برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

الابتعاد عن مصادر التوتر 

س1/ كما ذكر في الوصية، إن العلاقات المتوترة مصدر تشويش دائم في حياة الإنسان المؤمن، وخاصة مع الأرحام والمقربين.. فما هي القاعدة العامة لتجنب التوتر مع الغير؟..

إن هذه القاعدة قد يكون من السهل بيانها، ومن السهل فهمها أيضا، ولكن العقبة الكبرى في التطبيق؛ لأنها مسألة ظريفة وحساسة.. وذلك لأن الإنسان يتعامل مع الآخرين على أساس الصورة الذهنية، التي يصطنعها عن الشخص سلبا وإيجابا، وهذه الصورة في الغالب لا تطابق الواقع..

ولهذا فإن الذي يريد أن يمنع التوتر عن نفسه في التعامل مع الخلق، فعليه أن يراجع البنك المعلوماتي لتقييم الأشخاص في باطنه.. إذ أن كل شخص نتعامل معه، نضع له ملفا من الأحكام والتصورات، ونتعامل معه على أساس هذا الملف الذي لا يرى.. وغالبا ما يكون الإنسان لا يعلم بهذا الملف، ولكن مواقفه تلقائيا تصدر تبعا لهذا الملف..

فمثلا: ترى إنسانا له حساسية مفرطة من إنسان آخر مؤمن ولم يصدر منه أي أذى نحوه، وله حالة من الحقد تجاهه، ويضع له العراقيل في مجال عمله، وله حالة من حالات الانكماش نحوه.. فهو لا شعوريا له هذا التعامل السلبي، وعندما يدقق، يرى بأن هنالك بدايات من حالة الحسد، فهو يحسده، فلا يحبه، ويحقد عليه، فينعكس ذلك في تعامله..

أو ترى إنسانا يتزوج امرأة وكان في باله امرأة أخرى، فيسيء التعامل معها إلى آخر العمر، لأنه دائما يعتمد على عنصر المقارنة بين هذه المرأة الموجودة، وبين تلك المفقودة التي كان يريد أن يصل إليها.

 

فإذن، إن الحل الأساسي هو أن يصفي الإنسان مجموعة الصور التي في باطنه، تجاه من يتعامل معهم، وذلك يحتاج إلى عناصر، منها:

التقييم الموضوعي:

وذلك يكون بتحكيم العقل لا الأهواء النفسية، وأن يحاول أن يكون منصفا في الحكم على الآخرين وتقييمهم، بالتجاوز عن ذاته، ويوازن في كل إقدام بين السلبيات والإيجابيات.. فمثلا لو أن إنسانا تزوج امرأة معينة وأنجب منها، فلا معنى للتراجع بسهولة، لأن هذا بناء قد بني.. لو بنى الإنسان منزلا وفق خارطة معينة، ثم تمنى خارطة أخرى لهذا المنزل، فليس من المنطق والعقل أن يهدم هذا البنيان ليبني بناء آخر!..

 

الحذر من وسوسة الشيطان:

ينبغي عدم السماح للشياطين الموسوسة-وخاصة في الخلافات- للدخول في هذه الملفات.. ومن المعلوم أن الشياطين مهارتها في قلب هذه الملفات، والتدخل فيها.. ومن هنا أمرنا بعدم إساءة الظن، والحمل على الأحسن، لأن الشيطان يحاول أن يشوه صورة الطرف الآخر، في ذهن المؤمن.

 

الطلب من الله تعالى برؤية الأمور على واقعيتها:

إن المؤمن أمنيته أن ينظر إلى الأمور بعين قريبة ومطابقة للواقع، فتراه يلح في هذا الدعاء: (اللهم أرنا الأشياء كما هي).. ولا نقول برؤية الواقع دائما، في كل الحالات، لأن هذا شأن المعصومين (ع)، بل يطلب من الله تعالى أن يبصره بالأمور التي تهمه، بأن يعلم ما هو مستوى الذين يتعامل معهم، كزوجته، ووالداه وإخوته وأقاربه وجيرانه.. إن الإنسان المؤمن يطلب من الله تعالى، أن يكشف له الغشاوة عن الذين هو مبتلى بهم، في مقام التعامل الرتيب اليومي.

 

س2/ إن من الصفات السامية التي ينبغي للمؤمن التحلي بها، هي صفة التسامح والعفو ودفع الإساءة بالإحسان، كما قال تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. ولكن البعض قد يصعب عليه تطبيق هذه الآية.. نريد منكم تسليط الضوء أكثر على هذه الآية المباركة؟..

إن هذه الآية من الآيات الأنفسية في القرآن الكريم، والآيات الأنفسية هي كالآيات الآفاقية، من حيث التحقق وعدم التخلف.. فمثلا: من الآيات الآفاقية أن رب العالمين ينزل من السماء ماء، فيحيي به الأرض بعد موتها.. فهذا الإنبات بالنسبة لعالم الآفاق، لا يتخلف، وليس عندنا ربيع من دون إنبات.. وأما في عالم الأنفس، فرب العالمين وعد بإنبات مريم (ع)، حيث قال تعالى: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}، فرأينا آثار وبركات مريم العذراء (ع).

 

وكذلك آية الدفع بالتي هي أحسن، فإن الإنسان الذي يقع في حالة خصام، ويجاهد نفسه في الإحسان إلى من أساء إليه، فإن النتيجة-كما في الآية المباركة- أن تتحول العداوة إلى صداقة حميمة.. ولكن هل إن هذا التحول هو سنة وطبيعة بشرية، أم أن هناك تدخل إلهي؟..

نحن نعتقد أن هناك مزيج بين الأمرين، فالذي يعمل بمضمون هذه الآية، فبمقتضى طبيعة الحال، يوجب تحويل العداوة إلى صداقة، وأيضا هناك دفع إلهي، فرب العالمين يلين القلوب، وقلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن.. كالسفينة الشراعية، فهي تشق عباب الماء بنفسها ولو بشكل بطيء، ولكن عندما تأتي الرياح الموسمية الموافقة لاتجاه سير السفينة، فإنها تجري بشكل أسرع.

 

وعليه، إن الذي يعتقد بهذه الآية، فإنه لا يحتاج إلى أن يفكر كثيرا في المراحل، ويتحايل، ويلف يمينا وشمالا.. فلو وقع خلاف في الحياة الزوجية، فالعبد المؤمن والأمة المؤمنة إذا دفعا بالتي هي أحسن، فالأمر لا يحتاج لا إلى محاكم ولا إلى مراجعة أهل الحل والعقد، فرب العالمين يؤلف بينهما.

 

ولكن قد يقول قائل: إن البعض حتى مع الإحسان إليه لا يبالي ولا يهتم.. وإن الاستمرار في التعامل بالحسنى معه، ألا يوجب التمادي في الإساءة؟..

فنقول: إن العبد عليه أن يؤدي ما عليه من وظائف العبودية، ولا يتوقع المسايرة، فهو بتعامله الحسن ليس من أجل أن يكافئه الطرف الآخر.. إلا إذا أوجب ذلك التمادي، بأن يكون الإنسان المؤمن يدفع بالتي هي أحسن، ولكن الطرف الآخر يستغل الموقف ليذل المؤمن.. فهنا رب العالمين لا يسمح للعبد أن يذل نفسه، فرب العالمين أوكل أمور العبد إليه إلا أن يذل نفسه، فالأمر إذا وصل إلى مرحلة الإذلال، فرب العالمين لا يرضى لعباده الذل.

 

س3/ لو ابتلي الزوجان بإنسان يحاول أن يثير الفتنة والخلاف بينهما، فما هي الطريقة الفضلى لمواجهة هذا الإنسان؟..

إن أفضل طريقة هي الرد بالتي هي أحسن وسياسة الاحتواء، وكما قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا}.. أي أن الإنسان المؤمن عندما يخاطبه الجاهل، فإنه يواجهه مواجهة سلمية، ثم إن هذا الإنسان الجاهل عندما يرى هذا التعامل الإيجابي، سوف يكف عن مواجهته، إما خجلا أو يأسا من التأثير.. فمثلا: هناك امرأة مبتلاة بجارة، وفي كل يوم تأتي لتثيرها على زوجها، وهكذا والمرأة المؤمنة لا تكترث بما تقول وتحسن معاملتها.. فمن الطبيعي أن تيأس هذه المرأة في يوم من الأيام، وترى بأنها في موقف الوهن والذل، لأنها تحاول الدخول في العش الزوجي للغير، وهما يطردانها من هذا العش المبارك. فسياسة الدفع بالتي هي أحسن، أيضا ضمان لهذا الأمر.

 

وهناك مقولة لأحد العلماء وهي: إن الشيطان بطبعه متكبر-لهذا أبى عن السجود- والإنسان عندما لا يسمع قوله ولا يصغي له، ويعانده ويخالف وسوسته، فإن هذا ينافي استكباره، فيترك هذا الإنسان لأنه لا يريد أن يذل نفسه.

وإن من سبل دفع وسوسة الشيطان أيضا-غير المخالفة والمعاندة- اللعن البليغ والدعاء على الشيطان حقيقة، لا بنحو اللقلقة المتعارفة والاستعاذة المجردة، لا بل وهو في جوف الليل وفي حالة مناجاة، يشتكي إلى ربه من الشيطان، ويطلب من الله تعالى أن يطرد عنه هذا اللعين، ويقول: اللهم اقصم ظهره، اللهم اقطع وتينه، اللهم ادفع كيده عني.. وإن رب العالمين خلق إبليس، وناصية إبليس بيده، ولا يعجزه شيء.  


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج