برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

انتقال الصفات الوراثية 

س1/ هل إن الصفات الأخلاقية والمعنوية وراثية، وتنتقل للأجيال، كالصفات البدنية؟..

إن انتقال الصفات الوراثية البدنية: كلون البشرة ولون العين والأمراض، أمر مسلم به في عالم الطب.. ومن المعلوم أن من أعقد تركيبات الجسم البشري، هو تركيبة الكروموسومات الوراثية، أو ما يعبر عنها بالشفرات الوراثية، فرب العالمين في نقطة صغيرة جدا من الخلية لا ترى، جعل فيها خارطة البناء لأمور كثيرة.. وهذا لا خلاف فيه، والعلماء هذه الأيام يعدلون في الصفات الوراثية جينيا.

 

ولكن بالنسبة للصفات الأخلاقية، فمن المعلوم أن الطب والعلم لم يمكنه إخضاع الكروموسومات تحت المجهر، ليكتشف حقيقة كون الصفات الأخلاقية قابلة للتوارث أم لا.. ولكن عندنا أدلة وشواهد بشرية، ملاحظة في حياة الأمم، بأن الصفات الأخلاقية أيضا من الممكن أن تنتقل بمعنى من المعاني، ولكن ليس كانتقال الصفات الوراثية البدنية تماما، أي ليس مثلا لو كان أب أسود اللون، فينتج ابنا بهذا اللون أيضا.. ولكن بحسب التجربة والواقع، وما نرى في حياتنا اليوم، فإن الصبغة الموجودة في أجداد العائلة، من الصفات الأخلاقية: كالبخل والكرم والنباهة والفطنة والشجاعة والجبن، نراها تنتقل بشكل ما إلى الأولاد والأحفاد، فنلاحظ أن عائلة معروفة بالشجاعة والفتوة، وهذه الصفة من الصفات البارزة في أفرادها من الآباء والأولاد.. وفي حياة العرب كانت بعض القبائل معروفة بصفة معينة، كصفة الفروسية..

والإمام علي (ع) أمير المؤمنين ويعسوب الدين-عندما طلب من عقيل أن يبحث له عن امرأة ولدتها الفحول من العرب؛ لتلد له الغلام الفارس الذي يكون في نصرة ولده الآخر سيد الشهداء (ع)- أشار إلى هذه النقطة، بأن الصفات الأخلاقية المعنوية وراثية.

 

ومن الصفات التي نلاحظ انتقالها بشكل واضح جدا، صفة الحدة والغضب.. وحتى عامة الناس يرون بأن العائلة التي فيها صفة الحدة، حتى الطفل الرضيع يلاحضون فيه هذه الصفة، حيث يكون طفل حاد المزاج ومتوتر..

وكما قلنا بأن الصفات الأخلاقية لم تخضع للعلم والتجربة، ولكن التوتر والفطنة لهما ارتباط بعالم الأبدان وبالمخ.. فالذكاء هو شيء معنوي أخلاقي، ولكن له ارتباط أيضا بعالم الأبدان، بتركيبة الخلية، وبالمادة الرمادية، كما يقال.. والتوتر أيضا، فالمرأة الحامل إذا كانت متوترة، فمن المعروف أن هذا التوتر ينعكس على الجنين.

 

فإذن، بعد أن عرفنا هذه الحقيقة، ألا ينبغي علينا إذا أردنا أن نختار امرأة، أن لا نكتفي بالنظر إلى جمالها المجرد؟.. وبتحليل سريع لهذا الجمال، الذي أخذ بقلوب الرجال والشباب: إن الجمال لا يتعدى عن كونه قناع جلدي، شبر في شبر، مع خصلات من الشعر الجميل الناعم الأملس الطويل، مكونا غطاء لما تحته، ألا وهي الجمجمة.. ومن المعلوم أن هذه الجمجمة توضع علامة للتنبيه على خطر، وكأنها شكل موحش ويذكر بالموت والرعب.. فرب العالمين كسا الجمجمة بجلد جميل في المرأة، لأجل تحقيق غرض الخلقة من التناسل..

ولكن الأهم من هذا الجلد وهذه الفروة وهذه الخصلة، الأهم هو النظر إلى باطنها.. وقد حذر الرسول الأكرم (ص) من خضراء الدمن-كما في الحديث المعروف- وهي المرأة الجميلة في منبت السوء.. فالذي يبدو لك في الظاهر، هو جمال الوردة، ولكنها على مزبلة، فالدمن بمعنى الروث..

فالمرأة التي تربت في منبت فاسد، وأخذت صفاتها الأخلاقية من منبت فاسد، لا شك عقلا بأنه لا يعتنى بجمالها، مهما كان من جمال أخاذ.. وقطعا إن أغلب المؤمنين لو قيل له نزوجك بأجمل امرأة في العالم-كما يعبر عنها هذه الأيام بملكة جمال العالم- بما فيها من الأخلاق الذميمة، فإنه لا يكاد يميل ولا يفكر في الاقتران بها؛ لأنه-كما قلنا- جمال لا رصيد له، ولا أساس له.

 

س2/ كثيرا ما يتفق في الحياة الزوجية أن الإنسان يخطئ في اختيار الزوجة.. فهل هناك طريقة للتدارك؟..

إن الله تعالى مدرك لكل فوت، وقادر على كل شيء.. ومن المعلوم أن المؤمن لا ييأس، لأنه وإن كان يستشعر حالة الضعف البشري في كثير من الأمور، إلا أنه لتعلق قلبه بالله تعالى الذي لا يعجزه شيء، يعيش حالة الأمل، ويستمد العون منه تعالى.. لأن اليأس إنما هو بلحاظ الضعف البشري، والمعجزة إنما هي معجزة بلحاظ العجز البشري؛ فالبشر عاجز عن تحويل العصا إلى ثعبان، وعاجز عن تحويل النار إلى برد وسلام.. فالمعجزة، والحاجات المتعسرة، والميؤوس منها، إنما هي بلحاظ قدرة البشر المحدودة، لا قدرة الله تعالى التي لا حدود لها.

 

ولكن ينبغي للمؤمن أن يكون واقعيا، فإذا اكتشف أن اختياره لم يكن موفقا، فعليه أن يكون جريئا وشجاعا، ويتراجع عن الاستمرار في هذه العلاقة.. ولا معنى لأن يقحم الإنسان نفسه في حياة يكرهها، خوفا أو حياء من المجتمع والأعراف أو غيره.. فما دام هو في البدايات، في أول أيام الخطوبة، أو بعد العقد، أو بعد الزواج وقبل الإنجاب، فلا زال المجال مفتوحا للتراجع.. إلا أن الملاحظ أن البعض يخادع نفسه، فيرتبط بزوجة كان يكرهها قبل الخطوبة، وهذه الكراهية ظلت مستمرة حتى بعد العقد والزواج، وهو يصر على الاستمرار، حتى تتعقد الأمور!..

 

وعليه، إن من الأفضل في مثل هذه الحالات، التراجع بأقل الخسائر الممكنة.. ولكن بعد إنجاب الأولاد والأحفاد، فإن التراجع قد يكون صعبا ومكلفا.. وهنا نقول: إن عليه بمحاولة تغيير الزوجة، ولكن هذا يحتاج إلى صبر وحكمة وقدرة متميزة.. لو أن الإنسان عنده قطعة من الحديد مربعة الشكل، ويريد أن يجعلها مستطيلة، فإنه لابد أولا أن يصهرها، ثم يصبها في قالب الشكل الذي يريده.. كذلك المرأة التي هي في دون المستوى الذي يريده الرجل إيمانيا، فمن الممكن تغييرها، وذلك بصهرها، وصبها في قالب جديد.. لكن هذا الانصهار يحتاج إلى مدد إلهي، وإلى توفيق رباني، وإلى تدبير بشري من العبد، من أجل احتواء هذه المرأة التي ليست على مزاجه.

 

ونفس الكلام يقال في العكس، أي بالنسبة للمرأة التي ابتليت بزوج دونها إيمانيا، وتريد تغييره.. ولكن مسألة تغيير الرجل، قد تكون أصعب من المرأة.. وذلك لأن الرجل عادة لا ينقاد إلى زوجته، حتى في مجال الدين.. فالبعض يكون عاكفا على حرام أو منكر، وعندما تنهاه الزوجة، تأخذه العزة بالإثم، فهذا حسبه جهنم، كما في الآية الكريمة.. ولكن التغيير من جانب الزوجة أسهل، فإن طبيعة المرأة أنها منقادة أكثر، وهناك أمل للتغيير بإذن الله تعالى.

 

س3/ في الوصية لماذا ذكر شرب الخمر بالخصوص، كمثال للمؤثرات الوراثية السلبية على الأجيال؟..

إن شرب الخمر من الأمور التي اتفق عليها الطب والدين، بأنها مادة سامة ومضرة للبدن.. وهي مادة كحولية مأخوذة من المادة الحمضية.. فكما أن الحامض يأكل الحديد، فكذلك هذه المادة لها دور في تليف الكبد، وفي تدمير الجهاز الهضمي، وخاصة مع الاستمرار والإصرار على الإدمان في هذا المجال.

 

وإن الفرق بين شرب الخمر، وغيره من المحرمات: كالزنا أو السرقة أو الغصب أو القمار أو الربا، أن هذه المحرمات إنما ترتكب في الواقع الخارجي، بينما الخمر يدخل في الجوف، ويؤثر في تركيب الخلية، فله ارتباط في عالم التكوين.. فالمرأة المدمنة على شرب الخمر أو على المخدرات أو التدخين، فإن هذه السموم التي تدخلها في جوفها، تنتقل عبر الخلايا إلى جسم الجنين، فيكون منذ تكوينه مدمنا على هذه الأمور.. وهناك أطفال يسمونهم بأطفال الكحولين، وهم الذين خرجوا من بطن أم كحولية.

 

وكما أن هذا التأثير هو مؤكد بالنسبة للجيل الأول، فمن الممكن-والله العالم- أنه ينتقل إلى أجيال متعددة، كما يفهم من بعض العبائر.. ومن هنا فإن الجريمة كبيرة، وفي يوم القيامة قد يأتي متعاطي الخمر، ويقول: يا ربي!.. إني قد تبت إليك من هذا الذنب واستغفرتك في الدنيا، وبدلا من شرب الخمر شربت ماء زمزم، وذهبت إلى الحج والعمرة.. ولكن قد يقال له: إن أثر شرب الخمر هذا، قد بان في ولدك أو حفيدك، فكيف نتجاوز عنك، وأنت قمت بما أوجب الضرر في أجيال متعددة؟!.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج