100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن هنالك بعض المفاهيم الواضحة عندنا، إذ أننا نحتفل بذكرى قادتنا، فنفرح لفرحهم، ونحزن لحزنهم.. ولكن المؤمن في المسائل التي تثار حولها الدلائل والمناقشات، عليه أن يلّم بجواب قصير مركّز ونافع، لا أن يكون متحيراً عندما تُثار مشكلة من المشاكل.

2. إن آخر الزمان معروف بأمرين: كثرة الشهوات، وكثرة الشبهات.. فالشهوات: التي تنفذ من خلال جوارح الإنسان، والشبهات: التي تنفذ من خلال فكر الإنسان.. فهنالك جراثيم، تغمر جوارح الإنسان.. وهنالك قسم من الجراثيم التي تغمر فكر الإنسان، فيبتلى بمرض الشهوات من جانب، أو الشبهات من جانب آخر.. ولهذا يجب علينا أن نسير في تصفية أنفسنا: قلباً، وقالبا.. جوارحاً، وجوانحاً.. لنكون من الفائزين في زمان الفتن.. وأن يكون شعارنا: ممن يستمعون القول، فيتّبعون أحسنه.

3. إن على المؤمن ألا يضع الحكمة في غير موضعها.. فإنْ رأى متحيراً، يفتح قلبه وفكره له.. وأما إذا رأى مجاهداً معتنقاً فكرة تبناها، ولا يهمه أن يفهم أدلة الطرف الآخر، فليدع عنه النقاش؛ لأنه من مصاديق الجدل.. وعمره، ووقته، وجهده، سيذهب هباء منثوراً.

4. إن المودة تنعكس على شكل حركة مادية.. ومن أفضل أنواع إظهار المودة لنبي الله (ص) وآله الأطهار، هو أن نقيم ذكرى احتفالهم في هذه المناسبات.. فالدول بعد الحروب تجعل مزاراً لشهداء المعارك، وتنصب نصباً تذكارياً للذي لا أثر له.. فهذا شأن الأمم، في تجسيد المعاني الشعورية والباطنية، على شكل حركة تذكارية مادية.

5. إن المؤمنين قسمان: هنالك طائفة من المؤمنين يهمهم العمل بظواهر الشريعة، بمعنى إتقان الرسالة العملية فقط.. والحال بأن دائرة الدين أوسع مما في الرسالة العملية!.. ولا شك أن الرسالة العملية تتناول قسماً كبيراً من السلوك اليومي، ولكن ليس في الرسالة فتاوى بالنسبة إلى المراقبة الباطنية!.. كمراقبة فضول النظر، وفضول القول.. فهذه الأمور التكاملية لا يتطرق إليها الفقيه، لأنها ليست بواجبة.. فالفقيه يذكر الواجب، والحرام، والمكروه، والمستحب.. أما الأمور التكاملية فيتكفل بها علم آخر، هو علم الأخلاق، العلم الذي يتناول السلوك الدقيق، والسلوك الذي ينبغي أن يكون مطابقاً لرضى الله -عز وجل- حتى في مجال المباحات.

6. إن الإنسان الكامل، والولي الواصل أحكامه أربعة: أما المباح فلا مجال له في حياته.

7. إن السياحة هذه الأيام مكلفة، سواء في أدوات النقل، أو في مكان النزول، أو فيما يلتهي به الناس في أسفارهم.. ولكن هنالك محطة مجانية، يمكن أن يتخذها الإنسان مجالاً للسياحة، لأجل أن يروّح عن نفسه، وبلا كلفة مالية -بل حتى بدنية- فبإمكانه أن يسيح في عالم جميل جداً.. وهذه السياحة موطنها عقيب الصلوات الواجبة والمستحبة، وفي حال السجود وفي جوف الليل.

8. إن البعض يتحير فيما يفكر في صلاته، وأين يتجه؟.. فيستحضر منظر الكعبة مثلاً، أو المسجد الحرام...الخ.. وفي الواقع إن هذه الصورة المادية لا تجلب له الخشوع، ولطالما رأينا بعض الحجاج والمعتمرين، وهم في جوف الكعبة أو بجوارها، ويعيشون حالة السرحان المعهودة المعروفة في أوطانهم.

9. إن المزاح والهزل ومفاكهة الإخوان، من المسائل المطروحة، ومما ينبغي أن يعلق عليها.. فهناك صنف من الناس لا يمازح أحداً، ويغلب على حياته حالة الجدية الخشنة أو القاسية دائماً -سواء في تعامله المنزلي، أو في تعامله مع الناس.. ومن الطبيعي أن هذا الوجود، وجود غير مألوف.. فالإنسان الذي لا يألف ولا يؤلف، والذي لا تعلو عليه الابتسامة في الموضع المناسب، من الطبيعي أنه لا يحتمل، وخاصة في الوسط الذي يحتاج إلى شيء من حالة الأريحية وبث جو النشاط.. فمن الخطأ أن يكون تعامل الإنسان مع الطرف المقابل، من باب الجبر الاجتماعي.. فالزوجة -مثلا- تتحمل زوجها لأنها بحاجة إليه، فيما يجلبه إلى المنزل من طعام أو شراب، وهذه الحالة حالة سيئة جداً.

10. إن المؤمن وجوده مطلوب في حد نفسه، سواء كان معطاءً أو غير معطاء.. ولهذا نلاحظ بأن الإنسان المؤمن، عندما يذهب من هذه الدنيا، وتنقطع صلته بمن تحت يده، يبقى على وضعه من حيث أن ذكره يبقى في قلوب الناس وفي عقولهم، فإنه يذكر بخير، لأن الذات ذات لطيفة رقيقة مما يتعلق به الحب البشري.

11. إن من الاصطلاحات التي نسمعها في التراث القرآني، والتراث الروائي مسألة الاستدراج "الاستدراج بالنعم".. فالبعض يظن بأن توالي النعم عليه، من نعم الله عز وجل، التي يراد بها إكرام العبد.. والحال هو أنه لا تلازم بين وفور النعم، وبين كون العبد من المقرّبين إلى الله سبحانه وتعالى.. فالإنسان المؤمن إذا استغل النعم المتاحة لديه، فيما يقربه إلى الله عز وجل، فإن هذه من النعم المحمودة، والتي لا توصف بأنها نعم استدراجية.. ولكن المشكلة في ذلك الصنف من النعم، الذي يكون أداة لاسترخاء العبد، واستغلال تلك النعم فيما لا يرضي رب العالمين.. فهذا نوع من المكر الإلهي للعبد.

12. إن النعم الإلهية شكرها من سنخها، وإذا أردنا أن نشكر الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن يكون الشكر من سنخ تلك النعمة.. فنعمة المال شكرها؛ بإعطاء ذلك المال للمحتاجين من المؤمنين والمؤمنات.. ونعمة العلم شكرها؛ بمحاولة إدخال الهدى الإلهي في القلوب المتعطشة إلى ذلك العلم.. وهكذا بالنسبة للسمعة والمكانة وغير ذلك.

13. إن مما ينبغي أن نلتفت إليه، أن النعم سريعة الفرار (أحسنوا جوار النِّعم، واحذروا أن تنتقل عنكم إلى غيركم؛ أما أنها لم تنتقل عن أحد قط فكادت ترجع إليه).. فالذي لا يشكر النعمة؛ فإنها في مظان الزوال.. (نعمتان مجهولتان: الصحة، والأمان) فلطالما أمضى الإنسان الساعات الطويلة في حال الغفلة والسهو، وهو في أتم صحة، وفي فراغ.. ولكنه عندما يكون على فراش الموت، أو على سرير المستشفيات، حينئذ يتذكر تلك الفرص النادرة، التي كان بإمكانه أن يحرز من خلالها أعلى درجات القرب من رب العالمين.

14. إن مسألة الموت تُعد من أعقد المسائل، التي واجهت الفكر الإنساني في مختلف مراحله، حيث كانت ولاتزال مثيرة للقلق والحيرة لدى الفلاسفة والمفكرين، لما فيها من الغموض والإبهام.. وقد اتجهت التيارات الفكرية بشكل عام في اتجاهين متعاكسين وهما: الفكر المادي الجاهلي، الذي يرى أن الموت هو الفناء الأبدي، ولاشيء بعده.. أما الفكر الآخر، فهو الفكر الرسالي الإلهي، الذي يرى أن الموت هو امتداد لحياة الإنسان، وبداية لعالم جديد.. إنه غاية الحياة، وكمال نظامها، وهو من مصاديق العدل الإلهي.. إنه نهاية لمرحلة معينة من حياة الإنسان، وبداية لمرحلة أخرى لها قوانينها الخاصة.

15. إن الإيمان بالحياة بعد الموت، مرتبط بعقيدة المعاد، التي هي إحدى أصول العقيدة الإسلامية، التي من أنكرها خرج عن كونه مسلماً.

16. إن الموت يمثل نهاية الحياة الدنيا بكل آمالها وطموحاتها، لذا يثير حالة الرعب لدى الإنسان، خوفاً من أن يفقد كل ما يملكه.. سئل الإمام الحسن (ع): يا بن رسول الله!.. ما بالنا نكره الموت، ولا نحبه؟.. قال الحسن (ع): (إنكم أخربتم آخرتكم وعمّرتم دنياك..، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب).

17. إن مدارك الإنسان محدودة جداً، فرغم غزارة الآيات والأحاديث، التي تتحدث عن فترة ما بعد الموت، إلا أنها يبقى يلفها الغموض وعدم الوضوح، بسبب ضيق أفق الإنسان، واختلاف المقاييس.. وبالتالي، فإن صعوبة رسم صورة جلية في مخيلته لما يرتقبه من أحداث ووقائع، مما يثير الخوف لديه.

18. كلما كان الإنسان بعيداً عن الله تعالى، كلما كان تمسكه بالحياة الدنيا أكثر، وخوفه من الموت أكبر (إذا كنت في إدبار، والموت في إقبال.. فما أسرع الملتقى!..) (من طلب الدنيا طلبته الآخرة، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته).

19. إن الفكر الإسلامي يزخر بالكثير من المفاهيم والعقائد، التي تعطي رؤية وتصوراً، لما يحدث بعد الموت.. لأجل الحث على التأهب التام لتلك المرحلة مما يهون مسألة الموت، ويحوله من حالة سلبية في الحياة إلى حالة إيجابية.

20. إن الإيمان بأن الموت انتقال من دار إلى دار: (لم تخلقوا للفناء، وأنما خلقتم للأبد والبقاء، وأنما تنقلون من دار إلى دار)، وأن هذه الدار ستكون للمؤمن المتقي خير دار صنعها بنفسه، بعيدة عن الظلم والعدوان، وكل أنواع الشرور؛ مما ينفي أو يخفف الخوف من الموت.

21. إن في خلق الموت حث على حسن العمل، وحتى تهون علينا مصائب الدنيا {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}، الله -تعالى- هو أرحم الراحمين وأجود الأجودين، وقد اختار لنا الرجوع إليه بعد رحلة الحياة، وهو سبحانه الذي سيتناول هذه الأنفس وافية تامة، ويحيطها برعايته.

22. إن الإيمان بأن الموت والحياة عمليتان متداخلتان ومتعاقبتان، وأن من يميتنا قادر على إحيائنا، وأن الموت يأتي للإنسان في وقته، بعد أن يستوعب الإنسان مقدماته غالباً؛ فإن ذلك من موجبات عدم الخوف من الموت.

23. ينبغي أن يكون هناك وعي دائم للغاية الحقيقية من الموت: وهي الاختبار والابتلاء.. فمن علم أن هناك نهاية لا مفر منها، وحساباً وجزاء على الأعمال، فإن عليه أن يستعد لذلك، ويعمل بجد لآخرته، ولا يغتر بالدنيا، ولا يركن إليها، فهي زائلة لا محالة.. وليعلم أن البلاء له في الدنيا أفضل من الحساب في الآخرة، وأنه مقياس لدرجة إيمانه (أشد الناس بلاء أهل الخير والصلاح، بعد الأنبياء والرسل).

24. إن مسألة الشعور بخطر الموت والخوف منه، هي من أكبر مسببات القلق والخوف في الحياة.. إلا أن إدراك حقيقة الموت، تقلل من ذلك القلق والشعور بعدمية معنى الحياة.. فالموت ما هو إلا محطة من المحطات العديدة في حياتنا، ولا يمثل النهاية الأبدية مطلقاً، وإنه من رحمة الله تعالى بالمؤمنين خاصة، ليجدوا ثمرة أتعابهم وجهودهم الخيرة (اجعل صومك الدنيا، وفطرك الموت).. وبذا يتحقق في نفس الإنسان الرضا والطمأنينة، ويحل محل الحزن والقلق.. لذا علينا أن نجهد أنفسنا، لنكون حقاً من المؤمنين الفائزين في الدنيا والآخرة {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

25. إن أصل الابتلاء مسلّم، حيث أنه يكون بشيء من الخوف، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.. ولكن درجات الابتلاء تختلف: قد يكون الابتلاء بالنفس، أو بالمال، أو بأي شيء آخر؛ الأمر إلى الله عز وجل.. وعلى الإنسان ألا يعتقد بأنه سيعيش الراحة المطلقة في هذه الدنيا.. فالناس يطلبون الراحة في الدنيا، وقد خلقها الله عز وجل للآخرة.. وعليه، فإن على الإنسان أن يكون مستعداً في كل وقت، لتحمل البلاء الإلهي.

26. إن الإنسان في بعض الأوقات قد تكون المصيبة في بدنه، فيزداد قرباً إلى الله عز وجل.. وقد تكون في ماله وفي وظيفته، فيزداد التجاء والتصاقاً بعالم الغيب.. فكيف إذا أصيب رأس مال الإنسان؟!.. أي إذا أصيب أصل الوجود بآفة في هذا المجال، وأصبحت المصيبة في دين الإنسان (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا!.. ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)!.. فعندئذ على الإنسان أن يطلب من الله -عز وجل- العافية في الدرجة الأولى: في أن لا تتسلط الشياطين على عقله، ودينه، ومنهجه الإعتقادي في هذه الحياة.. وأيضاً يطلب من الله العافية في كل الأمور، لأن حقيقة النفس غير الكاملة، من الممكن أن تزيغ، وأن تنحرف عن الطريق، عندما يبتلى بشيء من النقص في شيء من هذه المجالات، كما هو مجرب.

27. إن الشهيد عندما يقتل في سبيل الله عز وجل، فإنه ينتقل إلى عالم البرزخ.. والله -عز وجل- يعطي الهبات التي لا تخطر في البال، لهذه الروح التي قدمت نفسها في سبيل الله.. فالشهيد له رزق متصل من قِبل الله عز وجل.. الروح هاجرت هذا البدن الذي تقطّع في سبيل الله عز وجل، وارتفعت إلى مقعد الصدق عند المليك المقتدر.

28. إن الشهيد قدّم بدنه عرضة للسيوف في سبيل الله عز وجل.. ولكن المعصوم بجهده، قدّم نفسه لله عز وجل، قبل أن ينتقل من هذه النشأة.. فإذن، إن الشهيد عند الله يرزق، فكيف بمن صار شهيداً قبل أن يصبح شهيداً؟!.. والإنسان لا يكاد يستوعب المقامات العليا، المدخرة لذوات الأنبياء والأوصياء (ع).. فإذا كان الشهيد حيا يُرزق، فكيف بإمام الشهداء؟!.. وكيف بنبي الشهداء؟!..

29. يقول القرآن الكريم: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ}.. لعل الآية في مقام بيان جهة الاستقلال في الصلاة، فلكل أمة وجهة تتولى إليها في قيامها بين يدي الله عز وجل.. ولكن من الممكن أن ينتقل المرء من هذه الآية إلى حقيقة مهمة من الحقائق.. وهذه الحقيقة تتمثل في أن لكل إنسان أيضاً وجهة في هذه الحياة، فعلى الإنسان أن يدرس ملكاته، وما الذي يمكن أن يقدمه لله وللشريعة.. فمثلاً: إنسان آتاه الله القدرة على استيعاب علوم الدين، فلماذا لا يفكر الأب -عندما يرى في ولده بادرة طيبة، وقابلية علمية، وسلامة نفسية- في أن ينصر دين الله -عز وجل- من خلال هذا الولد، وفي أن يجعل وجهته في الحياة هذه الوجهة.

30. فلينظر الإنسان: ما هي الملكات، وما هي الرغبة، وما هو الذوق الذي يغلب عليه؟!.. وليحاول أن يخدم الإسلام من تلك الزاوية {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ}.. إن الطريق واحد، وإن تعددت السبل.. والطريق هو الطريق الجامع، فكل إنسان يسير في قسم من هذا الطريق.. أما المنحرف فهو الذي خرج عن هذا الطريق العام.. وكذلك المنحرف من خرج عن السبيل الخاص إلى سبيل دونه، وإن كان ذلك السبيل في الطريق العام أيضاً.

31. إن مَن أمكنه أن ينصر الإسلام بعلمه وبلسانه، وأن يكون مرجعاً من مراجع المسلمين؛ ولكنه عدل عن ذلك، وأصبح تاجرا، ليخدم الحوزة والإسلام بماله؛ فهو ما زال في الطريق العام، ولكنه ترك السبيل الأفضل.. فمن المناسب جداً أن يطلب الإنسان من ربه أن يريه أقرب الطرق إليه، وأن يقطع عنه كل شيء يقطعه عنه، وإن كان ذلك الأمر أيضاً محبوباً.. فما دام هذا الخير يصد العبد عن الخير الأعظم، فليس هذا بخير واقعاً.. إنه خيرٌ في حد نفسه، ولكن ليس بالخير المطلق، وليس بذلك الخير الذي ينبغي أن يصبو إليه الإنسان.. وعليه، فإن على الإنسان أن يكون دعاؤه في جوف الليل، وغير جوف الليل، وفي ساعات الاستجابة: (اللهم!.. أرنا الأشياء كما هي).

32. إن هنالك بعض البدايات المخيفة في ذهن الإنسان وفي عقله، فإذا رأى أحد في وجوده ميلاً إلى الحرام، ورأى في نفسه تشكيكاً لأصل من الأصول، فليبادر إلى تنقية الوضع.. فإن هذا الميل إلى الحرام، من الممكن أن يشتد إلى مرحلة العزم والرغبة الأكيدة.. فهنالك ممن سرقوا الملايين، وكانوا قد بدءوا بالدرهم والدرهمين.

33. إن من الممكن تعريف قسوة القلب بشكل عام، بأنها حالة من الجمود العاطفي، وفقدان التفاعل مع حدث أو موقف معين، وقد تختلف شدة التأثر وردة الفعل، تجاه حدث معين باختلاف العقيدة والبيئة ووجهات النظر.

34. إن البعد عن الله عز وجل، وعدم استحضار الوجود المطلق في حياة الإنسان، وعدم ذكره -تعالى- على كل حال؛ مما يسبب قسوة القلب عند الإنسان، دون أن يشعر بذلك.. فإذا ذُكر الله عنده، وقُرئ القرآن، ازدادت قسوته بدلاً من أن يتفاعل ويخشع.. وقد ورد عن المسيح (ع) أنه قال: (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فإن الذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله، قلوبهم قاسية، ولكن لا تعلمون).

35. إن كثرة الذنوب والمعاصي، واتباع وساوس الشيطان، مما يسبب ظلمة في النفس، وقسوة في القلب {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ}.. إن تتابع الذنوب وكثرتها، تجعل النفوس مرتعاً للشيطان، ويبعدها عن رحمة الله عز وجل (فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، وأجسام محشوة بسخط الله ولعنة الرسول، قد عشش فيها الشيطان وفرخ).

36. إن البعد عن الله، وارتكاب المعاصي، واتباع الهوى؛ يتسبب في إنزال العقاب الإلهي، المتمثل في إغفال القلب: أي إقسائه {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} { بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. وهذا من أشد العقوبات على الإنسان، حين يطرده الله من رحمته، فيقسو قلبه، ويلقى الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة.

37. إن آفة العجب والشعور بالكمال -الزائف- من أقبح الوسائل والحيل النفسية، التي يوسوس بها الشيطان للناس بشكل عام، وللمؤمنين بشكل خاص، ليبعدهم عن طريق الهدى، وليتوهموا أنهم يقومون بالأعمال العبادية على أكمل وجه.. وبذا يضعف هاجس الخوف عندهم، من عدم قبول تلك الأعمال.. وبالتالي يفقدون التفاعل معها.

38. إن كثرة المشاغل والهموم الدنيوية، وعدم الاهتمام والانشغال بما بعد الموت، مما يسبب الغفلة والقسوة عند الإنسان (فالقلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، سالكة في غير مضمارها.. كأن المعنيّ سواها، وكأن الرشد في إحراز دنياها).

39. كلما تقرب الإنسان إلى الله -عز وجل- أكثر، اقترب من مصدر الخير والرحمة، حيث يشمله الله بعنايته، ويفيض عليه من خيره (عبدي تقدم إلي خطوة، أتقدم اليك خطوتين)، وبذا يهديه الله، ويختاره لدينه، ويوفقه للعبادة والخشوع.

40. إن المؤمن عليه ذكر الله -تعالى- في الشدة والرخاء، وفي كل وقت.. سواء عند أداء العبادات الواجبة، أو عند القيام بالأعمال الحياتية المختلفة، وذلك بالنية الخالصة، بأن تكون تلك الأعمال كلها لله تعالى، ولا نكون من الذين تحول قسوة قلوبهم دون التضرع إلى الله تعالى، فيتعرضوا لسخطه -تعالى- وعذابه {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.. ومن أهم أنواع الذكر قراءة القرآن، الذي جعله الله عبرة لمن يرق قلبه، ويتأثر بالإنذار {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}.

41. إنه ينبغي للمؤمن الدعاء والإلحاح على الله -تعالى- في أن يهبنا رقة في القلب، ويشرح صدرنا للدين القويم.. كذلك ندعوه -جل شأنه- أن يرزقنا رحمة وتحننا، كما وهبها لأنبيائه (ع): كنبي الله نوح (ع)، الذي دعا لولده وأهله رغم عصيانهم.. وكذلك يحيى (ع)، الذي وهبه الله حنانا ورقة قلب، بفضل أعماله الصالحة، وبره بوالديه، وعدم تكبره وتطاوله على الذات المقدسة.

42. يجب عدم الانشغال التام بالأمور الدنيوية، بل ينبغي القيام بها دون إفراط أو تفريط.. وكذلك تعويد النفس على الصبر على الملاذ.. قال الإمام الصادق (ع): (طلبت رقة القلب فوجدتها في الجوع والعطش).

43. ينبغي التركيز عند أداء العبادات، واستحضار الخوف من الله -تعالى- عند المثول بين يديه، ومحاولة إيجاد وسائل تعيننا على التركيز، كتغيير السورة القرآنية عند أداء الصلاة مثلاً، وإتيان التعقيبات، وأداء النوافل، والصيام المستحب، وغيرها من الأعمال الاختيارية التي تقرب الإنسان إلى الله أكثر، وتشعره بلذة القرب والمناجاة، وتزيد من خشوعه وخضوعه لله تعالى.

44. يجب تعويد النفس على الرحمة والترحم -أي إظهار الرحمة- وذلك من خلال التعامل اليومي مع الناس، وخصوصاً الرحمة بالوالدين والأولاد، لما لذلك من الفضل عند الله عز وجل.. فالإنسان إذا رحم إنساناً حصلت عنده رقة، فإذا توالت تلك الرحمة فإنها تصير كالملكة.. ورد في دعاء الصباح عن أمير المؤمنين (ع): (واْفتح اللهم لنا مصاريع الصباح، بمفاتيح الرحمة والفلاح).. ومفاتيح الرحمة هي رقة في القلب، تقتضي الإحسان إلى الناس.

45. إن تذكر الموت والحشر والحساب، يحدث عند الإنسان اللين والخشوع، ويوجب رقة القلب (كفى بالموت واعظاً)!..

46. إن البعد عن الله عز وجل، وكثرة الذنوب والمعاصي، هي من أشد موجبات قسوة القلب.. فذكر الله تعالى، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة، يوجب رقة القلب واللين والخشوع، وهذا يتطلب توفيقاً من الله تعالى، لمن أخلص النية وعزم على التوبة.

47. ما أجمل الصلوات عند قبر النبي المصطفى صلى الله عليه وآله!.. ومن أفضل صيغ الصلوات عليه وآله، هذه الصيغة الواردة: "صلوات الله، وصلوات ملائكته، وأنبيائه، ورسله، وجميع خلقه؛ على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم، ورحمة الله وبركاته".. فمن الملاحظ أن الصيغة أجمع صيغة، والكيفية أفضل كيفية، أي السلام والرحمة والبركات على النبي وآله من الله والملائكة، ومن الخلق أجمعين!..

48. إن على المؤمن أن يعلم، ما هي الآداب المعنوية لزيارة المعصومين (ع)، وعلى رأسهم النبي المكرم صلى الله عليه وآله، الذي اتصف بصفة لم يشترك معه فيها أحد من الخلق.. ألا وهي المحبة: فقد كان موسى (ع) كليم الله، وإبراهيم (ع) خليل الله، وعيسى (ع) روح الله، وكان النبي المصطفى (ص) هو حبيبه.. وصفة المحبة أرقى من جميع الصفات.. فقد وصل النبي -صلى الله عليه وآله- إلى درجة في الدنو من الله عز وجل -ليلة المعراج - لم يشترك معه أحد في هذه الدرجة.. فجبرائيل (ع) الذي كان يرافقه قال: (لو تقدمت قيد أنملة لاحترقت)، وهو سفير الله في الأرض.

49. إن على الزائر أن يكون واعياً، حتى يصدق عليه مسمى زائر.. وعليه أن يعيش حقيقة، أنه بين يدي المعصوم (ع)، وأن يكون مستحضراً النية التفصيلية.

50. إن حال النبي -صلى الله عليه وآله- في حال حياته، مثل حاله بعد وفاته.. فلا فرق بين الإنسان الراجل والإنسان الراكب.. النبي -صلى الله عليه وآله- كان في هذه الدنيا مقترن ببدنه، وفي الثامن والعشرين من شهر صفر ترجل من بدنه، وذهب إلى المليك الأعلى.. لذا، فإن حقيقة النبي (ص) هي نفس الحقيقة المحمدية الصافية.. وعليه، فإن على المؤمن أن يعلم هذا الأمر جيداً، فإن الشهداء أحياء عند ربهم.. والنبي (ص) هو نبي الشهداء، فهل يمكن أن يكون -صلى الله عليه وآله- أقل منهم؟!.. ولازمة الحياة السمع (أشهد أنك تسمع كلامي....) فإذن، إنه يسمع كلامنا، ويحيط علمه بنا.

51. إن مَن يحضر إلى المشاهد المشرفة، عليه أن يختار من المائدة الربانية ما يناسب مزاجه.. سواء قراءة للقرآن، أم زيارة للمعصوم.. فالمهم هو التوجه القلبي، ومن أفضل صور الزيارات في هذه المشاهد: التفكر، والتدبر، والتأمل.. قال رسول الله (ص): (فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة).. وفي حديث آخر: (تفكّرُ ساعة، خير من عبادة ستّين سنة).

52. إن من الآداب الكبيرة لزيارة المشاهد المشرفة: على الزائر أن يعاهد الله سبحانه وتعالى، ألا يعود إلى ما يسخطه تعالى.. وأن تكون هذه الزيارة ناسخة لكل الأباطيل السابقة.. وعلامة الزيارة المقبولة، أن يتغير الإنسان بعد رجوعه من الزيارة.. فحالات التألق من البكاء والحنين، إذا لم تقترن بالتوبة والإنابة، والتغير الصادق، وتغيير السلوك، فما قيمة ذلك؟!.. فإذن، إن المقياس هو التغير والمعاهدة، وأن تكتسب من تلك الذوات الطاهرة الصفات التي يتميزون بها.. ومن أهمها صفات العبودية لله -عز وجل- في أوسع صورها، فهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه بسبب عبوديتهم لله سبحانه وتعالى.

53. إن شدة الإقبال عند الزائر تكون في الزيارة الأولى والزيارة الأخيرة.. وعليه، فإنه من المناسب أن يستغل زيارة الشوق وزيارة الفراق، ويحاول أن يحضر في نفسه المعاني التي تثيره من مصائب أهل البيت (ع).

54. إن على الإنسان أن يكون مراقباً لنفسه ولسلوكه طوال الزيارة، ومنذ خروجه من سكنه.. فمن توفق للمراقبة في فترة الزيارة القصيرة، فإنه من المرجو أن يستمر في المراقبة لنفسه عند الرجوع إلى وطنه.. ويخشى على الذين يذهبون إلى هذه الأماكن، ويعودون بعدها إلى المعاصي، يخشى عليهم من ختم القلب، ومن إتمام الحجة عليهم يوم القيامة.. قال الباقر (ع): (... وإنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره).

55. بما أن الوضوء حالةٌ متكررة في حياتنا اليومية، فمن المناسب أن نعلم بعض الأحكام، وإن كانت واضحة.. البعض -مع الأسف- يخلط بين النية القلبية وبين النية اللفظية.. فأصولاً: النية من أعمال القلب، فـ(لكل امرئ ما نوى) فهي عمل في القلب.. وعليه، فإن الإنسان إذا أظهر ما في قلبه على لسانه فلا بأس، وإذا لم يظهره فإن هذه النية موجودة، بمثابة خزّان من الماء.. فمن المعلوم أن الماء موجود في الخزان، فإذا فتح الصنبور هذا الماء يظهر، وإلا فهو موجود، ولكنه مخزون.. والنية كذلك.

56. إن من المناسب أن يلتـزم الإنسان -ولو في بعض الأوقات- بأدعية الوضوء.. فالوضوء عبارة عن عملية مائية، أشبه بالغسلة الصباحية للوجه، فإذا لم يجعل في الوضوء هذه الأدعية، فإن القضية تبقى في إطار الحركة البدنية.. أما عندما يصب الإنسان الماء على وجهه، فبدلاً من النظر إلى المرآة، فإنه ينظر إلى وجه الله -عز وجل- ويقول: (اللهم!.. بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه).. وهو في الحمام، وإذا به ينتقل إلى عرصات يوم القيامة.. حيث أن الوجوه تسودّ يوم القيامة!.. إنها تسودّ عندما يجعل هذا الوجه أمام امرأة أجنبية، وبنظرةٍ مريبة.. فسواد الوجه في الآخرة، يأتي من الدنيا.. وعندما يتوضأ فيتذكر ويقول: (اللهم!.. لا تسوّد وجهي...) وإذا ذهب إلى السوق بعد الوضوء، فإنه يقول: لقد قلت منذ قليل: اللهم!.. لا تسوّد وجهي.. وسواد الوجه هذا يأتي من السوق، ومن السيارة، ومن المكتب.

57. إن القرآن الكريم يعبّر عن نور المؤمن فيقول: {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.. من أين جاء هذا النور يوم القيامة؟!.. إن هذا النور هو نور عمل ليلة الرغائب، ونور عمل أم داود، ونور صلاة الليل.. فكل نور، وكل ظلمة في عرصات القيامة، إنما يأتي من ذلك النور، وتأتي تلك الظلمة من أعمالنا في الحياة الدنيا.

58. إن من صفات الله عز وجل، أنه هو المعطي.. فالله -سبحانه وتعالى- هو أوسع المعطين، يعطي من سأله، ويعطي من لم يسأله.. ولهذا فإن الإنسان الذي له خاصية العطاء والصدقات والإنفاق، فهو متشبه بأخلاق الله عز وجل، وأكثر الناس إنفاقاً أقربهم إلى هذه الصفة الإلهية.. فالبعض يقول: إن الإنفاق الواجب فيه أجر، ولكن الإنفاق المستحب بالإضافة إلى الأجر، فإن فيه بعض الدرجات الكمالية، التي لا تعطى إلا بالصدقة المستحبة.. ولكن لماذا؟.. الجواب: لأن الإنسان غير ملزم بدفع الصدقة، ولكنه مع ذلك يقتطع من كدّ يمينه ومن قوت عياله، لينفق ذلك في سبيل الله عز وجل.

59. إن الشارع المقدس قد جعل المؤمن في توسعة من جهة الصدقة المستحبة: أي أنه عندما تعطي صدقةً إلى فقير، فإنه لا يجب التحقيق في فقره.. وقد ورد في الرسالة العملية، أنه ليس هنالك شرط الفقر في الصدقات المستحبة.. فالصدقة المندوبة تجوز على الغني، وحتى على الكافر الذمي.. فالكافر الذمي الذي في بلاد المسلمين، يُعطى من الصدقة المستحبة.

60. يستحب التوسط في إيصال الصدقة إلى المسكين: أي يوصل الإنسان مبلغاً من المال إلى المساكين عبر وسائط، وهذا أيضاً مطلوب.. قال الصادق (ع): (لو جرى المعروف على ثمانين كفّاً، لأوجروا كلهم، من غير أن ينقص عن صاحبه من أجره شيئاً).. فالكل يُعطى ذلك الأجر، لأنهم كانوا الوسيلة في إيصال هذا الأمر.

61. إن المؤمن عندما يعطي مبلغاً للفقير، فلا بأس أن يُقدّر هذه اليد؛ لأنها تقع في يد الرب، قبل أن تقع في يد العبد.. هذا المال يستقبله رب العالمين، لأن المؤمن الذي قام بدفع الصدقة يكون قد أحسن إلى عبدٍ من عباد الله تعالى.. قال رسول الله (ص): (الخلق كلهم عيال الله.. فأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ، أنفقهم لعياله).

62. ينبغي أن نفرق بين الموت والفناء، فإذا قيل: دار الفناء، فهو تعبير مجازي، إذ ليس هناك فناء في هذا الوجود.. حتى أن الجسم الذي -بحسب الظاهر- يفنى، فإن خلاياه تتحلل وتذهب، لتتحول إلى غازات أو ديدان أو ما شابه ذلك، كما هو معروف في علم الفيزياء والكيمياء، فهذه الجزيئات لا تفنى.. وأما الروح، فلا تتجزأ فإنها تبقى على ما هي.. فالأبدان تتحول إلى أشجار وإلى سماد وما شابه ذلك، ولكن الروح تبقى كما هي.. والإنسان عندما يموت، فإن روحه تنتقل من عالم إلى عالم آخر.. وإنه عندما يقال: بأن القبر إما حفرة من حفر النيران، أو روضة من رياض الجنة؛ فإنه لا يُقصد بها هذه الحفرة الأرضية، وإنما يقصد من ذلك المسكن الروحي.

63. إن البعض يشبه الموتى في عالم البرزخ، بالمرضى الذين في المستشفيات.. حيث أن المريض يهشّ ويبشّ، ويشعر بأنه قد أتاه الفرج، عندما يطرق عليه طارق من ذويه أو من أصدقائه، وخاصة إذا كان الأخ عزيزاً عليه، ومعه هدايا قيمة.. وكذلك الموتى في عالم البرزخ، فإنهم ينتظرون من الأحياء كل شيء، ولو حبة من تمر، ينفقونها في سبيل الله عز وجل.

64. إن العلاقات البشرية اليوم، قائمة على أساس المصالح الدنيوية الضيقة.. أما أن يجرد الإنسان أخاه من كل وصف، ومن كل عنوان دنيوي، ومن كل طمع مالي، ومن كل شيء سوى الله عز وجل.. أي أن يحبَّ الإنسان أخاه في الله عز وجل؛ فهذا من النادر جداً!..

65. إن علامة الأخوة في الله -عز وجل- أي الإنسان المؤمن لا يتوقع من أخيه شيئاً، بل يغتنم هو الفرص ليُسدي لأخيه معروفاً.. وإن رأى من أخيه معروفاً، يتحين الفرص ليردّ الكيل، أو يرد الأجر بأضعاف مضاعفة، فهذه هي صفة الإنسان المؤمن.

66. يقول الإمام الجواد (ع): (من استفاد أخاً في الله، فقد استفاد بيتاً في الجنة).. إن هذا ليس بأخ، وإنما هذا سلّم إلى الجنة، وهو مقاولك لأن يبني الله لك بيتاً في الجنة.. فيكفي في الأخ المؤمن أنه إذا رآك على باطلٍ، نصحك.. وإذا رآك في ضيق أو همٍ أو غمٍّ، أخرجك مما أنت فيه.. حتى أن الأمر يصل بالإمام علي (ع) إلى أنه كان يتأوه لفراق أحبته، ومن كان مَن خالص مودته.

67. لقد ورد عن الصادق (ع): (يأتي على الناس زمانٌ، ليس فيه شيء أعزّ من أخ أنيس، وكسب درهم حلال).. فمن وجد أخاً بهذه الصفة فليتشبث به، فإن هذا من كنوز الأرض.. والإنسان قد يرزق أخاً صالحاً، ولكن لسوء تصرفه، أو لغضبه، أو لمواقفه التي لا تطابق الشريعة، قد يُسلب هذه النعمة.

68. إن في روايات أهل البيت (ع): تارك الصلاة يعد كافراًً، والزاني لا يعد كافراً.. يقول مسعدة: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام): ما بال الزاني لا تسمّيه كافراً، وتارك الصلاة قد تسمّيه كافراً؟.. وما الحجّة في ذلك؟.. قال: لأنّ الزاني وما أشبهه، إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة وإنّها تغلبه).. فالله -سبحانه وتعالى- يعلم ضعف بني آدم، فإذا ارتكب الزنا، فلداعٍ في باطنه، ولو كان الداعي باطلاً.

69. يقول الإمام (ع): (وتارك الصلاة لا يتركها، إلاّ استخفافاً بها).. فلماذا يترك الإنسان الصلاة؟.. عندما يقدّم إنسانٌ كأساً من الماء لأخيه، فإنه لا يتركه إلا عندما يقول له كلمة شكراً.. فواهب هذا الوجود ألا يستحق الشكر؟!..

70. لماذا يقال: بأن الغيبة أشد من الزنا؟.. إن الزاني يقوم بذلك بدافع الشهوة، أما الغيبة فلماذا؟... ولماذا يكشف الإنسان ما ستره الله عز وجل؟.. فالمغتاب شأنه شأن الآخرين، له عيوبٌ مستورة.. فإذا جاز الشارع كشف العيوب المستورة، بدت عورات الجميع.. وإذا كان لأحدٍ الحق في أن يغتاب، فهو المعصوم -إذا كان له الحق- أما غير المعصوم، فلا حق له في الغيبة، فالإنسان له سوأته المستورة، فلماذا يكشف عن عيوب الآخرين؟!.. وإذا أراد الله لعبد فضيحة، كشفه ولو في جوف بيته.

71. إن من المناسب التدبر والتأمل في مضامين تعقيبات الصلوات والأشهر.. فالمشكلة أن الإنسان بعد فترة من تكرار التعقيبات المتوالية، لا يفقه تلك المضامين.. ولهذا لا بد من وقفة نفسية وفكرية، من أجل استيعاب المعاني الباطنية الدقيقة.

72. لا بد أن يكون العبد طامعاً، بل طمّاعاً حيث يقول: (أعطني بمسألتي إياك!.. جميع خير الدنيا، وجميع خير الآخرة).. فإذا كان الكريم بيده المفاتيح كلها، فلماذا النقص في الطلب؟!.. ولماذا اليأس من قضاء الحاجة؟!.. والعبد لا يقول: اللهم أعطني بفضلي، أو بمرتبتي، أو بكرامتي، أو بتقواي.. وإنما يقول: بمسألتي، أي أنا سائل.. والسائل لا يُسألُ عن جنسيته، ولا يُسأل عن وظيفته، ولا عن أصله وفصله.. والسائل إذا كان كاذباً يُطرد، أما إذا كانت عليه علامات الصدق، فيُعطى من دون تحقيق عنه.

73. يلاحظ أن في روايات أهل البيت (ع) حالة من المنطقية، واستعمال العقل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فالردع يأتي أحياناً من خلال التخويف بعذاب جهنم وما شابه ذلك -وطبعاً هذا يحتاج إلى يقينٍ عالٍ- فإن التذكير بعقاب النار، أو بنعيم الجنة، لا يؤثر في كل الأفراد.. ولكن الأسلوب المنطقي، أسلوبٌ مؤثر لكل ذي لب.

74. إن المؤمن قلبه كالمرآة الصافية، ولو رجعنا إلى دوافع الحقد والعداوة في حياتنا، فإنه قلّما يعود إلى الله عز وجل.. فإن النفسيات، وحب الذات، والوهم، وسوء الظن، والحالات الشيطانية، كل ذلك وراء عداوة الإنسان لأخيه الإنسان.. وإلا، فإن النادر من الخلق يجعل مقياس حبه وبغضه، هو الله عز وجل.. ولهذا فإن المتحابين في الله، يدخلون الجنة بغير حساب.

75. إن الشريعة جعلت عوضاً للإنسان الذي يقصّر في فرائضه، وذلك من خلال النوافل؛ فمن منا يصلي الصلاة المطلوبة؟!.. بل نكاد نقطع بأن غير المعصوم (ع) لا يصلي الصلاة التي يريدها الله عز وجل؛ تلك الصلاة التي لا يفكر فيها الإنسان بغير الله عز وجل.. فمن منا كذلك؟!..

76. إن الإنسان له القدرة على أن يحسّن من صلاته، ولكنه يتكاسل في أن يستحضر ذهنه وقلبه في ركعات محدودة.. فإذا لم يمكنه ذلك في الركعات الأربع، فلماذا لا يستحضر الإقبال في ركعة مثلاً، أو في سورة، بل في آية!.. فمن الممكن أن يستحضر ذهنه، على الأقل في تكبيرة الإحرام، ولكن الإنسان يتكاسل.

77. إن النوافل تعويضٌ جيد للنقص في الفرائض.. وعليه، فإنه من المناسب أن يأتي بها الإنسان قدر الإمكان.. فالبعض يظن أن النوافل كلٌ متكامل، فإذا لم يأتِ بها جميعاً، فعليه أن يتركها جميعاً.. والحال أن الإنسان له الحق في (التبعيض)، أي يأتي بنافلة الليل فقط، أو يأتي بركعتي الشفع والوتر فقط، أو يأتي بنافلة الظهر دون العصر وهكذا.. فالإنسان يختار من النوافل ما أمكنه ذلك.. حتى أن الفقهاء يقولون: (يجوز الإتيان بالنوافل في حالة المشي)، وهكذا سمحت الشريعة بأسهل الفروض وأقلها كلفة على المؤمن!.. فبإمكانه أن يأتي بالنافلة جلوساً -اختياراً- من دون أي عذر.. وبإمكانه أن يأتي بالنافلة بلا سورة، وبالاقتصار في الحد الأدنى من الركوع والسجود، والاكتفاء بالتسليم الواجب.

78. إن علينا أن لا نستهين بالنوافل.. فالإتيان بها دلالة أدق على عبودية الإنسان، لأن الفريضة في تركها عقاب؛ ولكن النافلة لا شيء من العقاب على تركها.. كم من الفارق بين الإنسان المتكاسل عن صلاة الصبح، وبين الإنسان الذي لا يتكاسل عن نافلة الليل؟!.. فهذا واجبٌ، يتركه البعض.. وهذا مستحبٌ، لا يتركه البعض.. وبينهما بُعد المشرقين!..

79. إن الإنسان إذا أراد أن يدعو الله عز وجل، فعليه أن يقطع النظر عن كل أجرٍ، حتى لو كان ذلك الأجر هو الحور والقصور .. فالذي يناجي رب العالمين، عليه أن يعلم أنّ هذه المناجاة هي تفضل إلهي (أن أذنت لي في دعائك ومسألتك)، وهذه المنّة من أعظم المنن الإلهية.. ويوم القيامة ألا يقول الله عز وجل لعبده: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}، أوَ ليس من الممكن أن يُعدّي الله -عز وجل- هذه المعاملة إلى الدنيا؟!.. فمَن يقول: يا الله!.. وهو غير مأذون فينخرس لسانه -مثلا-.. فهل كان الله عاجزاً عن هذه العقوبة؟!.. ولكن أعتى العصاة في الدنيا بإمكانه أن يقول: يا الله!.. في ساعة الحاجة والشدة.

80. إن كلمة اللعن في روايات أهل البيت (ع) تأتي في مقابل من يرتكب الحرام.. والمرتكب للحرام ملعونٌ -أي مطرود من رحمة الله- لا مطلقاً، ولكن بحسب ذلك المورد.. فالإنسان المفطر عمداً في شهر رمضان ملعونٌ، أي هو في شهر رمضان بهذه النسبة مطرود من رحمة الله، ولكنه إذا حجّ في تلك السنة، فإنه قد يدخل في الرحمة من هذا الباب.

81. لا داعي للاستغراب، إذا كان الجزاء في مقابل الدعاء الحقيقي.. فالإنسان الذي يقرأ دعاء كميل في ليلة الجمعة -عشرون دقيقة- وإذا به يُعطى من الكنوز ما لا يُعد ولا يُحصى.. وركعة واحدة من الجماعة لا يحصيها الملك، فهي ركعة ولمدة دقيقة، فما قيمة هذه الدقيقة؟!.. إن الأمر تفضلٌ إلهي، فالباب باب الفضل لا باب الأجر.. والباب باب التفضل، لا باب العدالة.. ولهذا نقرأ في الدعاء: (اللهم!.. عاملنا بفضلك، ولا تعاملنا بعدلك)!.. فإذن، إن الله -تعالى- فعّال لما يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.. وإذا أراد أن يعطي الأجور الخيالية مقابل الأعمال البسيطة، فمن الذي يمنع إكرامه وإفضاله؟!..

82. إن البعض قد يشتكي من ضيق الرزق.. وضيق الرزق نوعان: ضيقٌ مقدّرٌ، وضيقٌ قد يكون الإنسان مقصّراً فيه.. فإذا كان الضيق من الله عز وجل، فهذا الضيق هو كمال النعمة، وكمال المصلحة.. ولكن الإنسان يخشى، أن يكون ضيق المعاش لتقصيرٍ منه.

83. إن على المؤمن أن يحاول الاستقلال في المعاش.. فالقلب المضطرب بلقمة العشاء، وبتأدية الديون، وما شابه ذلك.. لا يتوجه بالعبادات.. فعلينا أن نسأل الله -تعالى- العافية، والكفاف، والاستغناء.. ونقول كما في الدعاء: (اللهم!.. لا تحوجني إلى لئام خلقك)!.. فقول العبد: لا تحوجني إلى خلقك، فهذا خطأ غير مقبول.. بل ليقل: لا تحوجني إلى لئام خلقك.

84. إن من طرق الشيطان لإبقاء الإنسان في أوحال المنكر، إلقاء حالة اليأس في نفس ذلك الإنسان.. فالشيطان يلقّن الإنسان: بأنك لا تستحق الرحمة الإلهية، فقد أمضيت عمراً في المعصية، فأكمل الطريق، ولا سبيل لك إلى العودة!.. إن هذا الكلام خلاف منطق الإسلام.. فهل هناك تاريخ أشد سواداً من الجاهلية؟!.. فقد كان الإنسان في الجاهلية مشركاً عابد وثنٍ، ويئد البنت، ويشرب الخمر، ويغير على قومه، ويزني... الخ.. ومن المعلوم أن الذين قاتلوا في بدر وأُحد وحنين، هم هؤلاء الذين عاشوا مآسي الجاهلية.

85. إن المؤمن لا يُخاف عليه، وهو في حال الإلتفات إلى نفسه.. فمثلاً: إن الإنسان الجبان، إذا كانت بيده قطعة من السلاح، فالطرف الآخر يخاف أنْ يقترب منه، لأنه في حال مواجهة.. أما أقوى الأبطال وأشجع الشجعان -إذا كان نائماً، أو مغمىً عليه، أو كان ذاهلاً- فإنه من الممكن أنْ يأتي طفلٌ صغير ليزعجه، أو حتى ليقضي عليه.. فهنالك حالات تمرّ على الإنسان المؤمن، يكون فيها كالبطل النائم، أو البطل المغمى عليه.. فهو بطلٌ، ولكنه في ذلك الوقت مغمىً عليه.

86. إن الإنسان إذا استولت عليه شهوة الغضب، وشهوة الجنس، فإنه يقوم بما لا يقوم به حتى الكافر.. إحذروا هذه الحالة الخطيرة!.. فإن صاحب الغضب لو كان بطلاً، فهو بطل نائم.. وما أسهل القضاء على الإنسان النائم، والمغمى عليه!..

87. إن من الملاحظ في عالم الطبيعة، وفي عالم الشريعة، وفي عالم الإرتباط بالله عز وجل، أنّ للمجاورة وللانتساب آثارها على الشيء.. ففي عالم الفقه مثلاً: إن الماء القليل إذا اتصل بالكُر، أصبح في حُكم الكُر، وإنْ كان قبل لحظات يُعد قليلاً.. وفي عالم الطبيعة كذلك، فمن الملاحظ أن المجاورة للرائحة الطيبة؛ موجبة لاكتساب الروائح الطيبة.. وفي عالم السياسة، إن الذي ينتسب إلى السلطان، ويُعد من حاشيته؛ فيصبح له حصانة وحُرمة ذلك السلطان.. فإذن، إن الانتساب للشيء في الفقه والطبيعة والسياسة وفي عالم العُرف، مما يعطي الشيء آثار ذلك المنتسب إليه.. فكيف إذا انتسب المحدود الممكن البائد الفقير، إلى ذلك المطلق اللامحدود القادر العليم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟!.. فالذي يريد أنْ يتشبه بالخالق جلا وعلا -وحاشا أنْ يكون له كفؤ في الوجود- عليه أنْ يرتبط به، بشكل من الأشكال.

88. مَن أراد أنْ يعطيه الرب مزية إضافية عن الخلق، أي يعطيه مزية في عالم الأنفس والآفاق، فعليه بهذا الانتساب الذي يوجب الخلود.. وهذا الانتساب لا يتم إلا عن طريق العبودية الخالصة، لله الواحد القهّار في كل شؤون المعيشة.

89. إن الخلافات العائلية كانت موجودة طوال التاريخ، والرحمية لا تستلزم الإنسجام دائماً.. فالإنسان قد لا ينسجم مع أبيهِ، أو مع أمهِ، أو مع إخوانه، أو مع أخواته؛ لأن الرحمية حالةٌ مفروضة.. ولو تُرك للإنسان الاختيار في أنْ يختار له أباً مناسباً، لاختار غير أبيه.. ولكن هذه الأمور إجبارية، فالإنسان لا حقَّ له في أنْ يختار أختاً معينة، أو أخاً معيناً.. ولذا فإنه من الطبيعي أنْ تنتج هذه الحالة من المشاكسة، وعدم الإنسجام.

90. إن الإسلام جاء ليؤكد على هذه النقطة، وهي أنّهُ لو وُجدت أرضية للخلاف بين الإنسان وبين أرحامه، فعليه أنْ لا يُحوّل ذلك أرضيةً للمقاطعة!.. ولهذا ورد التشديد في الإسلام والروايات على مسألة الأرحام؛ لأنّ الله -عز وجل- يعلم بأنّ الأرحام غير متجانسين.. ولعدم التجانس هذا، فإن أرضية الخلاف موجودة.

91. إن الإنسان قد يُبتلى بأزمةٍ منَ الأزمات، فيظن بأنه لا مخرج من تلك الأزمة.. وقد يضطر إلى اللجوء لعشرات الناس، وسؤالهم من أجل حلِّ مشكلته تلك، ولكن الكل يتفق أنّهُ لا خلاصَ مِنْ هَذهِ المُشكلة؛ لأن العقل البشري محدودٌ.. بينما القرآن الكريم يقول: {وَمَنْ يَتقِ الله يَجْعَلْ لهُ مَخرجاً * وَيَرزُقهُ مِنْ حَيثُ لا يَحتَسِبْ}.

92. إن عِمارة القلب من أفضل أنواع العمارة، ومن أسهل أنواع العمارة.. فالحج والعمرة يحتاجان إلى تحمّل الطريق والمال.. والعبادات ثقيلة: كقيام الليل، وصوم الصيف، وقيام الشتاء، كل ذلك يحتاج إلى مؤونة.. أما أنْ يفرِّغ المؤمن قلبه من كل الأغيار، فإن ذلك يحتاج إلى حركة دقيقة.. وما على الإنسان إلا أن يصمم على أنْ يُخرج من قلبه كل شيءِ سوى الله تعالى.. وكما قال الصادق عليه السلام: (القلب حَرَمُ الله، فلا تُسكِنْ حَرَمَ الله غير الله).

93. إن الناس يعيشون حالة الوهم في هذه الحياة، بمعنى أنّ هناك بعض الأمور التي لا تعد امتيازاً حقيقياً، ولكن الفرد يحسبه شيئاً، وهو ليس بشيء.. كأن يعطى إنسان رتبة عسكرية عالية، ويعد من كبار موظفي الدولة أو الوزارة.. وهو يعلم أنّه بعد سنوات سيؤول أمره إلى التقاعد، وأنه سيكون حبيس بيته إلى أنْ يموت.. وهذه المقامات الدنيوية، والدرجات التي على كتفيه، أو المسمّيات الوزارية، وما شابه ذلك، في طريقها إلى الأُفول.. فمثلاً: هل يكتب على القبر: هذا قبر فلان، الذي كان أخصائياً في جراحة المخ والأعصاب؟!.. إن الإنسان قد ينتابه شيء من السخرية إذا رأى ذلك، لأن هذا ليس من الأمور المتعارف عليها..

94. إن على الإنسان أنْ لا يُغَشْ في بعض الإمتيازات التي يحصل عليها في هذه الحياة الدنيا.. نعم، قد يكون للتخصص العلمي: الطبي، أو الهندسي وجه في ذلك.. ولكن الأسوأ من ذلك الانتماءات القبلية، كأن يكون الإنسان منتسباً إلى عشيرة معروفة.. فما قيمة هذه المعروفية في سجل رب العالمين؟!..

95. إن الإنسان عندما يتذكر بأنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فإنه سيعيش حالة من الذهول والخوف الشديدين.. لأن الدم -كما هو معلوم- يصل إلى كل جزء من أجزاء الوجود الإنساني، وإلا فإن ذلك العضو يموت.. فالشيطان ينفذ في العواطف والأفكار والسلوك كذلك، أي مثل الدم الذي يجري في كل عضو، حتى في الهواجس والميول الباطنية.

96. إن من مشاكل المؤمنين هذه الأيام، هو هذا التحول الغريب في القلوب.. حيث أنها تقبل تارة، وتدبر أخرى.. وترق تارة، وتغلظ أخرى.. وتستبشر برحمة الله -عز وجل- في بعض الحالات، وفي بعض الحالات تعيش شيئاً من حالة اليأس من الرحمة، فلا تكاد تكون على حالة واحدة.

97. إنّ الإنسان إذا كان في حالة مجاهدة، وفي حال كرٍّ وفرٍّ، وفي حال سقوطٍ وقيام.. وإذا كان كالسنبلة -كما في الرواية- تخرُّ تارةً وتستقيم أخرى.. ولكنه مراقبٌ لنفسه ويجاهدها، فهو على خير.. فالصلوات اليومية، ونافلة الليل، وكل هذه المحطات من أجل إرجاع الإنسان إلى نصابه.

98. عندما يعلم الإنسان أن النعمة من الله عز وجل، وأن نعمة الشكر من الله عز وجل أيضاً.. وهذا اللسان الشاكر، وهذا القلب الشاكر، كل ذلك من نعم الله عز وجل.. فإذا كان بهذا المستوى من الوعي؛ فهو شاكر لله حق شكره.

99. إنّ الإنسان المؤمن إذا بَلغَ في الإيمانِ درجة، فإنه يوآخذُ على كل حركةٍ وسكنة.. أما الإنسان الكافر الفاجر، فإن رب العالمين يؤخر حسابه إلى يوم لقائه.. ولهذا يلاحظ بأنّ أهلَ الدنيا وخاصةً الكفار، يعيشون في رغدٍ من العيش، كما يقول القرآن: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}.. أما بالنسبة إلى المؤمن، فإن الأمر ليس كذلك.

100. من الممكن أنْ لا يُقدّر أحدنا أبيه كما ينبغي، وعدم تقدير الأب يكون حياً وميتاً.. فالذي ينسى أباه ميتاً، والذي يعقُ أباه حياً، من الممكن أنْ تُسلب البركة من ذريته.. فيذهب من هذه الدنيا، وتذهب ذريته ولا أثر له في هذا الوجود.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج