الفصل السادس: منهج التربية السلوكية عند السيد الكشميري

يتلخص منهج وطريق السلوك عند السيد الكشميري على معرفة الولاية , ومعرفة النفس ومعرفة الرب . وكل واحدة من هذه المعارف يستند إلى أربعة أركان :

وأركان معرفة الولاية هي :

التولّي وهي حبّ محمد وآل محمد عليهم السلام وموالاتهم , والتبرّي وهي بغض أعداء محمد وآل محمد عليهم السلام والبراءة منهم , والتوسل , والزيارة .

وأركان معرفة النفس هي :

المراقبة , والمجاهدة , والذكر , والفكر .

وأركان معرفة الرب هي :

المكاشفة , والمعاينة , والفناء , والبقاء .

 

v   معرفة الولاية :

الحب بلا بغض والولاية بلا برائه لا معنى لهما , ولايعدّ موالياً من كان مُـحبّاً لمبغضي الحبيب , وكيف يجتمع في القلب حب الشيء ونقيضه ؟!

ولقد كان السيد الكشميري شديد الحساسية جداً في هذا الموضوع , ولا يتهاون مطلقاً مع من يمس ساحة الولاية ولا بكلمة , يقول السيد صداقت : قلت له مرة : إنّ فلاناً يقول إنّ ابن ملجم قال لأمير المؤمنين عليه السلام : أنا قاتلك , ماذا أفعل ؟ فقال له عليه السلام : اقتلني وسأكون شفيعاً لك ! فصرخ السيد الكشميري قائلاً : كلام سخيف وتافه . وهكذا كان سريع الردّ على مثل هذه التقوّلات . ولم يكن يغض النظر في مسألة الولاية والبراءة مطلقاً . فمثلاً قال مرة : نطق أحد المراجع في النجف - والذي كانت تربطه معه علاقة قرابة - بكلمة حول الولاية فأردت أن ألطمه على فمه . لقد كان حسّـاساً في هذه المسائل بنحو كان يفقد معها السيطرة على نفسه , وكان يوصي كثيراً بزيارة عاشوراء التي نصفها ولاية ونصفها الآخر براءة .

ويقول السيد صداقت  أيضاً : كان السّـيد الكشميري ذا حساسية وتعصب خاص في مسألة الولاية , وقد ظهرت آثارها عليه في مرات عديدة . فمثلاً جاء مرّة شخص إلى بيت السيد الاُستاذ وتحدث حول أحد العلماء الذي كان يشغل منصباً كبيراً في الدولة وقال : إنه ينكر حق السيد الزهراء عليها السلام ويشارك المخالفين الاعتقاد في هذه المسألة ! فامتعض السّيد الكشميري من هذه المقولة وغضب غضباً شديداً وهاجم صاحبها هجوماً عنيفاً .

ولم أعهد منه مثل هذا التأثّر في أي موضوع آخر . ومن العجيب أنّه بعد مضيّ مدّة من الزمن على الغضب ظهرت آثار القدرة الباطنية للاُستاذ في صاحب هذه المقالة حيث عُزل عن منصبه .

وفي إحدى الأيام تطرقنا في الحديث معه حول إحدى الشخصيات في النجف فقال : كنت شاباً وكان هذا الشخص طاعناً في السن , فتحدث بحديث في موضوع الولاية كدت من شدة تأثري أن ألطمه على فمه. وفي إحدى المرات سمع كلاماً من أحد أدعياء محبّي أمير المؤمنين عليه السلام - وكان ذو علاقة مع إحدى السلاسل- فتأثّر من ذلك وقال : إنه رجل اُمي ( ولقد كان هذا الرجل كذلك واقعاً ) . وقال يوماً : إنّ الشخص الفلاني مع أنّه صاحب منزلة علمية رفيعة ومن أهل الفضيلة الظاهرية ولكنّه تحدّث بالكلام الفلاني حول مسألة الولاية ( أو التوحيد ) وهو لايساوي فلساً واحداً . وعندما اُخبر أنّ الشاعر الفلاني قال : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام عندما رأى ابن ملجم قال له : إذا قتلتني فسأكون شفيعك ! قال : إنّه كلام سخيف , إنّ ابن ملجم أشقى الأشقياء .

وقال : ينبغي أن يزداد عدد الأساتذة الولائيين في الحوزة ويكونوا من الذين ذاقوا طعم الولاية المطلقة ومن الذين يدرّسونها أيضاً لكي يزول ضعف العقيدة في أمر الولاية عند أهل العلم .

ويقول السيد صداقت أيضاً : إنّ عشق السّيد الاُستاذ للإمام علي عليه السلام وعلاقته بساحة ولايته كانت كبيرة في قلبه إلى درجة لايمكن وصفها , فمثلاً كان أحد كبار السلوك والسلاسل العرفانية في إحدى  مدن إيران يأتي إلى زيارة الاُستاذ بين الحين والآخر , وكان يدفع خمس أمواله للاُستاذ , سمع الاُستاذ يوماً من أحد أهل العلم مسألة نقلها عن ذلك الشخص يشمّ منها المدح للثاني , فتأثّر الاُستاذ تأثّراً شديداً وقال كلاماً ضدّ هذا الكلام وقائله , وكان الغضب بادياً على وجهه .

لقد كان مسلك السيد الاُستاذ هو هذا: إنّ المعيار هو علي عليه السلام، وكان يتأثّر من أي كلام صادر من أي شخص كان -ولو كان من أفضل الشخصيات- فيه ذرة من عدم معرفة الولاية، وكان يظهر غضبه الباطني بنحو معين.

ويتضح مما تقدم أنّ العقيدة الصحيحة في أهل البيت عليهم السلام ومعرفة منزلتهم وحبّهم وبغض أعدائهم هي الخطوة الاُولى في طريق السلوك وأن معرفة الولاية هي الطريق الوحيد للوصول إلى توحيد ومعرفة الرب.

يقول السيد الكشميري: ذات الله تعالى لا متناهية، وأسماؤه لا متناهية أيضاً، والأسماء الإلهية تريد الظهور والتجلّي ، والله تعالى لا حدّ له، ولا يحيط به زمان ولا مكان، ولكّنه يتجلى في القلوب، وظهوره الأتم والأكمل هو خليفة الله الذي هو النّبي والإمام، وإنكم إذا أردتم رؤية وجه الله فينبغي عليكم النظر إلى وجه علي عليه السلام كما نقرأ ذلك في الزيارة السادسة لأمير المؤمنين عليه السلام: (يا عين الله الناظرة) فإذن ظهور جميع الأسماء والصفات الإلهية فيهم، والتوحيد يتجلى فيهم.

فالولاية مرآة التوحيد، والمعصومون الأربعة عشر هم المرآة التي يتجلى فيها الله تعالى، فالإمام عين الله وجنب الله ويد الله وذكر الله وثار الله ونور الله، فمن أراد الله بدأ بهم . يقول السيد صداقت: الولاية  باطن التوحيد، بل هي مندكة فيه، وكذلك رأي السيد القاضي في أنّ من سلك غير هذا الطريق فلن يصل إلى التوحيد الذي نعتقد به، وعقيدة السيد الكشميري هي كذلك أيضاً.

ولقد كان طريق السيد الكشميري هو هذا الطريق، وكل ما لديه فهو من علي وفاطمة والحسين وإمام الزمان وبقية المعصومين عليهم السلام، إذ لا يستطيع السالك بدون تلقي المدد منهم الوصول إلى مقام ما، وكان يحث الآخرين على التوسل بالأئمة عليهم السلام وزيارتهم في سبيل كسب المقامات المعنوية أو قضاء الحوائج المادية.

يقول السيد صداقت: كثيراً ما كان يوصي بالتوسل بأمير المؤمنين والإمام الحسين عليهما السلام في الاُمور المعنوية، ويقول: اقرؤا القرآن أو الذكر الفلاني وأهدوا ثواب ذلك إليهم عليهم السلام. وكان يوصي  بالتوسل بالإمام الجواد عليه السلام في قضاء الحوائج المادية.

وكانت علاقة السيد الكشميري بالأئمة عليهم السلام علاقة قوية، ويحكي أحد تلامذته عن هذه العلاقة قائلاً: لقد كانت علاقته بالأئمة المعصومين عليهم السلام علاقة شهودية، وقد نقل بنفسه هذا عن السيد مرتضى الكشميري والذي كان أحد الاساتذه ويكنّ له الاحترام البالغ، وطبعاً فانّه لم يدرك عصره ولكّنه كان يذكره بعظمته وجلالة ويقول عنه: لقد سألوا السيد مرتضى الكشميري هل يمكن رؤية صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ فقال : إنّي أعرف شخصاً جاء من بلاد الكفر - ويقصد نفسه حيث جاء من بلاد الهند - ولكنّه في محضر الأربعة عشر معصوماً عليهم السلام خلال الأربع وعشرين ساعة .

ويقول هذا التلميذ أيضاً : لقد كان السّيد الكشميري ذا علاقة قوية مع الأئمة الأطهار عليهم السلام , وكان صاحب توسلات عجيبة , وكان يوصي كثيراً بالتوسّل بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وبالصدّيقة الزهراء عليها السلام وبصاحب الزمان عليه السلام .

ولقد كانت للسيد الكشميري علاقة شديدة بإمام الموحدين علي عليه السلام . وقد تقدمت النصوص الدالة على ذلك في موضوع حبّه للنجف الأشرف .

وأما موالاته لسرّ فاطمة الزهراء عليها السلام فيتجلّى ذلك عند ذكره لإسمها بالإجلال والتعظيم , وفي ذكرى أيام وفاتها حيث يلفه الحزن ويقيم مجلس العزاء على مصابها فيستغرق في البكاء , تقول زوجته :

كانت تظهر عليه معالم الحزن والمصاب في ذكرى أيام مصاب أهل البيت عليهم السلام , وخاصة أيام مصاب الصدّيقة الزهراء عليها السلام حيث كانت تظهر عليه آثار المصيبة أكثر وأشدّ , فكان ينطوي على نفسه ويقرأ أشعار النياحة لنفسه , وكانت أغلب الأشعار التي يقرأها باللغة العربية , وأشعار النياحة العربية لسانها لسان الحال , وهي أكثر حزناً من أشعار النياحة الفارسية .

وأما مجالس العزاء التي كان يقيمها على السيد الزهراء عليها السلام فقد كانت مجالس مختصرة خالية من الرياء , والقصد منها إحياء المصيبة على مظلوميتها . يقول السيد صداقت : قال لي الاُستاذ في ذكرى أيام الفاطمية : قل لفلان - وهو من طلبة العلوم الدينية من أهل طهران وكان يزور السيد بين الفينة والاُخرى - أن يأتي إلى هنا ويقرأ لنا العزاء على مصاب السيدة الزهراء عليها السلام ثلاثة أيام . فأوصلت الخبر إلى ذلك الشيخ , واُقيم مجلس العزاء في دار السيد الكشميري وحضره ثلاثة أو أربعة من تلاميذه فقط , وكانت حالة البكاء والتأثّر ظاهرة عليه على مصاب جدّته الزهراء . ولم يكن يلتفت أصلاً إلى عدد الحاضرين , ولم يكن يهتم بهذه المسألة التي هي موضع اهتمام في المجالس الاُخرى .

وأمّا حبُه وموالاته لسيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام فقد كانت مشهودة ولا يسعه إخفاؤها , وعندما يأتي يوم الخميس تبدأ أحواله بالتغيّر استعداداً لزيارة الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة . تقول زوجته : عندما تشرق شمس يوم الخميس ينصرف فكره عنّا صوب كربلاء . وعندما يبدأ طي مسافة السفر من النجف إلى كربلاء كان يقول لصاحبه الحاج عضد الله : هنا حرم أمير المؤمنين عليه السلام وهناك حرم سيد الشهداء عليه السلام , ينبغي أن يُحترم هذا المسير بين الحرمين ولا يُتحدث فيه بحديث دنيوي .

وعندما يصل إلى كربلاء يذهب مباشرة إلى حرم الحسين عليه السلام لأداء مراسم الزيارة . يقول السيد الكشميري : وفي إحدى المرات أردت زيارة السيد الحداد قبل الذهاب إلى حرم سيد الشهداء عليه السلام وعندما كنت في الطريق إلى السيد الحداد سمعت طفلاً يقول لوالده : يا أبتي انظر إلى هذا الرجل كيف يترك زيارة سيده أولاً ويقصد زيارة عبد من عبيده ! فأصابتني الدهشة لما أجراه الله تعالى من كلام على لسان هذا الطفل .

وعندما يدخل الحرم الحسيني عليه السلام كان يقف ويقرأ الزيارة لوحده , يقول الحاج عضد الله : لقد كان يزور وحده دائماً , وفي إحدى المرات وقفت إلى جانبه لأزور معه فتركني ووقف وحده وبدأ الزيارة, إنّه كان يريد أن يكون لوحده , وأنا أيضاً لم أقل له شيئاً .

وعندما يدخل شهري محرم وصفر كان يخيّم عليه الحزن ويرتدي السواد وكان في أغلب أوقاته يتجرّع آلام المصيبة والذكرى مع نفسه , ويقرأ أبيات النياحة والمصاب لنفسه , وإذا ما أراد حضور المجالس الحسينية فهو يحضر مجالس العزاء التي تقام في بيوت العلماء .

فإذا ما حلّ يوم العاشر من المحرم خرج من داره مكشوف الرأس حافي القدمين قد لطّخ رأسه بطين أبي عبد الله الحسين عليه السلام ويبقى هكذا إلى ما بعد الظهر .

يقول أحد تلامذته عن سيرته في أيام عاشوراء في قم : لقد كانت تتغيّر أحواله عند ذكرى شهادة الأئمة عليهم السلام ويبدو عليه الحزن , فإذا ما دخل عاشوراء لم يقر له قرار , ويسارع إلى البكاء بمجرد سماع العزاء على الحسين عليه السلام , ولم يكن يعرف الهدوء والاستقرار في عاشوراء , كان يخرج من داره ويجلس إلى جانب حضرة السيدة المعصومة عليها السلام حيث مسير المواكب الحسينية , ويبقى إلى آخر الليل ينظر إلى القبة و يغـو ص في أعماق نفسه وتجري دموعه على خديه .

وقد يستكثر البعض ما يقام من مراسم العزاء على الإمام الحسين عليه السلام , ولكن السيد الكشميري كان يقول : إنّ كل ما نعمله للإمام الحسين عليه السلام فهو قليل بحقه .

إنّ مقام الإمام الحسين عليه السلام مقام عظيم لا ندركه , وليس غريباً بعد ذلك أن يختص الإمام الحسين عليه السلام ببعض الميزات , ففي جواب السيد الكشميري عن سؤال : في أي زيارة من زيارات الأئمة عليهم السلام جاءت العبارة التالية : " زر وانصرف " ؟ قال : هذه العبارة مختصة بزيارة الإمام الحسين عليه السلام لأن أحداً لا يستطيع أن يأتي بحق زيارته , ولهذا اُمرنا أن لا نلبث كثيراً في حرمه الشريف بعد الزيارة .

كما تشّرف السيد الكشميري بزيارة أضرحة الأئمة المدفونين في العراق .

وكذلك تشرّف في شبابه بزيارة الإمام الرضا عليه السلام المدفون في خراسان , ويقول أحد تلامذته عن زيارة السيد الكشميري الاُولى للإمام الرضا عليه السلام : لقد اتفق ظاهراً في سفره الأول هذا انّه عندما دخل الحرم الطاهر للإمام الرضا عليه السلام ورأت عيناه الضريح المبارك أخذته الجذبة بحيث صرخ بلا إرادة منه : والله هذا ابن رسول الله .

ولم يتمكّن السيد الكشميري من حج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وقبور الأئمة  الأربعة ( الحسن والسجاد والباقر والصادق ) عليهم السلام في البقيع لضيق ما في يده وعدم وجدانه الاستطاعة الشرعية . وعندما تبرّع أحد الأشخاص ببذل نفقة الحج كان السيد قد بلغ به السن والمرض بحيث لا يملك الاستطاعة الجسمانية على أداء الحج .

وأما زياراته للأماكن المنسوبة لإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف كمسجد السهلة فتتحدث زوجته عن ذلك قائلة : لقد كان يتكتم على أمره ولا يُظهر شيئاً بحيث نلتفت إليه , وكان في ليالي الأربعاء يذهب إلى مسجد السهلة ويبقي فيه إلى الصباح , والشيء الوحيد الباقي في ذهني أنّه كان كثيراً ما يستغيث بولي العصر عليه السلام بعبارات مثل :" يا أبا صالح المهدي " .

ويقول أحد تلامذته : لقد قال لي السيد الكشميري مراراً : إنّـك لم ترَ مسجد السهلة ولا تعلم أي مسجد هو ؟! وقد سمعته مراراً يقول : يا حجة بن الحسن أدركني ولا تهلكني . وكان ذو توجّه كبير للحجة ابن الحسن عليه السلام , ومن الطبيعي أن يكون كذلك .

كما كان السيد الكشميري حريصاً على زيارة الأضرحة المباركة لقبور أولاد الأئمة عليهم السلام وقبور الأولياء , يقول السيد صداقت : وأما قبور الأئمة عليهم السلام في العراق وإيران فقد زارهم جميعاً , وكان يولي اهتماماً بالغاً بزيارة ضريح أمير المؤمنين عليه السلام وضريح الإمام الحسين عليه السلام . ويولي اهتماماً خاصاً أيضاً بزيارة ضريح أبي الفضل العباس عليه السلام في كربلاء وزيارة سيد محمد ابن الإمام الهادي عليه السلام في سامراء من بين أولاد الأئمة عليهم السلام .

وكان يهتم كذلك بزيارة قبر الشيخ زين العابدين المرندي والسيد علي القاضي في وادي السلام ويمجّدهما كثيراً . وكان يقول بأهمية زيارة قبر السيدة المعصومة عليها السلام وقبر علي بن جعفر عليه السلام في قم .

كما كان يقول بأهمية زيارة قبر بابا ركن الدين في مقبرة تخت فولاد لأصفهان , ويقول : هو مظهر كلمة لا إله إلا الله .

وبسبب زيارته لأكثر قبور أبناء الأئمة عليهم السلام في قم يقول السيد الكشميري : عندما مرضت مرّة رأيت بالمكاشفة مجموعة من السادة المعممين بعمائم خضراء جاءوا لعيادتي , وفهمت أنّ هؤلاء هم أولاد الأئمة الذين زرت قبورهم .

وقال يوماً : من كانت له حاجة فليذهب ثلاثة أيام لزيارة أحد قبور العلماء الأكثر تزكية وزهداّ , ويقرأ الحمد مرّة وسورة التوحيد أحد عشر مرّة ويهدي ثوابها لصاحب القبر , ثم يكرر ذكر " لا إله إلا الله " مائة وواحد مرة , فإنّ له أثراً في قضاء الحوائج , وهو مجرب . وعندما كنت في النجف ذهبت عائلتي وعائلة أحد الأصدقاء إلى إيران , ولم يستطيعا الرجوع إلى العراق بسبب إغلاق الحدود بين الدولتين , فبدأت بقراءة هذا الذكر ثلاثة أيام فرجعت عائلة صديقي بعد ثلاثة أيام ورجعت عائلتي بعد يومين .

وذهب السيد الاُستاذ يوماً مع أحد تلامذته لزيارة قبر أحد أولاد الأئمة المعروف بشاه جمال - من أولاد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام - الواقع على الطريق القديم بين قم وأصفهان , وقرءا هناك دعاء الاحتجاب , ثم خاطب السيد الكشميري الشاه جمال قائلاً : إن بني اُمية وبني العباس قد شرّدوكم يامعاشر ذرية رسول الله , وهذا صدام أيضاً قد شرّدنا , ولقد جئت لزيارتك مرتين ولم تأتِ لزيارتي . فرأى الاُستاذ وتلميذه رؤيا واحدة بعد الظهر في عالم المنام , وهو أنّـهما شاهدا الشاه جمال أسمر اللون ويشبه الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قد جاء لزيارتهما , فأراد ذلك التلميذ تقبيل يد الشاه جمال الذي قال له : أولاً ذلك السيد , ثم ذهب باتجاه السيد الكشميري وعانقه .

وفي يوم ذهب السيد الكشميري لزيارة قبر أحد العلماء المعروف باسم السيد الزيدي المدفون في مقبرة قم الجديدة - مقبرة السيد عبدا لكريم الحائري - وقرأ له الفاتحة وأذكار اُخرى , فرأى السيد في عالم الرؤيا بعد الظهر صاحب القبر يعتذر إليه قائلاً : عندما جئتَ إلى قبري كنتُ قد ذهبتُ لأستقبال روح أحد العلماء الذي مات توّاً .

وفي يوم ذهب السيد الاُستاذ بصحبة أحد تلاميذه إلى مقبرة علي بن جعفر عليهما السلام، فقال الاُستاذ: عجيب ألا ترى النور قد ملأ هذا المكان وكأن إمام الزمان عليه السلام كان هنا، ألا ترى ؟! فقال التلميذ: لا أرى ذلك.

وقال السيد الاُستاذ مرة عن مقبرة علي بن جعفر عليهما السلام: إنّ السيارات  الواقفة إلى جانب المقبرة قد امتلأت نوراً.

وعندما ذهب الاُستاذ لزيارة قبر جده موسى ابن الإمام الجواد عليه السلام المدفون في قم شارع آذر والذي يوجد إلى جانبه أربعون قبراً للسادة من ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله ويسمونها (چهل اَختران) أي الأربعون كوكباً، رأى بالمشاهدة موسى ابن الإمام الجواد عليه السلام وهو يقول له : إنّ من بين هؤلاء الأربعين شخص طفل رضيع.

وقال الاُستاذ: عندما كنت مع أحد المشايخ في مقبرة تخت فولاد لزيارة بابا ركن الدين جاء أحد الأولياء وأخذني وصاحبي الشيخ إلى النجف الأشرف ثم أرجعنا ، وكان هذا سيراً ولم تكن مكاشفة.

وأما التوسل بأهل بيت النبوة عليهم السلام الذي هو أحد أركان معرفة الولاية فذو أهمية قصوى في وصول السالك إلى مقامات معنوية عالية ، إذ بالتوسل تقضى الحوائج ويؤخذ بيد السالك في الطريق الصحيح وإرشاده إلى ما ينبغي أن يعمله؛ لما لأهل البيت عليهم السلام من قدرة كاملة على تهيئة الأجواء الملائمة لطي مراحل السلوك.

والتوسل بالوجود المقدس لأمير المؤمنين عليه السلام كان طريق السيد الكشميري في الوصول إلى مقامات شامخة في العرفان. وأهم ما كان يتوسّل به بأمير المؤمنين عليه السلام هو (ناد علياً). يقول السيد صداقت: وأما النص ناد علياً على ما تفضل به الاُستاذ فهو كالتالي:

(نادِ عليّاً مَظْهَر العَجِائبِ     تَجِدْهُ عَونَاً لَكَ فِي النَوائَبِ

كُلُّ هم وغَم سَيَنْجـلي    بِوِلايَتِكَ ياعليُّ ياعليَّ ياعَلِيَّ

ياأباَ الغَوثِ أغِثْني , ياوَليَّ الله أدْرِكْني بِلُطْفِك الَخَفِيِّ

لا إِلهَ أنْتَ سُبْحاَنكَ إنّي كُنْتُ مِنْ الظَّالمِين ) .

ويقول : من الحسن أن يكرر " ياعلي " في هذا الذكر مائة مرة .

ويقول : لقد رأيت خيراً كثيراً من " ناد علياً" , وكنت كلّما عرضت لي مشكلة في النجف ذهبت إلى صحن أمير المؤمنين عليه السلام وقرأت " ناد علياً " مرات عديدة فتحلّ المشكلة .

وقد أدمت ذكر " ناد علياً" في النجف الأ شرف بعد رجوعي من زيارة الإمام الرضا عليه السلام سبعة عشر شهراً . وعدد "ناد علياً " مائة وعشرة , ولكنّي عندما قرأته ألف مرّة في أربعين يوماً رأيت آثاراً عجيبة .

وكان السيد الكشميري يأمر بصلاة الاستغاثة في التوسل بالسيدة الزهراء عليها السلام . وأمّا كيفية هذه الصلاة فهي أن يصلّي ركعتين , وقد ورد اختلاف في تكرار عدد ذكر " يامولاتي يا فاطمة أغيثيني " فقد ورد عدد 410 مرات وعدد 510 مرات .

ويقول السيد الكشميري : يقول المصلّي هذا الذكر 100 مرّة في حال السجود , و100 مرّة واضعاً خده الأيمن على التراب , ثم 100 مرّة واضعاً خده الأيسر على التراب , ثم 110 مرات في حال السجود ,فيكون المجموع 410 مرات , وقد جربت بنفسي ذلك مرات عديدة .

وأمّـا توسّل السيد الكشميري بالإمام الحسين عليه السلام فكان بإهداء ثواب قراءة القرآن إليه , ويقول : إنّ له تأثيراً مناسباً . وكان يقول عن زيارة عاشوراء : جيدة جداً.

وأما التوسل بالإمام الرضا عليه السلام فيقول السيد صداقت : سُمع من بعض الأجلاّء أنّ قراءة سورة النور أربعمائة مرّة في حرمه الشريف نافع في التوسل عليه السلام .

وأما التوسل بالإمام الجواد عليه السلام فيقول السيد صداقت : لقد رؤي وسُمع أنّ اشخاصاً كثيرين قد طلبوا من السيد الكشميري ذكراً لقضاء حوائج مادية كشراء دار وسيارة وسعة رزق وزواج وأمثال ذلك، فقال لهم : اقرؤا سورة يس وأهدوا ثوابها إلى الإمام الجواد عليه السلام فانّ حوائجكم ستقضى .

وكان يرشد تارة اُخرى إلى إهداء الصلوات على محمد وآل محمد إلى الإمام الجواد عليه السلام ويرى بأنّها نافعة للتوسل بهذا الإمام الكريم ومجربة . وأمّا الاستغاثة والتوسل بأبي الفضل العباس عليه السلام فيكون بصلاة الاستغاثة المنسوبة إليه عليه السلام , وكيفيتها أن يُصلّي ركعتين صلاة الحاجة ويُهدي ثوابها إلى أبي الفضل عليه السلام , ثم يُؤتي بعدها بتسبيح الزهراء عليها السلام ويُهدى ثوابها إليه عليه السلام أيضاً ,ثم تقول : " ياكاشف الكرب عن وجه الحسين أكشف كربي بحقّ أخيك الحسين " يُكرر ذلك 132 مرة .

وأمّا كيف نتقرّب إلى الوجود المقدس لولي العصر عليه السلام ؟ فيجيب السيد الكشميري عن هذا السؤال قائلاً : ينبغي أن يفرّغ السالك ساعة من وقته يومياً لصاحب الزمان عليه السلام , يقرأ فيها زيارة سلام على آل ياسين , ثم يكرر بعدد كثير : المستغاث بك يابن الحسن والمستعان بك يابن الحسن , ثم يكرر بعدد كثير أيضاً : ياصاحب الزمان أدركني ياصاحب الزمان أغثني , ويتوسّل به عليه السلام ليزداد قرباً منه

 

ويقول السيد صداقت : وأما التوسل بصاحب الزمان عليه السلام فقد كان السيد الكشميري يوصي بزيارة آل ياسين والتي مطلعها " السلام عليك ياداعي الله وربّاني آياته " المذكورة في مفاتيح الجنان ,ويضيف إليها 110 مرات " المستغاث بك يابن الحسن " وفي مناسبة اُخرى قال : يضيف الذكر السابق بعدد 786 مرة . وقال: إنّ هذا الذكر نافع للتشرّف برؤية ولقاء بقية الله عليه السلام بشرط أن يراعي الشرائط الاُخرى.

ومن وصور الاستغاثة الاُخرى بصاحب الزمان عليه السلام هي أن تكتب رسالة ثم تغلفها بطينة أو شيء اُخر وترميها في نهر ماء أو بئر عميق، وتصيح بأسم أحد النواب الأربعة حين رميها ليوصل حاجتك إلى صاحب الزمان عليه السلام فيستجيب لك.

ويقول السيد الكشميري: وقد كتبت هذه الرقعة وأعطيتها إلى شخص ليرميها في نهر بالكيفية المذكورة، والرقعة أو العريضة التي تكتب هي كالتالي: (بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت يا مولاي صلوات الله عليك مستغيثاً، وشكوت ما نزل بي مستجيراً بالله عز وجل ثم بك من أمر قد دهمني وأشغل قلبي، وأطال فكري، وسلبني بعض لبّي، وغيّر خطير نعمة الله عندي، أسلمني عند تخيّل وروده الخليل، وتبرأ مني عند ترائي إقباله إليّ الحميم، وعجزت عن دفاعه حيلتي، وخانني في تحمله صبري وقوتي، فلجأت فيه إليك، وتوكلت في المسألة لله جلّ ثناؤه عليه وعليك في دفاعه عنّي، علماً بمكانك من الله ربّ العالمين وليّ التدبير ومالك الاُمور، واثقاً بك في المسارعة في الشفاعة إليه جلّ ثناؤه في أمري، متيقّناً لإجابته تبارك وتعالى إياك وبإعطاء سؤلي، وأنت يا مولاي جدير بحقيق ظنّي وتصديق أملي فيك في أمر كذا وكذا (وتذكر حاجتك) فيما لا طاقة لي بحمله، ولا صبر لي عليه، وإن كنت مستحقاً له ولأضعافه بقبيح أفعالي وتفريطي في الواجبات التي لله عز وجل، فأغثني يا مولاي صلوات الله عليك عند اللهف، وقدّم المسألة لله عز وجل في أمري قبل حلول التلف وشماتة الأعداء، فبك بسطت النعمة عليّ، واسأل الله جل جلاله لي نصراً عزيزاً وفتحاً قريباً، فيه بلوغ الآمال وخير المبادي وخواتيم الأعمال والأمن من المخاوف كلّها في كل حال إنّه جلّ ثناؤه لما يشاء فعّال، هو حسبي ونعم الوكيل في المبدأ والمآل)
 

وفي مصباح الكفعمي: ضع هذه العريضة في شيء كالطين والورق وأحكم إغلاقها، وناد أحد النواب الأربعة( عثمان بن سعيد، أو محمد بن عثمان، أو الحسين بن روح، أو علي ابن محمد السمري) وسلّم عليه وقل له: أشهد أنّك متّ في سبيل الله وأنك حي عند الله وأنا اُخاطبك أنّ في هذه العريضة حاجتي وأنّك أمين في إيصالها إلى إمام الزمان عليه السلام، ثم أرمها في ضريح أحد الأئمة عليهم السلام أو في نهر ماء أو بئر ماء وستقضى حاجتك إن شاء الله تعالى.

ويشير السّيد الكشميري إلى مسألة مهمة ينبغي للسالك أن يلاحظها وهي أن يتوسل بالإمام الذي يجد في قلبه ميلاً إليه أكثر من غيره ، يقول تلميذه القائمي: لقد تفضل السيد الكشميري ببيان موضوع لعلّكم تستفيدون منه، وهو في جواب سؤال ماذا ينبغي أن نعمل ؟ فمثلاً إذا كانت لكم علاقة وميل أكبر إلى السيدة الزهراء عليها السلام فيجب عليكم أن تتوسّلوا بها أكثر. وطبعاً أنّه يجب على الإنسان أن يكون ذا علاقة جيدة معهم جميعهم لأنهم نور واحد، ولكن بالإضافة إلى ذلك يجد الإنسان في نفسه ميلاً إلى واحد منهم بالخصوص، مثلاً كان له اُنس خاص بالإمام الرضا عليه السلام فيتوسل به. وقد سألته مرة: يا سيدنا ماذا يجب أن نعمل؟ وما هو أقرب طريق للتوسل؟ فقال: ارجع إلى قلبك وانظر إلى أي واحد منهم لك اُنس به أكثر من غيره ويميل قلبك إليه فكن رفيقاً له. وانظر أنت الآن إلى قلبك وابحث فيه إلى أي واحد منهم يميل أكثر فاتخذه خليلاً من غير أن يؤثر ذلك في علاقتك مع الأئمة الباقين قيد شعرة والعياذ بالله.

 

v   معرفة النفس :

وأركان معرفة النفس أربعة: المراقبة والمجاهدة والذكر والفكر.

فأمّا المراقبة:

 فهي أن لا يغيب المحبّ لحظة عن محضر حبيبه وأن يلتفت إلى نفسه دائماً، وأن يكون حديثه وعمله ونظره وسمعه وأكله وشربه ونومه وكل عمل من أعماله لله عز وجل. ويعتبر السيد الكشميري المراقبة شرط أساسي في السلوك، يقول: مراقبة النفس من الواجبات.

ويقول أيضاً: على السالك أن يولي أهمية قصوى لأمرين : الأول: الاستغفار وذكر اليونسية، والثاني: المراقبة.

ولكن كيف يراقب الإنسان أعماله بحيث تكون كلّها لله عز وجل؟ يجيب السيد صداقت قائلاً: رأي السيد الكشميري أنّ الظلمة لا تجتمع مع النور في مكان واحد، بل أنّ هذا السواد والظلمة يجب أن يخرج من القلب لكي يحل النور محلّه. ويقول: إنّ وجود غير الله في قلوبنا هو الذي يضيّق المكان على الله تعالى، وهو لا يدخل القلب مادام غيره فيه، فيجب على السالك أن يراقب نظره لئلا يكون لغير الله ونطقه لغير الله وسمعه لغير الله، ويجب عليه إخراج ما هو سواد وظلمة من قلبه.

ويقول تلميذ آخر من تلاميذه: إنّ المراقبة هي عين مجاهدة النفس، أي أنّ الإنسان يجب عليه مراقبة كل ما يصدر عنه من أعمال طول اليوم ليكون محبوباً عند الله تعالى، ويواظب أن لا يأتي بعمل يكون بسببه مغضوباً عليه عند الله تعالى.

ويقول السيد صداقت : ورأي السيد الكشميري للمبتدئين في السلوك هي أولاً مراقبة الفكر , وبعد هذه المراقبة يأتي دور مراقبة العين والاُذن واللسان . ويقول السيد الكشميري : إنّ للأذكار والأدعية تأثيراً مع توفر شروطها , ولكنّ المراقبة هي الشرط الأول للسلوك والكلمة الاُولى لها .

وأمّـا المجاهدة :

فهي بذل الوسع في سبيل تخلية النفس من الرذائل الأخلاقية وتحليتها بالصفات الأخلاقية الحميدة , والاستقامة على جادة الشريعة المقدسة .

وأمّـا ماهي أفضل الطرق لمجاهدة النفس ؟ فيقول السيد الكشميري : إنّ أفضل طريق لمجاهدة النفس هو الذكر الدائم مصحوباً بالمراقبة .

والخطوة الأولى التي ينبغي للسالك أن يخطوها هي ترك المعاصي وهجران الذنوب , ثم يأتي بعدها العمل بالأذكار والأوراد لكي تؤدي نتيجتها المطلوبة في حصول الاستقامة المطلوبة ﴿ فاستقم كما اُمرت ومن تاب معك ﴾ , فإذا حصلت الاستقامة أثمرت المجاهدة نتيجتها في نزول ملائكة الرحمة على العبد : ﴿ إنّ الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا تتنزلّ عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون ﴾ .

وهذا ما كان يوصي به السيد الكشميري, يقول تلميذه الشيخ القائمي : إنّ أول ما كان يوصي به هو التقوى , ويقول : كونوا عبيداً لله تعالى ولا تعصوه .

ويواصل القائمي حديثه قائلاً : من المتعارف أنّ الكمالات التي يتمتع بها عبيد الله سبحانه تأتي بعد مرحلة ترك المحرمات والعمل بالواجبات . وكان السيد الكشميري إذا مارأى شخصاً قد تخطّى هذه المرحلة ولم يكن من أهل المعاصي ولم يترك واجباً عليه , فحينئذ يتحفه بإرشاد من إرشاداته , فمثلاً يوصيه بأن يكون توجّهه إلى الله أكبر , أو يعطيه ذكراً مناسباً له , ومن هنا تكون البداية والمنطلق . وأمّا نقطة البدء لاُولئك الذين لا يحظون بماض نظيف وقضوا ردحاً من أعمارهم في ممارسة المعاصي والمنكرات فيقول السيد الكشميري : إنّ الطريق مفتوح للجميع , واؤلئك الذين لايتمتعون بماض جيد عليهم بالاستغفار وذكر اليونسية - لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين - والعزم على عدم تكرار ما ارتكبه من المعاصي .

والاستقامة تحتاج إلى جد واجتهاد ومثابرة شديدة , وإنّ الكسل والضجر لا يوصلان إلى نتيجة ويمنعان الإنسان حظه في الدنيا والآخرة . يقول السيد الكشميري : إن الجد والاجتهاد يوصلان الإنسان إلى الاستقامة , ولا يوصل الكسل أحداً إلى أي درجة ومقام . والحالات إذا لم تصر ملكة فأنّها تزول مع أقّل غفلة , ولا يقبل العرفاء السالك المتلونّ لأنّه ترك مجاهدة نفسه ورقيها في مدارج الكمال وأخذ يركض وراء هذا وذاك طلباً للأخبار فقط , مع أنّ طرق هذا الباب وذاك لا يوصلان السالك إلى نتيجة .

وأمّا طريقة السيّد الكشميري في تطهير الباطن من الرذائل فيقول تلميذه الشيخ القائمي : كان رأي السيد الكشميري أنّه يوجد طريقان في كيفية إزالة الصفات الرذيلة وعلاجها :

الطريق الأول : هو طريقة المجاهدة حيث يجب على الإنسان تحمل المشاق والرياضات لإزالتها .

الطريق الثاني: هو أنّ السالك إذا وصل إلى مقام معين فإنّ جميع الرذائل ستزول مرّة واحدة كالغريق الذي يأتيه شخص فينقذه أو كالشخص الذي تكون رجله أو يده نجسة فيغطس جميع بدنه في كرّ من الماء فأنّ جميع بدنه سيطهر , وهذا المقام يقتضي أن يكون الإنسان ذاكراً لله تعالى دائماً وحينئذ ستزول جميع الصفات الرذيلة مرّة واحدة لا تدريجياً , فإنّ ذكر الله تعالى ومحبته تمنعان الإنسان من الإقدام على ممارسة أي عمل قبيح .

ومع أنّ السيد الكشميري قـد مارس رياضات شاقة إلاّ أنّه يرجّح الطريق الثاني وهو طريق حبّ الله تعالى ويعتبره الأصلح , وكان يؤكّد عليه كثيراً .

ولكن كيف يكون الإنسان دائم الذكر لله تعالى مع كل هذه الأعمال والتكاليف التي يجب عليه الإ لتزام بها أداءً لحق نفسه وعائلته ؟ ويسأله أحد الطلبة قائلاً : إنّ أغلب أوقاتنا نقضيها في الدرس فكيف يتسنى لنا ذكر الله تعالى دائماً ؟ ويجيبه السيد الكشميري : إنّـكم وبعد الانتهاء من دروسكم اذكروا الله تعالى فيما بقي من أوقاتكم واعبدوه وتواضعوا له . ويسأله آخر : نحن في الجامعة والمستشفى فكيف نستطيع الجمع بين العمل والذكر الدائم لله تعالى ؟ ويجيبه السيد الكشميري : توجّه إلى الله تعالى في أي وقت ترى فيه مريضاً , وإضافة إلى ذلك خصّص في اليوم نصف ساعة من وقتك للسكوت .

ويقول السيد صداقت : لقد سألني السيد الكشميري مرة : ماهي أخبار الحوزة ؟ فقلت له : إن أخباري جزئية : فقال : الجزئي كلي أيضاً . أي أنّه يقول لي : يجب عليك ألا يكون جميع هواك وتوجّهك للحوزة, وعليك أن تمسك بقوة بطريق الله الذي تسير فيه . وقوله " جزئيها كلي أيضاً " فيه الكثير من الدروس .

ويقول الحاج عضد الله : قال لي السيد الكشميري يوماً : يجب أن يكون توكلك على الله قوياً ومحكماً . فقلت له : وكيف يكون كذلك ؟ فقال : يجب أن يكون قلبك وتوجهك إلى شيء واحد لا إلى جميع الأشياء , وليكن توجّهك المباشر نحو الله سبحانه , وليكن هذا التوجّه صادقاً أيضاً .

ويبيّن السيد صداقت رأي السيد الكشميري في كيفية معالجة الرذائل الأخلاقية والإقلاع عن الصفات غير المحمودة : كان رأيه أن تعالج كل رذيلة بضدّها , فمثلاً من كان عصبياً سريع الغضب يجب عليه أن يقرأ موضوعاً عن الحلم , وعليه أن يتحلّم أي يجبر نفسه على الحلم , أو من كان غير زاهد فيأكل كل طعام ويذهب إلى كل مكان ويعمل أي عمل كان فيجب عليه أن يتزهّد أي يجبر نفسه على الزهد .

وسوف يتخلّص من هذه الرذيلة شيئاً فشيئاً إلى أن تزول تماماً . وكان يعطي مقابل كل رذيلة ما يناسبها من الذكر , فمثلاً يعطي ذكر " يا حليم " لإزالة العصبية والغضب . وكان السيد الكشميري يعتقد أنّ سحق هوى النفس وعدم الاستجابة لشهواتها ومعاندتها هو السبيل الوحيد لكبح جماحها والسيطرة عليها . يقول السيد صداقت : وكلام السيد الكشميري يطابق كلام السيد القاضي في أنّ المسافة بين هذا المكان والجنة هي خطوة واحدة , الخطوة الأولى اسحق بها هوى النفس والخطوة الثانية ستكون الجنة .

ويقول السيد صداقت أيضاً : قيل للسيد الكشميري يوماً : كُتب في حالات أحد العرفاء أنّ قلبه كان يشتهي الماء البارد ولكنّه سحق على نفسه ولم يُذقها طعم الماء البارد عشرين عاماً . فقال : الله أكبر , من المهم جداً أن لاتُترك النفس وماتشتهي .

وأمّـا الذكر :

الذي هو الركن الثالث من أركان معرفة النفس فقد أكّد عليه القرآن الكريم في مواضع عديدة , منها قوله تعالى : ﴿ وأذكر ربّك كثيراً وسبّـح با لعشي والإبكار ﴾ . وقوله تعالى : ﴿ واذكر ربّـك في نفسك تضرعاً وخفية﴾ وقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ .

وأما كيف يكون ذكر الله تعالى مفتاحاً لمعرفة النفس فقد قال تعالى : ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ﴾ . وقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله :( من عرف نفسه فقد عرف ربّه ) . وهكذا تكون معرفة النفس سلّماً لمعرفة الربّ تبارك وتعالى .

ومن هنا كان تأكيد السيد الكشميري وبقية أساتذة العرفان المواظبة المستمرّة على ذكر الله تعالى في كل حال في الشدة والرخاء , والسراء والضراء , والغنى والفقر , والصغر والكبر , والصحة والمرض , والخلاء والملاء , وبكلمة مختصرة على السالك الحضور الدائم في حضرة الحق تبارك وتعالى . ولذلك كان حريصاً أيضاً على تطهير نفوس تلاميذه من أوساخ الغفلة عن ذكر الله عز وجل ويصف لهم العلاج اللازم للتخلص من حديث النفس ووساوس الشيطان . وفي جواب سؤال : ما هو الذكر الذي ينبغي العمل به لنفي الخواطر ؟ قال : ذكر " لا إله إلا الله " .

وأكّد أيضاً على تنبيه السالك إلى حالة الانقباض التي تحصل من الأذكار وبيّن له مكائد الشيطان في بداية طريق السلوك ليصرفه عن الذكر , يقول السيد صداقت : كان رأي السيد الكشميري وخاصة لأولئك المبتدئين في السلوك أنّ للنفس الأمارة والشيطان تأثيراً كبيراً على السالك , فانّ من كان في أوائل السلوك تكون صادراته ووارداته كثيرة جداً , ويترتب على ذلك أحياناً أنّ السالك لا يحصل على نتيجة من أذكاره ابتداءً .

وعندها توسوس له نفسه الأمارة والشيطان بأنّك غير مؤهل لهذا الطريق وغير لائق للذكر ولا يمكن أن تصير إنساناً , وإنّ استمرارك في هذا الطريق لا فائدة وراءه , حينئذ تحدث حالة القبض عند السالك . كما كان السيد الكشميري ينصح السالك في ابتداء أمره بالعزلة عن الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلاً , يقول السيد صداقت : رأي السيد الكشميري للسالكين في ابتداء السلوك أنّه كلّما كثر اهتمامهم وانشغالهم بالناس كان وضعهم أكثر سوءً , ولكن عندما يصل السالك إلى درجة معيّنة فحينئذ لا يؤثّر عليه الاهتمام بهم .

وقد ذكرنا بعض أطراف الحديث عن هذا الموضوع في فصل " الأذكار والأوراد " ونشير هنا إلى بعض المسائل التي لم تذكر هناك :

إن أهم ما يواجه السالك من آثار الذكر هي حالة القبض والبسط التي تحصل له نتيجة لبعض الأذكار أو الحالات , بل أنّ حالة القبض والبسط قد صنفت العرفاء إلى صنفين , فيغلب على صنف منهم حالة القبض , بينما يغلب على الصنف الآخر حالة البسط , وكان السيد الكشميري من الصنف الأول .

يقول الشيخ الناصري أحد تلامذة السيّد الكشميري : كانت تحصل للسيد الكشميري حالة القبض بسبب تكرار الأسماء . وهذا ما أوقع الكثيرين في الخلط واستنتج استنتاجات خاطئة عن سيرة أصحاب الأذكار ,فيقولون إنّ الأذكار تجعل الإنسان سيء الخلق وتُذهب منه حالة التعادل والتوازن . وهذه استنتاجات خاطئة فإنّ الذكر هو علاج لجميع المشكلات , و لكن لابّد من حدوث حالة القبض والبسط للسائرين في هذا الطريق , ومن الممكن أن يقال : إنّ طريقة السيد الكشميري تقتضي القبض غالباً , وكان ينعزل عن الناس في ساعات القبض .

ويواصل الشيخ الناصري حديثه قائلاً : إنّ آثار القبض أكثر من آثار البسط , انظروا إلى القرآن الكريم سترون أنّ اكثر الأنبياء كان دعاؤهم مستجاباً وهم في حالة القبض , فمثلاً قوله تعالى :﴿ كهيعص * ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربّه نداءً خفياً * قال ربّ إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربّ شقياً ﴾ . فسياق الآيات يحكي أنّ دعاء زكريا عليه السلام كان في حال القبض وانقطاع الأمل . وكثيراً مايستجاب دعاء المؤمن إذا كان في حال القبض . والإنسان في حال البسط لايرى مشكلة لكي يدعو من أجل حلّها أو يطلب شيئاً آخر , وإذا نظرنا إلى سيرة الأنبياء والأولياء وأهل الكمال فإنّنا نجد حالتي القبض والبسط مستمرّة معهم إلى أواخر حياتهم . وهذا القبض هو الذي يبعث الإنسان نحو الحركة . ومن النادر أن نجد ولياً يعيش حال البسط بشكل دائم . وكان يأتي إلى السيد الكشميري أحياناً بعض السالكين الذين عاشوا في حال القبض سنوات عديدة فكان السيد يبيّن لهم أفضلية القبض على البسط . فالقبض يبعث على الحركة , ويبعث على الدعاء , وفيه بركات اُخرى كثيرة , غاية الأمر أنّ القبض إذا لم يصحبه البسط فانّه يكون متعباً , ومن كان من أهل العمل بالأسماء فانّه يستطيع بواسطتها السيطرة على حالتي القبض والبسط . ومن الأمور المهمة الاُخرى التي يؤكد عليها السيد الكشميري في مسألة الذكر هي ذكر اليونسية في السجود .

وعندما يكون العبد أقرب إلى الله عز وجل وهو ساجد فمن الطبيعي حينئذ أن تكون السجدة أفضل وسيلة في طي مراحل السلوك . يقول السيد الكشميري : لقد صار إبليس سيء الحظ في الدارين بسبب امتناعه عن السجود لآدم عليه السلام , ولهذا فهو يتضجر من السجود ويجب على السالك عدم ترك السجود , وقد كانت سيرة الأئمة والأولياء على ذلك . وعندما توفي الآخوند الملا حسين قلي الهمداني سُئلت زوجته : ماذا رأيتي من الآخوند ؟ قالت : لقد كان دائماً في حال السجود .

وعندما كان نجل السيد أحمد الكربلائي في حال الاحتضار وقد اجتمع حوله مجموعة من العلماء , كان السيد أحمد الكربلائي مستغرقاً في سجوده في قبو الدار وكأنّ شيئاً لم يحدث , وبعد انتهاء مراسم دفن  ولده ذهب على قبره يقرأ له الفاتحة .

وقال أيضاً : لقد كانت للأئمة عليهم السلام سجدات , منها سجدة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام التي يقول فيها : " إلهي عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك " . وهي سجدة جيدة جداً . وإذا اُتي بذكر اليونسية ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) في السجود من بعد صلاة العشاء إلى اُخر ظلام الليل مع مراعاة شرائطها فإنّها توصل السالك إلى حالة التجرد الروحي .

 

وقد كان جدّنا السيد حسن الكشميري صاحب سجدة طويلة جداً بحيث أنّ عائلته كانت تغطيه بالبطانية أو بقطعة من قماش .

وكان المرحوم السيد علي القاضي أيضاً كثير السجود , وقد ذهبت يوماً إلى منزلة فرأيته في حالة السجود , وقد كانت سجدته طويلة إلى درجة أنّي خرجت من الدار وهو لا زال في سجوده .

وكان المرحوم السيد هاشم الحداد أيضاً كثير السجود يكرر فيها ذكر اليونسية . وكان يأتي بذكر " يا الله يا إله ياربّ " في سجدة تستغرق ساعة كاملة , وهي مؤثرة في تقوية الروح والقلب .

وجاء في كلمات السيد أحمد الكربلائي : آت بالسجدة المعهودة ( ذكر اليونسية ) في كل ليلة بعد صلاة العشاء.

وكان الشيخ محمد البهاري يقول : إذا استطعت أن تأتي في كل ليلة بسجدة طويلة فافعل ... وطبعاً مع حضور القلب .

ويقول السيد صداقت : كانت سيرة السيد الكشميري بعد كل صلاة أنّه يضع جبهته على التربة ويقول ثلاث مرات : الحمد لله , ثم يضع خده الأيمن على التربة ويقول ثلاث مرات : شكراً , ثم يضع خده الأيسر على التربة ويقول ثلاث مرات : استغفر الله .

وعندما سُئل عن هذه السجدة قال : لقد صار ابراهيم عليه السلام خليلاً لله بهذه السجدة . ويقول الإمام الصادق عليه السلام : إنّما اتّخذ الله إبراهيم خليلاً لكثرة سجوده على الأرض . وقد جاء في التاريخ : إنّ إبراهيم عليه السلام قد فارق الحياة وهو ساجد .

وأخيراً فإنّ منهج السيد الكشميري في معرفة النفس هو نفس منهج السيد علي القاضي , يقول السيد الكشميري : إن إرشادات السيد القاضي في معرفة النفس ومعرفة الرب كانت مؤثرة جداً . ويقول السيد صداقت : من الصحيح أنّ السيد الكشميري استفاد من الشيخ مرتضى الطالقاني في الأخلاق , وعاشر آخرين وأخذ عنهم , ولكن تأثّره الأصلي كان بالسيد علي القاضي , أي أنّ أكثر المسائل التي بيّنها كانت في معرفة النفس , وطريقته ومنهجه هي نفس طريقة ومنهج السيد علي القاضي .

 

 

v  معرفة الربّ :

وأركانها أربعة : المكاشفة , والمعاينة , والفناء , والبقاء .

يقول السيد صداقت في بيان الفرق بين المكاشفة والمعانية ( المشاهدة ) :

 يقول المرحوم السيد الخميني في وصيته لولده : يابني أول ماأوصيك به إياك وإنكار مقامات أهل المعرفة فإنّه شأن الجهّال وطريقتهم , واتقِ منكري مقامات الأولياء فانّهم قطاع طريق الحق . ويسمّى شهود تجلّي الأفعال محاضرة , وشهود تجلّي الذات مشاهدة . والمكاشفة هي حالة انفتاح عين بصيرة الإنسان في اليقظة لمدة قصيرة فيرى موضوعات من الغيب . ويمكن القول هنا : إنّ أدق مسائل العرفان هي هذه المكاشفة , لأنّ قوة الخيال والوهم والتصورات المسبقة تكون أحياناً دخيلة في المكاشفة , وحينئذ تدعو الشخص إلى اتخاذ موقف . فمثلاً رأى أحد الأولياء - والذي كُتب حوله كتاب أيضاً- في وقت ما في عالم المكاشفة أنّ جميع الفلاسفة في البرزخ في وسط النار والدخان باستثناء المرحوم آية الله الكمباني . وبما أنّ وليّ الله هذا  لم يكن من أهل العلم وقد سمع من بُعد كلاماً ضد الفلاسفة فلهذا رأى جميع الفلاسفة بما فيهم الملا صدرا والملا هادي السبزواري في النار والدخان , في حين رأى في الجنة فقيهاً متبحراً لم يكن مشهوراً ومعروفاً بالفلسفة ولم تطلع الحوزات على نظرياته في الفلسفة !

وعندما تحدثنا مع السيد الاسُتاذ عن مقولة هذا الولي تكلّم السيد بكلام أشار فيه إلى قلة درجة هذا الولي.

يقول السيد صداقت : وكان هذا الولي قد قال للسيد القاضي في النجف : إن أمير المؤمنين عليه السلام يقول لك بأن تأتي إلى الحرم . فأفهمه السيد القاضي بالإشارة أن علياً الذي أمرك بهذا هو نفسك لا الإمام علي عليه السلام حقيقة .

وحول هذا الموضوع قال السيد الكشميري : ذهبت مراراً إلى المرحوم الشيخ محمد الكوفي الذي تُنقل عنه قصص كثيرة , وكانت لي معه معاشرة ومخالطة , وكان إنساناً جيداً وبسيطاً , كانت له مكاشفات أحياناً , ولكنها لم تكن مشاهدات ( أي لا يرى شخص إمام الزمان عليه السلام واقفاً إلى جانبه مشاهدة ) , وكان ينقل مكاشفاته أينما ذهب بعنوان مشاهدات , وتحدّث أيضاً في مسائل اُخرى .

وفي يوم نقل إلى الاسُتاذ الموضوع التالي : إنّ أحد أهل المكاشفة رأى الإمام الكاظم عليه السلام يقول للمرحوم آية الله دستغيب إنّ حاجتك الفلانية ستقضى في التأريخ الفلاني , وعند حلول ذلك التأريخ لم تقض تلك الحاجة , فذهب المرحوم دستغيب إلى آية الله الشيخ محمد جواد الأنصاري ونقل له مكاشفة الشخص الفلاني في رؤية الإمام الكاظم عليه السلام يقول له إنّ حاجتي ستقضى في التاريخ الفلاني ولكّنها لم تقضى مع حلول ذلك التأريخ! فقال له المرحوم الأنصاري: إنّ لهذه النفس إلهاً ونبيّاً وإماماً غير الله والنبي والإمام الحقيقيين. وقد صدّق السيد الاُستاذ هذا المطلب.

وفي سؤال وجّه للسيد الكشميري حول إمكان التفكيك بين ملاك المكاشفة والمعاينة، أجاب : المكاشفة هي للفرد الأدنى ومدتها قصيرة، والمعاينة هي الفرد الأكمل ولها ظهور وبروز حيث يرى في الواقع المشاهد إلى جانبه.

وأمّا الركنين الثالث والرابع من أركان معرفة الرب وهما الفناء والبقاء فلم نعثر في كلمات السيد الكشميري إلا على الشيء اليسير منها.

ويظهر من بعض كلماته أنّ العارف الحقيقي هو الذي لا يتعلّق قلبه بالدنيا وزخارفها الباطلة، وعندها يكون الفناء في الله. ففي سؤال وجّه له: هل من الممكن أن يتعلق قلب من عاين الحقائق والمعاني بالمقامات الدنيوية الظاهرة؟ أجاب: من رأى الحقائق واقعاً لا يتعلّق قلبه بالمطالب الصورية والدنيوية، وإذا تعلّق قلبه بها ومال إليها فهو ليس عارفاً حقيقاً ولم يكن فانياً في الحق.

وفي جوابه عن سؤال: ما هو رأيكم بالفناء في الله؟ قال: في أي وقت كانت جميع أعمال العبد لله عز وجل وأهمل أنانيته فحينئذ يكون فانياً في الله عز وجل ويُمحى في المعبود.

وفي جواب سؤال متى يتحقّق للعبد الفناء في الله ؟ قال: يتحقّق الفناء في الله عندما تكون إرادة السالك وعمله لله عز وجل.

وفي جواب سؤال : هل يمكن أن يكون الفناء في الله دائمياً في الأشخاص؟ قال: لا شك في بقائه وديمومته عند الأئمة عليهم السلام بما لهم من مقام جمع الجميع، ولكنّ ديمومته عند غيرهم متعسّر لأنّه يستلزم ترك الزوجة والأطفال والبيت ... إلخ.

وفي جواب سؤال: ما هو معنى الفناء في الله ؟ قال: هو أن يرى الإنسان نفسه لاشيء، ويطلق الفناء على من كان فانياً في الله ولا يرى لنفسه أي حول وقوّة.

ولا ريب أنّ السيد الكشميري قد وصل إلى هذه المراتب والكمالات , وقد انعكس ذلك في وصاياه وإرشاداته لتلاميذه , يقول أحدهم : إنّ مستوى السيد الكشميري أعلى من هذا كلام بنحو يكون الكشف والكرامات مهمة لديه , وكان يقول لنا : إنّ هذه الاُمور غير مهمة وإياكم أن تختطف أبصاركم , وأنّه لمن الطبيعي أن لايكون الإنسان المتقي مقيّداً بمثل هذه المسائل . ومع أنّه كان من أهل الكرامة ولكنّه لم يكن يعتبرها شيئاً مهماً , وقد كنت أشعر دائماً بأنّه موحّد كامل , وكانت وصيته دائماً : لا تذهبوا وراء مثل هذا الكلام وسيروا إلى الله .

وأخيراً كيف يصل السالك إلى هذا المقام الرفيع  مقام الفناء في الله ؟ يقول أحد تلاميذة السيد الكشميري : عندما يدرك السالك بقدر سعة قابليته حضرة الحق سبحانه فانّه يرى نفسه لا شيء أمام تلك العظمة ,وكلّما ازداد كمالاً وحصل على مقامات جديدة ازدادت فيه صفة الترابية والتواضع . وفي مقابل ذلك كلّما ازدادت جوانب الإنيّة والكبر في الإنسان اتّخذت القوى الشيطانية في داخله مقراً لها. ويـتمتع أولياء الله بقدر أكبر من التواضع والخضوع والخشوع قياساً مع الآخرين ويتفوقون عليهم بمراتب في ذلك . ونحن لا نملك شيئاً  في مقابل حضرة الحق سبحانه . وكل مالدينا فهو من إفاضاته وعناياته , وإذا  ما صرفنا أعمارنا في شكر نعم الله تعالى علينا فنحن قاصرون عن شكر نعمة واحدة من نعمه , فلقد أخرجنا من العدم إلى الوجود , وبلطفه وكرمه وفّقنا للأعمال الصالحة , ولهذا ورد في القرآن الكريم والروايات الشريفة أنّ التوفيق للعمل الصالح هو من الله سبحانه , وكل عمل قبيح يأتي به الإنسان فهو من نفسه , لأن الذات الربوبية منزهة عن القبيح . وفي سؤال وجّه للسيد الكشميري : هل رأيت من وصل إلى مقام الفناء في الله ؟ أجاب :نعم المرحوم السيد علي القاضي والسيد هاشم الحداد.

اضغط هنا للرجوع للصفحة الرئيسية لـ "لسان الصدق"