برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

القابلية لا الرصيد 

س1/ إن الكثيرين يتزوجون وهم في حالة من الضيق في العيش والفقر، على أمل أن يغنيهم الله تعالى من فضله، كما قال تعالى: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، ولكنهم لا يرون سعة في العيش، فما هو السبب في ذلك؟..

يا ليت الكثيرين كذلك!.. نحن عادة في حياتنا الدنيوية نعيش عالم الغفلة، فالقليلون الذين يتزوجون ثقة وأملا بما عند الله تعالى، فإن الثقة والأمل والاعتماد-هذه الأيام- إنما على شركات التأمين.. أما أن الآية القرآنية تعطينا وعدا بالإغناء، فإن هذا يحتاج إلى ثقة ويقين بوعد الله تعالى، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}؟!..

 

أما عن لماذا أن البعض الذين يتزوجون على أمل الإغناء ولا يجدون ذلك، فنقول:

إن الوعود التي في القرآن الكريم والسنة النبوية، ظاهرها مطلقة وباطنها مقيدة، فمثلا: قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، فظاهر الآية الإطلاق، بمعنى أن كل ما نطلبه من الله تعالى يستجاب، ولكن هناك عبارات أخرى تبين أن هناك موانع من الاستجابة، ومنها ما ذكر في دعاء كميل: (اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء)..

وكذلك الزواج فهو مقتضي، ومن موجبات الإغناء وسعة الرزق، ولكن بشرط عدم وجود الموانع.. وإن المانع الأساسي في تضييق الرزق، هي المعاصي.. فإن المعاصي آثارها ممتدة في حياة الإنسان، في الدنيا قبل البرزخ والآخرة، كما ورد في الدعاء: (اللهم اغفر لي الذنوب التي تظلم الهواء)، فالهواء أيضا يتأثر بالذنوب.. ومما يروى أن النبي (ص) لما مر على أرض قد نزل عليها العذاب في الأمم السابقة، طلب أن يخرجوا من هذه المنطقة بسرعة، فالأرض التي نزل عليها العذاب-كأرض قوم لوط- فإنها مكان مظلم.. ومن المعلوم أن هناك بيوت منيرة، وهناك بيوت مظلمة، ومن موجبات إنارة البيت مثلا تلاوة القرآن، فالبيوت التي يتلى فيها كتاب الله تعالى تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض.

 

فإذن، إن الزواج في حد نفسه من موجبات الإغناء، إلا إذا وجد مانع، من قبيل المعاصي كما ذكرنا.. والشاهد والمؤيد على ذلك، هو هذه الآية الكريمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.. فنحن نلاحظ أن قمة العلاقة الزوجية تكون بعد العقد مباشرة، رغم أنه ليس هنالك أي تعامل ولا معاشرة، ولكن العبد بسوء الاختيار وبالمعاصي، فإن هذا الرصيد من المودة والرحمة يذوب تدريجيا، كجبل الجليد..

فكما أن المودة والرحمة، بقاؤهما منوط بعدم الإتيان بما يوجب سلبهما، فكذلك في عالم الرزق الإلهي للزوجين، فهو منوط بعدم ارتكاب ما يوجب تضييق الرزق.. ونحن نعلم-كما في الروايات- أن تأثير المعصية حتى في غير الرزق المادي، فالعبد يذنب الذنب، فيحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل ضيق عليه في الرزق، وهكذا فالقضية مترابطة.

 

ولكن قد يقول قائل: وكيف أن البعض لا يرتكب المعاصي، ومع ذلك فهو يعيش حالة الفقر؟..

فنقول: إن المؤمن الذي يعمل بما عليه، ولا يعصي ربه، ويؤدي حقوقه، ويصبر على قضاء ربه وقدره، فما يصيبه من بلاء، سواء كان مرضا أو فقرا أو أي شيء آخر، فإنه بلاء تكاملي وتصاعدي، ورفع لدرجته، لا كفارة للسيئات.. فبلاؤه كبلاء الأنبياء والأوصياء، فهذا أمير المؤمنين (ع)-كما في بعض الروايات- قد كان يستقرض المال من الغير، ومن الطبيعي أن يكون هذا الاستقراض في مقابل نقص في المادة.. فالبلاء بالفقر بالنسبة لأمير المؤمنين (ع) ولشيعته الأبرار، هو قطعا رفع لدرجاتهم.

 

س2/ إن الملاحظ في روايات أهل البيت (ع)، كثرة التعبير بكلمة (الرزق).. فما هو المراد من هذه الكلمة تحديدا؟..

إن الرزق أو الفضل تعبير شامل ومطلق، لكل ما يأتي من قبل الله تعالى، مما ينتفع به الإنسان في حياته، كما في قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، فالآية تشير إلى الأرزاق التي تنزل من عند الله تعالى، مع أنه لا ينزل من السماء إلا المطر والثلج.

ومن المعلوم أن الأرزاق نوعان:

الأرزاق المادية: كالطعام، والشراب، والمال..

والأرزاق المعنوية: كرقة القلب، وما يعطاه المؤمن من رصيد باطني من المعرفة والعلم..

 

وهناك إشارة في الروايات إلى أن أفضل أنواع الرزق، هو ما يتعلق بعالم القلوب لا الأبدان، كما نفهم من هذه الرواية، عن الإمام الباقر (ع): (إن لله عقوبات في القلوب والأبدان: ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة.. وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب).. فكما أن قسوة القلب من أشد أنواع العقوبات، فإن رقة القلب، وإقبال القلب، من أعظم المثوبات والأرزاق.

 

ومن هنا فالمؤمن لا يهمه ضيق الرزق في ملف من الملفات؛ لأنه يعتقد أن رب العالمين عندما يأخذ من ملف، فإنه يعوضه في ملف آخر.. وعلى سبيل المثال: ما نلاحظه في بعض الأسر الفقيرة، فمع أن الأب لا يمكنه دفع الأموال لتعليم أولاده، إلا أنهم متعلمون ومثقفون ومتدينون.. وفي بعض الأسر الغنية، ترى الأولاد فاشلين في الدراسة، وعاطلين عن العمل، ومنحرفين، ومدمين على المخدرات..

 

فإذن، إن الرزق هو قضية عامة، وإن من أفضل أنواع الرزق: الزوجة الصالحة، والذرية الصالحة، ورقة القلب.. ومن المعلوم أن المال النقدي والذهب والفضة، هو في آخر قائمة الأرزاق التي يتمناها المؤمن، ولكن نحن-مع الأسف- جعلناها في أول قائمة الأرزاق.

 

س3/ بلا شك أن الإسراف والتبذير، من موجبات الخلل الاقتصادي في الحياة الزوجية.. فما هي نصيحتكم في هذا المجال؟..

إن رب العالمين يعطي الزوجين من الرزق، الكفاف فما فوق، وهذا هو الخروج من الفقر، فالفقر ينتفي برزق الكفاف.. ولكن الإسراف والتبذير، ومد العين إلى متاع الغير، قطعا يؤدي إلى الفقر، ومن موجبات تضييق الرزق والعيش في الحياة الزوجية.

 

أضف إلى البعد والجزاء المعنوي، فنحن عادة لا نفكر إلا في هذا البعد المادي، بأن الإنسان المسرف والمبذر، الذي لا يوازن بين الراتب وبين الذي يصرفه، يبتلى بعجز الميزانية في راتبه وفي مصرفه.. ولكن كما نفهم من هذا التعبير القرآني: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، أن القضية أعمق وأشد خطرا.. فكم هذا التعبير مخيف!.. والملاحظ أنه لا نظير له في القرآن الكريم، فلم يرد لا في الزنا، ولا في شرب الخمر، ولا حتى في الكفر!.. فإن التعبير بأخوة الشيطان، يوحي إلى أن هناك حالة من حالات السنخية الشديدة، فعندما يقال (فلان أخو العدل)، فهذا يفهم منه حالة من الانطباق والاقتران، فالمعنى المفهوم أنه قرين العدل.. وكذلك (أخو الشيطان)، فالمعنى أنه قرين الشيطان.. ولكن لماذا كان المسرف قرين الشيطان؟.. إن الإسراف والتبذير، هو مدخل للشيطان إلى مملكة الوجود، فإذا هو دخل فيها، صار يعيث فيها فساد في أبواب أخرى.

 

ولكن هذا الكلام قد لا يوجد للبعض الداعوية لترك هذه الصفة المذمومة.. فالمرأة إذا دخلت السوق ورأت ألوان المتاع من الذهب والحلي وغيره، قد تنسى كل هذه الوصايا.. ولهذا فإن العلاج الأساسي لعدم الإسراف والتبذير، هو التعالي عن سفاسف الأمور، والتعالي عن الدنيا، وهذا يكون نتيجة تغير في الباطن، بأن يمتلك الإنسان حالة من الإعراض والزهد، بحيث أن المتاع الدنيوي لا يجتذبه كثيرا.. فإذا وصل الزوجان إلى هذه الدرجة من الرؤية النظرية- فالمرأة إذا كان لديها من الذهب والحلي والأثاث ما يكفيها، وعندما ترى ما عند الغير فإنه لا يستهويها ولا يغريها- فهذا يتحول إلى سلوك عملي، على شكل القناعة في العيش.. وعندئذ لا يصبح هناك إسراف ولا تبذير، فيكونا قد سدا على أنفسهما بابا من أبواب الضيق في الرزق.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج