100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن على الإنسان أن يحاول القضاء على شرور نفسه.. هذه الآية في الكتاب الكريم، على الإنسان أن يجعلها نصب عينيه دائماً: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. على الإنسان أن يفكر في هذا الفضل مع المجاهدة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}!.. عليه أن يفكر كيف يصل إلى هذه المرحلة، مرحلة (فضل من الله)؟.. وشهر رمضان نعم الفرصة لذلك!.. حيث باستطاعة المؤمن أن يجعل من المحطات الأساسية في ليلة القدر، دعاء بليغاً، أو مناجاة مع رب العالمين، يطلب من الله -عز وجل- أن يعينه على نفسه.

2. لو قضينا على عنصر الغضب، فقد سددنا باباً واسعاًً من أبواب إبليس؛ لأن الإنسان إذا غضب، يلعب به إبليس كما يلعب الصبيان بالكرة، وعندها يفقد الإنسان سيطرته على وجوده.

3. إن إبراهيم (ع) ما صار خليلاً، إلا لأنه جاء الله بقلب سليم.. المرحلة الأولى هي: إزالة الخبث، وإزالة الملكات السيئة.. ولكن المرحلة الراقية: أن يصل إلى مرحلة لا يرى في قلبه إلا الله عز وجل.. إن أصبح الإنسان كذلك، رشح لهذا المقام في عرصات القيامة..

4. إن البعض يرى كلمة "السير"، خاص ببعض الفرق، وبأهل السير والأخلاق والعرفان وما شابه.. وهذه من الأمور التي يؤسف لها، حيث أنا جعلنا هدف الخلقة والحياة، خاصاً بجماعة من الناس.. والحال بأن الله -عز وجل- ما دام أنه خلق الإنسان مكلفاً وعاقلاً وشاعراً وملتفتاً، فإن كل هذه التكاليف متوجهة إليه بلا شك ولا ريب..

5. إن على الإنسان عندما يسمع وصية لعلي (ع) أو خطاباً من علي لأصحابه، عليه أن يجعل نفسه في زمرة أصحابه، ولا يقول: إنما المخاطب كميل، أو المخاطب سلمان.. لا، أبداً!.. بل المخاطب كل إنسان ينتمي إلى مدرسة علي، ومدرسة علي (ع) هي مدرسة القرآن الكريم.

6. إن على العالم أن ينثر علمه، فهو بمثابة زارع ينثر بذره.. فإذا رأى نبتة مستعدة، يجعل هذه النبتة في منزله، ويخصها بالرعاية المستمرة؛ لأن هذه نبتة فيها علامات النمو والتميز.. فهذه من وظائف المربين في المجتمع، أن يضاعفوا الاهتمام بمن يرون فيه بادرة خير.

7. إذا أردت أن تنصح أحداً، لابد من تهيئة الأجواء المناسبة.. طالما وعظنا الناس: الزوجة والأولاد وغيرهم، ونحن في حال الغضب.. فالذي ينصح أخاه المؤمن أو أخته المؤمنة أو زوجته وهو في حال الغضب، هذه النصيحة ترتد إليه.. بل قد يجعل الشخص يتحداه في نصيحته!.. فإذن، لابد من تحين الفرص المناسبة.

8. إن هنالك محطات على الأرض، تربط الإنسان بالدار الآخرة: منها زيارة المرضى.. فالمريض يذكّر الإنسان بشيء من عوالم الآخرة، وخاصة المريض الذي يعيش سكرات الموت.. فهؤلاء النظر إليهم، يستدر الدعاء، ادع للمريض!.. والنبي الأكرم (ص) يقول: (إنّ عائد المريض، يخوض في الرحمة.. فإذا جلس، غمرته).. وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: (ما من رجل يعود مريضاً، فيجلس عنده، إلاّ تغشّته الرحمة من كلّ جانب ما جلس عنده.. فإذا خرج من عنده، كتب له أجر صيام يوم).

9. إن عليا (ع) عاش في هذه الدنيا، وهو يعيش البلاء تلو البلاء، والمرارة تلو المرارة.. يتّضح ذلك من كلامه (ع): (فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى).. المؤمن له حزن خفي لا يفارقه، ولكن هذا الحزن ليس لهمّ المعيشة، ولا لكونه -مثلاً- باطلاً عاطلاً عن العمل، ولا لأنه أخفق في الوصول إلى امرأة يحبها، أو منصب يحبه.. المؤمن يعيش دائماً حالة حزن، هذا الحزن مربي، ما سمعنا أحد من أولياء الله -عز وجل- حزنه أدخله المستشفيات النفسية.. ولكن أهل الدنيا حزنهم يدخلهم المستشفيات، والبعض منهم قد ينتحر.. هذا حزن أهل الدنيا، عاقبته الانتحار؛ ولكن حزن المؤمن، حزن يربيه.

10. نحن لسنا من دعاة الحجر على العقول، وعدم التلاقح الفكري، وانتقال الثقافات، وإيجاد أجواء من البحث العلمي البريء بين كل صنف ونظيره.. ولكن المشكلة أن الرجل أو المرأة يدخلان في أجواء مريبة، فيدخل الشيطان فيها؛ ليزرع شيئا من المشاعر الطيبة بين الجنسين.. ومع الأسف فإن الضحية في الأعم الأغلب هي المرأة، والتي من المفروض أن تكون على مستوى من اللباقة والفطنة، ولا تتأثر أو تصدق ما ينقل عبر الأثير، فتوقع نفسها في فخ إنسان محتال، قد موّه كثيراً من الحقائق؛ ليصل لأغراضه القبيحة الدنيئة.. إذ أن البعض -مع الأسف- قد يتقمّص شخصية العالم الواعظ، ولكن بعد فترة يتحول الأمر إلى مسار آخر.. وعليه، فإنه ينبغي تحديد الهدف من هذه المحادثة، إن كان من باب البحث العلمي فلا ضير.. وإلا ينبغي ترك الاتصال؛ لئلا يصل الأمر إلى حد التورط، وحينها لا ينفع الندم.

11. إن هذا الكتاب المتعلق بقصار كلمات أمير المؤمنين (ع) أو غرر الحكم، يصلح لأن يكون رفيقا مسلياً في السفر.. وأيضا كلمات الإمام أمير المؤمنين (ع)، مواد ثرية ودسمة للتأمل.

12. يجب عدم مخالفة المتبنيات التي اعتقدنا بها اعتقاداً صحيحاً.

13. إن معظم الذنوب هذه الأيام منشؤها النظر، فالتفاعلات القلبية والجوارحية، والمخالفة الخارجية، كل ذلك من النظر..

14. يجب أن يكون الإنسان متعبدا متفكرا.. إنسان يفلسف في قاعة الجامعة، وينظر ويتكلم ويتكلم، وفي مقام العمل المؤذن يقول: الله أكبر!.. ولا يعتني بصلاته، وقد يكون أستاذاً في الشريعة، أو أستاذاً في الفلسفة، ولكن لا قيمة لهذه الأستاذية.. وإنسان حمامة المسجد، عينه على الصلاة والذكر، ولكن لا تدبر له في الحياة: لا يفكر في عواقب الأمور، ليست له قدرة تحليلية في فهم واقع الحياة؛ أيضا هذا الإنسان لا قيمة له، ليست له قيمة كبرى.. كونوا كلقمان الذي جمع بين العبادة لله -عز وجل- وبين الكلمات الحكمية.

15. إن القلب السليم هو ذلك القلب الذي لا يحب الحرام، وهو ذلك القلب الذي يحب ما يحبه الله: (اللهم!.. أقطع عني كل قاطع يقطعني عنك).. (اللهم!.. إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلنا إلى قربك).

16.  إن العالم الرباني، هو هذا العالم الذي له قدرة على إشاعة النور في المجتمع.

17. إن العالم الرباني، هو الذي يربي العلم، ويوسع العلم؛ لأن العالم إذا اتصل بعالم الغيب، صار هنالك قناة اتصال بينه وبين عالم الغيب.. وهذا المعنى من لا يستوعبه، على الأقل لا يستنكره.. فالذي ينكر هذه المقامات العالية، سوف لن يصل إليها في يوم من الأيام.

18. مهم جداً أن يعيش الإنسان ألم الفراغ الباطني، بعض الناس همه أن يكثر النسل، والآخر أن يبني عمارة رائعة، أو أن يركب سيارة فارهة، أو أن يكثر رصيده في البنوك؛ هذا همه في الحياة!.. وكل هذه أشياء فانية!.. ثمانين سنة من الحياة، يساوي: بيت، وعدد من الأولاد، ورصيد في البنك.. وهذا كله يأتي مع الإنسان إلى باب القبر، ثم يودعه ليخلو بعمله!.. كما في دعاء أبي حمزة: (ما لي لا أبكي؟.. أبكي لخروج نفسي)، (وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي)، هذا هو البيت الأبدي، وإلا فبيوتنا الدنيا نعيش فيها أربعين أو خمسين سنة، ثم نتركها قهراً.

19. إن الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع.. هذا أيضاً مخيف، أن يتحول الإنسان إلى بهيمة تمشي على وجه الأرض، كما يقول علي (ع): (كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها).. علي (ع) لاذع في وصفه!.. إذا أنت لست من العالم الرباني، ولم تكن الثاني.. فالأمر منحصر بالثالث.

20. الهم المقدس: هو ذلك الهم الذي يرتبط بأبدية الإنسان.. فالإنسان خلق لهدف، والهدف هو العبودية.. والإنسان الذي يرى نفسه ليس على الجادة، يصيبه الهم والغم.

21. إن الهموم المقدسة غير مرتبطة بسلسلة الأعصاب؛ أي أن الإنسان الذي يحمل هم الآخرة، لا يصاب بالأمراض النفسية ولا الجسمية.. والإنسان الذي يحمل هم الدنيا، إنسان عصبي متوتر، يغضب لأتفه الأسباب.. بينما عندما يزداد همه الأخروي، يزداد هدوءاً وثباتاً، ويرى أن الكلمة هنا تنعكس في عرصات القيامة {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، هذا الإحساس يجعل الإنسان أكثر انضباطاً.. ولو كان هناك جهاز يقيس نبض الإنسان في ليلة القدر، فإنه سيكشف على أن نبض القلب في أفضل حالاته، رغم البكاء والصياح والصراخ وما شابه؛ أي أن الوضع النفسي في أفضل صوره.

22. إن الوجوه تكون في حالة استبشار، بعد انتهاء مجالس عزاء سيد الشهداء، حتى ليلة العاشر.. هذا الاستبشار وهذه الراحة النفسية، لا توجد حتى في الأعراس.. في مجلس عزاء سيد الشهداء تكون: العيون باكية؛ ولكن يخرج الإنسان من المأتم، وهو في أفضل حالاته النفسية.. لهذا فإن الكلمات المسترسلة، وحالة الضحك وغير ذلك بعد الفراغ من المجلس؛ هي حالة مذمومة.. ولكن الابتسامة بعد المأتم لها دلالة، حيث أن الإنسان خرج من حمام روحي.. فالإمام الرضا (ع) يقول عن مجالس جده الحسين (ع): (فإن البكاء عليه، يحط الذنوب العظام).

23. إن الهموم على قسمين: هموم تثبيط، وهموم دافعة.

24. القضاء على الهموم غير ممكن، إذ لابد من الهم؛ ولكن الهم نوعان: رسالي، وغير رسالي.

25. إن الهم الرسالي، يدفع الإنسان للأمام أولاً.. وثانياً ليس له أثر سلبي على السلسلة العصبية.

25. إن حركات الإصلاح الباطنية على نحوين: هنالك حركة ظاهرية؛ حركة في الجوارح.. وهنالك حركة في الجوانح.

26. إن استراتجية الدعاء، أن يفتح الداعي قلبه على رب العالمين، وإذا انفتح قلبه على رب العالمين؛ هنالك واردات، وهنالك تلقيات وإشارات وذبابات من عالم الغيب، تأتي إلى القلب.. فيتسع القلب بعدها، ويتنور، ويبصر.

27. إن هنالك دعاء صادراً، وهنالك دعاء واصلاً.. والدعاء المستجاب، هو الدعاء الواصل، وليس الدعاء الصادر..

28. إن المرأة تلقن نفسها، أنها خلقت تبعاً للرجل، وأن وظيفتها في الحياة خدمة الرجل، وأن تكون وعاء وظرفاً لتكوين الأولاد والذرية والأسرة، وتربيتهم إلى سن معينة، ثم إخراجهم من المنزل للتزويج وغيره، وبذلك انتهى دورها.. والتي تفكر بهذا المنطق، هي أشبه شيء بأسماك السلمون، هذه الأسماك التي تهاجر من كندا وتعبر الشلالات في حركة عكسية، وتصل إلى النهر الأصلي، ثم تدخل المحيط إلى أفريقيا في رحلة طويلة وغريبة، بلا دليل.. أي بلا دليل ظاهري، وإلا فإن الدليل هو رب العالمين، كيف تمشي في أعماق المحيطات، إلى أن تصل إلى موطن معين، فتضع البيض، ثم تموت!.. أي كأن هذه السمكة عبرت هذه المسافات، لأجل أن تموت بعد ذلك.. وهذه نظرة خاطئة، فالإسلام رفع من قدر المرأة بما لم يرفعه دين، ولا حتى اتجاه فكري ينادي بتحرير المرأة.

29. جعل الإسلام المرأة من حيث التكليف، والخطاب الإلهي، والتكريم الرباني؛ على مستوى مساو للرجل تقريباً.

30. إن كل امرأة عليها أن تتدارس، وأن تدرس، حتى في الدورات الصيفية إلى حد التخصص.. لو أمكن للمرأة أن تقرأ كل ما قيل عن مريم (ع) فالأمر في محله!.. والله -عز وجل- إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}.

31. إن الغرض من حضور المجالس المقامة لعزاء سيد الشهداء (ع)، هو أن يخرج الإنسان بثمرة، وإلا فإن الآثار من الأجر والمغفرة وغير ذلك مترتبة بلا شك، وهذه الثمرة هي أن نحاول أن نكون في زمرة الحسين (ع).

32. قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، أن نكون تحت لواء الإمام الحسين (ع) يوم القيامة.. ولكن ذلك مترتب على أن نكون تحت لوائه في الدنيا.. بمعنى أن نكون على خطه، وأن نكون في زمرة أصحابه.. فإن الالتحاق بأصحاب الحسين (ع) بابه لا زال مفتوحاً، وما أغلق في يوم عاشوراء.

33. إن الإمام (ع) في دعاء عرفة يقول: (أَسأَلُكَ اللّهُمَّ حاجَتِي!.. الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيها لَمْ يَضُرَّنِي ما مَنَعْتَنِي، وَإِنْ مَنَعْتَنِيها لَمْ يَنْفَعْنِي ما أَعْطَيْتَنِي).. فهو (ع) يريد أن يفهمنا أن هنالك مستوى من التكامل لابد أن نسعى إليه، وإذا لم نصل إلى هذه الدرجة فقد فشلنا في حركة الحياة.. إن لكل إنسان هدفاً وهماً يحمله في حركته الدائبة في هذا الوجود، وهنا سيد الشهداء (ع) يوجهنا إلى أن نبحث عن هذه الحاجة، وهو لم يسميها في دعاء عرفة، بل جعلها مبهمة؛ حتى نفكر نحن في المصداق.. فما هي هذه الحاجة، التي إن وصلنا إليها ، فقد حققنا هدف الوجود؟.. هي الوصول إلى مستوى العبودية الانسيابية.

34. إن هنالك عبودية تشريعية.. بمعنى أن الإنسان عبد مطيع لله -عز وجل- بالإرادة.. ولكن قد تكون هذه العبودية خوفاً من العقاب، أو رجاءً في الثواب.. أي خلاف لمقتضى ميل الإنسان، فهو يطيع الله -عز وجل- على مضض بدون أي انسجام أو عاطفة.. إذ أن هناك فرقاً بين امتثال الموظف لأوامر المدير، وبين امتثال الزوجة لأوامر لزوجها؛ فكلاهما امتثال، ولكن الثاني محفوف بهالة من المحبة والرغبة.. وبينما المطلوب أن يصل الإنسان إلى هذه العبودية الثالثة، لا طمعاً ولا خوفاً، وإنما أن يرى أن هذه العبودية ثمرة الوجود، ولا يمن على الله -عز وجل- بذلك، وإنما هو عبد مخلوق، خلق لمهمة، وهو منسجم مع هذه المهمة التي أرادها الله عز وجل.

35. إن الإنسان بعد أن أمضى العشرة الأولى من شهر محرم في البكاء على مصائب الحسين (ع)، فقد اقترب من دائرة التكامل.. وعليه، فليشدد على نفسه في أربعينية: مراقبةً، ومحاسبةً، وتركاً للمعصية؛ وليكن ذلك من يوم عاشوراء إلى يوم الأربعين.

36. إن أربعينية الأدعية والختومات أمر حسن وجميل، ولكن من أفضل الأربعينيات هي أربعينية ترك المعاصي والذنوب؛ ومن المستحسن استغلالها؛ لإتمام المكاسب، ولقطف ثمار هذه البذور التي زرعها هذه الأيام والليالي في أواخر صفر.

37. إن هنالك تفضلاً إلهياً في المواسم العبادية المباركة، وتصرفاً في القلوب.. وإلا فلو نظر الإنسان إلى نفسه، لا يرى ذلك الاستحقاق أبداً.. ولهذا فمن المناسب استثمار حالة الإقبال بعد ختام المجلس، بأن تحول دموع الولاء إلى دموع المناجاة مع رب الأرباب، فإنه من صور الخسران ألا يستثمر الإنسان الحسيني هذه الرقة في مصالحة مع رب العالمين، وإنها لفرصة ذهبية أن يتحول إلى إنسان مناج ربه –عز وجل- بعد ختام المجلس.

38. إنه من غير المستحسن أن يجلس الإنسان كثيراً في المأتم بدون هدف، فإن كان يعيش حالة روحية جيدة، فليواصل هذه الحالة وهو في الطريق إلى المنزل، ولا يجعل هذه الدموع تجف بسرعة، وليستثمر هذه الدموع في أن يعقد صفقة مع رب العالمين.

39. إن هنالك جهازاً وسطياً في وجود الإنسان -من الممكن أن نسميه: الإرادة، أو العزيمة، أو البعد الباطني- يأخذ الفكرة، ثم يجعل هذه الفكرة تتفاعل في الوجود، بحيث أن الجوارح تصدر بفعل هذه الفكرة.. ولعل من أفضل التعابير لهذا الجهاز: الإرادة.

40. من المعلوم أن الإنسان -بفضل الله تعالى- يصل إلى مرحلة من الكمال، حتى لو أنه تعرض للمنكر، وللإغراءات؛ فإنه ينصرف عن الحرام من دون تكلف.. فهو عندما يرى فتاة فاتنة في الشارع أو في الجامعة، وكأن الله –عز وجل- جعل في رقبته جهازاً، ولا يمكنه أن يحتمل هذه الجهة.. وعندما يرى امرأة متهتكة، مخالفة لأوامر الله عز وجل، فإنه يرى فيها العداوة لله تعالى، بما يجعله لا يعيش حالة شهوية أبداً!..

41. إن العداء لله –عز وجل- قسمان: عداء موقفي: كنمرود، وفرعون، وقارون.. والقسم الآخر عداء عملي، وهو قسمان: فالبعض تراه من الصباح إلى الليل في مقام العمل عدواً لله عز وجل، وقد يكون عدواً لله عملياً في اليوم مرة أو مرتين.. فإذن، إن العداء العملي غير العداء الموقفي، وهذا العداء العملي قد يكون في اليوم مرة.

42. إن هناك شروطاً لحضور المجالس الحسينية، فهذه المجالس هي مجالس عبادة وذكر، لذا يستحب للمؤمن ألا يدخل المجلس إلا وهو متوضئ، وفي حال توجه.. -وكما أُمرنا أن نقدّم صدقات بين يدي رسول الله- فليحاول المؤمن أن يقدم هدية إلى النبي وآله، وإلى أصحاب الحسين (ع)، فمثلاً: ليلة العباس (ع) عندما يذهب إلى المجلس وفي الطريق، فليكثر من الصلاة على محمد وآله، بنية أن تصل هذه الهدية القيمة إلى روحه (ع).

43. إن من أهم الدروس العاشورائية، ومن أهم دروس كربلاء، أن نتعرف على منهج أهل البيت (ع) في الحياة.. إذ أن ولايتهم مسلًّمة، فنحن قوم -بحمد الله- آمنا بهم منذ نعومة أظفارنا، وأول ما لهجنا بهِ ذكر النبي وعلي وفاطمة.. والكثيرون قد بدأت علاقتهم بالمآتم منذ أن كانوا أطفالاً رضعا.. فإذن، جانب الولاية والتولي مفروغ منه، وكذلك سيرتهم، وتأريخهم.. إن التأريخ أمر جيد، ولكن التأريخ قد لا يحتوي على الشحنة العاطفية المؤثرة في مقام العمل الخارجي.. فالحسين (ع) يريد منا أن نكون متأدبين بآدابه قبل أن نكون من الباكين عليه.

44. إن ليالي محرم، هي ليالي الصفقة مع الإمام الشهيد.. وهذان الشهران محرم وصفر، نِعْمَ الفرصة للالتزام بالاستغفار، الذي يوجب العلم الكثير، أو المال الكثير.. حيث بإمكان الإنسان أن يلتزم بهذا الاستغفار أثناء ذهابه وإيابه.. عن الصادق (عليه السلام) قال: (من قال كل يوم أربعمائة مرة، مدة شهرين متتابعين؛ رزق كنزا من علم أو كنزا من مال: "أستغفر الله الذي لا اله إلا هو، الرحمن الرحيم، الحي القيوم، بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، من جميع ظلمي وجرمي وإسرافي نفسي وأتوب إليه").

45. إن هناك فرقاً بين اتجاه فكري يأخذ عقيدته، وأحكامه، وأخلاقه، وسيرته عن أئمة أهل البيت.. وبين قوم جاؤوا بعد قرن، أو ما يقرب من ذلك ليدونوا سنة النبي المصطفى (ص)!..

46. إن الإنسان الموالي في شهري محرم وصفر، له عصمة عرضية؛ أي أن الرياح الموسمية في اتجاه السفينة تدفعها إلى الأمام، ولكن الخوف بعد صفر.

47. إن هناك فرقاً بين من نظر إلى امرأة في الشارع واختفت عن الأنظار، وقد نظر إليها بشهوة وريبة، فأغضب الله -عز وجل- لثوان.. وبين الذي غض بصره فوجد حلاوة الإيمان في قلبه، تلك الحلاوة التي لا تزول أبداً!..

48. إن بعض الأمور الهامة: كالصلاة الخاشعة، وكتذكر الموت وعوالم ما بعد الموت؛ من الأمور الدافعة للإنسان إلى الأمام.. ولكن المشكلة أننا نرى الموت كالشبح.. فالبعض لا يزور المقابر؛ لئلا يصاب باكتئاب مثلاً.. ولا يزور المرضى في المستشفيات، لأن المستشفى، والمرضى، وغرفة العمليات، والمغتسل، هذه الأماكن تذكره بالموت.. وبالتالي، فإنه يحاول أن يتحاشى التواجد في هذه الأماكن.. والحال أننا مقدمون على هذه الحقيقة، شئنا أم أبينا.

49. إن البعض يرى أن الاستعداد للموت يكون في أواخر الحياة، عندما يشتعل الرأس شيباً، وعندما ينتهي من تزويج الأولاده والبنات؛ عندئذ يتفرغ لآخرته.. وهنالك مفهوم خاطئ، بل مضحك في بعض الحالات: وهو أن البعض لا يحج إلا بعد سن الأربعين، لأنه يريد أن يتمتع بالحياة، ثم بعد ذلك يتوب ويذهب إلى الحج!.. إن هذا المفهوم مرفوض جملة وتفصيلاً!..

50. إن موضوع الأذكار والأوراد والأدعية، الباب فيه هو باب التفضل لا باب الأجور.. فرب العالمين يتفضل على الإنسان فيعطيه هذا الأمر.. فعندما يصلي الإنسان ركعتي الوحشة لمؤمن لا يعرفه، فكيف برب العالمين، ألا يقول: أنا أولى بعبدي؟.. أنت ذكرت الميت بركعتي وحشة، وأنا الرب العطوف الحليم لا أتفضل عليه بذلك، هذا ليس من شأن الربوبية!..

51. إن الذي يطمح في بلوغ درجة القلب السليم؛ فلابد أولاً أن يتعرف على جزئيات هذا القلب.. فالقلب أو الروح في وجود الإنسان، ليس وجوداً بسيطاً، ساذجاً، غير مركب.. نحن نرى في وجودنا نزاعاً: هنالك جهة تراقِب، وهنالك جهة تراقَب.. هنالك جهة تلوم، وهنالك جهة تلام..  أنا لست وجوداً واحداً، ولست روحاً واحدة.. هناك صراع في جوفي؛ هناك من يقول لي: افعل.. وهناك من يقول لي: لا تفعل..

52. إن المؤمن الذي يهمه أمر نفسه، لابد وأن يقرأ ويتأمل.

53. إن من روافد المعرفة، والإطلاع على مقامات الوجودات الطاهرة، هو شرح الصدر، والمعرفة الإشراقية والإلهامية.. إن رب العالمين لم يجعل لنفسه قانوناً ملزماً، فمتى ما شاء يستثني، فيفعل ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء.

54. إن فهم مقامات سيدة النساء (ع)، يحتاج إلى شرح للصدر.. ويبدو أن هذا الوصف الإجمالي للنبي الخاتم والأئمة (ع) للزهراء (ع)، كافٍ لإلقاء الضوء على عظمة شخصيتها.. إن النبي (ص) لم يتكلم من منطلق عاطفي أبداً حول فاطمة، كونها بضعة، وروحه التي بين جنبيه، وتفوح منها رائحة الجنة الخ... فهذه التعابير تكشف عن صلة وطيدة بين الروح الفاطمية والروح المحمدية، وكأن هنالك نوع اتحاد وسنخية بين هاتين الروحين.. ولهذا فإن فاطمة (ع) بعد وفاة الرسول (ص) لم تتحمل البقاء في هذه الحياة الدنيا، رغم أن استشهادها ووفاتها كان مكلفاً كثيراً لعلي (ع)، حيث فقد عليٌ زوجة وفية، وفقد أماً لأولاده.. ولكن فاطمة (ع) لم تحتمل العيش بعد وفاة أبيها، وكأنها شجرة قطعت جذورها من الأساس.

55. إن الولاء العاطفي لأهل البيت (ع)، لا بد وأن يتجسد على شكل سلوك عملي.. ففاطمة (ع) لخصت فلسفتها بالنسبة إلى تعامل النساء والرجال، وهو تعامل وثيق هذه الأيام، لأن فاطمة أسست أساساً لنا جميعاً، ودعت إلى فصل الجنسين بأقصى ما يمكن، حيث أنها ذكرت بأنه خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال.. لعلمها (ع) بأن وجود هذين العنصرين من دون وجود محرمية شرعية، وعقد شرعي في مظان إثارة الأحاسيس، والتحركات القلبية المعهودة في هذا المجال.. ولطالما رأينا أن هذا الاتصال غير الشرعي، وفي غير إطار الأجواء الشرعية المنقحة، من موجبات الزلل الكثير الذي وقع فيه كثير من فتياتنا هذه الأيام.

56. إن من الأمور التي نُسأل عنها يوم القيامة، هي عاقبة ذرياتنا.. فالإنسان يُسأل عن نفسه، ويُسأل عن الذرية التي رباها خيراً أو شراً.. فالإنسان إذا مات انقطع عمله في هذه الدنيا، فلا يأتيه عمل؛ لأن الدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل.. ومع ذلك تأتيه الصدقات الجارية من بعض القنوات منها: العلم، والصدقة الجارية، والولد الصالح.. وينبغي أن نعلم بأن الولد مخلوق على الفطرة، فهو طينة طيّعة بيد الوالدين.. نعم، إن هنالك بعض الصفات الذاتية للأولاد: فمثلاً: هنالك طفل بريء، وهنالك طفل فيه شيء من عدم الطاعة.. ولكن مع ذلك نحن نعتقد بأن التربية الصالحة إما أن تزيل هذه المواد الفاسدة -هذه الطينة غير الصالحة- أو تهذب.. إن الانحرافات الكبرى في حياة الإنسان تبدأ من سنوات صغره، فالأبوان يخطئان عندما يعتقدان بأن الطفل لا يفهم، ويبدأن بمعاملة الطفل معاملة جدية بعد سنوات البلوغ، فهذا خطأ.. إن الطفل يعلم بعض المعاني منذ الأيام الأولى، إلا أنه لا يمكنه أن يعبر.

57. علينا أن نكتشف الخارطة الباطنية للولد بل لكل إنسان.. فعند التعامل مع الزوجة، ومع الصديق، ومع الأب، ومع الأم، أو مع رحم؛ فإن علينا أن نعلم أن هنالك بموازة الشكل الظاهري، وجهاً باطنياً.. والتعامل يكون مع الوجه الباطني، لا مع الوجه الظاهري.. فهل حاولنا أن نكتشف ملامح هذا الوجه الذي قد يكون جميلاً أو قبيحاً؟.. إن علينا بالقرائن المختلفة من حركات الجوارح، أن نفهم إجمالاً التركيبة الجوانحية، بالإضافة إلى النور الإلهي الذي يُعرف به المؤمن، لأن للمؤمن أيضاً فراسة باطنية.. فهنالك نور إلهي، وهنالك دقة بشرية، يجمع بين الملاحظة البشرية الدقيقة وبين الاستمداد من النور الباطني.

58. يجب أن يعلم الإنسان أن هنالك فرقاً بين الحسن والشر، وبين الصالح والطالح.. فالطالح فيه إعراض، والصالح فيه تشجيع وتقريب.. في بعض الأوقات قبلة المربي لمن يربيه، هذه القبلة في مقابل جوائز مادية قيمة.. ومن هنا جعلت الشريعة قبلة الولد من صور العبادة التي يؤجر عليها الإنسان، رغم أنها حركة فطرية.

59.  إن الاتباع والولاية على قسمين: هنالك اتباع ادعائي وعاطفي، وهنالك ادعاء واقعي حقيقي.. الاتباع الظاهري الادعائي: هو أن يتولى الإنسان محبوباً في حياته.. والاتباع الحقيقي: هو عبارة عن الاقتفاء بآثار المحبوب: بقوله وفعله، ولهذا إبراهيم الخليل (ع) يقول في كلمة معبرة: (فمن اتبعني فإنه مني).. فالمنّية والاتباع والالتحاق بالطرف الآخر، إنه متوقف على ما تقدم.

60. إن من نقاط التأسي في حياة فاطمة (ع)، البساطة في المعيشة.. فمع الأسف نحن نخلط بين البساطة في المعيشة، وبين الإكثار من الملهيات في الحياة الزوجية.. إن الزوجين يظنان أنهما عندما يكثران من أثاث المنزل وزخرفة المنزل، أن هنالك علاقة طردية بين زينة المنزل وبين الألفة فيما بينهما.. ونحن نقول في أفضل التقادير: أن الألفة تتحقق بينهما وبين الزينة، لا بينهما.. فعندما يوضع تمثال جميل أو مزهرية جميلة في المنزل، فإنه سيكون هنالك في أفضل الحالات انشداد منهما إلى ذلك المتاع.. فأين الأثر النفسي؟.. وهل تتحقق بذلك الألفة؟.. لا أبداً، بل قد يتحقق شيء من التباعد.. فإذن، إن الحديث المروي عن النبي (ص) ما مضمونه: (خير نساء أمتي: أصبحهن وجهاً، وأقلهن مهراً).. لو حكم في حياتنا، لقضينا على ظاهرة تأخر الزواج والعنوسة.

61. هب أنّ أحدنا لم يحسن الاختيار في الزوجة الموافقة من جميع الجهات، فقد تكون الزوجة مؤمنة ومصلية وعابدة، ولكن طباعها متنافرة مع طباع الرجل، وهذه ليست بمنقصة.. ففي مثل هذه الحالات، ومع وجود بعض العناصر المرجّحة للإدامة، فإن العاقل ينظر إلى خواتيم الأمور: أليست من ثمرات الحياة الزوجية الذرية الصالحة؟!.. فعليه أن يتحمل شيئاً من الأذى -سواء الرجل أو المرأة- في سبيل هذه الثمرة السعيدة، وهي ثمرة باقية.. فجمال الوجه وأيام شهر العسل تفنى، والذي يبقى بعد ذلك هذه السمعة الطيبة والذرية الصالحة..

62. إن الذرية الصالحة امتداد أبدي للإنسان، لا في الدنيا فناءً عند القوم، ولا في البرزخ استغفاراً له، بل حتى في الجنة تلحق ذريته الصالحة به.. وشتان بين هذه الثمار العاجلة، وبين هذه الثمرة الباقية!.. ورب العالمين كم كافأ علي وفاطمة، على ما تحملت فاطمة في حياتها مع رسول الله، وبعد رسول الله؟.. وكم تحمل علي؟.. ولكن ما هي النتيجة؟.. إن النتيجة هي التحقيق العملي لسورة الكوثر من خلال علي وفاطمة، فرب العالمين يقول: {إنا أعطيناك الكوثر} يخاطب النبي، والحال بأن تحقيق أو تحقق هذه السورة من خلال علي وفاطمة.

63. إن من المناسب بين فترة وأخرى أن نتأمل في الكلمات الشرعية، لنتصيد منها بعض القواعد، وتسمى هذه القواعد بالـ"القواعد المتصيّدة".. فقد لا يكون هناك نص بمضمون تلك القاعدة، ولكن من مجموع الشواهد والقرائن نستفيد تلك الفائدة.

64. إن الشارع المقدس يقدم الوقاية قبل العلاج، كما هو دأب العقلاء في حياتهم اليومية.. فقبل أن تقع في الحرام، فإن الشارع يهيئ لك مجموعة من المقدمات المحذِّرة والمنذِّرة، كيلا يقع أحدنا في الحرام.. وبعبارة جامعة: إن المقياس في المقام ما روي من أنه: من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.. فالذي يحوم حول حمى السلطان، فإنه من الطبيعي أن يتسلل سهواً أو عمداً في حدود تلك المملكة.. وكتطبيق على هذه القاعدة نقول: إن الشارع المقدس حرم علينا الخمر، وجعله أم الخبائث.. ولكن نلاحظ أنه بالنسبة لتحريم شرب الخمر، حرم علينا الجلوس على مائدة يُشرب عليها الخمر أيضاً، وإن لم يكن أحدنا شارباً له، هذا في موضوع الخمر.. وأما في موضوع النساء، فنحن نعلم أن الخطيئة الكبرى عبارة عن الزنا، ولكن قبل الزنا هناك مجموعة من المحرمات منها: حرمة النظر، وحرمة المصافحة، وحرمة النظر الشهوي، والحديث الشهوي.. لأن هذه المقدمات سوف تؤثر في تغيير التركيب الباطني للإنسان.. فمن المعروف أن الإنسان له سلسة من الأمور الخفية عن الحواس: منها السلسلة العصبية وتفاعلاتها، وهناك بعض المواد التي تفرز من غدد صغيرة جدا، وتقوم بمهام كبرى في البدن، ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يتعرض لمواطن الإثارة السمعية والبصرية والقولية، أن تتغير تركيبته الفسيولوجية والسيكولوجية معاً.

65. إن حرمة النظر والاستماع، هو لتجنيب الإنسان من أن يتغير إلى موجود تغلب عليه الشهوات، وعندها يفقد السيطرة على نفسه.. ومن هنا يُلاحظ أن بعض المدمنين على المعاصي، عندما يعظه أحد، فإنه يبكي ويتألم، ولكنه يقول في ختام هذه الموعظة: أن الأمر ليس بيدي.. فهذه العبارة يرددها المتوغلون في المعاصي.. لاحظوا هذه الآية: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.. لماذا ذكر الفؤاد بعد السمع والبصر؟.. الله يعلم بمراده، ولكن نحدس حدساً وهو أن الفؤاد -هذا العنصر الباطني- رغم باطنيته، إلا أنه يتأثر بالروافد الخارجية، المتمثلة بالسمع والبصر ولهذا جعل الفؤاد، وهو في رتبة المعلول مقدماً على البصر والسمع.

66. إن القراءة ليست هدفاً في حد نفسها، فالقراءة ينبغي أن تكون بمباركة من الله عز وجل، والإنسان عندما يريد أن يقرأ متبركاً بسم الله عز وجل، فإنه من الطبيعي ألا يقرأ علماً باطلاً، أو لا ينظر إلى صورة محرّمة، أو لا يقرأ كتاباً قد يوجب له انحرافاً في العقيدة.. فإذن، عندما يريد الإنسان أن يقرأ عليه أن يقول: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، والباطل لا يُبدأ بـ{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أبداً، فإن هنالك تنافراً بين الحق والباطل، وماذا بعد الحق إلا الضلال!.. فالشيطان في جانب والرحمن في جانب.

67. إن هنالك علوماً كثيرة، فمن أي علم يبدأ الإنسان وماذا يقرأ؟!.. لأن العمر لا يفي بكل علوم هذا الوجود، فلابد أن يقرأ ذلك العلم الذي يكون في مسيرة حركته إلى الله عز وجل، فينفعه تارة في دنياه وتارة في آخرته.. {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} فالإنسان خُلق من نقطة بداية لينتهي إلى نهاية.. فبين البداية والنهاية عليه أن يقرأ ما يعنيه في هذا الطريق.. وإلا فإن العلم الذي لا يفيده دنيا ولا آخرة: كالخبر أو الفيلم أو البرنامج الذي لا يفيده دنيا ولا آخرة، فإنه لا يصب في هذه الحركة.. ومعنى ذلك أن هذه الحركة اللاهادفة هي من مصاديق {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

68. إن العلم مخزون في اللاشعور، فمثلاً: إذا قرأ الإنسان مسألة شرعية من الرسالة العملية في أحكام الحج فينساها، وبعد سنوات يذهب إلى الحج، وإذا بهذه المسألة المدفونة في الباطن، تطفو على السطح، فيتذكر المسألة التي قد نسيها، فهذه هي طبيعة العلم.. فإذن، إن على الإنسان ألا يعيش حالة اليأس، لمجرد أنه ينسى ما يقرأ.

69. إن ترك المعاصي من موجبات انفتاح الأبواب الباطنية، وتقوية الذاكرة.. لأن تشتت الفكر من تشتت الصور الواردة، فإذا قلّت هذه الصور، تحقق التركيز الذي يتمناه كل مؤمن في عبادته أو في تأملاته.

70. إن من المفاهيم الباطلة في حياة الناس هذه الأيام، هو الاعتقاد ببعض المؤثرات الوهمية في الحياة.. فهناك قسم من الناس يعتقد بما يسمى بالأبراج والنحوسة -وبتعبير قرآني- هناك حالة من التطير.. وهذه الحالة حالة ممقوتة شرعاً، فالإنسان المؤمن شعاره في الحياة هو عدم اتباع الظن، فإن الظن لا يغني عن الحق شيئا.. فكيف إذا كان الأمر بمستوى الوهم والخيال وما شابه ذلك؟!..

71. إن الإنسان الذي يُعجب بنفسه، عادةً يكون من العاملين، لأن غير العامل ليس له ما يعجبه، فهو يعيش حالة المقت لنفسه.. ولكن الإنسان العامل هو في مظان العجب؛ يقول الإمام (ع): (ليمحق ما يكون من إحسان المُحسن).. أي أن إحسان المُحسن يمحق من خلال هذه الحالة من الإعجاب بالنفس.. ولو التفت الإنسان إلى حياته، لرأى عندما ينظر وراءه من سنوات الغفلة، ومن ساعات السهو والشهوة والمعاصي -على الأقل فيما بعد أيام البلوغ- فإنه سيلاحظ كثيراً من التقصير العمدي وغيره، الرافع بدوره لحالة العجب.. فمن منا كان ملتزماً أشد الإلتزام في سنوات بلوغه؟!.. فتكفي هذه القطعة من التاريخ الأسود، أو ما يشبه ذلك، لأن يعيش حالة الندامة والخجل دائماً بين يدي الله عز وجل.

72. إن الأمور بخواتيمها، فمن لا يعلم حسن خاتمته، فلا ينبغي أن يُغش بما هو فيه من الحالة الإيجابية الحسنة، فكم خُتمت الحياة بخواتيم سيئة كما نعلم في تاريخ المنتكسين!..

73. إن هنالك تأكيداً شديداً على مسألة المراقبة والمحاسبة، في روايات أهل البيت.. ولكن المهم هو أن نتعلم الآلية، فأن نعلم بأن المحاسبة أمر ضروري، هذا لا يكفي، ولكن لابد أن نتعلم الطريقة.

74. إن المحاسبة تنقسم إلى ثلاثة حقول: الحقل الأول: نكتفي فيه بالمعاتبة.. الحقل الثاني: نكتفي فيه بالاستغفار والعزم على عدم العود.. والحقل الثالث: وهو الحقل الذي لا بد فيه من بعض الممارسات الخارجية.

75. المعاتبة وهي تتعلق بالهفوات، التي لا تعد من الذنوب: لا الذنوب الخالقية، ولا الذنوب مع المخلوقين: كالهواجس الباطلة، والنوايا السيئة، ومشاعر الحسد، والتكبر، والغرور -إن قلنا: أنها في الباطن، ولا إثم فيها على بعض الآراء-.. ولعل البعض يرى أن الإنسان يؤاخذ بما في فؤاده من مشاعر.. ولكن نأخذ على المبنى الأسهل، أنه مادام الأمر لم يتحول إلى الجوارح، فلا إثم.

76. إن هناك ذنوباً تحتاج إلى استغفار وإلى عزم على عدم العود؛ كالإنسان الذي كذب كذبة، أو الذي قام بعمل يُعدّ حراماً، من دون كفارة في البين (كالغيبة) -إن قلنا بعدم وجوب الاستحلال- لأن العلماء يقولون: في الغيبة إن كان الاستحلال موجباً لتكدر الخواطر، وإيذاء الغير، فلا يكون في هذه الحالة الاستحلال راجحاً.

77. إن هنالك قسماً من المعاصي والذنوب، تحتاج إلى معاتبة، وتحتاج إلى استغفار، وتحتاج إلى تعويض عملي، كترك الصلوات والصيام الواجبين.. فعلى الإنسان أولاً أن يعاتب نفسه: لماذا عمل هكذا؟.. ثم يستغفر ربه.. وبعد ذلك هنالك ممارسة، وهي قضاء الصلوات في الحد الأدنى الذي يتذكره، وخاصة في الفترة المبهمة في حياة الإنسان.. وبالتالي فإن على الإنسان في مقام العمل، أن يعوّض تعويضاً عملياً.. وكذلك دفع الكفارات الواجبة، إن كان تاركاً للصيام تركاً عمدياً.

78. إن المؤمن لا تفارقه وصيته، ولو في كلياته، ولو على مستوى الثلث.. فالمؤمن لا يخاف من الوصية، فإنها لا تقدم الموت.. فعلى الأقل يكتب في هذه الوصية ما يطلبه من ورثته، ومن تقسيم ثلث أمواله في طاعة الله.. فبجرة قلم، وبسطر واحد، تُفتح له أبواب من الجنان، بما لا يخطر على باله.. فلماذا يفوّت الإنسان هذه الفرصة على نفسه، وهو بإمكانه أن يشتري نعيم الأبد بهذه الحركة؟!.. وهذا ليس بالأمر المخيف.. وكذلك يستطيع أن يوصي، ولو شفهياً مع شيء من التوثيق، بما يريد في هذا المجال من دون أن يشق على ورثته.

79. إن هنالك جهازاً في وجود الإنسان، وهو المسمى بجهاز الإرادة، وإذا لم ندعم هذا الجهاز في وجود الإنسان، فإن الإنسان سيكبو يوماً ماً، وزلة الحكيم قاتلة..

80. لابد من إيجاد الإرادة في حقل الخواطر.. فنحن نعلم بأن كثيراً من المحرمات والمخالفات، تبدأ من عالم الوهم والخيال.. فالمجرمون يقومون بإجرامهم نهاراً، بعدما يخططون ليلاً.. وعليه، فإن المؤمن لا بد وأن يجعل جهازاً مراقباً في فكره بالدرجة الأولى.. وبعبارة أخرى: عليه أن يسيطر على خواطره، وهذه من أصعب المراحل في الإنسان، فمن قدر على وقف خواطره، فهو من أقوى الأبطال، وعندئذ تكون السيطرة على الجوارح من أسهل الأمور!.. ومن الواضح أن السيطرة على الخواطر تحتاج إلى مجاهدة مريرة.. ومنها مراقبة فضول النظر والسمع، فالإنسان الذي يسمع كثيراً، ويتكلم كثيراً، وينظر كثيراً، فإن جهازه الباطني جهاز مشوش.. وبالتالي، فإن كل هذه الترسبات ستطفو على السطح يوماً ما، ومن هنا جاء التعبير: (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم).. ولا بد من الالتفات إلى قيد (العلم النافع لهم)!.. فقد يكون هذا العلم نافعاً، ولكن لا لك بل لغيرك.

81. إن المؤمن يجب أن يكون له سيطرة على الغرائز، ذلك الجهاز العاطفي الميلي في وجود الإنسان، ففي هذه المرحلة يسيطر العبد على ميوله، فلا يريد كل شيء، فلو أن الإنسان ترك حبله على غاربه لأراد كل شيء، لأراد كل مطعوم وكل مشروب، وكل مشتهى في مجال الملذات النسائية وغيرها.. وعليه، فإن هذا الجهاز -الإرادة- يركب في هذه المحطة التي تريد ولا تريد.. فالمؤمن له سيطرته على هذا الجهاز.

82. إن المؤمن لا بد أن يكون مسيطراً على حقل الخواطر أولا أو أخيرا، لأن هذا هو الحقل الأصعب، ثم حقل الميول، ثم حقل الجوارح.. فإذا اجتاز هذه المراحل الثلاث، يُلحق بخليل الله إبراهيم (ع) {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.. وما المانع أن نكون نحن أئمة من أئمة الهدى، بمصداق هذه الآية: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}؟!..

83. إن الإنسان حينما يبتلى بمرض، ثم يتعافى منه، فإنه يكون هناك بعض التوصيات الطبية من الأطباء الحاذقين، ليبقى الفرد على سلامته، ولئلا يعود إليه المرض ثانية.. وكذلك فإن الإنسان المذنب بمثابة مريض ابتلي بجراثيم الذنوب -بجرثومة أو أكثر، بحسب المعاصي- والآن وبعد أن تاب هذا المذنب ودخل مستشفى الطب الروحي، من خلال فترة روحانية، أو موسم عبادي، أو حتى ليلة من ليالي الإنابة إلى الله عز وجل.. -إذ من الممكن أن تكون بعض ليالي السنة أبرك عملياً حتى من ليلة القدر- هناك توصيات يجب أن يتبعها.

84. إن بعض المعاصي يقوم بها الإنسان، ثم يستغفر منها.. إلا أنه من الممكن أن تُبقي بعض التغيرات الفسيولوجية في بدنه.. فالإنسان الذي توغل في عالم الشهوات، ربما تتغير حتى تركيبته البدنية، فيصبح إنسانا سريع الإثارة، وسريع التفاعل مع موارد الحرام.. إن ارتكاب الحرام المتواصل، من الممكن أن يؤدي إلى هذه النتيجة الوخيمة؛ ولهذا فإنه يحتاج إلى ما يشبه الاستبراء.

85. إن الإنسان الذي هو في طور العافية، من الممكن أن تخدعه نفسه وشيطانه، فيقول له: ما دمت قد ارتكبت المعاصي في برهة من حياتك؛ فإنه لا يمكنك أن تدخل نادي الأبطال.. فهؤلاء لم يصبهم مرض قط؛ وأنت إنسان كنت في المستشفى، والآن خرجت منها، فاقنع بما أنت فيه من العافية، ولا تفكر في طموحات أكبر مما أنت فيه.. وهذا كلام شيطاني، فالإنسان التائب، ولو أنه يعيش حالة الخجل من الله، والتبرم من الماضي، والتقزز مما صدر منه.. إلا أنه عندما يجلس بين يدي ربه، فإنه يتفاعل في دعائه ومناجاته، أكثر من الإنسان الذي لم يقترف المعصية.. فإذن، إن هذا التاريخ الأسود هو من ناحية نقطة سلبية، ولكنه من ناحية أخرى نقطة إيجابية لمن عاد إلى رشده.. وعليه، فإنه من الممكن أن يصبح الإنسان بطلاً، بعد أن يتعافى من مرضه.. والتاريخ مليء بهذه العناصر المتميزة بعد توبتها.

86. إن العاصي عندما يعود إلى طريق الطاعة، وخاصة إذا كان متجاهراً ببعض المعاصي، ثم يتوب؛ فهذا من الممكن أن يخاف من النظرة الاجتماعية له.. فعندما يدخل المسجد أو يواجه المجتمع، ويرى نظرات الناس تجاهه، فإنه يعيش حالة من حالات الخجل الاجتماعي، وهذه حالة سلبية.. فإن المهم هو أن رب العالمين عفا عنه، ورضي عنه.. فعندما نجعل رضا المولى بجانب سخط المخلوق أو احتقاره، فلا قيمة لهذا الاحتقار، إذا لم يكن يكشف عن تحقير المولى له، وفي بعض الروايات: (لو كان في يدك جوزةٌ وقال الناس: لؤلؤةٌ، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنّها جوزةٌ.. ولو كان في يدك لؤلؤةٌ وقال الناس: أنّها جوزةٌ، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤةٌ).. فعلى الإنسان ألا يفتح حسابا للخلق في هذا المجال، ويكون شعاره (إلهي!.. إن لم يكن لك عليّ غضب، فلا أبالي).

87. إن الإنسان المعافى من مرضه، يحاول في فترة النقاهة أن يتغذى غذاءً سليماً مقوياً، ليستعيد العافية بسرعة.. وكذلك فإن الإنسان التائب عليه أن يكثر من بعض الأمور الاستحبابية، والتي توجب له سرعة القرب من المولى، ليجتاز الفترة الحرجة بين المعصية وبين الاستقرار.. فهنالك فترة انتقالية لا بد أن يضاعف الجهد فيها، لتستقر أموره في خط الطاعة، ويتحقق فيه هذا العنوان: (صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى).

88. إننا إذا أردنا أن نفهرس العناصر الدخيلة في إثارة الإنسان، وإثارة شهواته في هذه الحياة الدنيا، فلا نشك بأن شهوة النساء من أقوى الشهوات في عالم الوجود.. ولهذا نلاحظ في آية حب الشهوات، أن القرآن الكريم يذكر شهوة النساء في أول هذه القائمة حيث يقول: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.. ولابد أن نلتفت إلى هذه الحقيقة، أن المزَيَّن هو حب الشهوات، لا ذات الشهوات.. فذات المرأة ليست بمذمومة، إنما الكلام في الارتباط والعلاقة، التي هي في جانب السلب، لا في جانب الإيجاب.

89. لا ينبغي أن ننكر بأن العلاقة بين الجنسين، أي التجاذب الموجود بينهما، ليس تجاذباً خيالياً أو وهمياً؛ كي نقولَ لفلان: لا تفكر فيما أنت فيه.. ولكن هنالك أجهزة في جسم الإنسان، تفرز بعض الهرمونات المهيّجة للشهوات.. وهذه الإفرازات في حدها الطبيعي ضرورية لإدامة الحركة: حركة الحياة، والتناسل.. ولكن المشكلة أن الإنسان بسوء اختياره لنظراته، ولسمعه، ولتخيله، ولممارساته.. فإنه يقلب الموازين الفسيولوجية في بدنه، فيختل توازنه الجسدي.. أي أن هنالك بعض المحطات في جسم الإنسان، تجعل الإنسان يتوجّه إلى هذا الجانب بشكل مفرط.. فالإكثار من الأفكار الشهوانية، والصور الشهوانية -سواء حقيقية أو صورية- فإن هنالك جانب من المخ، يتأقلم مع هذا الجو.. ولهذا تأتيه الهواجس في هذا المجال، فعندما ينام، فإنه يرى ما يناسب تلك الهواجس: كأن ينظر إلى المرأة البريئة، فيحولها في ذاكرته إلى صورة غير جميلة.. فعندما يصلي، ويقوم، ويقعد، فإن تلك الصورة لا تفارق مخيلته.. إن البعض يسأل كثيراً عن كيفية التخلص من هذه الهواجس المزعجة.. والحال بأنه هو الذي يثير الخيوط الأولية في هذا المجال.

90. يجب الابتعاد عن كل مصادر الفتنة، فأسلوب الشريعة هو أن الوقاية خير من العلاج، فـ(درهم وقاية خير من قنطار علاج).. فإذن، إن الخطوة الأولى هي في إبعاد المؤثرات السلبية.. والشريعة قد جعلت مجموعة من المحرمات في هذا المجال، ولكن البعض قد لا يستوعب حقيقة هذا الحرام فيعترض.. ومن تلك المحرمات مصافحة النساء.

91. إن رب العالمين هو الذي جعل الإنسان في مستواه، ولولا هذه الرعاية: سفراً وحضراً، يقظة ونوماً؛ لما كان فيما هو فيه.. فإذا ارتفعت الحصانة الإلهية، صدر منه ما لا يخطر في باله أبداً!..

92. إن هنالك بعض المظاهر الغريبة في حياتنا اليومية، وهذه المظاهر لا تخضع للحواس، ولا يمكن إنكار حقيقة هذه الأمور.. فعندما ينام الإنسان يرى بعض الصور الغريبة: المبشرة، والمنذرة، وبعض الصور التي لا معنى لها.. فمثلاً: يرى بعض الصور تثير غضبه، وتثير شهوته، كما يرى في عالم اليقظة بعض الأمور التي لا يمكن أن ننفيها.. ونحن نعلم أنه عندما جاء الملك إلى مريم (ع) -وهي ليست لا من الأنبياء ولا من الأوصياء- تمثل لها بشراً سوياً، هذا الملك رسول ربها، تمثل لها على شكل بشر.. فإذن، إن الوجود الملكي، الذي لا يخضع لقوانين المادة، قد تمت رؤيته على شكل مثال مادى!.. فالملك موجود فوق عناصر الطبيعة المادية، ولهذا في ليالي القدر لا نرى ملائكة، ولو كانت مادة لرأيناها.. ولكن الله -عز وجل- أذن للملك أن يتمثل على شكل بشر مادي، يحدث مريم ويتكلم معها.. وقد يتمثل على شكل رائحة طيبة، أو نور يخطف الأبصار.. فنحن لسنا في مقام تصديق كل ما يقال في هذا المجال، لأن هنالك وهماً، وإدعاء، وكذباً.. وهنالك صدقاً، كقصة مريم.

93. إن المؤمن أو العاقل، إذا أراد أن يثبت، يثبت بدليل.. وإذا أراد أن ينفي، أيضاً ينفي بدليل.. ففي عالم القضاء إن البينة عن المدّعي، واليمين على من أنكر.. ولكن في عالم المعاني والبراهين، فإن الطرفين مطالبان بالدليل.. فلا نكتفي بالقسم -مثلاً- في عالم الأفكار.. فالمثبت لا بد من أن يأتي بدليل، والنافي أيضاً كذلك.. وهذه الكلمة معروفة عن شيخ الفلاسفة ابن سينا، حيث يقول -ما مضمونه-: "كلما قرع سمعك من العجائب، فذره في بقعة الإمكان، حتى يذودك عنه قاطع البرهان".. فإذن، إن المؤمن لا يلتفت إلى هذه الأمور، فرب العالمين من الممكن أن يفتح عليه باباً من هذه الأبواب إكراماً له.. ولكنه في الوقت نفسه، لا يرى هذه الأمور أهدافاً يسعى إليها.. فهذه آثار، وهذه نتائج ومشجعات.. ولكن المؤمن لا يشغل نفسه بذلك.

94. إن على المؤمن إذا رأى مناماً مزعجاً، أن يدفع صدقة، ويسأل الله -تعالى- أن يكفيه شر ذلك المنام.. وقبل النوم عليه بما ورد في الكتاب والسنة، كأن يذكر ربه في هذه الساعة، من خلال قراءة آخر سورة الكهف مثلاً، ومن تسبيحات الزهراء (ع)، ومن قراءة المعوذات.. فهذا سبيل من سبل تصفية المنامات.. وأما أن يعوّل عليها، فليس هذا من منطق الدين أبداً، إلا اللهم إذا وجدت قرائن أخرى، تدل على صدق ذلك المنام.

95. لا بد لكل حركة من حركات الحياة من فقه لتلك الحركة، فإن المسائل الشرعية تحريماً وتحليلاً وكراهة واستحباباً، لا تنحصر في المفردات الجزئية البسيطة في حياتنا اليومية، بل تتعدى هذه المسائل للقضايا الحياتية المهمة، الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية، حتى في مجال التعامل مع الدول والملل وغير ذلك من مفردات هذه الحياة .

96. إن من الأمور التي تحتاج إلى الإلمام بفقه، هو فقه المجالس: أي لقاؤنا، اجتماعاتنا مع الأرحام ومع غير الأرحام، مع المسلمين ومع غير المسلمين، مع العصاة ومع الطائعين؛ كل هذه اللقاءات تحتاج إلى درجة من درجات الفقاهة، واستيعاب القواعد الشرعية الأساسية في هذه المجالس.

97. قبل الذهاب المجالس، سواء كانت مجالس ثنائية أو مجالس اجتماعية، يجب أن ندرس طبيعة ذلك المجلس، فإذا كان المجلس في مظان الحرام، أي الإنسان يحتمل أن يقع في الحرام، فعليه أن يعد العدة، بمعنى أنه قبل أن يذهب إلى ذلك المجلس، يبني على أن يتصدى لكل منكر قد يورطه يوم القيامة: غيبة، تهمة، نميمة، تعريضاً لإنسان مؤمن، هتكاً لحرمة أحد.. عليه أن يكون حازماً وجازماً في مواجهة المنكر، حتى أنه في بعض الفتاوى أن الإنسان إذا لم يحتمل التأثير -من ناحية يسقط عنه واجب النهي عن المنكر- ولكن يرى البعض ولو احتياطا وجوبياً أن يبدي الاستياء في ذلك المجلس.

98. إن من فقه المجالس، الأعم من الفقه الظاهري والباطني، هو المكوث فيها بمقدار اللزوم.. فإن الإنسان ساعات عمره من أغلى عناصر هذا الوجود، وعليه إذا كان الغرض الاجتماعي الديني الشرعي يتحقق بمدة زمنية معينة، فإن الزيادة عن ذلك في الواقع لهو وهدر للعمر.. كما أنه في عالم الإنفاق يقال: بأن الزيادة في الإنفاق في موضع الإنفاق يسمى إسرافاً، كذلك إعطاء مساحة من العمر للغير زيادة عن اللزوم أيضاً يسمى إسرافاً في العمر.

99. إن المؤمن يحول المجالس إلى محطات التعليم والتذكير، ولإشاعة الثقافة الإسلامية الواعية.. وإذا كان الزائر في مستوى دون المزور، فعليه أن يستفهم ليتعلم من المزور شيئاً.. وإذا كان الزائر في مستوى أعلى من المزور، فعليه أن يعلم شيئاً.. لأن منع الحكمة من أهلها ظلم لأهل الحكمة، كما إن إعطاء الحكمة لغير أهلها ظلم للحكمة.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن يجب أن يقوم بدور مميز: إما العالم المعلم وإما المتعلم، لتكون هذه الجلسة في طريق زاد الآخرة.

100. يجب قصد القربة في الزيارة، فإن من يزور أخاه المؤمن متقرباً إلى الله، فهو زور الله أي زائر الله حتى يرجع.. كما أن الكعبة من شئون الله تعالى، فمن زار الكعبة كأنما زار الله تعالى، فإن المؤمن أشرف من الكعبة فكأنه زار الله تعالى أيضاً.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج