برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

الوصف الإيماني لا الشخصي  

س1/ كيف يمكن للزوج أن يحول نظرته إلى الزواج، من نظرة عاطفية أو مادية، إلى نظرة إيمانية؟..

إن هذه الوصية من أهم الوصايا في الحياة الزوجية؛ لأن كثيرا من المشاكل تنشأ من التفريط بها، وعدم الالتفات لها.

إن الرجل-مع الأسف- من حيث يشعر أو لا يشعر، ومن حيث يعترف أو لا يعترف، عندما يتزوج فهو في تعامله كأنه وضع زوجته في قفص الحياة الزوجية، فلا ترى في الغالب إلا حياة يغلب عليها السيطرة والتقييد غير الشرعي، من الرجل قبل المرأة.. ولهذا فإنك ترى بعد فترة من الزمن، أن الزوجة تعيش حالة الاستسلام، بدل حالة الأمان والرضا، بأنه لا خيار لها بعد هذه العيشة المرة، ولابد لها من الصبر عليها، لأن ما بعد هذه الحياة وهو الطلاق، ما هو أشد مرارة.. فبقاؤها في هذه الحياة الزوجية، لا من باب أنها تعيش حلاوة الحياة الزوجية، وإنما خشية أن تقع فيما هو أشد، من فراق الأولاد وتوابعه.

 

فإن البعض عندما يتزوج، لا يعلم إن هذه الزوجة هي أمانة إلهية، لا بل هي هدية إلهية.. أليس بعض الشباب قبل أن يتزوج، كان مبتلى ببعض الهفوات الشبابية، كما هو المتعارف؟!.. ألا يكفي أن هذه الزوجة حصنتك، وأحرزت لك نصف دينك؟!.. نعم، إن هذه المرأة نعمة من النعم الكبرى، وهي طريقك إلى الجنة.

 

فإذن، إن المشكلة تكمن في طبيعة النظرة إلى الزوجة، بأنه كيف ينظر الزوج إلى الزوجة؟.. فإن كانت النظرة إلى الزوجة، على أنها مجرد إنسانة جاءت إلى المنزل بشيء من الجمال الظاهري والمال، فمن الطبيعي أن قيمة هذه الزوجة مآلها إلى التناقص، تبعا للأفول التدريجي للجمال، الذي هو أمر قهري، وسنة الله تعالى في خلقه..

أما إذا كانت النظرة إيمانية، على أنها أمانة إلهية، فإن مرور الأيام لا يزيدها إلا قيمة عند الرجل المؤمن.. لأنه في كل يوم يمر، يرى بأنها تزداد خدمة له، وقد كان له ولد منها، فأصبح له الآن ولدان.. فيقدر لها ما تبذله من جهود، تسعده وتريحه وتعينه في الحياة..

بل إن الرجل-إذا كان مؤمنا بالمعنى الكامل للإيمان، وأن الدين المعاملة- يصل إلى درجة أنه يرى ما يتعرض له من أذى الزوجة، أنه سبيل لتكامله، فتراه يستمتع بكظم الغيظ، والصبر عليها، فما هو فيه تدريب قهري للحصول على ملكة كظم الغيظ.. ولكن هذا إذا يئس من التغيير فيها، ورفع مستواها، لأن الزوجة من شؤون الزوج، فمن وظائفه أن يحاول أن يربيها، ويصلح أمرها، لا أن يتركها وشأنها، ويرضى بغضبها، حتى هو يتكامل من خلال كظم الغيظ.. ونفس الكلام أيضا ينطبق على المرأة الصابرة، على أذى زوجها، فإنها أيضا تصبح من النساء المتميزات.

 

وإن من المحفزات لكل من الزوجين على حسن التعامل مع بعضها البعض، هو قراءة الروايات الواردة في حق المؤمن على المؤمن، والثواب المترتب على ذلك.. والمقصود بالمؤمن الأعم من الرجل والمرأة، فالروايات تنطبق أيضا على حق المؤمن على المؤمنة، والعكس، وليس هناك خصوصية للذكورة، فهذه الرواية (أيما مؤمن نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه سبعين كربة من كرب الدنيا وكرب يوم القيامة)؛ تنطبق على الزوجة التي تفرج الكربة عن زوجها، أو العكس.. والروايات التي تتحدث عن ثواب سقي العطشان، وإشباع الجائع، هذه الروايات ألا تنطبق على المرأة التي تطبخ الطعام، وتنوي به أن تطعم مؤمنا يأتي من العمل جائعا.

 

وهكذا.. وإذا بالحياة تنقلب رأسا على عقب، إلى جهة الإيجاب، من حياة بشرية تحكمها القوانين البشرية المتعارفة، إلى بؤرة إيمانية.. فالرجل ينظر إلى المرأة على أنها أمة الله، والمرأة تنظر إلى الرجل على أنه عبد الله، ويا لها من عيشة سعيدة!..

 

س2/ ذكر في الوصية ضرورة الرقابة الذاتية، والإحساس بالرقابة الإلهية في ضبط السلوك، وحسن التعامل بين الزوجين.. وإن عدم الرقابة، تهيئ الأرضية للتعدي وتجاوز الحدود، وخاصة لانفراد الزوجين مع بعضها البعض في كثير من الساعات.. فما هي النصيحة لتحقيق ذلك عمليا؟..

إن الرقابة هي العنصر الأساسي، لأي عملية تكاملية في الحياة، سواء مع الفرد أو الأسرة أو المجتمع، وهي بمثابة المرايا التي تكشف للسائق عن أي خطر حوله، والفرامل التي تجعله يتوقف حينها..

فالرقابة بمعنى أن يكون للإنسان القدرة على تشخيص المنزلقات، وإيقاف النفس عند أول منزلق أمامه، لئلا يسقط في الهاوية.. فالذي لا يمتلك هذه الرقابة، فمن الطبيعي أنه في أول غفلة يقع فيما لا يحسب عقباه.

 

ومن هنا من المناسب في ختام اليوم أن الزوج ينظر إلى مجمل تعامله مع الزوجة، من الصباح إلى الليل، وقبل أن ينام ينهي هذا الملف.. كم من الجميل أن الزوجين-قبل ساعة النوم- ينهيان ملف ذلك اليوم، فإن كان خيرا، فكلاهما يشكر الآخر على هذا اليوم المبارك، وإن كان فيه شرا من أي جهة، يتصافيان..

لأن تراكم هذه السلبيات، له أثران، إذ يباعد القلبين عن بعضهما، والأثر الأهم هو السقوط من عين الله تعالى.. فينبغي الحذر من الغضب الإلهي، فقد يكون موقفا عن العبد، ولكنه لا يعلم متى يحل عليه هذا الغضب: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.. فالزوج قد يظلم زوجته في شهر كامل، ولا يرى مؤاخذة من رب العالمين، فيظن أنه على خير، وهو لا يعلم أنه هناك ملفات أحكام مع إيقاف التنفيذ، ويظلم في الليلة الحادية والثلاثين، وإذا بهذا الذنب يوجب سقوطه من عين الله تعالى.. وللعلم أن بعض النساء يصبرن على أذى الزوج، لأنه لا طريق لهن إلا هذا الطريق، لا أنها راضية عنه وصفحت عنه.. بينما لو أن الزوجين عقدا جلسة مصارحة، في كل يوم، بلطف وبشيء من المقدمات الإيمانية، فإنهما ينهيان هذا الملف، ويريحان أنفسهما من التبعات التي يمكن حلولها في أي لحظة.

 

إن الإنسان من الممكن أن تكون له رقابة ما مع شريكه في التجارة، أو مع زميله في العمل، أو حتى مع أبويه؛ لأن اللقاء ليس لقاء متكررا.. غير أن أسهل الضحايا، هما المرأة والرجل، باعتبار المعاشرة اللصيقة، والنظرة المتكررة من الصباح إلى الليل، فكلاهما يرى الآخر عشرات المرات، في حالات مختلفة، قياما وقعودا، ومن السهل تجاوز الحدود.. فالإنسان إذا قال كلاما فاحشا لإنسان آخر، في السوق أو في الشارع، فإنه يحسب له ألف حساب، بأنه هذا إنسان أجنبي، وقد يشتكي عليه ويفضحه.. أما الزوجة فتشتكي لمن؟!.. فهي في قبضته، ومن السهل تجاوز الحدود معها، والتعدي عليها.. ومن هنا نقول: إن المراقبة مع الزوجة، من أكثر أنواع المراقبة ضرورة، وذلك لوجود الأرضية للتجاوز.

 

س3/ ما هي التوصيات للزوجين في حالة الغضب؟..

يمكن أن نلخص الجواب في أمرين:

أولا: المعرفة النظرية:

إن المعرفة النظرية قد تنفع الإنسان، لكبح جماح نفسه متى ما أراد..

فمعرفة أن الإنسان في حال الغضب، يفقد السيطرة على نفسه، ويكون بيد الشيطان، يقلبه كالكرة يمينا وشمالا.. ولك أن تتصور حال إنسان ترك قيادة سيارته إلى عدوه!.. أو يشك عاقل أن مصير هذا، الانزلاق في الهاوية؟!.. فهل من عاقل يسلم زمام نفسه إلى عدوه، يقوده إلى التهلكة المحتمة؟!.. ولهذا فإن الإنسان الغضوب، عندما تذهب عنه سورة الغضب، لا يتوقع من نفسه أنه قال ما قال، وفعل ما فعل.

 

ومعرفة أنه في هذه الحالة، يعيش العمى المرحلي، فلا يرى الأمور على واقعيتها وحقيقتها.. فعليه بتجنب أخذ القرارات والمعاقبة والمؤاخذة، لأنه في حالة من الغليان الباطني، التي أججتها نيران الغضب، وإن هناك حالة من الضباب الحاجب في النفس، عن رؤية الأمور كما هي.. بمثابة قدر يغلي تحت نار، ويتشكل البخار والضباب.. وكما قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** وعين السخط تبدي المساويا

 

ومعرفة بأن الذي يكظم غيظه، فإن رب العالمين يحشو جوفه نورا، ويسدده فيما ينبغي أن يتعامل معه في حال الغضب.. ومن المعلوم أن من كف غضبه عمن يقدر عليه، فإن أقل مكافأة له من رب العالمين، أن يكف عنه الغضب يوم لقائه.. فهنيئا لك إذا أنت غضبت على إنسان، ولك القدرة على المعاقبة، والمعاقبة بمعنى من المعاني في محلها، ولكنك من باب التأسي بالصالحين، صفحت عنه، ولم تعمل غضبك.

وإن أئمتنا طالما واجهوا أصعب المواقف، وأكثرها تحديا وإهانة، كما وقع للإمام الباقر والإمام زين العابدين (ع)، ولكنهم تحملوا في سبيل الله تعالى ما تحملوا.. وإن رب العالمين بناؤه على أن يرفع من درجة من كظم غيظه، وتواضع لغيره، ويكافئه في الدنيا قبل الآخرة، بحسن الذكر: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.

 

ثانيا: تغيير الوضعية والهيئة:

تغيير الوضعية، وذلك بأن يخرج مثلا من مكان الغضب.. وتغيير الحالة التي هو عليها، فإن كان غير متطهر يتطهر.. وإذا كان موجب الغضب موجبا قويا، فعليه أن يتوضأ، ويصلي ركعتين، ويطلب من الله تعالى المدد.. فمن يعمل هذا العمل، لا شك بأنه سوف يذوب نصف غضبه، إن لم يذب كل الغضب.

 ورد عن النبي (ص) أنه قال: (إن الغضب جمرة تتوقد في القلب, ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه.. فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا، فإن كان قائما فليجلس, وإن كان جالسا فلينم.. فإن لم يزل كذلك، فليتوضأ بالماء البارد، ويغتسل؛ فإن النار لا يطفئها إلا الماء). 


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج