برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

مباركة الحق لحياة الزوجية 

س1/ هل لعدم الاستقامة العملية في سلوك الزوجين وارتكابهما للمعاصي، أثر في تدمير العش الزوجي؟..

لا شك أن المعاصي من موجبات تدمير الحياة الزوجية، فالقضية منطقية وطبيعية جدا، والبرهان على هذه الدعوى أمران:

الأول: زوال المباركة الإلهية:

إن الذي لم شمل الزوجين، هو الجعل الإلهي للمودة والرحمة بينهما، فهذا هو رأس المال الذي يقتات منه الزوجين إلى آخر العمر.. كما أن رب العالمين هو الذي جعل المودة والرحمة بينهما، فإن بيده جعل عكسها، فيده ليست مغلولة، وإذا شاء لظرف معين، كالتقصير من الزوجين، رفع هذه المودة والرحمة، وعندئذ لك أن تتصور كيف يكون حالهما؟!.. كما أن الصلاة عمود الدين، فإن المودة والرحمة بين الزوجين عمود الحياة الزوجية، فرب العالمين إذا رفع العمود سقطت الخيمة على وجهها.

 

والثاني: التزهيد بالحلال الموجود:

إن من المعاصي الدخيلة في هدم الحياة الزوجية، المعاصي الشهوية، أي كل ما يتعلق بعالم الإثارة الباطنية، سواء عن طريق النظر، أو عن طريق السمع، أو عن طريق الفؤاد، وتخيل الصور المحرمة..

فالزوج الذي ينظر إلى صور محرمة شرعا، فإنه يتعرف على صور أجمل من وجه زوجته، ويتعرف على لذائذ أرقى من لذائذ الحلال مع الزوجة، فيبدأ مع الأيام يزهد في هذا الحلال.. فإن رب العالمين جعل له زوجة من حلال، ومعاشرتها فيها أجر وثواب، وإذا به يزهد في هذا الحلال بل المستحب، ليمارس الحرام!..

ومن هنا نقول: إن الزوجين-بعض الأوقات- هما بأنفسهما يخربان بيتهما بأيديهما.. فمثلا: إن الزوجة بإصرارها على الذهاب لبعض البلاد، أو لبعض الشواطئ، أو لبعض المطاعم ذات الأجواء غير الشرعية، فهي بإصرارها هذا ودعوتها للزوج إلى هذه الأجواء، وكأنها تضع الإسفين في الشجرة المباركة!..

فبلا شك أن ارتكاب الحرام، من موجبات تذويب هذا البناء المبارك.

 

س2/ إن الملاحظ هذه الأيام مع انتشار الفضائيات والانترنت، ازدياد كثرة الشكاوى على الأزواج من الزوجات.. فما هي نصيحتكم للزوجة المبتلاة بزوج غارق في بحور الرذيلة؟..

كما قلنا إن هذا باب من أبواب الفساد، يفتحه الإنسان على نفسه.. والقرآن الكريم يعبر تعبيرا جميلا في قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}.. أي أن الشيطان كأنه يترصد، ليرى أقل منفذ، للدخول إلى داخل العش الزوجي..

ومن الممكن أن يقال: إن من أضعف الحلقات التي يمكن من خلالها أن ينفذ الشيطان، هي الحلقة الزوجية.. فإن المؤمن يمكن أن يحاول معه الشيطان، ولكنه قد يلتفت ويراقب، ولكن في الحياة الزوجية، هناك زوجان، ولكل منهما شيطان.. فالزوج يريد أن يواجه شيطانه، ويواجه شيطان زوجته؛ وكذلك الزوجة تريد أن تواجه شيطانها، وتواجه شيطان زوجها.. فهو لم يفلح في طرد شيطانه هو، وإذا بشيطان آخر حل في المنزل!..

ولهذا فإن القضية قضية معقدة مركبة، وإن العش الزوجي عادة من مظان حومان أو دوران الشياطين، وقد ورد في الحديث: (لولا أن الشياطين يحومون على القلوب بني آدم، لنظروا وإلى ملكوت السماوات والأرض).. فالشياطين كما تحوم حول القلب الواحد، كذلك تحوم حول البيت الزوجي، ومن هنا سهل عليه أن يصطاد فرائسه، من خلال هذه العملية.

 

س3/ كيف يتدخل رب العالمين في الإصلاح بين الزوجين، كما ذكرت الآية الكريمة: {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا}؟..

نحن نلاحظ كيف أن الزوجين كليهما بعد العقد مباشرة، كم تغمرهما حالة من الإحساس بالأنس والمودة.. إن رب العالمين بأي طريقة جعل هذه المودة والرحمة بينهما، وقد كانا قبل العقد أجنبين، لا علقة روحية بينهما؟.. إن الذي جعل هذه المودة الغامرة، أيضا يوفق بينهما، فإن له ما له من أساليب التدخل في قلب بني آدم.

ومن المعلوم أن رب العالمين سلط الشيطان على بني آدم، بمعنى أنه أذن له أن ينفذ في قلوبهم، وإلا فرب العالمين لا يصدر منه إلا الخير: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}.. فإذا كان رب العالمين أذن للشيطان أن ينفذ في قلوب بني آدم، ألا يأذن لنفسه أن يتدخل ويتصرف في قلوب بني آدم؟.. أيجعل للعدو مجالا-وهو أرحم الراحمين، وهو أكرم الأكرمين- ولا يجعل الحق محفوظا لنفسه في أن يتدخل في قلبي الزوجين، ويوفق بينهما؟!..

جاءت امرأة إلى النبي (ص) تشكو زوجها، وكانت شكواها فيها من العتاب الكثير على الزوج، فالنبي (ص) نادى زوجها، وجمعهما، ولعله وضع رأسه على رأسها، ثم دعا لهما بأن يؤلف الله تعالى بينهما، وإذا بالمرأة تقول أنه لا أرى في الأرض إنسانا أحب إلي من هذا الزوج.

إن دعاء النبي (ص) مستجاب، وكذلك دعاء المؤمن- وخاصة إذا كان ملهوفا مضطرا- مستجاب أيضا.

 

س4/ ما هي الشروط والنصائح، لمن يريد أن يوفق للإصلاح بين الزوجين؟..

إن من المناسب للمؤمن إذا أراد أن يصلح أمرا من الأمور، قبل أن يعتمد على قدراته اللفظية والكلامية، وعلى لباقته الاجتماعية والفردية، من المناسب أن يستمد العون من الله تعالى، بأن يصلي ركعتين خاشعتين، في خلوة من الخلوات، أو في بيت من بيوت الله تعالى.

وبشكل عام، فإن المؤمن يستغل الصلاة بين يدي الله تعالى، لكل أمر يهمه.. ومن الملفت أن من الصلوات المستحبة، صلاة الجائع، فالإنسان الجائع يحتاج إلى طعام، ولكن الشرع يقول صل ركعتين.. وما المانع مثلا لو أن شابا عنده امتحان نهائي، قبل أن يخرج من المنزل، يصلي ركعتين لتيسير الامتحان، وليقل: يا رب!.. أصلي ركعتين لقضاء الحاجة، وليسمها.. وهكذا في الإصلاح بين الزوجين، وقد كان الإمام السجاد (ع) له سجدات، ومن سجداته إذا وفق لإصلاح ذات البين.

لأن الشيطان في ساعة الإصلاح، يتدخل لتحريف مسير الأمور؛ فلمنع الشيطان من الدخول في ساعة الإصلاح، وفي جلسة الإصلاح، من المناسب الاستعاذة، وقراءة شيء من كتاب الله تعالى، وصلاة ركعتين، والدعاء بأن يبارك الله تعالى في هذه الجلسة.

وإن رب العالمين-كما وعد في كتابه- يوفق بينهما، فهو أصدق من وعد، وأكرم من أعطى، فهناك بشرى بقضاء هذه الحاجة، من التوفيق بين القلبين.

وهنيئا لمن يوفق للجمع بين رأسين، أو أن يرفع خلافا بين رأسين!.. وقد يكون-والله العالم- رفع الخلاف بين الزوجين عند الله تعالى، أحب من أصل التزويج؛ لأن هذا الإنسان إذا لم يزوج هذا الشاب بهذه الفتاة، فقد يأتي إنسان آخر.. ولكن إذا وقعت الواقعة، وصار البيت في طريقه إلى الشتات، فإن من أفضل القربات إلى الله تعالى، التصدي لإصلاح الأمور في هذا الظرف. 


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج