100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. مع الأسف!.. نلاحظ قلة السالكات إلى الله عز وجل، رغم أن الجو مهيأ للنساء أكثر من الرجال، وبما لهن من العاطفة: (الجنة تحت أقدام الأمهات)، فيكفي حالة من حالات الولادة؛ لتزيل عنها جبالاً من المعاصي، بما تعيش المعاناة، كما يقول تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا}.. فلماذا لا تستغل هذه النعمة؟.. وبالعكس، إن هذه القيمومية من الرجل، هي إعفاء لها من بعض مشاكل الحياة اليومية.. فالمرأة في الحياة عليها أن تشكر الله عز وجل.. ولهذا الزهراء (ص) عندما تقاسمت مع أمير المؤمنين (ع) الوظائف، فكان لها ما داخل المنزل، وكان لعلي خارج المنزل، دخلها من السرور ما لم يعلمه إلا الله عز وجل؛ لأن علي (ع) أغناها -كما في الحديث- من تخطي رقاب الرجال.. فهذه نعمة من النعم، وينبغي أن نعرف قدر هذه النعمة.. ولكن مع الأسف بعض المؤمنات لا يقدرن هذه الفرصة، وبالتالي تفوت عليهن بعض الفرص الذهبية في هذا المجال.

2. إن الرجل عليه أن يحسن التعامل، وأن يكون أيضاً منصفاً في قيموميته.. أي عليه أن يعلم أن هذه القيمومية أمانة معطاة من الله سبحانه وتعالى، وعليه أن يعلم قدرها، ولا يحاول أن يفرط في هذه النعمة أبداً، بأن يحول القيمومية إلى عنصر تحكم في الحياة الزوجية.

3. لا يخفى أنه من الأفضل للإنسان أن يعيش سلبيات العزوبة -السلبيات غير المحرمة-، وبعض الضيق في الأمور المعيشية؛ من أن يعيش مع زوجة مشاكسة.. لأن المشاكسة في الحياة الزوجية تؤدي إلى أمراض كثيرة، وإلى ذنوب كثيرة: كالنميمة والغضب، وتعدي حدود الله سبحانه وتعالى.. أضف إلى أن الإنسان الذي عنده خصومة مع زوجته، لا يمكنه أن يكون مراقباً لله عز وجل.. فالذي له توتر عائلي -مع الأبوين، أو مع الزوجة، أو مع الأرحام-، لابد وأن يكون على الأقل مشغول الفكر، إن لم يتعد إلى مسائل أخرى -لا قدر الله- من الممارسات المحرمة.

4. إن الإنسان مهما بلغ من درجات التفويض والتوكل على الله سبحانه وتعالى، إلا أن الزوجين يعيشان حالة الارتباك من المستقبل.. والجهة المادية والمعيشية من الجهات المقلقة حقاً في حياة الإنسان!.. ولهذا فإن من أسباب المشاكل في هذه الناحية، حالة القلق وحالة الاضطراب في هذا المجال.

5. ينبغي التفريق بين الرزق الذي يأتي من قبل الله عز وجل، وبين ذلك الرزق الذي يأتي جزافاً.. هنالك رزق يأتيك حسب الظروف المادية.. مثلاً: إنسان يودع مبلغاً من المال وديعة ربوية، ويأخذ الربح.. فهذا الإنسان مرزوق بحسب القواعد المادية.. وهنالك رزق يأتي من قبل الله عز وجل.. وهذا الرزق الذي يأتي من قبل الله -عز وجل- رزق متميز، بمعنى أنه إيجاب من دون سلب، أي أنه مال جعلت فيه البركات الكثيرة.. ومن هنا نرى بعض الناس يعيش حالة الكفاف، وهو يعيش حالة الاستقرار النفسي، والسعادة النفسية، والذرية الصالحة، والتوفيق للعبادات.

6. إن الطلاق بمثابة بتر العضو.. يتفق أن الإنسان بعض الأوقات يدفع مبلغاً كبيراً، ويذهب إلى بلاد بعيدة، ويلتمس من الطبيب أن يقطع عضوه؛ إذا وجد أن بقاء هذا العضو لا يزيده إلا فساداً، واقتراباً من النهاية المهلكة.. فإذا كان الأمر كذلك بهذه المثابة، ليجعل الزوجة قطعة منه، فإذا أراد أن ينفصل عنها، فليكن شعوره شعور إنسان يذهب إلى الطبيب ليقطع عضواً منه، مع ما فيه من الألم، ومع ما يستلزمه الأمر من إعاقة؛ لأن الإنسان عندما تقطع رجله، يعيش نقصاً في حركته اليومية.. وكذلك المرأة عندما تطلق، فإنه من الطبيعي أن يكون هناك بعض الآثار في الحياة، وخاصة مع وجود ذرية للإنسان.. هناك حالة من حالات الارتباك القهري، فلابد للإنسان أن يدرس هذه الأمور.. وبشكل عام، ليفتح الإنسان لنفسه ملفاً هنا، وملفاً هناك، ويسجل في ذلك الملف الإيجابيات، وفي هذا الملف السلبيات، ثم يأخذ قراره بحكمة ودراسة. \

7. لا شك أن الخلاف الزوجي إذا كان داخل الغرف المغلقة، وخلف الأبواب المغلقة؛ فإنه لا يخشى من ذلك كثيراً.. لأن العلاقة بين الزوج والزوجة علاقة حميمة جداً، بحيث أن بادرة استعطاف واعتذار من أحدهما تجاه الآخر، كفيلة بإعادة المياه إلى مجاريها.. ولكن المشكلة أن يفضح الإنسان نفسه، ويكشف عيوبه أمام الآخرين، ومن هنا فإنه حتى لو اصطلحا، فإن الإنسان يظل يعيش ويتصور عن نفسه صورة مهزوزة صارت في المجتمع، وخاصة أمام الأعداء.. إن الأعداء كثيرون، والإنسان مهما حاول أن يصفي علاقته مع الخلق، فإنه تبقى هنالك عداوات، وقد ورد في الحديث أن موسى (ع) قال: (يا ربِّ!.. احبس عني ألسنة بني آدم، فإنهم يذمّوني؛ فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى!.. هذا شيء ما فعلته مع نفسي، أفتريد أن أعمله معك؟.. فقال: قد رضيت أن تكون لي أسوة بك).

8. مع الأسف نلاحظ أن في حياتنا اليومية هنالك صوراً من المَحَرمية العُرفية الباطلة.. فأخت الزوجة تعامل معاملة المَحَرم!.. والحال بأن أخت الزوجة لا صلة لها بالإنسان أبداً، وإن كانت هي مُحرمة على الإنسان من حيث الزواج، إذ لا يجوز الجمع بين الأختين، كما في القرآن الكريم.. ولكن عدم جواز الزواج منها، لا يعني ارتفاع الحجب والقواعد في هذا المجال.. كما نلاحظ -مع الأسف- حالة من حالات الارتياح بين الزوج وبين زوجة أخيه!.. وكذلك في التعامل مع الطبيب زيادة عن المقدار اللازم.. وصور كثيرة عند المصورين في الأعراس، وما شابه ذلك!..

9. إن الزوج العاقل هو الذي يدخل بلطائف الحيل إلى قلب الزوجة، ويجعلها لا تريد الخروج مثلاً.. لا أن يقف أمام الباب سداً أمامها، وبالدفع يمنعها من الخروج، فإن هذه حركة فاشلة!.. أنت لست بواباً لتمنعها من الخروج!.. نحن رأينا هذه الحركات في العلن، وأما في السر من الذي يتحكم في الناس في جميع ساعات ليلهم ونهارهم؟!.. فإذن، إن استخدام الشدة في الحياة الزوجية، هو خلاف الأصل الأولي.. ومن المعلوم أن هنالك آية في القرآن الكريم ذكرت مسألة الضرب: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}، ولكن ينبغي أن نعلم أن مزاج الشارع ليس مع ذلك، وعندما أباحه جعل ذلك كما يقول المثل العربي: (آخر الدواء الكي).. فليس هذا هو بالأسلوب المحبذ، إلا إذا ضاقت السبل.. ونحن نعلم أن بعض الفتاوى تجيز استعمال اليد في مقام النهي عن المنكر.

10. إن الغريزة للسالك لا تخرج عن كونها أمراً هرمونياً.. فنبي الله يوسف (ع) لم تكن هرموناته متوقفة، وإلا لا فخر له في عمله.. فالإنسان المؤمن حتى لو كان سالكاً، فإن له إفرازاته الباطنية، وهذه الإفرازات تؤثر على السلوك، وعلى التفكير، وعلى الخيال، وفي المنام، وفي اليقظة.. فكون الإنسان سالكاً، لا يعني أنه أصبح غير ذي رغبة في النساء.. فعندما تكون له زوجة، كما في حديث أمير المؤمنين (ع): (إذا رأى أحدكم امرأةً تعجبه فليأت أهله، فإنّ عند أهله مثل ما رأى).. إذن تنتهي العملية بهذا الشكل.. فالزواج من موجبات الهدوء النفسي بلا شك.

11.  إن الحياة الزوجية لا تخلو من وجود خلاف في وجهات النظر، وهذا الخلاف قد يتحول إلى اختلاف.. ومن المعلوم أن الإنسان قد يسيطر على نفسه، ولكن الشيطان يسيطر ويتغلب على الزوجة.. وكذلك العكس، قد الزوجة تسيطر على نفسها، ولكن الزوج يصبح ضحية للشيطان.. فإذا وقع الخلاف وتحول إلى اختلاف؛ فإن الحل: هو في الاحتكام إلى الشريعة.

12. مادام هنالك قواعد شرعية جاء بها المشرِّع الحكيم، فلابد أن تكون هي الفاصل والحسم لكل اختلاف يقع في الحياة.. وإن قمة الإيمان والتعبد تُعلم، من خلال قبول الأحكام التي قد لا توافق المزاج.

13. أليس من غرائب الأمور، ومما يثير العجب، أن الأمة في بلاد الغرب أو الشرق، تجتمع على قانون وضعي، كتبه مشرع في زاوية بيته في ليلة من الليالي؟!.. ذلك المشرع الغربي أو العلماني، كتب تشريعاً، ثم أُمضي من جهة القضاء في ذلك البلد؛ وإذا بهذا القانون يُحترم من قبل الجميع، وكأنه وحي منزل!.. ونحن -المسلمين- يأتينا الحكم الشرعي، وهو صريح في القرآن الكريم، ومع ذلك في مقام العمل لا نجد هذه الحالة من الانصياع والتعبد لما ذكره القرآن الكريم في هذا المجال!..

14. إن الحياة الزوجية شركة، وفيها أسهم متكافئة: هذا جهد، وهذا جهد؛ فعلى كل من الزوجين أن يقدرا هذه الناحية.. ومن الخطأ بمكان أن يعتقد الرجل أن الرأس مال الأكبر له هو.. ومن المعلوم أن الطب أثبت بأن الخلية الواحدة الملقحة، هي عبارة عن مزيج من الجينات الوراثية من الرجل ومن المرأة.. هناك اتحاد بين خليتين من خلايا الرجل والمرأة؛ فتكوينياً، ونفسياً، وعاطفياً، وجهدياً؛ الزوجان مشتركان في هذه الشركة، ورأس مالهما متقارب إلى درجة من الدرجات.. وهذا الاعتقاد من موجبات ثبات الحياة الزوجية.

15. إن المؤمن يحاول حتى لو كان في البيت وحده، أن يكون على هيئة نظيفة.. هل من الحرام أن يتطيب الإنسان في منزله لوحده مع نفسه؟!.. يرى نفسه في محضر الله عز وجل؛ فيتطيب، ويكون في ثياب نظيفة طاهرة.. فكيف إذا كانت المرأة ترغب في هذه الزينة، وترتاح نفسياً، عندما ترى الرجل في هيئة نظيفة، ومع عدم وجود ملزم لذلك؟!..

16. إن تزين المرأة للرجل، وتزين الرجل للمرأة؛ من دواعي ومن موجبات الارتياح النفسي، وعدم مد النظر إلى الأخريات، خاصةً للرجل.. فإن الرجل إذا قضى وطره في العش الزوجي، وفي ظل المرأة المؤمنة؛ فإن توجه الرجل إلى النساء بعد ذلك إنما هو لحالة مرضية، إذ لابد وأن هناك خللاً في وجوده.. والمفروض أن المؤمن إنسان سوي، فأن نفترض بأن المؤمن مصاب بخلل هرموني، أو بخلل نفسي، هذا خلاف الفرض الطبيعي.. فإذا تشبع الرجل جسدياً وعاطفياً داخل العش الزوجي؛ فإنه من الطبيعي أن لا يميل حتى ميلاً غريزياً وجسدياً إلى باقي النساء.. والمرأة المقصرة في إعطاء الواجب الشرعي للزوج، وثم إذا وقع الزوج في الحرام، قد يكون لها أيضاً نسبة من هذا الحرام الذي ارتكبه الرجل.

17. من الملاحظ بأن العلاقة الأسرية، علاقة في غالب الأوقات مبتنية على حالة من السطحية في التعامل، وترك القضايا -كما يقال- على عواهنها.. نلاحظ بأن الزوجين لا يرممان العلاقة الزوجية.. فالعش الزوجي مثله كمثل البناء.. وهذه الأيام الذي يبني عمارة على أفضل الأسس الهندسية، فإنه مع ذلك يحاول أن يقوم بعملية صيانة مستمرة للبناء الذي بُني.

18. نلاحظ أن البعض منذ أول أيام زواجه إلى يوم وفاته، لعله ما جلس جلسة صيانة لعشه الزوجي، يدرس فيها السلبيات والإيجابيات؛ ولو في المناسبات المناسبة.. مثلاً: تاريخ الزواج من المحطات التي يمكن أن يجعلها الإنسان ذريعة لهذه الدراسة.. وولادة سيدتنا فاطمة (ع) -مناسبة مرتبطة بعنصر النساء-، من المناسب أن نجعل ذلك يوماً من أيام بحث العش الزوجي، ومتانة هذا البيت.. وميلاد أمير المؤمنين (ع) -يوم منسوب للرجال-، يمكن أن يجعل كذلك.. وكذلك في ليالي القدر، وفي شهر رمضان، وفي بداية السنة.. من المناسب أن تكون هنالك جلسات مصارحة.

19. يمكن القول: أنه -بعد النفس الإنسانية- أخبر الناس بحقيقة الإنسان هي الزوجة بالنسبة للزوج، والزوج بالنسبة إلى الزوجة؛ لأن الزوج والزوجة يتصرفان بكل فطرية وعفوية في الحياة الزوجية.. لأن إمام المسجد من الممكن أن يتكلف في مسجده، وأستاذ الجامعة من الممكن أن يتكلف في جامعته، والموظف يتكلف في دائرته؛ جلباً للمصالح، ودفعاً للمفاسد.. ولكن الإنسان في البيت الزوجي لا يرى تلك الاثنينية -وهذا أمر جيد-؛ أي الاندكاك وحالة الاتحاد بين الزوجين، تصل إلى درجة أن أحدهما لا يرى الآخر.. هذه من ناحية جيدة، أن الإنسان لا يتكلف، ولكن من ناحية أيضاً تجعله يتجاوز الحدود بذلك.. وبالتالي أيضاً يقال: إن من طرق كشف حقيقة الإنسان وماهيته: مراجعة الزوجة عن بعض الخصوصيات الخافية عن الآخرين.

20. إن عقد جلسات مصارحة بين الزوجين، من الحركات الإيجابية والمباركة جداً، ومناقشة القضايا التي تتعلق بهما، وكذلك ما يتعلق بالأولاد.. فإن الملاحظ أنه لا يوجد تنسيق في هذا المجال بين الأبوين!.. فللأب مزاجه، وللأم مزاجها.. وإذا اكتشف الولد هذه الحالة من المزاجية بين الزوجين، من الممكن أن يسيء الاستفادة من ذلك.. فعندما يقسو الأب يلتجئ إلى حنان الأم، أو أن عندما تقسو الأم يلجأ إلى عقلانية الأب مثلاً.. وبالتالي، فإن الطفل يلعب على هذين الحبلين، ولو بشكل تلقائي من دون أي رغبة في المكر أو الخديعة مثلاً.. لذا فإننا نقترح عقد جلسات دورية بين الزوجين، لمناقشة قضايا الأسرة، وقضايا الأرحام، وعوائل الطرفين، وكذلك مسألة الأولاد.

21. إن من الملاحظ أن الزوج في بعض الأوقات، يعفي نفسه من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحياة الزوجية.. مع أنه ينهى عن المنكر في مواطن كثيرة، ولكن عندما يصل المنكر إلى زوجته، فإنه يترك ذلك: إما إهمالاً؛ لأنه لا يرى لزوجته وجوداً متميزاً، ولا يبالي بارتكابها للمنكر.. وهذه حالة خطيرة جداً!.. أو أنه يخشى من سلبيات الأمر.. فهو يحتاج إليها في أمور كثيرة، وبالتالي لا يحب أن يوتر العلاقة.

22. إننا نلاحظ أن الزوجين يصلان إلى نقطة القناعة بالانفصال قبل الزواج، ولكن خوفاً من بعض الأمور، ومن كلام الناس، ومن الفضيحة، ومن العتاب؛ فإنهما يفضلان العيش والاستمرارية في تجربة فاشلة.. وهذا بلا شك لا يرضي الشارع المقدس.. لتكن هنالك دراسة شجاعة في هذه النقطة، وخاصة قبل الزواج، وقبل أن تخرج البنت عن حالتها الطبيعية.. صحيح، أن الأمر ثقيل جداً، ولكن هنالك ما هو أثقل، فعلى الإنسان أن يتجنب ذلك بشدة!..

23. إن مسألة الإنجاب ليس فيها إلزام شرعي لكلا الزوجين: فليس من واجبات الزوجة أن تنجب، وليس من واجبات الزوج أن يُوجب الإنجاب.. فلابد من الاتفاق في هذا المجال.. وبشكل عام، رفض الزوج لأمر، والزوجة لأمر؛ ليس هذا رفضاً سماوياً.. رفض الله -تعالى- لشيء يبتني على أسس قوية ولا تتبدل، بينما رفض البشر رفض بشري ويمكن أن يتغير.

24. من الملاحظ أن المرأة إذا كانت لها مسألة مهمة ومقلقة، ومشغلة للبال؛ فإنها لا تتقن اختيار الفرص لطرح المسألة.. فمثلاً: عندما يأتي الزوج من العمل، وإذا بها على الباب تريد أن تعقد معه محكمة في مجال من المجالات!.. من الطبيعي أن يكون الجواب جواباً خشناً، وبما لا يريح.

25. إن كانت المرأة تتفوق على الرجل في الأمور الدنيوية، كأن تكون -مثلاً- متفوقة مادياً أو أكاديمياً؛ فإنه لا قيمة لهذا التفوق؛ لأن هذه الأمور لا وزن لها عند الله عز وجل.. وأما إذا كانت متفوقة معنوياً: تؤدي صلاة الليل، والنوافل، وعلى مستوى تكاملي متميز؛ فإن هذا هو حقيقة مقياس التفاضل، كما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

26. إن الزوجة التي ترجع إلى المنزل ويدها على قلبها، لأنها قد تواجه صفعة من زوجها، أو كلمة نابية، أو وضعاً يبعدها عن جوها الأسري.. والرجل الذي يأتي إلى السكن، وهو يتوقع في كل لحظة أن ينفجر في وجهه لغم من الألغام، أو يواجه وجهاً مكفهراً من الزوجة والأولاد، فإنه من الطبيعي أن هذا الإنسان لا سكن له.. فإذا فقد السكينة في المنزل، فإنه لم يعد مسكناً، بل يصبح بناءً من حجر ومن حديد، لا يأوي الوجود الإنساني.

27. قلمّا يوجد حياة زوجية مستقرة متكافئة من جميع الجهات، حتى الذين يتزوجون، ويفترض أن يكون أحدهم في منتهى الأًنس والسعادة، لأنه في شهر العسل مثلاً، وإذا ببذور الخلاف تُستنبت في الليالي والأيام الأولى من اقتران الفتى بالفتاة.. وكلما تقدمنا في المدنية والحضارة، كلما رأينا الإحصائيات في هذا المجال، تزداد نسبتها.. وهذه الصحف ومصادر الإعلام، لا تكشف سِراً وإنما تبيّن نسبة مذهلة من نسب الطلاق والانفصال والخلاف، حتى في الأشهر الأولى من الاقتران.

28. إن الإصلاح الزوجي يبدأ من الزوجة، لأن المرأة بطبيعتها، وتفرغها، وعدم تورطها بمشاكل الحياة اليومية؛ يجعلها عنصر تأثير في المجتمع، وفي الحياة الزوجية أكثر من الرجل.. فالرجل في ذهنه عشرات الملفات الساخنة: من مشاكله في العمل، ومع من حوله، ومن همومه الذاتية، والحياة الأسرية ملف من ملفاته.. بينما الزوجة معظم اهتمامها، وجُل تركيزها في مسألة الحياة الزوجية؛ أي أن المرأة مساحتها الذهنية أفرغ بكثير من المساحة الذهنية للرجل.. وهذا يخولها لأن تقوم بدور فاعل في هذا المجال.. فالرجل محروم من بعض المنطلقات العاطفية، والمرأة بطبيعة تكوينها خُلقت مع العاطفة.. وفي القرآن الكريم عندما يصل الأمر إلى المرأة، يعبّر عن المرأة تعبيراً غريباً {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}؛ هذه الآية تُبين بأن المرأة ما خُلقت للخصومة.. فإذن، إن معنى ذلك أن المرأة بطبيعتها، وبتكونها العاطفي، من الممكن أن تكون عنصر امتصاص لكثير من الصدمات الاجتماعية.

29. إن عدم استيعاب فلسفة الوجود، وفلسفة الحياة؛ من موجبات الخلاف، أو عدم النجاح في الحياة الزوجية.. بعض الناس -شعروا أو لم يشعروا، اعترفوا أو لم يعترفوا- من الدواعي المهمة في الحياة بالنسبة لديهم، التمتع والالتذاذ، وأن يمضي حياته -كما يدعون- بحالة من حالات ما يسمى بالسعادة والاستمتاع والتلذذ بمباهج هذه الحياة: يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل في هذه الدورة القاتلة، وبتعبير الروايات: (المؤمن يتزود، وغير المؤمن يتمتع).

30. إن الزوجة التي تنظر إلى الزوج على أنه ممول مالي، من أجل تحقيق رغباتها في الحياة.. والزوج الذي ينظر إلى الزوجة، على أنها أداة للاستمتاع فقط.. فإن الزوج عندما يتقدم العمر بالزوجة وتذهب مفاتنها، يرى بأن دورها قد انتهى في الحياة، وماتت وهي في سن الأربعين والخمسة وأربعين، ولا يراها إلا مربية للأولاد كباقي المربيات اللواتي يُجلبن من الخارج.. وذلك لأنه كان ينظر إلى الزوجة على أنها رفيقة أنس، لا رفيقة حياة.. وكذلك الزوجة إذا رأت الزوج مُفلساً، وفقد ذلك البريق الذي كان كهالة تحيط به، فإنه من الطبيعي أيضاً أن تُعرض عن مثل هذا الزوج.. بينما فلسفة الحياة ليست كذلك، بل ما جاء في القرآن الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.

31. إن الملل من الرتابة في الحياة، من موجبات الخلاف الزوجي.. إذ يصبح الإنسان ويُمسي بشكلٍ واحد متكرر صباحاً ومساءً..

32. إن المرأة أسيرة خرجت من بيت أبيها وأمها، ولم يكن ينقصها الحنان، وكانت تعيش حياة مستقرة وجميلة.. فما الذي جعلها تخرج من بيئتها الجميلة، وقد تكون في بيئة مترفة بالترف الحلال.. هذه المرأة جاءت إلى البيت لتكون بين يدي الزوج أسيرة، بالمعنى الاختياري، فهي ليست أسيرة قسراً، هي بنفسها جعلت نفسها بيد الرجل.. فالزوج عندما يعيد التأطير، وينظر إلى الزوجة على أنها وديعة الله؛ فإنه ينظر إليها على أنها ريحانة، كما في الحديث: (المرأة ريحانة وليست بقهرمانة).

33. إن المرأة كالقارورة، فالقارورة توضع في مكان الزينة، ويُجعل فيها الورود، ويراعيها الإنسان لئلا يصيبها خدش، وخاصة إذا كانت القارورة مرصعة بالجواهر.. والمرأة المؤمنة قارورة مرصعة بالياقوت والزبرجد.. فأين توضع هذه القارورة؟.. إن القوارير التُحفية هذه الأيام، توضع في خزانات زجاجية في المتاحف، والذي يريد أن ينظر إليها، عليه أن يدفع مبلغاً من المال.. نعم هكذا القارورة، فـ(رفقاً بالقوارير)!..

34. إن الإعلام المرئي والمسموع هذه الأيام -مع الأسف- يحول الأباطيل إلى حقائق.. فعندما تسأل أحد عن قدوته في الحياة، وإذا به يطرح ممثلاً راقصاً أو راقصة إلى آخره من الذين خرجوا عن زي الإنسانية!.. لماذا لا نقرأ سير الخالدات المؤمنات في التاريخ، فهنالك كتب مؤلفة في سير النساء المؤمنات؟.. لماذا لا ننظر إلى حياة آسية، التي كانت في بيت فرعون، ذلك الكافر الذي يدعي الربوبية، ويُذَبح الأبناء، ويستحي النساء.. فهذه الزوجة التي في قصر فرعون، لم تترك الحركة التكاملية، رغم أنها لم تلتق ولياً ولا وصياً.. وإذا بها بحركةٍ ذاتيةٍ عصامية، تصل إلى درجة تناجي ربها بمناجاةٍ وبدعاءٍ، ما ورد له نظير في القرآن الكريم.. فمريم -عليها السلام- تنزل عليها المائدة اللدنية، كلما دخلت المحراب، بينما آسيا تطلب من الله الجنة اللدنية بما فيها {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} هذا البيت المبني لها في الجنة، لا كباقي البيوت.. فإذن، على النساء الإقتداء والتأسي بالصالحات القانتات طوال التاريخ، وهن لسن بالقليل.

35. إن أعظم مكافأة كافأ الله -عز وجل- بها نبيه إبراهيم (ع) عندما همّ بذبح ولده إسماعيل -عطايا رب العالمين، من سنخ العمل، ومن سنخ المجاهدة- وقدمه بين يدي الله -عز وجل- ذبيحاً، وفي بعض الروايات: عندما حاول أن يذبح ولده إسماعيل، رأى السكين لا تعمل في رقبته، فرمى السكين غاضباً؛ لأن هذه السكينة، لا تمتثل أوامره في الذبح!.. ويقولون: السكينة تكلمت -ولا مانع من ذلك-: "الخليل يأمرني، والجليل ينهاني".. فرب العالمين عوّض ذلك بأن جعل من نسله، نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

36. إن الإنسان مكلف بالتربية، لا مكلف بالنتيجة.. إن الإنسان لا يعلم كيف خلق الله -عز وجل- الأرواح، وما هي حقيقة عالم الذر، وما هي حقيقة الأنفس السعيدة، والشقية؟.. فالأمر عند المسلم (لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين).. ولكن بعض الأوقات، قد يبتلى الإنسان بذرية فاسدة، وفي هذه الحالة من الممكن أن يصاب بشيء من الإحباط، وقد يترك الحبل على غاربه، ويقول: ما دام الشاب انحرف عن طاعة الله -عز وجل- فليزدد انحرافاً.. والحال أن الإنسان مكلف بالتربية، لا مكلف بالنتيجة، قال تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}.. فنوح (ع) من أنبياء الله أولي العزم، وقد حاول أن يستنقذ ولده من الغرق، وإذا بهذا الولد يتكلم بكلام أقرب ما يكون إلى السخف والجنون، حيث كان يقول: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء}.. نعم، نبي الله ابتلي بهذه الذرية غير الصالحة.. وأئمة أهل البيت (ع) أيضاً ابتلوا بذرية غير صالحة، وهناك أمثلة في التاريخ لانحراف أولاد الأئمة.. لذا علينا أن نتشبه بالمربين والمصلحين، وباقي الأمور على رب العالمين، هو الأدرى بطِين عباده!..

37. إن الدعاء من العناصر المهمة، لصلاح الأبناء.. فالمرأة عندما تتزوج، عليها أن تلهج بهذه الآية: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}.. ليس فقط قرة أعين، ليس فقط مؤمن متقٍّ {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}، والذي يُكثر من الدعاء صباحاً ومساءً: في تقلباته، في قنوته، في سجوده.. فإن رب العالمين ليس ببخيل، وأنت تطلب طلباً راجحاً لا تطلب مالاً، تطلب من الله -عز وجل- أن يُمد وليه المهدي (عج) بمن يكون له عضداً وناصراً.

38. إن مراعاة سن التكليف والبلوغ، من المبادئ التي لا بُد أن نُراعيها بشدة.. مع الأسف لاحظنا أن الأم تتفاجأ ببنت بلغت التسع سنوات، وهي متمردة على الحجاب، في كل لحظة تتحين الفرصة لتخلع الحجاب، بدعوى أنها حديدة على رأسها.. فهذا شيء طبيعي، لأنها قبل يومين من البلوغ قبل إكمال التاسعة، يأتي القرار بإلباسها الحجاب، وهي قبل أشهر وهي في أحضان الرجال، يقبلونها كما يقبلون الطفل الرضيع.. فمن الطبيعي أن البنت التي تعيش في هكذا جو غير محافظ، أن لا تستسلم للحجاب.

39. إن من مسؤوليات الأمهات والآباء، عدم إلقاء فلذات أكبادهم في غيابات الجب.. كيف يمكن للأب والأم أن يقوما بإرسال ابنتهما التي في عنفوان سن المراهقة، إلى دولة أجنبية كافرة، بلا رقيب ولا حسيب، ثم يأتيان بعد فترة ويعتبران أن البنت في حكم الميتة، ويقولان: يا ليتها لم تولد، لما أورثتنا من الفضيحة والعار!.. عن أبي عبد الله (ع): (الكبائر سبعة: منها:.... والتعرب بعد الهجرة)، التعرب بعد الهجرة اصطلاح فقهي، في أيام الرسول الأكرم (ص) كان الذهاب للبادية لمنطقة الإعراب، ولهذا سمي التعرب، واليوم نسميها التعرب بعد الهجرة، الذهاب إلى بيئة الفساد وإلى بيئة لا يؤمن فيها على الإنسان.. الذي يريد ذرية صالحة، عليه أن يكون بهذا المستوى من المراقبة الدقيقة، في كل المراحل.

40.  إن هنالك -حسب التحقيقات الطبية- خلايا في الذهن البشري، وهذه الخلايا مسؤوليتها الاهتمام بالملفات الساخنة.. فالشاب الذي يتابع المباريات -مثلاً- هذا الإنسان شاب، ذهنه متأقلم مع هذا الأمر الشاغل له.. وبالتالي، فإنه يبدع في التكهن والمتابعة، ويذهب للنوادي؛ لأن الملف الحاكم على ذهنه هو الرياضة مثلاً.. والإنسان الشهواني الذي ينظر إلى هذه الصور المحرمة -فالقضية ليست قضية صور في شبكية العين، إنما هي صور في هذه الخلايا الحساسة في المخ- فهذا الرجل يتحول إلى موجود بهيمي، ينظر إلى نساء الغير، وهو يعتقد بأن له مجوزاً شرعياً، وأنه في أمنٍ من الانحراف.. وينظر إلى النساء في الشارع وكأنهن عاريات، وينظر إلى زوجة الصديق فيتمناها لنفسه، فيصلي بين يدي الله -عز وجل- وهو يفكر في خطة من الخطط، للوصول إلى مآربه.

41. إن النظرة تغير التكوين الباطني للفرد.. والمرأة التي تجد زوجها عاكفاً على هذا الحرام، لابد وأن تلتفت إلى أن هذه النار سوف تصل إلى عشها الزوجي.. فالذي يفكر بهذه الطريقة، والذي ينظر إلى أجمل الوجوه في الأرض، وإلى هذا الكم الهائل من الصور المحرمة -فالذهن البشري هبة إلهية فالذي يكثر من النظر، هنالك ألبوم في داخل وجوده، يُسجل هذه الصور أولاً- وبعد ذلك ينظر إلى زوجته، فيجعلها صورة من هذه الصور، وإذا به يراها باهتة جداً، عندما يقيس هذه الزوجة المؤمنة العادية، إلى ملكات جمال العالم التي رآها بأية كيفية من خلال المواقع والفضائيات.. وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن هذا الإنسان، سوف لن ينظر إلى هذه الزوجة بوصفها الإيماني، بل بوصفها المادي والجسدي، والتي لا يمكن أن تدخل في سباق مع هذه الوجوه.

42. إن قضايا الهروب من المنزل، والعقد خارج البلاد، ثم الرجوع بالعريس رغم أنف الأبوين.. هذه قضايا متكررة.. وقد يكون للأب عنوان اجتماعي رسالي، وله تاريخ في خدمة الدين والشريعة، وقد تكون الأم ممن تقيم عزاء أهل البيت.. وإذا بهما في ليلة واحدة، يسقطا في المجتمع، ويقول الناس: لو كانت هذه الأم مربية، ولو كان الرجل مربياً، لما خرجت ابنتهما بهذه الكيفية.. إنه سقوط في الدنيا، وسقوط في الآخرة.. والشيطان شيطان بكل معنى الكلمة، إذا أراد أن يوقع الإنسان في الرذيلة الكبرى، فإنه من الطبيعي ألا يأتيه بعنوان تلك الرذيلة، وإنما هنالك المراحل المتدرجة في هذا المجال.

43.  إن على الزوجة أن تكون واقعية، فتتدارك البقية الباقية في العش الزوجي.. هب أن الزوج لا أمل فيه، وأنه بنى على أن يستمر في طريق المنكر.. فإن على الأخت أن تُبقي البقية الباقية من أولادها من هذا العش الزوجي، الذي انهار نصفه.. مثلاً: لو أن هنالك زلزالاً ضرب البيت، وانهارت بعض غرف المنزل، فإذا كان هناك بديل، فإن المرأة تنتقل إلى منزل آخر.. وإذا لم يكن هناك بديل، تلملم أثاثها وأولادها للسكن في الجانب المبني من المنزل.. وكذلك فلو أن الرجل انهار وانجرف، فلتعتبره مات وهو حي.. وبالتالي، عليها أن تعتبر نفسها أرملة هذا الرجل، وعليها أن ترضى بالأمر الواقع (إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون)!..

44. إن هنالك انحساراً تدريجياً لأجل نزع حجابية الحجاب.. إذ ليس المراد من الحجاب وضع ساتر على البدن فقط، بل المراد هو وضع الساتر الذي يجعل المرأة في أمن من النظر المريب.. وإلا فما الفائدة من وضع الحجاب، إذا تحول الحجاب إلى زينة في حد نفسه.. أو أن الحجاب الذي يراد منه أن يكون حائلاً، وإذا بالحائل يكون جاذباً؟!.. وهذه الأيام المحلات والشركات تتفنن في هذا المجال، والحجاب الذي يفصل الجسم تفصيلاً، لا يعد حجاباً بكل معنى الكلمة.. والمرأة السافرة هل تريد أن تعرض هذا الجمال في الأسواق؟.. فإذا كانت متزوجة، فإن هذا الجمال وهذه المفاتن خاصة للمحرم (للزوج)، وإلا فإنه ينطبق عليه مبدأ الاشتراكية والشيوعية لكل أحد.. فإذن، ما وزن الزوج، وما قيمة محرميته، إذا كان لكل الناس؟.. فالبنت التي تبرز للشارع بهذا الشكل الفاتن، كأنها تريد أن تقول للمؤمنين بلسان الحال: أنا لست كفؤاً لكم.. ويا فسقة الناس!.. هلموا إلي أنا الذي أصلح لكم!.. والمرأة التي تخرج إلى بعض الأماكن المشبوهة، وأماكن تواجد الشباب المعاكسين، فهذه المرأة بلسان الحال تقول: أنني أنا صيد لكم، هلموا إلي!.. والمرأة ضعيفة جداً أمام الكلام المعسول.

45. إن الإنسان عليه أن يكون هادفاً في حجابه، لا إرضاءً: للناس، وللأبوين، ولإمام المسجد، أو لعرف اجتماعي.. فالحجاب يجب أن يكون كاملاً، والاختلاف فقط في الوجه والكفين: بين مانع، ومجيز.. أما الرجل فإنها تُستر بشكل كامل، وكشفها يكون في الصلاة فقط.. لذا على المرأة ألا تستهين بخصلة من شعرها، فالذي يتعدى حدود الدولة، ويخطو خطوة واحدة خلاف الخطوط المرسومة، فإنه يُرمى ويُقتل بعنوان المتسلل.. والمرأة التي تكشف عن قسم من صدرها، أو من شعرها، أو من يديها؛ تكون قد تعدت الحدود الإلهية وانتهكت الحكم.. وبذلك يكون الحُكم اُنتهك جزئياً في الحجاب غير الشرعي، أو اُنتهك كُلياً في مسألة السفور.. (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت)!..

46. إن العين تمثل البوابة الأولى لدخول الشيطان لقلب الإنسان، والمشكلة ليست في انعكاس الصورة على شبكية العين، بل في التفاعلات السلبية لتلك الصورة في الوجود الباطني.. وعليه، فإن الله -تعالى- قد منَّ على الإنسان بجفنين، يستطيع من خلالهما أن يتحكم في نظره، بإطباق الجفنين أو بتغيير زاوية النظر.. والإنسان قد لا يطالب دائماً بغمض العينين، ولكنه مطالب بغض البصر كما في الآية الكريمة: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}؛ أي عليه أن يصرف نظره عن كل الصور المحرمة.. فالسيطرة على المحرمات في هذا المجال، تكمن في حفظ البصر عن كل ما هب ودب.

47. إن طبيعة المرأة عندما تُعجب برجل عبر الأثير من خلال: شعره، ومن خلال كتاباته الأدبية، ومن خلال نصائحه.. فإن الخطوة الأولى أنها تحب أن ترى هذا الرجل الذي أُعجبت به، وهي لن تكتفي بهذا المقدار من المشاعر، التي قد تكتمها عن البشر، ولكن الله -عز وجل- مطلع على السرائر.. بعد ذلك وبالتدريج، يتم اللقاء وتقع فريسة لهذا المحتال.. وأغلب الزواجات التي تتم عبر هذه المحادثات، هي في معرض الانهدام.. لأن الرجل يبقى شاكاً في هذه الزوجة التي راسلته، ولعلها راسلت الكثيرين غيره، وبعد أن شبعت من هذا الرجل من الممكن أن تعيد الاتصالات القديمة التي لديها.. وعليه، فلنذكر أنفسنا بمسألة الفضيحة الإلهية، فرب العالمين يمهل ولا يهمل!..

48. إن قسماً كبيراً من المجتمع ألا وهو الجانب النسائي، لا يمكن لرجال الدين أن يكون لهم دور فاعل فيه.. هذا الدور أُنيط بهذه الطبقة المباركة من المجتمع، هذه الحوزات العلمية النسائية، التي لم تكن متعارفة في الأزمنة السابقة.. فمن بركات السنوات المتأخرة، أنه فُتح لهن المجال للتخصص في أمر الشريعة، وفي هذا الوقت الضيق.. قال رسول الله (ص): (‏بدأ الإسلام ‏غريباً،‏ ‏وسيعود كما بدأ غريباً..‏ ‏فطوبى ‏ ‏للغرباء)!.. كلمة "طوبى" كلمة مبهمة، فالنبي –صلى الله عليه وآله وسلم– هنا لم يعين ما تستبطنه هذه الكلمة من بشارات.

49. إنه لمن المناسب بين فترة وأخرى، أن نستقرئ بعض النقاط والقواعد العامة في مجال طلب العلم، لنرى مدى انطباقها في حركتنا العلمية والعملية.. فمن لم يكن له صلة متميزة بالإمام (عج) سوف يُحرم بعض البركات؛ لأن الفيوضات الإلهية في زمان الغيبة تجري على يد وليه (بيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء).. كما أن الله –عز وجل- يقبض الأرواح من خلال ملك من ملائكته، وينشر الرزق من خلال ملك من ملائكته {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}، فالبركات كلها كذلك في زمن الغيبة، تتم على يد الإمام المنتظر (عج)، وهو الذي في ليلة القدر تنزل عليه المقدرات، ولو أنه (عج) طلب من الله -عز وجل- بداءً أو تغييراً في حركة إنسان، أو ولي.. فإن دعوته لا ترد!..

50. إن من الأمور التي تخالف الشمولية، أن البعض يتوجه توجهاً روحياً؛ أي يذهب للمنادمة، ويهمل المكتبة!.. لا يعرف من السلطان إلا أن يجلس بين يديه، ويبكي، ويبدي شوقه، وحنينه، وحبه.. من دون أن يعلم مراد السلطان، ومن دون أن ينقل هذا الحب الذي انقدح في قلبه إلى باقي الرعية.. يقال: بأنه فرق بين نديم السلطان، وبين الوالي.. الوالي قد لا يحظى بلقاء السلطان، ولكن هذا الوالي الذي يحقق رغبة الأمير أو السلطان في أقصى البلاد، ولعله لم يلتق به مرةً واحدةً؛ هذا أحب إليه من ذلك النديم الملاصق له؛ لأن هذا في مقام ترويجِ حب ذلك السلطان في قلوب رعيته.

51. إن البعض قد ينشغل بالجانب العرفاني، ويستغرق في الروحانيات، ويعيش حالات تحليقية.. وهنالك كثير من الوهم في هذا المجال، إذ أن هنالك ترابطاً شديداً بين عالم الوهم والخيال، والتصورات الكاذبة، إلى درجة الإحساس الحسي ببعض الأمور، وأحياناً يتوهم الإنسان أنه يرى شيئاً، أو يسمع شيئاً، أو يشم شيئاً إذا دخل في هذا العالم.. لأن الشياطين بالمرصاد، لمن يريد أن يصل إلى عالم القرب الإلهي.. فعامة الناس هم في الوديان، والشيطان يحتاج إلى كثيرِ جهدٍ في تحريك مسيرتهم.. إن الشياطين وضعت جلّ اهتمامها في حوزاتنا العلمية.. فمثلا: لو أن عدواً أراد أن يسمم أهل بلدٍ، فإنه بدلاً من أن يجعل السم في خزانات المياه في كل بيت من بيوت البلد، يكفي لأن يذهب إلى منبع الماء الكبير إلى النبع، ويسمم ذلك النبع وانتهى الأمر!.. إذا الشيطان أمكن أن يستولي على قلوب وعقول رجال الدين: نساءً، ورجالاً، تكون قد تمت الصفقة الكبرى بالنسبة له!..

52. إن في مجال توظيف العلم هناك فرقاً بين أن يدعى الإنسان لوظيفة رسالية، وبين أن يبحث الإنسان بنفسه بحثاً حثيثاً ومصراً، لأن يجد مجالاً من مجالات العمل.. فالمؤمن أو المؤمنة لا ينتظر دعوة سامية من جهة معينة، بإغراءات نفسية، وعلمية، ومالية، وغير ذلك.. بل على أحدنا أن يكتشف هو بنفسه موارد العطاء في هذه الأمة، ولا شك أن الأمة في وضع يرثى له!.. ففي كل بيت هنالك محطة، وهنالك موضع قدم لشياطين الجن والإنس: فالفضائيات بما وراءها، والمواقع الإباحية والمنحرفة وما وراءها، والجو الحاكم في الأسواق، والمدارس، والجامعات، وغير ذلك.. فكل إنسان كان بإمكانه أن يكون وجوداً فاعلاً، ولم يقم بتكليفه في هذا المجال، فإنه سيحاسب يوم القيامة.. فالواجب الكفائي لو لم يؤد، فإن كل من هو في مظان الخدمة، سيحاسب يوم القيامة!..

53. إن البعض يريد أن يرسم للدين، أو يجعل للدين مسطرة ثابتة، يقيس بها الناس.. فمن خرج عن هذه المسطرة، حُكم عليه بالطرد من الدين!.. فالدين ليس كذلك، النبي الأكرم –صلى الله عليه وآله وسلم– جاء بالشريعة السمحاء، ورب العالمين أنزل الشريعة على مراحل، لم يأت بالمناهي في أول يوم!.. إذ أن أغلب المناهي الشرعية في باب شرب الخمر وغير ذلك، نزلت في المدينة لا في مكة!.. أي هنالك تدرج!.. وعليه، فإن على الإنسان أن يلتفت في هذا المجال لأن (من كسر مؤمناً، فعليه جبره)، ما هو موقع هذه الآية المعروفة في حياتنا اليومية: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}؟.. فالذي لا يتقن العمل بهذه الآية، لا يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة!.. فالحكمة في مجال التنظير، والموعظة الحسنة في مقام التعامل المباشر.. والذي لا يراعي هذه القاعدة، فعليه تحمل تبعات ومسؤولية عدم العمل بهذه القاعدة.

54. إن البعض من الأخوات قد تدرس في الحوزة أربع أو خمس سنوات فتُنهي السطوح، وقد تدرس شيئاً من الخارج، ومع ذلك لا تجد في نفسها تميزاً روحياً.. ولا تستذوق حلاوة القرب إلى الله -عز وجل-.. تذهب إلى المشاهد المشرفة، فتجد نفسها كباقي المؤمنات، لا ترى أي حركة روحية متميزة!.. تقف في صلاتها، وقد تسترق النظر إلى باقي المؤمنات في خارج هذه الحوزات، فترى فيهن إقبالاً، وخشوعاً، وبكاءً، وتضرعاً!.. فقد تُصاب بشيء من اليأس في هذا المجال!.. أين العلم الذي تعلمناه؟!.. أين السنوات التي أمضيناها في هذه البيئة الطاهرة المباركة؟!.. أين ثمرة العلم؟!.. على كلٍ لابد من أن نفكر: إذا أحدنا لم يصل لهذه المرحلة من الخشية على الأقل في صلاته: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، فالذي لا يخشع في صلاته ليس بفالحٍ، ولا بمؤمنٍ!.. ليعطى أعلى الألقاب العلمية ما الفائدة في ذلك؟.. إذا كان القرآن الكريم يُسلبه صفة الإيمان، وصفة الفلاح.. إذاً لابد من التفكير!..

55. إن المؤمنة تعيش الغربة في الشارع، وفي الجامعة، وفي المدرسة، حتى أن البعض من المؤمنات يعشن الغربة في الأسرة!.. فالجو الأسري قد يكون تماماً في حركة مواجهة ومعاكسة، لحركة هذه الفتاة المؤمنة.. مع الأسف بعض المؤمنين وبعض المؤمنات، لا يتعاملون مع هذه الحركة المعاكسة بلباقةٍ، وذكاءٍ، ومداراةٍ.. وكما هو مرسوم في الخط الإسلامي، فإن المؤمن يتواجه، ويتصادم، ويُنتقد بشدة.. وفي النهاية يعيش حالة التقوقع، والعزلة.. وقد يُجر ذلك إلى بعض المحرمات: كعقوق الوالدين، والمصادمة الاجتماعية، وما يتبع ذلك من السلبيات المعروفة في هذا المجال.

56. إن تقوية عنصر الإرادة، من موجبات مواجهة حالة الشعور بالغربة.. حيث أن المرأة كمال استقرارها واطمئنانها هو في الحياة الأسرية، وقد قال الله -عز وجل- في كتابه الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}.. فالمرأة لا يمكن أن تسكن إلا من خلال تشكيل الأسرة، وما في هذا التشكيل من تبعات وانشغالات نفسية وبدنية.. ولكن هنالك فترة من فترات العمر، البنت لا يمكنها أن تعيش هذا السكن.. وهناك مَن لم يقدر الله -عز وجل- لهن تشكيل أسرة -وهذه طبقة يُعتد بها من بنات المجتمع هذه الأيام-.. وهنا تكمن المشكلة في تدبير المعيشة، والحالة النفسية، وهي في دائرة مغلقة.. لذا لابد من تقوية عنصر الإرادة لديها، لتتجاوز هذه المرحلة.

57. إن المرأة المتزوجة لها أولادها، وزوجها، وتسوّقها، وما يتعلق بشؤون المنزل، فوقتها مستغرق في هذه الأمور.. ولكن المشكلة في البنت الجامعية المتعلمة، والتي هي كتلة من الطاقة، وقد تكون فيها حالة من حالات النبوغ والذكاء المتميز، ولكن هكذا شاء القضاء والقدر، أن تكون حبيسة في المنزل.. حيث أنه من هنا تبدأ الانحرافات المختلفة: بدؤها من عالم التصورات، والأوهام، والخوف من المستقبل، والقلق النفسي، والعيش في عالم خيالي وهمي.. ومع الأسف عالم الوهم والخيال، هو عالم وهمي، ولكن مع مرور الأيام هذا العالم يتحول إلى عالم حقيقي، والشيطان يصور لها حالة معينة من الميل إلى الشهوات مثلاً، وهي لا تجد لها سبيلاً إلى الواقع العملي كالأسرة.. فقد تميل لا شعورياً إلى بعض الانحرافات المتاحة هذه الأيام.

58. إن الفتاة سابقاً إذا أرادت أن تتعرف على شابٍ، فإن الأمر كان شبه مستحيل، إذ أن القضية تحتاج إلى مقدمات طويلة، وإلى بيئة معينة لا توجد في بيئة المسلمين، وفي البيئة الشرقية.. ولكن هذه الأيام، ومع وجود أدوات الاتصال الحديثة، صار بإمكان البنت أن تتصل بمن تريد، وبما تريد، وكيفما تريد.. ومن هنا نعرف المشاكل المترتبة المعروفة هذه الأيام على المحادثات والمصادقات.. ومع الأسف طبيعة الفتاة أنها طبيعة ميالة إلى الحديث العاطفي، وبعض الشباب هذه الأيام، من واقع الخبرة والمهارة، يتفنن في اصطياد الفرائس بكلمة واحدة.. ومن هنا نلاحظ بأن هذه المشكلة هذه الأيام، من المشاكل التي أوقعت الكثيرات في أزمة خانقة، ولطالما دمرت البيوت من هذه الزاوية الحرجة.

59. إن هنالك دائرة إلزام، وهنالك دائرة احتياط، واستحباب.. فإذا وردت فتوى باحتياط وجوبي أو استحبابي، وكان هنالك مهرب من هذه الفتوى!.. فلا ينبغي أن نعامل الاستحباب، أو الاحتياط، معاملة الحرام، وترك الواجب!.. مع الأسف البعض منا يخلط بين الأوراق المتشابهة!.. من الحسن أن نعوّد الناس على طريق السلامة والنجاة، ولكن لا على نحو الإلزام الشرعي، الذي قد يُنفر البعض في هذا المجال؟!..

60. إن الإنسان الذي لا يملك شيئاً، ولا يمكنه أن يبني مسجداً، أو ما شابه ذلك؛ ألا يملك القدرة على تربية ولد صالح؟!.. فالولد الصالح مشروع ضخم، قال رسول الله (ص): (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له)، فكل شاب هو مشروع لأن يكون أباً صالحاً.. لذا على الشاب المؤمن ألا يفكر بقوت اليوم، ولا يفكر في متعة الليلة.. فالذي يقاوم ويثبت إيمانه، ويتجاوز أمواج الشهوات.. فإن رب العالمين -بإذن الله عز وجل– من الممكن أن يوفقه بزيجة صالحة، وأفضل نعمة بعد الإيمان الزوجة الصالحة: تحفظه في غيبته، وفي محضره، وتربي أولاده تربية صالحة.. فإذاً، الولد الصالح ثلث المشاريع.

61. إن الآية القرآنية الداعية إلى النصر.. هذه الآية عامة لكل الطبقات الاجتماعية: نساء، ورجالا.. {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}؛ بمعنى الجماعة، والجماعة تنطبق على جماعة الرجال وجماعة النساء.. فآية النصر مبدئياً آية واسعة في مفهومها، وشاملة لما يسمى هذه الأيام: بالحوزات الرجالية، والحوزات النسائية.

62. إن البعض من المفكرين أو الفلاسفة يقولون: بأن العلم يطلب لنفسه، سواء أفاد حركة في الحياة أو لم يفد، انتقل إلى الغير أو لم ينتقل.. والحال بأن الآية الكريمة صريحة، في أن المفهوم الإسلامي للعلم والتعلم، ليس كذلك {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}.. فالقرآن الكريم مليء بالإشارات والنكات، وهذه الآية وكأنها آية تبليغية.. ولكن في كل كلمة من هذه الآيات، هنالك نكتة قرآنية.. وبنظرة أولية نلاحظ بأن في هذه الآية هناك ثلاثة عناصر مهمة: يبلغون، ورسالات، ويخشونه.. وكل كلمة من هذه الكلمات، ترمز إلى مفهوم من المفاهيم العالية.

63. لا بد من هذه العناصر الثلاثة في كل مبلغ، يريد أن يبلغ رسالات الله عز وجل: الاستمرار في التبليغ، وكشف الرسالة وإفهام أبعادها، وأن تكون للمبلغ حركة في الباطن؛ وهو ما يسمى بالحركة الأخلاقية أو العرفانية أو التربوية.. فالطبيب ليس ملزماً أن تكون له حركة أخلاقية باطنية، إذ يكفي أن يكون ملماً بمهنته، عارفاً بأسرار علمه.. أما الذي لا يبني باطنه، فهذا الإنسان غير مؤهل لأن يكون من الدعاة إلى الله -عز وجل-.. حتى في آية السراج المنير، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}، القرآن الكريم يأتي بكلمة {بِإِذْنِهِ}؛ أي أنت يا رسول الله بما فيك من الملكات، وبما أوتيت من المعجزات، إذا لم تكن مأذوناً في هذا العمل التبليغي -حتى أنت يا رسول الله- سوف لن تكون سراجاً منيرا لهذه الأمة.. أي لابد من وجود ترشيح سماوي في هذا المجال.

64. إن في آية النصر، جاء بالعنصر العملي والعلمي: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ}؛ إشارة إلى أن التفقه في الدين شرط أساسي في المبلغ.. والمراد بالتفقه هنا، ليس ما يطلق على ما يتناول المعاملات والعبادات.. ولكن التفقه في الدين معنى أشمل، أي معرفة مقاصد الشريعة في كل الحقول، وبما أراده الله -عز وجل-.. فالفقيه الممارس يصل إلى درجة أنه من خلال مجموع الآيات والروايات، يعرف مقاصد الشريعة، وروح الشريعة، ويعلم مزاج الشارع في حقل من الحقول.. أيضا ليتفقهوا في الدين {وَلِيُنذِرُواْ}، إشارة إلى العنصرين: الحركة التبليغية، واستيعاب مقاصد الشريعة.

65. لا نحب أن نرفع شعار الإخلاص في النية من باب التبرك.. وسبب التأكيد على مسألة الإخلاص في النية، هو أن العمل التبليغي الإسلامي الرسالي من شؤون المولى.. فرب العالمين هو الذي ندعو إليه، وهو المحور في المشروع.. وإذا كان المحور مبتور الصلة بمن يقيم هذا المحور، كيف نتوقع المباركة والنجاح في هذا المجال؟.. أن يذهب الإنسان إلى النقاط المخفية في النفس، فالنفس لها طبقات: الإنسان قد يخلص العمل في الطبقات الأولية من النفس، كأن يلقي محاضرة، ويستحضر قصد القربة إلى الله -عز وجل-.. ولكن عندما ننظر إلى الدوافع الخفية، نلاحظ بأن الدوافع الخفية مشوبة، وقد ورد أن من لامات عدم الإخلاص، أن يفرح الإنسان بالمدح والثناء.. ومن منا لا يتوقع ذلك؟.. فإذن، إن القضية فيها دقة، وفيها مقدار كبير في الخفاء.. ومن هنا عبر عن الشرك في العمل (الشرك في الناس، أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود، في الليلة المظلمة).

66. إن عملية البناء المادي عملية سهلة، حيث أن هنالك قواعد واضحة، وأشياء ترى بالعين، فالإنسان بإمكانه أن يذلل العقبات الطبيعية.. أما بالنسبة إلى البناء الأنفسي في مقابل البناء الآفاقي، فالنفس أمر لا يرى، يقول تعالى في القرآن الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}؛ فأبهم في الجواب، ثم يقول: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، وكأن الآية تريد أن تقول: أن القضية فوق التصور!.. وهذه الروح التي لا ترى ولا تلمس، ولا تصلها الحواس الخمس.. كيف يمكن للإنسان أن يطورها؟.. فالأمر بحاجة إلى همة عالية في هذا المجال، ومداومة في مقاومة الموانع في هذا الطريق.. حيث أن هنالك منافسين في هذا المجال: الأهواء، والشياطين.. والعمل التبليغي مشكلته، أن الإنسان في حال حرب، وإن لم تعلن هذه الحرب.

67. إن الحوزات العلمية هي معسكرات قتال، مقابل معسكرات فيها أعداد أكبر من الشياطين الذين يروننا ولا نراهم.. فإذن، إن الحوزة عبارة عن معسكر قتالي، والطرف المقابل له خبرة آلاف السنين في إغواء بني آدم.. والمعسكر الآخر أقرب إلى قلوب الناس من معسكر الحوزة، لأن سلاح الشياطين هو: إثارة الهوى، والهوى مطابق لميل النفس الإنسانية، فمن الطبيعي أن تكون المعركة غير متكافئة.. ومن هنا لزم علينا أن نحسب حساب الانتصارات المستقبلية.. والأنبياء هكذا كانت خطتهم، فنبي الله نوح (ع) لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وانتهت الحركة التبليغية بإهلاك من في الأرض، إلا سفينته.. ولكن مع ذلك يبقى نوح من الأنبياء أولي العزم، ومن مفاخره أنه على رأس سلسلة من الأنبياء.. فالأنبياء أولي العزم كلهم من ذرية نوح (ع).

68. كما أن هنالك تغيراً في أنماط الحياة، وأساليب الحياة المادية -فهذه الأيام تحولت الدابة ذات الأرجل الأربعة، إلى صواريخ تقتحم الفضاء، وتكتشف الكواكب- هنالك أيضاً تغير في أساليب التفكير والتأثير على الآخرين.. في يوم من الأيام كان الشعر هو الإذاعة الرسمية المتنقلة، ولكن هذه الأيام لم يبق للشعر ذلك الدور الذي كان في زمن انعدام الفضائيات، ووسائل الاتصالات العصرية.. لذا لابد من أن نكتشف الأساليب الجديدة، في مسألة فتح القلوب والعقول.. ولهذا بعض العلماء الأجلاء في هذه الأيام حولوا الفقه إلى حواريات، لأن التحرير أو المنهاج لم يعد كتاباً جذاباً لعامة الجمهور.. فهم يريدون فقهاً مصوراً حوارياً باصطلاحات مفهومة، وبعيدة عن التعقيد.. هنالك أساليب جديدة في التأثير، فعلم البرمجة اللغوية العصبية، هنالك نقاط إيجابية فيه.. إذ لا بأس أن نأخذ من كل قوم ما تمرسوا فيه، وما أبدعوا فيه، من أجل تطبيقها على العمل التبليغي الديني.

69. نحن نخاطب أرواح، والأرواح أجزاء متكاملة.. إذ لا يمكن للإنسان أن يقول: أخاطب الشخص من زاوية عقله، وليكن قلبه مبغضاً لي، فأنا أتكلم مع عقله، وعقله معي.. وأنا كلامي كلام منطقي، فأتكلم مع جهة توافقني وهو العقل!.. هذا الكلام غير صحيح، في بعض الأوقات نلاحظ جفاء بين الأم وبين ابنتها، تتكلم معها بمنطق شرعي عقلي إلى آخره، ولكن البنت لا تزداد إلا عناداً!.. فالمشكلة تكمن في أن هذه الجسرنة العاطفية منتفية: البنت لا تنظر إلى أمها نظرة محترمة، وكذلك الولد، وكذلك عالم المنطقة، وكذلك صاحب المشروع أو المؤسسة.. إذا لم ينفذ إلى قلب الطرف المقابل، الذي يراد التأثير عليه؛ فإن الخطاب العقلي المنطقي الفلسفي، سوف لن يجد آذاناً صاغية.. فالتودد إلى القلوب أيضاً من مقومات العمل التبليغي، وهو من أصعب المهام.. فالمنطق له قواعد مدونة في كتب المنطق، والفلسفة لها قواعدها في كتب الفلسفة.. ولكن هل رأيتم كتاباً يشرح كيفية الاستيلاء على القلوب؟.. هذه مهارة من المهارات الدقيقة جداً، والمدد الإلهي يأتي في هذه النقطة، بأن الله -عز وجل- يتصرف في قلوب المخاطبين، كما نعلم في الآية المعروفة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.. هنا يأتي دور المدد الغيبي، والارتباط بعالم الغيب في تليين القلوب، وهو ما رأيناه جليا في حياة النبي الأعظم (ص) الذي امتلك قلوب الجاهليين فأوصلهم.

70. مع الأسف نلاحظ البعض قبل أن ينام، يأخذ كتابا عشوائياً ويقرأ صفحات منه، ثم يرجعه إلى مكانه.. وعندما يسافر، يجعل في حقيبة سفره كتاباً نافعاً، يقرأ منه سطوراً.. هذه القراءة المبعثرة غير الممنهجة، لا تربي إنساناً مبلغاً له كم من المعلومات المدونة.. بعض العلماء الأفاضل هذه الأيام، معروف بالتأليف الكثير المركز، وهو الشيخ جعفر سبحاني.. هذا الرجل أثرى المكتبة الإسلامية بكتب نافعة، فأسلوبه في القراءة أسلوب أخّاذ.. يمر على مطلب جميل، يدونه في مكان ما، وبالتالي الآن لديه آلاف المذكرات في هذا المجال، وهذا الثراء العلمي جاء من وراء هذه الطريقة في تدوين ما يقرأ.. وهذه الأيام الأمر لا يحتاج إلى أوراق وإلى بطاقات، فهذه الوسائل العصرية هي التي تبرمج، أنت أعط المعلومات وأعطه العنوان، وهو يفهرس لك ما تقرأ.. وبالتالي، بعد عشرة أو عشرين سنة من المطالعة -هذه الساعات التي ذهبت وتبخرت- وإذا بها تحولت إلى مكتبة خاصة بك.. قد يستهوي الإنسان حقلاً من حقول المعرفة، فليثري نفسه في ذلك الحقل.. فالإنسان الذي يريد أن يثري نفسه معلوماتياً بعد الإثراء النصوصي، لابد وأن تكون له هذه الحركة من المنهجية في تجميع المعلومات.

71. مع الأسف نحن نتوقع أن يكون العمل التبليغي والرسالي، كمزرعة الحنطة والقمح.. فالزارع يزرع زرعه، ويسقيه، وينظر إلى التقويم، ويقول بعد ثلاثة أشهر: لدي هذه الكمية من الحنطة، في كل سنبلة مئة حبة.. فإذا جاء الموسم، ولم يحصل على هذه الكمية، يصاب بانتكاسة نفسية، ويبني على عدم الزراعة، أو يزرع مادة أخرى.. ولكن إذا أصيب في تلك السنة بنكسة زراعية كبيرة، قد يبدل مهنته أساساً.. أما العمل التبليغي، فهو ليس كزراعة القمح والشعير، فالإنسان يلقي محاضرة الآن، وبعد انتهاء المحاضرة يتوقع التغيير في نفوس الخلق!..

72.  إن المؤمن لا ينسى أن الحوزات الإسلامية الإمامية في شرق الأرض وغربها، لها عميد واحد، هو المشرف عليها أينما وجدت حوزة تدعو الناس إلى صف الله وأوليائه.. ألا وهو إمامنا صاحب الأمر والزمان (عج).

73. إن طالبة العلم التي ليس لها علاقة متميزة بولي أمرها؛ زيادة عن جمهور الناس، وزيادة عما يسمى بعوام الناس.. كيف تتوقع هذه الأخت، البركات الولائية في هذا المجال (بيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء)، (لولا الحجة لساخت الأرض).. إذا أرادت التأثير في عالم التبليغ، لابد من مد جسور فكرية وعاطفية مع ذلك الوجود الشريف، ولا غضاضة في أن نطلب منه (ع) -فكرياً الطلب من المعصوم، طلب من الله -عز وجل- لا أثنينية في ذلك- فالذي ندعوه هو الذي جعل لنا وسائط الفيض، وطلب منا أن نطلب منهم، لأن الله -عز وجل- أكرمهم بالإجابة.

74. يجب أن يكون لطالب وطالبة العلم برنامج ارتباط به: فكراً، وإرضاءً: السلام عليه في كل صباح، والتصدق باسمه الشريف، وإهداء الأعمال الصالحة لوجوده الشريف، والأهم من كل ذلك العمل بالمضامين الواردة في دعاء العهد، (اللهم!.. اجعلني من أنصاره وأعوانه، والذابين عنه، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والممتثلين لأوامره، والمحامين عنه).. وفي ساعة من ساعات الاستجابة -إن أعطيتم رقة تحت الميزان، أو الحطيم، أو عند المستجار، أو عند قبة الحسين (ع)- الدعاء بالرجعة معه (عج)، فإن من أجمل الأمنيات التي يغفل عنها الكثيرون، أن يرزق الرجعة معه (عج)!.. وهنيئاً لمن يكون معه في عصره، ليكونوا من الدعاة إلى طاعته!.. والامتياز في الذين يرجعون معه في رجعته الكريمة، أن لهم الدور في تأسيس حكومة إسلامية ممتدة إلى قيام الساعة.

75. إن الإنسان العاقل في حركته الحياتية، لابد وأن يعمل في حقلين: حقل إيجاد الدوافع والمقتضيات، وحقل إزالة الموانع.. وفي كل علم من العلوم هنالك بحث حول الآفات التي تعترض الإنسان: في عالم الطب، هناك متحف طبي تحت عنوان: المتحف الطبي المتعلق بآفات البدن.. فلكل عضو حالة سلامة، وحالة آفة.. ومعرفة آفات الأعضاء في الطب، أمر ضروري.. والأرواح كذلك، فالأرواح والأفكار لها آفاتها.. والذي لا يبحث في آفات الفكر والقلب، تكون دراسته ناقصة.

76. إن الحوزات العلمية، ليست كالمطابع التي تدخل بها رزمة من الأوراق البيضاء الخالية، وإذا بعد فترة قصيرة، تخرج مطبوعة بالصور الجميلة والكتابات النافعة، فهذه حركة ميكانيكية طبيعية!.. أما في الحوزات والجامعات، فإن الأمر ليس كذلك، إذ ليس كل من يدخل في الحوزة العلمية هو بمثابة ورقة بيضاء، تخرج ملونة مطبوعة في الطرف الآخر.. من الممكن أن يكون الأمر تقريباً كذلك في الجامعات الأكاديمية، أي أن الجامعية أو الجامعي يدخل الجامعة، وسير الأمور واضح جداً أمامه: سنوات الدراسة معلومة، والمستقبل الدراسي معلوم، والاستفادة من العلوم.. كل ذلك واضح!.. أما الحوزات ليس كذلك!..

77. إن المشكلة في الحوزات، هي أن الحوزة تتناول حقلين: حقل الأفكار والرؤى، وحقل القلوب.. أي أن القضية قضية معقدة من هذه الناحية، لأن طالبة العلم سواء هي قبلت أو لم تقبل، هي وارثة الأنبياء في مجالها.. الحوزات الرجالية في جانب الرجال، والحوزات النسائية في جانب النساء.. يمثلون جبهة الدعاة إلى الله -عز وجل-، ومن هنا العملية عملية معقدة ومتقومة بعناصر عديدة.

78. إن الشياطين والأبالسة، يرون بأن أقصر الطرق للقضاء على جماعة، هو الوصول إلى هذه المخازن المائية.. والحوزات العلمية تمثل هذه المخازن، ورجال الدين وطالبات العلم هم النمير، وهم العلم، وهم الغدير الذي منه يستقي الناس.. فإذا أمكن للشيطان أن يبث سمومه، ويقضي على هذه الفئة.. فإنه يكون قد أنجز المهمة، وبالتالي طالبة العلم عندما تتحول من الجامعة للحوزة، ومن العمل للحوزة، ومن البيت للحوزة.. عليها أن تعلم أنها في مرمى الشياطين، فالشياطين تضاعف من جهودها من أجل إسقاطها في فخه.. وحقيقة {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، لم يستثن إلا المخلَصين، ونحن لم نصل إلى درجة المخلِصين، فضلاًَ عن درجة المخلَصين!.. درجة المخلَصين يحتاج إلى جهد جهيد، فكيف بالوصول إلى مرحلة المخلِصين؟!..

79. إن المخلَص هو ذلك الوجود المنتقى.. وهناك ثلاثة من المعصومين، ألقابهم في إطار الانتقاء الإلهي: النبي هو المصطفى، ووصيه هو المرتضى، ووصيه الآخر هو المجتبى.. فهذه الكلمات في فلك واحد: المصطفى، والمرتضى، والمجتبى.. وهي تدل على الاصطفاء الإلهي، هذا هو المخلَص؛ أي الذي انتخبه الله -عز وجل-.. والقرآن الكريم لإثارة الغيرة في النساء، ذكر عينة من المصطفيات في التأريخ، ألا وهي: سيدتنا مريم، سيدة نساء زمانها، رب العالمين اصطفاها وطهرها، لأنه رأى فيها القابلية، فأنبتها نباتاً حسناً.

80. لا ينبغي التأثر بالعناوين، ويفضل عدم استعمال لقب طالبة الحوزة، بلا هدف.. فالبعض قد يستعمل هذا التعبير -لا قدر الله- للمباهاة، وللفخر، وإظهار الإنية والذاتية، وما شابه ذلك.. إذا كان الإنسان في مقام التعريف، ليؤثر كلامه في الغير.. لا بأس أن يعرف نفسه، طبعا رجل الدين مميز في زييه، ولا يحتاج إلى تعريف، أما المرأة فإنها تحتاج إلى شيء من التعريف، ليكون كلامها مؤثراً.. أما أن تستخدم هذا اللقب، وهذه الوظيفة، من أجل جلب الأنظار إليها؛ فهذه صورة من صور الشرك الخفي، الذي ينبغي أن نعالجه في نفوسنا، فإنه (أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود، في الليلة المظلمة).

81. إن عدم استثمار العلم، هو آفة الحوزات النسائية بالخصوص، فهذا العلم يبقى محصوراً لدى البعض في الصدور.. البعض منهن لا تخمس ولا تزكي علمها، إذ أن لكل شيء زكاة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.. يقول العلماء: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}، سواء كان مالاً أو كان علماً!.. فهذا العلم جاء من وراء مال، ووقت المعاهد العلمية، والحوزات مبنية على أموال صاحب الأمر (ع)، أضف إلى الأوقات والأعمار المصروفة.. فالعلماء الأفاضل هؤلاء، يصرفون أعمارهم وأوقاتهم في تربية الحركات النسائية المباركة.

82. إن المسؤولين عن الحوزات العلمية، شكواهم: أن المرأة وهي فارغة، وقد تكون لم تتوفق للدخول في بعض المعاهد العلمية، تأتي للحوزة، وتتفوق.. وقد تكون لا ترغب في دروس الجامعة، وترغب في الدروس الدينية الإسلامية.. ولكنها -مع الأسف- بعد أن تتقدم في العلم شوطاً، وتصبح امرأة في معرض التكامل، وإذا بها تتزوج وتكون أسرة ومنزلاً و...الخ.. وإذا بها تغير جهة حياتها من عالم إلى عالم: من عالم حب العلم، والتكامل، والتقرب، والتزكية.. إلى العالم المنزلي المتعارف عند كل النساء.

83. إن المؤمنة لابد أن تكون وفية لهذا الخط ولهذا الطريق، فطريق الحوزة من أفضل الوظائف على الإطلاق في عالم الوجود: الأطباء شغلهم مع: اللحم، والدم، والجروح، والقروح.. والمهندسون شغلهم مع: الحديد، والأسمنت، والرمل، والطين.. وباقي العلوم قس عليه فعلل وتفعلل!.. بينما طالب العلم يصبح ويمسي وحديثه عن قول الله -عز وجل-، وعن قال الصادق والباقر (ع)، وعن تفسير كتاب الله -عز وجل-.. إن شرف العلم بشرف موضوعه: فموضوع الطب؛ البدن الفاني.. وموضوع الهندسة؛ البنيان الفاني.. وموضوع طلب العلم؛ الرسالة الإلهية والأنفس أي أرواح البشر.. فشتان بين الأرواح والأبدان، وشتان بين الرسالة والبنيان!.. وبالتالي، فإن هذا العمل من أشرف الأعمال وأجلّ المهن!.. فإذن، لابد من اتخاذ مسار أبدي في هذا المجال.

84. إن مشكلة المرأة أنها إما تعمل في مجتمع نسائي كبير، أو أنها لا تعمل.. بينما يقول تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.. لو أن الأخوات المؤمنات يفكرن في حماية أسرهن، وأسر أقاربهن، وأسر أزواجهن، والقرية، أو المحلة التي يعشن فيها.. إذا كل طالبة علم تعمل بهذه الوظيفة، انتهى الأمر!.. فلا ينبغي أن ننتظر الوظائف ذات العناوين العريضة البراقة، إذ يكفي أن نعمل بقوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.. والمرأة التي تتقن العمل الرسالي التبليغي في دائرة ضيقة، فإن رب العالمين يبارك لها، ويفتح لها من الآفاق ما يفتح.

85. إن  النمو اللامتوازن آفة كبيرة!.. أخت تستهويها الأبحاث العلمية، فتتحول إلى مكتبة متنقلة، تتحول إلى قرص مدمج، لا إلى قرص مرن، بل إلى قرص صلب مدمج فقط يحمل العلم.. وفي ساعة من ساعات موجبات الحدة والغضب، وإذا بها تغضب كأي إنسان عادي.. وفي مجال الأكل والشرب وباقي الشهوات البهيمية، لا نكاد نجد فرقاً بينها وبين غيرها.. فالإنسان وجود متكامل: له عقل، وله قلب، وله جوارح.. ولابد أن نعطي كل هذه حقوقها: إيمان في الفكر، وحب مشاعر في القلب، وعمل للجوارح.. والبعض -للأسف- يتوجه لحقل العبادة والأوراد والأذكار والختومات وما شابه ذلك، ويهمل الجانب العلمي.

86. إن الإقبال في الحوزات، يكون في السنوات الأوائل.. فالطالب عندما يأتي إلى الحوزة أول سنة، يكون في أفضل حالاته: حالة روحانية راقية، وحالة مراقبة، حتى أنه في أول أيام التعمم، يرى بأن العمامة تاج ثقيل على رأسه، وكأن هموم ومسؤوليات الدنيا وقعت على رأسه.. ولكن بعد فترة، فإن الأمر يهون عليه.. وهناك في الروايات إشارة إلى أن العبادة لها إقبال، ثم تنتهي إلى فترة العلم.. كذلك طالبة العلم بعد فترة من طلب العلم في الحوزات، وتكرر الدروس والمواقف و... الخ، لا ترى تلك البهجة!.. وبالتالي، فإنها تتحول إلى طالبة علم بمعنى طالبة العلم الجامعي: تأتي للحوزة صباحاً، فتأخذ المواد الدراسية، وترجع إلى المنزل، من دون أن تتحول إلى عنصر الأسوة والقدوة الحسنة.

87. إن مجرد الدخول في هذا البناء المبارك، أو إدخال الاسم في قائمة أوراق طلبة العلم.. هذا لوحده لا يكون عاصماً، إذ لابد من المراقبة المستمرة، والاستحضار.. هذه الوكالة عن الله ورسوله، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض، فكيف بالمؤمن، وكيف بطالب العلم؟.. فطالب العلم شاء أم أبى، هو خليفة الله، حيث أن هناك أربعة من موجبات الخلافة الإلهية: آدميته، وإسلامه، وإيمانه، وحوزويته.

88. لابد لطالبة العلم بين فترة وفترة أن تراجع نفسها.. إن البعض نموهم الحوزوي بطيء جداً، فالإنسان في الجانب العلمي، قد يبذل جهده، ذاك إنسان مطالب بالتكليف، ولكن عندما ينظر الأبوان إلى طالبة العلم أو الأقرباء، فإنهم لا يرون هذه الفترة التي أمضتها ابنتهم في الحوزة متناسبة مع نموها الباطني.. حيث أن ست أو سبع سنوات تدخل الطالبة للجامعة، تسمى دكتورة، وتخرج، وتعالج المرضى، وتقوم بمهمة في المجتمع.. مع الأسف البعض منا من الممكن سبع أو عشر سنوات وأحدنا يقتات من الحقوق، وغير ذلك، ويصرف عمره.. والتقدم الباطني الفكري الروحي، هذا التقدم لا يتناسب مع طبيعة أو مدة المرحلة التي قضاها في هذه الأماكن.

88. إذا أردنا الحصانة في هذا المجال، لابد من أن ننسجم مع عمادة الحوزة -إن صح التعبير- فالحوزات العلمية منتسبة إلى الإمام (عج) انتسابا مباشراً، لأنه هو المعني بشؤوننا، ونحن نمثله شئنا أم أبينا.. فطالبة العلم، لابد أن تكون لها علاقة متميزة بإمام زمانها من (بيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء).. لابد أن تكون لنا وقفة يومية معه: بدعاء العهد، ووقفة أسبوعية: بدعاء الندبة، وبالسلام عليه في كل صبيحة، وبالدعاء له في قنوت الصلاة بدعاء الفرج، وبالتصدق، وبزيارة نيابة عن وجوده الشريف.. والأهم من كل هذه الحركات الظاهرية، أن ندخل عليه السرور بأعمالنا.. عن الإمام الصادق سلام الله عليه: (كونوا زيناً لنا، ولا تكونوا شيناً علينا)!..

89. إن على المؤمن أن يتقن صلاة الظهر والعصر، خاصة في المجالات الأكاديمية: في الجامعات، وفي الحوزات، فالأمر يحتاج إلى تصفية الفكر.. إن الإنسان في البيئة الأكاديمية العلمية يكون مشغول الذهن بالقضايا العلمية، وطبيعة القضايا العلمية أنها مذهلة!.. ومن هنا فإن الإنسان عندما يصلي، يعيش الجو العلمي أثناء الصلاة، فيصبح هناك تداخل بين هذين الجوين: فالقضايا العلمية مشغلة للب، والإنسان يفكر بباطنه.. والصلاة أيضاً تحتاج إلى باطن وإلى لب؛ فيصبح هنالك منافسة وتزاحم بين الأفكار الصلاتية.. والقضايا الروحية التكاملية، لا يمكن فيها الطفرة.. فالإعجاز له عالمه، والذي يعيش هموم غير إلهية، من الطبيعي أنه بتكبيرة الإحرام، لا ينتقل فجأة إلى عالم الأنس والحديث مع رب العالمين.

90. إن الإنسان العاقل، يقدم الباقي على الفاني.. والإنسان العاقل ينسجم مع هدف خلقة الوجود، ألا وهي العبودية!.. بعد أن يعتقد أن الانقطاع إلى الله أمر حسن: يتصوره تصوراً، ثم يصدقه تصديقاً، ثم يحول هذا المفهوم إلى شيء محبوب.. أي هو يحب أن يصل إلى هذا المستوى من الانقطاع إليه، ويستميت من أجله.. فإذا أحب الإنسان هذا المفهوم، عندئذ يأمر القلب البدن أن يتوجه للعبادة للحوزة، لأن هذه مقدمات لحصول الانقطاع إلى الله عز وجل.

91. إن هنالك أهدافاً معلنة بحسب الظاهر، وأهدافاً غير معلنة، لا يعلمها إلا المقنن والمشرع، هذا في سياسة المدن.. وكذلك الأمر في سياسة الأرواح، هنالك الوجود الظاهري يرى بعض الدوافع، ولكن هنالك دوافع لهذه الدوافع، لابد أن نميز بين هذين القسمين من الدوافع.. الهدف المعلن هو: خدمة الدين.. والهدف غير المعلن، والباعث الحقيقي الأصلي، هو عبارة عن: إثبات الذات، وإظهار الذات.

 92. الاستئكال بالدين؛ أي جعل الدين أداة لكسب الدنيا، وهذا شيء موجود طوال التأريخ.. فهنالك قسم من علماء السلاطين، هؤلاء يحترفون الدين احترافاً، ويعيشون على اسم الدين.. وهذا الاستئكال بالدين موجود منذ خلق الله -تعالى- آدم (ع).. وكم من القبيح أن يحول الإنسان مادة القرب إلى الله -عز وجل- إلى مقدمة لكسب المال والمتاع العاجل.. إذن، البعض يرى بأن دنياه تؤمن من خلال الدين.. وهذا نوع من أنواع الشرك الخفي.

93. إن كل واحد منا يعشق نفسه، لا معشوق في الوجود، أعظم وأجمل في نفس الإنسان من ذاته!.. حتى الزوجة التي تدعي أنها متفانية في حب زوجها، فذلك لأن الزوج أداة لسعادتها هي.. ولو أن الزوج أعرض عنها، وتزوج بأخرى.. فإن هذا الحب يزول بمجرد أن تطلع على إعراض الزوج عنها، أو خيانته، أو حتى قيامه بعمل محلل ولكن هي لا ترتضيه!.. هذا الحب كله يزول في دقيقة!.. فالناس يعشقون ذواتهم: البعض يضيع ذاته، ويرى بأن الذات هي الجلد، وهذا البدن.. فتلمع المرأة جلدها بأنواع: العطور، والمرطبات، والمبيضات، إلى آخره.. هي ضيعت نفسها، ورأت أن النفس هي هذا الجسم، فهذا الجسم ينبغي أن يجمّل، حتى لو استلزم الأمر عمليات جراحية تجميلية!..

94. إن البحث عن السعادة الباطنية والاطمئنان الباطني، من صور الشرك الخفي.. البعض اكتشف هذا الحقيقة بوضوح، وهي: أن سعادة القلب وراحة القلب؛ إنما هي بذكر الله.. {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. هذه الآية بحسب الظاهر هنالك مجرور مقدم، وفعل، وفاعل، وأداة تنبيه.. ولكن هنالك معاني كبيرة في هذه الآية، لو أن أحدنا حاول أن يكتشف لطائف الآيات والنكات الخفية، لوصل إلى بحارٍ من المعرفة.. فالبعض اكتشف هذه الحقيقة بالتجربة، ورأى بأن تلك الساعة التي كان يعيش فيها حالة الذكر القلبي -حول الكعبة، أو ليلة الجمعة، أو ليلة القدر، أو تحت قبة الإمام الحسين (ع)- عاش حالة الاطمئنان.. فهو يبحث عن هذا الاطمئنان!.. على كل هذا الاطمئنان شيء مقدس، وشيء ممدوح.. إلا إنه ليس أيضاً من مصاديق التوحيد.

95. إن التي تدخل الحوزة، لابد أن تتأكد من نيتها، هل هي رغبة في أمر إيجابي، أو فرار من أمر سلبي.. لابد أن نشخص بين هذين الأمرين، فلا يكون الأمر فراراً من شيء: لا يكون فراراً من عقدة حياتية، ولا فراراً من فشل في الحياة، ولا فراراً من ضغط منزلي، ولا فراراً من أزمة مع الأبوين، إلى آخره من الدوافع الكثيرة.. وعليه، فلابد أن ننقح هذه النوايا في هذا المجال.. فمعظم موجبات الشرك الخفي، يعود إلى تجميل وتلميع الذات، وإذا خرجنا من هذا الشرك، يصبح العمل منتسباً إلى الله عز وجل.

96. إن هناك محطات تأمل جميلة جداً في سورة مريم!.. هذه السورة التي ينبغي لكل مؤمنة أن تقرأها، لا قراءة من أجل تيسير ساعة الولادة مثلاً.. ولكن هذه السورة وسورة النور، من السور التي يطلب من المؤمنات قراءتها قراءة واعية ومتأملة!..

97. يقول زكريا (ع) لربه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.. فزكريا (ع) لا يريد الذرية لتكون أداة لكسب المعاش، ولكنه يقدم مفهوماً آخر لطلب الذرية والنبوة.. يريد ذرية كي يكمل خطه في الحياة: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}.. فالمؤمن يريد ذرية، ليحقق بعض آماله التي لم يحققها.. وهنيئاً لمن ينظر إلى الذرية من هذا المنطلق، من منطلق إدامة الوجود!.. ورب العالمين شكور رؤوف، وهو أجلّ من أن يهمل هكذا إنسان!.. فأجره يستمر إلى القبر!..

98. قال تعالى: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا}.. وهذا الذي نفقده في حياتنا!.. فرب العالمين إذا أحب عبداً، جعل حنانه في القلوب.. إما في قلوب عامة الخلق، إذا كان قائداً من قادة الأمة، وهذا الذي يفسر ظاهرة التفاف الأمة حول علمائها.. فهذا التفاف غير طبيعي، أي هنالك تصرف في القلوب، وحنان من الله عز وجل.. وإما في قلوب الخاصة، نعم {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.. فمن طرق التأثير على الناس، أن تتملك هذا الود الإلهي.. وفي هذه الآية {وُدًّا} نكرة، والنكرة في اللغة العربية من علامات التعظيم والتفخيم.. حتى في هذه الآية {وَحَنَانًا} جاءت نكرة، لتبين حجم هذا الحنان.

99.  إن عيسى (ع) من أنبياء أولي العزم، وعندما يصل للسلام يقول: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}!.. ولكن هنيئاً لنبي الله يحيى (ع)!.. ما هذا الود الذي ألقاه عليه، فرب العالمين يقول: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}.. حيث أن هناك فرقاً بين {السَّلامُ عَلَيَّ} وَ{سَلامٌ عَلَيْهِ}.. فعيسى (ع) يسلم على نفسه، ولكن هنا رب العالمين يسلم على نبي الله يحيى!..

100. إن ضمن المناجاة الموجودة في أمين الله: (اللهم!.. إن قلوب المخبتين إليك والهة، وسبل الراغبين إليك شارعة).. فالطريق مفتوح، والذي يمشي في طريق الأنبياء؛ تفتح له الأبواب.. والعمدة في قصة مريم وزكريا (ع)، هي حالة الدعاء عند زكريا (ع).. فدعوة لزكريا (ع) في جوف الليل -صحيح هو نداء خفي- هذه الدعوة أوجبت له أن يعطى ولداً كنبي الله يحيى (ع).. لذا على المؤمن أن يستدر هذا العطف الإلهي في مواطن الإجابة!..


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج