100 كلمة قصيرة (ج4) لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي
مقتبسه من محاضراته في المناسبات المختلفة.......
(هيئة التحرير)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ َ﴾

1. إن سياسية المؤمن هي التحكم في بطنه وفرجه؛ لئلا يقع في الداء.. ومن هنا من آكد الصوم المستحب صوم ثلاثة أيام من كل شهر: (أول خميس منه، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس منه)، فإنه روي عنهم (عليهم السّلام): (أن ذلك يعادل صيام الدهر.. وهو يذهب بوحر الصدر).. هذا الصوم هو لتذويب الطعام المحرم، إن كان محرماً.. ومن أجل السيطرة على النفس؛ لأن هذا الصوم يكون على مدار السنة، ويمر على أشهر الصيف ذي الساعات الطويلة.. فالذي يدمن صوم هذه الأيام الثلاثة، هذا يرجى أن يكتب: ممن عفا في بطنه وفرجه.

2. إن شهوات الإنسان في مكانين، وهذا أمر بديهي: البطن، وما قبل البطن الفم، الذي فيه اللسان الذي يحتوي على الحليمات الذوقية، التي تستذوق الطعام.. فالطعام قبل أن يؤكل وهو على المائدة؛ لا لذة فيه.. وبعد أن يتجاوز البلعوم، ويدخل المريء؛ أيضا لا لذة فيه.. إذن، مجرد ثوان يمر الطعام على اللسان، فيستذوقه الإنسان، ثم يدخل الجوف، ويتحول إلى غازات مزعجة، و.. الخ.. وشهوة الفرج أيضاً لا تستغرق أكثر من ثوان معدودة.. هذه مجمل لذائذ الدنيا!..

3. إن الزهد جمع في آية من القرآن الكريم، ألا وهي: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.. فالإنسان المؤمن لا تغره الدنيا بما فيها.

4. إن الطعام بالنسبة للمؤمن، بمثابة الوقود بالنسبة للسيارة.. فهل هناك إنسان يجر وراءه شاحنة بنزين، أو أنه يأخذ بمقدار ما يلزم، وكلما احتاج يذهب إلى المحطة.. كذلك المؤمن يأخذ من الدنيا، ما يوصله إلى المقصد.

5. إن المشكلة ليست في الذوات الخارجية: لا في النساء، ولا في القناطير المقنطرة، و..الخ.. ولكن المشكلة في تعلق الفؤاد، فإذا قطع الإنسان التعلق، عندئذ لا خطر على المؤمن، وإن صار كسليمان (ع) في ملكه.

6. إن سورة الفلق هي من السور الغامضة في القرآن الكريم، رغم أننا نلهج بها، لتعويذ أبنائنا من الآفات.. فسورتا الفلق والناس معوذتان، وكثيراً ما كان النبي (ص) يعوّذ بهما الحسن والحسين (ع).. والمعروف أن هاتين السورتين لدفع الشرور، وخاصة الشرور اللامرئية.. فالناس هذه الأيام يخافون من السحر، ومن العين، ومن هذه الأمور.. إن كان الإنسان يخاف، فعليه بالمعوذتين، ولا داعي لبعض الطلاسم المجهولة، وبعض الأدعية غير المعروفة.. بل عليه بما في كتاب الله -عز وجل-، ومن أصدق من الله حديثاً؟..

7. إن الصبح مثال للفرج بعد الشدة!.. وعليه، فهل الذي خلق الصباح والنهار، عاجز أن يقلب ظلام وجود الإنسان إلى نهار؟.. وهل عاجز أن يحول ظلامات الأحوال إلى نور الأحوال؟.. (يا مقلب القلوب والأبصار!.. يا مدبر الليل والنهار!.. يا محول الحول والأحوال!.. حول حالنا إلى أحسن الحال)!..

8. إن هذه سورة "الفلق" رغم قصرها، ولكن كم فيها من المعاني؟.. استعاذة برب الفلق، واستعاذة برب الليل، واستعاذة من شر الساحرات، واستعاذة برب الحاسدين والحاسدات.. فإذن، من يخاف شيئاً من الضرر؛ عليه بالمعوذات.

9. إن ليلة القدر بدرجة من الأهمية، بحيث أن الإنسان سنة كاملة، وهو يهيئ نفسه لتلك الليلة المصيرية.. انظروا إلى أهمية ليلة القدر!.. الإنسان وهو في الليلة الرابعة والعشرين من شهر رمضان، أيضا يقرأ سورة القدر، على أمل أن تكون ليلة القدر القادمة؛ ليلة متميزة جداً.

10. إن الليالي كلها متساوية، فالليل هو عبارة عن حركة تتم في الفلك، حيث أن دوران الأرض حول نفسها، من موجبات تعاقب الليل والنهار.. ولكن الله -عز وجل- أراد أن يبارك في تلك الليلة، فجعلها خيراً من ألف شهر.. وهذا يسمى مبدأ "الاصطفاء الإلهي"، فرب العالمين إذا نظر إلى ليلة؛ بارك في تلك الليلة.. وإذا نظر إلى حجارة؛ جعلها بيتاً له.. وإذا نظر إلى قلب العبد المؤمن؛ جعله عرشاً له.

11. إن المعادلة هي في النظرة الإلهية للأشياء، فلنحاول أن نستجلب هذه النظرة.. نحن في عالم الطبيعة ننكر الطفرة: حيث هناك تدرج، فليس هناك موجود حيواني في فترة زمنية قصيرة، يصبح حيواناً آخر.. ولكن في عالم الأرواح، الطفرة ليست ممكنة، بل هي ثابتة في حياة الأمم، وفي حياة الأفراد.. فموسى (ع) ذهب ليقتبس ناراً لأهله، فرجع نبياً، نودي: {أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.. وكذلك بلقيس جهزت جيشاً لقتال سليمان (ع)، فأصبحت مؤمنة به.. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو)!.. وبالتالي، فإن المؤمن يسأل ربه الطفرة في عالم الأرواح، فهذا ممكن جداً، ألم يتب ذلك العاصي لمجرد سماعه هذه الآية الكريمة: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}؟!..

12. إن الاهتمام بالبنية العقائدية، من موجبات الاستقامة السلوكية.. فالذي يزداد يقينه بالله -عز وجل- وباليوم الآخر؛ سلوكه ينضبط.

13. إن رب العالمين بناؤه على التدرج.. فرب العالمين خزائنه بين الكاف والنون، "يقول للشيء: كن!.. فيكون".. فإذن، لماذا خلق السموات والأرض في ستة أيام؟.. نحن ننتظر مواد البناء حتى نبني، فإذا لم تأت هذه المواد يتعطل البناء.. أما رب العالمين، فقد تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً!.. رب العالمين كان بإمكانه عندما نزل النبي (ص) من غار حراء، أن يفتح له مكة بطريقته الخاصة، ألم ينزل الملائكة المسومة في معركة بدر؟!.. فما المانع أن يأتي النبي (ص) مع بلال وعمار وياسر، وتنزل معهم الملائكة المسددة، ويحتلون مكة المكرمة وانتهت القصة؛ وعندئذ يستغنون عن الهجرة إلى الحبشة، والمدينة، وغيرها؟!.. ما ذلك إلا لأن رب العالمين بناؤه على التدرج.

14. إن الذي يريد الفتوحات الربانية، لابد أن يكون صبوراً، وواسع الصدر.. فالبعض يتدين: يحضر المسجد، ويصلي جماعة، ولعله يقيم الليل أربعين يوماً، أو شهراً، أو شهرين، ولعله سنة؛ ولا يرى أموراً متميزة.. بينما طريق رب العالمين، يحتاج إلى صبر وإلى مثابرة.. فموسى (ع) استجيبت دعوته بعد أربعين سنة، يقول تعالى: {..قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا}.. ألا نقرأ في الدعاء: (ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي، لعلمك بعاقبة الأمور).

15. إن الذي يريد الفتوحات الإلهية في عالم الأنفس، لابد أن يصبر كصبر النبي (ص).. فالنبي (ص) فتحت له مكة في أواخر أيام حياته، وإلا فإن النبي (ص) كل حياته كانت محناً.. فقط بعد فتح مكة، استطاع المسلمون أن يتنفسوا الصعداء إجمالاً.. لذا ينبغي للمؤمن أن يسأل ربه الفتح، إذا فتح الباب جاءت البركات.. هذه الأيام السدود عندما تفتح أبوابها، يأتي سيل من المياه، وإذا بالوادي الذي كان جافاً، بلحظة واحدة يمتلئ بالماء.. رب العالمين إذا فتح أبواب اللطف، ففي ليلة واحدة تفتح الأبواب.

16. إن طبيعة المؤمن أنه مع ربه دائماً: يعيش التذلل في المعصية، وفي الطاعة: في المعصية يعيش التذلل؛ لتقصيره.. وفي الطاعة يعيش التذلل؛ لأن هذه منحة من الله -عز وجل-.

17. إن الناس يبحثون عن الراحة في المتاع، بينما الراحة في القلب.. ولكنّ هناك فرقاً بين هموم النبي (ص)، وبين همومنا نحن!.. فنحن يضيق صدرنا بأمور الدنيا: لهموم المعيشة، ولغضب الزوجة، ولغضب الأولاد،.. الخ.. ولكن صدر النبي (ص) ما كان يضيق بهذه الأمور، كان شعاره: (إن لم يكن بك غضب عليّ، فلا أبالي).. بل كان يضيق صدره، لأجل عدم استيعاب الناس لرسالته.. بمثابة طبيب في يده دواء يرفع المرض، والمريض يموت ولا يستعمل هذا الدواء.. كم يضيق صدر هذا الطبيب عندما يرى إنساناً يموت أمامه، ولا يأخذ الجرعة المنجية!.. النبي (ص) كان هكذا يضيق صدره.

18. إن القرآن الكريم يقسم بالخيول التي خرجت للجهاد في سبيل الله تعالى؛ ولأنها خرجت في سبيل الله؛ فكل حركاتها مقدسة؛ أي ذكرت في القرآن: فأنفاسها مسجلة، والنار الذي تصدر أثناء مشيها أيضاً مسجلة، وكذلك وقت إغارتها على العدو، والغبار الذي يتصاعد من حركتها أيضاً مذكور في هذه السورة.. وعليه، فإن الإنسان المؤمن، إذا صارت حركته في سبيل الله عز وجل؛ يصبح كل شيء فيه مباركاً.. المهم أن يكون الإنسان في الطريق الصحيح؛ عندئذ رب العالمين يبارك في كل وجوده.

19. كل نعمة ينعم بها على الإنسان، كـ: خبر جميل، أو مولود، أو نجاح، أو مكسب مالي، أو شفاء من مرض؛ فإن أفضل ما يقوم به في تلك اللحظة، أن يسجد لله -عز وجل- شاكراً.

20. إن البعض قد يوفق لعمارة مسجد، ولكن لا يوفق لعمارة قلبه.. والبعض لا يوفق لعمارة شيء، لأنه فقير مسكين؛ ولكن قلبه -كما في روايات أهل البيت- يزهر كالمصباح: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيبا مصقعاً، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم!.. وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح).

21. إن سورة "الهمزة" من السور التي فيها ذم لطائفتين من الناس: طائفة المترفين المستكبرين، الذين يجمعون المال للمال.. وطائفة المغتابين، الذين يترصدون عيوب الناس.. رب العالمين بكلمة واحدة يقول: ويل لهم!.. الويل كلمة مبهمة، قيل: أنها طبقة في جهنم، ولكن هذه الطبقة ما هي مواصفاتها؟.. لا نعلم!.. فكما أن نعيم الجنة لا يخطر ببال أحد؛ كذلك العذاب الإلهي لا يخطر ببال أحد.. فهذه الشمس المحرقة، بالقياس إلى نار جهنم؛ لا شيء!.. فكيف بنار سجرها رب العالمين؟..

22. إن جمع المال أمر طيب، إذا كان يحول إلى مزرعة الآخرة!.. فالمؤمن يدفع حقوق الله عز وجل، وكلما اتسعت تجارته؛ كلما اتسع حق الله ورسوله في أمواله.

23. إن المؤمن إذا رزق نعمة، فهو أمام أمرين: إذا كانت نعمة متعارفة، كأن يرزق مبلغاً من المال مثلاً، فليسجد لله شكراً.. وإذا رزق نعمة بليغة، كأن يرزق بمولود بعد سنوات من حرمان الذرية، فليصلّ ركعتي الشكر.

24. إن المؤمن يعيش حالة من حالات الاطمئنان، وفي كل حال يسأل ربه، ثم ينام قرير العين {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.

25. إن معنى الصبر يشمل الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر عند النوائب التي تصيبه بقضاء من الله وقدر.

26. نحن -مع الأسف- عندنا النعم الثلاث: أبداننا إجمالا سليمة، وأرزاقنا موسعة، والأمن والأمان متحقق.. ولكن أتفه الأشياء؛ تنغص علينا حياتنا.. فلا نتذكر هذه النعم الكبرى، بل عيننا دائماً على مشكلة بسيطة في حياتنا.. هذه مشكلة بني آدم: لا ينظر إلى الموجودات، إنما ينظر إلى المفقودات.. هل هذا من الإنصاف!.. رب العالمين يذكر نعمه على قريش بكلمتين: {.. أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}؛ وهذا -والحمد لله تعالى- متحقق في بلادنا.. فإذن، لنشكر الله -عز وجل- على هذه النعم الكبرى!..

27. إن الله -عز وجل- سريع الانتقام للمؤمن، فالمؤمن له وجاهة عند الله -عز وجل- وهو ليس بأقل من ناقة صالح.. لذا، فلنحذر إهانة المؤمن!..

28. إن رب العالمين انتقم لعاقر ناقة ثمود، فدمدم عليهم؛ فكيف برب العالمين عندما يرى قاتل علي بن أبي طالب، يخضب شيبته بدم رأسه، في شهر الصيام، وفي مكان محرم؟.. المآسي التي مرت على الأمة الإسلامية في الدولتين العباسية والأموية، لا نستبعد أنها من آثار الظلم الذي وقع على أئمة أهل البيت (ع).. ولازلنا نعيش آثار هذه المحنة.

29. إن المؤمن لا ييأس، عندما يرى ظلم الظالمين.. عن الصادق (ع): (الله لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه؛ أهون من إزالة ملك لم ينقض أجله).. فالدول، والحضارات، والسلاطين؛ لهم آجال.. بعض الطواغيت حكموا آلاف السنين، ولكن رب العالمين له صبر، وفي ليلة وضحاها، هدم ملكهم!.. لذا لا ينبغي اليأس من رحمة الله -تعالى- أبداً!..

30. إن القرآن الكريم عندما يذكر الطبيعة الإنسانية، يذكرها على حسب جنس بني آدم.. يقول تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}؛ ليس معنى ذلك أن كل إنسان في خسر، وإلا كيف يكون الأنبياء والمرسلون والأوصياء في خسر؟.. نعم، هذه الطبيعة موجودة، وإذا لم يعمل الإنسان على نفسه، فإنه سيكون في خسر؛ فالإنسان بطبعه ظلوم جهول!.. معنى ذلك: أن الفوز يحتاج إلى مخالفة الطبع.

31. إن بني آدم يرى رضا الله -عز وجل- والإكرام الإلهي، دائماً بالعطاء.. والحال بأن هذا غير معلوم!.. فالعطاء الإلهي؛ اختبار وامتحان للإنسان: فقد ينجح، وقد لا ينجح.. وهذا المال أمانة إلهية: قد يؤدي حقها، وقد لا يؤدي حقها.. إذن، المؤمن لا يفرح بمجرد أن يعطى المال، ويعتبره إكراماً.. فالإكرام ابتلاء، وهذا المال بلاء نزل عليه!..

32. نفوس أهل الدنيا مضطربة، فكل صاحب أسهم هذه الأيام لا ينام الليل، يخاف من الصعود والهبوط.. حتى أصحاب الشركات، التي هي تجارة منتظمة؛ قلوبهم مضطربة.. أما الذي يوجب اطمئنان القلب، هو ذكر الله عز وجل: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}؛ لأن الله -عز وجل- لا يتغير.. فالمال يذهب ويأتي، والعافية تذهب وتأتي، والحياة برمتها تذهب وتأتي؛ ولكنه هو الباقي.. فالنفس المطمئنة هي التي تسكن إلى ربها، وترضى بما رضي به.. فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً: من خير أو شر، أو نفع أو ضر.. ويرى الدنيا دار مجاز، وما يستقبله فيها من غنى أو فقر، أو أي نفع وضر؛ ابتلاء وامتحاناً إلهياً.. فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان، وإكثار الفساد والعلو والاستكبار.. ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر، وترك الشكر.. بل هو في مستقر من العبودية، لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط.

33. لا ثبات في هذا الوجود، ففي فصل الربيع ترتدي الجبال والسهول اللون الأخضر، وتتزين بالورود؛ ولكن بعد أشهر قليلة، ينتهي كل شيء!.. فكل جمال في هذا الوجود في طريقه إلى الفناء!.. وعليه، فإن المؤمن لا يعلق فؤاده بشيء في هذه الدنيا.. حتى العلاقة الزوجية إذا كانت علاقة إنسانية؛ فإنها تبقى إلى ساعة الممات: بعض كبار السن محبتهم وغرامهم للزوجة في اليوم الأخير، كاليوم الأول؛ لأنها علاقة إنسانية.. أما إذا كانت علاقة شهوية؛ فإنه من الطبيعي أن تقل مع الأيام.. بل تتلاشى عند تقدم الزوجة في السن؛ لأن العلاقة مبتنية على الجمال الظاهري.. لهذا في آية التزويج لا يذكر الشهوة أبداً، يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: فالسكون، والمودة، والرحمة؛ كلها أمور قلبية.

34. البعض له توفيق، وله عبادة؛ فيظن أنه أصبح من ذاتيته.. فيلقي رب العالمين عليه النعاس في الليل؛ ليعلم أن قيام الليل بتوفيق منه!.. بعض الأوقات يريد الإنسان أن يقرأ سورة الحمد؛ فينساها، رغم أنه يلهج بها ليلاً ونهاراً!.. فإذن، كل شيء بتوفيق من الله عز وجل؛ لذا يجب أن يبقى الشكر متواصلاً.

35. إن المؤمن يستحي من حديث النفس؛ لأنه بدلاً من ذكر الله عز وجل، وتذكر الآخرة؛ ينشغل بما لا طائل منه.. والذي يضمر الحسد، والحقد، والعداوة لأحد، وفي مقام العمل يجامل؛ فهذا الإنسان يوماً ما يكشف سره.. أضف إلى أن رب العالمين مطلع على ذلك، فهو {يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}!.. ولهذا فإن من صفات المؤمن: أنه لو كشف الغطاء عن قلبه، لا يخاف أحداً؛ لأن ظاهره كباطنه.. هنيئاً لمن وصل لطهارة الباطن!..

36. إن الدنيا دار تعب ومشقة!.. والمؤمن إذا رأى بلاء في ماله، أو في نفسه، أو في زوجته؛ يشكر الله عز وجل.. لأنه إذا كان لابد من البلاء، فليكن في غير الدين، ألا نقرأ في الدعاء: "اللهم!.. لا تجعل مصيبتنا في ديننا"!.. نعم، المصيبة الكبرى هي التي تكون في الدين!.. مثلاً: البعض يقف ليصلي، يحب أن يقول: الله أكبر!.. وكأن هناك شيئاً يدفعه عن الصلاة، لمرض أو لغيره.

37. إن الإنسان لما كانت خلقته مبنية على كبد، فلا ينال قط شيئاً مما يريد، إلا دون ما يريد، أو غير ما يريد.. فهو محاط في خلقه، مغلوب في إرادته، مقهور فيما قدر له من الأمر.. والذي يغلبه في إرادته، ويقهره على التلبس بما قدر له، وهو الله -سبحانه- يقدر عليه من كل جهة؛ فله أن يتصرف فيه بما شاء، ويأخذه إذا أراد.. فليس للإنسان أن يحسب أن لن يقدر عليه أحد، فيدعوه ذلك إلى أن يعلو على الله تعالى، ويستكبر عن عبادته.. فمادام الإنسان ضعيفاً، محاطاً بالآفات في: النفس، والبدن، والمال؛ لمَ لا يلتجئ إلى رب الأرباب، وهو في كل يوم يحتاج إلى عنايته؟!..

38. هنيئاً لإنسان جمع بين صفتين: يده تعطي المال، ولسانه يعطي الحكمة!.. البعض يتكفل عشرات الأيتام، ولكن في حياته ما هدى إنساناً واحداً، وما أرشد ضالاً!.. والبعض فقط يتكلم ويتكلم، ولا يقدم ديناراً واحداً.. بينما المؤمن يجمع بين الصفتين؛ لأن المؤمن وجود معطاء في كل الأبعاد.

39. نحن عندما نتوجه للنبي وآل النبي (ص)، نتوجه إليهم على أنهم عبيد لله عز وجل.. والله -تعالى- أكرمهم بهذه الكرامة، يقول تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}؛ فاستغفار الرسول (ص)، جُعل في سياق المغفرة الإلهية.. مثلاً: بالنسبة إلى قبض الروح، التي هي حركة مهمة في هذا الوجود، يقول تعالى في كتابه الكريم: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}؛ فهو المتوفي، وفي آية أخرى يقول: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}.. إذن، هو المتوفي، وملك الموت أيضاً متوفي.. ولكن الفارق: هو أن رب العالمين أصيل، وملك الموت وكيل.. فشفاء المريض وغيره أين، وقبض الأرواح أين؟.. وعليه، ما الغضاضة أن نقول: أن النبي وآل النبي، ليسوا بأقل من عزرائيل (ع).. فعزرائيل ملك معصوم، والنبي وآل النبي هؤلاء معصومون من البشر.. والمعصوم البشري أرقى من الملك المعصوم؛ لأن الملك لا يمكنه أن يعصي.

40. لو أن الإنسان في نار جهنم يموت؛ فإنه سيرتاح!.. ولكن ليس هنالك موت: لا موت في النار، ولا موت في الجنة.. والإنسان إذا دخل النار -لا سمح الله- إن لم يخرج منها، كعصاة الأمة، لا يموت فيها ولا يحيى.

41. عندما يقسو القلب؛ يختم عليه، ويصل إلى درجة لا يميز بين الحق والباطل، فيرتكب أخطاء فادحة، تؤدي به إلى الهلاك، دون أن يشعر.. فالبعض مثلاً: يصلي، ويصوم، ويقيم الليل، ويؤدي كل ما عليه من حقوق؛ ولكن عنده مشكلة عدم ضبط النظر.. فهذه المشكلة خطيرة جداً، وهي عبارة عن نكتة سوداء في القلب، فتتراكم وإذا بالقلب يصبح قاسياً.

42. ما المانع أن نقول: أن الأبرار لفي نعيم بشكل مطلق، لا في الجنة فحسب، بل وهم في الدنيا في نعيم؟!.. إن نعيم المؤمن في باطنه، حيث أن قلبه مطمئن دائماً.. فالإنسان يتمنى الأموال؛ ليطمئن أن له دخلاً.. ويتزوج، لينعم بالسكينة والهدوء.. ويسافر إلى البلاد البعيدة؛ ليستأنس في تلك البلاد.. ولكن كل هذه النتائج، وكل هذه الثمار؛ موجودة في قلب المؤمن؛ لذا هو في نعيم دائم!..

43. إن الصائم النموذجي: هو ذلك الإنسان الذي لا يدع في حياته، موطناً من مواطن الشر والمؤاخذة من قبل الله عز وجل.. أي لا يراه الله -تعالى- في مواطن المعصية، ويراه في مواطن الطاعة.. هذا هو عبارة عن هيكل البناء الأصلي.. والأثاث الذي يزين هذا البناء هو: دوام المراقبة، واستحضار المعية الإلهية، والذكر المتصل في آناء الليل وأطراف النهار.

44. إن الإنسان السائر إلى الله هو في سفر، والمسافر له زاده، ومنعطفاته في الطريق، وقد يعترضه قطاع الطرق.. ولا شك بأن الذي يسافر إلى الله تعالى، كأنه أعلن الحرب على الشياطين، ومن هنا تجتمع عليه الشياطين.

45. إن الجمال اليوسفي، وحب يعقوب (ع) الأخاذ له، أوقعت في نفوس الأخوة حالة الحسد.. وبالتالي، فإن الشيطان استغل هذه الحالة أيما استغلال!.. مما لا شك فيه أن الحسد يوقع الإنسان في حالة اللاتوازن من اللاوعي والتفكير الجنوني.

46. إن الذي يستطيع أن يوقع الشيطان، هو بالفعل بطل من أبطال هذا الوجود!.. وقطعاً هذا لا يكون إلا لمن هم في حصن الله الحصين!.. ألا وهم المخلَصين.

47. إن الشيطان ضعيف قياساً إلى الجهة التي نركن إليها ونلتجئ بها، وهو رب العالمين الذي خلقه وخلقنا جميعاً.. إذ أنه من المعلوم إذا كان الإنسان في دار السلطان وبجواره، فهو يأمن من كيد الأعداء، فلا يعطيه بالاً، ويجده ضعيفاً، أمام قوة من اعتصم ولاذ به.

48. إن أسلوب الشيطان ضعيف في الغواية: فهو ينتهج طريق التزيين والتضليل، وإراءة الأمور بخلاف الواقع.. وهذا لا يعمل شيئاً مع إنسان على مستوى من النباهة، والبصيرة الإلهية في رؤية الأمور.. ولهذا نحن أمرنا أن ندعو بهذا الدعاء: (اللهم!.. أرنا الأشياء كما هي).

49. إن المخلِص هو الذي نوى المشي في درب الإخلاص، ساعياً باذلاً جهده.. والمخلَص هو: هو ذلك المخلِص الذي كدح وتعب: بكاء في جوف الليل، وعملاً بالنهار.. حتى دخل دائرة الجذب الإلهي، بأن أدخله المولى حصنه المنيع، واصطفاه، وأراد أن يصنعه على عينه.. وخير مثال على من دخلوا دائرة الاصطفاء الإلهي هو مريم (ع)، {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}.

50. إن تكريم أي مخلوق منتسب إلى الله عز وجل -كالنبي المصطفى (ص) وآله الأطهار (ع)- هو بأمر من الله عز وجل، ولا ضير فيه أبداً.. كما أن الله أراد أن يكرم آدم من خلال حركة مختصة به وهي السجود، كذلك بالنسبة للأولياء والصالحين.. أما أن يجعل الإنسان لنفسه منهجاً في مقابل الله عز وجل؛ فهذه قطعاً حالة إبليسية مرفوضة شرعاً.

51. إن الحوارية الموجودة في القرآن الكريم بين الشيطان وآدم، كاشفة على أنه كان في مطلع المواجهة.. ثم أن تشكل الشيطان أمر غير مستبعد، نحن نلاحظ في التأريخ كيف كان يتجسد للأنبياء، ومنهم نبينا الأكرم (ص)، حيث تجسد في دار الندوة تارة، وأخرى في معركة بدر.. أي أن للشيطان القدرة على أن يكيّف نفسه، ويظهر في مظاهر عديدة.

52. من المؤكد أن آدم (ع) كان يعرف على كل حال أن الشيطان وجود غير وجوده.. ولكنه لم يكتشف خبثه بعد، حيث كان على البراءة الفطرية، فلربما لم يرَ له معصية قبل ذلك وخاصة أنه أقسم، كما جاء في القرآن الكريم: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}.. فلم يكن يخطر في بال آدم (ع) أن موجوداً يمكن أن يصل به الحد إلى الكذب في القسم.. ثم أنه معلوم أن آدم (ع) بعد أن التفت إلى خبث الشيطان، تاب إلى الله عز وجل، وأصبح من كبار البكّائين.

53. إن من يريد الحفاظ على برد العفو الإلهي، عليه أن يبقي على مسبباته، كما هو الحال لمن يريد أن يعيش حالة الارتياح في الغرفة المكيفة، تراه يكون حريصاً على أن يكون جهاز التكييف شغالاً، وبمجرد أن يطفأ الجهاز، يعيش حالة الضيق والتبرم.. والأمر كذلك بالنسبة للتجليات الإلهية على قلب الإنسان، فهو يحتاج أن يبقي لنفسه بعض من تلك الأمور، التي كان يلازمها في شهر رمضان -ولو على أقل التقادير- يلزم نفسه بقراءة خمسين آية يومياً، ويواظب عل صلاة الليل، ولو بأدنى صورها: بركعتي الشفع، والوتر.

54. إن الكشف عن الحيل الشيطانية من الأمور المهمة جداً.. أي أن يقشر الإنسان ظاهر القضية، ويصل إلى اللب الشيطاني.. إن من أخوف آيات القرآن هذه الآية: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.. إنسان يتعب ويكدح سنين طوال، ثم بعدها يتبين أنه في طريق أعوج فكرياً، أو سلوكياً، وأنه كان عقلاً للشيطان من دون أن يشعر!.. وعليه، فإنه يلزم أن يكون الإنسان فطناً لبقاً في ترتيب سلم الأولوية من حيث الأهم فالمهم، بألا ينشغل بالجانب العبادي على حساب الاهتمام بالواجبات الأخرى: سواء كان قضاء لحاجة مؤمن، أو تفريج لكربة مكروب، أو إغاثة لملهوف، أو القيام بالأمور العائلية.. وأيضاً الابتعاد عن كل ما يوجب له الوهن في طريقه إلى الله تعالى، من جميع المفاسد، والرذائل الأخلاقية المحبطة للعمل.

55. إن السعادة مفهوم نسبي، وكل إنسان له نظرته المختلفة للسعادة.. فالذي له هدف في الحياة -ولو كان سخيفاً- يشعر بالسعادة كلما اقترب من ذلك الهدف.. والسعيد الحقيقي هو الذي ينسجم مع هدف الوجود {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.. فالمؤمن الذي يرى أن كل يوم يمر عليه، يتقدم خطوة إلى الإمام تجاه الله تعالى، وأن أعماله تتحول إلى لبنات من ذهب وفضة لبناء القصر الأخروي -كما ورد في الخبر- لا شك في أنه سيعيش حالة الارتياح الشديد.

56. إن السعيد هو الإنسان الذي يتحرك نحو هدفه المقدس، وهو يرى أنه كلما مرت عليه الليالي والأيام، يقترب من ذلك الهدف.. لهذا علي (ع) عندما هوى ذلك اللعين بالسيف على رأسه قال: (فزت ورب الكعبة)!..

57. إن اللذائذ الدنيوية على أنها محللة {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.. إلا أنها وقتية، وتلامس الحياة عن طريق التفاعل بين الحواس الخمس والمواد الأخرى الباعثة على الشعور باللذة.. بينما نجد أن السعادة الحقيقية، هي تلك التي تلامس الروح مباشرة، من مقولة المعاني، ولا يمكن أن تأتي من خلال المخدرات أو المسكرات والشهوات الكاذبة.. ولهذا يمكن القول: بأن الإنسان المؤمن بإمكانه أن يكون ملتذاً، من دون وجود الأدوات المادية المتعارفة للذائذ هذه الأيام.

58. لا شك بأن الإنسان بشكل عام هو مجموعة من الآمال والطموحات، التي لا تنتهي عند حد معين، فكلما وصل إلى هدف فكر في الآخر.. ثم أن طبيعة الحياة بما فيها قدرات الإنسان محدودة جداً.. حتى زعماء الدول الكبرى -الذين بيدهم مفاتيح الأمور- لم يحققوا مآربهم، لا على مستوى أهدافهم الشخصية ولا الاستراتيجية.. ولهذا نجد أن غير المؤمن كلما فشل في تحقيق هدف من الأهداف، أصيب بانتكاسة.. أما المؤمن فلا معنى للانتكاسة في حياته بعدما استوعب هذه الحقيقية القرآنية: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}.. فالمؤمن تراه موجود نشط، كثير السعي، وهو بذلك يحقق هدفه.. سواء حقق النتيجة في الدنيا أم لم يحققها، فهو يقطع بالأجر الأخروي.

59. نحن لا ننكر بأن تيسر الأمور الدنيوية من موجبات السعادة أيضاً.. ومن المناسب أن نذكر أن الإنسان في الحج إذا دار الأمر بين خيمة حارة ومليئة بالحشرات، وخيمة مكيفة ومريحة.. عليه بتقديم المكان المناسب المريح، الذي يمكّنه من التوجه العبادي، وقد يؤيد هذا قوله تعالى بالنسبة إلى موسى (ع): {ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. أي أنه لم يدعُ في الشمس الحارقة، وإنما تولى إلى الظل، ثم بادر بدعاء الله عز وجل.

60. لا شك في أن الصلاة من أهم المواطن، التي يستجدي فيها الإنسان لطف رب العالمين.

61. إن المهارة هي أن يعيش الإنسان المعاني الإلهية السامية، في حركة الحياة وزحمتها، بما فيها من مغريات؛ مواجهاً لأعاصيرها الجارفة؛ بقوة الإيمان وصلابة الإرادة، ومسيطراً على نفسه، وكابحاً لزمام شهواتها.. وأما أن يجعل الإنسان نفسه في قوقعة، وينعزل عن الناس؛ بقصد حجب النفس عن كل المثيرات، والترقي بها نحو الكمال.. فهذا أمر غير راجح شرعاً، وإن حقق بعض المكاسب المعنوية.

62. إن الحالة النفسية المتميزة التي يعيشها الإنسان عند نزول البلاء مع رب العالمين، لو أن إنساناً احتفظ بهذه الصورة في ذهنه ليتذكرها بعد حين، لوجد معنى هذا القول، وتمنى أن تعود له تلك الحالة الجميلة من القرب والتذلل.. ثم إن الإنسان عليه أن يعيش حالة الرضا والتسليم بما قدره الله تعالى (ولعل الذي أبطأ عني خير لي، لعلمه بعاقبة الأمور).. وعلى أقل التقادير ينبغي الصبر أو التصبر، والتجاوز عن كل ما يسخط الرب جلا وعلا.

63. إن الأمر يحتاج أن يحمل الإنسان همَّ هذا الطريق، لا أن يسير سيراً متقطعاً، فيشد الهمة في المواسم العبادية، ثم ما يلبث أن يعود إلى الفتور والتكاسل!.. ولا أن يواظب في سلوك الطريق بلا خطة ممنهجة، ودون أن يعلم أصول الحركة إلى الله تعالى!.. الحركة إلى الله هي: سفر، ومشروع، وبناء، وعملية متكاملة، ومترابطة؛ تحتاج إلى برمجة.. وعلينا أن نعلم بأن هنالك طريقاً وهدفاً، وهنالك عقبات وأعداء؛ تصد الإنسان عن ذلك الهدف.. وعليه، فمن أراد أن يحيا حياة باطنية؛ يلزمه أن يتمرس في معرفة أسرار القلب وعوارضه.. وهل خلق الله -عز وجل- في هذا الوجود خلقاً أعقد منه؟!..

64. لكل علم موضوع يتناوله، كما أن الطب موضوعه البدن، والهندسة موضوعها العمران، كذلك القلب هو موضوع علم الأخلاق.. وهو من أجلّ العلوم؛ لأنه يتناول الباقي لا الفاني.. ومن المعلوم بأن الله عز وجل، سيجمع الأرض بما عليها يوم القيامة.. وبالتالي، فإن علم النفس، أو علم الأخلاق، أو العرفان من أجلّ العلوم!.. من الضروري أن تكون لنا دراسة إجمالية في هذا المجال، ولا شك بأن المطالعة في هذا الحقل من أمتع المجالات؛ لأنه يتناول نفس الإنسان، وكل إنسان معني بهذا الأمر.

65. إن من موجبات البسط التدبر في الآيات الأنفسية، يقول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}.. ولو بحثنا في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم؛ لوجدنا آيات كثيرة تتناول موضوع القلب، وبأسماء مختلفة: القلب، والروح، والنفس.

66. إن العلاقة بين البسط والصلاة الخاشعة، علاقة وثيقة جداً.. فالذي يعيش حالة البسط الخفيف طوال الوقت: في ساعات الليل والنهار، هو الأقدر من غيره على أن يعيش حالة البسط المتألقة في أثناء الصلاة.. ولكن المشكلة في أن البعض يتوقع أن يأتي إلى محل الصلاة، ويعيش حالة العروج إلى الله عز وجل!.. لا، الأمر ليس كذلك، فالذي يعيش حالة الذكر -ولو الخفيف- طوال اليوم والليلة، هو هذا الإنسان المرشح لأن يكون من المجذوبين في مجال الصلاة الخاشعة.

67. إن الزيارة الواعية للقبور من موجبات التزهيد الشديد بالمتاع العاجل؛ ولهذا من المناسب أن الإنسان إذا أقبلت عليه الدنيا بشكل يلهيه عن ذكر الله عز وجل، أن يذهب لزيارة أهل القبور؛ ليرى النتيجة النهائية لكل حركة وجلبة في هذه الحياة!..

68. إن المجالس الحسينية تعد وسيلة، لنشر وتعريف الحركة الحسينية للأمة.

69. إن الإبكاء على الحسين (ع) لا يحتاج إلى صعود المنابر والأعواد أو الجمهور العريض.. فبإمكان الإنسان المؤمن أن يجمع العائلة والأطفال الصغار، وينقل لهم جزيئات المقتل ولو بشكل سرد عادي.. قال الإمام الصادق (ع): (من أنشد في الحسين فأبكى عشرة، فله الجنة.. ثم جعل ينتقص واحدا واحدا حتى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحدا، فله الجنة!.. ثم قال: من ذكره فبكى، فله الجنة)؛ أي أن هنالك ما يقتضي دخوله الجنة.. ولو أن الإنسان جاء يوم القيامة، وقد تساوت حسناته وسيئاته، ولم يبقَ في دفتر أعماله إلا هذا البكاء على سيد الشهداء (ع) قطعاً وبلا ريب أن له الجنة.

70. إن من الضروري الموازنة بين العقلانية والعاطفة، فالذي يتكلم عن ثائرية الحسين (ع)، عليه أن يكون في مقام العمل رسالياً ينتهج منهج الحسين (ع).. ولا بد له من طراوة عاطفية؛ لينقل الفكرة إلى مستوى الجوارح.. فهذا غاندي وهو غير مسلم، يقول بأنه تعلم من الحسين (ع) كيف يكون مظلوماً فينتصر.

71. إن الشارع المقدس في طريقته، يعطي العموميات والكليات.. فهو قد طلب منا المودة في القربى، والحزن لحزنهم، والفرح لفرحهم.. ولا شك في أن إبداء هذه المعاني، ليس حكراً على البكاء فقط، فلكل زمان وعصر ولكل بيئة طريقتها.. ولا يعني ذلك أن هذه المظاهر تعد بدعة، بل إنه ينبغي الابتكار في الأساليب المؤثرة، مع الاحتفاظ ببعض الأمور التقليدية.. ومن مصاديق العزاء الحسيني: الأفلام، والتمثيليات، والمواكب العزائية.. فهذه الأساليب كانت مؤثرة في الوجدان الشيعي طوال التأريخ.

72. إن من سيرة الأئمة (ع) مسألة مراعاة الظروف، وعدم نقض الغرض.. فينبغي مراعاة ذلك، وخاصة مع كثرة الذين يتحينون الفرص، ويتصيدون المناظر التي يريدونها؛ لتحقيق أغراضهم الدنيئة.

73. من الممكن أن نشبه حالة الإنسان عند الغضب، بمثابة حوض مائي فيه ماء زلال بحسب الظاهر، بينما هنالك ترسبات كثيرة في باطنه، وهذه الترسبات تظهر وتطفو على السطح حينما يلعب بها طفل.. والشيطان كذلك همّه كشف المستور عند الإنسان، ومن منا يخلو من هذا الكدر الباطني، (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ما خلا المعصومين (ع).. فمن الطبيعي أن يحاول الشيطان بين فترة وأخرى، إثارة هذه الترسبات الباطنية.

74. ليس هناك أي تلازم بين العبادات، بمعنى الطقوس التي يجريها الإنسان ورداً على لسانه، والسلوك الخارجي.. إذا لم تقترن هذه العبادات، بحركة باطنية لتصفية الملكات.. نحن قرأنا في روايات أهل البيت (ع) أن (الإيمان: إقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، ويقينٌ بالقلب).. فالذي يريد أن يصل إلى درجات عالية من التكامل؛ لا بد له من تصفية الملكات، وإلا فإن العمل الجوارحي من دون هذه التصفية، قد لا يكفي في مجال الترقية.

75. عند الرغبة في التحدث أو مناقشة أي أحد، ينبغي الدخول من المداخل المحببة إلى قلبه، سواء كان من الأهل، أو في المجتمع.. وهنا قد يكون سبب الصدود، هو شعور العالم بأن الطرف المقابل يأتيه من باب المناطحة العلمية، لا من باب الاستفادة الحقة.. وبالتالي، فإن نصيحتي للأخوة الذين يمثلون الشريحة المثقفة أكاديمياً، بأن يكونوا في مقام الاستفهام، لا في مقام المجادلة، كما هو مضمون بعض الروايات: (استفهاماً لا تعنتاً).. وطبيعي أن وظيفة رجل الدين الأولية: هي احتضان جميع الشرائح، حيث جاء في أحاديث أهل البيت (ع) -ما مضمونه-: (أن العلماء هم كفلاء أيتام آل محمد).

76. إن الحلم تارة يكون على مستوى كبت الحركات الجوارحية، وتارة على مستوى انتصاف الغليان الباطني.. بحيث الإنسان يُرى وكأنه موجود فوق الأباطيل والترهات، ويتعالى عن سفاسف الأمور.. وهذه مرحلة جيدة، بأن يتحكم الإنسان في جوارحه، وإن كان يتظاهر.. وبلا شك أنه مع مرور الزمن سيصل إلى مرحلة أن لا يرى شيئاً مثيراً، (عظم الخالق في أنفسهم؛ فصغر ما دونه في أعينهم).. فالذي يعيش هذا الأمر، كيف يتفاعل مع أخطاء الآخرين؟!.. وإن من أسوأ أنواع الغضب: الغضب على الأولاد؛ لأن تأديب الطفل إذا لم يكن ضمن ضوابط شرعية وأسلوب تربوي؛ فإنه سريع التأثير في إقفال القلب، وبالتالي انحرافه.

77. إن مجالس أبي عبد الله الحسين (ع) لا تقتصر على مسألة الدمعة، فهنالك عنصر الاستفادة العلمية، والتأثر الفكري بما يقوله الخطيب، واستيعاب الدروس من هذه الثورة المباركة.. وبالنسبة لحالة الرقة القلبية، ينبغي التفريق بين مسألة الرقة، ومسألة الدمعة.. فالإنسان من الممكن أن يرق قلبه، وينكسر فؤاده.. ولكن لعوامل صحية، يعيش حالة من حالات الجفاف الدمعي.. وعليه، فإنه يكفي في هذه الحالة الرقة الباطنية والتباكي.. أما إذا كان السبب هي الذنوب والمعاصي، فعليه أن يعاهد رب العالمين، بأن يكون من خريجي المدرسة العاشورائية، بالإقلاع عن كل ذلك.. ولنعلم أن من علامات قبول العزاء هو الخروج بهذه الثمرة.

78. إن المجالس الحسينية هي مجالس مفتوحة لكل المسلمين، وهي أرضية ثرية خصبة للثقافة الدينية في مختلف حقولها: تفسيراً، وسيرة، وفقهاً، وعرفاناً، وغير ذلك من حقول المعرفة.. إن الإمام الحسين (ع) هو حفيد النبي (ص)، ومصادر المسلمين ثرية بما ورد في فضل البكاء عليه (ع).. فلماذا نجد هذا التأثر من غير المسلم الذي لا يعتقد بالدين، في حين أنهم أولى بذلك؟!.. لنحاول إيصال هذا الفكر للطرف المقابل، بأسلوب هادئ موضوعي، بعيداً عن الجدال العقيم.. وعلى كلٍّ فإن هذه الوسائل التثقيفية الهائلة اليوم، أكملت الحجة على جميع المتصدين لعالم التثقف والفهم في هذا المجال.

79. إن طبيعة موارد الحياة الدنيا أنها محدودة وضيقة، لا تحقق مآرب الإنسان وتشبع رغباته.. وبالتالي، فإن تكالب الناس على هذه المواد، يكوّن التنازع على بعض الأمور.. و كما نعلم، كان أول من تنازع هابيل مع أخيه قابيل، حيث تُقبّل من الأول ولم يتقبل من الآخر.. فإذن، من الطبيعي أن تكون هذه الحالة من الخصومة في حياة البشرية.. لكن المشكلة في أن الإنسان المتخاصم أو المتنازع، عندما يعيش حالة الكره والبغضاء والحقد؛ ينسى الحدود الشرعية في هذا المجال.. ولهذا نلاحظ أن آيات الخلاف في القرآن الكريم، تطالب بتقوى الله، والصفح عن الغير، وتذكر الحدود الإلهية؛ لأن طبيعة التخاصم مما يمكن أن تجر الإنسان إلى مآسٍ وويلات.

80. إن الإنسان المؤمن إذا أراد أن يكون متوجهاً إلى ربه، فلا بد أن ينفي كل المشغلات والمزاحمات.. حيث أنه يكفيه ما في جعبة الشيطان من المشكلات، يأتي هو ويزيد على نفسه أموراً أخرى!.. فيعيش حالة الخصومة، والغليان الباطني مع الآخرين، أضف إلى أن التنازع والخصومة هي البيئة المناسبة لنمو جراثيم المعاصي، كما أن الجراثيم تختار البيئة الفاسدة، فكذلك الحال عند الشيطان، يبحث عن الإنسان الذي تورط في أجواء الخصومة؛ ليجره إلى الغيبة، والنميمة، والبهتان، وما شابه ذلك من صور المخالفات الشرعية في هذا المجال.

81. إن الخطوة الأولى لعلاج مجمل الأمراض الأخلاقية، هو الاعتراف بها.. نحن نلاحظ هذه الأيام أن الإنسان إذا ألمّ به مرض من الأمراض المتعارفة، فإنه يراجع طبيباً في هذا المجال.. والحال بأن الأمراض الروحية، هي أشد فتكاً، وأدوم تأثيراً؛ لأن الأمراض الروحية، يستصحب الإنسان آثارها إلى أبد الآبدين.

82. ليس من المانع أبداً أن الإنسان الذي يعيش في الحضيض، أو في الوادي، أن يفكر في القمم العالية، وإن كان يائساً لعدم وجود الإمكانيات الموصلة لهذه القمم.. إذ أن مجرد التمني ليس بالأمر المحرم، (ومن يتهيب صعود الجبال ***يعش أبد الدهر بين الحفر).

83. إن شهر رمضان الكريم، شهر تجلي الكتاب والعترة.. حيث أنزل فيه القرآن الكريم، وصادف اكتمال البدر فيه، اكتمال البركات، بميلاد الحسن الزكي المجتبى (ع).

84. لا شك أن المؤمن يعيش قبل ليالي القدر مشاعر الطالب المُقدم على امتحان مصيري في آخر السنة، حتى أنا نلاحظ الكسالى في المدارس عندما يقترب موعد الامتحانات، يعيشون حالة الاضطراب والقلق والوجل.. وكي نوفق لليلة قدر مميزة، فإن الأمر يحتاج إلى برمجة دقيقة على مستوى حمل الهمة، حيث أن من أحسن عمله في تلك الليلة؛ فقد ربح ربحاً وفيراً.

85. إن من الحكمة الإلهية أن يجعل ليالي القدر متدرجة: ثلاث ليال، وبينهم فاصل كالفواصل الإعلامية؛ ليهيئ الإنسان نفسه لليلة الآتية إذا رأى تقصيراً في تلك الليلة.. وكما نعلم بأن ليالي القدر تتوج بالليلة الثالثة والعشرين (ليلة الجهني)، لذا ينبغي للمؤمن أن يهيئ نفسه: بالاعتكاف، والتفرغ العبادي في هذه الأيام، ويحاول أن يعود إلى نفسه، وبكتشف أمراضه الباطنية.

86. ينبغي الجمع بين ثواب الجماعة، وبين التلذذ في الصلاة؛ لأن الجماعة معلم من معالم حياة الأمة، والمساجد بدون جماعة أماكن باهتة لا روح فيها.. ولعل من يسارع في صلاته في مسجدكم يعمل بقاعدة أضعف المأمومين، أنا أيضاً عندما أقيم هذا المعنى أحاول ألا أثقل كاهل الصائمين بذلك.. وأما إذا أردت أن تتلذذ بالصلاة، فبإمكانك أن تتخذ صلاة الليل؛ كي تسرح وتمرح في مجال الأنس بالله تعالى.. كما كان أولياء الله -تعالى- ينتظرون جوف الليل لهذا اللقاء الإلهي.

87. لنلتفت إلى أن كل حركة من الإنسان المؤمن، لا بد أن تكون حركة مدروسة: فرحه، وحبه، وبغضه، وحزنه، مثلما قال القرآن الكريم: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.. أي أن الإنسان المؤمن عليه أن يفرح بما يقدمه من الهدف النهائي، وإلا فالفرح الذي لا مبرر له، ليس فرحاً رسالياً هادفاً.. وعليه، فإن ما يوجب الفرح للمؤمن، هو كل عمل فيه طاعة رب العالمين.. وأما حالة البطر والترف، والذهاب إلى دور الملاهي، وحالة الاسترخاء الكاذب؛ هذه كلها لا تناسب الإنسان المؤمن.. نحن لسنا ضد سبل الترويح المحللة، ولا ننكر أن يعطي المؤمن نفسه حقها، ولكن ضمن الحلال والمشروع، وفي جو لا يجره إلى الحرام والغفلة.

88. إن الإسلام دين متنوع وجامع، لا يدعو إلى التهجد، وإحياء الليل فحسب!.. وإنما يدعو أيضاً إلى مشاركة الفقراء همومهم، فالبعض من المسلمين -كما نعلم- يعيش حالة الفقر المدقع، لا يكاد يدخل اللقمة السائغة في جوفه، والبعض منهم لا يأكل اللحم لأشهر.. بينما نجد هنالك من يصاب بالتخمة في هذا المجال، إلى حد الإصابة بالأمراض: كمرض النقرس وما شابه ذلك.. وعليه، فإن الإنسان يوم العيد، يحاول أن يشارك الفقراء مشاعرهم، ويثبت جانب التكافل الاجتماعي في الإسلام.. وهو تكميل لبعد من أبعاد الإنسان المؤمن في هذا المجال.

89. إن الغرض من إبهام ليلة القدر، هو ألا يركن الإنسان إلى ليلة واحدة، ويتشبه بالنبي المصطفى (ص)، الذي كان يشد المئزر في العشر الأواخر، ويجعل هذه العشرة من الليالي المتميزة.. ولهذا تجد أن الخواص يتأسون بهذه الصفة، ويحاولون الاعتكاف الباطني؛ للخروج بأفضل المكاسب في هذه الليالي والأيام.

90. إن الذي يريد أن يترقى طريق القرب إلى الله تعالى، لابد أن يشذب البيئة الاجتماعية حوله.. فالذي يأنس بأهل الباطل واللغو، كيف يريد أن يتقرب إلى الله تعالى؟!.. قال تعالى في شأن المؤمنين: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}.

91. إن الذي يوفق لبعض التوفيقات الإلهية، ثم يرتكب الذنوب؛ فإن الضربة تكون موجعة؛ لأن الله -تعالى- أذاقه حلاوة ذكره، وهو كفر بهذه النعمة.. قرأنا في التاريخ بأن نبي الله آدم (ع) تذوق من شجرة منهية، لا على مستوى المعصية، ولكن انظروا إلى المرارة!.. بالخروج من جنة القرب!.. فإذن، القاعدة هي القاعدة: من تذوق حلاوة القرب، وارتكب المعصية؛ فإنه يُطرد من هذه الجنة الروحية إلى عالم الجحيم الباطني.

92. إن الشر ينسب للعبد؛ لأنه هو صاحب الإرادة، فلو سلبنا منه عنصر الإرادة، لانتفى حسن الثواب والعقاب.. لأن الله -تعالى- لا يعاقب من سلبت إرادته: كالساهي، والنائم، والمكره، والمضطر.. فإذن، إن الشر هو من سلوك العبد، الذي تصرف في موارد الطبيعة، وتصرف في أعضاء بدنه، مما يؤدي إلى وقوع المعصية.. ولكن عندما نقول: بأن الخير من الله عز وجل، لا بمعنى أن الله -تعالى- أجبرنا على فعل الخير، وإلا لا يحسن الثواب لإنسان قام بعمل بلا شعور، بل يعني أن المواد التي سخرها الله -تعالى- لنا، هي من الله؛ تمكيناً للقيام بالعمل الصالح.

93. إن المقدرات الإلهية، ليست مقدرات قاهرة على نحو الإلزام، بل على نحو العلم.. كما الحال عند الطالب الكسول، فعندما يقرر الأستاذ بخبرته عن هذا الطالب المهمل، بأن مآله سيكون السقوط، ثم أنه يمكنه أن يجد في الدراسة وينجح.. كذلك الحال بالنسبة للمؤمن، ما كتب له إنما هو كتابة محضة على نحو الخبر، لا على نحو الإلزامية والقهر.

94. بلا شك أن من آثار النزاع والشقاق الزوجي هو قطع الرحم، مع الأسف بعض الآباء والأمهات يعتقدون بأن الأبناء مغفّلون لا يفهمون ما يجري.. والحال بأن هنالك كاميرات صامتة في أذهانهم تسجل كل ذلك، وما إن تأتي مرحلة البلوغ، إلا وتثار كل تلك المشاعر والأحاسيس، ويبدأ الابن يقلب الملفات المختزنة، ويحكم على أبويه، أي الطرفين ظلم الآخر.. وبالتالي، فإنه يصبح عدواً لدوداً مجانباً لأصله: إن كانت أمه، أو كان أباه، وقد يبقى منحازاً في صف أحدهما ضد الآخر.. وقد يكون بعض صور العقوق، منشأها سوء تصرفات الأبوين أمام الأبناء.

95. إن من موجبات ردع الإنسان العصبي، وجعله يحتقر ما هو فيه، التزام الطرف المقابل بالصمت، وعدم الدخول معه في الجدال.. فهذا يجعله يحترق في داخله من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى لا يجد الشيطان منفذاً سريعاً بينهما وتتعقد الأمور.. قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.

96. إن من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى، التوفيق بين رأسين في الحلال.. والفشل في بعض الحالات لا يلزم التوقف والإحباط، أنتم قمتم بما عليكم والبقية تترك على رب العالمين، فلو نجحتم في تزويج عشرة من شباب المؤمنين، فإن لكم من الذخائر التي لا تنفذ يوم القيامة.. ثم إن حركة الزواج الجماعي حركة اقتصادية جميلة، لا أعتقد أنها صورة من صور الفقر، أو التمظهر بمظهر الاستضعاف؛ ليستنكف البعض عنها.. بل هي حركة مباركة إذا ما كانت ضمن مباركة شرعية، وفي جو رسالي هادف.

97. من المعلوم أن جهاد المرأة حسن التبعل، وتشجيع الزوج لتأمين متطلبات الحياة، وتأمين الحضن الدافئ له؛ من سبل ترقيها وتكاملها أيضاً.. فالإنسان المؤمن عليه أن يكون واقعياً، وليكن مصداقاً لهذا الحديث الشريف: (إن لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون)؛ ليعيش حالة الرضا، والاطمئنان النفسي، بعيداً عن التحسر والألم الناشئ من فقدانه امتيازاً ما، أو أمراً مخالفاً لهواه.. فإذن، يجب ألا تستسلم المرأة إذا كانت بعيدة عن الأجواء الإيمانية، وتشق دربها، وتعلق أملها بالله عز وجل، والأهم من كل ذلك هو امتلاك منهجية في الحياة.

98. إن مسألة إرضاع الأم لطفلها، يعد من أقدس الحالات البشرية.. لذا نلاحظ في المسابقات الفوتوغرافية العالمية، فوز مثل هذه الصور المعبرة عن حنان الأمومة؛ لأن هذا الطفل الرضيع، وجود مرتبط بأمه عايشها تسعة أشهر، وإذا خرج لا معين له غيرها.. ومن الجميل أن تغرس الأم في ابنها المشاعر الإنسانية العالية حال الإرضاع من خلال نظراتها أو حتى صوتها.. إذ أنه معروف بأن الطفل يأنس بصوت أمه؛ لأنه كان يسمعه وهو في الظلمات الثلاث، وأيضاً الإكثار من ذكر الله عز وجل، وخاصة إذا كان بصوت مسموع: تلاوة للقرآن الكريم، أو ابتهالاً بدعاء.. مما قد ينفذ في طبلة الرضيع، ومن الممكن أن يختزن في اللاشعور، وفي يوم من الأيام يظهر إلى السطح كما هو مجرب.

99. إن المؤمن بتقواه وورعه، لهو من أنجح الناس في حياته الزوجية؛ لأنه لا يحمل في ذهنه ألبوماً من صور النساء الفاتنات.. وبالتالي، فهو مأمون من أن يقيس جمال زوجته بهؤلاء.. إن المرأة كيان فكري وعاطفي، لا مجرد شكل صوري فحسب!.. ولاشك في أن عشق الشمائل زائل فانٍ، بينما العشق الباقي الأبدي هو عشق الأرواح.

100. ينبغي أن يبتعد الإنسان عن حالة المثالية في التعامل مع عناصر الحياة، فالرجل الذي يتوقع من المرأة المثالية في كل الأمور، ويطلب منها أن تمشي على الخط المستقيم بكل حذافيره، فهل هو بنفس هذا المستوى؟!.. وكذلك بالنسبة للمرأة عليها ألا تتوقع المثالية المادية، وتشق على الزوج في الإنفاق المالي.. المرأة -مع الأسف- قد تحرم نفسها من المتاع الدنيوي والأخروي، والسكون، والأولاد؛ وذلك بسبب سيارة أو أثاث أو ما شابه ذلك.. إن التزاوج الأمثل لا يكون إلا بتزاوج الأنفس لا الأبدان، فإذا امتزجت الأرواح؛ فعندئذ كثير من النواقص اليومية، ستكون قابلة للتحمل.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج