100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن الكثيرين عندهم مشكلة بالنسبة إلى صلاة الفجر، ولعلًّ قلّ مَنْ يُوفق لأداء فريضة الفجر طوال السنة، وخاصةً في أولِ الوقت.. فالبعض عندما يستيقظ صباحاً وقد طلعت الشمس، فإنه لا يجد في نفسه أيّة مُشكلة، ويتمسك بالحديث المعروف، أو القاعدة المعروفة: إنّ الإنسان النائم لا تكليف عليه.. والحال أنّ من أدنى واجبات الإنسان عندما تفوته فريضة الصُبح، أنْ يعيش حالة من حالات الهمِّ والغم.

2. إذا قام الإنسان بكل مقدمات الاستيقاظ لصلاة الفجر، ولقن النفس تلقيناً مباشراً ومؤثراً، هذه المقدمات التي توجب اليقظة، ثم استيقظ بعد طلوع الشمس نادماً؛ فإنه من المناسب المبادرة إلى القضاء.. فالإنسان عندما يستيقظ، ويصلي صلاة الفجر مباشرة، فإنه متشبهٌ بالذين أدوا الفريضة في وقتها.

3. إذا فاتتك صلاة الصبح، وأردت أنْ تقضي، فليكن القضاء خيراً من الأداء.. فأنت عندما تؤدي صلاة الصبح، تؤديها وأنت متناعس متثاقل في أول الوقت.. وأما عندما تريد أن تقضي، فحاول أنْ تتقن القضاء: بأذان وإقامة، وتوجه وتركيز، وإطالة في القنوت والسجود.. فلعل هذه الصلاة القضائية أبلغ عند الله -عز وجل- من صلاة الأداء، مع اكتنافها بجوِ من الندامة، والإنابة إلى الله عز وجل.

4. إن مِنْ ابتلاءات المؤمنين العاملين، هو الابتلاء بالعُجب.. فالإنسان الكسول الذي لا يعمل لآخرته، لا يُصاب بآفة، لأنه ليس هنالك ما يُثير فيه العُجب.. وأما الإنسان الذي يعمل لله عز وجل، وله شيء من العبادات، والذي له بعض التوفيقات، فإن مثل هذا الإنسان من الممكن أنْ يُبتلى بالعُجب القاتل.

5. إن على الإنسان عندما يرى توفيقاً في حياته، عليه أن يشكر الله -تعالى- على هذه النعمة؛ لأنه {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة.

6. إن الإنسان في حياته اليومية، يعيش تارة حالة الحزن، والضيق، والإكتئاب، وعدم الإستبشار.. فإنه في هذه الحالة قد يكون -والله العالم- أقربُ إلى النجاةِ.. لأن الإنسان الحزين الكئيب، الذي له همُّ في الدنيا أو في الآخرة -رزق مقبوض، أو ديون مُستَوعِبة، أو حالة مرضية وأوجاع وآلام- من الطبيعي أن هذا الإنسان لا يفرغ لبعض المنكرات.. إذ أنه من المعروف بأن أهل المنكر فيهم حالة من البطالة والفراغ والتفرّغ، حتى أنه يلاحظ بأن أهل المعاصي عندما يُبتلون بنكبة مالية أو بدنية، يخففون من المعاصي.. ولكن في بعض الأوقات، يعيش الإنسان حالة الإسترخاء، فتراه فرحاً يضحك مستبشراً.

7. إن القرآن الكريم يقول: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفرَحوا}.. عندما يذكر الإنسان النكتة وراء النكتة، والضحكة وراء الضحكة، فلماذا هذا الفرح؟.. هل ترقى في الإيمان درجة؟.. أو هل عمل عملاً صالحاً؟!..

8. إن مسألة الإعتقاد بالإمام المهدي (عج) من ضروريات الدين، فالذي يُنكر مسألة الإمام المهدي (عج) فقد أنكر مُسلَّماً من أقوال النبي (ص) عند الفريقين.. صحيح أن هناك خلافاً بين الفريقين: هل أنّه سيولد في آخر الزمان، كما تقول العامة؟.. أو كما تعتقد الإمامية بأنّه حيٌ يُرزق من ذرية ومن نسل الإمام الحسن بن علي العسكري، هذه السلسلة التي بَشّرَ بها النبي صلى الله عليه وآله، كما في الصحيحين!.. ولكنه أمر مسلّمٌ به عند جميع المسلمين.. فالذي يعتقد بأمير المؤمنين، عليه أنْ يعتقد بالإمام الثاني عشر، بناءً على أنّ التوثيق تسلسلي.. وهذه السلسة إذا وثقنا بأولهم وصدقهم وارتباطهم بالوحي انتهى الأمر، وثبت الجميع على حدٍ سواء.

9. إن يوم الجمعة مِنَ المحطات المناسبة في إعادةِ عقدِ البيعة.. والإنسان من خلال مبايعةٍ، يُعاهد إمامه على نُصرته.. ففي الفقه عند البحث في وجوبَ رد السلام، يُشترط في الوجوب أمور ثلاثة: أولاً: لا بد من أنْ يكون المخاطَبْ حياً، فالميت لا تكليف عليه.. ثانياً: أنْ يكون سميعاً، فلو كان أصَماً، ولا يسمع السلام، فلا يجب الرّد.. وثالثاً: أنْ يكون حاضراً، فلو كان في غُرفةٍ أخرى وسلّمت، لا يجب عليه الرد.. إذا وُجِدَتْ هذه الخواص الثلاث: الحضور، والإستماع، والحياة، وَجبَ الرّدُ.. وتطبيقاً لذلك: فإن المعصوم -سواءً في ذلكَ النبي أو الوصي- حيٌ عند الله مرزوق، فهذه الروح انتقلت من عالم إلى عالم، وليس هنالك فناء أبداً.. ومن ناحية فهو يسمعُ بإذن الله عزّ وجل.. وثالثاً يشهد المقام، وهو حيٌ حاضر.. وعليه، فالإمام صاحب الأمر (عج): حيٌ، حاضرٌ، ويسمع.. فمثلاً: إن رؤية ما وراء الجدار بآلاف الأميال، هذه الخصوصية نسبت لأحد الصحابة في قصة (سارية الجبّل).. وعليه، فإن معنى ذلك، أن هذه الحركة مأثورة في حياة المسلمين، أي أن تُنسب هذه الخاصية لإنسان.. فإذن، على المؤمن في يوم الجمعة وفي باقي الأيام، عليه بتشديد الإلتجاء له.

10. إن الإمام (عج) موجود في مكان غير معين، ولا يمكن اللقاء به فِعلاً في زمن الغيبة.. فهب أنّ الإمام له قصر في إحدى الجبال، ولا يمكن اللقاء به!.. فما الفرق بين الحضور مع عدم إمكانية اللقاء، وبين الحضور مع إمكانية اللقاء، مع تغيّب المكان المعهود؟.. فالأمر واحد، ما دمت تعتقد بوجوده وأنّه موجود، وجبت عليك تكاليف كثيرة، ولا فرق في ذلك أبداً!.. ولكن المشكلة هي مشكلة اليقين، فلو وُجد اليقين في قلب إنسان، فإن احتجابه عن أعين رعيته، لا يُعد هذا مُشكلا ًومانعاً من شدة الإلتفات والإلتجاء إليه!..

11. إن لله -عز وجل- تصرفات في عالم القلوب، يقلب القلوب إيجاباً أو سلباً، حزناً أو فرحاً، إلقاء في الروع أو ربطاً على القلب، أو عكس ذلك.. ولئن كانت المعجزات قد انسدت أبوابها في هذا العصر مثلاً، لعدم وجود ذلك التحدي، فإن الانفتاحات القلبية والواردات الفؤادية بابها مفتوح إلى الأبد.. فليسأل الإنسان ربه -عز وجل- أن يفتح عليه هذه الأبواب، ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار!.. يا مدبر الليل والنهار!.. يا محول الحول والأحوال!.. حول حالنا إلى أحسن الحال بجاه محمد وآله الأطهار) .

12. إن الله -سبحانه وتعالى- إذا أراد أن يتصرف تصرفاً، فإن تصرفه يتجاوز قلوب الأصدقاء ليصل إلى قلوب الأعداء.. فيرجى مراجعة القرآن الكريم، حيث يقول: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}.. وعندما يأتي الإمام المنتظر (عج) فإن الرعب سيسير أمامه، إذ أن من جنوده الرعب.

13. إن البعض يستغرب عندما يسمي أحد اسماً فيه كلمة عبد.. وفي الحياة اليومية يطلق على صاحب البيت: رب الأسرة.. فإذا كان هنالك رب فهنالك عبد، ورب البيت مقابل عبيد البيت.. فالعبيد هم الأولاد الصغار، هؤلاء الذين يطيعون أباهم ويسمعون كلامه.. والعبودية هنا بمعنى الطاعة، والاحترام، والامتثال للأوامر، لا بمعنى التأليه، فلا ضير في هذه التسمية أبداً.

14. إن من موانع قبول الدعاء وعدم الاستجابة، عدم الاستقامة في مجال العقيدة.. فلكل زمان إمامه، و(من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية).. والله -عز وجل- له أبواب لا يقبل داخلاً إلا من دخل ذلك الباب، فالنبي -صلى الله عليه وآله- قالها لعلي (ع) -وهذه الكلمة منطبقة على الأوصياء من بعد علي-: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها).. فلو جاء ضيف لشخص من النافذة، لطرده -وإن حل ضيفاً عليه- لأنه جاء من غير الباب الذي أُمر به.

15. إن هنالك قاعدة، وهي أن الإنسان كلما ترقى في الإيمان درجة، كلما توقع رب العالمين منه العمل أكثر.. فالله -عز وجل- في بعض الحالات، لا يتجاوز عن خطيئة المؤمن، ولو لم تكن على مستوى الخطيئة الكبيرة، حيث أن حسنات الأبرار سيئات المقربين.. ورب العالمين لطفاً بعبده ووليه، يستعجل في تصفية الحساب معه في الدنيا قبل الآخرة.

16. إن هنالك مشكلة عند بعض المؤمنين، وهي أنه يترك عالم الأسباب، بمعنى أنه لا يسعى لتأمين قوته ورزقه، ويتصور بأن هذا من أنواع التوكل على الله عز وجل.. والحال بأن العالم عالم الأسباب، والذي لا يسعى لا يحصل على قوته.. صحيح أن هنالك استثناءات، كمريم (ع) حيث أنها لم تكن تسعى للطعام، ولكن كانت تأتيها المائدة السماوية وهي في المحراب.. فهذه مسألة شاذة، وليست بقاعدة.

17. إن على العبد أن يجمع بين عالم السعي والأسباب، وتفويض الأمر لله عز وجل.. فإذا سعى العبد، وقصر عليه في رزقه، فليعلم أن هذه مشيئة الله عز وجل.. أما مع عدم السعي والفاقة - فالذي يؤتى من يده مرضاً، أو فقراً، أو ذلةً، أو هواناً- فمن الممكن أن لا يؤجر على ذلك.. والله واسع عليم!..

18. إن الإنسان من الممكن أن يقوم بعملٍ يغيظ مؤمناً -فالذي آذى مؤمنٌ، والذي أوذي أيضاً مؤمن- فمن الممكن أن ذلك الذي قد ظلم، يرى بأن حل المشكلة أن يشكو أمرك إلى الله عز وجل.. وعلى كافة المؤمنين والمؤمنات، ألا يستعجلوا بالدعاء على مؤمن يحمل نور ولاية أهل البيت (ع).. ولكنه إذا دعا وأوكل الأمر إلى الله عز وجل، فإن الله سريع الانتقام، ومن الممكن أن يحل عليك غضبٌ لا أول له ولا آخر، فاحذر دعوات المؤمنين، وخاصةً في جوف الليل، وفي صلاة الليل، وخاصةً في الركعة الأخيرة.. إذا رماك مؤمن بسهمٍ من سهام الليل، فاحذر هذا السهم فإنه قاتل.

19. إن من المعروف بأن الإنسان عندما يمارس الحرام أو المنكر مدة من الزمن، ثم يتوب إلى الله -عز وجل- توبة حقيقية، فإنه سيختصر بعض المراحل.. أي أن هنالك قوة تحريك في باطن هذا الإنسان النادم، تدفعه إلى الله عز وجل، فقد يتقدم على الطائعين من عباد الله عز وجل، لما يعيشه من الندامة الباطنية.

20. يجب استثمار الندامة الماضية، وتحويل الندامة والأسف إلى حركة دائبة لقضاء ما فات، وأداء ما سيأتي.. فالله -تعالى- هو خير الغافرين.

21. إن القرآن الكريم في آيةٍ من الآيات، يستعمل أسلوب إثارة الغيرة، وإثارة الحوافز الباطنية.. وإثارة الغيرة أمر محمود شرعاً وعقلاً.. فعندما يقول تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}، فإنه -عز وجل- يفهمنا بأن له بديلاً عنا، يحبهم ويحبونه.. وعندما يقرأ الإنسان سيرة أصحاب جعفر بن محمد الصادق(ع) تنتابه هذه الحالة من الغيرة.. هؤلاء الأصحاب خرجوا من بطن هذا المجتمع، وقد جمعوا بين التكسب والتعلم، فهؤلاء لم يحترفوا طلب العلم احترافاً كرجال الحوزات الآن.. بل كانوا يمارسون نشاطهم اليومي، وفي نفس الوقت كانوا من خواصِ أصحاب الإمام (ع).. ومنهم من كان منحرفاً عن أصل الإسلام، فكان نصرانياً فأسلم.. ومنهم من كان على غير خط أهل البيت (ع) فاهتدى إلى خطهم.

22. يقول الإمام (ع): (رحم الله من أحيا أمرنا)!.. فكل إنسان في بيته، وفي متجره، وفي معمله، مطالبٌ بأن يُحيي هذا الأمر.. فالإسلام له أحكامه في التجارة، وله أحكامه في الأسرة، وله أحكامه في الجهاد، وله أحكامه في التعليم، وله أحكامه مع الأولاد.. نعم، فالذي يريد أن يُحيي ذكر الإمام الصادق (ع)، عليه أن يلتزم بهذه المراحل في شتى أبعاد حياته!..

23. إن الله -تعالى- إذا شاء، فإن له نوعين من التصرف: فمن أدواته في عالم الوجود التصرف في ذرات العالم، وفي النواة، والالكترون، فهو يتصرف فيها كما يشاء.. ونحن نعلم بأن ذرات النار محرقة، فما الذي جعل نار إبراهيم -عليه السلام- تتحول إلى برد وسلام؟!.. وكذلك بالنسبة إلى البحر لموسى عليه السلام، فإن طبيعة الماء تتمازج، وهناك الشد والتوتر بين جزيئات الماء في عالم الفيزياء كما هو معروف، وكذلك قانون الطفو وما شابه ذلك.. ولكن الله -عز وجل- شاء أن يجعل من المياه جداراً كالأنفاق في أعماق الجبال.. فإذن، إن رب العالمين له تصرفاته، متى ما شاء يتصرف في عالم المادة، وهذا الكلام أيضا يقال بالنسبة إلى عصا موسى (ع)، فقد خيل إليهم أن الحبال تسعى، ولكن عصا موسى عليه السلام، ابتلعت الحبال.. وعليه، فإن معنى ذلك أنها حية حقيقية.. فهذه صورة من صور التدخل الإلهي في عالم الوجود.

24. لو أن الله -تعالى- خيّر الشيطان وقال له: أنت لك سبيل: إما على عقائد المؤمن، أو على أفعاله.. فلو دار الأمر بين الانحراف العقائدي، والانحراف في السلوك الجنسي وما شابه، فإن الشيطان يقدم الانحراف العقائدي.. إذ من الأفضل له أن يكون في حوزته إنسان منحرف عقائدياً، فإن هذا عنده أهم من الانحراف الجنسي وما شابه.. لأن هذا المنحرف عقائدياً سوف يرتكب ما يرتكب، نظراً لبذور الانحراف فيه، ولو أدى الأمر إلى إنكار المبدأ والمعاد.

25. إن الإنسان الذي يصلي، وبعد أن يفرغ من صلاته، يرى أن صلاته لا تسوى عنده شيئاً، فهو بنفسه يحتقر صلاته، إذن كيف هي عند الله الغني؟.. لذا عليه أن يعوض ذلك بالتعقيبات الواردة.. إن هنالك تعقيبات مشتركة في كل الفرائض من الصبح إلى العشاء، وهنالك تعقيبات خاصة.. ويلاحظ التنوع في التعقيبات اليومية.. ومن هذه التعقيبات اليومية التي يستحب للمؤمن أن يواظب عليها إجمالاً هي الاستعاذة، وذلك بأن يعيذ الإنسان نفسه مرة، وتارة يقول: يا رب اجعل غيري في حصنك.. إن هذه حالة من حالات التكافل الاجتماعي، أن يسأل الإنسان ربه أن يجعل إخوانه في درعه الحصينة وفي حمايته.

26. كان من صفات النبي المصطفى (ص): أنه لا يجلسُ ولا يقوم إلا على ذكر الله عزّ وجل.. فالذكر مكتنفٌ حركته وقيامه.. ومن صفاته (ص) أنه كان يَحذْر الناس ويحترس منهم.. فالنبي (ص) لا يدعونا إلى البساطةِ والبلاهة، والحملِ على الأحسن بشكلٍ مطلق، فهو يَحْذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحدٍ بِشْرَه ولا خُلقه.. وإذا كان يعيش حالة الحذر من إنسان، فإنه لا يحاول أن يبدي ذلك من خلال أسارير وجهه المباركة.. بل يحاول أن يُظهر للآخرين المظهر الجميل، لئلا يظن أحدٌ ظناً سيئاً بذلك الشخص.

27. إن من أهم نعم الله -عز وجل- على عبده نعمة اليقين، وأن يعيش الإنسان اليقين بعالم الغيب.. ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}.. وأول سمة من سمات المتقين {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} وكذلك: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.. ففي حياة صحابة النبي -صلى الله عليه وآله- هذا النموذج نموذج معروف.. فهناك من أصحاب النبي (ص) من بلغ القمة في معارج التكامل.

28. لقد ورد في بعض الروايات أن النافلة مكملة للفرائض.. فالذي يقصر في الفريضة وقتاً وكيفية وخشوعاً، بإمكانه تدارك ذلك بالنافلة، والتعقيبات اليومية.. إن الإنسان يصلي وهو يعيش همّ الشارع، وهمّ نفسه، وهمّ العالم، وإن كان المفروض أن يجعل للصلاة وقتاً خاصاً بها.. لأنه هو في غير وقت الصلاة لا يفكر في الصلاة، فالمفروض -ولو من باب الإنصاف- ألا يفكر في غير الصلاة أثناء الصلاة.. فهل هنالك إنسان أثناء نشاطه اليومي يفكر في صلاته؟.. وبالتالي، فإنه ليس من مقتضى الإنصاف أن ندخل غير الصلاة في الصلاة، كما لا ندخل الصلاة في غير الصلاة.

29. إن على الإنسان أن يجعل صلاة الفجر محطة مهمة في الحياة، مثل الدوام اليومي والمدرسة، وكالعسكري الذي لا يتجرأ أن يغيب عن معسكره دقائق.. فهذا يحتاج إلى: نوم مبكر، وتخفيف من طعام العشاء، واستعمال منبه.. إن البعض لا يكلف نفسه شراء منبه بدريهمات، والحال بأنه يشتري ساعة ذهبية ثمينة بأضعاف قيمة المنبه.. ما قيمة هذا الجهاز الصغير الذي يوقظ الإنسان لصلاة الفجر؟!.. إن بعض العلماء يجعل المنبه زاده في السفر مع التربة والقرآن ومفاتيح الجنان؛ لأنه يخاف في تعب السفر والظروف الفجائية، أن تفوته فريضة من الفرائض.

30. إن على الإنسان أن يظهر بمظهر العزة والكرامة أمام الناس، ولكن مع رب العالمين عليه أن يتذلل ويحس بالصغار، فهذا من موجبات القرب إلى الله عز وجل.. قيل للصادق (ع): (إن قوماً من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون: نرجو.. فقال: كذبوا، ليسوا لنا بموال).. أي هؤلاء ليست لهم الولاية!.. فالإنسان الذي يرتكب المعاصي من مصاديق الذي لا يرجو لله وقاراً.. حيث أن الولاية عبارة عن قضية متكاملة: أولا: اعتقاد باللسان، أي أن الإنسان يعتقد، ويعترف بالأئمة الإثني عشر.. وثانياً: حركة في الجنان، أي مشاعر في القلب، وولاية لهم، وتبري من أعدائهم.. وثالثاً: حركة في الخارج، أي حركة خارجية.

31. إن الاستغفار على قسمين: هنالك استغفار موضِعي، أي أن يستغفر الإنسان ربه في موقف من المواقف، وخاصة بعد الذنب، وهذا الاستغفارٌ محمود.. وهنالك استغفار إستراتيجي أو شعوري، أي أن يعيش الإنسان دائماً حالة التواضع، والتذلل بين يدي الله عز وجل، ولو من غيرِ ذنب.

32. إن الإنسان الذي يخشى، إنسان متذلل، يعيش حالة التواضع بين يدي الله سبحانه وتعالى.. ولكن مع ذلك يلاحظ بأن الشريعة قد جعلت للمؤمن محطات للاستغفار، ولو من دون ذنب.. فالقاعدة العامة أنه يجب الاستغفار بعد كل خطيئة، فهذا وجوب شرعي.. ولكن هناك محطة في النهار وهي بعد صلاة العصر، حيث يستحب الاستغفار سبعين مرة.. ومحطةٌ في الليل أثناء صلاة الليل في الوتر.. والفارق بينهما تقريباً اثنتا عشرة ساعة.. بل النبي (ص) -كما في بعض الروايات- بما مضمونه: ما قام من مجلس ولو خف، إلا وهو يختم ذلك المجلس بالاستغفار بين يدي الله عز وجل.

33. يستحب للإنسان إذا قهقه، وضحك ضحكة الغافلين أن يقول: (اللهم!.. لا تمقتني).. فإذن، عليه أن يستغفر بعد كل وجبةٍ من وجبات الإلتهاء عن ذكر الله عز وجل.. وهذه بُشرى للمذنبين، إن الله -عز وجل- يحبُ الطائعين، ولكن الآية تقول: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين}.. والتواب: أي كثير التوبة.. ومن المعلوم أن كثير التوبة كثير الخطيئة أيضاً، فبعدد الخطايا يتوب، ومن هنا سميَّ تواباً.. والله -تعالى- يحب هذا الصنف: (أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المرائيين).

34. إن المؤمن إذا كانت له حاجة إلى الله عز وجل، فبإمكانه أن يطلب تلك الحاجة بإلحاح.. وفي بعض الحالات، يرى بأنه من الراجح لما هو فيه من الضرورة، أن ينذر نذراً أو دعاء.

35. إن البعض عندما يقع في أزمة شديدة، يستعجل في النذر.. وبالتالي، فإنه يكلف نفسه نذراً ثقيلاً على نفسه، كأن يصلي نافلة الليل إلى آخر عمره، أو ينذر صيام شهرين متتابعين مثلاً.. لذا على المؤمن أن يتريث، فالله -عز وجل- يقبل اليسير.. فإذن، بإمكان الإنسان أن ينذر، ولكن ليكن النذر بشكل معقول، ومن دون ارتجال.

36. إن الإنسان في بعض الأوقات ينذر نذراً مؤجلاً، أي لا يتوقع فيه فرجاً قريباً.. فيعطى الحاجة، ولكنه ينسى الوفاء بنذره.. ففي مثل هذه الحالة، عليه أن يسجل هذا النذر، لأنه إذا علم أنه نذر، ودار الأمر بين عشر محتملات يقول الفقهاء: عليه أن يأتي بالمحتملات العشر، حتى تفرغ ذمته من التكليف.

37. هناك تلميح بأن على الإنسان أن يدعو الله عز وجل، وليس هناك في الروايات دعوة إلى النذر.. صحيح في سورة الدهر هناك مديح لعلي وآل علي في أنهم يوفون بالنذر.. ولكن لا يوجد نص بعنوان الدعوة إلى النذر وإلى العهد..

38. إن من الملاحظ في كتاب الكفارات، بأن من ضمن كفارات اليمين إطعام عشرة مساكين.. ولكن في باب العهد يلاحظ بأن الكفارة تتصاعد إلى إطعام ستين مسكيناً.. ومعنى ذلك أن معاهدة الله -عز وجل- أمر ثقيل.. ففي بعض الأوقات يعاهد الإنسان الله عز وجل، لا على نحو العهد الشرعي، أي يقول: عاهدت الله كذا.. ولكن يعاهد الله على ترك منكر عهداً غير ملزم.. صحيح هو غير ملزم بكفارة، ولكن أن يعاهد الإنسان ربه على أمر من الأمور، فهذا أمر عظيم!.. فإذن، إن كفارة النذر أقل من كفارة العهد، وذلك لثقل المعاهدة مع الله عز وجل.. ومن منن الله -تعالى- على الإنسان، أن جعل كفارة العهد إطعام ستين مسكيناً، ولم يؤجل الأمر إلى يوم القيامة، فلو لم تكن هناك كفارة لذلك، لوقع الإنسان في حرج عظيم.

39. إن من الملاحظ أنه لم يكن في أصحاب الأئمة (ع) -وعلى الخصوص أصحاب الصادقين، أو الباقرين (ع)، الذين هم حلقة الوصل بين أئمة الهدى، وبين المؤمنين في هذا العصر- طبقة متميزة في المجتمع آنذاك بعنوان: طبقة متفرغة للتفقه.. ولم يذكر في التأريخ أن هناك طبقة وشريحة كبيرة من المجتمع تجلس في بيوتها، وينفق عليها من بيت المال للتفقه في الدين.

40. أليس من الغريب أن يأتي إنسان مثقف له إلمام بالهندسة، وبالطب، وبالعلوم الدقيقة، وفي السياسة، والاقتصاد.. ويكتشف بعد عشرين سنة، أن هناك خللاً في غسله ووضوئه وتيممه؟!.. وأليس من الغريب أيضاً أن يسأل أحد هذا السؤال: هل تجوز الصلاة قبل غسل الجنابة؟!.. ومن المعلوم بأنه لا صلاة إلا بطهور، فالتيمم والغسل والوضوء شروط واقعية.. فلو أن إنساناً جاء من الأدغال، وصلى صلاة بوضوء باطل، فإنه غير مأثوم.. ولكن عليه أن يعيد كل صلواته -هذا على فتوى علمائنا- بخلاف الأجزاء غير الركنية.. فإذن على الإنسان أن يحتاط لدينه ويتعلم المسائل المهمة -على الأقل- وهي ليست بالكثير.

41. إن من المناسب أن يراجع الإنسان بين فترة وأخرى، الكلمات القصار للأئمة (ع).. ومن الملفت أنه عندما توضع حكمة قصيرة من حكم الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (ع) بجوار حكمة الإمام أبي محمد الحسن بن علي المجتبى مثلاً، فإنه يلاحظ بأن هنالك تشابهاً كبيراً بين الفقرتين، بحيث لا يوجد اختلاف جوهري بين كلماتهم.

42. إن البعض يطرح فكرة الدين للآخرين في ضمن برامج قاسية، وثقيلة، ومعقدة لا تحتمل، وغير عملية.. بينما عليه أن يلبس الدين ثوباً مرغوباً فيه، عندما يقوم بمثل هذا العمل.

43.  إن هذه هي سياسة الشريعة في طرح الدين في ثوب ميسر جميل، يمكن أن يطاق للجميع: الوقوف عند الشبهة، والإقامة على الفرائض، وترك الحرام، وترك الذنوب.. ولكن ذلك يكون بقول مطلق، وفي مدة مطلقة، في كل الأزمان، لا في زمان دون زمان.. أي ليس في مرحلة من مراحل العمر، وإنما يأخذ الإنسان هذا القرار المصيري، منذ تكليفه إلى لحظات انتقاله إلى المليك الأعلى.. فما أيسرها من معاملة، لمن أراد أن يتقرب إلى ربه!..

44. إن من المحطات المناسبة للتدبر والتأمل، هي المحطة الواقعة بعد الصلوات اليومية.. فمع الأسف حُصر الذكر والإلتفات إلى الله -عز وجل- بعالم الألفاظ، وعالم الأدعية المقروءة.. والحال بأن الذكر بالمعنى العام، يراد منه الحركة التي تقرّب الإنسان إلى الله سبحانه تعالى، ولو كان في ضمن تدبر وتأمل!..

45. إن على الإنسان أن يتخذ من الصلوات اليومية، محطة تدبر وتأمل لنشاطه السابق.. ولو أن أحداً جعل فترة التعقيب بين صلاة الظهرين، وصلاة العشاءين فترة للتدبر والتأمل، فكم هي البركات التي تعود عليه؟!.. فمثلاً: في فترة التعقيب بين صلاة الظهرين، يقيّم نشاطه السابق من الصباح إلى الزوال، فيرى الأخطاء المتكررة.. وبعد ذلك في فترة التعقيب بين صلاة العشاءين، يقيّم سلوكه من الزوال إلى المغرب.. وبالتالي، هل تبقى هنالك نقيصة في حياته؟!.. بل تتحول الصلاة عندئذ إلى نهر يغتسل منه الإنسان كل يوم خمس مرات، كما شبّهها النبي -صلى الله عليه وآله-.

46. إن ساعة التدبر وساعة التأمل، هي تلك الساعة الواقعة بعد الصلوات اليومية.. ومن المناسب أن يتخذ الإنسان ذلك ذريعة لتقييم نشاطه اليومي.. وليعلم بأن هذه الساعة المباركة، هي من الساعات التي يمنّ بها الله -عز وجل- على عبده.. حيث أن هناك فرقاً بين أن يفكر الإنسان من دون مدد إلهي، وبين أن يفكر مع مدد إلهي.. فالإنسان الذي يصلي، ويعقب، ويسجد، ويطلب من الله -عز وجل- التأييد والتسديد في تفكيره، سيكون أقرب إلى الصواب قطعاً، مما لو فكر مع نفسه، ليدخل في عالم الأوهام وأحلام اليقظة.. لذا فإن على العبد أن يكون حريصاً على ألا يفكر من دون مدد إلهي، ومن دون نزاهة وموضوعية.. لأن القرارات المصيرية تبدأ بخاطرة، وبذاكرة، وبتوهم، وتخيل.. وإذا بالإنسان يُدخل نفسه في متاهات بعد ذلك الخيال الباطل، وبعد تفكير محرم لا سمح الله.

47. علينا أن نعطي التعقيب اليومي، معنى أشمل من الجانب الذكري والدعائي المجرد.. وعندئذ يصل الإنسان إلى محطات يومية متعددة، لتصفية نشاطه اليومي.

48. لدينا أربع عشرة محطة ميلاد وثلاث عشرة محطة وفاة، بالنسبة للمعصومين (ع)، وهذه المحطات محطات جيدة وثرية للاستزادة منها.. ولا يخلو شهر من شهور السنة إلا وفيها مناسبة: إما مناسبة استشهاد معصوم، أو مناسبة ميلاد معصوم.. وفي شهر ربيع الأول نعيش أرقى المناسبات وأعظمها، وهي مناسبة ميلاد النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-.. ففي مثل هذه المناسبات -بالإضافة إلى العواطف: البكاء حزناً، أو الفرح سروراً- من المناسب جداً أن نحاول الإلمام بسيرة المعصومين (ع).

49. إن في حياة أئمتنا (ع) سواء في (كشف الغمة) أو في (بحار الأنوار) أو في غيرها من كتب السيرة، لكل معصوم في ختام حياته فصل بعنوان (الكلمات الحكمية).. و(تحف العقول) من خير الكتب في هذا المجال، فلكل معصوم تحف، ولعل حديثاً واحداً من أحاديث المعصومين (ع) يغيّر مجرى حياة الإنسان.. ويا حبذا لو كتبت كلماتهم الجميلة في مراقدهم الشريفة!.. كما في حرم الإمام الرضا (ع)، فإن هناك بعض الأحاديث المنقوشة في الحرم، نقلاً عن الإمام صاحب ذلك المقام.

50. كم من المناسب أن نتحرى هذه الكلمات الجميلة في مناسبات أئمتنا (ع)!.. واعلم أن الحكمة الصادرة من المعصوم فيها خاصية التأثير من بركاته (ع)، فتلك كلمات حكمية صادرة من قلوب مستنيرة بنور الله عز وجل.. فهذا النور يسري في الأسماع، كسريان الكهرباء في الأسلاك.

51. إن نور كلمات نهج البلاغة وخطب أمير المؤمنين، عندما تطلق، تنفذ وتتغلغل وتستقر في القلوب المستعدة.. نعم، ولهذا عندما طلب همام من أمير المؤمنين (ع) أن يصف المتقين، فوصفهم الإمام (ع)، عندئذٍ صعق همام صعقة كانت نفسه فيها، فوقع إما مغشيا عليه أو مات.. فعلّق الإمام على هذه الحادثة بما مضمونه: هكذا تفعل المواعظ بأهلها.. نعم، كل إنسان يمكن أن يكون في مستوى، وفي درجة من درجات همّام، الذي صعق بحديث أمير المؤمنين (ع).

52. إن من الأمور المناسبة في أوائل الشهور، أن ينظر الإنسان إلى المستحبات الواردة في ذلك الشهر، فهنالك قسم كبير من المكاسب يحرم منها الإنسان من باب عدم الاطلاع.. وكما هو معروف بأن نسيان بعض الآداب والسنن، هي من صور الخذلان الإلهي.. إن العلماء في الرسائل العملية يؤكدون على أن الركعتين الخفيفتين التي في أول الشهر، هي بمثابة الأمان من الأخطار في ذلك الشهر.. والأخطار التي يقصدونها هي أعم من الأخطار الظاهرية والباطنية: القلبية، والقالبية.. الدنيوية، والأخروية.

53. إن الإنسان المؤمن حريص على التجارة مع رب العالمين، كما نقل عن الإمام الهادي (ع): (أن الدنيا سوق: ربح فيها قوم، وخسر آخرون).. أي كما أن الموظف أو التاجر، يكون حريصاً على أن يكسب أعلى المكاسب في مدة قصيرة.. فكذلك المؤمن كيس فطن في أمر آخرته، يحاول أن يقتطف ثمار كل شهر.. والنور المودع في شهر ربيع الأول مثلا، لم يودع في شهر صفر.. فلكل شهر نوره، بل لكل يوم نوره: فيوم السبت من كل أسبوع يتوجه الإنسان إلى الله -عز وجل- بحق حبيبه المصطفى، فيقول: (يا رسول الله!.. هذا يوم السبت، وهو يومك وباسمك، وأنا فيه ضيفك وجارك، فأضفني وأجرني)، فهو منسوب إلى النبي (ص).. ويوم الأحد منسوب إلى الوصي.. ويوم الاثنين منسوب إلى السبطين.. ويوم الثلاثاء منسوب للباقرين وللإمام السجاد(ع).. ويوم الأربعاء لموسى بن جعفر والرضا وولده الجواد وولده الهادي (ع).. ويوم الخميس للإمام العسكري (ع).. ويوم الجمعة يتوسل إلى الله -عز وجل- بوليه المهدي (عج).

54. إن على المؤمن أن يكون حريصاً، لأن الفرص تمر كما تمر السحاب.. ومن أسماء يوم القيامة يوم الحسرة.. فلو أن الله -عز وجل- أبقى هذه الحسرة في قلوب أهل الجنة، فإنهم لن يتهنؤا لا بِحور ولا بقصور.. وعليه، فلا بد وأن يعتريهم النسيان، حتى يعيشوا عيشة مريحة في الجنة.. ولكن إذا دخل الإنسان الجنة في عرصات القيامة، فإنه يغلي ويفور، ويعيش الحسرة، ويتمنى لو كان تراباً -للبعض طبعاً- لأنه يرى ما هي المكاسب التي فوتت.

55. إن الذي تفوته نافلة الليل، عليه أن يقضيها أولاً، ويعيش الحسرة والندامة ثانياً.. فلو رأى الله -عز وجل- في قلبه هذه الحسرة، فإنه يؤجر أجراً مضاعفاً، أكثر لعله في بعض الحالات من أصل صلاة الليل.

56. إن العبد يحاول أن يقوم بمعاملة مربحة مع الله سبحانة وتعالى، على الأقل مرة واحدة في الأسبوع.. وهذه المعاملة متمثلة في إدخال السرور على قلب حزين.. فإن قلب المؤمن عرش الرحمن، وهذا القلب يهتز في المناسبات المختلفة: حزناً، أو ضيقاً.. إقبالاً، أو إدباراً.. استبشاراً، أو خوفاً.. أملاً، أو يأساً.. إلى غير ذلك من المشاعر.

57. إن الإنسان المؤمن حاذق ومغتنم للفرص، أي ينظر إلى من حوله، ويحاول أن يكتشف أولاً القلوب المضطربة، كأن يرى قلبا حزيناً، أو قلباً منكسراً، أو مضطرباً.. وفي الخطوه الثانية يحاول أن يزيح هذا الهم عن تلك القلوب.. ومن المعروف بأن الهم إذا أزيح من القلب، فإن الإنسان يتفرّغ لذكر الله عز وجل، كما يقال في علم الأخلاق: الأغيار، والشواغل، والمزاحمات، كل هذه الأمور تصد الإنسان عن ذكر الله عز وجل.. لهذا يلاحظ بأن الإنسان عندما يذهب إلى رأس جبل، أو إلى بستان، أو وادٍ، أو إلى أرض منبسطة، يرى بأن هنالك إقبالاً مضاعفاً على الله عز وجل.. والسر في ذلك قلة الشواغل، فالقلب المشغول بأمور دنيوية كثيرة، لا يجد فرصة كافية للتفرغ للتفكير في عالم ما وراء الطبيعة.

58. إن من أفضل القربات إلى الله تعالى، هو البحث عن القلوب المنكسرة.. ولهذا يلاحظ بأن الشارع المقدس أولى اهتماماً كبيراً -مثلاً- في جانب عيادة المرضى.. وتدل بعض الروايات على أن الذي يزور الإنسان المريض، تغمره الرحمة الإلهية.. وكذلك حثّ على قضاء حاجة المؤمن، يقول الراوي: إن الإمام المعصوم رأى أحدهم يطوف حول البيت، فناده أحدهم، فلم يلتفت واستمر في طوافه.. هنا يلاحظ بأن الإمام يأمره بالمسارعة إلى قضاء حاجة ذلك الأخ.. ومن هنا يعلم أن هذه الحركة، أي تلبية أو قضاء حاجة المؤمن أفضل من الطواف.. هكذا الأئمة (ع) كانوا يهتمون بمسألة القلوب قبل الاهتمام بمسألة الأبدان.

59. إن الإطعام المعنوي والإطعام الفكري، أعظم عند الله -عز وجل- من الإطعام المادي.. كم سجل الله -عز وجل- في سورة الدهر من الثناء لأئمة أهل البيت (ع) لإطعامهم الفقير والمسكين والأسير!.. فكيف إذا كان الإطعام لما يوجب الراحة الأبدية، ولما يوجب إعطاء القوت الذي يتحول إلى درجات لا نهائية في جنات الخلد عند الله سبحانه وتعالى.

60. إن القلوب تملّ كما تملُّ الأبدان، فاهدوا لها طرائف الحكم.. ومن أجمل أنواع الحكم - على قصرها - حكم أمير المؤمنين (ع).. فإنه من المناسب أن لا يخلو بيت الإنسان المؤمن من كتب أربعة: القرآن الكريم بتفسير مختصر، ولو على هامشه.. وكتاب الدعاء، ومن أفضل ما كتب في هذا المجال، كتاب مفاتيح الجنان -وهو بحق مفاتيح للجنان- وكذلك الصحيفة السجادية للإمام السجاد (ع)، ويا حبذا إقتناء الصحيفة السجادية الجامعة الكاملة!.. وكذلك -الكتاب الرابع- نهج البلاغة لأمير المؤمنين (ع)، فإذا لم يكن هناك مزاج للإنسان أو وقت، ليقرأ الخطب كاملة، فليتصفح الحكم الأخيرة الموجودة في ختام نهج البلاغة.

61. إن من الحكم الجميلة هذه المقولة في باب الطعام، يقول أمير المؤمنين (ع): (لا تطلب الحياة لتأكل، بل أطلب الأكل لتحيا).. يا لها من كلمة جميلة!.. فالقضية قضية معادلة في مطلق الاستمتاع في الحياة، فالمؤمن يتزود، وغير المؤمن يتمتع، كما في الروايات.. وبالتالي، فإن المؤمن يحاول أن يحوّل كل متعة في الحياة إلى زادٍ في الآخرة.. ولهذا الشريعة المقدسة أحاطت أنواع الملذات بآداب وسنن: فالطعام يسمى ويحمد الله -عز وجل- عليه.. ومن المعلوم أن من مواضع الاستجابة، الدعاء عقيب الطعام، ولا تعد من ساعات العمر.. لذا ينبغي ألا يستعجل الإنسان في الطعام، ولا يقوم عن المائدة بسرعة، لأنها مائدة رب العالمين، قبل أن تكون مائدة زيد وعمرو.

62. إن الذين يفوّتون صلاة الفجر، سيكون نموهم بعد فترة نمواً ناقصاً شاءوا ذلك أم أبوا.. فمثلاً: الطفل الرضيع يحتاج إلى ثلاث وجبات غذائية من اللبن، والأم الكسولة التي تنام عند الفجر ولا ترضع ولدها، فإنه من الطبيعي أن هذا الرضيع سيبتلى بنقص في التغذية.. وكذلك الروح الإنسانية، فالإنسان الذي يفوّت صلاة الفجر وبشكل رتيب، وعندما يرجع إلى نفسه لا يعاتبها، ويتمسك بالحديث القائل: "بأن الإنسان النائم لا تكليف عليه حتى يستيقظ"؛ فإنه يأنس مع هذه الحالة بعد فترة، ويراها حالة عادية.

63. على الإنسان المؤمن أن يكون حريصاً على ألا يأكل إلا الحلال.. ونحن نقطع أنه في حياته اليومية سيأكل الحرام شاء أم أبى، فالإنسان مأمور في حياته بمعاملة سوق المسلمين معاملة الحلية والطهارة.. ولكن الله -عز وجل- عندما يرى الإنسان محتاطاً، ورعاً، وخائفاً من أكل الحرام.. فحتى لو أكل الحرام واقعاً، فإن الله بمنه وكرمه، سيزيل الصفة السلبية والكدورة والسواد، الذي من الممكن أن تغطي على قلب الإنسان في هذا المجال.

64. إذا جاء الإنسان إلى المسجد، وصلى جماعة، وصلى فريضة، والتجأ إلى الله عز وجل، وكان متطيباً، وكان وقت نزول المطر -أيضاً من مواضع الاستجابة نزول المطر- عليه بعد ذلك ألا يشك بأن الله -عز وجل- قد استجاب دعوته.. وفي الخبر: (إذا دعوت فظن حاجتك بالباب).. أي تيقن أن حاجتك بالباب، ولا تشك في كرم الله عز وجل.. فإذا لم تعط هذه الحاجة فلمصلحة يراها.

65. إن على المؤمن أن يغتنم أعقاب صلاة الفريضة، بعد الجماعة، وفي المساجد، ولو يومياً بعد كل فريضة سجدة، لمدة أربع دقائق أو ثلاث دقائق وبالتجاء.. ولو عمل المؤمن هذا العمل كل يوم ثلاث مرات، أو مرتين في المسجد على مدى أربعين يوماً -كما هو العدد المعتبر في هذا المجال- فمن المتوقع أنه سيأخذ أعظم الجوائز من رب الجوائز العظام.

66. إذا بلغ الإنسان مبلغاً من القرب إلى الله عز وجل، عليه أن يلتفت إلى شيء مهم، وهو أن الشياطين تحاول الانتقام منه.. فإذا كان على مستوى المواجهة في صد الشياطين، فإنها تحوم حول من يقربهم منه، مثل: الأولاد، أو الأصدقاء، أو الزوجة، أو الأرحام، وتحاول أن تثير الجو عليه.. فالإنسان لا يكتفي بالحماية الذاتية، وإنما عليه أن يفكر في أنه كيف يحتمي من أذى الغير.

67. عندما تنظر إلى إنسان غير معصوم، وغير عادل، وغير مراقب لنفسه، عليك أن تحتمل دائما أن شيطانا متلبثا خلفه.. إذ أن مساحة كبيرة من النشاط اليومي لبعض الناس هي من إلقاء الشيطان.. ومن المعروف بأن الشيطان يجري من ابن آدم -كما في الروايات- مجرى الدم في العروق، ولهذا على المؤمن ألا يكتفي بتحصين نفسه، وإنما عليه أن يجعل حواجز وقائية مع الغير.

68. إن على المؤمن أن يضع هذا الحديث نصب عينيه دائما -للأرحام في الدرجة الأولى، ولغير الأرحام في الدرجة الثانية-: (صل من قطعك!.. وأحسن إلى من أساء إليك!.. وأعطِ من حرمك)!.. فالذي هذا شعاره في الحياة، هل يبقى له عدو؟!.. إن هذا الإنسان ينطبق عليه الحديث: (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم).

69. إن هناك بعض المستحبات التي لا تحتاج إلى كثير مؤونة.. والإنسان مهما تكاسل، فإنه يحاول أن يجعل في حياته شيئاً من بعض المستحبات، التي لا تكلفه الكثير.. فمثلاً: من الطبيعي أن يقوم الإنسان بعملية السواك من منطلق النظافة، والحفاظ على الصحة.. ولكنه إذا نوى بذلك القيام بالمستحب؛ لحاز على الأجر.

70. من المستحبات السهلة والميسورة التي يحبذ للمؤمن أن يلتزم بها، هو أن يكون على وضوء دائم.. وبعبارة أخرى: أن لا يكون محدثاً.. فالإنسان غير المتوضئ محظور عليه القيام ببعض الأمور: كالصلاة، ومس كتابة القرآن الكريم.. وكأنه إنسان غير مؤهل، وليس على مستوى لقاء رب العالمين.. فما أجمل أن يكون الإنسان على هيئة المستعد دائما للقاء ملك الملوك!..

71. لو أمكن أن يعمل الإنسان بهذا الحديث الشريف: (من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين، ودعاني ولم أجبه فيما سألني من أمر دينه ودنياه فقد جفوته، ولست برب جافٍ) ولو في اليوم مرة واحدة، أو في الأسبوع مرة واحدة، أو في الشهر مرة واحدة.. ليرى أن الله -عز وجل- ليس برب جاف.. ومن تعود هذه الصيغة في الأسبوع مرة -وهنيئاً لمن توفق في اليوم مرة واحدة!..- فإن هذا الإنسان لو وقع في شدة، وقام بهذا العمل، فهو ليس بتاجر، ولا عبد.. وإنما هو عبد كان يلتزم بهذه الصيغة في كل حالاته.. فعندما يقع في أزمة من الأزمات، فلعل الملائكة تشفع، وتشهد لهذا العبد بأنه دائم الإنابة، ودائم الدعاء إلى الله عز وجل.

72. فليحرص الإنسان على أن يكون على وضوء دائم، وخاصة قبل النوم.. ولعل الإنسان المتوضئ في الفراش، يبيت والفراش كأنه مسجد له.. والله -تعالى- خير الرازقين: مادة، ومعنى!..

73. إن طبيعة بني آدم قائمة على الخوف من المستقبل، والإنسان له كم كبير من الأحزان على ما فاته في الماضي.. فإذا اجتمعت على الإنسان هموم الماضي، وقلق المستقبل، وكآبة الحاضر، هل تبقى له صحة نفسية؟!.. وهل يبقى له تركيز في هذه الحياة؟!..

74. إن قسماًً من حوادث المستقبل وبلاءاته، تتحدد بالسلوك الفعلي، فالإنسان يخاف من الأمراض المستقبلية، كالضغط والسكري وما شابه ذلك، وهذا القسم بيده، فعليه أن يحافظ على صحته في أيام شبابه.. وعليه، فإن الخوف من الأمراض المستقبلية، يمكن أن يدفع بمراعاة الصحة فعلاً، والخوف من الفقر والعوز، ومد اليد إلى الآخرين في كبر السن.. وقد قال الإمام السجاد (ع): (إجعل أوسع أرزاقنا عند كبر سننا)!.. فمن نعم الله -عز وجل- على العبد أن يكون مستغنياً عند كبر السن، لا يحتاج إلى الغير ولا للأولاد.. وهذا أيضاً يتوقف على نشاط الإنسان في أيام شبابه.. وبالتالي، فإن الخوف من الفقر أيضاً يدفع بالسعي.

75. إن هناك قسماً من المخاوف في يد الله عز وجل: كالزلازل، وموت الفجأة، وحوادث السير، وما شابه ذلك، والأمور غير المتوقعة، كل هذه الأمور أيضاً لا بد أن يحسب حسابها.. فلو ضممنا معادلتين صغرى وكبرى إلى بعضهما البعض، نخرج بنتيجة وهي: أن الذي يعيش هذه النتيجة في حياته فهو من أسعد الناس.. المقدمة الأولى من القرآن الكريم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.. وهناك ضميمة لهذه الآية من الوجدان ومن الحياة المعاشة، ليست آية، ولكنه الواقع: ما كتبه الله لنا، فإن فيه صلاحنا.. فالمؤمن الذي أرضى ربه بالطاعة، إن رب العالمين يحبه، ولن يكتب له إلا ما فيه الصلاح.. فإذن هذه مقدمة وهذه مقدمة، فما النتيجة؟.. النتيجة الرياضية مع حذف الوسط: "قل لن يصيبنا إلا ما فيه صلاحنا".. فالذي يعيش هذه الحقيقة، هل يعيش حالة من التبرم؟!..

76. إن الإنسان الذي يعتقد بطبيب حاذق، يصل به الأمر إلى أن يدفع مالاً وفيراً له، ليستخرج قلبه، أو ليقطع عضواً من أعضائه.. لأنه يعلم بأنه طبيب حاذق، وفي نفس الوقت ليست له نية سيئة.. فإذا كان الإنسان يقطع بحكمة رب العالمين، وبطبه وبعلاجه، فإنه يدخل غرفة العمليات، وهو مستسلم لهذا الطبيب الحاذق.. وإذا كان هذا الطبيب الأب أو الأخ، هل يعيش حالة من القلق؟.. فكيف إذا كان الطبيب هي الأم؟!.. فإنه من الطبيعي أن يعيش الإنسان حالة الارتياح.. وعلى كلٍّ فإن الخوف من عواقب الأمور شيء جيد إلى حد ما، لكي يكثر الإنسان من الالتجاء إلى الله عز وجل.

77. إن الأولياء الصالحين عندما يناجون ربهم يجأرون إلى الله -عز وجل- في حسن الخاتمة، لأن حسن الخاتمة عبارة عن معادلة مجهولة.. فالشيطان في اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان، لعله يجمع كل قواه لكي يخرجه من طريق الطاعة، ولو أن ينسيه الشهادتين، أو يموت على غفلة، ومن دون وصية.. المهم أن الشيطان أيضاً جعل سهمه الأخير في ساعات الاحتضار.. فإذن، إن خوف سوء العاقبة خوف لا يتبعه دافع، فعلى الإنسان أن يعيش حالة الخوف والرجاء، لتكتب له العاقبة الحسنة بمنه وكرمه.

78. من أراد أن يبارك الله له في حياته، فليحرص حرصاً معتدلا في مسألة المأكل.. لا ندعو لاتباع أسلوب الوسوسة، ولا المسامحة والتساهل، بحيث يأكل من كل مكان، ومن يد كل إنسان، وفي كل بلد، وعلى الخصوص في بعض البلاد الغربية.. إذ يكاد يقطع الإنسان في بعض الحالات، أن المسلم الذي يبيع هذا الطعام، إنما يدعي الحلية تمشية لبضاعته، وذلك من خلال بعض القرائن.

79. يقسّم العلماء حرمة المؤمن إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: دم المؤمن.. القسم الثاني: عرض المؤمن.. والقسم الثالث: مال المؤمن.. فإذن، إن الإنسان إذا أسلم حُقن دمه، وعرضه، وماله.. ولكن الابتلاء الغالب في القسم الثاني والثالث، أي عرض المؤمن وماله.. وهناك بعض الناس أيضاً يتورع بالنسبة إلى مال المؤمن، الذي هو في الدرجة الثالثة، حيث أن نفسه لا تستسيغ له أن يتجاوز على مال أحد -هكذا بعض الناس-.. ولكن المشكلة عندما يصل إلى عرض المؤمن، فتراه يستسهل هتك الحرمات.

80. إن المؤمن له عرض: فالعرض يكون تارة زوجته، وتارة أخرى يكون إما سمعته، أو كرامته.. فمن العقبات الكبرى لغالب المؤمنين -أي خواص المؤمنين- الوقوف عند موقف هتك الأعراض بغيبة، أو بنميمة، أو بانتقاص.. وهذه الأيام أساليب التحاليل كثيرة، فالإنسان بعنوان تحليل سياسي، أو فكري، أو ثقافي، أو إعلامي؛ تراه يكشف عيباً مستوراً، وعندما يقال له: يا فلان!.. أليس هذا عيباً ستره الله؟.. يقول: أنا لا أقول إلا الواقع.. فنقول له: يا مؤمن!.. إذا ذكرت الواقع فأنت مغتاب، وإذا لم تذكر الواقع فأنت باهت.. والبهتان أعظم من الغيبة: فالغيبة صدق، والبهتان كذب!..

81. ليحاول الإنسان ألا يتورط في يوم من الأيام بكسر قلب مؤمن، (من كسر مؤمناً، فعليه جبره)، ماذا يعني عليه جبره؟.. أي أنت كسرت هذا العظم، فعليك أن تركب هذا العظم في موضعه، ولا تتخلص من التبعة إلا عندما يلتئم هذا الجرح، وهذا العظم المنكسر.. وإن ذهابك إلى الحج، والعمرة، وإلى المشاهد المشرفة، وقيام الليل، بل جهادك في سبيل الله، لا يعوض هذا الكسر.

82. لماذا يورط الإنسان نفسه في دائرة الشبهات، فأنت لا تعلم أن هذا المؤمن هل تجوز غيبته أم لا تجوز؟.. إذا كنت تمشي في طريق سالك وطريق من الممكن أن يكون ملغماً، هل رأيت عاقلاً يُقدم الطريق السالك، ولو كانت نسبة التلغيم واحد بالمائة؟!.. وعلينا أن نحتاط هكذا في حياتنا اليومية، فعندما يصل الأمر إلى عرض المؤمنين وحرماتهم، لماذا لا نُجري قاعدة الاحتياط؟.. لكي نذهب من هذه الدنيا وليس علينا تبعة من التبعات.. قال العلماء: إن الشهيد عندما تسقط دماؤه الزكية على الأرض تُغفر ذنوبه.. ولكن بالنسبة إلى حقوق الخلق، فلا بد وأن يقف موقفاً ليُسأل عنها.. إلا أن يتغمده الله برحمة منه، ويُرضي عنه العباد.. وإلا، فإن على الشهيد أن يتحمل تبعات عمله في الدنيا.

83. إن هنالك اصطلاحاً قرآنياً، وهو اصطلاح شرح الصدر.. ويلاحظ أن الناس في الحياة اليومية على قسمين: هناك طبقة من الناس صدورهم ضيقة إلى أبعد الحدود.. ومن معجزات القرآن الكريم في عالم الطبيعة هذه الآية: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} يقال: إن هذه الآية معجزة قرآنية في عالم الطبيعة، لأن الإنسان كلما ارتفع في طبقات الجو العليا، نقصت نسبة الأكسجين.. وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن يضيق صدره.. والذي يضيق صدره {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} فكلما ارتفع درجة، كلما ضاق صدره أكثر!..

84. إن هناك قسماً من الناس، رزقهم الله شرح صدرٍ كبير.. يقول عليٌ (ع) في وصف المتقين، وهم الذين اُنعِموا بهذه النعمة: (ولولا الآجال التي كتب الله عليهم، لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين)، إن هؤلاء يحلمون بعالم أوسع وأرحب، ويرون الدنيا كالقفص، ويتمنون تلك اللحظة التي يُفتح فيها باب القفص، ليذهبوا إلى عالم فسيح!..

85. إن الإنسان المنشرح الصدر كالبحر، فالبحر ترمي فيه الحجارة يتحرك قليلاً ثم يسكن.. والإنسان ضيق الصدر بمثابة الحوض الصغير، حيث أن أقل هزة وأقل نسيم من الهواء، يجعل هذا الحوض يتلاطم يميناً وشمالاً.. فالمؤمن المنشرح الصدر، لا تحركه العواصف، فهو كالجبال الراسية.

86. إن اللاهوية واللاانتماء من أعظم المشاكل!.. فهناك طبقة من الناس يعيشون في بعض المجتمعات لا جنسية لهم، أي لا يحملون وثيقة ذلك البلد، أو أي بلد آخر.. إن هؤلاء -حتى لو كانت أوضاعهم المادية جيدة- يعيشون حالة القلق والاضطراب؛ لأنه لا انتماء لهم.. والإنسان الذي لا انتماء له مع عالم الغيب، كالإنسان الذي لا يحمل جنسية في هذه الأرض، ونتيجته أنه أينما يذهب ينظرون إليه بعين الريبة والشك.. فإذن، الاتصال بالمبدأ الأعلى، أي الارتباط الصادق.. ولكن أن يدعي الإنسان بأنه مرتبطٌ بالله من خلال شعرٍ، أو نثرٍ، أو ادعاء حالة عبادية، فهذا لا ينفع للارتباط الحقيقي.

87. إن الشريعة ذكرتنا ببعض الأذكار والأوراد، منها: الحوقلة.. فعندما نؤمر بالحوقلة، وبالتهليل، والاستغفار، يجب أن نلتفت للمضامين.. فالإنسان غير منشرح الصدر لأنه يخاف، يحزن ويقلق، فهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. فإذا كان الذي نستجير به علياً، وإذا كان عظيماً، وإذا كان ذا حولٍ وقوة، فما المشكلة في البين؟!..

88. إن الإكثار من الصلاة على النبي وآله، بتأملٍ وتوجه، فقد أدخل السرور على قلب النبي (ص).. والنبي وآله إذا دخل عليهم السرور يردون الهدية مضاعفة.. فالإمام الحسن (ع) يعتق جارية من أجل طاقة ريحان.

89. إن للإنسان ظاهراً وباطناً، وظاهر الإنسان رغم أنه ظاهر مادي، إلا أنه إلى الآن لم يكتشف الأطباء أسرار البدن، كما يعترفون هم بذلك.. فإذا كان البدن المادي بهذا التعقيد، فكيف بالباطن الذي لا يرى؟!.. ولهذا فإن الإنسان الذي يريد أن يصل بنفسه إلى درجة من درجات التكامل، عليه أن يكتشف الخارطة الباطنية.. فالذي يريد أن ينمي بدنه، لا بد وأن يكتشف أسرار البدن.. والذي يريد أن ينمي باطنه، لا بد وأن يكتشف أسرار الباطن.. وهنالك مجموعة عوامل مؤثرة في النفس ولكنها لا ترى، لاسيما تأثير الشهوات غير المرئية: فالوساوس الشيطانية في جانب السلب، وفي جانب الإيجاب نداء الفطرة.

90. لنتلمس آثار العقل في حياة الإنسان.. إن كلمة العقل مأخوذة من كلمة العقال، وهو ما يمنع الدابة عن الشرود، وأصل العقال إنما وضع لهذه الخاصية ثم استعملها البشر.. والعقال في العقل عبارة عن ذلك الجهاز الذي يبطل مفعول الأجهزة السلبية الأخرى في الوجود: كالوساوس، والشهوات، وإغراءات الشيطان، ودواعي الشر، التي كلها بمثابة حيوان هائج.. فإذا لم يمكن القضاء على ذلك الحيوان، فعلى الأقل يقيد، ويربط بالسلاسل.. فالعقل عبارة عن ذلك الجهاز الذي لا يزيل قوى الشر تماماً، ولكنه على الأقل يبطل تأثير القوى في حياة الإنسان.

91. إن من آثار العقل في حياة الإنسان أن يترك الهذر واللغو من الحديث، فالإنسان العاقل له باطن مشغول، وله حديث نفسي.. وهذا الحديث النفسي من أكبر موجبات الأنس: فعندما يخلو الإنسان مع نفسه لا يضطر لأن يبحث عن صديق، أو عن جهاز تلفاز، أو حتى عن كتاب.. فإذا وجد الأنيس الموافق فأنعم به وأكرم!.. وإذا وجد ما يشغله جيد!.. ولكن عندما يكون في سفرة وحيداً، أو في خلوة من خلوات الليل، فإنه ينبغي أن يكون له أنس مع نفسه، ومع عقله، وأفكاره، ومع المخزون الذي اختزنه طوال فترة حياته.

92. إن هناك آداباً معنوية بالنسبة إلى الصلاة، لعل الإنسان لا يمكنه أن يحققها.. فترك حديث النفس، وعدم توزيع الاهتمام في الصلاة، هذه أمنية كبار القوم، وهي أن يصل في يوم من الأيام إلى أن يصلي ركعتين خالصتين من كل خيال، ومن كل تصورات باطلة.. ولكن الإنسان الذي لا يمكنه الإقبال في الصلاة، فبإمكانه الخشوع الظاهري على الأقل.. إن التحكم في البدن أمر ميسور، ومن المناسب أن يعلم الإنسان المصلي كيف يجعل بدنه بين يدي الله عز وجل.. فالتحكم في الروح، والخيال، والفكر أمر عسير.. ولكن التحكم في البدن ممكن!.. ومع ذلك يلاحظ أن بعض المصلين، يترك الآداب الظاهرية والباطنية.

93. إن الطعام الحرام أو المال الحرام إذا دخل بيتاً، فله تأثيره على النفس، وعلى الأولاد، وعلى الذرية، وعلى الزوجة.. وهذا الشيء مفروغ منه في عرف المتشرعة.. وإن البطن إذا امتلأ من الحرام، فمن الطبيعي أن الطاقة التي تنبثق من هذا الطعام المحرم، هي من الطاقات التي لا يمكن أن تكون مباركة، ومستثمرة في سبيل الله عز وجل.

94. من المعلوم أن الإنسان إذا أَلِفَ مكاناً للقراءة أو الصلاة أو ماشابه ذلك، فإنه يكون في ذلك المكان تفاعل لا شعوري في البدن، فعندما يأتي لهذا المكان يتفاعل في صلاته.. لذا الإنسان يحاول أن يبتكر أساليب من أجل أن يستجمع أفكاره في صلاته، ولا يذهب يميناً وشمالاً.

95. عندما يصلي الإنسان بثوب متخذ من الميتة، فإن صلاته غير صحيحة.. فما الفرق بين الميتة وغير الميتة؟.. عندما يذبح المسلم ذبيحة باتجاه القبلة، ولم يقل: (بسم الله) فإن تلك الذبيحة سيكون لحمها حراماً، وينبغي أن تتلف، لأنه لم يذكر اسم الله عليها.. والقلب الذي لا يرتبط بالله -عز وجل- كالميتة، فالذبيحة التي لم تنتسب إلى الله -عز وجل- عند الذبح تتحول إلى ميتة.. والإنسان التارك للصلاة يكون قلبه قلب ميتة، فالذي لا يصلي فإنه لا يذكر اسم الرب على قلبه ولا على جوارحه، وهذا يكون ميت الأحياء.. فإذن على المؤمن اللبق المثالي، وبموازاة الأحكام الفقهية، عند قراءة الرسالة العملية -هذا الفقه الأصغر على أهميته- أن يتلمس الفقه الأكبر من الفقه الأصغر.

96. إن مسألة المنامات ليست خاصة بالأولياء، فعزيز مصر لم يكن مؤمناً، ولكنه رأى مناماً صادقاً، ولهذا يوسف -عليه السلام- أوّلَ تلك الرؤيا التي رآها الملك.. وعلى الإنسان أنْ يعلم أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، إلا إذا أمضاه المعصوم، فعندئذٍ يصبح له قيمة.. وعليه، فإن الأصل في الظنون هو عدم الحُجية.. والمنام مصداق مِنْ مصاديق الظّنْ، فلا ينبغي أنْ نُعوّل كثيراً على المنامات، ولا ينبغي أنْ نتفاعل سلباً أو إيجاباً لمجرد الرؤيا.

97. إنّ تعبير الرؤيا من أسرار الله عز وجل، قد علمها أمثال يوسف الصديق (ع).. أما أن يأخذ إنسان كتاباً مرجعاً في تعبير الرؤيا، فهذا الأمر غير صحيح، ولا ينبغي أنْ يعتد به.

98. إذا كان المنام مُبَشِّرا، فإن الإنسان له الحق في أن يستبشر بالمنام الجيد.. وفي بعض الروايات -إن صحت- أن النبي -صلى الله عليه وآله- عندما كان يواجه المسلمين في بعض الحالات، كان يقول: (هل من مبشرات)؟.. فإذن لا بأس بهذا المقدار!.. وأما إذا كان الواقع خلاف المنام، كأن يرى إنسان -قد عصى الله عزّ وجل طوال النهار- في منامه شخصية على أنها هي المعصوم، فلا ينبغي أنْ يفرح بهذا المنام.. فهو يعلم أنه طوال اليوم كان عاصياً، فما رآه في المنام لا يناسب الواقع الذي كان فيه.

99. إنّ المنامات من منافذ الشيطان إلى قلب بني آدم، فالآية تقول: {إنّمَا النَجْوَى مِنَ الشَيّطان}.. وقد يكون المنام من مصاديق النجوى.. ولعل من أسباب نزول هذه الآية، أنّ الشيطان ينفُذ إلى قلب الإنسان وإلى تفكيره.. إذ أنه إذا لم يمكن أن يستولى عليه في حال اليقظة وفي حال الشعور، فله سبيل آخر وهو سبيل اللاشعور.

100. إن الذي يريد أن يقبل على الله -تعالى- بقلبه، ينبغي أن ينقي قلبه من الشوائب أيضاً.. فإذا كان المولى لا يقبل من العبد صلاة بثوب عليه دم، فكيف يقبل صلاة بقلب دموي، وبقلب قاسٍ، وبقلب يغلب عليه الغضب والقسوة؟.. فالدم علامة القسوة، والإنسان القاسي يكون قلبه متلطخاً بالدم.. والإنسان الذي يريد الصلاة، عليه أن يصلي بثوب مباح، فالثوب المغصوب يبطل الصلاة.. وكذلك الإنسان الذي له حالة من حالات التعدي على الغير، فالإنسان الذي يظلم الآخرين في مجال التعامل الاجتماعي، يعتبر كذلك إنسان غاصب.. فثوبه المغصوب يبطل صلاته، فكيف إذا كان سلوكه سلوك إنسان عدواني في أي مجال من المجالات.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج