برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

واقع الزواج

إن هذه دورة جديدة من الوصايا، وسنتناول فيها-إن شاء الله تعالى- أهم النقاط المتعلقة بعالم الحياة الزوجية، بعنوان (البنيان المقدس)، بعد أن فرغنا فيما مضى-بحمد الله تعالى- من الوصايا الأربعين في مجال التهذيب الأنفسي.. وستكون هذه الدورة كذلك-إن شاء الله تعالى- أربعين وصية، في أربعين حلقة؛ عدد الأربعون عدد مبارك، وهو العدد الذي واعد الله تعالى به موسى (ع).

وإن هذه الوصايا الأربعين في عالم التكامل الزوجي، مكملة للوصايا الأربعين التي ذكرناها في عالم التكامل الأنفسي.

 

س1/ إن من الملاحظ في آية الزوجية، التركيز على أن المودة والرحمة، هما أساس الحياة الزوجية.. فلم التأكيد على هذين العنصرين من بين كل العناصر؟..

إن الحديث عن إصلاح الحياة الزوجية، لمن أهم أنواع الحديث بعد ترتيب العلاقة مع رب العالمين.. لأن الإنسان الموزع، الذي ليس له سكن في المنزل، وليس له استقرار، يواجه بعض العقبات حتى في مجال الترقي الروحي.. فالمؤمن يحتاج إلى جو هادئ في المنزل، وإلى سكن وإلى راحة باطنية؛ تخفف عليه أعباء العمل ومشاغل الحياة.. وإن الحياة الزوجية السعيدة، هي التي تؤمن للإنسان هذه الحالة من الاستقرار داخل المنزل.

 

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.. والملاحظ أن الآية فيها إشارتان:

الأولى: أن الحياة الزوجية آية من آيات الله تعالى:

إن لله تعالى آيات في الآفاق وفي الأنفس، الدالة عليه.. وفي سورة الروم ذكر آية الزوجية، وذكر أيضا بعض آياته الآفاقية، مما يجري في هذا الوجود: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}، {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.

 

الثانية: أساس السعادة في الحياة الزوجية:

إن الملاحظ أن الآية لم تذكر الجانب الغريزي، رغم أنه الجانب الأهم عند عامة الناس، وخاصة الشباب، فلو وصلنا إلى سويداء قلوبهم، لرأينا أن هذا هو العنصر الدافع لهم.. ولكن الآية تشير إلى السكون، وهو أمر قلبي لا يمكن أن يكون تحققه إلا في القلب، وليس في البيت والأثاث، وليس في الطعام، وليس في السياحة وغيره، وكذلك المودة والرحمة فهما أمران قلبيان.. وكأن الآية تشير إلى أن الذي يشكل أساس الحياة الزوجية، هو هذه العناصر الثلاثة: السكون، والمودة، والرحمة.

 

ومن الممكن أن يقال-والله العالم- أن هذا السكون، هو نتيجة المودة والرحمة، فإذا وجدت المودة والرحمة، ووجد هذا التجاذب بين الزوجين، فإن النتيجة هي السكون.. ولهذا فإن الذي يسعى للمال والجمال، بدلا من المودة والرحمة، فإنه لا يصل إلى هذه الحالة من السكون، كما نلاحظ عند المترفين والمترفات عندما يتم بينهما الاقتران، إذ لا نرى هذا السكون.. لأن المودة والرحمة التي جعلها الله تعالى، لم تتحقق فيما بينهما، أو أنها تحققت، ولكنهما بسوء فعلهما، رفعا هذه المودة والرحمة.

 

س2/ ذكر في الوصية أن الحياة الزوجية تحتاج إلى رشد خاص، وإلى بلوغ روحي، غير البلوغ البدني، فما المراد من ذلك؟..

إن هناك بلوغ بدنياً لكل من الرجل والمرأة، والذي له أثر في عالم الفقه، ولكن لا تلازم أبدا بين البلوغ البدني وبين البلوغ الروحي، فالبدن قد يبلغ، ولكن الروح لا تبلغ.

إن البلوغ الروحي حالة من حالات الرشد الباطني، ورؤية الأمور على حقائقها.. ولا نعني برؤية حقائق الأمور المعنى العرفاني الدقيق، الذي هو أمنية كل مؤمن ويلح في طلبه، قائلا: (اللهم!.. أرني الأشياء كما هي).. بل نعنى أنه ينبغي امتلاك أقل درجات البلوغ، وهو أن نعلم ماهية الحياة الدنيا، والتي من عناصرها الحياة الزوجية.. ومن المعلوم أن الحياة الدنيا حقيقتها تتمثل في أمرين: أنها حياة فانية، وأنها مقدمة ومزرعة للآخرة..  فالاعتقاد بفنائية الدنيا، يوجب عدم التعلق بها.. والاعتقاد بأنها مزرعة للآخرة، يوجب استثمارها..

وهذا خلافا للرهبانية التي رفضها الإسلام.. فالزوجان بالإضافة إلى تفكيرهما أن هذه الحياة فانية، فهما أيضا يفكران بأنها مزرعة، ومن أفضل محاصيل وثمار هذه المزرعة، الذرية الصالحة.. فالذي يتزوج، ينبغي أن يفكر في الذرية الطيبة الصالحة، من ليلة الزفاف.. ومن المعلوم أن هذه الذرية لا تنشأ إلا في أحضان البالغين روحيا، فلا يمكن أن تكون في ضمن زوجين لا يعرفان حقائق هذا الوجود، كما ينبغي أن يُعرف.

 

س3/ ما معنى كلمة (الزوج)؟.. ألا يفهم من هذه الكلمة أن المرأة والرجل كلاهما يكملان بعضهما البعض؟..

إن كلمة الزوج من التعابير البليغة، ففيها معنى المسانخة والموافقة والانسجام.. ولهذا نلاحظ أن القرآن الكريم- وهو في سياق ضرب مثلا للمرأة السيئة- عبر بامرأة لوط وامرأة نوح، فلم يعبر عنهما بلفظ الزوجية، إشارة إلى أنهما كانتا تشكلان وجودا أنثويا فقط، لا جزءا مكملا.. وقد كانت السيدة خديجة (ع) بمثابة الجزء المكمل للنبي (ص) بمعنى من المعاني، وإلا فرسول الله (ص) له من الدرجات ما له.

يبدو أن هناك درجات من الكمال، لا يصل إليها الإنسان إلا بالزواج.. كما أن العدد واحد لما يضاف إلى واحد آخر، يصبح العدد من فرد إلى زوج، وهو العدد اثنان، ولو نقص لانتفت الزوجية.. فكذلك بالنسبة للرجل والمرأة، فهما عندما يقترنان يحصلان على كمال لا يكون في الحالة الانفرادية، ولهذا فإن من تزوج فقد أحرز نصف دينه.

 

وعليه، إن الذي ينظر إلى الزوج على أنه النصف المكمل لوجوده، والذي يكمل انفراديته، فلا شك أنه يكون دقيقا جدا في اختياره لهذا الزوج.. وإلا فإن هذه العبارة: (من تزوج فقد أحرز نصف دينه) ليست مطلقة، فليس كل من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فإن الزوجة لو كانت غير صالحة، فإن النصف الباقي أيضا يذهب، لا أنه يكمل!.. وإنما يحرز نصف دينه، إذا كانت الزوجة فيها من المواصفات التي ذكرتها الشريعة، والمصداق لما ورد: (فاظفر بذات الدين تربت يداك). 


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج