100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. عندما يدعو الإنسان ربه طمعاً في تلبية حاجة دنيوية له، فإنه قد لا تستجاب له الدعوة.. وعدم تلبية تلك الحاجة، بمثابة إنسان يذهب إلى دار سلطان طلباً لألف درهم -مثلاً-، وقد لا يرى السلطان أن هذا العطاء في محله، ولكن يجعله من ندمائه ومن المقربين في قصره!.. فيا ترى هل هناك نسبة بين هذا المقام، وبين حرمانه تلك الحاجة البسيطة؟!..

2. إن الله -سبحانه وتعالى- يعطي الحاجة، ولكن في الوقت المناسب، فالإنسان لا يدري عواقب الأمور.. وكما هو معلوم فإن الأمور مرهونة بأوقاتها، كما في دعاء الافتتاح: (ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي، لعلمك بعاقبة الأمور).. الأمور بخواتيمها، ورب العالمين ينظر للعاقبة، فيرى أن هذه العاقبة لا تأتي من خلال إجابة الدعاء.

3. إن الإنسان عمره في الدنيا، مقابل سنوات البرزخ والقيامة عمر قصير جداً.. وعليه، فإن على العبد ألا يستعجل متاعاً عاجلاً في نفسه أو في أمواله.. (ادعني!.. ولا تعلمني).

4. على المؤمن أن ينظر إلى خواطره في الصلاة!.. فما كانت إجبارية، فهو غير مسؤول عن الخواطر الإجبارية.. فمثله مثل من ذهب إلى نقطة إجبارية، ولكن العودة بيده، فهو غير معذور لو بقي فيما هو فيه.

فليحاول كلما ذهب الذهن بعيدا في الصلاة، أن يرجع الذهن إلى الصلاة.. ولو انتهت الصلاة على هذه الكيفية من الكر والفر!.. فمثله مثل طفل مشاغب، يهرب فترجعه ثم يهرب فترجعه، فمن الممكن في هذه الحالة ألا يكون هناك تقدم في البين.. ولكن الله -عز وجل- يحب أن يرى العبد في هذه الحالة.. إن هذه النفس كالطفل، ولكن هذا الطفل بعد فترة يتربى، ويتأدب، ويذهب إلى المدرسة بعد أن يمنع من اللعب في الشارع.

5. لا داعي للاستسلام للأوهام، وعلينا بالواقع.. ومع ذلك من المناسب أن نعوِّذ أنفسنا بما هو المأثور، ولا نذهب يميناً وشمالاً، وخاصةً عند الذين يبتزون الجاهلين في هذا المجال وهم كثيرون.

6. إن الإنسان يحب أن يكون مستبشراً فرحاً منبسطاً، فالحزن والكآبة عملية مخالفة للمزاج.. ومن هنا فإن رب العالمين يبتلي عبده المؤمن بمثل ذلك، أي بالهمّ والحزن.. فعليه قبل كل شيء، أن يبحث عن السبب، إذ لعله أوجب هماً لعبدٍ، أو لأمةٍ، أو لزوجةٍ، أو لولدٍ، فابتلاه رب العالمين في المقابل بذلك الهم، لكي يكون ذلك من الكفارات للذنوب.. وقد تكون السياسة الإلهية في أن يجعل بعض الأوقات العقوبة من جنس المعصية.. فالذي يعق والديه، قد يبتلى بعقوق الأولاد مثلاً.. والذي يتجاوز على أموال الآخرين، يبتلى بالفقر المادي.. والذي يسبب ضيقاً لأحد، قد يبتليه الله -سبحانه وتعالى- بالضيق أيضاً.

7. إن الذي يريد أن يكون عبداً لله عز وجل، وعبداً قانعاً بأدنى درجات العبودية، ويحب أن يدخل الجنة فقط، فمن الممكن أن يقتصر على الواجبات.. وفي بعض الروايات أن بعض الناس يوم القيامة في الجنة ضيوف على أهل الجنة، أي أنهم لا يستحقون الاستقلالية في الخلود، فيعيشون في كنف أهل الجنة.. ولكن شتان بين أن يكون الإنسان ضيفاً وعالة على أهل الجنة، وبين أن يكون مع النبي وآله (ص) وفي درجتهم!..

8. إن هنالك بعض الإبتلاءات خاصة بالمنحرفين والفاسقين، كالشهوات المحرمة.. في حين أننا نجد أن المؤمن يصل إلى درجة من الدرجات، لا يجد في حياته موضع قدم للشيطان في مجال الشهوة المحرمة.. ولكن الشيطان إن يأس من إيقاع الإنسان في الشهوة المحرمة، فإن له سبيلاً آخر.. وذلك السبيل هو عبارة عن إمضاء الغضب، والإبتلاء بما يُقال في عُرف الناس: بالعصبية، أو بالمزاج المتكدر، وبالخشونة في القول.

9. يجب عدم اتخاذ أي قرار عند الغضب، الإنسان يعطل كل حواسه: أي لا يتكلم بأي كلام، ولا يتخذ أي قرار؛ فضلاً عن الحركة البدنية الفيزيائية، من مدِّ يدٍ أو صُراخٍ أو ما شابه ذلك.. لأنه في حال الغضب، فإن زمام أمورهِ تكون إما بيد الشيطان، أو بيد النفس الأمارة بالسوء، ذلك الوجود الذي لا عقل فيه!.. ولهذا فإن أغلب الناس المؤمنين عندما تهدأ ثورة غضبهم، فإن أول خطوة يقومون بها هي الاعتذار ممن غضبوا عليهم.

10. الإنسان الذي يغضب لابد وأن هنالك شيئاً لم يعجبه في زوجته، أو في ولده، أو في شريكه.. فبدلاً من أخذ موقف فُجائي غير مدروس، واختصار الموضوع بكلمة نابية، أو بصراخ، أو بما شابه ذلك؛ فليحاول أن يدرس جذور القضية.. فالإنسان عندما يغضب يكون هدفه من ذلك، ليس عبارة عن تسجيل موقف، بل المقصود هو تغيير الواقع.. فإذا كان هذا هو الهدف حقيقة، فعليه الذهاب للجذور.

11. إن الدعاء في ساعة الرخاء، دافع للبلاء في ساعة الشدة والضراء.. إن الإنسان المؤمن الذي يكثر من الدعاء، وهو في حالة الاسترخاء والارتياح -كليلة زفافه مثلاً، وفي ساعة لا يكون عنده فيها أي مشكلة- فإن هذه الدعوات تدخر، لتثبت عبودية العبد الخالصة.

12. يجب استقبال البلاء قبل وقوعه بالدعاء، وافتتاح النهار بذكر الله عز وجل، والإستعاذة.. إن هذين المعجونين إذا تركبا، فإنه يرجى أن يكون به الإنسان في حماية رب العالمين.. إذ { لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا}.. وهنيئاً لمن كان محاميه ووكيله رب العالمين، الذي بيده مقاليد كل شيء!..

13. إن الإنسان قد يعيش في نفسه حالات غير جيدة تجاه الآخرين في بعض الأوقات، وهي حالات خبيثة، أو قد تكون قبيحة من قبيل: سوء الظن، والحسد، والتهمة الباطنية، وهي من الأمور التي قد لا يُظهر صاحبها شيئاً، ولكنه في قلبه يتهم الآخرين، ويعيش حالة البغضاء، وحالة تمني زوال النعمة عن الغير.. إنها خلجانات في باطن النفس، ولكنها تصل إلى درجة قد يستحي في بعض الأوقات أن يتفوه بها.. هذه الحالات الباطنية تشبّه بالدخان في باطن النفس، فالدخان لا يحرق المنزل، ولكنه يسوّد جدار ذلك البيت.. صحيح أن هذه الحالات قد لا تجر الإنسان إلى المعصية، ولكن بلا شك تسوّد باطنه.

14. إن الخواطر تأتي الإنسان في بعض الأوقات على شكل هواجس، لا على شكل أفكار يتبناها.. فهو يلقن نفسه الحب للآخرين، ويلقن نفسه حب تمني النعمة للآخرين، ولكن تأتيه هذه الخلجانات بشكل قهري وإجباري، وهو يتأذى من ذلك.. فهذه ليست صفة ذميمة، ولهذا ورد في الرسالة العملية -في بحث الصلاة، في بحث النية، في بحث الرياء-: لو أن الإنسان عاش حالة الرياء، ولكن على شكل أفكار وهواجس، كأن يأتيه الشيطان ويقول له: أنت صلِّ تقرباً إلى الناس والسمعة.. ولكن يكون هذا بمثابة فيلم يمر في ذهنه، وهو يتأذى ويستعيذ بالله من ذلك.. فهذا ليس برياء مبطل!. فإذن، إن الإنسان المؤمن قد يعيش هذه الحالات، ويحكم على نفسه بالسوء وبالسلب.. ولكن عليه التوقف قليلاً، فإذا رأى نفسه منزجراً، متألماً من هذه الحالات، فهو على خير.

15. لا بأس للإنسان أن ينظر بين فترة وأخرى، في أن الله -عز وجل- هل راضٍ عنه أم لا؟.. المرأة في الأسرة دائماً تعيش هذا الهاجس: أي أن الزوج راضٍ عنها أم لا؟.. والموظف يعيش هاجس: هل أن صاحب العمل راض عنه أم لا؟.. فعلى الإنسان أن يعيش هذا الهاجس دائماً بالنسبة لله -تعالى- بطريق أولى!..

16. إن رضى الله -عز وجل- عن العبد، يعني السعادة، ويعني الرزق الوفير، والعافية، و..الخ.

17. إن الصلاة الواجبة من الممكن أن يكون فيها بعض التسهيلات الإلهية.. ولكن حاول أن تنظر إلى قلبك في صلاة من دون أي وجوب شرعي، لترى كيف نفسك فيما لم يفترضه الله تعالى عليك!..

18. إنّ إخلاص النية في كل قول وفعل، أساسٌ لمرضاة الله تعالى.. وينبغي البحث عن كل دواعي الشرك الخفي في العبادة.

19. إن وضوح الخطة والجادة أمرٌ لازم للسائرين، فما لم تكن الخطة واضحة في مقدماتها ونهاياتها، وما لم يعلم السائر بالعوائق والموانع، فإنّ كل شبهة في الطريق تجعله يتقهقر إلى الوراء حيث انتقام الشياطين التي تغيظها حركة السائر إلى الله تعالى، فتصادر المكتسبات الماضية، مع عدم السماح لمحاولة جديدة.

20. إنّ الاعتقاد بلزوم التحلي بالصبر في الوصول لبعض مدارج الكمال، تدفع عن صاحبها حالة اليأس!.. فالذي يستعجل في قطف الثمار، ليست لديه القدرة على مواصلة الطريق.. ومن هنا كان الصبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد.

21.  إنّ معنى (الحوقلة) هو التبـرّي من كل حولٍ وقوة إلا بالله العزيز، وهذا لا ينافي السعي البشري في تحقيق النتائج.

22. ينبغي مراعاة الشمولية والموازنة في العمل بكل حذافير الشريعة، فللإسلام أحكامه: الاجتماعية والفردية، والبدنية والمالية، والعلمية والعملية.. فلا ينبغي التحيّز إلى جهة على حساب جهةٍ أخرى، وإلا كان صاحبها ممن يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فينمو عنده جانب بشكلٍ غير متوازن، وعندها يقع في دائرة الإفراط والتفريط.

23. إنّ ارتكاب الحرام المتعمّد -ولو في أدنى درجاته- يعكس حالة عدم الصدق في التقرب إلى الحق المتعال.. فكيف يمكن التقرّب إلى من نتعرّض لسخطه بشكلٍ متعمد؟!..

24. إنّ الالتزام بالتلاوة الواعية، يوجب انفتاح أبواب المعرفة القرآنية الخاصة، وإن لم يكن صاحبها متوغلاً في علوم القرآن.. فللقرآن إشاراته ولطائفه ورموزه، وكل ذلك يحتاج إلى شرح الصدر، ومن عوامله التلاوة الواعية.

25. إنّ السير في الطريق من دون كدحٍ ومجاهدة، ضربٌ من ضروب الخيال يعيشه أصحاب الأماني ممن لا همّة لهم في الحياة.. فالذي يعشق الدعة والراحة، ويهوى موافقة جميع ما يجري لمزاجه وهواه، عليه أن يعلم أنّ الكدح والمجاهدة هو سنّة الله -تعالى- في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.. ولو كان الإعفاء من ذلك لطفاً، لكان الأنبياء (ع) أولى بهذا اللطف.

26. إنّ امتلاك البنية العلمية القوية، وخاصة في مجال: العقائد، والفقه، والقرآن، والحديث، والسيرة، نِعْم المعين لمعرفة ما أراده المولى من عبده.. إذ أنّ مراد المولى في الجزئيات المرتبطة بالشريعة لا تُدرك بالعقول، بل لا بد من الاتصال بمبدأ الغيب، وذلك لا يتم إلا عن طريق أمناء الله على وحيه، وهم المعصومون من النبي (ص) وأهل بيته (ع)، وما خرج من غيرهم فهو زخرف يصدّ عن الحقّ.. أضف إلى أنّ هذه المعرفة، ضمانٌ لعدم الوقوع في الهفوات المعهودة في مجال المعرفة النظرية، والتي تشكّل مقدمة للوقوع في المهالك العملية.

27. ينبغي الاحتراز عن المزاجية في التعامل مع النفس ومع الغير.. وعليه فإنه لا يصح الترجيح بين أفراد الواجب، أو أفراد المستحب، أو بين أنواع المستحب، على أساس موافقة المزاج الذي قد يخلقه المرء -من تلقاء نفسه- في نفسه.. فإنّ الله تعالى يريد أن يُطاع من حيث يريد هو، لا من حيث يريد العبد.. ومن المعلوم أنّ الهوى إذا صار دافعاً وسائقاً للعبد، انقلب إلى إلهٍ يُعبد من دون الله عزّ وجلّ، وإن كان ما أمر به الهوى حسناً في حدّ ذاته، وذلك كمن يحترف خدمة الخلق بدوافع ذاتية، فإنه لا يعيش أدنى درجات القرب الشعوري من الحق المتعال، إذ أنّ الحسن الفعلي شيءٌ والحسن الفاعلي شيءٌ آخر.

28. إنّ المستبد برأيه: سواء في الجزئيات اليومية أو التعاملات السلوكية، أقرب إلى الخطأ والزلل من غيره.. فإنّ المشورة الواعية مع من يوثق بعقله وأمانته، ضمانٌ لتقليل نسبة الخطأ في السير، وخاصة مع استلهام الحق في المشورة.. ومشاورة ذوي العقول المستنيرة بالأنوار الإلهية، إنما هي مشاركة لهم في عقولهم، ولطالما وفرّت على السالك تبعات تجارب الخطأ والصواب.

29. إنّ حالات التذبذب في الإقبال على الحق المتعال، بحسب الزمان والمكان والبيئة، أمرٌ معهودٌ ومتعارفٌ في حياة العباد.. والمهم في الأمر أن لا يتنـزل العبد إلى ما دون المستوى المتعارف، حيث حالة الإعراض عن الذكر بل النفور منه.

30. إنّ الصلاة لها دورها الأساس في عملية إعادة التوازن، الذي قد يفتقده العبد من موعد فريضةٍ إلى موعد فريضةٍ أخرى.. إذ أنّ العبد بين الفترتين عُرضةٌ لكثيرٍ من الغفلات والخطايا، التي لو تراكمت لأطفأت ذلك النور الذي يتلمس به الطريق، ومن لا يتقن الحديث مع الرب الودود، بعيدٌ كل البعد عن المراحل الخاصة بالتكامل، ولو كان للحق التفاتة إلى العبد، لتحققت الالتفاتة من جانب العبد إلى الرب، فهو -على رحمته التي وسعت كل شيء- لا يعبأ بغير الداعي.. وما حال عبدٍ لا يعبأ به سيده؟!..

31. إن المراقبة الشديدة في القول والفعل، ضمانٌ أكيدٌ لضبط السلوك في المجالين.. ومَـنْ لا مراقبة له، لا يُـؤمن منه صدور الأخطاء الفادحة التي قد تستنـزل غضب الرب، بما قد يكون طارداً له عن أصل الطريق.. ولا نعني بالمراقبة المتقطعة العابرة، وإنما المراقبة الدقيقة الدائمة.. إذ أنّ العدو المتربص لا يحتاج إلى غفلةٍ مطبقة في كلّ الأوقات، بل تكفيه الغفلة في برهةٍ من الزمان، ليصادر المكتسبات في ساعة اليقظة، ومن الواضح أن عملية الكرّ والفرّ هذه، لا تدع السالك يتقدم ولو قليلاً.

32. إنّ العبد الملتفت إلى نفسه، شكورٌ في التعامل مع الخلق والخالق، تخلّقا بأخلاق الرب المتعال، ويتجلى ذلك من خلال تقدير أي إحسان من أي أحدٍ وفي أي مجالٍ.. ولهذا لا يمكنه التفريط بحقوق الأرحام (وخاصة الوالدين)، وذوي الحقوق من المؤمنين.. فالتفريط بالحقوق، يعكس حالة الكفران الممقوت عند الرب المتعال.. والكفور مع الخلق لا يُؤمن منه أن يكون كفوراً مع الحق المتعال.

33. إن الاستغفار وِردٌ دائم للمؤمن، إذ أنه قاطعٌ بأنه لا يؤدي حق المولى كما يريده في كل لحظة من لحظات حياته.. وبذلك تنقلب لحظات الحياة عنده إلى لحظات متكررة من التقصير مع الحق أو الخلق أو كليهما، ومن هنا يتعيّن الاستغفار المتواصل، مقترنا بالجدية والإنابة، لا إسقاط التكليف فحسب!..

34. إنّ الأنس بالحق -وخاصة في حالاته الشديدة- يهيئ العبد لحالة من التثاقل من الخلق، بداهةً أنّ الألذ يُشغل عن اللذيذ، فكيف إذا فقد اللذيذ لذّته؟.. ولكن ذلك لا يعني حالة النفور والتعالي الذي يفوّت عليه واجباته الاجتماعية، إضافة إلى أنّ نفس هذه الحالة من النفور سلبيةٌ في حد نفسها، والعلاج الجامع لهذه الحالة: هو النظرة الطولية إلى ما سوى الله في جنب الله تعالى، إذ أنّ تلك الحالة من النفور، نتيجةٌ طبيعيةٌ للإحساس بالنديّة بين المحبوب وما يُشغل عنه، فإذا لم يعد الغير شاغلاً ما صار ندّاً، وإذا لم يكن ندّاً ما عاد منفوراً.

35. إنّ الإنخراط في صفوف الغافلين والالتهاء بأباطيلهم، علامةٌ واضحةٌ لوجود حالة مرضية في النفس، جعلتها تألف أجواء الغافلين.. ومن المعلوم أنّ معاشرة الغافلين، توجب تعدية الرذائل الخلقية بشكلٍ تدريجي من دون إلتفات.. أضف إلى أنّ مجالس الغفلة من مظان إعراض الحق بل غضبه، وماذا بعد إعراض الحق إلا القسوة والضلال؟..

36. إنّ من سنن الله -تعالى- في عباده، هو الابتلاء في الأبدان والأموال والأنفس.. فمن ليست له القدرة على تحمل الصعاب برضاً وتسليم، فإنه سيعيش -شاء أم أبى- حالة السخط من قضاء الله وقدره، وهو كافٍ لشقاء العبد.. بل لا بد من ترقي العبد من مرحلة التسليم والرضا، إلى مرحلة المحبة لما اختاره المولى الحكيم.

37. لابد وأن يكون للعبد لحظات من الخلوة، يختلي فيها لنفسه مع ربه، بعيداً عن زحمة الحياة والأحياء.. وجوف الليل من أفضل الساعات التي يمكن أن يحقق فيها هذه الخلوة، ليستعيد كتابة جدول حياته اليومي والفصلي والسنوي.. فإن الوصول إلى الله لا يدرك إلا بامتطاء الليل.. إن هذه الخلوات لمن أعظم موجبات تحقق التجليات الإلهية، التي تقتلع العبد من عالم المُلك إلى عالم الملكوت.

38. إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق.. فإن القسوة في التعامل مع النفس والبدن وإجبارهما على بعض الطاعات من دون رغبة -ولو متكلفة- قد تحدث ردة فعل في النفس، تجعلها تنفر من ثقل الطاعة، لتستذوق حلاوة المتع الرخيصة والفانية.. إن الالتزام بأوراد عبادية -سواء في عالم المناجاة أو التوسل- أمر مطلوب، ولكن بشرط عدم التحميل الإجباري المنفر للنفس.

39. إن حرص السالك على حلية مكسبه ومأكله -وخاصة في زمن فشا فيه الحرام في كل أبعاده- ضروري لتحاشي الآثار السلبية للحرام الظاهري على الأقل، وإن كان السعي -قدر الإمكان- للتخلص من آثار الحرام الواقعي مطلوباً أيضاً.. فكما أن للغيبة ملكوتها (وهو أكل الميتة)، وللربا ملكوته (وهو التخبط من المس)، ولأكل مال اليتيم ملكوته (وهو أكل النار)، فكذلك للحرام المأكول والملبوس ملكوته الذي يعرفه أهله.

40. إن الأرزاق المادية والمعنوية في عصر الغيبة يجريها الرازق على يدي وليه المنتظر (ع)، كما هو مقتضى النصوص المباركة.. وعليه فإن الارتباط به (صلوات الله تعالى عليه) عاطفة وعقيدة وسلوكاً، لمن موجبات مضاعفة تلك الأرزاق ومباركتها، إذ أننا نعتقد أن رعايته (ع) للأمة كرعاية الشمس من وراء السحاب، ولا يعقل أن يهمل ولي الأمر وحجة العصر تلك النفوس المستعدة التي تطلب الكمال بلسان حالها أو مقالها، وما تحقق الفوز والفلاح في هذا المضمار -طوال زمان الغيبتين- إلا لمن أتى هذا الباب بصدق، وتوجه إلى ذلك الوجه بانقطاع.

41. إن التأثر الشعوري بمصائب أهل البيت (ع) في مختلف المناسبات، من مصاديق التولي، وإحياء الأمر، ومودة ذوي القربى.. وهذه العناوين لها دورها الحاسم في التسديد والمباركة، بشرط الالتزام بحالة التأسي التي يفترضها الولاء والمحبة الصادقة.. مما لا شك فيه أن هذا التأثر -وخاصة العميق منه- لا يأتي من الفراغ، بل هو كاشف عن نوع ارتباطٍ وتجانسٍ مع تلك الأرواح الطاهرة.. ومن المناسب أن نؤكد في هذا المجال، أن لا ينتظر الإنسان المواسم أو المجالس التي تحرك الإنسان في هذا المجال، بل يبتكر الأساليب المؤثرة في إثارة العواطف وخاصة في الخلوات.

42. إن العبد يحتاج إلى محطات عبادية متميزة في كل عام متمثلاً: بالحج، والعمرة، أو زيارة إحدى المشاهد المشرفة.. إذ فيها خروج عن المألوف من الحياة المادية، إضافة إلى التعرض للنفحات المركزة في تلك المشاهد.. ولكن هذه الأجواء العبادية المباركة تعطي ثمارها الكاملة، عند الالتزام بشروطها كأية عبادة أخرى، فالتقصير في المعرفة النظرية لأصحاب تلك البقاع الطاهرة، أضف إلى الغفلة العملية أثناء التواجد في تلك المشاهد، مما يوجب الحرمان من الفيوضات المتاحة لمستنـزلي الفيض.

43. إن كتمان الحالات الروحية المتميزة عن عامة الخلق، من دواعي إبقاء تلك الحالات.. إضافة إلى تجنيب صاحبها من آفة الرياء المقترن بالعمل، أو العجب اللاحق للعمل؛ وكلاهما من محبطات الأجر.. ولا ينبغي الخروج عن قاعدة الكتمان إلا في ظروف استثنائية: كإخبار ذوي البصيرة في شؤون النفس وتقلباتها، أو تشجيع طالبي الكمال بذكر بعض التجارب المشجعة في هذا المجال.

44. مراجعة سِـَير الصالحين -وخاصة المتأخرين منهم- في العصور القريبة، يمنح العبد الأمل المشرق، وخاصة مع بداية حالات اليأس.. لأن هؤلاء الصالحين شقّوا دروبهم في ظروف مشابهة من حيث المقتضيات والموانع، ولا شك أنهم حجج على باقي العباد يوم القيامة، لئلا تبقى حجة للمتذرعين: بجبر البيئة، ومقتضى الزمان، وغلبة الأقران.. فالبعض يعفي نفسه من التأسي بالمعصوم (ع) بدعوة استحالة التأسي بهم.. فليتأس بمن يشترك معهم في الصفات البشرية المشتركة.

45. تكثّـر موجبات الالتهاء في الحياة اليومية سواء في مجال: المسكن، والملبس، والمأكل، يكثّف الحجب على النفس، ويدفع العبد إلى حالة من اللاتركيز في وقت يكون أحوج ما يكون فيه إلى التركيز في تقربه إلى المولى المتعال.. إن الروايات المختلفة تؤكد على أن العبد في هذه الحياة بمثابة ضيف حلّ بدارٍ، وهو يعلم بالرحيل عنها بعد حين، فهل رأينا عاقلاً ينشغل بتزيين دارٍ، وهو يعلم أنه سيرحل عنها في أية لحظة، من دون سابق إنذار؟!..

46. إن الإكثار من القول يعرّض صاحبه للإكثار من الخطأ، وهو بدوره من موجبات قسوة القلب وموته أخيراً.. فالصمت عن ما لا يعني العبد هو الحالة الطبيعية التي لا يؤاخذ عليها العبد، بينما الكلام يحتاج إلى دليل وعندها يُكتب العبد محسناً أو مسيئاً.. وليُعلم أخيراً: أن موارد المؤاخذة على الكلام -يوم القيامة- لا تقاس بموارد المؤاخذة على الصمت.

47. إن عصرنا يتسم بالتخطيط والبرمجة حتى في أبسط الأمور!.. ولكن عندما يصل الدور إلى تربية أعقد كيان في الوجود، نرى البعض يتوقع النتائج الباهرة من خلال: الفوضى، والتسيب، وقلة البال، وعدم الإصرار والمواصلة، وغيرها من المعاني التي تضاد البرمجة.. فأمير المؤمنين (ع) عندما يوصي بنظم الأمر، يريد نظم الأمر بمعناه الشامل لكل فروع الحياة.

48. قد يصادف العبد في سيره إلى الحق المتعال، بعض البركات الظاهرية المتصلة بعالم الغيب، وقد تكون هذه -إذا لم تكن وهماً- بعض الثمار المعجلة تشجيعاً لصاحبه على السير.. إلا أن العبد الملتفت، عليه أن لا ينشغل بها؛ لأنها ليست من العبودية في شيء، فهمّ العبد أن يصلح ما بينه وبين ربه، ولا يهمه ما العطاء بعد ذلك؟!.. إذ التدخل في شؤون الرب الحكيم، نوع من سوء الأدب الذي قد لا يغفر لصاحبه، وخاصة إذا كان في المراحل العليا من التكامل.

49. إن الشيطان أخبر الخبراء في إغواء العباد، وهو العالم بنقاط ضعف كل عبد تفصيلاً، لأنه واكب حياة العبد من أولها إلى آخرها.. وعليه، فإنه ينبغي للعبد أن يكتشف نقاط ضعفه بنفسه، سواء في مجال الشهوة والغضب أو غيره، ليقطع الطريق على العدو، الذي أقسم بعزة الحق إلى إغواء الجميع إلا المخلَصين، وأين هم؟!..

50. إن النوافل اليومية -وخاصة صلاة الليل- وكذلك صلاة الجماعة، من المستحبات التي قلما ورد التأكيد في مستحب مثلهما.. ومن هنا لزم الالتزام قدر الإمكان بهذين الندبين، إذ أنهما من موجبات النظرة الإلهية الخاصة بالعبد، ولطالما يحتاج العبد إلى هذه النفحات التي توجب له الطفرة في السير.. إن التواجد في الأماكن التي تمارس فيها الطاعة بشكل جماعي، من مصاديق استنـزال الرحمة، التي قد لا تنـزل في الحالة الفردية لممارسة العبادة.

51. إن طول الأمل من روافد الخسارة الكبرى، فإن المتبقي من العمر وإن بدا للوهلة الأولى طويلاً، إلا أن كرّ الليل والنهار، يطوي صفحة الحياة بسرعة، وخاصة أن فرص التعالي الروحي، تزامن فترة النشاط البدني، وهي المرحلة المتوسطة من العمر.. نعم في المرحلة المتقدمة من الحياة، تتم عملية التنضيج والتثبيت لما قد بُني أساسه في المرحلة السابقة.. ولهذا قلما وجدنا حالات الطفرة والإنابة واليقظة في المراحل المتقدمة من العمر، بل الشيطان يمسح على وجهه -بعد تكاثر الذنوب- قائلاً: "هذا وجه لا يفلح أبدا ".

52. إن من الخطأ الفادح أن نحصر السعي المركز لحيازة رتب العبودية العالية بفئة من الناس.. فإن الحق المتعال وعد بعدم تضييع عمل عامل من ذكر أو أنثى، فالمهم أن يكون العبد عاملاً لا خاملاً، والشريعة إنما جاءت لتكامل الجميع، فالتلقين النفسي أن العبد دون مستوى حتى التفكير بهذه الأمور، من السبل الشيطانية لتثبيط العبد.. والتاريخ يعرض لنا صوراً بليغة من التكامل سواء في مجال: النساء أو الرجال، الأحرار أو العبيد.

53. إن التفكير في المشاكل اليومية، يوزّع اهتمام العبد كثيراً.. والحل الأمثل في مثل هذه الحالات، هو تفويض الأمر إلى الخبير القدير، مع عدم الإتيان بما ينافي رضاه في المجال الذي فوّض الأمر إليه على الأقل.. فهو الذي يرزق بغير حساب، وهو الذي يجعل للعبد المخرج بما لا يخطر على البال.. فالاضطراب النفسي تجاه أمور الدنيا والمعاش، لا يدع مجالاً للتركيز الشعوري والذهني لما يعود إلى المبدأ والمعاد، وخاصة بعض المشاكل التي تشكّل عنصر توتر دائم في الحياة: كالمشاكل الزوجية والعائلية والاجتماعية.

54. إن الفرص تمر كما تمر السحاب، فقد تمر على العبد فترة تفتح فيها شهيته لبعض الموائد الربانية، ولكن عدم التزود وعدم الإقبال على الرزق المعنوي، يزيل الشهية أولاً، ثم يوجب رفع المائدة ثانياً إلى غير رجعة.. ومن المؤسف في هذا المجال، أن العبد قد لا يلتفت أصلاً إلى هذه الفرص، فلا يشعر بها إلا بعد مرورها.

55. إن من موجبات منّـة الحق على عبده، هو الاهتمام بحوائج العباد الذين هم عيال الله تعالى، وإدخال السرور عليهم: سواء فيما يتعلق بالمادة أو المعنى.. ومن المعلوم الأثر الأعظم لإدخال السرور على الملك الحق المبين، وعلى العبد أن يسعى للتعرف على حوائج الخلق، قبل ابتلائهم بذل السؤال.. ومن اللازم هنا الالتفات لعظمة تأثير تفريج الكروب عن النفوس في شرح الصدور.

56. لا ينبغي الإنشغال بالنفس عن الغير، وكذلك العكس.. فالكثيرون لا يعرفون أوليات الشريعة في حلالها وحرامها، فشكر نعمة الهداية يقتضي الأخذ بيد من يمكن هدايته، وعلى الخصوص الأقربين.. فمن أفضل سبل التقرب إلى الحق المتعال، هو تحبيب العباد إليه تعالى بذكر آلائه ونعمه، ومن ثم تخليصهم مما تورطوا فيه موجبات البعد عن الحق المتعال.

57. إن القلب الكبير يستوعب كل المعاني ويخلطها، ويعمل منها معجوناً صالحاً لكل أمراضه.

58. إن الإنسان مدني بطبعه، فهو لا يعيش في معزل عن المجتمع: هناك تزاور، وهناك علاقات.. ولكن هذه العلاقات غالباً غير قائمة على محبة الله عز وجل، يقول تعالى في كتابه الكريم: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}؛ أي أن كل علاقة مبنية على: المصالح، والمنافع، والشهوات والمطامع؛ تتكسر يوم القيامة.. ولكن لماذا يصبحون أعداء يوم القيامة وقد كانوا أخلاء في الدنيا؟.. لأن كل واحد منهما شغل الآخر، ويوم القيامة كل طرف يدّعي على الطرف الآخر، مثلما يدّعي جميع الناس على إبليس، فيدافع عن نفسه دفاعاً بليغاً، فيقول: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

59. إنْ أصبح الإنسان مصدراً لمراجعة الناس؛ فليشكر الله -عز وجل- على هذه النعمة، عن الإمام الحسين (ع): (واعلموا أن حوائج الناس إليكم، من نعم الله عليكم.. فلا تملوا النعم، فتحور نقماً).. هنيئاً لأصحاب قضاء الحوائج!.. فلا تملوا النعم، فترحل عنكم إلى غيركم؛ لأن رب العالمين لا حاجة له بالملول {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.

60. إن تحقير الذنب فيه إهانة، وتحدٍّ مبطن لله -سبحانه وتعالى-.. روي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «لا تنظروا إلى صغير الذنب، ولكن انظروا إلى ما اجترأتم».. وفي رواية أخرى أوحى الله -عز وجل- إلى عُزير (ع): (يا عُزير!.. إذا وقعت في معصية، فلا تنظر إلى صِغَرها، ولكن انظر مَن عصيت).

61. إن الذنوب الصغيرة، وتعدي حدود الله -عز وجل- بمثابة إنسان تسلل حدود دولة أجنبية، وحرس الحدود لهم الصلاحيات في إطلاق النار على كل متسلل، ولو على شبر واحد.. لأنه ليس هناك فرق بين أن يجتاز متراً من هذه الحدود، أو كيلومترات؛ فهو إنسان متعدٍّ.. ولهذا القرآن الكريم يقول: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.. وعليه، فإن هذا حد لا ينبغي للإنسان أن يتجاوزه.

62. إن الإنسان لا يعلم ما هي الطاعة المقبولة عند الله عز وجل، قد يقوم الإنسان بعمل كبير يعوّل عليه، فيأتي يوم القيامة وهذا العمل لم يقبل منه، وقد يكون بناء مشروع عظيم!.. وقد يقوم بعمل لا يلتفت إليه؛ ولكن هذا العمل وقع في موقعه.. فنحن لا نعلم ما هي موازين القبول وعدم القبول!..

63. إن الحزن الدنيوي، لا وجود له في حياة المؤمن، حتى في أحلك الظروف!..

64. إن المتقين لهم موقف ومحطة في جوف الليل، فمن لا ليل له لا نهار له؛ أي من ليس له ليل إلهيّ رباني؛ فنهاره نهار الغافلين.

65. إن المتقين لهم هذه البرامج في جوف الليل: تلاوة القرآن الكريم تارة، والدعاء تارة، والصلاة بين يدي الله -عز وجل- تارة أخرى.. فهؤلاء طوال النهار ينتظرون قدوم الليل، ليستمتعوا بهذه البساتين الثلاثة.

66. إن الإنسان المؤمن بمجرد أن تسلب منه النعمة، بدل أن يقرأ الفنجان والأبراج والكف، ويسب الزمان؛ فلينظر إلى نفسه ما الذي فعله؟.. ومن أسوأ صور المعاصي: أن يعصي الإنسان ربه وهو مرتاح.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أذنب ذنباً وهو ضاحك؛ دخل النار وهو باك).. مثلاً: ينظر إلى فيلم حرام وهو يضحك، أو يقامر وهو يضحك؛ هذا الإنسان في منتهى السوء؛ لأنه يعصي ولا يعيش حالة الخجل من الله عز وجل.. لذا فإنه يدخل النار مقابل ذنبه، وباكياً مقابل ضحكه في الحياة الدنيا، وهو يرتكب المعاصي.

67. إن التفكير قسم منه سوداوي خيالي، والشيطان له صولات وجولات في نفس الإنسان.. فلو كان هناك محل تجاري فيه جواهر مثلاً، وليس لهذا المحل أبواب، عندئذ الكل يدخل إلى ذلك المحل؛ فهل يبقى شيء في ذلك المكان؟.. كذلك قلب الإنسان محل مفتوح، وفي داخل القلب جوهرة الإيمان، والاطمئنان، والرضا بقضاء الله وقدره.. ولكن الشيطان يده مفتوحة، فرب العالمين سمح لإبليس أن يعمل ما يشاء في عالم الوسوسة، لا في عالم الأبدان.. في عالم الخارج الشيطان ليس له الحق أن يدفع الإنسان بيده إلى محل القمار -مثلاً- ولكن يوسوس له.. لهذا في يوم القيامة يبرئ نفسه قائلاً: {...إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..}.

68. إن التفكر في الله عز وجل، وفي الذات المقدسة؛ منهي عنه.. لأن الإنسان يدور في حلقة محدودة، ورب العالمين فوق هذه الدائرة.. وكل ما يتصوره الإنسان بأوهامه؛ فهو مخلوق له مردود إليه.. إذن التفكر في الذات المقدسة منهي عنه، وإذا ذهب فكره إلى هذا العالم؛ فليكثر من الحوقلة فإنه باب خطير!..

69. إن البعض منا يعرف الإمام زين العابدين (ع)، من خلال مأساة كربلاء.. ولكن له رسالة باسم "رسالة الحقوق" هذه الرسالة جديرة بالدراسة والتأمل، وكل من يحبه ويحب آباءه وأبناءه من المناسب أن يراجع هذه الرسالة.

70. إن الإنسان المؤمن يحفظ كل جميل، ولا ينساه أبداً.. ولهذا المؤمن إذا فُتح له باب توجه في أحد المشاهد المشرفة، لا ينسى ذوي الحقوق عليه.. فالمؤمن شكور، والمنافق كفور ينسى كل جميل قُدّم له لمجرد زلة واحدة، فـ"من لم يشكر المخلوق، لم يشكر الخالق".. والإنسان المتفرعن في باطنه؛ متفرعن مع الجميع، بينما المؤمن وجود شاكر.

71. إن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، فرب العالمين لم يخلق العقول متشابهة.. الأبدان من حيث المظهر الفسيولوجي متشابهة في وظائفها، ولكن: العقل، والتفكير، والإدراك، والمزاج؛ كل هذه أمور لكل إنسان بصمته الخاصة فيها.. فكما أنه لا تعدد في بصمة يد الإنسان، كذلك لا تطابق في أفكاره.

72. إن القانون الأول في الخصومة، أن لا تجعل لنفسك الحق بشكل مطلق، بل دائماً احتمل الخلاف قل: أنا على حق، وأحتمل أن غيري مخطئ، وقد يكون غيري مخطئاً، ويمكن أن يكون الصواب معه.

73. لابد أن يدرس الإنسان الهدف من الخصومة، إذا كانت الخصومة فيها فائدة، لا بأس بذلك، أما إذا كان من يخاصمه متمسكاً برأيه، ولا تنفع فيه مواعظ الواعظين؛ فلماذا يدخل المؤمن معه في نقاش؟.. يقول تعالى في سورة المنافقين: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

74. إن الإنسان المتعنت، ينبغي ألا يدخل المؤمن معه في جدال.. قد يقول قائل: ولكن هذا الشخص المتعنت هي: زوجتي، أو أخي، أو أبي.. لذا فليسأل الله -تعالى- أن يلين القلوب!.. فرب العالمين يحول بين المرء وقلبه.

75. إن الشخصية الإيمانية في جوف الليل، تطلب من الله -عز وجل- أن يكون محامياً ووكيلاً عنها.. نحن عادة هذه الآية نقرأها قراءة، ولا نعمل بها {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.. مثلاً: يقول الزوج في جوف الليل: أوكلت أمر زوجتي إليك، يا رب أنت المنتصر!.. ولكن إذا جاء النهار: رفع صوته، وضرب، وكسر، وغيره.. أين التفويض، وأين الفعل؟.. فالمفوّض أبرد من الثلج، ما دام فوّض الأمر بعد أن سعى سعيه؛ عليه أن ينتظر دفاع رب العالمين.. إن الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}، لا عن الذين أسلموا، ولا يدافع عن الإنسان الغافل عن ذكر الله عز وجل.. إنما عندما يصير الإنسان مؤمناً؛ رب العالمين يكون أكبر المحامين عنه، وقال جلّ من قائل: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}؛ إن كان من المؤمنين فالنصر له، سواء كان فرداً أو أمة.

76. إن وظيفة المؤمن عندما يسمع من أخيه كلمة سيئة؛ أن يعمل بهذه الروايات: ورد عن رسول الله (ص) قوله: (إحمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير).. وعن أمير المؤمنين (ع): (لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلًا)!.. وعن الصادق (ع): (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا.. فإن أصبته، وإلا قل: لعل له عذرًا لا أعرفه).. ليس معنى ذلك أن يكون كالنعامة، يدس رأسه في الرمال، ويقول: ليس من صياد!..

77. إن هناك وظيفتين -حسب الظاهر- مختلفتين، ولكنهما وظيفتان، وهما: الحمل على الأحسن، والحيطة والحذر.. فالحمل على الأحسن مع وجود هذه الأجواء المفسدة؛ أمر صعب.. ولكن المؤمن في نفس الوقت الذي لا يبالي فيه بكلام الآخرين، أيضاً عليه أن يحذر ويدفع البلاء قبل نزوله.

78. إن الإنسان عندما يحمل فعل أخيه على محمل حسن، ثم يتبين أنه فاسق فاجر، هو لم يخسر شيئاً، يقول: يا رب، أنا حملته على محمل حسن، ثم تبين أن هذه التهمة صحيحة.. وأما العكس: إذا لم يحمله على محمل حسن، وتكلم عليه وأسقطه من الأعين، ثم تبينت براءته؛ فهنا الكارثة!.. يوم القيامة لا يقال: لِمَ لم تتكلم على فلان؟.. بل يقال: لمَ تكلمت على فلان، وأنت لست على يقين؟!..

79. إن الإنسان أثناء قيادته للسيارة، يأخذ الحيطة والحذر في كل شيء.. وفي التعامل مع الناس، أيضاً لابد من هذه الحيطة والحذر، فأمير المؤمنين (ع) قال لكميل بن زياد فيما قال: (يا كميل، أخوك دينك.. فاحتط لدينك بما شئت).

80. إن البعض ينتظر ليلة القدر ليدعو ربه في تلك الليلة، وهذا أمر في محله.. أو ينتظر موسم الحج، ليدعو في يوم عرفة مثلاً.. أي ينتظر المناسبات، وهي مناسبات محدودة.. فكل الليالي عادية، إلا الليالي التي فيها أعمال.. ولكن في كل ليلة هناك محطة من محطات الالتجاء إلى الله عز وجل، وكل ليلة من الممكن أن نحولها إلى ليلة قدر.

81. إن المؤمن إذا رأى في قلبه قسوة، أو حسداً؛ أو سوء ظن، أو رأى في صدره وسواساً؛ فهذا إنسان سقيم.. فليتخذ الأسحار، والثلث الأخير من الليل، للشكوى إلى الله عز وجل.. طوبى لمن يقوم من فراشه، ويأتي إلى بيت الله -عز وجل- في ظلمة الليل، في الجو البارد والماطر، فيدخل المسجد، ويدعو ربه إلى أن يحين وقت الصلاة!..

82. من الممكن أن يحيي الإنسان ذكر أهل البيت بطريقة معينة، ولكنّ هناك طرقاً أفضل وأشد تأثيراً في النفوس؛ هذه الطريقة المثلى أو الفضلى أو الأشد تأثيراً؛ هي المطلوبة منا في إحياء ذكرهم.. ولا مانع في كل عصر، أن نبتكر وأن نستحدث الوسائل، من أجل نشر تراثهم.. من نعم الله -عز وجل- على أهل هذا القرن: أن سخر لهم هذه التقنية، التي بها نبّث معارف أهل البيت (ع) من خلال أمواج الفضاء، التي تنتشر في كل أرجاء المعمورة.

83. إن المؤمن إذا رأى امرأة سافرة، إن كان لا يستطيع أن ينهاها عن المعاصي لظرف ما، على الأقل لا يضحك في وجهها، ولا يطيب معها الكلام؛ لأننا أمرنا أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة.. هناك في بعض الفتاوى: أن الإنسان إذا لم يمكنه النهي عن المنكر؛ فالتكليف ساقط.. ولكن بعض الفقهاء الأعلام له تتمة جميلة، يقول: الأحوط أن تبدي الاستياء، إن لم يمكنك النهي عن المنكر؛ أي على الأقل تأخذ موقفاً.. وهذا أضعف الإيمان!..

84. إن الإنسان الذي يستغفر، وهو غير نادم؛ هذا بمثابة إنسان يطعن إنساناً آخر من الخلف، وهو يعتذر إليه.. هو في الكلام يعتذر، ولكن في مقام العمل؛ فعله عدواني.. كذلك الإنسان الذي يستغفر ولا يندم؛ هذا مستهزئ.

85. قد يذكر الإنسان الله -سبحانه وتعالى- في نفسه، ولكنه لا يشتاق إليه؛ لأنه يخاف الموت، لذا يكون الذكر بدون شوق.. فالذي يذكر أحداً يذكره وهو مشتاق إليه.. فإذا صار مع الذكر شوق؛ تحول هذا الذكر إلى ذكر دائم.. والذكر الدائم هو ذلك الذكر الذي معه رصيد.. ومن عنده شوق، فإنه يذكر الله -عز وجل- في كل تقلباته، كما في القرآن الكريم: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}.

86. البعض يريد أن يكون في الدنيا كالكفار: يأكل، ويتمتع كما يريد؛ ويوم القيامة يريد أن يكون في درجة النبي وآله (ص).. هذا لا يمكن!.. لأن الذي يريد أن يصل للمقامات العليا؛ لابد أن يترك الشهوات.. ولكن هل يترك الشهوات المحللة أو المحرمة؟.. يبدو أن القدر المتيقن، هو ترك الشهوات المحرمة، والشهوات المحللة تكون تحت السيطرة: كُلْ ما تشتهي، ولكن كما في الروايات: (لا تجلِس على الطعام إلاَّ وأنت جائع،‏ ولا تقم عن الطعام إلاَّ وأنت تشتهيه).. أيضاً ينبغي أن يكون الاستمتاع بالنساء تحت السيطرة.. فهناك مستحبات، وهناك مكروهات، ولكن المهم هو أن يكون الإنسان متمكناً من نفسه، حتى في الشهوات المحللة.

87. إن البعض عندما يصاب بأقل مصيبة، وكأنه هو المتبلى الوحيد في هذا العالم.. المؤمن يصبر، كما صبر أنبياء أولي العزم، حيث أن كل الأنبياء تعرضوا لمحن بلاءات.. فمن عنده زوجة غير صالحة؛ فليتذكر نوحاً ولوطاً (ع).. وإذا كان يخشى من المرض، فليتذكر أيوب (ع).. ومن يخشى من اجتماع الناس عليه؛ فليتذكر الإمام الحسن المجتبى (ع).. فإذن، الذي يريد الجنة، لابد أن يصبر على الشدائد والمحن.

88. إن المؤمن قوي الشخصية، لابد أن يدرس كل الجهات، ليس فقط يأمر وينهى ويتحكم، وهو غير لبق.. فالحزم مطلوب في كل شيء: في الحياة الأسرية، وفي الحياة الاجتماعية، وفي الحياة التجارية، وفي الحياة الوظيفية؛ لابد أن يكون الإنسان حازماً: أي إذا أخذ قراراً صائباً بنظره، يحاول أن يقف أمام ذلك القرار.. ولكن لابد أن ينظر إلى السلبيات، ويسد الثغرات الموجودة.

89. إن المؤمن عندما ينزل عليه البلاء؛ يجب ألا يتبرم كثيراً، بل عليه أن ينظر من أين أُكل؟.. فهذا البلاء هو عبارة عن منبه، يجعله يفكر في الخطأ الذي ارتكبه!..

90. إن أثر الصدقة المستحبة من بعض الجهات، أفضل من أثر الصدقة الواجبة.. لأن الصدقة الواجبة -الخمس الواجب- إذا لم يؤديها؛ فإنه سيدخل نار جهنم.. أما الصدقة المستحبة، فلا عقاب على تركها.. يقول: يا رب، أنت تعلم أنا لست ملزماً، ولكن أتقرب إليك بهذه الصدقة المستحبة.. علي (ع) كان يلتزم بالصدقة، ولكن الذي خلده في سورة الدهر هو {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}... فلو أنّ علياً (ع) اعتذر من المسكين واليتيم والأسير؛ هل أخل بشروط الإمامة؟.. ولو لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، هل كان ملوماً؟.. الإمام يبقى إماماً، ولكن {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.. هكذا حسابات رب العالمين!..

91. إن المؤمن يسأل الله -عز وجل- أن يجعله من مصاديق صدر هذا الحديث: (من سنّ في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).. وألا يجعله من مصاديق تتمة الحديث: (ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا).

92. إن من الأمور التي يبتلى بها المؤمن في حياته العملية، مسألة الغضب.. فالإنسان لا يخلو من مثير أمامه، فهو يغضب من أي شيء يراه أو يسمعه لا يرضيه.. ومن الطبيعي أن الإنسان لا يرضى عن كثير من الأقوال، وكثير من الأفعال.. ولكن الحل لا يكمن في عدم إثارة ما يوجب الغضب، فكل إنسان له طريقته في الحياة، وله رأيه.. ولا يمكن أن نجعل الناس كلهم في اختيارنا، وتحت أمرنا.. فرب العالمين على عظمته، الناس لا يسمعون كلامه؛ فكيف ببني آدم؟!.. وعليه، فلا بد من التأقلم.

93. إن الإنسان عندما يكظم غيظه، فإن رب العالمين يعطيه مكافأة سريعة، فيجد حلاوة الإيمان في قلبه.. يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.. ولهذا الذي لا يغضب فيعفو؛ هذا ليس فخراً.. إنما الفخر عندما يكون هناك شعلة مشتعلة في الباطن، ولكن لا يبدي ذلك، ويكظم غيظه!.. فكيف إذا كظم غيظه، وأحسن إلى الطرف الآخر؟.. هذا العمل هو قمة الخلق للإنسان المؤمن!..

94. إن الإنسان عندما يغضب، عليه أن يُدخل هذا الغضب في المختبر: فإن كان إلهياً؛ يغضب بالطريقة التي يرضى عنها الله عز وجل.. وإن كان شيطانياً؛ يكظم غيظه.. فإن فعل ذلك يُعطى جائزة وهي حلاوة الإيمان في قلبه، والجائزة الأخرى: أن الله -عز وجل- لا يحلل عليه غضبه.. من منا لم يرتكب الأخطاء تجاه ربه؟.. فمن كظم غيظه؛ رب العالمين أيضاً يعامله بالمثل؛ فيعفو عنه.

95. إن من الصفات المذمومة في الشريعة وبشدة، صفة: التكبر، والتجبر، والتعالي.. لا يخفى أن التكبر على المتكبر، قد يكون راجحاً إن كانت النية صادقة؛ كي يُشعره بأنه لا قيمة له.. ولهذا المؤمن في هذه المواقف عزيز وقوي، فمن صفات المؤمن القوة في هذا المجال.. ولكن الكلام هنا في التكبر المذموم.. وهذا التكبر والتجبر تارة يكون له منشأ: وجاهة اجتماعية، أو مال وفير، أو منصب سياسي، أو ذرية وأولاد.. وتارة لا موجب له؛ وكما يقال: شر البلية ما يضحك!..

96. يجب أن ينظر الإنسان إلى نفسه، وخاصة أن البعض يحاول أن يطبق قانون التجبر والتكبر على زوجته.. فخصوص الحياة الزوجية: المودة والرحمة، ولكن هناك رجالاً يقومون ببعض التصرفات، كي يبسطوا هيبتهم في نفوس زوجاتهم.. فالجو جو محبة ولطف، وأعظم المشاكل التي تقع بين الزوجين، يمكن أن تُحل بكلمة ملاطفة، وبكلمة محبة.. ولكن نحن -مع الأسف- نسيطر على جسد المرأة: إما بالضرب، أو بالتوبيخ، أو بالطلاق، أو ..الخ.. فمن أراد أن يهنأ مع أهله، لا داعي للتجبر، والآية الكريمة تقول: {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}.. فالإنسان مع أخيه المؤمن، ليس بحاجة إلى استعمال أسلوب الزجر والقوة.. المؤمنون سواء في عالم الأسرة أو المجتمع، الطريق إليهم هي المحبة والتواضع.. أما بخصوص الوالدين، فقد أمرنا بالتذلل لهم.. {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} ولكن هذه ليست ذلة إنسان مستكين.

97. هذه حقيقة ينبغي أن نلتفت إليها، وهي: أن المعصية لها أطراف، وهي: رب العالمين، والنبي، والوصي، وكذلك النفس.. فظلم الإنسان لنفسه من أقبح أنواع الظلم!.. والمعصية من مصاديق هذا الظلم.

98. إن هناك شروطاً في الناصح، لابد من مراعاتها.. وهذا الكلام يدخل في علم النفس، والبرمجة اللغوية العصبية، وفن التأثير على الغير.. فالأسلوب القديم الذي يعتمد على إصدار الأوامر: اعمل كذا، ولا تعمل كذا!.. أسلوب الآباء والأجداد، لا ينفع في هذا الزمان.

99. ينبغي أن نُشعر الإنسان الذي ننصحه، أننا في مقام النصيحة، لا في مقام التعالي.. فعادة الناصح الواعظ، مستواه أرقى من المتعظ!.. وهذا إحساس غير طيب!.. إن كان عند الناصح الآن فكرة طيبة، كي ينهى عن المنكر، ولكن لعل فيه منكراً أعظم من هذا المنكر!.. فلماذا يتعالى ويتبختر، وكأنه أصبح خطيباً في المسجد؟!..

100. إن البعض قد يكون لديه معلومات بسيطة، ولكنه يقول: أنا لست بمستوى النصيحة، أنا إنسان جاهل.. هذا الكلام مجوز؛ لئلا يكون خطيب جمعة، أما عندما يجتمع بالعائلة، فليغتنم الفرصة، ولينقل لهم هذه المعلومات البسيطة.. فزكاة العلم إنفاقه، كل بحسبه


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج