100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الظلم في هذا الوجود، هو ظلمات يوم القيامة.. قد يصل الإنسان إلى درجة من الظلم، هذه الدرجة توجب له العذاب الذي لا يرد، ألا نطلب في أدعيتنا من الله -عز وجل- ألا يُحلل علينا غضبه: (اللهم!.. لا تؤمنا مكرك، ولا تكشف عنا سترك، ولا تصرف عنا وجهك، ولا تحلل علينا غضبك).. أي هناك غضب مقدر؛ ولكنه محجوب.. مثل الذي يُحكم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ، وإذا ارتكب جريمة ثانية، كذلك يحكم عليه مع وقف التنفيذ.. ولكن في الرابعة والخامسة يجمعون له الأحكام السابقة، ويدخلونه السجن.. بعض الأوقات تكون المعاصي والذنوب هكذا.

2. إن المشكلة الكبيرة التي يشتكي منها الشباب، هي اختلاف المستويات الفكرية والثقافية بين الزوجين.. من الطبيعي أن الرجل باعتبار فرص التكامل متاحة له، يتدرج في مدارج التكامل العلمي: من ثانوية إلى بكالوريوس، إلى ماجستير، إلى دكتوراه، إلى ما فوق الدكتوراه.. وطبيعة حياة المرأة لا تسمح لها بذلك، هما تخرجا من الثانوية العامة، ودرسا الجامعة.. ولكن الرجل أكمل مسيرته، وهذه الزوجة انشغلت في أعمال المنزل وتربية الأولاد.. وكلما مرت عليها الأيام، كلما زادت توغلاً في شؤون المنزل، وتوقفت حركتها الثقافية التكاملية.. طبعاً انشغال الحياة لديها، قد يعيقها أيضاً عن الحركة التكاملية الروحية؛ لأنها هي أيضاً مشغولة في المنزل، ومشغولة بما يلهيها عن الله، وعن الثقافة، والترقي العلمي.. وبعد عشرين أو ثلاثين سنة، يكتشف الرجل أن هنالك شرخاً وهوة عميقة بينه وبين زوجته، في الجانب العلمي والأكاديمي والفهمي.. ومن هنا يبدأ الاستكبار والاستعلاء، وقد يكون هناك بعض الأوقات تعريض.

3. إن المرأة التي توقفت حركتها التكاملية الروحية والثقافية، فهذا لأجل الزوج الذي كان شريكاً معها في إنجاب الذرية.. فهي خدمت الزوج، وما تحملته من الحرمان العلمي، وحتى الروحي في سبيل أن يكون أباً لأولادها.. هذا الولد غداً يتخرج، ويحمل لقب الأب، وكنية الأب.. فالناس تفتخر أن هذا ابن فلان.. وعلينا أن نعلم أن ما أصابها من الأذى، إنما هو أيضاً في سبيل أن يحقق الزوج الطموحات في هذه الحياة.

4. إن في موضوع الاختلاف بين الزوجين، نحاول أن نطرح القضايا بكلّ هدوء.. والغرض هو أن نحكّم هذه الآية في حياتنا {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.. هذه الأيام متعارف في غرفة النوم يجعلون مزهرية جميلة، أو لوحة زيتية.. بعض الأوقات اللوحات الزيتية فيها إشكالات شرعية، فيها مناظر غير لائقة.. يشتري لوحة بأغلى الأثمان، وبتكرار النظر لا يرى شيئاً.. فلم لا يعلق في غرف النوم هذه الآية؟!.. وفي المجالس لوحة كتب فيها بخط جميل هذه الآية {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}، أي أنّ الإنسان يعتقد الرقابة الإلهية في كلّ لحظة من لحظات حياته.. هذا من أجل ضبط النقاشات في المجالس والدواوين، أو هذه الآية {وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} أيضاً آية جميلة ومناسبة لمجالس الاستقبال.

5. إن الإنسان يوم القيامة عندما يريه ربّ العالمين أعماله، يتمنى لو يكون تراباً تدوسه الأقدام، {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} ولكن الكلّ يعيش هذه الحالة من الخجل بين يدي الله -عزّ وجلّ-.. ورد في بعض النصوص عندما يؤتى بالمسلم يوم القيامة وهو يزجّ إلى النار بفعله، رسول الله (ص) يستحي أمام الأنبياء، أن يروا فرداً من أمته يقاد إلى النار، من مسند عبد الله بن عباس قال: (ألا وأنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي!.. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)؟.. إذا كان الذين كانوا معه هكذا، فكيف بالمسلمين طوال التأريخ؟..

6. إن المؤمن إذا عزم أن يكون عبداً صالحاً لله -عزّ وجلّ-، فالشيطان يثير مَن حوله، يرى حياته الزوجية مستقرة، وإذا بالزوجة أصبحت مشاكسة، لا تتحمل منه كلمة.. أول خطوة على العبد أن يقوم بها: أن يفتح الصحيفة السجادية، ويستعيذ بالله -عزّ وجلّ-.. عليه أن يعلم أنّ هنالك انتقاماً من إبليس، يريد أن يلقي القبض على أحد الضعيفين: إذا كان الزوج هو القوي، والزوجة هي الضعيفة؛ فإنه يعشش في قلبها.. فليقل: يا ربّ، إدفع كيد الشيطان عني، ولا تجعل للشيطان علينا سبيلاً.. وإذا كانت الزوجة هي القوية، الزوج في ليلة وضحاها يتغير، وتتغير مسيرته في الحياة: الذي كان قائماً في المسجد، يصبح مع شلة الفساد، ويذهب هنا وهناك!.. إنها الشياطين حريصة جداً على تغيير مسيرة العبد في هذه الحياة.

7. إن الخلاف أيام الشباب يصير أقلّ في حالة المحبة والغرام، فالمزاج الشبابي مزاج قوي يتحمل.. بعض الخلافات مضحكة في سن متقدمة، رجل في سنّ السبعين والثمانين ويذهب للمحاكم ليطلّق زوجته في سنّ الستين، وهذا يفسر بأن الشيطان لا ييأس من الإنسان حتى في اللحظات الأخيرة.

8. إن الإنسان الذي يربي ذرية إلى سن العشرين أو الثلاثين، لماذا يفرط بها لأجل شهوة ساعة؟.. لماذا يفرط بهذه الذرية لأجل نزوة تنطفئ خلال أيام وليال، ويرى ذرية مشاكسة؟.. بعض الأولاد لعله لو دخل أحد إلى قلوبهم، لوجد من ضمن أمانيهم في هذه الحياة، أن يموت الأب قبل موعده؛ كي يرتاحوا من هذه المشاكسات، وكي ينعموا بشيء من المال من إرثه، وخاصة إذا كان الإرث يُعتد به.. ما هذه الحالة إنسان يتمنى موت أبيه أو العكس؟.. إن ثروة الإنسان بعد الموت هي هذه الذرية، عن الإمام الصادق (ع): (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له).. اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

9. إن البعض هذه الأيام مشغول بعلامات الظهور والفرج، ويؤرخ ذلك.. أن نعيش فقط ننتظر الفرج، وننتظر العلامات، ونقرأ الكتب؛ هذه جريمة، أن نعلق الفرج بعلامات ظنية لا تتحقق.. لماذا نربط روايات أهل البيت (ع) بأمور غير يقينية، وبأمور ظنية، ونصدر كتباً ونقطع بهذه العلامات، هذه قطعاً مما لا يرضي الإمام (عج).

10. إن الإمام (عج) كآبائه، نحن مشكلتنا أن البعض لم يفهمنا، ونحن أيضاً لم نتقن التصرف، كأنه جعلنا لأهل البيت مدرسة وقانوناً وطريقاً، ولله -عز وجل- أيضاً له طريق آخر، كأنه -والعياذ بالله- ضرتان لا يجتمعان.. أهل البيت فنوا في ذات الله -عز وجل- هؤلاء قمة فخرهم أنهم عبيد لرب العالمين، نحن في التشهد نقول عن النبي (ص) أنه عبد الله ثم رسوله، وعلي (ع) يقول: (ويلك!.. إنما أنا عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله)، وهذا لا يعني أنه يعبد النبي، إنما هو مطيع لرسول الله.

11. إن "التقليد" في عُرف الناس، قد لا يعتبر أمراً ممدوحاً، فالناس يحبون: الابتكار، والإبداع، والإتيان بالجديد.. ولكن بالنسبة إلى الفقهاء والعلماء، فهذا أمر متعين.

12. إن مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء: فالشهيد بعملهِ يزيل الأعداء، ولكنَ العالم يُكثر الأصدقاء.. وفرقٌ بينَ إزالة المانع، وبينَ إيجاد المقتضي.

13. نحنُ عندما نقول: السُنة النبوية، وننقل رواية عن أحد المعصومين، لا غرابة في البين، فحديث الأئمة هو حديث النبي (ص)؛ لأنهم العترة.. وما قالهُ الإمام (ع) هو ما قالهُ النبي (ص)، فهم بابٌ لمدينة علم النبي (ص)، ولا فرق بينَ البابِ والبيت، وعليٌ (ع) على رأسِ قائمة الأئمة.

14. إن ذكر العلماء ذِكر الأئمة (ع)، وذكر الأئمة ذكر الرسول (ص)، وذكر الرسول هو ذِكرُ الله عزَ وجل.. مع الأسف لا نعرف قدرَ العُلماء إلا بعدَّ موتهم، ولهذا الإنسان إذا وجدَ عالماً يُطمئن إليه، فليستغل وجودهُ قبلَ أن يأخذهُ رب العالمين.

15. إن موت العالم يحدث شقاً وفراغاً في الدين لا يسده أي عالم آخر؛ لأن العالم الذي يأتي بعده، وإن كان أعلم أو أفضل منه، ولكنَ هذا غَيرُ ذاك.

16. إن هناكَ موقفاً صعباً لخصوص الفقهاء والمجتهدين يوم القيامة، فالفقيه وضَعَ رقبتهُ جِسراً للناس؛ فلابدَ أن يكون على مستوى هذهِ المسؤولية.

17. إن نهج البلاغة هو الصورة الأخرى من ظلامة علي -عليه السلام-.. هنالك الكثيرون ممن يذكرون علياً -(ع) كشفيع لهم في يوم المحشر، والبعض من الممكن أن يكون قد ذرف دموعاً على عليٍ (ع) في شهر استشهاده، ولعل البعض أنشد أو قرأ فيه شعراًً.. ولكن لعله طوال حياته، لم يفتح كتاب علي (ع) في العمر ولو مرة واحدة؛ وهو كتاب نهج البلاغة، هذا التراث الذي بين أيدينا.. فالبعض يتمنى أن يكون في زمان أمير المؤمنين (ع)، ليحارب معه، وليستمتع بخطبة من خطبه.. هذا التمني جيد، ولكن هذه الأمنية متحققة!.. إن كان الإنسان صادقاً في هذه الأمنية، فليفتح النهج وليستمع إلى كلمات علي (ع) في الحروب، وإلى كلماته (ع) في خطب الجمعة، وفي وصف المتقين.. فإذن، ما عليه إلا أن يذهب إلى مكتبته، ويستخرج نهج البلاغة، ويأخذه بيده ليعيش في رحاب علي (ع).

18. إن من أفضل أنواع الضيافة الرمضانية هذه الأيام والليالي، أن نعيش على مائدة علي (ع).. والغرض من ذلك: أولاً: رفع الظلامة إجمالاً، وثانياً: شهر رمضان هو أقرب الشهور إلى ذكر علي (ع)، وثالثاً: ليالي القدر فيه مقترنة باسمه الشريف.. فهذا شهر اقتران بركة الصيام، ببركة ذلك الدم الطاهر الذي أريق في محراب العبادة.

19. إن بعض كلمات علي (ع) تصب في عالم التربية والأخلاق، وبعض كلماته تصب في عالم التربية الاجتماعية والتعامل مع الغير.. والحقيقة أن هذا الكتاب نهج للسعادة، ونهج للرقي، وليس للبلاغة فحسب!..

20. إن علياً (ع) يقول: (كن في الفتنة كابن اللبون: لا ظهر فيُركب، ولا ضرع فيُحلب)!.. فهذه الكلمة على قصرها، كأنها تجربة حياة علي (ع) مع الفتن، فهو منذ نعومة أظفاره، ويعيش الفتن المختلفة.

21. إن علياً (ع) إلى أن استشهد في محراب العبادة، وهو يعيش الفتن تلو الفتن، الفتن التي تشيب لها الرؤوس، والفتن التي تنهدّ لها الجبال.. إذ يجد قوماً من هذه الأمة وعلى جباههم كآثار ركب المعز من كثرة السجود، فيضطر علي (ع) أن يسحب سيفه ليُريق هذه الدماء.. علي مظهر الرأفة، الذي يتألم لنزع خلخالٍ من رجل ذمية، فكيف نفسه تطاوعه بأن يلج بسيفه في دماء المتظاهرين بالإسلام؟!..

22. إن الفتن على ثلاثة أقسام: الفتنة الأولى: الفتنة العقائدية، الفتنة الثانية: الفتنة الحُكمية، والفتنة الثالثة: الفتنة الموضوعية.

23. الفتنة العقائدية: هي أن يعيش الإنسان حالة من الترجرج والزئبقية في فهم العقيدة الصحيحة: ما هو الحق في مجال التوحيد، وفي مجال العدل، وفي مجال الإمامة، وفي مجال المعاد، وفي مجال فهم جزئيات الشريعة؟..

24. إن الإنسان في هذا العصر إلى سنوات وإلى قرون، هو في عصر التشكيك العقائدي؛ لأنه زمن الحروب المباشرة.. قد لا يكون هذا الزمن زمن الحروب الكبرى؛ لأن الحروب الكبرى يصل رمادها إلى عيون الجميع.. والأفضل الاستعاضة عن ذلك بالغزو الثقافي والغزو الفكري.. وهنالك دلال في الوسط، الدلال الذي يجعل الشبهة تنتقل إلى القلب.. فالوسائل المضللة، والوسائل التي توجب الانحراف الفكري، والشبهة، والشهوة؛ تدخل القلب، فيصبح دلالاً لورود الشبهة إلى العقل.

25. إن الإنسان إذا تميّع، وفقد قوامه الباطني، وتوجه للانحرافات السلوكية المختلفة.. فكأن هنالك جهازاً مشككاً في المخ، يمشط أقل شبهة تنغرز فيه.. وهو يعيش دوامة فكرية معينة، والقرآن الكريم أشار إشارة جميلة ولطيفة، ولكن -والله العالم- لعل هذه الآية شاهد على ذلك، هذه الآية التي تُقرأ عادةً في المجالس الحسينية: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}؛ أساءوا السوء في مقام العمل.. والتعبير تعبير عام: أي كل صور الانحراف تندرج في أساءوا السوء!.. هم أساءوا السوء، ولكن العاقبة موقف عقائدي: التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها.. وعند قراءة تاريخ بعض المنحرفين عقائدياً، حتى في زمان الأئمة (ع) يلاحظ أن هؤلاء كانوا مبتلين في السر بالمعاصي الكبيرة.. والمعاصي الأخلاقية والشهوية، هي أرضية خصبة للانحرافات الفكرية العقائدية.

26. في الفتنة العقائدية لا بد أن ندخل، ونخوض، ونتسلح بسلاح العقيدة الحقة، ولكن بشرطها وشروطها.. فالإنسان الذي لم يتقن أوليات الشريعة، ولم يتقن التقليد، والعبادات، ويريد أن ينتقل من ألف باء الدين إلى أدق الأبحاث العقائدية التفصيلية.. والبعض لا يمتلك القدرة الذهنية، فإنسان في مستوى متوسط لا يمتلك القدرة على التحليل، يأخذ الشبهة فتستقر في ذهنه، ثم يقرأ الجواب، فلا يعرف معنى الجواب، فيأخذ بالشبهة ولا يأخذ بالرد.. فيزيد الطين بلة!.. وبالتالي، لا بد أيضاً أن نخوض في الأبحاث العقائدية في الوقت المناسب، وعلى أيدي أناس مهرة، ومن كتب منقحة في هذا المجال.. عليكم بالمعروفات في هذا المجال، وعليكم بالمعروفين من المؤلفين في هذا المجال، لا تذهب يميناً وشمالاً، ولا تقرأ الكتب العقائدية التي هي من مصادر غير موثقة؛ لأنها قد تزيدك شكاً وانحرافاً في هذا المجال.

27. الفتنة الحُكمية: هي أن لا يعلم الإنسان تكليفه في الحلال والحرام، هذه الفتنة أيضاً أمرها سهل، فالإنسان المُقلِّد أراح نفسه من هذه الفتنة.

28. إن هنالك موازين لتمييز المخلص من غير المخلص، وهنالك موازين لمعرفة المعروف من المنكر.. اعمل بهذه الموازين، تعرف أهله!..

29. إن الناس هذه الأيام لا يحتملون الأحاديث المطولة، والخطب الطويلة.. ولكن لمَ لا نجلس على مائدة علي (ع) في خطبه القصيرة؟!.. هذه الكلمات الحكمية التي تفرد بها علي (ع)، فنهج علي في بيان الفكرة، نهج متميز.. ومن هنا نلاحظ هذا الامتياز لنهج البلاغة.

30. فرق بين إنسان يطمح في حياته، أن يعيش حياة مادية مريحة، لأهداف شتى منها: أن يكفيه الله -عز وجل- شر الاحتياج إلى الخلق.. إن الذي يعيش حالة استجداء الناس، إذا كان ابتلاء من الله فأكرم به!.. ولكن عادةً يكون نتيجة التقاعس أيام الشباب، فهذه نتيجة عدم الجدية في الحياة، وعدم التخطيط للمستقبل.. وعندما نلاحظ حياة البعض منهم، نرى أنه كان في حالة جيدة، إلا أنه بالحرام والقمار والمخدرات وما شابه ذلك، وصل لهذه الحالة التعيسة.. فإذن، إن المؤمن في سعيه الدنيوي، هدفه أن يستغني عن شرار الخلق، لأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- سمع علياً يقول: (اللهم!.. أغننا عن خلقك، فقال: لا تقل هكذا، فإن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض، ولكن قل: اللهم!.. أغننا عن شرار خلقك)!..

31. إن الطمع حالة مرضية، وهو أن تطلب المال لأجل المال؛ فيكون المال هدفاً، لا وسيلة.. كم يبلغ بالإنسان من قلة العقل والتدبير، أن يرى ارتفاع رصيد أمواله في البنوك -مثلاً- مزية له، وهو جالس لا يحول ماله لا إلى خير، ولا إلى لذة.. فقط يراقب الأرقام، وكيف تتصاعد شهراً بعد شهر!.. هذا هو الطمع الذي يوجد حقارة النفس.. وهذا الأمر يبلغ مداه عندما ينتقل الإنسان من هذه النشأة، ليرى أن كفة حسناته مع سيئاته متوازية، ويحتاج إلى درهم واحد ليدخله الجنة.. فلو أن له صدقة جارية في الحياة الدنيا، أو لو ترك ولداً صالحاً يدعو له، أو علماً نافعاً بين يدي الناس؛ لأنقذه مما هو فيه!..

32. إن علياً (ع) جعل النفس مصباً للحديث يقول: (ورضي بالذل، من كشف عن ضره).. قد ترى إنساناً -حسب الظاهر- مرتاحاً ومستقراً، ولكن عندما تدخل في عمق حياته، تراه متورطاً في مصيبة من المصائب: إما في ماله، وإما في بدنه، وإما في أهله، وإما في ولده، وإما في والديه، وإما في وسوسته.. وقد تكون جميع أمور الحياة متسعة له، ولكنه يصاب -مثلاً- بالوسواس القهري، فيعيش عالم الخيال والوهم.. إن بناء رب العالمين، ألا يرخي الحبل لعباده، وإلا طغوا في الأرض {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.

33. إن الحنان الإلهي لعبده يظهر كذلك يوم القيامة، عندما يجتاز العبد مراحل المحاكمة الإلهية، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}، {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا}.. يأتي يوم القيامة حاملاً ثقله على ظهره، تتطاير الكتب، وبعد الامتحان توزع الشهادات: شهادات النجاح، مكتوب على شهادة النجاح: مقبول للأبدية في الجنة، يا لها من شهادة قيمة!.. فهو خالد في جنان الخلد، (من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي لا يموت)، فهذا الإنسان حي لا يموت بإذن الله.

34. إن علياً (ع) يريد أن يربينا على فكرة ما، ألا وهي محورية النفس والذات.. فالبركات كلها حتى السياسية، والثقافية، والاجتماعية، وفتح البلدان، وفتح النفوس، وإرشاد العباد؛ تبدأ من هذه النقطة.. فالإنسان لا بد أن يتحول إلى مكبر صوت، ولكن هذا المكبر لا بد أن يبث حديثاً، وهذا الحديث لا بد أن يكون مسجلاً، والمسجل يحتاج إلى متحدث.. المتحدث يسجل في شريط، هذا الشريط يتحول إلى بوق إعلامي.. فالبركة كل البركة للمتحدث الأول، لا لمن يسجل، ولا لمن يبث.
 

35. إن هذه التشريعات الإسلامية الثلاثة: الصوم، والحج، والاعتكاف؛ وكلها بأوامر الشريعة فرص ذهبية، لأن يُعمِل الإنسان قدراته في نفسه، ويخرج من هذه البرامج الثلاثة: حجاً، واعتكافاً، وصوماً؛ بعملية تغيير لذاته.. وكما هو معلوم: فإن الحجر يبقى على مكانه، إلا أن يأتيه محرك، فالأجساد الساكنة تميل إلى سكونها، إلا إذا وجد محرك.. والنفوس لا تخرج من هذه القاعدة، فالذي لا يعمل في حقل نفسه، سوف يبقى على ما هو عليه.. إن البعض يموت في سن الستين والسبعين والثمانين، وهو لا زال في سن المراهقة، لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره.. فالسن سن الكبار، والبلوغ النفسي بلوغ الصغار، لم يتقدم إلى ربه خطوة واحدة.

36. إن الإنسان لا بد أن يوجد حلاً لهذا الجهاز العجيب الغريب، هذا الجهاز الذي في متناول اليد دائماً، ومن المعروف أن المعاصي القولية من أرخص المعاصي.. فمن يريد أن يسرق لا بد أن يشكل عصابة للسرقة، ومن يريد أن يرتكب الفواحش -لا قدر الله- لا بد من إعداد مسبق، وتحين الفرص لاصطياد الفريسة.. أما الحديث، فإنه يحتاج إلى إرادة فقط!.. هنا يأتي دور الشارع المقدس، ليقول: بأن هذا الكلام له حسابه بين يدي الله، وأي حساب!.. ومن مصاديق الكلام المنحرف الغيبة التي يعبر عنها القرآن الكريم بأكل لحم الميتة، فلو كُشف الغطاء عن أحدنا، لرأى حقيقة أو أحس بنتن رائحة الميتة وهو يتكلم عن مؤمن بغيبة (تعطروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذنوب).

37. إن علياً (ع) يقول في هذه الفقرة: (وهانت عليه نفسه، من أمر عليها لسانه).. أي لا تجعل اللسان أميراً على وجودك، لا تجعله أميراً على نفسك؛ بمعنى أن يجعل الإنسان لسانه أداة حديث بلا رصيد، فيتكلم بلا رصيد في وجوده.. هل هناك إنسان لا يحب أن يكون من الدعاة إلى الله عز وجل؟.. ألا يحب أن يكون من دعاة الخير في أسرته، وفي مجتمعه، وفي قريته، وفي أمته؟.. إن من روافد العطاء الإلهي في هذا المجال، ألا يتكلم الإنسان إلا بمقدار الحاجة، أو الضرورة.. إن الذين يسيطرون على هذا الجهاز في وجودهم، فأول الجوائز المعطاة لهم في هذا المجال هي الحكمة!..

38. إن العطاء الإلهي البالغ الأهمية، لا يحتاج إلى تجشم العناء، ولا يحتاج إلى هجرة، ولا إلى حوزات العلم.. فالقضية قضية إيتاء {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.. فلقمان ما كان نبياً، ولا وصياً، إنما هو عبدٌ صالح وأُتي الحكمة.. فالمعطي هو الرب، والقانون هو القانون، الله -تعالى- أعطاه الحكمة على وفق ضوابط، وهذه الضوابط هي القاعدة العامة في طوال حياة البشر.

39. إن البعض من عامة الخلق هؤلاء، لم يتخصصوا في علم، ولا بذلوا عمرهم في قراءات مطولة؛ ولكنهم ينطقون من معدن الحكمة، (قلب المؤمن يزهر كالمصباح، ويضيء كالشمس، ويلمع كالفجر.. يزاد قلب المؤمن من سماع الآيات إيماناً، ومن التفكر يقيناً، ومن الاعتبار هداية)..  وقد ورد في الحديث: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيباً مصقعاً، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم.. وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح).. فإذن، إن من روافد الوصول إلى الحكمة، السيطرة هذا اللسان.

40. إن الشجرة المثمرة لها ملائكة موكّلة بالثمار، ولكن عند اجتماع المؤمنين، فإن ملائكتهم هي التي تحف بهذه المجالس المباركة.. ولهذا فإن من متع الحياة أن يلتقي الإنسان بإخوانه المؤمنين.. ورحم الله سلمان، هذا الذي تربى في مدرسة أهل البيت (ع) إذ يقول: (لولا السجود لله، ومجالسة قوم يتلفظون طيب الكلام، كما يتلفظ طيب التمر.. لتمنيت الموت).. فقلب سلمان في العرش، ولا يحب المكوث في الدنيا؛ لولا السجود والجلوس مع المؤمنين.. وبالتالي، فإن المؤمن في متعة مستمرة، لأنه في النهار يلتقي بإخوانه في المسجد وغيره فيستمتع، وإذا جن عليه الليل يسجد بين يدي الله عز وجل.

41. إن البلاءات تارة تكون قضاء وقدراً بحتاً، والإنسان ليس له فيه أي دور.. ولكن بعض أنواع البلاء، هو انعكاس لعمل الإنسان، مثلاً: إنسان يبتلى بالإفلاس، لأنه طمع في مال الدنيا، ووسع في رقعة تجارته زيادة عن القدر المتعارف، فاضطر لأن يأخذ قروضاً ربوية.. هذا الشعار يجب أن يكتبه المؤمنون على صدورهم الباطنية، إنه شعار جميل، متخذ من نصوص أهل البيت (ع): (ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى‏)!..

42. إذا كان زيادة المال يلهي صاحبه عن نفسه، وعن مسيرته التكاملية، ويوقعه في الحرام، كيف يكون أمراً راجحاً؟.. ومن قال: بأن تنمية المال بأي طريق كان، أمر راجح؟..

43. إن الأم التي تسمع بوفاة ولدها، فلا تجزع ولا تظهر الجزع.. فإن هذا الصبر يعود إلى عدة أسباب: قسم منه خشية على نفسها، وقسم منه لأجل مراعاة الآخرين، وقسم منه للعقل.. إن بعض أصحاب النبي (ص)، كان لا يشرب الخمر قبل تحريم الخمرة، لأن الخمرة شيء غير جيد، فإذا شرب الخمر، فإنه سيسكر ويذهب عقله، والصبيان يضحكون عليه.. فهذا تعقل!.. لأن الخمرة لم تحرم، ولكن هذا الرجل عقله حرم الخمر على نفسه.. فإذن، هذا الصبر يكون: إما من باب مراعاة الناس، أو من باب الرفق بالسلسلة العصبية، والجهاز الهضمي والقلبي!..

44. إن الإنسان لابد أن يصل إلى هذه الدرجة: أن يرى الله -عز وجل- أولى به من نفسه.. ولهذا النبي (ص) في عيد الغدير، قال للمسلمين قبل أن ينصب ابن عمه ووصيه علي (ع) لإمامة المسلمين إلى الأبد، قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟.. قالوا: بلى.. انتهى الأمر!.. ما دام أنا الأولى بكم من أنفسكم، فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه.. انطلق من هذا المنطلق!.. ولهذا نحن نعتقد أن الإمام المعصوم له سلطة على الإنسان، أكثر من سلطة الإنسان على نفسه بمقتضى هذا النص.

45. إن مسألة التجاذب هي من دواعي الحكمة الإلهية في عالم الوجود: فهناك الجاذبية الكونية، التي أبقت هذه الأفلاك والمجرات في مداراتها.. والجاذبية الأرضية، التي حفظت هذا الوجود وهذا التوازن.. وكذلك التجاذب الموجود في الذرة، الذي عندما يرتفع ويتخلخل؛ يحدث الدمار الهائل.. ومن تلك الصور الجاذبية بين الجنسين المرأة والرجل، حيث جعلها الله -تعالى- لبقاء الوجود البشري، ولولا هذه الجاذبية لم يستمر السير التناسلي؛ لأنه كما نعلم بأن تشكيل الأسرة من موجبات تحمل المسؤوليات والانزعاج وغيره.. ولكن ذلك إذا لم يحكم بالضوابط الشرعية، فسيؤدي إلى انتشار صور الفساد في الأرض، وتكون المسيرة التكاملية والتنمية الاجتماعية والتكاثر الشرعي عرضة للخلل.

46. إن الفقر فقران: هنالك فقر معلول، لتقصير العبد في حركته الحياتية.. فرب العالمين قسم الأرزاق، وأراد من الإنسان أن يصل إلى سقف مالي معين.. يرى أن الإنسان سعادته متوقفة -مثلاً- على الزواج، والزواج يحتاج إلى مستو مالي معين، فهذه الأيام الناس لا يزوجون إلا من يتمكن من إدارة المنزل.. وهذه السعة المالية متوقفة على أن يحوز على رسالة جامعية -مثلاً-.. وهذه الشهادة الجامعية متوقفة على أن يدرس الإنسان في هذه الفترة الزمنية.. والذي لا يدرس، لا يتخرج ولا يأخذ الشهادة.. وبالتالي، فإنه لا يتوظف، ولا يزوج؛ فيقع في الحرام.. ويوم القيامة يقال له: أنت الذي ضيعت الفرصة، بتركك الدراسة أيام شبابك، وانشغالك بالحرام المعهود.

47. إن الفقر تارة يكتبه رب العالمين للعبد كتابة، لأنه إذا زاد عن الكفاف، بعض الأوقات الثروة تغري الإنسان وتغويه: {كَلاَّ إِنَّ اشلإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}؛ أي إذا توهم الغنى يطغى، فكيف إذا تحقق الغنى بالفعل؟!..

48. إن الشاب في آخر السنة الدراسية وفي سنة التخرج، يرى بأنه على أبواب امتحان يحدد مصيره: دراسته، وزواجه، وحياته، ووضعه المالي.. فتراه يستنفر كل الطاقات والقوى، من أجل أن يتقن هذا الأسبوع، حتى أهل الفسق والانشغال بالمحرمات، تراه إنسانا جاداً مكباً على كتابه، والفرق في ذلك فرق بسيط.. فكيف إذا أراد الإنسان أن يقدم امتحاناً يتحدد على أساسه، لا فقط مستقبل سنته، وإنما مستقبل الحياة الأبدية؟!.. فالقضايا التكاملية، وما يتعلق بالنفس؛ قضايا تراكمية.

49. إن كل إنسان مؤمن براً كان أو فاجراً، له ثلاثة أضلاع بثلاث زوايا: زاوية الفكر، والقلب السليم، والجوارح.

50. ليس المطلوب منا أن نقرأ كتب الفلسفة والمنطق وغيره، بل علينا أن نفهم كتاب ربنا بألفاظه، وأن نعلم مسائلنا الشرعية.. والمسائل الضرورية محدودة جداً، قد لا تتجاوز المائة مسألة: في الصلاة، والطهارة، والصوم، والخمس، وما شابه ذلك.. فلو أراد أحدنا أن يتعلم المسائل الفقهية الضرورية في الشريعة، فإن شهراً واحداً يكفيه كي يتعلم هذه المسائل.. والذين يريدون وصلاً بليلى، لابد أن يعرف من هي ليلى، وما هي مواصفاتها، وأن ينظر إلى صورتها.

51. إن الشباب -ولله الحمد- ليس عندهم مشكلة عقائدية عميقة، ولا قضايا سرقات، ولا مشاكل قتل.. ولكن القضية كلها تدور حول فلك الشهوات.. حيث أنه يمضي ساعات، وحتى لعل في ليالي شهر رمضان، وهو ينظر إلى ذبذبات في التلفاز.. فهل المؤمن يبيع دينه ودنياه وآخرته، بالجلوس أمام هذه الشاشة؟.. ينظر إلى الحرام في جوف الليل، وإذا جاء الطفل الصغير يسرع ويطفئ الجهاز، وكأنه في حال عبادة.. فهو يخشى الطفل، ولكن رب العالمين هو أهون الناظرين، ووجوده كالعدم!.. أحد العلماء يقول: نحن في مقام العمل كلنا كفار، والقرآن الكريم يقول ذلك: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ}.. في مقام العمل -والحمد لله الذي لا يؤاخذنا في مقام العمل.. فالكافر من ينكر وجود الله علنا أو اعتقاداً- نحن نجعل وجوده -جل جلاله- كالعدم في مجال العمل.

52. إن من أهم محطات ليالي القدر، ثلاثة أمور: الإكثار من دعاء الفرج، وأن يعيش الإنسان حالة العزاء، والمصالحة مع رب العالمين.

53. إن العنوان المعطى للمعلم في بعض الحالات، ثوب فضفاض أكثر من جسم الشخص.. فالعنوان جداً كبير، والعنوان من أقدس العناوين في عالم الوجود؛ لأن الأنبياء هم المعلمون.. والمعلم هو ذلك الذي يعطي العلم؛ لذا لابد من التفريق بين قسمي العلم: هناك من يعلم ذلك العلم المتعلق بالمبدأ والمعاد، وهناك من يعلم ما يتعلق بهذه النشأة الدنيا؛ أي فهماً لظواهر الطبيعة باسم الفيزياء، والكيمياء، وفهماً لارتباط الأعداد والمعادلات والمسمى بالرياضيات وغير ذلك.. وبالتالي، فإن المعلم بعنوان مطلق، عنوان كبير جداً.. حيث أن هناك فرقاً بين مدرس الكيمياء وبين المعلم!..

54. إن الأستاذ له موقع متميز في نفس الطالب، لذا علينا ألا نستهين بموقعه.. قالوا: "إن الآباء أربعة: أب ولدك، وأب زوجك، وأب علمك، وأب رباك".. والمعلم هو تقريباً الأب الذي يعلم الإنسان، وعادة تصبح هناك علقة عاطفية، وخاصة في مجال الأخوات المؤمنات.. حيث أن هنالك فراغاً عاطفياً، فالبيوت ليست نموذجية، وعلاقة الآباء بالأمهات علاقة سيئة.. والولد الذي ينمو في وسط عائلي متوتر، من الطبيعي أنه لا يجد أحضاناً دافئة في المنزل.. وبالتالي، فإن أقرب الناس إليه المعلم والمعلمة، وخاصة البنات باعتبار طبيعة البنت العاطفية؛ فلماذا لا نستغل هذا الجانب؟.. عندما نزور الإمام الحسين (ع) نقول: (وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الجهالة، وحيرة الضلالة).. نعم الشهادة كانت في الأخير، وإلا قبل الشهادة، فإن وظيفة الإمام (ع) كانت استنقاذ العباد من حيرة الضلالة.. وهذه وظيفة المعلمين.

55. إن هناك حالة توتر عصبي معروف في مجال التدريس.. فالتصدي للتعامل مع صغار السن ومع المراهقين، يعتبر من الأعمال الشاقة، ولهذا البعض منهم إذا وجد له مجالاً للفرار من التدريس، يهرب بسرعة من هذا الحقل.. فطبيعة العمل مرهق، ويوجب التوتر!.. حيث أن هناك فرقاً بين إنسان -مثلاً- يعمل في شركة، وشغله مع مجموعة مهندسين ومدراء وناس مثقفين، وبين إنسان شغله مع مجموعة أطفال صغار فيهم ما فيهم من أجواء الشيطنة والمراهقة.. فمن يرى في حياته مثل هذا التوتر، لابد من استنقاذ الوضع، حتى ولو كانت الدوافع معيشية، ولكن لا على حساب الذات.. فهل يدمر الإنسان ذاته، ويدمر إيمانه، ويدمر آخرته، ويرد على الله -عز وجل- فقيراً، لأنه كان يريد أن يكتسب مالاً من وراء هذا الطريق؟!..

56. إن مهنة التدريس من أشرف المهن من حيث الحلية!.. إذا أراد الإنسان أن ينظر إلى مال حلال، فلينظر إلى مال المعلم!.. لأنه قلما يتفق أن يتغيب إلا في ظروف قاهرة جداً.. ما دام الراتب بهذه الحلية، وبهذا الوضوح من الحلية، ما المانع أن يعيش شيئا من أجواء القرب؟.. عندما يخرج الإنسان من المنزل فليلقن نفسه هذا المعنى: أنه أنا يا رب خروجي هو لهدف: تربوي، أو مادي، ألا يقول رسول الله (ص): (من لا معاش له، لا معاد له)، كي يستغني الإنسان عن ذل السؤال، أو أي عنوان شرعي آخر، ليحاول أن يستحضر هذا المعنى.. وعليه، فإن حتى الضغط النفسي الذي يتعرض له، يصبح في سبيل الله عز وجل.. فتحمل الشدائد ليس دائماً في ميدان القتال مع الأعداء، وهذا أيضاً من الشدائد.. إذا كان الهدف عبارة عن تمشية أمور المعيشة بشكل جيد، هذا أيضاً من موجبات التقرب إلى الله عز وجل.

57. إن من الجوائز التي قد ينالها العبد، إصلاح الذرية.. فمن يصلح ذرية الآخرين، ومن يعمل على هداية الآخرين هم أو ذرياتهم، فإن أول جائزة يعطى في الدنيا أن يصلح الله أمر ذريته.

58. إن ليلة النصف من شهر رمضان المبارك، الإنسان لا يعلم هل يعيش الفرح أو الحزن.. يعيش الفرح لميلاد الإمام المجتبى (ع).. هذا فرح!.. وأما الحزن لأن العد التنازلي قد بدأ لهذا الشهر الكريم، ولا يدري الإنسان إلى أين وصل؛ هل قطف نصف ثمار الشهر؟..

59. إن من أصعب الدرجات أن يصل العبد إلى درجة أن يكله الله إلى نفسه؛ أي يلقي حبله على غاربه.. إذا كان للإنسان دابة في المنزل يركبها ويستفيد منها، ورأى بأن هذه الدابة مصابة بمرض وقد تعدي باقي الدواب، ماذا يعمل صاحب الدابة؟.. هل يخرجها من المنزل ويتركها في الصحراء إلى أن تموت، ويقول: لا حاجة لي بهذا الحيوان المريض؟.. إذا كان كذلك، فإن هذا يسمونه الإيكال إلى النفس.. والعبد يصل بعد فترة من المعصية، أن يقول له رب العالمين: أوكلت أمرك إليك؛ أي رفع الحصانة والحماية عنه.. هل تعلم أن من يحضر إلى المجالس الحسينية، لم يأت إلا بالحماية الإلهية.. هو لم يأت بنفسه، إنما هنالك من دفعه إلى هذا المجلس دفعاً، يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.

60. إن في عالم الطب هناك عمليات جراحية، تسمى بجراحة القلب المفتوح.. وفي عالم القلب الباطني لله أيضاً عمليات جراحة: المفتوحة تارة، والعملية غير المفتوحة تارة أخرى.. أي أن لله -عز وجل- أيضاً عمليات في القلب الباطن: هنالك قلوب رب العالمين يتدخل في تغيير صماماتها، وفي علاجها علاجا جذريا.. هذه الأيام يعالج الأطباء القلب الميت بالصدمات الكهربائية، حتى يعود إلى نبضه السابق.. وقلب المؤمن في بعض الحالات، قد يبتلى بهذه الحالة من الموت.. وعلامة موت القلب، أنه لا يتفاعل مع عالم الغيب.. يصل العبد بعد مرحلة من مراحل الإدبار، أن هذا القلب يموت فلا يلتذ بذكر الله عز وجل.. هذا القلب قلب ميت، والقلب الميت تارة يستغفر، فيربح جائزة.. وهناك قلوب ختم الله عليها {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}، هذا الوجود لا قلب فيه.. لو اجتمع أنبياء الله على أن يحيوا هذا الإنسان، لا تنفع شفاعتهم {وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}؛ حتى كلام النبي (ص) لا يؤثر في وجودهم {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.

61. إن البعض يظن بأن هذا الخطيب خطيب ماهر يحرك القلوب، والحقيقة أن هنالك مقلب القلوب.. فرب العالمين يبارك في المجلس، لا كرامة للمتكلم، وإنما كرامة للجو العام الذي يكتنف الجمهور.

62.  إن الإنسان عندما يؤدي النوافل، يسمع أموراً لا يسمعها الآخرون.. أتى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بقيع الغرقد فوقف على قبرين فقال: أدفنتم ها هنا فلاناً وفلانة، أو قال: فلاناً وفلاناً؟.. قالوا: نعم.. فقال: (قد أقعد فلان الآن يضرب.. ثم قال: والذي نفسي بيده!.. لقد ضرب ضربة ما بقي منه عرق إلا انقطع، ولقد تطاير قبره ناراً، ولقد صرخ صرخة يسمعها الخلائق، إلا الثقلين: الجن، والإنس.. ولولا تمريج في صدوركم، وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع)؛ أي أن القلب الذي لا قوام له، ويفكر في كل حق وباطل، من الطبيعي أن لا تفتح له الأبواب.

63. إن شهر رمضان هو شهر التزود العلمي والثقافي، بالإضافة إلى التزود العبادي.. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الليالي والأيام منتسبة إلى أمير المؤمنين (ع)، شهيد هذا الشهر المبارك.

64. إن المؤمن له أنس بأدعية أهل البيت (ع)، ولكنّ هنالك نقصاً في الأنس بأفكار أهل البيت ومنهجهم في الحياة.

65. إن من الروايات الملفتة في كلمات علي (ع)، هذا الحديث الذي يثير الخوف والتحسر.. لقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم)!.. في هذه الرواية علي (ع) يريد أن يفتح لنا منهجاً في الحياة، وكلام علي (ع) كلام دقيق، وينبغي أن نتناوله بحذر!..

66. إن هناك قسماً من الناس يستهويهم من عالم التقرب إلى الله -عز وجل- جانب العبادة الجوارحية؛ لأن هنالك بعداً مادياً.. فالذين التزموا في هذا الشهر بصلاة ألف ركعة، فيرى في دفتره ألف ركعة، أي أن هنالك وجوداً مادياً، هذا الوجود يريحه.. والعمرة كذلك وجود مادي، فهو يذهب إلى البيت، ويقف تحت الميزاب، وعند الحطيم.. وعندما يذهب لزيارة مشاهد أهل البيت (ع)، يصلي عند الرأس الشريف.. فإذن، إن البعض يأخذ من الشريعة هذا الجانب العبادي المادي؛ أي الجانب الذي فيه مزاولة، وتشغيل للجوارح والأعضاء.

67. إن هنالك قسماً من الناس يعيش الإنماء الباطني -إن صح التعبير- فهو تارة يكون في الحقل النظري، وتارة يكون في الحقل العاطفي.. إن البعض يعيش حالة التأمل دائماً، وخاصة في صنف الفلاسفة والمتكلمين وأصحاب النظريات، ينظر ويتكلم عن الدين في جانبه الفكري، ويأتون بكلام لطيف وجميل.. يصل الأمر في البعض إلى هذه الدرجة من السخف في التفكير، أنه يريد أن يطيع أو يخدم رب العالمين بطريقته.. البعض منا هكذا يريد أن يخدم الشريعة كيفما اتفق!.. ولهذا بعض أصحاب المواقع والمنتديات الإسلامية، وفي أثناء العمل يرتكبون المخالفات الكثيرة في هذا المجال: استرسالاً مع الجنس الآخر، وما يلحقها من تبعات.. فالبعض هكذا يعيش الجانب الفكري من الشريعة.. كثير من الفلاسفة الإسلاميين، وأهل التنظير، البعض يشك في عبادتهم، حتى لعل البعض كان يصل لدرجة شرب الخمر، ولكن عندما يكتب، يكتب ما يبهر الألباب!..

68. إن هناك من يريد أن يتقرب إلى الله -عز وجل- من زاوية العواطف والمشاعر: ومن هؤلاء قسم كبير من الصوفية المنحرفين.. وفي التاريخ أيضاً البعض منهم ترك الصلاة متعذراً بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.. إذا صار هناك يقين، لم يعد هناك عبادة، كأهل الجنة، هذا أيضاً توجههم.. والأبيات في العشق الإلهي كثيرة، والدواوين الشعرية العاطفية الإلهية موجودة بلغات شتى.. البعض يعيش هذا الجو في الجانب التوحيدي، أو في الجانب التوسلي، كالذين يعيشون في هيام وغرام مع أهل البيت (ع)، فهم يكتفون في الارتباط بالمعصومين بإبراز الحب.. وذلك لأنه يعيش وخز الضمير، ومقصر في العمل، فيمني نفسه بهذه الأبيات وبهذه الممارسات العاطفية؛ إرضاء لنفسه.

69. إن هناك ثلاثة مسالك في الحركة الروحية التكاملية: مسلك العمليين: هذا فقط يعبد، ويعمل، ويصوم، ويصلي.. ومسلك التفكريين العقلانيين.. ومسلك العاطفيين والقلبيين.

70. على الإنسان أن يطلب النور من الله -عز وجل-.. وشهر رمضان، وأسحار شهر رمضان، وليالي القدر، هي الفرصة الذهبية لامتلاك هذا النور؛ فليسأل الإنسان ربه أن يهب له هذا النور.. هذا النور الذي لو أوقعه الله في قلب وفي وجود الإنسان، فإنه يخرج من الحيرة (يا دليل المتحيرين!.. يا هادي المضلين)!.. والإنسان الذي يعيش هذا النور، تتحول حياته إلى جنة من جنان الله في الأرض.

71. إن نزول الرحمة في مجلس يذكر فيه فضائل أهل البيت (إلا ونزلت عليهم الرحمة)، هل هذا الأمر غريب!.. يقول الإمام الصادق -عليه السلام-: (شيعتنا الرحماء بينهم، الذين إذا خلوا ذكروا الله.. إنا إذا ذكرنا ذكر الله، وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان)، لا اثنينية في البين، فهؤلاء شرفهم بالعبودية.. في التشهد قبل وسام الرسالة، يعطى النبي الأكرم (ص) وسام العبودية، فالنبي عبده؛ أي عبد الله.. فإذا نزلت عليهم الرحمة، فهذا عادي جداً.

72. إن الملائكة مكسورة الخاطر على بني آدم!.. نعم، إن الذي يرتكب المعصية، يجعل رب العالمين يتأذى، والنبي في عالم البرزخ يتأذى، والملائكة التي في العرش تتأذى، وتستغفر لمن في الأرض.. في العرش ملائكة كروبين شغلهم وقوتهم الحمد والتسبيح، ولكن عيونهم على بني آدم، وتستغفر لهم.. وهنيئاً لمن تستغفر له الملائكة!.. ولهذا يقال: من يحب النبي وآل النبي (ص)، يجب أن لا يزعجهم بأعماله.

73. إن ليلة القدر، هي من نعم رب العالمين علينا.. فرب العالمين عندما يصل إلى كلمة {لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، يستعمل الصيغ التي يستعملها لبيان أهوال يوم القيامة.. فأهوال القيامة غائبة عن الأبصار، وأحدنا لا يعلم ما الذي سيكون في عرصات القيامة، التي يقول الله -عز وجل- عنها في كتابه الكريم: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}.. نعم كلمة {وَمَا أَدْرَاكَ}، هذه الكلمة تستعمل في المواطن التي لا تحتمل العقول معناها.. والقرآن الكريم يستعمل كلمة {وَمَا أَدْرَاكَ}، بالنسبة إلى ليلة القدر، لأنه على ما يبدو نحن لا نعلم قيمة ليلة القدر، إلا بعد الخروج من هذه الدنيا.. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}؛ أي لا تعرفون معنى ليلة القدر.. فعقولنا ضعيفة، لا تستوعب هذه الليلة.

74. إن في الليلة الثالثة والعشرين، هناك ازدحام للملائكة في عالم الوجود: فوج يعرج، وملأ ينزل، بعدد الخلائق.. كل ملك بيده كتاب ينزل من السماء، وفيه مقدرات الإنسان: سعادته أو شقاؤه، غناه أو فقره، موته أو حياته، سقمه أو صحته.. كل هذه المقدرات تنزل هذه الليلة من السماء، هي ليلة مباركة، ولكن أيضاً موحشة؛ لأن الإنسان الذي يعلم أنه عند الفجر تختم صحائف أعماله، كيف تكون حاله؟.. إنه شعور مزيج من الخوف والترقب والقلق!.. لو كشف لنا الغطاء، لرأينا العجب العجاب!.. ولكن على الإنسان أن يعمل بما أمكن، وإلا فمهما حاولنا، فإننا لا نعطي هذه الليلة حقها.. وهي الليلة التي شبهت بها فاطمة (ع)، كما أنها كانت مجهولة القدر ومخفية القبر.. فليلة ليلة القدر أيضاً مجهولة القدر، ومخفية في الليالي.. وليس من الصدفة أن يكون قبر فاطمة بين ثلاثة قبور: في البقيع، والروضة، وجوار قبر أبيها.. وليلة القدر كذلك هي بين ثلاث ليال!..

75. إن ليلة القدر هي ليلة المصالحة مع رب العالمين، فهنيئاً لمن صالح ربه مصالحة مستقرة!.. فهذه المصالحات الموسمية، لا تغني شيئاً.

76. إن على الإنسان في ليلة القدر، أن يصمم على أن يكون وفياً لخط الله عز وجل.. فرب العالمين لا يريد منا أمراً ثقيلاً؛ إنه دين اليسر!.. يكفي أن نسيطر على الحواس.. إن أراد الإنسان أن يعيش السلامة الباطنية، فعليه بالسيطرة على هذه البوابة.. إن الحكومات والدول تجعل الرقابة على مطاراتها، لأن المطار هو بوابة الدولة؛ فإن أحكمت السيطرة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، عندها يعيش البلد بأمان.. وكذلك بالنسبة إلى الإنسان، فإن المنفذ الذي يدخل منه الحرام إلى وجوده، هو النظر.. فليحاول أن يبدأ هذه الليلة من هذه الخطوة.

77. إن الخطوة الأولى، هي أن نترك الحرام بكل صوره.. فلا يقول الإنسان: أنا بحمد الله موفق في كل شيء، ما عدا هذا الذنب البسيط، أنا عاكف على حرام واحد!.. يكفي أن يدخل الشيطان في وجوده من منفذ، ومن منفذ آخر السمع والبصر، ويلتقي ليرديه قتيلاً بين يديه.. فإذن، في ليلة القدر نحاول ألا نبقي منفذاً من منافذ الشيطان الذي يكفيه منفذ واحد، (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس).. فالمعاصي الكبيرة، والفواحش، والزنا وأخواتها من المعاصي؛ تبدأ بالنظر.

78. عندما نقرأ مناجاة أمير المؤمنين، وزين العابدين في التوبة وغيرها؛ علينا ألا نخدع أنفسنا، فنقول: هذه الليلة نخفف الحمل: نبكي، ونصيح، ثم بعد شهر رمضان نعود إلى ما كنا عليه.. وإن شاء الله في شهر محرم، هناك محطة ثانية، وهكذا.. لا!.. إن رب العالمين لا يخدع، فهو خير الماكرين.. فقبل أن يمكر الإنسان ويخدع الله، رب العالمين يخدعه بفتنته، ويجعل له أبواباً من سلب التوفيق.

79. إن شهر رمضان فيه جانب عبادي، وفيه جانب تربوي واجتماعي ومالي؛ فهو يختم بخدمة عباد الله عز وجل.. الطاعات والعبادات كلها في جانب، ولكن في يوم الفطر نتوج ونكلل جهودنا بالنجاح والصيام، بأن نخرج زكاة الأموال.. فالشريعة شريعة جامعة مانعة.. والذي ينمو في جانب، ويضمر في جانب، هذا الإنسان وجود غير متزن.. فالشريعة محفوفة بالعبادات وبالماليات: الحج فيه إنفاق مالي، والكفارات فيها إنفاق مالي.. والإخلال بالقسم، وبالنذر، وبالعهد.. كذلك هناك في المقابل مع الاستغفار، إطعام ستين مسكيناً، أو عشرة مساكين، أو تحرير رقبة.. فالإسلام يريد من الإنسان أن يسير في طريقين: طريق العبودية لله -عز وجل- أولاً، وخدمة الناس ثانياً.

80. نحن في زمان الغيبة لنا دور في ظهوره (ع).. صحيح أن ظهوره، علمه عند الله -عز وجل- وتاريخ معين، حتى هو (ع) قد لا يعرفه، وأمره بغتة، ويصلح الله أمره في ليلة.. كل هذه المعاني صحيحة، ولكن ليس هنالك قضاء محتوم مفصول عن الساحة، وعن دعوات المؤمنين وجهودهم.. أي رب العالمين لم يكتب رقم تاريخ معين، وهذا التاريخ انتخب جزافاً.. ليس هناك جزافية في عالم الوجود، فهذا التأريخ يتقدم ويتأخر، أو يرتب على حساب الوضع والساحة.. مثلاً: إذا رأى رب العالمين عدداً معيناً من الأنصار والأعوان، ينصرون تلك الدولة الكريمة، ويخرجون معه ناصرين؛ فرب العالمين يعجل في فرج وليه.

81. إن رب العالمين بعض الأوقات لمصلحة يراها، يتصرف حتى في نفوس الكافرين (إن الله يؤيد دينه بالرجل الفاجر).. ومن مظاهر تصرف الرب في القلوب، هو ما ألقاه من الرعب في نفوس المشركين بعد انتصارهم في غزوة أحد، فلم يكن بينهم وبين القضاء على الإسلام إلا قتل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ودخولهم المدينة، واستباحة أهلها، وإعادة الأمر جاهلية أخرى.. ولكن الله -عز وجل- قذف في قلوبهم الرعب، وحال دون قيامهم بذلك كله، فقفلوا راجعين -مع هزيمتهم للمسلمين- إلى مكة، وهم يقولون وكأنهم استيقظوا بعد سبات: (لا محمداً قتلنا، ولا الكواعب أردفنا).

82. إن مسألة الدعاء لفرجه (عج)، بلا شك سيكون له دور في تحبيب الإنسان إلى إمام زمانه؛ لذا على الأقل يكون هناك دورة لمدة أربعين يوماً من دعاء العهد، ولو مرة واحدة في العمر.. فمن وفق لدعاء العهد أربعين صباحاً بين الطلوعين، فإنه يرجى أن يكون هذا علامة خير.. فلو استجيب في حق من يقرأ هذا الدعاء، هذه الفقرة: (اللهم!.. إن حال بيني وبينه الموت، الذي جعلته على عبادك حتما مقضيا.. فأخرجني من قبري: مؤتزرا كفني، شاهرا سيفي)، هذا ما يسمى بالرجعة في زمان الظهور.. كم هي أمنية عالية، أن يموت أحدنا، ولكن في زمن الظهور يرجع ليكون في ركاب الإمام الحجة (ع)، ويكون من مؤسسي العدل إلى يوم القيامة.. ودولة الإمام المهدي (عج) دولة متصلة بالقيامة.. فإذا خرج الإنسان مع الإمام، وكان من الممهدين والناصرين له؛ فإنه سيكون له أجر الدولة الإسلامية المباركة، من زمان إلى قيام الساعة.. وهذا فوز عظيم، أن يكون الإنسان في هذا الطريق.

83. إن همَّ الشيطان الأول، هو أن يحرف المؤمن عمليا: في مقام العمل، يزين له الهوى.. في مناجاة الشاكين يقول الإمام (ع): (إلهي، أشكو إليك عدواً يضلني)!.. إن الشيطان هو الذي يحبب للإنسان الهوى، وهذه المقولة مخيفة!.. إن الشيطان ليس شغله أن يأخذ بيد الإنسان ويجره إلى الحرام، فلو كان كذلك لما صار هناك عقوبة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطئوا)، فالإكراه يرفع التكليف.. وبما أن القلب هو أمير مملكة الوجود، فإنه إذا صار عنده بناء معين، حبب إليه الحرام، والجسم تابع.. ولهذا فإن مشكلة أهل الهوى هي أنه يعشق الحرام، وعندما يعشق الحرام، فإن وجوده كله في طريق ذلك المنكر.

84. إن الشيطان يده مفتوحة في النفوس، ولهذا نقرأ في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.. وكما أن الشيطان يوسوس، فإن رب العالمين أيضاً يلهم ويلقي في الروع: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ}.. فإذن، إن رب العالمين أيضاً يتدخل في القلب!..

85. إن همَّ الشيطان وقدرته، هو أن يوسوس للإنسان؛ ولهذا فإن الناس في عرصات القيامة، يرفعون دعوى جماعية على الشيطان ويلقون اللوم عليه.. ولكن الشيطان أيضاً يوم القيامة يدافع عن نفسه بذكاء ولباقة {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ أي أنا لم أفعل شيئاً، أنا فقط وسوست في صدوركم، وأنتم أكملتم المشوار باختياركم، فليس هناك أي إجبار في البين.

86. إن المؤمن إلى لحظاته الأخيرة في الحياة، لا يخلو من الوسوسة.. حيث أن بعض المؤمنين وسواسيون، مثلاً: هناك من يعاني من وسوسة في الطهارة والنجاسة، وهناك من يعاني من وسوسة في الاعتقاد.. وهذا يعتبر نقيصة وسلبية كبيرة، ولكن المهم ألا يرتب الآثار على هذه الوسوسة، ويجب أن يكون إيمانه إيماناً مستقراً.. والذي يكثر من الوسوسة، قد تكون حالة مرضية، وعلاجه: عدم الاعتناء عملياً، والإكثار من موجبات الاستعاذة والحوقلة؛ فإنها أيضاً مؤثرة في دفع هذه الحالة في الإنسان.

87. لو نظرنا إلى وضعنا: الإنسان يعيش حالة العجب من بني آدم!.. أحدنا يجلس على مائدة، قبل أن يقوم على الأقل يشكر صاحب المائدة، وبعض الأوقات يبدي خجله.. أما عندما يصل الأمر إلى رب العالمين، فهو غير مستعد أن يشكر الله بركعتي صلاة.. هذه الصلوات الواجبة لو جمعت، تأخذ نصف ساعة مع وقت الوضوء.. إن طبيعة الإنسان طبيعة ظلومة جهولة، كما يقول عن الإنسان: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}، الإنسان غير مستعد أن يشكر رب العالمين على نعمة الوجود.

88. إن سياسة الشريعة، ألا تعمل عملاً يوجب الوهن في الدين.. ولهذا كل علماء الشريعة، يذكرون في صفات إمام الجماعة: العدالة، والتقوى، والبعض يقول: ومنها المروءة.. والمروءة هي ألا يعمل أعمالاً توجب له الوهن.. وهذه القاعدة مضطردة في هذا الأمر، إلا أن يقال: أن هناك عنواناً ثانوياً، علينا أن نعمل به بلغ ما بلغ؛ ولكن من الذي يقول: أن هذه مستثناة من القاعدة العامة، فهذه من ضمن الأمور الأخرى.. كل أمر إذا صار فيه سلبية معينة، هذه السلبية توجب انتفاء الأمر، وهذه من تلك.

89. إن الحالات الروحية العالية، لا تعطى للعبد لتبقى، هي من الأصل تعطى لتؤخذ.. أشبه ما يكون بجوهرة الألماس، التي يقدمها التاجر كعينة، ليراها المشتري فقط، لا ليأخذها.. ورب العالمين له هذه الحالة مع البشر، يقول: يا عبدي، أنت تعال إلينا، ونحن نعطيك بعض الامتيازات، وبعض اللذائذ المعنوية.. والعينة في ليلة القدر، وفي يوم عرفة، وعند الحطيم.. رب العالمين يريد أن يقول: يا بني آدم، كفاك شهوات دنيا: فشهوة البطن محدودة، وأكلاتكم محدودة، وليس دائماً متوفرة، والشهوات الجنسية أيضاً محدودة، وليست دائماً متيسرة.. فإذن، لماذا لا تبحث عن أنس يكون معك دائماً متى ما تريد؟..

90. إن الذي يعيش اللذائذ المعنوية، يحتقر اللذائذ الدنيوية العابرة، ولا يراها ملفتة جداً؛ فهي مؤقتة، وليست دائمية.. وهي غير مجانية، وتحتاج إلى أموال؛ بينما اللذائذ المعنوية أمر ميسور دائماً.. يكفي أن يغمض الإنسان عينيه وهو في أي مكان، ويسيح في مناجاة قلبية مع رب العالمين.. يقول الإمام زين العابدين (ع): (وأستغفرك من كل لذّة بغير ذكرك، ومن كلّ راحة بغير أُنسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك).. على كل حال نحن مأمورون أن نتمتع بالدنيا، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.. نحن لسنا من دعاة تعذيب الأنفس، وحرمان النفس من اللذائذ.. إذا أقبلت الدنيا، فأولياء الله أولى من الفجار؛ ولكن هذه عينات تعطى للإنسان، لتفتح شهيته على هذا العالم الجديد.

91. يجب على الإنسان ألا ينسى المعوذات اليومية بين الطلوعين.. فالشياطين تحوم حول قلوب بني آدم (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السماوات)؛ لذا على الإنسان أن يعوّذ نفسه في كل صباح، قبل أن يوسوس الشيطان ويضع له الفخاخ، وخاصة قبل انتهاء شهر رمضان.. فالشياطين حقودة ومتكبرة وحسودة، تريد أن تصادر كل مكتسبات شهر رمضان، وشهر عزاء أمير المؤمنين، وإحياء ليالي القدر!..

92. إن ليلة العيد تعتق رقاب من النار، ما أعتقت في شهر رمضان، فهي ليلة من الليالي المهمة جداً؛ لذا على الإنسان أن يعيش مشاعر الإنسان الذي يطلب الجائزة.. فيطلب من الله -عز وجل- في تلك الليلة أن يتصرف في فؤاده.. ورب العالمين يربط على قلب المؤمن إذا شاء،، ويزيده نوراً إذا شاء {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}.. إن الليلة الأولى من شوال ليلة مصيرية ومهمة، ولكن أغلب الناس يغفلون عنها، ويفرحون إذا ثبت هلال العيد، ويحزنون إذا لم يثبت.. والحال بأنه لو لم يثبت العيد، عليه أن يفرح، ويقول: الحمد لله الذي أدركنا ليلة أخرى من ليالي شهر رمضان.. إذا أراد الإنسان أن يعرف حبه للشهر الكريم، فلينظر إلى قلبه في ليلة العيد: إن كان يحب العيد، معنى ذلك أن هذا الشهر كان ثقيلاً عليه.

93. إن الإنسان المبتلي بالوسواس، سوف يحرم من روح العبادة؛ لأنه ينشغل انشغالاً مبالغاً بالجزيئات الظاهرية، ظناً بأن في ذلك إحرازاً لرضا الله تعالى.. والحال بأن الفقهاء يفتون بعدم الاعتناء بالشك.. وبالتالي، فإن الذي يريد التخلص من هذا الوسواس، عليه أن يترك الاعتناء به مدة معينة -عشرة أيام مثلاً- وإذا لم ينفع العلاج بالتلقين النفسي، فعليه بالعلاج المادي، فقد تكون هناك أسباب مرضية مرتبطة ببعض الإفرازات الهرمونية في البدن.

94. إن من أهم وظائف الشيطان في حياة الإنسان، أن يرسم للإنسان صوراً غير مطابقة للواقع {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.. ومن هنا هذا الوجود الذهني، إذا تحول إلى وجود مسه الشيطان ورسمه الشيطان، بدأت الخلافات الزوجية.. لذا، جاء الإسلام بقاعدة: الحمل على الأحسن.

95. إن من مصاديق الخوف الذي لا مبرور له: الأوهام المتعلقة بالجن والمس، والأوهام المتعلقة بالمنامات، والأوهام التي يرسمها الشيطان بريشته الخبيرة، فأكبر الرسامين في العالم هو الشيطان، يرسم لك لوحة وما أقبحها من لوحة!.. ولهذا في الشريعة أنه إذا أحدنا أساء الظن بأحد، عليه أن يحمل عمله على الأحسن، وإن لم يجد له محملاً، وأراد أن يأخذ منه موقفاً.. فإن الإسلام يريد منه أن يكون في منتهى درجات الواقعية في التعامل مع الأمور.

96. إن مجالس أهل البيت (ع)، مشمولة بدعوة الإمام الصادق (ع)، تلك الدعوة التي لا ترد.. الإنسان المؤمن لا ترد دعوته، فكيف بإمام من أئمة أهل البيت (ع)، فهو يقول: (رحم الله من أحيا أمرنا)!.. رحم: فعل ماض، ويقال في اللغة العربية: إن استعمال الفعل الماضي، يكون في مواضع تحقق الوقوع، كقوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}.. في هذا التعبير الإمام (ع) يريد أن يثبت هذه الحقيقة، بأن هذه المجالس مجالس مرحومة.

97. إن كل إمام هو مظهر من مظاهر الصفات العليا، وكلهم نور واحد، وكلهم أصحاب كظم الغيظ، وكلهم أهل الحلم، وكلهم أهل القيام في طاعة الله؛ ولكن بعض هذه الصفات برزت في إمام دون إمام.. فكلهم زين العابدين، ولكن ابن الحسين الشهيد (ع)، أصبح في الأمة مظهراً للتوجه والمناجاة مع رب الأرباب.. والإمام الحسن (ع) معروف بحلمه، وبحسن خلقه، وهو الذي قال هذه الرواية الجميلة: (عن الحسن بن علي، عن أبي الحسن، عن جد الحسن، أنه قال: إن أحسن الحسن الخلق الحسن).. الإمام المعصوم (ع) في هذه الرواية يشير إلى حقيقة إستراتيجية في الحياة.

98. عندما يريد الإنسان أن يغضب، عليه أن يقوم بعملية تحليل: هذا الغضب لمن: لنفسه، أو لله عز وجل؟.. وإذا أراد أن يغضب، فليكن غضبه بمقدار المعصية.. حيث أن هنالك مخالفة على مستوى المكروه، وهنالك مخالفة على مستوى الصغيرة، وهنالك مخالفة على مستوى الكبيرة.. ولكل واحد مواجهته: فلا يواجه فاعل المكروه، كما يواجه فاعل الحرام الكبير أو الصغير.. حيث أن بعض الأمور قد يراها الإنسان من المنكر، وهو ليس من المنكر في شيء.. وإنما هو خلاف المزاج، وخلاف العرف، وخلاف المتوقع.. فإذن، يجب أن نميز درجة المنكر، والموقف الذي ينبغي أن يؤخذ في هذا المجال.

99. إن معظم ضرب الآباء والأمهات لأولادهم، فيه إشكالات شرعية.. إذ أنه ليس للتأديب، وإنما هو للانتقام، وردة فعل غير مدروسة.. ولهذا بين فترة وأخرى، إذا بلغ الصبي مرحلة البلوغ، على الأهل أن يستسمحوا منه، لأنه طالما ضربوه فأحمّر جلده أو اسّود، كل ذلك من موجبات الدّية، لذا لابد من إسقاط ذلك بين الأهل والولد.

100. متى كانت التربية دائماً بالغضب؟.. الإنسان بإمكانه أن يربي من بيده بأساليب مختلفة، منها: الإعراض: بعض الفقهاء يقول: عندما ترى المنكر، عليك بإبداء الاستياء.. بعض الأوقات الاستياء من الموقف، قد يكون أبلغ من حركات عنيفة في هذا المجال.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج