برنامج البنيان المقدس- قناة المعارف

عنوان الوصية :

تحاشي ساعة الغضب

س1/ من المعلوم أن الغضب-وخاصة في الحياة الزوجية- عامل فتاك ومدمر.. فما هو موقع الغضب من تركيبة النفس الإنسانية؟..

من المعلوم أن النفس البشرية تتكون من قوى، وهي: العقل، والشهوة، والغضب، والوهم والخيال.. ويمكن أن نعبر عن الشهوة، والغضب، والوهم والخيال، بأنها أضلاع ثلاثة لسجن على شكل مثلث، والإنسان محصور في هذا السجن، والذي يريد أن يخرج من هذا السجن، لابد أن يكسر هذه الأضلاع الثلاثة.

 

فأما الشهوة، فهي قوة تجعل الإنسان يشتهي الأمور، بغض النظر عن كونه حلالا أو حراما.. والمشكلة ليست في الحلال، وإنما أن يستجيب الإنسان لهذه الشهوة ولو في الحرام، فمثلا: شاب يحب أن يقترن بامرأة، ولا يمكنه أن يسلك طريق الحلال بالزواج بها، لضيق يده أو للظروف المحيطة به، فيسلك الطريق الحرام..

فالإنسان طبيعيا يحب أن يصل إلى مشتهاه، وإن الذي يوقفه عن المشتهى الحرام هي التقوى، ولكن التقوى هي صفة لا يتحلى بها الجميع، فالذي لا تقوى لها، فمن الطبيعي أنه سيسقط بين يوم وآخر في مطب الشهوات.

 

وأما العقل، فهي قوة الإدراك، وبه يميز الإنسان الحسن من القبح.

 

وأما الوهم والخيال، فهي قوة تمكن للإنسان أن يتصور الأشياء متى ما أراد.. وقد تأتيه تصورات قهرية، كما في الصلاة، فالإنسان عندما يصلي يتمنى أن لا تأتيه صورة، ولكن رغم أنفه تأتيه صور مزعجة ومحرمة، لا تليق بالصلاة.. ومن المعلوم أن من أصعب الأمور، هو السيطرة على الوهم والخيال.

 

وأما الغضب، فهي قوة تجعل الإنسان في حالة من حالات الفوران الداخلي والأذى النفسي، عندما يرى ما لا يلائمه، من شخص أو من شيء.. فترى الإنسان تارة يصب غضبه على شيء لا يعقل-على دابته مثلا- وتارة على بشر؛ لأنه رأى ما لا يلائمه.

 

وهناك بحث، وهو: هل من الممكن أن لا يغضب الإنسان؟..

والجواب: إن هذا غير ممكن أصلا، لأنه ما دام يرى المنافر، ويرى غير الملائم، فمن الطبيعي أن تنقدح عنده حالة الغضب.. وإن نبي الله تعالى موسى (ع) قد غضب على قومه، لما رجع من تلقي الألواح من ربه، ورأى ما لا يعجبه من عبادة العجل وغيره.. ومن المعلوم أن النبي محمد (ص) كان عندما يغضب لا يقوم لغضبه شيء، وما كان أحد يتجرأ على الحديث معه، وهو في حال الغضب الإلهي الرسالي.. وإن رب العالمين يغضب على البعض، ويلعن البعض.

 

فإذن، إن الغضب أمر طبيعي جدا، عندما يرى الإنسان ما لا يلائمه.. ولكن الكلام في هذا الشيء الذي لا يلائم ويسبب الغضب، هل هو لا يلائم ومنفر حقيقة، أم هو يتخيل ذلك؟..  

لأن البعض قد يرى أمرا منفرا، وهو ليس بمنفر.. فترى-مثلا- الزوج لما يدخل المنزل، ويرى أن أمور المنزل غير منظمة، والأكل غير مهيأ، والمنزل فيه ما فيه من الفوضى، فهذا يراه منفرا ويستحق الغضب.. والحقيقة إنه ليس كذلك، لأن المرأة غير ملزمة شرعا بهذه الأمور، وما تعمله من الطبخ والغسل والإرضاع، وغيره من شؤون المنزل، إنما هو من باب التبرع لا التكليف الشرعي، ولو أن المنزل كان على خلاف ما يحب الزوج، فهذا لا يوجب أبدا أن يغضب، لأن الذي رآه منفرا، ليس بمنفر.

 

أما إذا كان الأمر منفرا حقيقة، كأن قامت المرأة بعمل حقيقة لا يجوز، أو فيه ما فيه من الأذى، أو تكلمت له بكلمة نابية.. فهنا عليه أن يدرس ردة فعله، ويقيم غضبه: فهل إنه للنفس، أم لله تعالى.. فإذا كان الغضب لله تعالى، فالأمر في محله.. وإلا لو كان الغضب للنفس، وكان المنفر منفر حقيقة، فالإنسان من الممكن أن يركبه الشيطان، لأن غضبه لم يكن لله تعالى.

 

وأيضا ينبغي أن نلتفت إلى إعطاء الأمر حقه من هذه الناحية، بأن يكون بحسب المرتكَب، وأن يغضب لله تعالى بمقدار غضب الله تعالى، فلا يغضب لارتكاب المكروه كغضبه لارتكاب المحرم، ولا يغضب لترك المستحب كغضبه لترك الواجب، ولا يغضب لارتكاب الصغيرة كغضبه لارتكاب الكبيرة.. وإلا فإن الإنسان الذي لا يراعي ذلك، فإن غضبه ليس غضبا إلهيا.

 

س2/ ما هو العلاج الجذري والعلاج المؤقت لحالة الغضب؟..

العلاج الجذري:

بأن يكون الإنسان من الذين قال عنهم الإمام علي (ع): (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم).. ولا شك بأن هذا المستوى التكاملي راق جدا، ويجعل الإنسان المؤمن يتعالى عن سفاسف الأمور.. فهل رأيت إنسانا عاقلا يغضب-مثلا- على ذبابة آذته؟!.. فلا شك أن مستوى تصرف الإنسان العاقل، لا ينحدر إلى مستوى من هو دونه، الذي يتفاعل مع كل صغيرة وكبيرة.

 

إن الإنسان الذي هو مشغول بعالم علوي، وقد تخلى من الهموم إلا هما واحد، وإن تعرض لأذى من إنسان أو حيوان أو جماد؛ فإن هذا الإنسان فوق هذا المستوى، وإن انشغال الباطن بالأمور المهمة والجادة، من موجبات عدم الغضب.

 

أضف إلى أن المؤمن-الذي وصل لذلك المستوى التكاملي- أصلا لا يرى أن هناك ما يستحق الغضب.. لأن الغضب فرع الالتفاتة، والالتفاتة فرع الأهمية، وهو لا يرى في الوجود إلا الله تعالى.

 

العلاج المؤقت:

بأن يؤجل ردة فعله، وما يتخذه من القرارات والعقوبات والتعليقات وغيرها، إلى فترة لاحقة ولو بعد ساعة.. ومن المعلوم أن الإنسان بإمكانه أن يخادع نفسه، فليقل لنفسه: إن كان ولابد من الغضب، فليكن بعد ساعة.. وقطعا فإن الأمور سوف تهدأ، ولن تبقى على فورتها التي كانت عليه ساعة الغضب.

 

س3/ كما ذكرتم إن الغضب من الصفات التي لا تليق بمستوى الإنسان المؤمن.. فهل المطلوب من المؤمن عدم الغضب مطلقا؟..

إن المؤمن يتأسى بالنبي (ص) في كل شيء.. وكما ذكرنا بأن الغضب من تركيبة النفس الإنسانية، فعدم الغضب مطلقا، هذا لا يمكن أصلا.. ولكن ينبغي للمؤمن أن يدخر غضبه إلى الأمور التي تستحق، فلا يغضب لكل صغيرة وكبيرة، حتى يكون غضبه مؤثرا، ولهذا يقال: (اتقوا شر الحليم إذا غضب)..

فالإنسان المؤمن الذي لا يرى غاضبا في السنة إلا مرتين أو ثلاث، ولا يكون غضبه إلا لله تعالى، وذلك عندما يرى حراما، فيغضب مثلا للغيبة وللنميمة وللإسراف والتبذير.. فهذا عندما يغضب، فإن الأسرة تنتبه لما أثار هذا الغضب، وترتدع عن فعله ثانية..

أما الذي يغضب لنقص ملح في الطعام، أو الذي يغضب لصراخ الصبي، فإنه إذ غضب أيضا لارتكاب المنكر- كشرب الخمر- فإن الطرف الآخر لا يتأثر ولا يكترث له، لأنه تعود عليه بأنه إنسان غضوب.

فعليه، لابد من إعطاء الشيء حقه من هذه الناحية، وإن المؤمن- كما قلنا- لا يغضب إلا إذا كان يرى غضب الله تعالى لذلك الموقف.


عودة للصفحة الرئيسية لشبكة السراج