة لا تعيش شيئاً من هذه الهواجس، وقد تستهزئ بشكل غير مقصود بصلاة ليل الرجل، وتصفه بأنه عابد زاهد، وبكلمات تنم عن شيء من حالة السخرية أو الاستهزاء.. أو إذا رأت الرجل عاكفاً على كتاب أو على علم، أيضاً قد تستهزئ به، وتدعوه إلى مشاركتها في بعض الأباطيل التي تبث هذه الأيام في وسائل الإعلام المختلفة.

94. كيلا يقع الرجل في مأزق، من الضروري أن يختار لمعاشرته.. فالزواج معاشرة، والقضية ليست قضية بهيمية، ولا لتدبير شؤون المنزل.. لذا ينبغي ألا ننظر إلى المرأة وكأنها تؤدي دور المرأة المنقطعة والخادمة، كما في بعض الحالات نلاحظ أن دور المرأة في المنزل لا يتجاوز دور منقطعة وخادمة، لا دور أنيسة وصديقة درب، وشريكة عمر، ومعينة على طريق الهدى والتقوى.. لو كان هناك امرأة في طريق التكامل ولو كانت امرأة قروية، فإن هذه المرأة التي تحب أن تتكامل، وتعلم أن هنالك عوالم كمالية ما وراء هذه الظواهر، تُقدّم على امرأة جامعية قد وصلت إلى درجة لا تريد أن تطور نفسها، وتريد أن تطور ثقافتها الدنيوية، لتزداد وجاهة عند الآخرين، أو تكسب شيئاً من المال -مثلاً- عن طريق الوظيفة وما شابه ذلك.

95. إن الإنسان -المرأة أو الرجل- الذي تعود على الحرام طوال حياته، قد يكون من الصعب عليه أن يترك المنكر بشكل سهل وميسر، إذ يظل هنالك حالة من حالات التأثر اللاشعوري.. كذلك البنت المتربية في جو يغلب عليه الغضب -مثلاً-، فإنها تميل بطبعها إلى حدة المزاج، حتى لو حاولت جهاد النفس.. أي أنها تصبح على السبيل المستقيم مادامت مجاهدة.. وكأن ميلها الطبيعي إلى الحدة، يعود إلى ما كان يناسب بيئتها السابقة.. نعم جهاد النفس، وتوصيات الزوج، وتوصيات البيئة الجديدة؛ قد تحدها أو تمنعها عن تلك العوالم القديمة.. ولهذا إذا جمعت المرأة بين الحسن الفعلي والحسن الماضوي البيئي السابق؛ فإن هذه من النعم التي لا تقدر بثمن!..

96. أن بلاد الكفر أرضية خصبة لنمو الجراثيم المختلفة!.. ومن المعلوم أن بعض البيئ الرطبة والحارة، منبت جيد لأنواع الفطريات والبكتيريا -مثلاً- وبعض الخمائر.. كذلك بالنسبة إلى البلاد الغربية، نلاحظ بأنها أيضاً منبت، لأن الجو العام جو معصية، وهذا الأمر يعترف به كل من يعيش في تلك البلاد، فالحركة في بلاد الغرب نحو الإيمان عموماً سباحة ضد التيار بلا شك.. ولهذا فمن يريد أن يتزوج من مؤمنات بلاد الغرب -وإلا فغير المؤمنة خارج الدائرة-، قد يحتاج الإنسان إلى دقة مضاعفة!..

97. إن الإنسان الذي يبدأ حياته الزوجية بالزواج المنقطع، قد يرتاح لهذا الأسلوب، وخاصة مع التعدد، ومع التنوع.. فعندما يلزم بامرأة ثابتة، مثله مثل إنسان كان طليقاً ثم قيد ببعض القيود!.. وقد لا يستسيغ قيد الحياة الزوجية الدائمة.. ولهذا نلاحظ بأنه بعد فترة يرجع إلى ذلك العالم، لأنه يراه أجمل، وأكثر جاذبية، وأكثر تنوعاً!.. لذا، فإنه من الأفضل لو أن الولد أو الشاب يبقى قدر الإمكان محتفظاً بعدم تجربة في هذا المجال قبل الزواج الدائم، فإن ذلك من موجبات النجاح في الحياة الزوجية.. طبعاً، وللضرورات أحكامها!..

98. إن مسألة الجانب الغريزي، والتدبير المنزلي من الأمور التي لا نعتبرها من الأمور الأساسية جداً في الحياة الزوجية؛ لأن هذه الأمور من الأمور الفانية، والإنسان العاقل لا يعلق آماله على الأمور الفانية.. إن الثمرة الباقية من الحياة الزوجية، هي الذرية الصالحة.. والإنسان قد لا يعلم قدر الذرية الصالحة في أيام صباه -في أيام نشوء الأولاد-؛ لأنه ليس هناك حالة من التفاعل، ولكن عندما يبلغ ولده مبلغ الرجال، فإنه يحتاج إلى عونه بشكل قاطع في سني حياته.. كم من الجميل أن يكون للإنسان أنيس من ذريته، وأنيس من زوجته!.. لأن هذا الأنس يمكن أن يكون باقياً مع مرور الأيام.

99. إن الإنسان الذي يريد أن يرزق الذرية الصالحة، عليه أن ينظر إلى المقدمات البعيدة: اختيار المنشأ الطيب، والالتزام بالمأثور من الأدعية، والرعاية المستمرة للولد.

100. إن الولد في كل مرحلة له لون: فهو إلى قبل السادسة له لون من ألوان البراءة مثلاً، وبعد السادسة يأخذ يتفتح في الحياة ويأخذ جانب الفضول والاستفسار عن كل شيء، وما قبل المراهقة له لون من الألوان، وأيام المراهقة له لون، وبعد أن يستقر في الثامنة عشر فما بعد له لون.. فالأمر يحتاج إلى ثقافة عالية، والنمط الواحد لا يناسب التربية.. فالابن في حال تغير، والمربي لا يتغير!..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج